أ.د. أحمد محمد وهبان

الملك فيصل بن عبدالعزيز رحمة الله ( اقوال )

كاتب الموضوع الأصلي: نواف الموسى 333

في نظرته للمستقبل[عدل]«عشنا وعاش أجدادنا على التمر واللبن وسنعود لهما»
«هل تري هذه الأشجار .. لقد عاش آبائي و أجدادي مئات السنين على ثمارها و نحن مستعدون أن نعود للخيام و نعيش مثلهم و نستغني عن البترول , إذا استمر الأقوياء و انتم في طليعتهم في مساعدة عدونا علينا»
في القضية الفلسطينية
اليهود في مدينة القدسفي قصر الاليزيه في باريس وقبيل نشوب حرب 1967 بأيام قليلة، جرى حوار بين الجنرال ديغول وفيصل بن عبد العزيز كالتالي:-

الجنرال ديغول: « يتحدث الناس أنكم يا جلالة الملك تريدون أن تقذفوا بإسرائيل إلى البحر، وإسرائيل هذه أصبحت أمراً واقعاً، ولا يقبل أحد في العالم رفع هذا الأمر الواقع، »
فيصل بن عبد العزيز « يا فخامة الرئيس أنا أستغرب كلامك هذا، إن هتلر احتل باريس وأصبح احتلاله أمراً واقعاً، وكل فرنسا استسلمت إلا أنت انسحبت مع الجيش الإنجليزي، وبقيت تعمل لمقاومة الأمر الواقع حتى تغلبت عليه، فلا أنت رضخت للأمر الواقع، ولا شعبك رضخ، فأنا أستغرب منك الآن أن تطلب مني أن أرضى بالأمر الواقع، والويل يا فخامة الرئيس للضعيف إذا احتله القوي وراح يطالب بالقاعدة الذهبية للجنرال ديجول أن الاحتلال إذا أصبح واقعاً فقد أصبح مشروعا. »
الجنرال ديغول« يا جلالة الملك يقول اليهود إن فلسطين وطنهم الأصلي وجدهم الأعلى إسرائيل ولد هناك، »
فيصل بن عبد العزيز« فخامة الرئيس أنا معجب بك لأنك متدين مؤمن بدينك، وأنت بلا شك تقرأ الكتاب المقدس، أما قرأت أن اليهود جاءوا من مصر غزاة فاتحين، حرقوا المدن وقتلوا الرجال والنساء والأطفال، فكيف تقول أن فلسطين بلدهم، وهي للكنعانيين العرب، واليهود مستعمرون، »
الجنرال ديغول« لكنهم يقولون إن أباهم ولد فيها، »
فيصل بن عبد العزيز« غريب، عندك الآن مائة وخمسون سفارة في باريس، وأكثر السفراء يولد لهم أطفال في باريس، فلو صار هؤلاء الأطفال رؤساء دول وجاءوا يطالبونك بحق الولادة في باريس فمسكينة باريس، لا أدري لمن ستكون؟ »
و قال الملك فيصل في خطبته الأخيرة : « أيُها الإخوة المسلمون :إن القدس الشريف يناديكم ويستغيثكم لتنقذوه من محنته ومما أُبتلي به ، فماذا ننتظر وإلى متى ننتظر ومقدساتنا وحرمتنا تنتهك بأبشع صورة فماذا يخيفنا هل نخشى الموت ؟ ، وهل هناك موته أفضل وأكرم من أن يموت الإنسان مجاهداً في سبيل الله ، نريدها غضبة ونهضة إسلامية لا فيها قومية ولا عنصرية ولا حزبية ، إنما دعوة إسلامية، دعوة إلى الجهاد في سبيل ديننا وعقيدتنا دفاعاً عن مقدساتنا وحرمتنا وأسال الله سبحانه وتعالى ، أن يكتب لي الموت شهيداً في سبيله ، ارجوا أن تعذروني إذا أرتج علي ، فإنني حينما أتذكر حرمنا الشريف ومقدساتنا تنتهك وتستباح وتمثل فيها المفاسد والمعاصي والانحلال الخلقي فإنني أدعو الله مخلصاً إذا لم يكتب لنا الجهاد وتخليص هذه المقدسات ألا يبقيني لحظةً واحدة على الحياة »
في إيقاف تصدير البترول إلى أمريكا يقول وزير الخارجية الأمريكي الأسبق كسينجر في مذكراته أنه عندما التقى الملك فيصل في جدّه، عام 1973 م، في محاوله لإثنائه عن وقف ضخ البترول، رآه متجهما ً، فأراد أن يستفتح الحديث معه بمداعبه

هنري كيسنجر يقول: إن طائرتي تقف هامدة في المطار بسبب نفاد الوقود ، فهل تأمرون جلالتكم بتموينها، وانأ مستعد للدفع بالأسعار الحرة ؟ ! . يقول كيسنجر: فلم يبتسم الملك، بل رفع رأسه نحوي.

فيصل بن عبد العزيزيقول « وأنا رجل طاعن في السن، وأمنيتي أن أصلي ركعتين في المسجد الأقصى قبل أن أموت, فهل تساعدني على تحقيق هذه الأمنية؟!»
من قراراته إيقاف تصدير النفط إلى الولايات المتحدة الأمريكية – صدر في بيان عن الديوان الملكي السعودي في عهد الملك فيصل بتاريخ 22 رمضان 1393هـ،

« نظراً لازدياد الدعم العسكري الأمريكي لاسرائيل, فإن المملكة العربية السعودية, قررت ايقاف تصدير البترول للولايات المتحدة الأمريكية لاتخاذها هذا الموقف .»[

المرأه الحديدية و ابنة البقال

كاتب الموضوع الأصلي: نواف الموسى 333

توفيت يوم الإثنين مارغريت تاتشر رئيسة وزراء بريطانيا السابقة، التي تعد إحدى الوجوه البارزة في السياسة العالمية للقرن العشرين حتى أنها لقبت بـ”صاحبة المعجزات السياسية والأرقام القياسية”.

كانت تاتشر أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة في تاريخ بريطانيا العريقة، وهي أكثر الشخصيات شعبية بين رؤساء الحكومة البريطانيين حسب استطلاعات رأي متعددة، وهي أيضاً أول رئيسة للوزراء يتم انتخابها ثلاث مرات متتالية، وكان فوزها في كل مرة ساحقاً، وهي أيضا صاحبة أطول مدة على كرسي الحكم، إذ استمرت أحد عشر عاماً متصلة، ولذلك أطلق على حقبة الثمانينات عقد “التاتشرية” نسبة إليها.

“ابنة البقال” عاشقة السياسة والاقتصاد

إضافة إلى الأرقام القياسية في السياسة، فإن تاتشر صاحبة الكثير من الألقاب التي أطلقت عليها طوال مسيرتها السياسية الحافلة. وأول تلك الألقاب كان لقب “ابنة البقال” الذي أطلقته عليها الصحافة البريطانية.
ولدت تاتشر سنة 1925، واسمها بالكامل مارغريت هيلاروبرتس، وهي الابنة الثانية لوالدها صاحب دكان البقالة أسفل بيت العائلة الذي قضت فيه تاتشر ثمانية عشر عاماً.

وكان والدها البقال مهتما بالحياة السياسية ويحمل معه اهتمامه وأفكاره إلى البيت، وما إن وجد اهتماما من الصغيرة مارغريت بالسياسة هي الأخرى، حتى أخذ يوفر لها كل احتياجاتها من الكتب والجرائد وأخذ يشجعها على القراءة ومتابعة الأحداث التي تشهدها البلاد.

وإضافة إلى السياسة، فقد تعلمت تاتشر أمور الاقتصاد والتدبير من أبيها البقال، فموارد الأسرة المالية كانت ضعيفة ونادرة مما جعلها شديدة الاقتصاد، حريصة على تدبير أمور حياتها بصورة دقيقة.

وقد كان التنظيم الشديد في حياة تاتشر أحد اسباب تفوقها في الدراسة الابتدائية بمدرسة “غراتنام” وهي مدرسة حكومية عادية وليست مثل المدارس الخاصة التي يقصدها أبناء النبلاء والأغنياء، ولذلك كانت أول رئيسة للوزراء تتخرج من المدارس الحكومية، فأغلب رؤساء الوزراء الذين سبقوها ينحدرون من أسر ثرية.

ابنة البقال تميزت أيضاً في مجالات الرياضة والموسيقى خاصة آلة البيانو، وإذا كان أبوها لقنها السياسة والاقتصاد، فإن أمها علمتها الخياطة وأشغال البيت عموما مما جعلها تنمي حسها العائلي في وقت مبكر.

وبعد الدراسة الابتدائية والثانوية، التحقت تاتشر بجامعة أكسفورد العريقة حيث درست الكيمياء، وقد بدأ اهتمامها بالسياسة يتشكل أكثر خلال دراستها الجامعية من خلال دورها البارز في نادي المحافظين. وفي سنة 1951 تزوجت من دينيس تاتشر وكان يعمل ضابط مدفعية سابق قبل أن يتولى إدارة عدد من شركات البترول، وأنجبت منه توأمان هما مارك وكارول.

محاولات سياسية فاشلة

المسار السياسي الأسطوري لتاتشر بدأ بمحاولتين فاشلتين، ثم بعدهما نجحت في الانتخابات البرلمانية لتصبح عضواً في مجلس العموم البريطاني، وهناك أخذت مواهبها السياسية تتفتح، فجلسات مجلس العموم أصبحت مجالا لتظهر فيها براعتها الخطابية وأسلوبها المؤثر وصوتها الرزين وشخصيتها الآسرة. كل هذه المواهب جعلتها عضوة متميزة في مجلس العموم البريطاني “البرلمان” وواحدة من الأعضاء البارزين في حزب المحافظين ليتم تعيينها متحدثة باسم الحزب.

أما أول منصب هام تولته تاتشر فكان المنصب الذي أسنده إليها ماكميلان رئيس الوزراء البريطاني في وزارة التأمين الاجتماعي، وقد برزت مواهبها بشكل واضح عندما ألقت أول خطاب بخصوص العمل في الوزارة، حيث تميز بالدقة والحيوية واتساع الرؤية.

وفي حكومة “إدوارد هيث”، تولت منصب وزيرة التعليم، وقد تركت بصمات هامة على السياسة التعليمية البريطانية، حيث اهتمت بالتربية وبالمراحل الأولى من التعليم، كما عملت على زيادة أعداد المعلمين المؤهلين وإعادة تدريبهم وتكوينهم.

وكانت خسارة “إدوارد هيث” للانتخابات ثلاث مرات من أربعة خاضها حزب المحافظين تحت قيادته، هي التي دفعت تاتشر لأن ترشح نفسها ضده في انتخابات زعامة الحزب، وقد حققت انتصاراً ساحقاً وتأهلت لخوض المعركة الانتخابية في 1979، حيث حققت انتصاراً تاريخياً وأصبحت أول رئيسة للوزراء في تاريخ بريطانيا.

حينما تم انتخابها، كانت مؤشرات الاقتصاد البريطاني سيئة للغاية، فمعدلات النمو كانت منخفضة والتضخم في ازدياد وأعداد العاطلين في ارتفاع، فبدأت تاتشر مراحل الإصلاح الطويل الذي أتى بثماره بعد أعوام لتصبح بريطانيا في طليعة الدول الصناعية الكبرى، وليرتفع معدل الدخل بها إلى حد كبير بعد انخفاض معدلات التضخم والبطالة.

وكان الانتصار الكبير الذي حققته القوات البريطانية على الأرجنتين سنة 1982 عاملاً هاماً في إعادة انتخاب تاتشر رئيسة للوزراء في 1983 و في1987 أعيد انتخابها رئيسة للوزراء وكان العامل الأساسي لنجاحها سياستها الاقتصادية الناجعة.

تميزت مارغريت تاتشر بالعناد والصلابة والتمسك برأيها حتى النهاية، مما أدى إلى استقالة عدد كبير من وزرائها ومعاونيها، وكان من الطبيعي أن ينقلب عليها حزبها متهماً إياها بالديكتاتورية والتصلب. وخوفاً من حدوث انقسامات خطيرة تهدد كيان الحزب آثرت تاتشر الانسحاب.

ففي 22 نوفمبر سنة 1990 أعلنت تاتشر استقالتها من منصب رئيس الوزراء، ولم تكن هذه الاستقالة مفاجأة لأحد إذ جاءت بعد تصاعد الصراع داخل الحزب والحكومة في بريطانيا، وتم انتخاب جون ميجر خلفًا لها.

وظلت تاتشر بمجلس العموم البريطاني حتى سنة 1992، وفي العام نفسه منحت لقب “البارونة”، وأصبحت عضواً بمجلس اللوردات، ثم اعتزلت السياسة فيما بعد لتعيش تقاعدها المريح صحبة أسرتها حتى يوم إعلان وفاتها.

المرأه الحديدية و ابنة البقال

كاتب الموضوع الأصلي: نواف الموسى 333

توفيت يوم الإثنين مارغريت تاتشر رئيسة وزراء بريطانيا السابقة، التي تعد إحدى الوجوه البارزة في السياسة العالمية للقرن العشرين حتى أنها لقبت بـ”صاحبة المعجزات السياسية والأرقام القياسية”.

كانت تاتشر أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة في تاريخ بريطانيا العريقة، وهي أكثر الشخصيات شعبية بين رؤساء الحكومة البريطانيين حسب استطلاعات رأي متعددة، وهي أيضاً أول رئيسة للوزراء يتم انتخابها ثلاث مرات متتالية، وكان فوزها في كل مرة ساحقاً، وهي أيضا صاحبة أطول مدة على كرسي الحكم، إذ استمرت أحد عشر عاماً متصلة، ولذلك أطلق على حقبة الثمانينات عقد “التاتشرية” نسبة إليها.

“ابنة البقال” عاشقة السياسة والاقتصاد

إضافة إلى الأرقام القياسية في السياسة، فإن تاتشر صاحبة الكثير من الألقاب التي أطلقت عليها طوال مسيرتها السياسية الحافلة. وأول تلك الألقاب كان لقب “ابنة البقال” الذي أطلقته عليها الصحافة البريطانية.
ولدت تاتشر سنة 1925، واسمها بالكامل مارغريت هيلاروبرتس، وهي الابنة الثانية لوالدها صاحب دكان البقالة أسفل بيت العائلة الذي قضت فيه تاتشر ثمانية عشر عاماً.

وكان والدها البقال مهتما بالحياة السياسية ويحمل معه اهتمامه وأفكاره إلى البيت، وما إن وجد اهتماما من الصغيرة مارغريت بالسياسة هي الأخرى، حتى أخذ يوفر لها كل احتياجاتها من الكتب والجرائد وأخذ يشجعها على القراءة ومتابعة الأحداث التي تشهدها البلاد.

وإضافة إلى السياسة، فقد تعلمت تاتشر أمور الاقتصاد والتدبير من أبيها البقال، فموارد الأسرة المالية كانت ضعيفة ونادرة مما جعلها شديدة الاقتصاد، حريصة على تدبير أمور حياتها بصورة دقيقة.

وقد كان التنظيم الشديد في حياة تاتشر أحد اسباب تفوقها في الدراسة الابتدائية بمدرسة “غراتنام” وهي مدرسة حكومية عادية وليست مثل المدارس الخاصة التي يقصدها أبناء النبلاء والأغنياء، ولذلك كانت أول رئيسة للوزراء تتخرج من المدارس الحكومية، فأغلب رؤساء الوزراء الذين سبقوها ينحدرون من أسر ثرية.

ابنة البقال تميزت أيضاً في مجالات الرياضة والموسيقى خاصة آلة البيانو، وإذا كان أبوها لقنها السياسة والاقتصاد، فإن أمها علمتها الخياطة وأشغال البيت عموما مما جعلها تنمي حسها العائلي في وقت مبكر.

وبعد الدراسة الابتدائية والثانوية، التحقت تاتشر بجامعة أكسفورد العريقة حيث درست الكيمياء، وقد بدأ اهتمامها بالسياسة يتشكل أكثر خلال دراستها الجامعية من خلال دورها البارز في نادي المحافظين. وفي سنة 1951 تزوجت من دينيس تاتشر وكان يعمل ضابط مدفعية سابق قبل أن يتولى إدارة عدد من شركات البترول، وأنجبت منه توأمان هما مارك وكارول.

محاولات سياسية فاشلة

المسار السياسي الأسطوري لتاتشر بدأ بمحاولتين فاشلتين، ثم بعدهما نجحت في الانتخابات البرلمانية لتصبح عضواً في مجلس العموم البريطاني، وهناك أخذت مواهبها السياسية تتفتح، فجلسات مجلس العموم أصبحت مجالا لتظهر فيها براعتها الخطابية وأسلوبها المؤثر وصوتها الرزين وشخصيتها الآسرة. كل هذه المواهب جعلتها عضوة متميزة في مجلس العموم البريطاني “البرلمان” وواحدة من الأعضاء البارزين في حزب المحافظين ليتم تعيينها متحدثة باسم الحزب.

أما أول منصب هام تولته تاتشر فكان المنصب الذي أسنده إليها ماكميلان رئيس الوزراء البريطاني في وزارة التأمين الاجتماعي، وقد برزت مواهبها بشكل واضح عندما ألقت أول خطاب بخصوص العمل في الوزارة، حيث تميز بالدقة والحيوية واتساع الرؤية.

وفي حكومة “إدوارد هيث”، تولت منصب وزيرة التعليم، وقد تركت بصمات هامة على السياسة التعليمية البريطانية، حيث اهتمت بالتربية وبالمراحل الأولى من التعليم، كما عملت على زيادة أعداد المعلمين المؤهلين وإعادة تدريبهم وتكوينهم.

وكانت خسارة “إدوارد هيث” للانتخابات ثلاث مرات من أربعة خاضها حزب المحافظين تحت قيادته، هي التي دفعت تاتشر لأن ترشح نفسها ضده في انتخابات زعامة الحزب، وقد حققت انتصاراً ساحقاً وتأهلت لخوض المعركة الانتخابية في 1979، حيث حققت انتصاراً تاريخياً وأصبحت أول رئيسة للوزراء في تاريخ بريطانيا.

حينما تم انتخابها، كانت مؤشرات الاقتصاد البريطاني سيئة للغاية، فمعدلات النمو كانت منخفضة والتضخم في ازدياد وأعداد العاطلين في ارتفاع، فبدأت تاتشر مراحل الإصلاح الطويل الذي أتى بثماره بعد أعوام لتصبح بريطانيا في طليعة الدول الصناعية الكبرى، وليرتفع معدل الدخل بها إلى حد كبير بعد انخفاض معدلات التضخم والبطالة.

وكان الانتصار الكبير الذي حققته القوات البريطانية على الأرجنتين سنة 1982 عاملاً هاماً في إعادة انتخاب تاتشر رئيسة للوزراء في 1983 و في1987 أعيد انتخابها رئيسة للوزراء وكان العامل الأساسي لنجاحها سياستها الاقتصادية الناجعة.

تميزت مارغريت تاتشر بالعناد والصلابة والتمسك برأيها حتى النهاية، مما أدى إلى استقالة عدد كبير من وزرائها ومعاونيها، وكان من الطبيعي أن ينقلب عليها حزبها متهماً إياها بالديكتاتورية والتصلب. وخوفاً من حدوث انقسامات خطيرة تهدد كيان الحزب آثرت تاتشر الانسحاب.

ففي 22 نوفمبر سنة 1990 أعلنت تاتشر استقالتها من منصب رئيس الوزراء، ولم تكن هذه الاستقالة مفاجأة لأحد إذ جاءت بعد تصاعد الصراع داخل الحزب والحكومة في بريطانيا، وتم انتخاب جون ميجر خلفًا لها.

وظلت تاتشر بمجلس العموم البريطاني حتى سنة 1992، وفي العام نفسه منحت لقب “البارونة”، وأصبحت عضواً بمجلس اللوردات، ثم اعتزلت السياسة فيما بعد لتعيش تقاعدها المريح صحبة أسرتها حتى يوم إعلان وفاتها.

الحسد السياسي سبيل الفاشلين .. فما هو سبيلنا .؟

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالعزيزالعنزي36336

بسم الله الرحمن الرحيم

ما أن تبحث عن كلمة الحسد الا وتجد المئات من المقالات والآراء التي تتناول كافة تصانيفه وتعاريفه، ولا أعلم تحديدا معنى لذلك غير اعتقاد الكثير منا بوجود تلك الظاهرة بين جميع شرائح المجتمع وبالتأكيد منهم السياسيين.يقال في الاثر عن آفة العلماء الحسد، فاذا كان حال العلماء ذلك فما بال السياسيين؟ في الكويت ومجمل الدول العربية تجد معظم السياسيين يحاولون الوصول لأهدافهم بالطرق القصيرة والتي لا تكون الا من خلال هدم انجازات غيرهم والتقليل من شأنها لكون الطريق الأصعب المتمثل بالمبادرة والمثابرة والابداع والمصداقية يتطلب جهدا وطاقة أكبر بكثير مما يتطلبه سبيل التصيد والنميمة وبث الاشاعات والتهم الوضيعة. مشكلتنا في الكويت مع السياسيين الفاشلين الذين لا يتركون طريقا للتزلف والتسلق الا وطرقوه، ولا يتسنّى لهم ذلك الا عبر بث الرعب من الآخر الناجح صاحب المبادرة والمصداقية. مشكلتنا ليست في هؤلاء الفاشلين ولكن ممن يستمع لهم بل وقد يستمتع بمقالهم ولقائهم دون الطلب منهم بدليل فيما يدعونه والبحث عن حقيقة ما يصبون لهم عندما يحاولون التقليل من شأن خصومهم. لذلك فان ندرة الابداع والمبادرات تكاد تكون معدومة في مجتمعنا، فالطريق الأقصر للوصول هو ليس عبر العمل الصادق المحاط بنبل الفرسان بل الطريق أصبح ممهدا لذوي الوشايات السود. وعلى هذا الحال، يحق لنا ان نتساءل هل من الممكن الوصول لغياتنا واهدافنا الوطنية عبر سبل هؤلاء الفاشلين؟ بطبيعة الحال لا يمكن، فالحسد المذموم ربانيا لا يمكن ان يورث السعادة والدعة. اذن ما هو المخرج وقد تكاثر هؤلاء في زحمة سوق السياسة حيث كثر الفساد وازداد عدد المتاجرين بمصالح الأمة عبر الحط من الآخرين الجادين من اصحاب المبادرات الوطنية والذين صبروا كثيرا حتى أصبحوا قلة؟ اننا أحوج اليوم الى تمعن فكري فيما نحن فيه والخروج من زوبعة الفنجان التي لا تحتوي الا ما قاله فلان عن فلان. اننا بحاجة الى تعمق في معنى «الخروج من أنفسنا للتغيير» أو التجرد من أجل التغيير الذي يتطلب جهدا نفسيا ومعنويا قبل أي شيء آخر.لقد أصبحنا في سجون أنفسنا فلم نعد نستطع التفكير الا من خلال القوالب الحديدية التي صنعها لنا سوق حدادي الحسد السياسي. نحن بحاجة الى نسف كلي للنسق الفكري الذي ننطلق منه لتشخيص الحالة السياسية كي نتغلب على البديهيات المختلة التي تشكل متبنياتنا الاجتماعية والسياسية. لقد نجح هؤلاء الفشلة من السياسيين الذين سودوا حياتنا الاجتماعية بظلام تجميد فكر التغيير واستبعاد ضوء حرية استيعاب فكر ورأي الآخر. لقد عمد هؤلاء في حقن وباء تصوراتهم في مخيلاتنا الشبابية حتى أصبح العقم والشلل في رؤية الاشياء بمنظار آخر عملية شبة مستحيلة. اذا بقينا حيث ندور في دولاب هؤلاء الحاسدين الفاشلين، فمن الذي سيحمل لواء مكافحة آلات الحسد التي يمتلكها هؤلاء الا نحن؟ ؟.

مع
لقد تطورت الأمم المتحضرة من خلال احترام المهنية وحب تقديم المبادرة المبدعة التي من شأنها ان تساهم في تقدم المجتمع. الناس هم الذين قرروا من يكون سياسيا ناجحا ولاعبا ناجحا وممثلا ناجحا واقتصاديا ناجحا ومهندسا ناجا من خلال التعاطي الموضوعي فيما يقدمه هؤلاء لا من خلال ما يقال عنهم أو ما يقولونه هم عن خصومهم. الناس هم صناع التغيير، {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم}.

ضد
في الأدبيات السياسية لا يوجد شيء اسمه الحسد السياسي، بل المكر والكيد والكياسة، هذا اذا أردنا ان نتحدث بحق جد عن ارادة التغيير في النمط الفكري السائد. بكل بساطة، نحن في الكويت كسائر المجتمعات الاستهلاكية، نعشق المسايرة والتعايش مع البسيط الممتنع كحب التعاطي مع مطاعم الوجبات السريعة. القلة، ولعلنا نطلق عليهم بالمعقدين، الذين يحاولون تقصي الحقيقة وربط السلوك بالنظرية لصناعة تنظير متبصر مستنير لذلك كثر ما نسميهم بالحساد السياسيين.

د.عبدالله يوسف سهر

الاضرار البيئية للحرب العالمية الاولى

كاتب الموضوع الأصلي: مسلم السبيعي ( 704 )

الحرب العالمية الثانية التي ختمت فصلها الأخير باستخدام السلاح النووي على مدينتي هيروشيما وناغازاكي اليابانيتين مخلفة دمارا بشريا وبيئيا لا يمكن حصرهما؛ فإن دور الحرب العالمية الأولى كمعول هدم بيئي لم يتم تسليط الضوء عليه بالقدر الكافي. إن من السهل على المتابع الوصول إلى أية معلومات تتعلق بالأضرار البيئية للحرب العالمية الثانية، بينما لا يعثر على ما يشير إلى العوامل البيئية حين يطلع على البحوث التي تناولت الحرب العالمية الأولى بالدرس والتحليل.
يبدو للوهلة الأولى أن هذا التغييب راجع إلى تركيز تلك الدراسات على أحداث سياسية اقترنت بتلك الحرب وغيرت وجه التاريخ المعاصر كسقوط آخر قياصرة روسيا وولادة الاتحاد السوفييتي وعقد معاهدة سايكس- بيكو التي تحكمت بالخارطة السياسية لبلدان الشرق الأوسط، إضافة إلى هزيمة ثلاث من كبرى الإمبراطوريات: ألمانيا القيصرية، الإمبراطورية الاسترو- هنغارية، والدولة العثمانية. لهذا الإغفال غير المقصود مبرراته إذ يشي واقع الحال إلى أن اهتمام الباحثين بالمخاطر البيئية جاء متأخرا نسبيا، وتزامن مع التدهور التدريجي للبيئة بدء من حقبتي الخمسينات والستينات من القرن الماضي. حتى «صحوة» الخمسينات والستينات مرت مرور الكرام على أثر العمليات الحربية على الواقع البيئي للكرة الأرضية. غير أن ذلك التجاهل المؤسس على غياب تام أو شبه تام للمنظور البيئي في التعامل مع نشاط هادم كالحرب؛ لا يعني عدم وجود الظاهرة. فمن الطبيعي أن حفر الجرذي لأحد السدود، ليبدو أقل ضجيجا من قذيفة مدفع محشوة بالبارود، مع أن الدمار التقويض في كلتا الحالتين واقع لا محالة. نحن نعلم، من خلال الدراسات والإحصائيات، أن الحرب العالمية الأولى خلفت 16 مليون قتيلا، على وجه التقريب، في شتى بقاع العالم، ناهيك عن ملايين الجرحى والمعوقين. وربما نعلم بالعدد التقريبي لخسائر الأطراف المتحاربة أرضا وسلاحا وواقعا لوجستيا، لكننا لا نملك معلومات موسعة عما أحدثته الأنشطة العسكرية لتلك الحرب من دمار برا وبحرا وجوا، إلا ما ندر. هذا بغض النظر عن النتائج الكارثية المستقبلية التي طالت جل بقاع الدنيا.
غاز وخنادق
يأتي حفر الخنادق، على امتداد آلاف الكيلومترات، لاسيما على الجبهة الأوروبية وكذلك استخدام الغاز السام، في طليعة الممارسات التي برزت إبان الحرب العالمية الأولى. لقد دشنت تلك الحرب أحداثها باستخدام وسائل مبتكرة – لم تستخدم من قبل – ثم عملت على تطويرها تلبية للحاجات العاجلة وللضرورات الميدانية الحربية لحرب لا تبقي ولا تذر! لقد استخدم الفرنسيون الغاز المسيل للدموع منذ المراحل الأولى للحرب أي في سنة 1914، ليأتي الرد ألمانياً حيث استخدم غاز الكلورين للمرة الأولى في 1915 ضد القوات الفرنسية الإنجليزية انتهاكا لبنود اتفاقية «هاغ» Hague، ثم ليرد الحلفاء بالمثل ولكن بغاز سام أكثر تطورا. وفيما يتعلق بالجانب الألماني فإن استخدام الغاز السام جاء كمحصلة لنمو القوة الصناعية الألمانية، جنبا إلى جنب تعاظم المد الأيديولوجي القومي الذي تشبع بالأفكار الفلسفية لنيتشه وهيغل والتي تبنت مبدأ القوة ومفهوم الإنسان السوبرمان. لقد خصص قيصر ألمانيا ويلهلم الثاني مصادر تمويل كبرى لدعم الترسانة الحربية الألمانية وبالأخص من خلال دعم الأسطول البحري الإمبراطوري. وكان من الواضح أن الوضع السياسي السائد في ألمانيا القيصرية كان ميالا للتصعيد كمحصلة للصراعات الإقليمية قبل وبعد بسمارك، إنما كان فقط بحاجة إلى شرارة؛ وخزة دبوس، لم يأل الصربي غافريلو برنسيب جهدا في توفيرها غداة اغتياله لولي عهد النمسا الأرشيدوق فرديناند في سيراجيفو في 28-6-1914. ومع توسع رقعة المعارك الحربية شرعت «انفلونزا» الحرب التي شنتها ألمانيا على الجبهة الأوروبية الغربية بالانتشار لتصل إلى كل بقعة من بقاع الأرض: أفريقيا، دول البلقان، الشرق الأوسط، الهند، بلاد الأناضول، روسيا وشرقي آسيا والمحيطين الأطلسي والباسيفيكي.
الأسلحة الكيميائية عبر التاريخ
تقول الاساطير الاغريقية إن هرقل عمل على تسميم السهام التي كان يطلقها على أعدائه بأن يطليها بمصل الربة هيدرا، كما أشارت الإلياذة والأوديسة كلتاهما إلى قيام الجانبين المتحاربين بتسميم سهام أحدهما الآخر. أما الاستخدام الأقدم للغاز في الحروب فيرجع تاريخه إلى القرن الخامس قبل الميلاد وبالضبط إبان الحرب البيلوبونيزية بين أبناء أثينا والإسبارطيين. لقد قام الجيش الإسبارطي الذي كان يحاصر آنذاك، إحدى القصبات التابعة للعاصمة أثينا، بوضع مزيج من الخشب والزفت والكبريت تحت أسوار المدينة المحاصرة على أمل أن تعمل الأبخرة على شل حركة أبناء أثينا. ولم تنفرد إسبرطة باستخدام التكتيكات غير التقليدية في ذلك المضمار إذ يقال إن صولون الإغريقي قد استخدم جذور أزهار «الخربق» لتسميم مياه نهر «بلايستروس» في حصار مدينة «كيرا». أما القبائل الجرمانية، فلكي تحمي نفسها من هجمات القوات الرومانية المتكررة، قامت بتسميم الأسوار التي يتحصن وراءها الخصم، ما حدا بالمشرعين الرومان إلى إصدار قانون أن «الحرب تخاض بالأسلحة لا بالسموم». وهو القانون نفسه الذي انتهكه الرومان أنفسهم بتسميم مدن الأناضول المحاصرة في القرن الثاني قبل الميلاد.
سير المعارك: عينات عشوائية
22 أبريل 1915 عن تقرير المراسل ويل أروين من جريدة نيويورك تربيون نورد العنوان الرئيس التالي: «الجيش الألماني يشن هجوما بالغاز السام على خطوط الحلفاء» تقرير آخر:27 -أبريل 1915بولونيا: «إن البخار الذي أطلقه الألمان ضد القوات الفرنسية بالقرب من بيريز، مخالف لبنود اتفاقية هاغ، مدخلا عاملا جديدا في الحرب. لقد سبق هجوم الخميس الماضي تصاعد سحابة رمادية اللون تميل للاخضرار القزحي اللمعان. وترسب البخار على أرض المعركة بشكل بركة ضبابية اتجهت إلى الخنادق الفرنسية بفعل قوة الريح. وأدى تأثيره إلى ضرب حاد من النعاس والإغماء أعقبه انهيار تام في القوى البدنية، وهو ما أفضى إلى تسميم الأجواء وشل الجبهة الفرنسة بالكامل». وبعيدا عن المعارك البرية والخنادق التي تجاوزت في الامتداد ألوف الكيلومترات؛ ما شوه أدمة الأرض الأوروبية وبقية جبهات القتال، فإن المعارك البحرية التي شنها الجانبان كانت أشد ضراوة وتدميرا للبيئة البحرية. ففي الثامن والعشرين من آب؟ أغسطس 1914 شنت البحرية البريطانية سلسلة هجمات على الدوريات البحرية الألمانية في الشمال الغربي للبلاد. كانت تلك في طليعة المعارك البحرية التي أسست لفصول ملتهبة على أكبر مسطحين مائيين هما المحيطان الأطلسي والباسيفيكي. تقول الإحصائيات إن ما لايقل عن 5000 سفينة تجارية وحربية أغرقت من قبل غواصات اليو بوت الألمانية، أضف لذلك العدد 178 غواصة ألمانية تم إغراقها على أيدي الحلفاء.لقد عمد البريطانيون إلى تلغيم مئات الكيلومترات من السواحل الألمانية مسببة أضرارا بليغة للبيئة البحرية، وهو المثال الذي سيتكرر في أكثر من مدينة ساحلية في شتى الأصقاع حيث دارت أشرس المعارك آنذاك.
دروس وعبر
إنها دعوة لإعادة فتح ملفات الحرب العالمية الأولى ضمن منظور بيئي يعتمد القرائن والتقارير والمقارنات بالتعشيق مع الفترة التي سبقت تلك الحرب ومع الحرب العالمية الثانية إذ شهدت الحربان سباقا محموما في مضمار التسلح أحال الكرة الأرضية إلى مخزن هائل لشتى أنواع الأسلحة.كما أن الحرب الأولى شهدت استخدامات واسعة النطاق للأسلحة الكيمياوية بدءاً بالغاز السام، إضافة إلى أن الأطراف المتصارعة أدخلوا وطوروا أنواعا مختلفة من الأسلحة كالدبابة والطائرة والمنطاد والمدفع المتحرك على سكة والذي يبلغ مداه مائة الكيلومترا، والاستخدام الأول لحاملة الطائرات وغيرها. إنما هذه بضعة أمثلة من واقع مئات بل ألوف الابتكارات ذات الطابع التدميري. واقع الحال يوحي بأن الحرب العالمية الأولى أسست لعدد من التقاليد العسكرية التي أدت بالتالي إلى وقوع الحرب العالمية الثانية، بل إنها السلسلة الأولى في أحداث قابلة كان سيشهدها الإنسان حتى بعد هزيمة هتلر. باختصار كانت الحرب العالمية الأولى صراعا بين تكتيكات القرن التاسع عشر وتقنيات القرن العشرين، وكانت بمثابة الاختبار المبكر للوجه السيء للثورة الصناعية فشتان ما بين اختراع «مصباح» إضاءة يضيء صفا مدرسيا أو قاعة عمليات بمستشفى ما، وبين قنبلة تعمل باليورانيوم المنضب!.

النظام العالمي الجديد

كاتب الموضوع الأصلي: يوسف الفوزان209

نشوء النظام العالمي الجديد ومفهومه:
انبثق النظام العالمي الجديد بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية على رؤى خاصة تنبع من الهيمنة الأمريكية على الاقتصاد العالمي وحتى تكون الإمبراطورية الأمريكية حفيدة الإمبراطورية البريطانية تقوم على انقضائها مُدعمة بمؤسسات مالية وسياسية وعسكرية قادرة على خوض النظام العالمي الاقتصادي والسياسي والعسكري الذي تريده.
إن المؤسسات التي ساعدت على قيام النظام العالمي الجديد تتمثل في هيئة الأمم المتحدة التي أصبحت أداة طائعة لينة تمرر من خلالها مشيئات الدول الكبرى وفي طليعتها الدولة المهيمنة على النظام العالمي الجديد، وهي الولايات المتحدة الأمريكية.
لذلك تسعى الولايات المتحدة إلى تهميش دور الأمم المتحدة والعمل على صياغة العالم حسب أهوائها ومصالحها حتى يتسنى لها السيطرة على العالم وتحجيم إرادة الشعوب.
أما المؤسسة الثانية وهي صندوق النقد الدولي والبنك الدولي للإنشاء والتعمير وهما مؤسستان تشرفان وبتخطيط أمريكي على تنفيذ سياسة إغراقية للدول النامية عن طريق القروض المالية الهائلة التي من شأنها أن توفر غطاءاً شرعياً لهذه المؤسسات كي تقوم بالتدخل في وضع السياسات الاقتصادية تحت عنوان برنامج التصحيح الاقتصادي( ).
لهذه الدول المترنحة تحت وطأة الدين الأجنبي مما يؤدي إلى إخفاقها اقتصادياً وعجزها عن الوفاء بالتزاماتها من الديون وعندئذٍ يجري إخضاع كافة أنشطة القطاعات الاقتصادية والبرامج الاجتماعية لحكومات تلك الدول الاحزمة من الأوامر يصدرها صندوق النقد الدولي.
أما البنك الدولي فقد تم تأسيسه لتمويل المشاريع الاقتصادية في المناطق التي تخضع للهيمنة الأمريكية ليظل هذا العالم يدور في فلك الرأسمالية التي أعدت نفسها إعداداً كفل لها الخروج من الحرب منتصرة، وبقيت في صدارة العالم حيث قامت هذه الدول بفرض سياساتها وثقافاتها فأصبحت معاهد التعليم أوكاراً للجنس والمخدرات والمتشردون في الأزقة والشوارع وأنفاق المترو والنتيجة الحتمية لهذا كله أن تحولت أمريكا إلى امبراطورية تمتلك ذراعاً عسكرياً رادعاً وباعاً اقتصادية متمرسة وقادرة، وقامة سياسية شامخة ومطرقة طويلة تضرب بها رؤوس الخارجين عن سياستها، ونتيجة ذلك أن قامت بعض الدول بالاتكاء على أمريكا طمعاً في استرضائها والعيش في ظلالها كالقط( ).

حق تقرير المصير في النظام العالمي الجديد:
لقد عكس مفهوم تطوير حق تقرير المصير بعد الحرب العالمية الثانية معالم الكفاح المسلح الدولي ضد الاستعمار.
أما بعد الحرب الباردة فإن التطبيق العلمي للمفهوم بهذه الصورة ركز على تعرية الدول ذات السيادة بالمطالبة بالحكم الذاتي.
من الواضح جداً أنه سيكون على دول العالم في النظام العالمي الجديد تطوير معايير وقواعد مترابطة من أجل تقرير المصير قائمة على احترام حقوق الإنسان، وسوف يحتاج التعامل الفعال مع مطالب هذه الفئات بتقرير المصير منحنى منسق يقوم على مبادئ ومعايير موحدة.
يعزى التمزق السريع لبعض دول أوروبا الشرقية وكذلك الصراعات المتعددة التي اندلعت في مجموعة الدول المستقلة إلى توكيد الذات والمطالبة بتقرير والحصول على دولة وسيادة خاصة بها.
وفي عام 1992 تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة إعلان حقوق الإنسان والأشخاص الذين ينتمون إلى أقليات عرقية، وقد اتسم اعتبار مبدأ تقرير المصير داخلاً ضمن إطار اللجنة الخاصة بمبادئ القانون الدولي المتعلق بالعلاقات الودية والتعاون بين الدول.
وقد أصر إعلان الأمم المتحدة على أنه: لجميع الشعوب الحق في تقرير مصيرها بحرية دون تدخل خارجي، وأن من واجب كل أمة احترام هذا الحق.
إن الاعتراف العام بمبدأ المساواة في الحقوق وتقرير المصير مبدءاً أساسياً في القانون الدولي في النظام العالمي الجديد، ويعتبر تقرير المصير أحد الشروط المسبقة من أجل قيام المجتمع الدولي في النظام العالمي الجديد بوظائفه وتنمية نفسه بصورة سليمة، كما ينظر إلى تقرير المصير على أنه شرط مسبق لضمان وحماية حقوق الإنسان.
وإذا نظرنا إلى الأفراد وهويتهم على أنهم من القيم الرئيسية في المجتمع الحديث في النظام العالمي الجديد، ولم يعثروا على هوياتهم فإنه يجب الاعتراف من جانب النظام العالمي الجديد بمطالب الجماعات الصغرى بحق تقرير المصير.
وإزاء هذا كله يجب أن يتضح أن دور النظام العالمي الجديد ومختلف مؤسساته بما فيها الأمم المتحدة دوراً له أهميته، فيجب أن تطور وجهات نظر مفهومة ومناسبة لحق تقرير مصير الشعوب ولكن يجب مراعاة عدد من الاعتبارات التالية:
1- دراسة الأسباب الحقيقية للمطالبة بتقرير المصير والصراعات المتصلة بتلك الأسباب بما في ذلك عوامل مثل البيئة الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والعادات والتقاليد.
2- توفر معلومات دقيقة وموضوعية للسكان ذات الصلة على أن تدور هذه المعلومات حسب الوارد على أسباب المشكلة والحلول الممكنة لها من أجل تمكين الجماعات من الوصول إلى حل فعال.
3- توفير إجراءات ديمقراطية مناسبة للتعبير عن المشيئة الديمقراطية للسكان المثقفين ثقافة جيدة( ).
وفي الختام فإن النظام العالمي الجديد والمجتمع الدولي يواجه أشياء لا تقل عن تحديات عنيفة متصلة بالتدخل السريع للمشكلات وتوحيد شمل المجتمعات والدول في شتى أنحاء العالم وتمزيقه.
وبسبب الترابط الوثيق بين هذه الاتجاهات العالمية وقضايا تقرير المصير وحقوق الإنسان والتنمية، فإن النشاطات ذات العلاقة التي يمارسها المجتمع الدولي يجب تنسيقها من جانب الأمم المتحدة، لا من جانب الدول المهيمنة على العالم والعمل على الاستفادة من تجربة الأمم المتحدة في هذه الميادين، ولا توجد منظمة أخرى تمتلك البُنية والدعم والاتصالات على مستوى العالم كما هو الحال في الأمم المتحدة.
كما أن حق تقرير المصير في النظام العالمي الجديد يجب أن لا تدخل به القوى العظمى لأنها ستخسره لمصالحها الشخصية.

احباطات النظام العالمي الجديد:
إن النظام العالمي الجيد المستمد من الولايات المتحدة يسعى إلى أن يفضي شرعية جديدة على القوة الأمريكية داخل سياق بدأت تفقد فيه أمريكا خاصتين من خصائص الهيمنة.
إن فكرة النظام العالمي الجديد طُرحت على أساس مغالطة جسيمة وهي الاعتقاد بأنه من شأن النزاعات الايديولوجية أن تكون تجسيداً لتحقيق الاستقرار العالمي وهذا منطلق مغلوط.
لقد كان حل المسائل المبدئية خلال فترة الحرب الباردة تجسيداً لحل المشكلات، إلا أنه بانتهاء الحرب الباردة أصبحت هذه العلاقة أكثر دقة حيث أصبح من الخطورة تقنين طابع الصراعات بين الدول خصوصا ًمع ما تشهده هذه الدول الكبرى من أزمة هوية حقيقية، وليس من المؤكد ما إذا كان واضعوا النظام العالمي الجديد قد أدركوا هذا التغير الجوهري في تصوراتهم، وهذا أول سبب من أسباب فشل النظام العالمي الجديد.
أما النقطة الثالثة لأسباب فشل النظام الدولي تبدو من خلال التطور السريع للسياسة الأمريكية، والواقع أن الولايات المتحدة الأمريكية استخدمت النظام العالمي الجديد لإخفاء الشرعية على قوتها في العالم وفي أوروبا بالأخص، وهكذا كانت الديمقراطيات الأولى في أوروبا الشرقية أول من تصدى لرفض إقامة بُنية أوروبية تستبعد منها الولايات المتحدة.
وعلى العكس من ذلك نجد أن فرنسا هي الدولة الوحيدة في أوروبا التي تجادل على التفوق الأمريكي في أوروبا( ).

التحالفات الدولية في ظل النظام العالمي الجديد:
أدى انتهاء الحرب الباردة إلى دحض الحجة القائمة التي كان يستند عليها التميز بين الأصدقاء والأعداء وبين الصراعات الأساسية والصراعات الثانوية، ومنذ تلاشي التهديد النووي وتزايد حدة المنافسة الاقتصادية العالمية إلى الجانب المقابل، أخذت الآلية العسكرية والتحالفات العسكرية إلى الزوال.
وخلاصة الحديث فإن التحالفات العسكرية في ظل النظام العالمي الجديد بدأت في طريقها إلى الزوال ولم يعد هناك أي أحلاف عسكرية إذا ما استثنينا حلف شمال الأطلسي. وبما أن سباق التسلح قد انتهى فقد أخذت تظهر إلى السطح التحالفات الاقتصادية، فظهر على سبيل المثال لا الحصر “النمور الآسيوية” و “منظمة البحر الكاريبي” و دول جنوب شرق آسيا وغير ذلك من التحالفات الاقتصادية( ).

النتائج المترتبة على النظام العالمي الجديد:

أولاً: العولمة:
يثير مفهوم العولمة إشكاليات عديدة لأن العولمة ليست ظاهرة بسيطة، بل هي حالة تطور عالمي رافقت نشوء التطور العالمي الجديد وتدخل التكنولوجيا والاتصالات، أهم العوامل الرئيسية في العولمة حيث تؤدي هذه الوسائل إلى ترابط العالم.
إن العولمة تمثل التداخل الواضح لأمور الاقتصاد والاجتماع والسياسة والثقافة والسلوك دون التركيز على الحدود السياسية أو الانتماء إلى وطن محدد أو دولة محددة.
فالعولمة هي سمة سيطرت على الاقتصاد في النظام العالمي الجديد ومن أبرز مظاهرها النمو السريع للتجارة الدولية، وتدفقات رؤوس الأموال وازدياد أهمية الخدمات وتكامل عملية الإنتاج على الصعيد العالمي( ). أيضاً وإن من أبرز أهم سمات العولمة في ظل النظام العالمي الجديد هو الانتقال من الاقتصاديات القومية إلى التكتلات الإقليمية والاعتماد على التحالفات الاقتصادية بدلاً من العسكرية، فظهرت مثلاً منظمة التجارة العالمية، حيث وصل عدد التكتلات الاقتصادية إلى (109) دول بسوق حرة مشتركة.
– ومن أبرز سمات العولمة أيضاً ظهور الشركات المتعددة الجنسيات أو الشركات العابرة للقارات التي أصبحت تحتكر تجارة الغذاء العالمية، حيث أن (6) شركات عالمية تحتكر تجارة الحبوب.
– ومن أبرز سمات العولمة أيضاً الاهتمام بالعلم والاتصالات، فسرعة انتقال المعلومات جعلت ساحات التفاعل شبه مفتوحة أما تكنولوجيا الاتصال فقد أصبحت تؤثر فينا تأثيراً فورياً حيث أصبحت المدرسة في ظل العولمة وفي ظل النظام العالمي الجديد ذات دور هامشي، وكذلك تم تهميش الأسرة.
– ومن أبرز سمات العولمة هي الامركة، وهي محاولة غزو الثقافة الأمريكية لثقافات العالم، وهذا شيء طبيعي في ظل النظام العالمي الجديد، أحادي القطبية.
– تهميش سلطة الدولة الذي يكون لصالح المضاربين والشركات متعددة الجنسبة والعابرة للقارات.
– زيادة اللامساواة في الدخل العالمي، فالعولمة تؤدي إلى ازدياد حد التفاوت في المداخيل بين القاعدة والهرم.
– البطالة وانخفاض الأجور. تعد مشكلة البطالة من أهم ما جاء به النظام العالمي الجديد والعولمة حيث ظهرت مشكلة التضخم.
– الفقر والحركات التطرفية، ففي العولمة ظهر الفقر وصاحب ظهوره حركات التعصب والتطرف( ).
وخلاصة القول، فإن العولمة هي حقبة التحول الرأسمالي العميق للإنسانية في ظل هيمنة دول المركز وبقيادتها وتحت لوائها في ظل سيادة النظام العالمي الجديد غير المتكافئ.
فالعولمة الاقتصادية هي جعل الشيء على مستوى عالمي ونقله من النطاق المحدود والمحدود هنا هو الدولة ذات الحدود السياسية و الجغرافية واللامحدود المقصود به هنا الكرة الأرضية والفضاء الكوني.

الخصخصة والنظام العالمي الجديد:
يمكن تعريف الخصخصة على أنها عكس كلمة تأميم، فهي تعني تحويل القطاع الحكومي إلى قطاع خاص.
فهي إذن: تحويل عدد كبير من القطاعات الاقتصادية والخدماتية، وكذلك الاجتماعية التي لا ترتبط بالسياسة العليا للدولة إلى القطاع الخاص.
وقد ذكر أحد العلماء بأن الخصخصة ليست فقط تحويل الملكية العامة إلى خاصة، وإنما توسيع مساحة القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي من خلال مجموعة من السياسات.
وإن عملية تحويل الملكية ليست إلا واحد من هذه السياسات ويمكن تعريف الخصخصة على أنها تحويل مؤسسة أو استثمار عام أو أصول مؤسسة عامة إلى القطاع الخاص.
إن من الصعب بمكان أن نضع تعريفات محدودة للخصخصة بسبب التباين في الأيديولوجيات التي ينتمي إليها المهتمون بالخصخصة.

أما أهداف الخصخصة فهي:
إن أهداف الخصخصة في ظل النظام العالمي الجديد نابعة من تهميش دور الدولة ومن هذه الأهداف ما يلي:
1- أهداف عاقئدية: تتوافق مع الأفكار المضادة لهيمنة الدولة لتطوير ديمقراطية الملكية الخاصة حتى تقتدي بالدول العظمى وتنال منها الرضا.
2- أهداف اقتصادية: تتضمن المزيد من التحرر بغرض تنمية البيئة الاستثمارية وجلب الاستثمارات الأجنبية.
3- أهداف سياسية: لعقد تحالفات سياسية واقتصادية من أجل إيجاد أسواق بديلة( ).

ويمكن أن نضيف أهداف أخرى للخصخصة منها:
أ- رفع الكفاءة المتزايدة بالنسبة للتوزيع والإنتاج وهي خصخصة الموارد الإنتاجية في الموازنة التي تنعكس على تحديد الأسعار على مستوى الحد الأدنى، وهذه تؤدي بدورها إلى مكاسب لرفع مستوى الكفاءة في جميع القطاعات وفي مختلف الأسواق.
ب- وتهدف الخصخصة إلى تطوير الدخل العام.
جـ- إن إعادة التوازن بالنسبة للجالية العامة هو أحد العناصر الضرورية.
د- تهدف الخصخصة إلى تحقيق الربح والعائد المادي الوفير( ).

النظام العالمي الجديد والبنك الدولي:
إن النظام العالمي الجديد بزعامة الولايات المتحدة أعدت لنفسها منذ أواخر القرن العشرين أهدافاً استراتيجية عمدت إلى إيجاد أدوات توصلها إلى غايتها، ومن هذه الأدوات التي استخدمت بفاعلية عالية- صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والشركات العملاقة عابرة القارات، فقد تم إنشاء البنك الدولي كوعاءٍ تُخزّنْ به أحوال الإمبرياليين يتم إقراضها إلى الدول المُتخلِفّة لتقوم بعد ذلك بسدادها مع فوائد بنكية عالمية.
إن صندوق النقد الدولي يتضمن للمولين استرداد كافة أموالهم بالإضافة إلى أرباحهم مع عملهم الدؤوب على إفشال هذه المشاريع حتى يتمكن هذا الصندوق من إقحام قبضته على الدول الفقيرة التي تُسهم إلى حدٍ كبير بعيد في بعض قياداتها في عملية الإغراق هذه( ).
لقد أربكت التحولات الاقتصادية السريعة التي شهدها النظام العالمي الجديد دول العالم الثالث والتي وقعت معظمها تحت طائلة ديون هذا الصندوق، مما أسهم في تفاقم مشاكل هذه الدول الخارجية أو الداخلية وغرقت في مستنقع الاقتراض.
وبعد أن تعجز الحكومات عن تسديد التزاماتها للجهات الممولة فإن خبراء صندوق النقد الدولي يبدءون بزيارة هذه الدول لجمع البيانات وهي غالباً ما تكون جمعت قبل عملية الاقتراض ليُصار بعد ذلك إلى تقديم الحلول السحرية التي تخدم مصالح أمريكا ونظامها العالمي الجديد.

ومن الإجراءات التي تتخذها لخفض العجز ما يلي:
1- تخفيض أجور العاملين حتى تتمكن الدول من الوفاء بالتزاماتها وهذا يعني تدني القدرة الشرائية الأمر الذي يخلق ارباكاً في صفوف المجتمع.
2- تخفيض قيمة العملة الوطنية، وهذا الأمر سيزيد من كلفة خدمة الدين العام ويضاعف من وحدات العمل.
3- تقليص الاستثمار العامة تمهيداً لإلغائه، وإحلال الاستثمارات مكانها.
4- خصخصة مؤسسات القطاع العام كما ورد في هذا البحث.
5- تمرير تسب الفائدة على رؤوس الأموال وهو ما يقود إلى هجمة أموال مضاربة غير مستعدة للإقامة الطويلة في البلاد.
6- تقليص الإنفاق الحكومي على مختلف الأنشطة ومنها الدفاعية.
7- الانفتاح على السوق العالمي في البلدان المتقدمة وهو أمر عديم الجدوى في ظل غياب الاصلاحات الجذرية.
8- رفع الدعم الحكومي عن السلع الغذائية الأساسية والذي كانت تستفيد منه الفئات الأقل حظاً الأمر الذي يؤدي إلى توسيع دائرة الفقر وبالتالي يخلق مشاكل جديدة في هذه الدول لا طاقة لها بها( ). نجد أن صندوق النقد الدولي هذا ما هو إلا أداة من أدوات الإمبريالية العالمية ونظامها الجديد حتى تحكم سيطرتها على العالم اقتصادياً بعد أن تلاشت عقلية الاستعمار العسكري.
إن صندوق النقد الدولي ما هو إلا وباء سرطاني يدب في الجسد ولا يتركه إلا منهكاً ميتاً وهذا هو حال الدول النامية والدول العربية التي أنهكتها الديون المتراكمة لصندوق النقد الدولي وقادته.

الاحلاف والتكتلات الدولية

كاتب الموضوع الأصلي: يوسف الفوزان209

تعريف التحالف:
تقول المقولة القديمة أنه إذا كان هناك شخص واحد بالعالم عُرِفَ السلام، وعندما يكون شخصان عُرِفَ الصراع، وعندما يكون ثلاثة عُرِفَ التحالف.
ومن هنا نجد أن التحالف هو ظاهرة قديمة قدم العصور التاريخية. والتحالف هو ظاهرة حتمية تقتضيها طبيعة البيئة الدولية القائمة على تعدُّد القوى وتعدد السياسات( ).
فما المقصود بالحلف؟ ما معنى سياسة التحالف؟ ما هي دوافع التحالف؟ ما هي أنواع التحالف؟
الحلف يُعرِّفه الدكتور” محمد بدوي” على أنه “اتفاق بين دولتين أو أكثر على تدابير معينة ولحماية أعضائه من قوةٍ أخرى، وتبدو هذه القوة مهدِدة لأمن كل من هؤلاء الأعضاء”( ).
تعريف(Osgood) : “اتفاق رسمي تتعهد بموجبه مجموعة من الدول بأن تتعاون فيما بينها في مجال الاستخدام المشترك لقدراتها العسكرية ضد دول أو دولة معينة، كما تلتزم بمقتضاه الدول الموقعة باستخدام القوة أو التشاور باستخدامها في ظل ظروف معينة”( ).
أيضاً هو مصطلح شائع أطلق على التحالف العسكري- السياسي بين فرنسا وبريطانيا وروسيا والولايات المتحدة الأمريكية في مرحلة لاحقة في الحرب العالمية الأولى في وجه ألمانيا والنمسا، والذي تكرر في الحرب العالمية الثانية في وجه دول المحور بقيادة ألمانيا ومشاركة اليابان.
ففي الحرب العالمية الأولى كان الدافع لمجابهة ألمانيا ناتجاً عن معارضة الحلفاء لظهور ألمانيا كقوة أوروبية توسعية منافسة للامبرياليات المعنية( ).
وهو عمل تحالفي بين دول، أو أحزاب أو أشخاص سياسيين يتعاقدون فيما بينهم على تنفيذ التزام معين ينفقون عليه لتحقيق أهداف محددة ومتفق عليها.
وغالباً ما يقتصر استعمال القانون الدولي لكلمة حلف ” All Iance ” للدلالة على اتفاق يجمع عدة دول تحقيقاً لمصلحة مشتركة، وللأحلاف في أغلب الأحيان هدف محدد. فقد تكون أحلافاً دفاعية أو هجومية أو دفاعية وهجومية في آن واحد. ومن الميزات الأساسية لمعاهدات الأحلاف أن تنص هذه المعاهدات على الشروط والظروف التي يجري بموجبها تطبيق اتفاق الحلف، وهذا ما يسمى في المصادر اللاتينية لعلم القانون الدولي Casus Foederis ويقضي العرف المتبع بأن يُصار الإعلان عن الحرب ضد دولة أو دول عدوة بشكل إفرادي وليس كمجموعة دول متحالفة( ).
تعريف David- Edwards “التزام مشروط ذو طابع سياسي أو عسكري بين مجموعة من الدول باتخاذ التدابير التعاونية في مواجهة دولة أو مجموعة دول”( ).
من خلال هذه التعاريف السابقة وغيرها نجد أن معنى التحالف هو مُنصَب على التحالف العسكري واستخدام القوة، وإن هناك عدو مشترك يربط بين هذه الدول المتحالفة، وتخشى منه، لذلك تلجأ إلى التحالفات.

تعريف الكتلة:
“هي عصبة ايديولوجية عسكرية دائمة” تعمل في أوقات السلم والحرب على السواء، وتتزعمها دولة قطبية عملاقة”( ).
ومن خلال هذا التعريف ومقارنته بتعريفات الحلف يمكننا أن نجد عدة فروق بين الحلف والكتلة، وهي:
الكتلة: تكون اختصاصات الكتلة أعم وأشمل حيث تشمل الإشراف على السياسات الداخلية للأعضاء، وأن معاهداتها غير قابلة للنقض فضلاً عما يتصف به بُنيانها التنظيمي من حيث التدرج الهرمي تعلو قمته قوة مهيمنة.
الحلف: يغلب عليه الطابع الرضائي وتكون معاهداته قابلة للنقض ويقوم أساساً حول تنظيم الدفاع الجماعي فضلاً عن التنسيق بين التوجيهات السياسية ويميل إلى إيجاد تكافؤ بين الأعضاء. إذن الكتلة عُصبة عسكرية أيديولوجية متجانسة مذهبياً ولا يشترط هذا التجانس في الحلف.
والكتلة تمثل حلفاً عسكرياً يعمل تحت زعامة دولة قوية يأتمر بأمرها، أما الحلف فهو يميل إلى إيجاد تكافؤ بين الأعضاء وأن الكتلة تُمثل حلفاً عسكرياً دائماً، أما الحلف فيكون مؤقت.

سياسة التحالف:
تقوم السياسات الخارجية للدول على واحدة من السياسات التالية وهي: عدم الانحياز والحياد والعزلة والتحالف التي هي محور حديثنا الآن، فما معنى سياسة التحالف وما المقصود بها.
إن سياسة التحالف تعني تجمع دولتين أو أكثر في حلف واحد لمواجهة قوة أخرى، وذلك تحقيقاً للتوازن فيما بينهما.
فسياسة التحالف تعني الاعتماد على الأحلاف كأداة من أدوات السياسة بهدف حماية الأمن القومي لهذه الدول والدفاع عن مصالحها الوطنية.
إن الدول العالمية تلجأ إلى سياسة التحالف استجابة إلى بعض المقتضيات أو الضرورات، فسياسة التحالف لا تنشأ بسبب دوافع صلاته، بل تنشأ لوجود عدة دوافع تُساهم في قيام هذه التحالفات.
ومن هنا يمكننا أن نخلُص إلى مدى أهمية سياسة التحالف على اعتبار أنها خيار سياسي مهم خصوصاً بعد فشل عصبة الأمم المتحدة ومن بعدها هيئة الأمم المتحدة في تحقيق السلام العالمي والأمن المنشودان من جراء قيام هذه المنظمات الدولية.
إلا أنه يجب مراعاة نقطة مهمة في سياسة التحالف أن لا تلجأ الدول إلى البحث عن أي حليف بأي من لأن هذا الأمر قد يعرضها إلى الابتزاز السياسي والاقتصادي، فكما قال ميكيافيلي: أن الدول التي تعرض صداقتها على الآخرين تعمل على خفض قيمة الصداقة( ).

دوافع التحالف ومبرراته:
هناك دوافع كثيرة تدفع دول العالم إلى إبرام محالفات دولية فيما بينها ومن أهم هذه الدوافع ما يلي:
أولاً: ردع الأعداء:
يُعتبر هذا الدافع والمبرر من أهم دوافع التحالفات ونشوءها، لذلك فإن الخوف من التعرض للعدوان والسعي إلى درء هذا الخطر، هو المبرر الرئيسي وراء انتهاج الدولة لسياسة التحالف.
فيما أنه لا عدو لا تحالف.
فطالما ظلت العلاقات الدولية قائمة على التعدد بين دول ذات سيادة ستبقى سياسة التحالف موجودة بسبب وجود العداوات فالخطوط الأولى من إفشاء التحالف هي تحديد العدو على نحو دقيق، إلا أنه هناك معاهدات ومحالفات لا تَقُم الإشارة بها إلى تحديد العدو وبصورة صريحة.
أما فيما يتعلق بهدف ردع العدوان، فدور الحلف ونجاحه يكمن في زيادة مستوى ومصداقية الردع من خلال حساب المخاطر والمكسب والخسارة.
فالردع يقوم على مبدأين هامين هما توفر (القوة) و (الرغبة) في استخدامها فعلاً.

ثانياً: السعي إلى زيادة القوة:
تلجأ الدول عندما تسعى إلى زيادة قوتها إلى سياسة التحالف كبديل لسياسة التسلح التي تستنزف موارد اقتصادية هائلة، ناهيك عن حاجة التسلح إلى فترة زمنية طويلة.
لذلك فإن سياسة التحالف هي أنجح في زيادة القوة من التحالف على اعتبار أنها تحقق نفس النتائج وبتكلفة أقل. ويرى بعض العلماء أن زيادة القوة تمثل الهدف الرئيسي لأي حلف وأن بقية الأهداف هي أهداف ثانوية. وهذا ما حققته الدول الأوروبية الغربية عندما تحالف مع أمريكا لكي تكفل الحماية من أي هجوم نووي روسي، وهذا ما أُطلق عليه اسم المظلة النووية الأمريكية( ).

أنواع الأحلاف الدولية:
تُعقد التصنيفات الخاصة بالأحلاف الدولية وذلك بتعدد المعايير المستخدمة في هذه التصنيفات، ومن أهم هذه التصنيفات ما يلي:
أولاً: من حيث قانونية التحالف:
أ- أحلاف رسمية: وهي تستند إلى معاهدات يتحمل الحلفاء بمقتضاها التزامات قانونية صريحة بما يتعلق بموضوع التعاون.
ب- أحلاف غير رسمية: والمقصود بها تلك التحالفات التي لا تتطلب تعهد رسمي يقوم على وجود تنسيق بين عمليات صنع القرار.

وتلجأ الدول الكبرى إلى المعاهدات غير الرسمية تجنباً لاندفاع الدول الصغرى إلى الرحب بالاعتماد عليها، أما الدول الصغرى تفضل الحصول على المعاهدات والمحالفات الرسمية( ).

ثانياً: من حيث عدد الأعضاء:
أ- أحلاف ثنائية: ويُقصد بها الأحلاف التي تقوم بين دولتين فقط. والدول التي تميل إلى الأحلاف الثنائية هي الدول ذات النظام الدكتاتوري التسلطي.
ب- الأحلاف الجماعية: وهي أحلاف يزيد عدد أعضائها عن دولتين وهي دول ذات طابع ديمقراطي( ).

ثالثاً: من حيث الهدف من التحالف:
أ- أحلاف دفاعية: وهي الأحلاف الغالبة على مر التاريخ وهي تنشأ بدافع الخوف من خطر مشترك يتهدد الدول المتحالفة دفاعاً عن الكيان الإقليمي للدول المتحالفة وحماية لأمنها القومي.
ب- أحلاف هجومية: وهي أحلاف تستهدف الهجوم على دولة معينة أو انتهاج سلوك عدائي موجه إلى دولة معينة، لذلك غالباً ما تكون هذه الأحلاف سرية.

رابعاً: من حيث الزمن:
أ- أحلاف مؤقتة: وهي أحلاف يكون لها مدة زمنية معينة تنقضي معها، طالت أم قصُرت.
ب- أحلاف دائمة: وهي محالفات لا يحدد لها أجل معين أو تاريخ محدد لانقضاءها( ).
حسب رأي الباحث حيث يرى أن هذا التفريق شكلي إذ لا علم لنا بنوايا صدق المتحالفين.

خامساً: من حيث العلانية:
أ- محالفات علنية: وهي تكون مُعلنة أمام العالم.
ب- محالفات سرية: وهي أحلاف تكون ذات طبيعة هجومية تتيح للدول الأعضاء الاستفادة من عنصر المفاجأة.

سادساً: من حيث البُعد الجغرافي:
أ- أحلاف بين الدول المتجاورة جغرافياً: وهي أحلاف تكون أقوى وأمتن من غيرها بسبب عنصر الجوار وعنصر وحدة الهدف.
ب- أحلاف بين دول متباعدة جغرافياً: إن البُعد عديم الأثر على الأحلاف لأنه ما يربط بين هذه الدول هو وحدة الهدف بغض النظر عن أية عوامل أخرى( ).

سلبيات الأحلاف:
تُعد الأحلاف من أبرز مسببات عدم الاستقرار الدولي إذ أنها تزيد من شعور الدولة بالخطر وعدم الأمن كما أنها تؤدي إلى زيادة حدة التوتر الدولي فضلاً عن أنها تُساهم في نقل الصراع أوقات الحرب إلى مناطق أخرى في العالم، وخير شاهد على ذلك أن ما حدث أثناء أزمة البلقان من التحالفات بين ألمانيا والدولة العثمانية وإيطاليا، والدول الحليفة لها من جهة، وبين دول الحلفاء من أثر في وقوع الحرب العالمية الأولى.

إيجابياتها:
إن الأحلاف تساعد في الحد من طموح بعض الدول العظمى في التوسع على حساب الدول المجاورة لها.

اعتبارات توازن القوى:
يمكن النظر إلى الأحلاف على اعتبار أنها إحدى أدوات أساليب تحقيق التوازن، وتمثل اعتبارات توازن القوى أكثر التفسيرات شيوعاً فيما يتعلق بنشأة وانهيار التحالفات. وتجدر الإشارة إلى أن اعتبارات توازن القوى الدولية قد تطغى على اعتبارات السياسة الوطنية، وقد يكون الهدف من قيام بعض التحالفات هو رسم وتحديد مناطق النفوذ التابعة لكل قطب من أقطاب العالم إبقاءً على توازن القوى فيما بينها( ).

الهيمنة والسيطرة على المتحالفين:
قد يكون من الوظائف الداخلية للحلف تقييد السلوك الدولي لبعض الدول الحليفة، أو بسط الهيمنة عليها من جانب الدولة زعيمة الحلف.
وتعتمد الدول القطبية في بسط هيمنتها على ما تتمتع به من نفوذ وتأثير لدى الحلفاء بحكم ما توفره لهم من ضمانات دفاعية. ويرى البعض أن الهيمنة والسيطرة تحتل المرتبة الأولى من أهداف نشوء الحلف ومجمل القول أنه كلما تزايدت حدة عدم التكافؤ بين قوى الدول الأعضاء، كلما كان ذلك دافعاً إلى زيادة الهيمنة والسيطرة على بقية أعضاء التحالف( ).

الهيبة والمكانة الدولية:
قد توجِدْ بعض الدول في تعدد العلاقات التحالفية التي تربطها بالعديد من الدول الأخرى بعيداً عن قوتها ومكانتها الدولية.
ويعتبر عدد كبير من الباحثين أن كبر عدد حلفاء الدولة مؤشراً على قوتها، وذلك بحكم كونها المستشار الذي يرجع إليه هؤلاء الحلفاء لأخذ مشورته، وكذلك أنها الملاذ الذي يلجأون إليه طلباً للأمن والحماية.
ولا نكون مغالين لو قلنا أن معظم المعاهدات والتحالفات التي أبرمها الروس والأمريكان إبان الحرب الباردة هي من قبيل الهيبة والمكانة الدولية، وكذلك إصرار أمريكا الآن على إبقاء حلف شمال الأطلسي هو من هذا القبيل( ).

أمثلة على الأحلاف:
أولاً: التحالف التركي الأطلسي:
نشأت فكرة إنشاء حلف شمال الأطلسي قبل نشوب الحرب العالمية الثانية، إلاَّ أن وقوعها آخّر ذلك، ومع خروج الاتحاد السوفييتي عملاقاً منتصراً بعد الحرب العالمية الثانية واحتلاله لأوروبا الشرقية، وفرضه للسياسة الماركسية عليها، زاد من تفكير هذه الدول في إنشاء حلف شمال الأطلسي( ).
وفي عام 1948 اجتمع وزراء خارجية الاتحاد الغربي لمناقشة الإجراءات المناسبة لإنشاء الحلف، وقد تم إنشاءه فعلياً. وفي عام 1955 دخلت ألمانيا الغربية إلى الحلف وفي عام 1954 تحول حلف شمال الأطلسي إلى منظمة دولية عسكرية.
لقد نجحت تركيا بعد الحرب العالمية الثانية في التقرب من الولايات المتحدة والغرب، وذلك عندما استطاعت إقناع أمريكا وأوروبا بأهميتها في منطقة الشرق الأوسط، ونتيجة لذلك فقد أبرمت مجموعة من الاتفاقيات الثنائية والتي استطاعت تركيا عن طريقها الحصول على معونات اقتصادية وعسكرية واستطاعت أن تنظم إلى حلف شمال الأطلسي بعد ذلك في عام 1952، مما أسفر عن غضب في الحكومات العربية من انضمام تركيا إلى هذا الحلف( ). إلا أن هذا الحلف التركي الأطلسي ما لبث أن تزعزع نوعاً ما عندما قامت تركيا باجتياح قبرص واحتلال ثلث أراضيها، فأدى ذلك إلى تغير في موقف حلف شمال الأطلسي من تركيا إذ أن العلاقات البريطانية التركية قد توترت حيث تصلبت الآراء البريطانية تجاه تركيا.
أما عن موقف الولايات المتحدة فقد كانت ضد التدخل التركي وبسبب ذلك فإن الحكومة التركية قامت بفسخ الاتفاقية الثنائية مع الولايات المتحدة.
أما عن الموقف الفرنسي فقد توترت العلاقات بين البلدين وأصرت على ضرورة انسحاب تركيا من قبرص( ).
وبقي الأمر على هذه الحالة بين الحكومة التركية وحلف الأطلسي بين أخذ ورد حتى عام 1981 عندما قامت أمريكا بالتخطيط لانقلاب عسكري في تركيا استولى فيه الجيش على مقاليد الحكم، وبالتالي أصبحت تركيا أقرب من ذي قبل من حلف شمال الأطلسي.

ثانياً: التحالف الإسرائيلي الجنوب أفريقي:
جمع بين اسرائيل ونظام جنوب أفريقيا العُنصري شعوراً متزايداً بالعزلة وخطر الأعداء المحيط بهما فضلاً عن شعورهما بالتهديد من قبل اتباعها.
ونتيجة لهذه العوامل، عوامل الأمن المتبادل، نشأ نوع من التقارب بين الكيانين سعياً إلى إنتاج كل سبل الأسلحة المتاحة، وقد استغلت إسرائيل الخامات التي تمتلئ بها جنوب أفريقيا للوصول إلى هدفها المنشود.
لذلك فقد قامت جنوب أفريقيا بتقديم مساعدات مالية كبيرة إلى اسرائيل بعد حرب عام 1967- وسمحت لليهود بالذهاب للقتال مع اسرائيل، وهم الهاغاناة، وبعضهم استوطن في الأراضي الفلسطينية.
وبعد فترة زمنية أصبح القوميون هم المسيطرون على تقاليد الحكم في جنوب أفريقيا، فأصبحوا يعززوا ظاهرة التمييز العنصري والفصل العنصري وأصبحت تُمارس بشكل علني.

إن الأسس التي كانت عليها اسرائيل جعلتها توافق مع جنوب إفريقيا، ولهذا نجد تشابه كبير بينهما.
فالعلاقة بين الكيان الإسرائيلي وجنوب إفريقيا ممثلة بنظامهما العنصري تتسم بالانسجام خصوصاً بعد أن بدأ المجتمع الدولي بعزل جنوب إفريقيا اقتصادياً، فقامت بالبحث عن حليف استراتيجي لها، فوجدت في إسرائيل خير حليف لما بينهما من توافق تام في الاستعمار والفصل العنصري( ).
وفضلاً عن هذه الأبعاد السياسية، فإن هناك دوافع اقتصادية من خلال تشجيع التبادل التجاري خصوصاً في المجال العسكري ومجال صناعة الماس حيث تعتبر إسرائيل أكبر دولة مستوردة للماس من جنوب إفريقيا( ).
ولا يخفى على المرء أن هناك دوافع عسكرية وراء التحالف الإسرائيلي الجنوب إفريقي، حيث كان هناك اتفاقيات ضمن هذا التحالف بأن تقوم إسرائيل بتطوير الاستراتيجية العسكرية لجنوب إفريقيا بمعدات عسكرية إسرائيلية، واستفاد نظام جنوب إفريقيا العنصري من خبرات (الخبور الإسرائيليين) في الحرب غير النظامية ضد الرعايا السود.
كما كانت القوة العسكرية لحكومة جنوب إفريقيا تعتمد على آليات غير متطورة، فقامت إسرائيل بتطوير ترسانتها المسلحة.
أظهرت حرب عام 1967 مدى العلاقة الوثيقة والتحالف الشديد بين إسرائيل وجنوب إفريقيا على الصعيد السياسي والعسكري، فعلى الصعيد السياسي أيدت جنوب إفريقيا إسرائيل في حربها ضد العرب على الصعيد العسكري حيث أدى التحالف إلى تطوير قدراتها العسكرية.
لقد أدى تفاهم كل من إسرائيل وجنوب إفريقيا إلى حاجة كل منهما إلى الآخر بأن أصبح للطرفان علاقات كبيرة في مجال التسلح حيث أن جنوب إفريقيا لها قدرة على التصنيع العسكري وبأجور زهيدة، وإسرائيل يمكنها أن تقدم التكنولوجيا العسكرية وبمستوى عالٍ جداً خاصة وأن ظروفها متشابهة فإسرائيل مغتصبة ولديها أعداد كبيرة من أعدائها العرب يحيطون بها، وجنوب إفريقيا مغتصبة ولديها زنوج يعيشون فيها.
فلعب العسكريون الصهاينة دوراً كبيراً في تدريب جيوش جنوب إفريقيا، فأصبحت العلاقات تتنامى وتتعدد أوجه التعاون. إن إسرائيل وإن لم تجهر بصداقتها لحكومة جنوب إفريقيا إلا أنها تسعى في الخفاء لتعزيز هذه الصداقة( ).
وخلاصة الأمر فإن إسرائيل وجنوب إفريقيا تعتبران نفسيهما في حالة حرب دائمة من أجل البقاء، وبقاؤها يتوقف على ما تمكنه هذه الدول من وسائل تهديد وتدمير. فكل من هاتان الدولتان متشابهتان في مجال التميز العنصري , فلا غرو إذاً ان ينشأ بين هذين النظامان البغيضان علاقات قوية ادت بالنهاية الى خلق تحالف سري غير معلن بينهما.

المدينة الفاضلة كما يراها أفلاطون

كاتب الموضوع الأصلي: محمد الشمري 20

صورة


بداية المدينة الفاضلة أو جمهورية أفلاطون كما تسمى أحيانا هي عبارة عن تصور تخيلي لما ينبغي أن تكون عليه مدينة أرضية حقيقية. وهي كما يرى افلاطون عبارة عن وضعية مثالية لدولة المدينة كما كان سائدا في الأوضاع السياسية في العصر الإغريقي.
ويعتبر أفلاطون من أشهر فلاسفة اليونان. وقد جاء بعد سقراط الفيلسوف الإغريقي المشهور الذي أعدم بالسم. ويمثل أفلاطون مع تلميذه أرسطو العصر الذهبي للفلسفة اليونانية. وأشهر آثاره السياسية كتاب القانون وكتاب الجمهورية أو المدينة الفاضلة والذي تدور آراؤه حول أسس المدينة الفاضلة والتربية الاجتماعية في المدينة و الحكومة المشرفة على المدينة, وخلاصة آرائه لهذه المدينة هي:
1. الدولة عبارة عن وحدة حية تتكون من أعضاء والفرد خلية فيها (يشبهها بالإنسان).
2. كشف الضرورة الاجتماعية التي تجعل من المدينة أول تنظيم اجتماعي وسياسي.
3. تقرير الحاجة الإنسانية بأنها الدافع إلى الاجتماع المنظم.
4. الرغبة في العمل تمثل القوة الشهوانية في الإنسان (وتمثلها الطبقة العاملة)
5. قوة الغضب وتمثلها طبقة المحاربين الفضلاء.
6. قوة النطق وتمثلها طبقة الفلاسفة والحكماء.
7. جعل الأخوة أساس الرابطة بين الأفراد.
8. فصل في برنامج التربية الخاصة بالجند على أساس التدريب إلى 18 سنة ثم الدراسة للمتميزين حتى سن الثلاثين ثم دراسة الفلسفة للمتميزين أيضا حتى الخمسين حيث تتاح القيادة للأكثر تميزا بينما يظل البقية في طبقة الجند.
9. المساواة بين الجنسين في ذلك.
10. دعا إلى المشاعية الجنسية لطبقة الحراس (الجند والحكام) والمشاعية في الأولاد وذلك لتخليصهم عن كل ما يعوق تنفيذ مهامهم على أكمل وجه.
11. حرم الملكية للحراس لذات السبب.
12. الحكم ليس بالضرورة أن يكون بيد شخص واحد.
وهناك أشياء أخرى كالتخلص من النساء والكلاب وغيرها ولكن كانت هذه أهم النقاط والتي جاء الإسلام بمعظمها وهي أيضاً شريعة الرسل قبل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم
ويمكنك أخي الكريم أن تلاحظ عليه إتباع المنهج العقلي واعتماد تصوراته عن المجتمع بحثا عن مثاليته المنشودة. وقد عدل من آرائه تلك في كتابه القانون حيث يخفف من اتجاهه إلى الشيوعية, ويشيد بفضل الأسرى كما يدعو إلى تعزيز الروابط العائلية, وينادي بعدم تقييد الزواج ولا يرى ضيرا في تدخل الدولة للإشراف على الشؤون الأسرية. كما ينادي باحترام العرف والتقاليد والدين لأنها تمثل مجموعة من القوانين غير المكتوبة

دور الأحزاب الفلسطينية في الحريات في الضفة الغربية وقطاع غزة

كاتب الموضوع الأصلي: يوسف الفوزان209

ارتبطت فكرة الحرية بالثورة البرجوازية في أوروبا وخصوصاً بالثورة الفرنسية التي رفعت شعارات الحرية والإخاء والمساواة وتبنت مبدأ ” دعه يمر دعه يعمل “، ويرتبط وجود الحرية في مجتمع ما بالوضع الاقتصادي في هذا المجتمع ، هذا الوضع الاقتصادي يقسم الناس إلى طبقات متنافسة أو متناحرة ، ولا تكاد توجد حرية مطلقة في العالم؛ لأن الحرية هي الوجه الآخر للدكتاتورية، والحرية رديف الديموقراطية، إن غابت الديموقراطية غابت الحرية والعكس صحيح .
وقد كان الماركسيون أكثر وضوحاً حين تحدثوا عن دكتاتورية الطبقة العاملة بمعنى أن الحرية كل الحرية للفقراء والكادحين ولا حرية لرأس المال المستغل، في حين منحت البورجوازية كل الحرية للطبقة الرأسمالية وتراكم رأس المال من خلال سرقة فائض القيمة، وبين هاتين الطبقتين تتذبذب الطبقة المتوسطة في مواقفها فهي أشبه بالمثل الذي يشبه الانتهازي بإبليس وبأن إبليس عين على الجنة وعين على النار.
الحرية الشخصية :
يتصور البعض أن الحرية تعني أن يتصرف الإنسان كما يحلو له دون أية ضوابط، ويتناسى هؤلاء أن الحرية تخضع للقوانين التي تفرضها الطبقة الحاكمة، والحرية تعني أن يتمكن الإنسان من إبداء رأيه دون أن يتعرض للعقاب والقمع ما لم يتجاوز حدود الحفاظ على كرامة الآخرين أفراداً كانوا أم جماعات، فحرية الرأي وتقبل الرأي الآخر يجب تشكل معلماً رئيسياً من معالم الحرية في أي مجتمع.
ولما كان الأفراد وخصوصاً الرجال يعانون من الكبت والاضطهاد في المجتمع فإنهم يعكسون ذلك على زوجاتهم وأبنائهم فتتحول الضحية إلى الجلاد تمارس ما كان يمارسه الجلاد عليها من قمع كما يرى فرانز فانون أو كما يقول المثل الفلسطيني: “الناس بتضربني وأنا بضرب مرتي ، وأنا بعون الله عليها قادر”.
الأحزاب الفلسطينية والحريات :
انعكس الاضطهاد الذي مارسه الاحتلال الإسرائيلي والبريطاني قبله على سلوك التنظيمات الفلسطينية التي تقمص أفرادها وقادتها دور الجلاد لشعبها فمارست ضده كل أنواع التنكيل الجسدي والاقتصادي وصارت الضحية جلاداً تمارس على أبناء شعبها ما مارسه الجلاد عليها.
حين عقد مؤتمر مدريد ترأس الدكتور حيدر عبد الشافي الوفد الفلسطيني لمفاوضات مدريد بتكليف من ياسر عرفات وأخذ معه صوراّ توضح بشاعة جرائم الاحتلال، فما كان من الوفد الإسرائيلي إلا أن قدم صوراً لنساء شبه عاريات أو حوامل قتلن في الشوارع أو على أبواب المساجد وصوراً لرجال قتلوا باستخدام الفئوس والسكاكين مما يؤكد أن قادة وأعضاء التنظيمات لم يدرسوا سلبيات ثورة 1936 حين تحولت التنظيمات الفلسطينية إلى استخدام العنف ضد أبناء شعبها لم تتخذ هذه التنظيمات برنامجاً فكرياً يهذب مسلكيات عناصرها اعتقاداً منها أن العنف يشكل أقصر الطرق نحو تحقيق الاستقلال، ولم يدرس هؤلاء تجربة الثورة الفيتنامية وكيف تعاملت مع العملاء ولم يدرسوا كذلك تجربة الثورة الجزائرية، وقد أدت السلبيات التي مورست سنة 1936 إلى نكبة عام 1948 وأدت سلبيات انتفاضة عام 1987 إلى اتفاق أوسلو المبهم والهزيل لأن اليأس والخوف الذي دب في قلوب الناس جعلهم يقبلون بأي مخرج ولو من عنق زجاجة أوسلو؛ لأن الجميع باتوا يشعرون بالخطر حتى أن البعض وضعوا أغصان الزيتون في فوهات بنادق جنود الاحتلال التي كان حاملوها يطلقون النار منها على صدورهم العارية.

وبعد قيام السلطة الوطنية الفلسطينية وقعت حركة فتح في خطأ قاتل حين تماهت مع السلطة وتطابقت معها تمام التطابق فتحملت أوزار السلطة وخصوصاً أوزار العسكر الذين مارسوا عمليات الاعتقال العشوائي وتقاضوا الرشاوى التي صارت تتضخم تدريجياً في مقابل تحقيق المواطن لمصالحه أو من أجل حصوله على وظيفة، وسأتحدث هنا عن تجربة شخصية فقد حاول أحد الضباط أن يأخذ مني رشوة ولما رفضت … ادعى هذا الضابط في مكالمة مع الارتباط العسكري أني محسوب على الجبهة الشعبية وأنني أصور مواقع عسكرية إسرائيلية وكأنه يريد القول إنني أخطط للهجوم على موقع رقم 8 أو رقم 6 وهو يدرك أنه كاذب فما كان من ربحي عرفات إلا أن طلب منه أن يجلبني إلى موقع الارتباط العسكري غرب القطاطوة ولما رفضت أمر أحد جنوده من عائلة الأخرس والذي يعمل تنفيذية حماس بإطلاق النار علي وقد اعتذر هذا الجندي لي في نوفمبر 1909 عند برج الفرا على ما فعله معي وتبين لي أنه أحد طلابي واحتج بأنه نفذ أوامر ضابطه.

تراكمت أخطاء السلطة وتحملت فتح نتيجة هذه الأخطاء فكان الحصاد مراً فقد فشلت الحركة في الحصول على ثقة أبناء الشعب الفلسطيني الذين صوتوا تصويتاً انتقامياً ظناً منهم أن منحهم أصواتهم لطرف آخر سيخلصهم من أخطاء السلطة وبدلاً من أن يمنح الناس أصواتهم لثلاث كتل تكون متوازنة منحوا أصواتهم لحركة حماس التي سارت على درب الأخطاء الفتحاوية بسرعة الجاذبية الأرضية .
ولعل من أغرب الأمور السياسية في العالم وليس في فلسطين أن تنقلب أية حكومة على نفسها في جزء من الوطن مما أدى إلى انقسام أضر بالقضية الفلسطينية وأضعف الجبهة الداخلية الفلسطينية بعد القمع الذي مورس في حزيران عام 2007 وبعده.
بعد فوزها الساحق في الانتخابات ابتلعت حركة حماس الطعم وقبلت بتشكيل حكومة ذات لون واحد لأن جميع التنظيمات الفلسطينية رفضت المشاركة في هذه الحكومة وخصوصاً بعد أن هدد العالم الغربي وإسرائيل بمحاصرة مناطق السلطة إن شكلت حركة حماس الحكومة، ولم تستوعب حركة حماس التهديد أو لم تصدقه، وقد كان من واجبها أن تعيد الكرة إلى ملعب أبي مازن وأن تطلب منه أن يكلف شخصاً من خارج حركتي حماس وفتح بتشكيل حكومة مهنية لتطوير أوضاع الحريات في مناطق السلطة وتطوير أسس بناء دولة المؤسسات وأن يقوم ممثلو حماس في المجلس التشريعي بمراقبة أداء هذه الحكومة ومساءلتها.
والغريب أن الغرب الذي يدعي أنه ديمقراطي حر والذي طالب بإجراء الانتخابات في مناطق السلطة بعد استشهاد ياسر عرفات الذي قام بإرجاء هذه الانتخابات ربما لأنه رأى ما ستؤدي إليه هذه الانتخابات أو ما ستفرزه، الغريب أن الغرب رفض نتيجة الانتخابات ورفض حق حماس في تشكيل الحكومة الفلسطينية، وكنت أعتقد جازماً وقتها أن من حق حركة حماس أن تشكل الحكومة لأن تشكيل حماس للحكومة سيضعها على المحك العملي في مواجهة لجماهير، كما ناديت من بأن تشكل جبهة الإنقاذ المجالس البلدية في الجزائر بعد أن فازت بها بدلاً من الانقلاب عليها ومنعها من ذلك مما قاد إلى شلال دم لا مبرر له في الجزائرن وحدث الشيء ذاته في غزة، فقد حسمت حماس الأمور كما يقول منظروها وهنا لا بد من القول إن حماس كسبت غزة وخسرت نفسها وخسرت أبناء قطاع غزة الذين عانوا وما زالوا يعانون الأمرين من حجر على الحريات وقمع للرأي الآخر بدلاً من الرد على الحجة بالحجة ” كما حدث مع الشاعر توفيق الحاج ” وقد وصل الأمر إلى حد مصادرة بطاقات التأمين الصحي الخاصة بالعسكريين وقوات الأمن الوطني من عيادة د. منتصر صوالي ومطالبة العسكريين بالتوجه إلى أنصار وكأنهم موظفون في أجهزة حكومة غزة الأمنية مع أن علاجهم يصرف لهم على حساب السلطة من رام الله.
إن ما تقوم به حركة حماس من ممارسات يصب في مصلحة أبي مازن وخصوصاً ما قامت به سنة 2007 ، فقد جعلت حركة فتح تلتف حول أبي مازن، ولعل أهم ما سيحفظه التاريخ للرجل أنه قبل بإجراء الانتخابات وبمبدأ تداول السلطة سلمياً، لتأتي حركة حماس وتقول إن هذه الانتخابات ستوكن آخر الانتخابات وأنها حركة ربانية أي أنها وصلت الحكم في غزة بتفويض إلهي وليس بتفويض من الشعب.
إن أي تنظيم لا يمارس الحرية في داخله لا يمكن أن يمارسها في وطنه ومع أبناء شعبه وخصوصاً التنظيمات الدينية التي تتصف بالشمولية والمركزية حيث تتركز السلطة السياسية بيد الإمام والفقيه اللذين يسقطان أحكام العبادات على الأمور الدينوية، كما تنكر الأحزاب الدينية مبدأ الحرية الشخصية وتدخله ضمن دائرة الكفر.
بينما اهتمت حركة فتح بديموقراطية غابة البنادق التي نادى بها ياسر عرفات، وقد تركزت السلطة بيد رجل واحد، وبعد قيام السلطة نادت حركة فتح بإجراء انتخابات كانت أقرب إلى الديموقراطية الشكلية، وتوقف الأمر فترة عشر سنوات من عام 1996 حتى 2006 لندخل في مأزق الانقسام الذي وأد الديموقراطية والحريات االوليدة في مهدها وطمس القضية تحت ركام الفرقة والتناحر الحزبي.

النتائج السياسية والأمنية والقضائية لأزمة دارفور

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالعزيز العسكر 20

النتائج السياسية والأمنية والقضائية للأزمة

أولاً. النتائج السياسية للأزمة

تعددت، وتنوعت الآثار والنتائج السياسية التي خلفتها الأزمة في دارفور، واتخذت أبعاداً داخلية وخارجية، منها:

1. الأبعاد الداخلية

أ. التوظيف السياسي للنزاعات

ينبغي، في إطار التعامل مع الصراع في دارفور، أن لا يغفل تدخل الدولة في مراحله المختلفة، وتوظيفها العسكري لفئات وقبائل بعينها، مثل توظيف الحكومة التركية والحكم الاستعماري لفرق الجهادية السود من قبائل تمتلك تقاليد حربية بدوية، مثل النوبة والدينكا والنوير والجوامعة. وأيضاً توظيف بادي أبو دقن للنوبة نواة لجيشه حول سنار، وفعل الشيء نفسه سلطان الفور تيراب. وعلى الرغم من أن مثل ذلك تكرر، على أساس فردي، إلا أن بعض الأحداث توحد الجماعات من المنطلق القبلي، كما حدث، في نوفمبر 1924، حينما تحركت عناصر النوبة في الخرطوم، بصفة قبلية، رداً على قمع الإنجليز لتمرد وقع في تلودي.

ومثال آخر هو تمكين عناصر البقارة العسكرية سلطة الخليفة عبد الله من إدارة البلاد لحسابها، ومثله توظيف الحكومات الوطنية لقبائل التماس العربية لمواجهة الأنانيا والجيش الشعبي لتحرير السودان. لقد قادت هذه العسكرة إلى بروز تيارات حربية مضادة داخل القبائل الأخرى، مثل المسيرية والحوازمة والرزيقات وبعد ذلك ارتبطت هذه المؤسسات العسكرية التقليدية بالمحاور السياسية المركزية من أحزاب وحكومات. هذا الوضع يعكس ارتباط الصراع القبلي بمؤسسات الدولة، وأهمية دراسة هذا الواقع المعقد لمسارات التحالفات الإقليمية. ومن أبرز الأمثلة لما يحدث اليوم في دارفور حيث تختلط ظواهر النزاع القبلي حول المرعي بسبب هجرة القبائل المستعربة إلى إقليم جبل مرة، واصطدامها مع الفور والمجموعات غير المستعربة، وما تبع ذلك من استخدام للأيديولوجية الدينية والقوة المسلحة، واستقطاب المجموعات المناوئة، يحدث هذا أيضا باستخدام مجموعات الفلاتة في جنوب النيل الأزرق في مواجهة بعض عناصر البرتا والانقسنا ـ وهكذا يتحول ما هو صراع حول الموارد إلى حروب إثنية، وما هو قبلي تقليدي إلى مشروع الحرب الشاملة. وهذا يعزز أهمية السلام والتعايش السلمي والتنمية الريفية التي تشمل الموارد والبشر.

ب. تسييس الخلافات

عاشت دارفور دولة مستقلة، خلال الفترة 1650 – 1916، وكانت تسمي سلطنة الفور. وأسهم التجاهل الذي عانت منه دارفور في عزلتها عن باقي الوطن، كما أسهم نظام الحكم الإقليمي المطبق في دارفور، عام 1982، في تكريس تخلف التنمية الاقتصادية. وفى العام 1991، قسمت دارفور إلى ولايات ثلاث: شمال دارفور (الفاشر)، وجنوب دارفور (نيالا)، وغرب دارفور (الجنينة). وعلى الرغم من هذا التقسيم، برزت تعقيدات جعلت دارفور الكبرى أقل أجزاء السودان اندماجاً في الوطن، وذلك للتخلف التنموي الذي عانته، إضافة لبعدها عن المركز، وضعف شبكة الموصلات، ووعورة الطرق.

وما فتئت الحكومات المتعاقبة في السودان، والقوى والأحزاب السياسية، ولسنوات طويلة، تنزع إلى تسييس الاختلافات الاجتماعية والاقتصادية، واستغلالها إما لتسوية بعض القضايا القومية، أو لتحقيق أهداف حزبية وعقدية، ما أدى إلى تنامي الصراع وتصاعده، وزاد من طابعه العسكري العنيف.

ج. تنامي الولاءات التحتية لدى قوى المعارضة

(1) تنامي الوعي السياسي عند القوى المعارضة

أزمة دارفور واحدة من الأزمات العديدة، التي تواجهها الدولة السودانية وتعاني منها، وقد ترتب على اشتعال تلك الأزمة واستمرارها، وتعدد الأطراف المتورطة فيها، الكثير من الآثار والنتائج التي تأثر بها إقليم دارفور خاصة، والدولة السودانية عامة.

(2) تنامي الشعور الجهوي

في ظل عدم اكتراث الحكومات المتتالية على السودان بترويج برنامج ثقافي جامع لتوحيد النسيج الاجتماعي، أعني نشر الثقافة الإسلامية، وتأكيد أنها الرابط الوحيد القادر على جمع هذا الشتات، إضافة إلى فشل هذه الحكومات في نشر مشروعات التنمية في كل القطر.. أدى ضعف روح التدين والفهم السليم للإسلام، ومن ثَم غياب أثره في السلوك الاجتماعي للكيانات القبلية: عربية كانت أم أفريقية؛ وجعل ذلك القبائل تقدم اعتدادها بالانتماء العرقي والقبلي على كل شيء، فحين يضاف إلى ذلك غياب مشروعات التنمية والخدمات الأساسية لمجتمع بشري في ظل دولة متمدنة، فلا بد أن يتولد عن ذلك شعور بالغبن… هذا الغبن يترجم إلى شعور متنامٍ بأن مجموعة القبائل الشمالية ظلت تحتكر الحكم والثروة، وتسعى إلى تحطيم من سواها من الإثنيات الأخرى بزرع الخلافات والتهميش وغيره.. وهكذا سمعنا بمؤتمر البجا في الشرق.. ورأينا الفونج في الأنقسنا في جنوب النيل الأزرق يتحالفون مع متمردي الجنوب..وسمعنا في الغرب بدولة الزغاوة الكبرى.. وحينا بدولة البقارة.

د. تنامي الميول والنزعات الانفصالية

لقد أدى نجاح متمردي الجنوب المدعومين عالمياً في فرض مطالبهم بقوة السلاح، إلى خلق إحساس عام بأن السلاح هو القوة الكفيلة باسترجاع الحقوق وتحقيق المطالب.. إضافة إلى وجود بعض الأحلام القديمة لبعض القبائل التي تشكل امتداداً يفترش أراضي أكثر من دولة مجاورة للسودان، تلك الأحلام التي تُمني بقيام دولة منفصلة، ولكن هذه الأحلام أصبحت تدعمها حركة وسعي دؤوب، وتخطيط وتنظيم لتحقيقها واقعياً، هذا الأمر بطبيعة الحال يزعج الدولة، في المقام الأول، كما يزعج القبائل العربية، التي تعيش حالة تنافس مع تلك القبائل صاحبة الأحلام، فإن قيام كيان مثل هذا يمكن أن يمثل تهديداً لوجود العرب ومصالحهم.

هـ. تزايد القوى المتصارعة

هددت الحرب الانفصالية في جنوب السودان المراعي العربية التي تمتد في وسط الجنوب حتى بحر العرب وديم زبير وغيرها، إضافة إلى وجود العداء القديم بين العرب والدينكا وغيرها من القبائل النيلية.. كل ذلك أوجد نوعاً من التحالف، استثمرته الحكومة في القضاء على الانفصاليين في الجنوب، فأمدت العرب بالسلاح لهذا الغرض.. ولكن العرب لم يكتفوا بمعارك الجنوب، وإنما استخدموا السلاح في تصفية حساباتهم مع القبائل الزنجية في دارفور! وهكذا ظهرت المليشيات المعروفة ( بالجانجويد ) والتي نشرت الرعب واسعاً، وصارت تعرض نفسها جزءاً من الحكومة، وهكذا فقد وقع في روع غير العرب أن الدولة تحاربهم عبر تلك المليشيات.. وهكذا انفجر الوضع تمرداً ضد الدولة.

أُلقي في روع بعض القبائل العربية في الغرب بطرق متعددة التشبع بفكرة النقاء العرقي، والتفكير في خطورة وجود العنصر الزنجي إلى جنبها في دارفور، ما دفعها إلى العمل على إزاحة هذا الوجود عن كل الغرب. ففي منتصف التسعينيات ظهرت بعض الوثائق التي تحمل أسم قريش (1) وقريش (2). هذه الوثائق تحمل مخططات لبرنامج الإزاحة للنظام الحاكم القائم، إضافة إلى رؤية وبرنامج للسيطرة على حكم السودان!! وبغض النظر عن مدى انتشار القناعة بتلك الوثائق وما تحمله من مضامين، فإنها تؤكد أن هنالك من يحاول التلاعب باستثمار العصبية العربية ضد غير العرب في دارفور، وفي المقابل من الجانب غير العربي.. وخصوصاً بعد انفجار التمرد في دارفور، وظهور الحركات المتمردة.

و. الفشل في إدارة الصراع في دارفور

(1) تباين معاملة النظام الحاكم

تعامل النظام دائماً مع حملة السلاح من مخالفيه بدرجة من الاحترام ورد الحقوق. لكنه استخف بمخالفيه الذين اتخذوا أساليب سياسية ومدنية، هذه الحقيقة صارت أقوى حافز للاحتكام للسلاح، مضافاً إليها الواقع الداخلي المسهم في زرع العصبيات الإثنية وبث ثقافة العنف وآلياته تدريباً وتسليحاً. وترتب على ذلك ظهور العديد من التعقيدات والتناقضات داخل الكيان السياسي السوداني، وهي عبارة عن خليط من العصبيات الإثنية والحركات الداخلية ذات القدرات العسكرية، ومظلة الدعم الخارجية المؤازرة لها.

(2) تدني فاعلية الإدارة المدنية والأهلية

أدرك النظام الجديد قلة سنده الشعبي في الإقليم فلجأ إلى تكثيف الكوادر الإدارية، واستمالة زعماء العشائر، بالترهيب والترغيب، لمساندة النظام والانضمام لحزبه، والتأهب لخوض الحرب الأهلية الدائرة في البلاد. إن النظام الإداري، الذي أقامه النظام الجديد، زاد في عدد الولايات لتصبح 26 ولاية بدلاً من 9 ولايات، وزاد من المحافظات ليصبح عددها 121 محافظة بدلاً من 19 محافظة، وزاد من المحليات لتصبح674 وحدة محلية بدلا من 126 وحدة، ووجه الموارد المالية للإدارة والأمن على حساب الخدمات الاجتماعية، وحول الجهاز الإداري نفسه من الإدارة لمهام شبه عسكرية وأمنية على حساب الأداء الإداري. أضعفت هذه السياسات شرعية الأجهزة الإدارية؛ لأنها أقحمتها في مساندة برامج مختلف عليها، كما أودت بكفاءتها الإدارية.

ز. التنافس السياسي بين المؤتمرين الوطني والشعبي

حاول نظام “الإنقاذ” أن يجعل من إقليم دارفور سنداً شعبيا له، لأن الإقليم عرف بالحماسة الدينية في تاريخه الوسيط لدى سلاطين الفور، وفي تاريخه الحديث من خلال تأييده للدعوة المهدية. واتخذ النظام كثيراً من سياسات الاستقطاب عن طريق الخدمة المدنية والإدارة الأهلية. وكان للنظام سند واضح من بعض القوى الحديثة من أبناء الإقليم، ولكن أغلبية أهل الإقليم انقسموا مابين الوقوف إلى جانب المعارضة، أو مشايعة النظام الحاكم القائم. وحتى عناصر القوى الحديثة المؤيدة للمؤتمر الوطني انقسمت بين بقاء الانتماء والولاء للمؤتمر الوطني أو التحول للمؤتمر الشعبي، واستخدم الطرفان، في ذلك، الأساليب عينها، التي كانوا يمارسونها ضد الآخرين، وأدخلا في الساحة السياسية السودانية سجالاً لم تشهد مثله انقسامات الأحزاب الأخرى خشونة ومرارة. وإزاء ما يحدث في دارفور، في الوقت الراهن، يظهر جلياً أن الطرفين يحاولان تصفية حساباتهما على مسرح دارفور. إن النزاع في دارفور نزاع قبلي في المقام الأول، وإن تأثر ببعض المؤثرات السياسية، سواء في المؤتمر الشعبي أو غيره من المعارضين. والمراقب للوضع في دارفور، يجد أن المنطلق الأساسي لهذه الكارثة هو التوجه العنصري المتحيز والقبلي، الذي لا يقيم وزناً للمنطقة أو للوطن، بل هو متحيز للإقليمية والقبلية.

2. الأبعاد الخارجية

أ. ظهور أجندات إقليمية ودولية

بدأت في الظهور العديد من الأجندات الإقليمية والدولية، التي تسعى إلى إحداث التصدعات داخل الدولة، ابتداءً من النظام الحاكم والمعارضة، وحتى داخل الأقاليم السودانية المختلفة، وهو الأمر الذي ظهر جلياً في الجنوب السوداني، ويبدو واضحاً في الغرب السوداني في الوقت الراهن، ومرشح أيضاً للظهور في أقاليم أخرى.

ب. تعدد قرارات مجلس الأمن

لقد صدر عن مجلس الأمن العديد من القرارات المتلاحقة، وهي القرار الرقم ١٧٠٦ في ٣١ أغسطس ٢٠٠٦، والرقم ١٦٧٩ في 16 مايو 2006، والرقم 1665 في ٢٩ مارس 2006، والرقم 1663 في 24 مارس 2006،والرقم 1593 في 31 مارس 2005، والرقم 1591 في 29 مارس 2005، والرقم 1590 في 24 مارس 2005، والرقم 1574 في 19 نوفمبر 2004، والرقم 1564 في 18 سبتمبر 2004، والرقم 1556 في30 يوليه 2004. فضلاً عن القرار الرقم 1325 لسنة 2000. وهو أمر يبعث على الريبة والشك في صدقية هذا المجلس والقرارات الصادرة عنه، وهذه القرارات وإن كانت نتيجة مباشرة لتصاعد الأزمة في إقليم دارفور إلى أن وصلت إلى ما وصلت إليه، وهو الأمر الذي يمثل مزيداً من الضغوط على صانعي القرارات ومنفذي السياسات في الحكومة السودانية، إلا أن التمادي في ذلك، واقتران هذا التوجه بمنظومة أهداف ومصالح ومطامع الدول التي تدفع بقوة في هذا الاتجاه، قد لا يؤدي إلا لمزيد من التصميم من جانب النظام السياسي السوداني للوقوف بحزم أمام تلك الهجمة الأمريكية المدعومة من حلفائها، وهو ما يمكن أن يزيد من تعقيد تلك الأزمة وتفاقمها.

إن القرارات العديدة، التي صدرت عن مجلس الأمن، وتتعلق بمعالجة الأوضاع في إقليم دارفور، في فترة زمنية وجيزة، وبموجب أحكام الفصلين السادس والسابع من الميثاق، وتضمنت تدابير وإجراءات متداخلة ومتشعبة ـ تناولت موضوعات وقضايا كثيرة، بغير ما عهد في تاريخ تعامل مجلس الأمن مع السودان، والتي بلغت تقريباً ثمانية عشر قراراً، وتجدر الإشارة إلى أنه خلال أقل من أسبوع واحد صدرت ثلاثة قرارات بموجب الفصل السابع، في الفترة من 24 مارس 2005 وحتى 31 مارس 2005، وهو أمر غير مسبوق في ممارسات مجلس الأمن، وإن كل ذلك يثير العديد من التساؤلات، القانونية والسياسية، حول الطريقة التي يعالج بها مجلس الأمن أزمة دارفور.

ج. محاولة تدويل الأزمة السودانية

المخطط الأمريكي ضد السودان، في ملف دارفور، عماده وضع القضية في سياق واحد يجعل الحكومة السودانية متهمة بالتواطؤ لتصفية قبائل أفريقية، وإظهارها بأنها غير أمينة على شطر من سكانها وتستحق أن ترغم على رفع يدها عن الإقليم. إن الهدف، من كل ذلك، هو تدويل قضية دارفور، بما يفضي في النهاية “إما إلى الاستقلال أو إلى الانضمام إلى جنوب السودان الجديد، بعد أن يقرر، في استفتاء جنوبي، مصيره نحو الانفصال تطبيقاً لاتفاق ماشاكوس، الموقع عام 2003”. لقد دأبت الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها على التحرك باتجاه تدويل أزمة دارفور، من خلال التركيز على المحاور التالية:

(1) المحور الأول

تمثل في الضغوط الدبلوماسية، التي أسفرت عن نقل الملف إلى مجلس الأمن، حتى أصدر قرارين يحذران من خطورة الموقف، وينذران الخرطوم بعقوبات صارمة، بل بتدخل دولي في الإقليم.

(2) المحور الثاني

أعدته واشنطن انطلاقاً من الكونجرس بإصدار قانون سلام السودان، وهو قانون يتعامل مع السودان، عموماً، في دارفور وغيرها.

(3) المحور الثالث

وهو ضغط منظمات حقوق الإنسان لإرسال فرق تقصي الحقائق، بحيث أصبح الموقف في دارفور وكأنه يتصدر الاهتمام الدولي، ويفوق في خطورته دمار العراق، حتى لاحظ بعض المراقبين أن تعمد واشنطن إبراز دارفور إنما هو لصرف الاهتمام بحلقات الفشل الأمريكية في العراق.

(4) المحور الرابع

هو الإعلام الأمريكي الذي حرك الملف ورسم هذه الصورة الساخنة لأحداث دارفور، والترويج الواسع لسياسات وممارسات الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها في التعامل مع تلك الأزمة، مع التركيز على تصوير الأزمة على كونها أزمة إنسانية كبيرة.

يلاحظ أن الكثيرين لم يقتربوا اقتراباً كافياً من تعبير تدويل المسألة السودانية اكتفاء بتعبير كارثة دارفور، على الرغم من أنها أصبحت كذلك بكل المعايير‏.‏ فالجنوب السوداني وإن كانت هناك اتفاقيات للسلام تحكم التعامل معه إلا أن جوهر المسألة يشير إلى أنها ليست بعيدة أيضاً عن التدويل، كما أن ما يرد عن بداية توترات في شرق السودان، أو طبيعة تحرك حركات التمرد الدارفورية من جنيف إلى واشنطن، مع عدم وضوح ذلك على الخريطة الإعلامية،‏ هو الذي يخفي عناصر تدويل المسألة السودانية‏.‏ لكن المتابع للشأن السوداني يلاحظ هذا الإجماع الأمريكي من حملة بوش بشأن المسألة السودانية‏.‏ ولابد أن احتفاظه بطابعها الإنساني هو لمجرد كسب الأفروـ أمريكيين والجمعيات الأهلية المانحة أو المتعاطفة مع المشكلات الإنسانية،‏ فضلاً عن تطلعات جماعات المصالح لاستكشاف المنطقة عبر وفود المراقبة والمتابعة‏.‏

وتساعد الحالة الدارفورية الأمريكيين والأوربيين، عموماً، على الانتقال من ضغوط المسألة الإرهابية في العالمَين: الإسلامي والآسيوي،‏ إلى نزوع إنساني، تمتد فيه عملية التدخل القسري، هذه المرة، إلى منطقة إسلامية، وتوظف فيها مساعدة المسلمين الذين تمتد مآسيهم في بلاد السودان التاريخية من سنار شرقاً حتى تشاد، بل والنيجر ومالي غرباً، ممن يعانون بدورهم مشكلات التمرد، وتعطل التنمية المستدامة‏.‏ وهنا سيمثل الضجيج الإعلامي الإنساني، والجهود الخيرية المزعومة للمانحين، الذين أصبحوا يشكلون طبقة عالمية، غطاءً للتدخل العسكري المحتمل‏.‏ وفي ظل غياب مساعدات عربية أو إسلامية فعالة‏، بل وغياب دور الدولة المسؤولة محلياً، بهذا الشكل المؤسف،‏ يظل هذا الدور الإنساني أكثر فائدة وأقل تكلفة مما تتحمله قوات التحالف في المستنقع الآسيوي، الممتد من كابول إلى بغداد والقدس‏.

ولذلك ظهرت جماعات كنسية، ومنظمات حقوق إنسان، ولوبيات إسرائيلية، ولوبيات برلمانية في كثير من الدول. هؤلاء كونوا مظلة مستعدة لاحتضان ضحايا تلك السياسات، وما برح الذين طردتهم تلك السياسات من السودان يخاطبون عناصر تلك المظلة، ويجدون عندها دعما مادياً ومعنوياً. كذلك أدت السياسات الخاطئة تجاه دول الجوار إلى خلق اتجاهات معادية للنظام في السودان في بعض تلك الدول. لقد غير النظام كثيراً من تلك السياسات، ولكن حدث ذلك بعد أن أصبح هناك أمراً واقعاً صعباً يعايشه النظام السياسي السوداني، وهذا الواقع أسوأ ما فيه أهداف الدول الأجنبية ومصالحها ومطامعها وآلياتها وتحالفاتها، وكذلك حرصها على البقاء في المنطقة.

إن الطابع الدولي، الذي تسعى الولايات المتحدة الأمريكية أن تضفيه على أزمة دارفور، يعني تداخل مصالح الدول‏‏ بالتنافس أو الاستغلال أو الإخضاع، أو تطويع المؤسسات الدولية نفسها لخدمة أغراض ومطامع محددة‏.‏ أما الحديث عن الجانب الإنساني الظاهر في مسألة دارفور، فهو مجرد واجهة وذريعة من الذرائع الكثيرة، التي تلجأ إليها الولايات المتحدة الأمريكية في كل مرة تحاول فيها التدخل السافر في صميم الشئون الداخلية لدولة ما،‏ ومن ثم، فإن أحداً لا يستطيع أن يغفل عن البعد الدولي الصراعي في هذا الموضوع‏. إن تدويل قضية دارفور لم يأت بطلب من حكومة السودان، ومن منظمة الإيجاد وبعض الدول العربية والأفريقية، كما حدث في قضية الجنوب، ولعل البديل عنه يفرض التحرك الجاد وفقاً للقواعد القانونية الدولية المرعية من جانب المجتمع الإقليمي والدولي، لوقف نزيف الدم وإعادة النازحين واللاجئين، وتقديم المساعدات الإنسانية والخدمات الضرورية، ومشاريع التنمية واحترام حقوق الإنسان والحريات العامة. وربما كان من الأسباب الدافعة إلى تحريك الأزمة باتجاه التدويل ما يلي:

وجود المشردين بأعداد كبيرة في المدن الأخرى، وتزايد أعداد اللاجئين في دولة تشاد، والاتهامات الموجهة إلى الحكومة السودانية بتجاهلها للأحوال الإنسانية المتردية والتعتيم الإعلامي، واستخدام السلاح في حل المشكلة،واضطلاع السودانيين المقيمين بالخارج بدور كبير في الدفع بالقضية للوصول بها إلى المنظمات الإنسانية، كما أن مجاورة دارفور للدول الناطقة بالفرنسية (الفرنكفونية)، أدى إلى تدخل فرنسا في تلك الأزمة. وتأثير وتأثر دارفور بدول غرب أفريقيا التي تقوم بدور كبير في القارة الإفريقية، ومن ثَم، فإنالتدخل الحميد هو التدخل المطلوب في المسألة السودانية، ويقترن بذلك رفض كل تدويل خبيث خارج منظمة الأمم المتحدة.

د. التحيز الدولي ضد الحكومة السودانية

لقد اتخذ المجتمع الدولي، عبر أبرز ممثليه موقفاً متحيزاً من نزاع دارفور، وهو ما يضر بأي جهود مخلصة لإنهاء النزاع سلمياً، فالضغوط المتواصلة على الحكومة، التي تقوم أمريكا بتنسيقها وإدارتها عالمياً، وفرت غطاء مناسباً لتنصل مسلحي دارفور من كافة الاتفاقات التي أبرمت معهم، ووضع العراقيل أمام سبل الحوار والتفاوض لتغليب خيار التدخل الدولي. إن أي دور دولي، في معالجة مشكلة دارفور، لا ينبغي له أن يتجاوز إرادة السودانيين، أو أن يكون بديلاً لها، بأن يكون مسانداً لما يتفق عليه السودانيون عبر الحوار الثنائي بين الحكومة ومسلحي دارفور برعاية الاتحاد الأفريقي، وعبر المؤتمر الجامع الذي يؤمن مشاركة كافة أبناء دارفور والقوى الوطنية في إيجاد حل عادل ودائم إلى جانب ما تتمخض عنه المباحثات التي يتعين أن يجريها السودان مع دول الجوار ذات الصلة، وفي مقدمتها تشاد، لضمان الأمن والاستقرار في المنطقة. إن المجتمع الدولي لا يمكن أن يكون بديلاً لكل الأطراف المعنية بمشكلة دارفور.

كانت الحكومة السودانية تعطى اهتماماً خاصاً للآلية التي جددت لتنفيذ بنود الاتفاق مع الأمم المتحدة، في محاولة حثيثة لاستباق صدور أي قرارات من مجلس الأمن، كان من المفهوم سلفاً أنها لن تكون في صالح الحكومة السودانية المتهمة في كل وسائل الإعلام بالإبادة الجماعية. وهكذا أصبحت الضغوط الدولية تمثل الورقة الأولى لدى حركتي التمرد، ومن ثَم، فقد تحول إفشال جهود التسوية إلى هدف بحد ذاته من أجل كسب المزيد من الدعم الدولي والإقليمي، وإضعاف الموقف الحكومي بمجرد المراهنة على عامل الزمن.

ثانياً. النتائج الأمنية للأزمة

من الطبيعي، في ظل ذلك الصراع الدائر داخل إقليم دارفور، والذي يستند، بدرجة أساسية، في إدارته إلى القوة العسكرية، أن تترتب، على شيوع هذا الصراع واتصاله، العديد من التأثيرات العسكرية والأمنية السلبية، التي تنعكس نتائجها على مجمل الأوضاع داخل الإقليم، ومن تلك النتائج:

1. تفشي ظاهرة النهب المسلح

ظهر النهب المسلح، جلياً، في إقليم دارفور، منذ أوائل الثمانينيات، وخاضت العديد من القبائل الحرب في دارفور، وهو ما يعني أن هذه الظاهرة ربما تكون نتيجة من نتائج السياسات والممارسات السلبية، ومنها زيادة معدلات الفقر والبطالة، وضعف الوازع الديني، وتدني مستويات الوعي، وارتفاع معدلات الأمية، واستشراء التعصب القبلي، وغياب مشروعات التنمية، وضعف الاستثمارات في الإقليم، كما أن غياب هيبة الدولة، وغياب سيطرتها على مجمل مناطق الإقليم، ساعدت جماعات النهب المسلح على التمادي في القيام بأعمالها من دون رادع أمني حقيقي ومؤثر، كما أسهم في ذلك انتشار الأسلحة بين كثير من مواطني الإقليم، رد فعل لأعمال تلك الجماعات ونتيجة طبيعية لها، وترتب على تناميها إهدار الكثير من الأموال وإزهاق العديد من الأرواح، كما خلقت حالة من حالات الفوضى وعدم الاستقرار في الإقليم. كما أن معدلات حوادث النهب المسلح زادت، في منتصف عام 1984، مع اشتداد موجة الجفاف والتصحر، التي اجتاحت منطقة القرن الأفريقي، بما فيها إقليم دارفور، حيث تسببت تلك الظروف البيئية والتغيرات المناخية في القضاء على مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية، ونفوق أعداد كثيرة من الثروة الحيوانية، وهو ما دفع قطاعاً من السكان إلى ممارسة النهب المسلح، لتعويض ما فقدوه بفعل الجفاف والتصحر.

يرى البعض أن ظاهرة النهب المسلح، التي شاعت في إقليم دارفور عقب اندلاع الصراع المسلح، إنما ظهرت من طريق: جماعات من أصل قبيلة الزغاوة شردها الجفاف. وكذلك جماعات من أصل عربي، شردها الجفاف وركزت على مناطق جبل مرة. وجماعات مسلحة من أصل تشادي، وحيثما يضعف الأمن والنظام في تشاد تتأثر المناطق المجاورة سلباً في أمنها ونظامها، وهو ما يتيح لمثل تلك الجماعات القيام بذلك. كما يرجع البعض ذلك إلى آثار الحرب الليبية التشادية، حيث كانت هناك محاولة لإيقاع السودان في مستنقع عملياتها الحربية، ولكن الحكومة السودانية نأت عن ذلك؛ ما سبب بعض التوتر في العلاقات بدول الجوار. ومع ذلك، امتدت بعض آثار تلك الحرب المؤسفة نحو دارفور. كما أحدث تدفق بعض قبائل دول الجوار، نحو إقليم دارفور مهاجرين، كثيراً من المشكلات، ودخلوا طرفاً في النهب المسلح، كما دخلوا طرفاً في النزاع بين أصحاب الحواكير من القبائل السودانية والوافدين عليهم. هذا التدفق، الذي بدأ منذ ثمانينيات القرن الماضي، أشار البعض، في أوائل التسعينيات، إلى دخول 27 قبيلة من العرب مربي الماشية، من خارج السودان، واستقرارهم في منطقة الجنينة وحدها.

2. تعاظم توظيف القدرة القتالية في تسوية النزاعات داخل الإقليم

أ. تنامي القدرة القتالية للقبائل

لقد تسببت النزاعات والصراعات القبلية في الإقليم في ظهور العديد من التنظيمات القبلية أو تنشيطها، ومنها، مثلاً، تنظيمي الأرناق (للفور والمساليت والقبائل غير العربية)، وتنظيم العقيد العسكري (الرزيقات، الهبانية وبني هلبة والسلامات والتعايشة وقبائل الابالة). وهي تنظيمات قبلية قديمة وكان من نتيجة تنشيطها وتسليحها أن حدثت لها نقلة نوعية كبيرة، واستبدلت الأسلحة التقليدية البيضاء بالأسلحة النارية الحديثة. وأخذت القبيلة تتمحور حول نفسها في تنظيمات مدنية عسكرية دقيقة وحديثة في آن واحد. لقد شهدت فترة الحكم البريطاني نزعاً للأسلحة، ووضع اللوائح الصارمة لحيازة الأسلحة. ولكن برزت حيازة الأسلحة عند تفاقم النزاع، ابتداءً من عام 1968، (صراع الرزيقات والمعاليا)، وعام 1988 (الصراع بين العرب والفور). واستمرت الحيازة وتدفق السلاح من ليبيا وتشاد ومن الداخل، ما جعل توافره، بهذا الحجم، يسبب أضراراً بالغة وخطيرة، في الوقت الراهن.

ب. الاحتكام إلى السلاح في تسوية النزاعات داخل الإقليم

لقد أخطأت الحكومة بالصمت في عدة مواطن، ومنها الصمت عن ممارسات المليشيات العربية ضد غير العرب، ولم تتحرك، جادَّة، لنزع سلاح هذه المليشيات وتلك القبائل، وربما لم يكن ذلك في مقدورها، ولكن النتيجة واحدة، وكذلك أخطأت حينما سكتت عن الأزمة في بداية انفجارها، ورأت أن تصور الأمر على أنه ممارسات لبعض عصابات النهب المسلح، وليست حركة تمرد مسلح، وأدى ذلك إلى خروج الأمر برمته عن سيطرتها نسبياً، حين صار لهذه الحركات مكاتب سياسية في أوربا، وصارت لها أكثر من جهة تتحدث باسمها بما فيها المؤتمر الشعبي، لقد حاولت الحكومة سحق الحركة في صمت، ولكن الصمت انقلب ضجيجاً واسعاً، شغل كل العالم المتربص لفرصة كهذه. والآن وقد صارت قضية دارفور “مشكلة دولية وأزمة إنسانية لا مثيل لها في الوقت الحالي”، على حد تعبير كوفي عنان؛ فإن كثيراً من الأطراف صارت تتحرك استعداداً للتدخل. أولها أمريكا التي تطمع في توسيع وجودها العسكري والأمني والاقتصادي، في السودان خاصة، والمنطقة بصفة عامة. ولذلك، فهي تدفع المجتمع الدولي وتعبئه من أجل موافقتها على ذلك، والقبول بتدخلها نيابة عنه.

ويلاحظ، من جهة أخرى، وعلى المستوى الداخلي، أن الأطراف والقوى المسلحة في إقليم دارفور، والتي تحتكم إلى السلاح في تسوية نزاعاتها، تتكون من عناصر كثيرة أهمها: أجهزة الدولة النظامية، والدفاع الشعبي، والمليشيات القبلية الموالية للدولة، وقوات السلام التي أنشأتها الحكومة للقتال مع القوات المسلحة في الجنوب. وكذلك حركة تحرير السودان وحركة العدالة والمساواة، هما ترفعان شعارات سياسية باسم الإقليم كله، وباسم السودان، ولكن واقع حالهما يستند إلى قيادات وقواعد إثنية الانتماء. وكذلك، جماعات الجانجويد وهم في الغالب من أصول عربية، وهم من إفرازات شح الموارد والنزاع عليها، وإفرازات ثقافة العنف، وإفرازات التوتر العرقي الذي صحب النزاع على الموارد، وقد احترف الجانجويد النهب المسلح الانتقائي لأنه موجه في الغالب ضد قبيلة الفور. وهناك أيضاً جماعات النهب المسلح وبعضهم من قبائل سودانية وآخرون من قبائل وافدة من تشاد. وأيضاً توجد الميليشيات القبلية. وكان النظام الحاكم في السودان قد بدأ بإدانة التحرك العسكري المضاد في بداية الصراع، وسعى من أجل العمل على حسمه عسكرياً، وهذا المسعى بلغ ذروته، في مارس 2003، بعد الهجوم في الطينة، وإعلان النظام من الفاشر قرار حسم التمرد خلال أسبوعين، وإذا كان هذا التوجه قد أخفق حتى الآن، بل على العكس من ذلك فإن المساجلات العسكرية أعطت حملة السلاح انطباعاً بإمكان النصر على الحكومة، عبر عنه أحدهم وهو يخاطب وفد الوساطة الحكومي بقوله: “إن الجيش يهرب من ميدان أية معركة يخوضها ضده تاركاً وراءه الكثير من الغنائم حتى الدبابات”. وكانت حركة تحرير السودان قد أعلنت ميثاق أهل دارفور، جاء فيه: “العمل على استمالة القوات المسلحة لصالح الحركة باعتبار أن القوات المسلحة تتكون من أبناء المناطق المهمشة”.

ظلت الحالة الأمنية تتدهور باستمرار، خلال الفترة الماضية، ما أضر بجهود الإغاثة الإنسانية، ومحنة السكان المشردين داخلياً، وتعثرت كثيراً جهود البحث عن حل سياسي مناسب. إذ إن القتال المباشر بين الحكومة ومتمردي جيش تحرير السودان وحركة العدل والمساواة قد استؤنف على أشده، في أواخر نوفمبر 2004، على الرغم من البروتوكول الأمني الموقع عليه، في التاسع من نوفمبر 2004، برعاية الاتحاد الأفريقي. وبدأ التصعيد بين الحكومة وجيش تحرير السودان في بلدة طويلة وحولها، وأعقبه حشد عسكري سريع. وبدأت الأسلحة تتدفق إلى المنطقة، في 5 ديسمبر 2004، وبعد يومين بدأت القوات الحكومية هجوماً كبيراً، استمر حتى منتصف ديسمبر 2004، وشمل الاستخدام المكشوف للجانجويد وعمليات القصف الجوي. وشهد شهري ديسمبر 2004 ويناير 2005، أيضاً ارتفاعاً حاداً في الهجمات على موظفي العمل الإنساني. واشتد القتال مرة أخرى بعد فترة وجيزة من التوقيع على اتفاق السلام الشامل، في يناير 2005. وكان قصف الحكومة لرهد كبولونغ، في 26 يناير 2005، الذي وردت تقارير عن أنه قتل فيه أكثر من 100 مدني، أشنع الانتهاكات لوقف إطلاق النار في ذلك الحين. وجاء بعد يوم واحد من التوقيع على اتفاق، من جانب الاتحاد الأوروبي وحكومة الخرطوم، يؤدي إلى الإفراج عن مبلغ 450 مليون يورو من أموال التنمية، كانت مجمدة، منذ عام 1990. وفي مراسم التوقيع أكد نائب الرئيس، علي عثمان طه، للاتحاد الأوروبي أن الحكومة ملتزمة بتنفيذ بروتوكولات أبوجا، التي تشمل حظراً على الطيران العسكري في دارفور. وحتى قبل هذه الأحداث، كان هناك تيار منتظم من انتهاكات وقف الإطلاق من جميع الأطراف، وكذلك زيادة في القتال بين القبائل والنهب المسلح.

في مواجهة ذلك ظلت الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي يتبعان إستراتيجية “الحماية بالوجود” وهي إستراتيجية معيبة لعدة أسباب، منها:

أ. إن افتراض أن تصبح الحكومة، فجأة، راغبة عن طواعية، بطريقة ما، في حماية المدنيين الذين شردتهم، قبل شهور، المليشيات التي سلحتها هي لذلك الغرض، افتراض يتسم، في أحسن الأحوال، بالسذاجة. فقد نقضت الحكومة تقريباً كل الالتزامات التي تعهدت بها فيما يتعلق بدارفور، من اتفاق نجامينا لوقف إطلاق النار بتاريخ 8 أبريل 2004، مروراً باتفاق نجامينا، بتاريخ 25 أبريل 2004، فبيان 3 يوليه 2004 الذي وقعت عليه مع الأمم المتحدة وخطة العمل التي تلته في 5 أغسطس2004، إلى بروتوكول أبوجا الأمني الأخير. ونقضت، أيضاً مراراً وتكراراً، التزاماتها المتعلقة بحق الأشخاص المشردين، داخلياً، في العودة الطوعية والآمنة. ورغم الوعود والتهديدات الدولية المتكررة، لا يبدو أنها على استعداد أكبر لحماية مواطنيها في دارفور مما كانت عليه قبل سنة.

ب. إن الإستراتيجية تدع المجتمع الدولي عاجزاً عندما تحدث هجمات. وظهر هذا جلياً بعد أن اختطف أحد قادة جيش تحرير السودان في جبل مرة 18 رهينة من العرب في 27 أكتوبر 2004. وخوفاً من التصعيد العسكري، عقب إصدار القبائل العربية المحلية المسلحة دعوات إلى الانتقام، انسحبت الأمم المتحدة والوكالات الإنسانية – الوجود الدولي الوحيد في المنطقة. وقد أعلنت الأمم المتحدة، مراراً، أن وجود موظفي الإغاثة الأجانب ينبغي يعتمد حلاً لمشكلة انعدام الأمن في دارفور. وهناك ميل متزايد، في مناطق الصراعات حول العالم، من الحكومات، إلى اتخاذ المساعدة الإنسانية و”الحماية بالوجود” بديلاً عن إتباع نهج أكثر قوة وواقعية لمنع حدوث الفظائع. إن “الحماية بالوجود” حماية جوفاء إذا كان ذلك الوجود يسحب عندما تتدهور الحالة، ليتعين على المدنيين الدفاع عن أنفسهم، ولكن الأمم المتحدة توضح، وهي محقة، أن العاملين في المجال الإنساني لا يمكنهم الوقوف بين قوتين متحاربتين. وتصبح الإستراتيجية فاشلة عندما تكون عناصر الاتحاد الأفريقي المسلحة، على قلتها، غير راغبة في التدخل لاحتواء الحالة أو غير قادرة على ذلك.

ثالثاً: النتائج القضائية للأزمة

لقد أفرز الصراع الدائر، في إقليم دارفور، بين القوات المسلحة للحكومة السودانية وحركات المعارضة المسلحة، نوعاً آخر من التأثيرات، يتمثل في التأثيرات القضائية للأزمة، والتي ارتبطت، بصفة عامة، بضرورة تقديم المتسببين في تفاقم الصراع، والمتهمين بارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية للعدالة الدولية، ويمكن توضيح ذلك كالتالي:

1. تصاعد المطالبات بمحاكمة دولية لمسؤولين في الحكومة السودانية

إن إيجاد نظام دولي كفء وفاعل للمساءلة الجنائية عن الانتهاكات، التي تستهدف حقوق الإنسان، خاصة في أوقات الحروب أو النزاعات المسلحة، يُعَد من الضمانات المهمة، التي تكفل الاحترام الواجب لهذه الحقوق وعدم النيل منها، وذلك جنباً إلى جنب مع التشريعات الوطنية ذات الصلة، ذلك أن وجود مثل هذا النظام الجنائي الدولي من شأنه أن يحول دون إفلات الأشخاص المسؤولين عن هذه الانتهاكات من العقاب، أياً كانت مواقعهم أو مراكزهم القانونية. وإدراكاً لهذه الحقيقة المهمة فيما يتعلق باحترام حقوق الإنسان، وتعزيز الحريات الأساسية، من دون تمييز لأي اعتبار، فقد أولي المجتمع الدولي قدراً كبيراً من جهوده واهتماماته لوضع دعائم وطيدة لنظام المساءلة الجنائية الدولية، خاصة منذ بداية عقد التسعينيات من القرن الماضي، وقد قامت هذه الدعائم على مستويَين:

أ. المستوي الأول

يتمثل في إنشاء محاكم جنائية دولية، خاصة أو مؤقتة، للنظر في الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان ولقواعد القانون الدولي الإنساني، وذلك على نحو ما حدث في محكمتي يوجوسلافيا ورواندا، خلال النصف الأول من العقد المذكور.

ب. المستوي الثاني

يعكس مدي اهتمام المجتمع الدولي بإنشاء نظام كفء وفاعل للمساءلة الجنائية الدولية، فيتمثل في إنشاء المحكمة الجنائية الدولية الدائمة لإدارة العدالة الجنائية، وللتصدي للانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان وحرياته الأساسية، خاصة أثناء النزاعات المسلحة: الدولية والداخلية، على حد سواء.

وقع نظام هذه المحكمة الأساسي في 17 يوليه 1998، ودخل حيز التنفيذ الفعلي في 1 يوليه 2002، وذلك بعد اكتمال العدد المطلوب من التصديقات. وبدخول هذا النظام حيز التنفيذ، صار ممكنا ـ بل أصبح لزاماً ـ إحالة الدعاوى الجنائية الناشئة عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والحريات الأساسية إلى المحكمة الجنائية الدولية للنظر فيها، ولمحاكمة الأشخاص الذين ينسب إليهم ارتكاب مثل هذه الانتهاكات. من هنا جاء القرارالرقم 1593، الذي أصدره مجلس الأمن، في 31 مارس 2005، بإحالة الملف الخاص بالوضع في دارفور بالسودان إلى المحكمة الجنائية الدولية.

2. إحالة ملف دارفور إلى المحكمة الجنائية الدولية

في محاولة لتحريك الموقف، وتطبيق اتفاق وقف إطلاق النار، الذي أُبرم في نجامينا، والبروتوكولين الأمني والإنساني، الموقعين في أبوجا، انعقدت، في العاصمة نجامينا، قمة أفريقية مصغرة، في 16 فبراير 2005، لمناقشة الأوضاع في دارفور، بمشاركة رؤساء أربع دول، هي: السودان وتشاد والجابون والكونغو، ورئيس مالي السابق رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي ألفا عمر كوناكري. كما شارك ممثلون عن مصر وليبيا ونيجيريا، وأقرت القمة مجموعة من التوصيات المهمة، التي تسمح، في حالة تطبيقها، بفرض وقف إطلاق النار في الإقليم السوداني المضطرب، حيث أوصى البيان الختامي رئاسة اللجنة المشتركة لوقف إطلاق النار في دارفور بإرسال فريق ميداني، للتحقق من المواقع التي تحتلها القوى الموجودة، بهدف وضع خطة فصل بين هذه القوى. كما أوصوا مجلس السلام والأمن، التابع للاتحاد الأفريقي، بتحويل مهمة الاتحاد الأفريقي، في دارفور، إلى عملية حفظ سلام حقيقية، احتراماً لسيادة السودان، من أجل التوصل إلى تسوية لأزمة دارفور، في إطار أفريقي. وبخصوص هذه القمة، يمكن ملاحظة أن الحكومة السودانية سعت إلى إشراك دول الجوار الأفريقي المباشر لدارفور، بسبب التداعيات الناجمة عن التحركات الواسعة، عبر الحدود المفتوحة، لهذه الدول.