أ.د. أحمد محمد وهبان

مسار الدبلوماسية العالمية ودبلوماسية القرن الواحد والعشرين

كاتب الموضوع الأصلي: زياد العتيبي 336

مسار الدبلوماسية العالمية ودبلوماسية القرن الواحد والعشرين

عرض/محمد عيادي

تعرف القواميس الدبلوماسية بأنها مشتقة من لفظ “دبلوم” أي الوثيقة الرسمية التي كانت ولا تزال تمنح للمبعوثين الرسميين لاعتمادهم لدى سلطات البلد الموفدين إليه، كما تعرفها القواميس نفسها بأنها الفرع من السياسة الذي يعنى بالعلاقات بين الدول ويرعى المصالح الخارجية للدولة ويتفاوض باسمها مع الآخرين ويتابع تنفيذ الاتفاقيات.

وبعيدا عن اشتقاق الدبلوماسية اللفظي من كلمة “دبلوم” أو الشهادة، اعتبر الدكتور عبد الهادي بوطالب -وهو سفير سابق- في كتابه “مسار الدبلوماسية العالمية ودبلوماسية القرن الواحد والعشرين” أن الدبلوماسية أداة العمل السياسي المستعملة في إدارة العلاقات الخارجية لدولة معينة بأداء سليم.

نماذج تاريخية

تتفق شهادات التاريخ السياسي العالمي على أن عمر الدبلوماسية العالمية طويل وممتد إلى حيث دخل العالم عهود الحضارة السياسية، بحيث ذكرتها قصص إلياذة “هوميروس” عندما تحدثت عن الضمانات التي أعطيت للمندوبين عن كل معسكر خلال المحادثات التي كانت تجري بين المتحاربين للاتفاق على هدنة أو سلام. وبعدها ذكر عددا من الأمثلة من العهد القديم والتاريخ اليوناني والروماني وكذا من تاريخ الإمبراطورية البيزنطية في العصر الوسيط، حيث كان السفراء بمثابة مفاوضين مع الخارج دون أن يكونوا دائمين لكن مع عناية خاصة بطقوس البروتوكول.

تطرق بوطالب أيضا لدبلوماسية الرسول محمد عليه الصلاة والسلام في بداية القرن السابع الميلادي بعد استقرار دولة الإسلام الأولى بالمدينة، ورسائله المختومة بخاتمه إلى كسرى فارس وهرقل قيصر الروم وغيرهما، موضحا أن الرسول صلى الله عليه وسلم استعمل “أساليب الدبلوماسية ففاوض خصومه وأبرم معهم الصلح ودخل مع بعضهم في حوار وعقد معهم اتفاقيات احترام متبادل وتعايش معهم في سلام واحترام كل دين للدين الآخر، والتقيد بمقتضيات الاتفاق المبرمة بينه وبين الغير”.

وفي السياق نفسه نفى أن يكون فرنسوا كاليير -أحد دبلوماسيي لويس الرابع عشر- أول من ألف عام 1716 كتابا عن الدبلوماسية بعنوان “طريقة التفاوض مع الملوك”، موضحا أن السيرة النبوية دونت تفاصيل مفاوضات الرسول مع الملوك والأباطرة ونشرت رسائله إليهم كما دونت الاتفاقيات التي أبرمها مع غير المسلمين من قبيل صلح الحديبية مع قريش، وهي وثائق تتوفر لها جميع الشروط لوصفها بالدبلوماسية.

“
ألغت ابتكارات تكنولوجيا الاتصال المتطورة الحدود بين الدول وأغنتها عن آليات الدبلوماسية التقليدية بظهور أجهزة اخترقت الحدود الزمانية والمكانية بحيث لم تعد المعلومة حصرا على تقارير السفراء ورؤساء البعثات الدبلوماسية وآلياتهم التقليدية
”
التكنولوجيا وثورة الدبلوماسية

عرف العالم ثلاث ثورات كبرى كانت الأولى زراعية والثانية صناعية والثالثة معلوماتية غيرت النسيج والسلوك الاجتماعي العالمي وأنماط التفكير البشري، وكانت تلك الثورات برأي بوطالب بمثابة موجات مختلفة الوتيرة انعكست على العمل الدبلوماسي للدول تبعا لطبيعة الموجة التي تركبها، حيث تحتل الدبلوماسية الأميركية الطليعة متبوعة بدبلوماسية أوروبا واليابان، فيما يسير العالم الثالث “بسرعة السيارة في أحسن الأحوال، هذا إذا لم تسر دبلوماسيته على وتيرة سير السلحفاة عندما تكون في موسم الحركة والتنقل”.

ويركز الكاتب في هذا الباب على التطور الهائل على المستوى التكنولوجي والمعلوماتي والتواصلي أو الاتصالاتي الذي يبدأ من اعتماد الحصان والرسول لحمل الرسالة أو الحقيبة الدبلوماسية وصولا إلى البريد الإلكتروني، ومن قطع المسافات للقاء مسؤول الدولة مع مبعوثيه الدبلوماسيين إلى اللقاء والحديث المباشر بالصورة والصوت من أماكن بعيدة.

وبفضل هذا التطور تزعمت الولايات المتحدة النظام العالمي الجديد وأخذت تمارس فيه دور القطب الأعظم الوحيد، مستفيدة من نجاح دبلوماسيتها في استقطاب أغلبية الدول للانخراط في نظام العولمة، وتمكنت من ضبط علاقات الأمم بأساليب سريعة الأداء واكتساب فعالية لا تقدر على مجاراتها فيها أي دبلوماسيات دول عظمى.

فقد ألغت ابتكارات تكنولوجيا الاتصال المتطورة الحدود بين الدول وأغنتها عن آليات الدبلوماسية التقليدية بظهور أجهزة اخترقت الحدود الزمانية والمكانية بحيث لم تعد المعلومة حصرا على تقارير السفراء ورؤساء البعثات الدبلوماسية وآلياتهم التقليدية. وباتت الدبلوماسية العصرية هي هذا الاتصال، إذ لا دبلوماسية فاعلة بغير أساليب التواصل التكنولوجي في تلقي المعلومات وإرسالها بشكل أسهل وأشمل وأسرع.

لقد وفرت التكنولوجيا المتقدمة للدبلوماسية الوقت وأعفت السفراء من الحضور إلى بلدانهم لتقديم المعلومات بشكل دوري، وبات متيسرا عقد الاجتماع مع المسؤولين من مكاتبهم على غرار الشركات المتعددة الجنسيات العملاقة التي تعقد مجالسها الإدارية عبر الأقمار الاصطناعية في جلسة مفتوحة بالصوت والصورة، وهو الأمر الذي لم يعد معه أمام الدبلوماسية في العالم العربي والإسلامي مفر من إعادة النظر في بنياتها وآلياتها وفق مستجدات التقدم التكنولوجي في ميدان الاتصال والتواصل حسب قول المؤلف.

“
العلاقات الدولية ستظل في الأمد القريب والمتوسط متأثرة باختيارات الولايات المتحدة وتوجهاتها لما لها من نفوذ اقتصادي وعسكري لن تتخلى عنه مهما كان الثمن
”
دبلوماسيات مختلفة وجديدة

باتساع وتنوع مجال العلاقات الدولية في القرن الحادي والعشرين تنوعت الدبلوماسية وتعددت أشكالها وأغراضها، وبذلك انضافت إلى وزارة الخارجية وبعثاتها الدبلوماسية أجهزة دبلوماسية جديدة منها ما هو رسمي علني ومنها ما يعمل في الخفاء، وكلاهما يدخل في إطار الدبلوماسية الموازية.

فأما الرسمي منها فمنه ما هو محفوظ لرؤساء الدول من خلال نظام القمة التي تتخذ فيها القرارات بخصوص القضايا السياسية الكبرى، ومنه ما يصطلح عليه بدبلوماسية المنظمات العالمية والجهوية التي تضع السياسات في بعض القطاعات وتتابع تنفيذها، ولا يبقى لوزراء الخارجية إلا تطبيق توجيهاتها.

وأما الدبلوماسية السرية الموازية فقد عهد بها إلى أجهزة المخابرات التي أصبحت من أهم الوسائل التي يعتمد عليها رؤساء الدول في تصريفهم للشؤون الخارجية، وهي تشكل منافسا قويا للجهاز التقليدي (وزارة الخارجية) بل مراقبا له عن بعد ومقيما لعمله ومصححا لمعلوماته وتعطي عن أدائه تقارير سرية لرئيس الدولة مباشرة.

ومن الأجهزة المباشرة للدبلوماسية الموازية الفعاليات التي تدخل في ربط علاقات متخصصة بين الدول بحكم وظيفتها ونوعية تخصصها من قبيل البعثات البرلمانية والغرف التجارية والمقاولات والملتقيات الثقافية والعلمية وفعاليات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية، وكلها فعاليات ذات دور مؤثر في القرار السياسي ولها مكانتها في خضم التنافس الذي لا يزال يشكل أهم الثوابت للعلاقات الدولية، فضلا عن دبلوماسية وسائل الإعلام التي تسبق البعثات الدبلوماسية في إيصال الخبر والتعليق عليه وتحليله وتقييمه بخبرة قد تفوق خبرة بعض الدبلوماسيين.

ونظرا لتنوع حقول عمل الدبلوماسية العالمية فقد تنوعت أشكال الدبلوماسيات الوطنية فظهرت الدبلوماسية الاقتصادية والتنموية والإعلامية والرياضية وغيرها من الحقول التي تلتقي عليها العلاقات الخارجية وتقرب بين الشعوب.

غير أن الدبلوماسية الاقتصادية والتكنولوجية تتزعمان الدبلوماسية العالمية خاصة في ظل سيادة نظام العولمة، إذ لم تعد أغلبية المفاوضات ذات طابع سياسي وتخلت الدبلوماسية السياسية عن دورها لفائدة الدبلوماسية الاقتصادية والتقنية.

هاتان الدبلوماسيتان دعمتا بأخريين مهمتين هما الدبلوماسية الوقائية والافتراضية كشكلين جديدين من أشكال الدبلوماسية المعاصرة، وتعني الأولى مجموعة من التدابير التي تتخذها الدبلوماسية لتوقي ظهور توتر خطير أو نزاع منذر بالحرب أو تلافي دخول دولتين في حرب وتوقي استخدام دولة نووية سلاحها باعتماد خيار التفاوض وكل ما من شأنه إنهاء النزاعات وتكريس الاستقرار.

أما الثانية فتستحضر جميع السيناريوهات المحتمل وقوعها وتفترض وقوعها جميعا لتحدد التدابير التي على الدبلوماسية اتخاذها لمواجهتها، معتمدة بالأساس على وسائل الاتصال والتقنيات التكنولوجية.

في هذا السياق بدت دبلوماسية العالم الثالث على وجه الخصوص عاجزة عن التحكم في قواعد اللعبة التي تدور أشواطها في المحافل الدولية، ولم تستطع الحفاظ على الانتصارات التي حققتها في الستينات، نظرا لعدم مسايرتها لتطور الأحداث والتقدم التكنولوجي وبالتالي ضعف جهازها الدبلوماسي، الأمر الذي استغله الغرب لصالحه وبنى عليه إستراتيجية جديدة لفرض نفوذه السياسي والاقتصادي على العالم الثالث.

ويرى الدكتور عبد الهادي بوطالب أن العلاقات الدولية ستظل في الأمد القريب والمتوسط متأثرة باختيارات الولايات المتحدة وتوجهاتها لما لها من نفوذ اقتصادي وعسكري لن تتخلى عنه مهما كان الثمن.

غير أن ذلك يجب أن لا يفقد الدبلوماسية في العالم الثالث الأمل في ظل وجود إطار مؤسساتي ممثل في منظمة الأمم المتحدة والهيئات الجماعية الأخرى التي من شأن تفعيلها وتقوية دور الإطار المؤسساتي وتهذيب سلوك الدول احتراما للرأي العام العالمي.

وبناء على ما سبق خلص الكاتب إلى أن أهم أهداف الدبلوماسية في القرن الحادي والعشرين يكمن في ترسيخ النمط الجماعي لتدبير العلاقات الدولية لأنه سينعكس في استتباب الأمن والسلم الدوليين، خاصة إذا تيسرت سبل نجاح مشروع الدبلوماسية الوقائية.

“
أهداف الدبلوماسية المغربية التي كانت متوخاة في القرن الماضي لا تزال أهدافا ثابتة بالنسبة للقرن الجديد لأنها تنبثق من انتساب المغرب وانتمائه الحضاري
”
أبعاد دبلوماسية المغرب الحديث

تطرق بوطالب في كتابه إلى محطات من دبلوماسية المغرب الحديث وانخراطها في منظومة الدبلوماسية العالمية وانشغالها باهتماماتها، مستعرضا نماذج من أحداث الستينات والسبعينات والثمانينات.

وقال إنها كانت مرموقة ونشطة في المنظمات الدولية وقوية بقيادة الملك الراحل الحسن الثاني بحيث أصبحت مرجعية مؤثرة في الأحداث بدليل احتضان المغرب عددا من القمم العربية والأفريقية والإسلامية وترؤسه لها والحديث باسمها، فضلا عن دوره في النزاع العربي الإسرائيلي ومسلسل السلام واستشارة الفلسطينيين له باستمرار.

لقد تركت الدبلوماسية المغربية خلال العقدين الأخيرين بصماتها على عدد من المحطات في مسار الدبلوماسية العالمية، وفي هذا السياق تم عقد اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي أواخر 1995 واحتضنت مراكش انطلاقة منظمة التجارة العالمية التي عوضت منظمة الغات.

واعتبر بوطالب أن أهداف الدبلوماسية المغربية التي كانت متوخاة في القرن الماضي لا تزال أهدافا ثابتة بالنسبة للقرن الجديد لأنها تنبثق من انتساب المغرب وانتمائه الحضاري، موضحا أن الدبلوماسية المغربية تقوم على عدة ركائز وأبعاد، أولها البعد القومي الذي يجب ترسيخه من خلال تقوية هويته الأصيلة وخصوصياته الثقافية ورصيده التاريخي والتعبئة الشاملة للقضية الوطنية الترابية لمواجهة خصومها.

يليه البعد الأفريقي والعربي والإسلامي لأسباب روحية وثقافية وتاريخية وكذا لأسباب سياسية واقتصادية، على اعتبار أن العالم الإسلامي يشكل أوسع مجموعة بشرية في الوقت الراهن. ثم البعد الأوروبي باعتبار أوروبا متكأ تنمويا أول للمغرب اقتصاديا وتجاريا وتكنولوجيا وللدبلوماسية المغربية، إضافة إلى البعد الأميركي الذي فرض نفسه على جميع الدبلوماسيات العالمية بحكم تسنم الولايات المتحدة عرش القطبية الأحادية. وأخيرا البعد الدولي من حيث ضرورة الحضور الفعال لدبلوماسية المغرب داخل المنظمات الدولية والجهوية، والمساهمة في ابتكار الحلول للمشاكل الدولية.

ونبه الكاتب الدبلوماسية المغربية إلى ضرورة خلق شعبة للتكوين الدبلوماسي في المعاهد العليا والجامعات وتزويد المصالح الدبلوماسية في الخارج بأدوات الاتصال التكنولوجي السريع، مع العمل في الوقت نفسه بشفافية بحيث تكون رهن إشارة الإعلام لينقل وجهة نظرها ويعرف بمواقفها من القضايا التي تعالجها، لأن الدبلوماسية العالمية اليوم هي دبلوماسية إعلامية بالأساس.

الدبلوماسية المغربية لإرساء الاتحاد المغاربي

بعدما أعطى بوطالب لمحة تاريخية عن العلاقات البينية لدول اتحاد المغرب العربي الذي ظل ولا يزال يشكل خيارا إستراتيجيا للمغرب، ذكر ببعض خطوات الرباط في سبيل توفير ظروف النجاح لمشروع الاتحاد من عهد الملكين الراحلين محمد الخامس والحسن الثاني رحمهما الله، وببعض المحطات التاريخية انطلاقا من مؤتمر طنجة في أبريل/نيسان 1958 الذي كان محطة بارزة في طريق بناء الاتحاد بدعوة من حزب الاستقلال المغربي وحضور الحزب التونسي الجديد ووفد جبهة التحرير الوطني الجزائرية، وهو المؤتمر الذي أوصى الأقطار الثلاثة بتأسيس مجلس استشاري للمغرب العربي.

وقد تبلورت انطلاقة عمل دول المغرب العربي الأربع (المغرب والجزائر وتونس وليبيا) عمليا باجتماع أول مجلس وزراء اقتصاد بتونس في سبتمبر/أيلول 1964 وتأسيس اللجنة الاستشارية الدائمة للمغرب العربي، إذ كان التعاون الاقتصادي المرحلة الأولى في البناء.

غير أن الخطى كانت تقل وتتباطأ بتقدم السنوات حتى وصلت حد التعثر خاصة بعدما توجهت الجزائر في نظامها الاقتصادي وجهة اشتراكية مخالفة توجهات المغرب وتونس الليبرالية، وبرز تعارض المصالح في اللجنة الاستشارية المذكورة وبعدما اعتقدت الجزائر أنها مؤهلة لقيادة العالم الثالث ودول عدم الانحياز على عهد الرئيس بومدين، حيث علق على ذلك الرئيس التونسي السابق لحبيب بورقيبة بقوله “إن الجزائر لا تؤمن بالمغرب الكبير بل بالجزائر الكبرى”.

“
المشاكل التي وقعت بين المغرب والجزائر لم تغير شيئا من إرادة الأول ولم تقطع الطريق على إقامة المغرب العربي
”
وأكد مستشار الملك الراحل الحسن الثاني أن المشاكل التي وقعت بين المغرب والجزائر لم تغير شيئا من إرادة الأول ولم تقطع الطريق على إقامة المغرب العربي، حيث اتخذت الرباط مواقف وقرارات شجاعة من أجل تجاوز المحطات الحرجة والعصيبة في العلاقة بين دول المغرب العربي.

واستعرض نماذج منها أيام كان د. بوطالب وزيرا للخارجية ومن تجربته مع نظيره عبد العزيز بوتفليقة في بداية السبعينات. إلا أن قضية الصحراء عام 1975 زجت بالعلاقات المغربية الجزائرية في التأزم مرة أخرى، الأمر الذي تعطل معه سير قطار الاتحاد المغاربي في وسط النفق، وبقي كذلك إلى غاية عام 1989 سنة ركوب الدول الخمس (المغرب والجزائر وتونس وموريتانيا وليبيا) قطارا جديدا وضع على السكة يوم 17 فبراير/شباط 1989 بمراكش المغربية بإصدار إعلان الاتحاد وإبرام معاهدة إنشائه بين الرؤساء الخمسة.

غير أن اللعنة التي أصابت اللجنة الاستشارية المذكورة التي أسست عام 1964 في تونس سرعان ما عادت لتصيب الاتحاد في صيغته الجديدة لنفس الأسباب والمعوقات وتباين المواقف وبسبب النظرة الإمبريالية المحكومة بهاجس ميزان القوى التي كانت وراء طمر المشروع الأول، وبذلك دخل الاتحاد المغاربي بدوره قاعة الانتظار الذي لا تلوح له بكل أسف نهاية.

مسار الدبلوماسية العالمية ودبلوماسية القرن الواحد والعشرين

كاتب الموضوع الأصلي: زياد العتيبي 336

مسار الدبلوماسية العالمية ودبلوماسية القرن الواحد والعشرين

عرض/محمد عيادي

تعرف القواميس الدبلوماسية بأنها مشتقة من لفظ “دبلوم” أي الوثيقة الرسمية التي كانت ولا تزال تمنح للمبعوثين الرسميين لاعتمادهم لدى سلطات البلد الموفدين إليه، كما تعرفها القواميس نفسها بأنها الفرع من السياسة الذي يعنى بالعلاقات بين الدول ويرعى المصالح الخارجية للدولة ويتفاوض باسمها مع الآخرين ويتابع تنفيذ الاتفاقيات.

وبعيدا عن اشتقاق الدبلوماسية اللفظي من كلمة “دبلوم” أو الشهادة، اعتبر الدكتور عبد الهادي بوطالب -وهو سفير سابق- في كتابه “مسار الدبلوماسية العالمية ودبلوماسية القرن الواحد والعشرين” أن الدبلوماسية أداة العمل السياسي المستعملة في إدارة العلاقات الخارجية لدولة معينة بأداء سليم.

نماذج تاريخية

تتفق شهادات التاريخ السياسي العالمي على أن عمر الدبلوماسية العالمية طويل وممتد إلى حيث دخل العالم عهود الحضارة السياسية، بحيث ذكرتها قصص إلياذة “هوميروس” عندما تحدثت عن الضمانات التي أعطيت للمندوبين عن كل معسكر خلال المحادثات التي كانت تجري بين المتحاربين للاتفاق على هدنة أو سلام. وبعدها ذكر عددا من الأمثلة من العهد القديم والتاريخ اليوناني والروماني وكذا من تاريخ الإمبراطورية البيزنطية في العصر الوسيط، حيث كان السفراء بمثابة مفاوضين مع الخارج دون أن يكونوا دائمين لكن مع عناية خاصة بطقوس البروتوكول.

تطرق بوطالب أيضا لدبلوماسية الرسول محمد عليه الصلاة والسلام في بداية القرن السابع الميلادي بعد استقرار دولة الإسلام الأولى بالمدينة، ورسائله المختومة بخاتمه إلى كسرى فارس وهرقل قيصر الروم وغيرهما، موضحا أن الرسول صلى الله عليه وسلم استعمل “أساليب الدبلوماسية ففاوض خصومه وأبرم معهم الصلح ودخل مع بعضهم في حوار وعقد معهم اتفاقيات احترام متبادل وتعايش معهم في سلام واحترام كل دين للدين الآخر، والتقيد بمقتضيات الاتفاق المبرمة بينه وبين الغير”.

وفي السياق نفسه نفى أن يكون فرنسوا كاليير -أحد دبلوماسيي لويس الرابع عشر- أول من ألف عام 1716 كتابا عن الدبلوماسية بعنوان “طريقة التفاوض مع الملوك”، موضحا أن السيرة النبوية دونت تفاصيل مفاوضات الرسول مع الملوك والأباطرة ونشرت رسائله إليهم كما دونت الاتفاقيات التي أبرمها مع غير المسلمين من قبيل صلح الحديبية مع قريش، وهي وثائق تتوفر لها جميع الشروط لوصفها بالدبلوماسية.

“
ألغت ابتكارات تكنولوجيا الاتصال المتطورة الحدود بين الدول وأغنتها عن آليات الدبلوماسية التقليدية بظهور أجهزة اخترقت الحدود الزمانية والمكانية بحيث لم تعد المعلومة حصرا على تقارير السفراء ورؤساء البعثات الدبلوماسية وآلياتهم التقليدية
”
التكنولوجيا وثورة الدبلوماسية

عرف العالم ثلاث ثورات كبرى كانت الأولى زراعية والثانية صناعية والثالثة معلوماتية غيرت النسيج والسلوك الاجتماعي العالمي وأنماط التفكير البشري، وكانت تلك الثورات برأي بوطالب بمثابة موجات مختلفة الوتيرة انعكست على العمل الدبلوماسي للدول تبعا لطبيعة الموجة التي تركبها، حيث تحتل الدبلوماسية الأميركية الطليعة متبوعة بدبلوماسية أوروبا واليابان، فيما يسير العالم الثالث “بسرعة السيارة في أحسن الأحوال، هذا إذا لم تسر دبلوماسيته على وتيرة سير السلحفاة عندما تكون في موسم الحركة والتنقل”.

ويركز الكاتب في هذا الباب على التطور الهائل على المستوى التكنولوجي والمعلوماتي والتواصلي أو الاتصالاتي الذي يبدأ من اعتماد الحصان والرسول لحمل الرسالة أو الحقيبة الدبلوماسية وصولا إلى البريد الإلكتروني، ومن قطع المسافات للقاء مسؤول الدولة مع مبعوثيه الدبلوماسيين إلى اللقاء والحديث المباشر بالصورة والصوت من أماكن بعيدة.

وبفضل هذا التطور تزعمت الولايات المتحدة النظام العالمي الجديد وأخذت تمارس فيه دور القطب الأعظم الوحيد، مستفيدة من نجاح دبلوماسيتها في استقطاب أغلبية الدول للانخراط في نظام العولمة، وتمكنت من ضبط علاقات الأمم بأساليب سريعة الأداء واكتساب فعالية لا تقدر على مجاراتها فيها أي دبلوماسيات دول عظمى.

فقد ألغت ابتكارات تكنولوجيا الاتصال المتطورة الحدود بين الدول وأغنتها عن آليات الدبلوماسية التقليدية بظهور أجهزة اخترقت الحدود الزمانية والمكانية بحيث لم تعد المعلومة حصرا على تقارير السفراء ورؤساء البعثات الدبلوماسية وآلياتهم التقليدية. وباتت الدبلوماسية العصرية هي هذا الاتصال، إذ لا دبلوماسية فاعلة بغير أساليب التواصل التكنولوجي في تلقي المعلومات وإرسالها بشكل أسهل وأشمل وأسرع.

لقد وفرت التكنولوجيا المتقدمة للدبلوماسية الوقت وأعفت السفراء من الحضور إلى بلدانهم لتقديم المعلومات بشكل دوري، وبات متيسرا عقد الاجتماع مع المسؤولين من مكاتبهم على غرار الشركات المتعددة الجنسيات العملاقة التي تعقد مجالسها الإدارية عبر الأقمار الاصطناعية في جلسة مفتوحة بالصوت والصورة، وهو الأمر الذي لم يعد معه أمام الدبلوماسية في العالم العربي والإسلامي مفر من إعادة النظر في بنياتها وآلياتها وفق مستجدات التقدم التكنولوجي في ميدان الاتصال والتواصل حسب قول المؤلف.

“
العلاقات الدولية ستظل في الأمد القريب والمتوسط متأثرة باختيارات الولايات المتحدة وتوجهاتها لما لها من نفوذ اقتصادي وعسكري لن تتخلى عنه مهما كان الثمن
”
دبلوماسيات مختلفة وجديدة

باتساع وتنوع مجال العلاقات الدولية في القرن الحادي والعشرين تنوعت الدبلوماسية وتعددت أشكالها وأغراضها، وبذلك انضافت إلى وزارة الخارجية وبعثاتها الدبلوماسية أجهزة دبلوماسية جديدة منها ما هو رسمي علني ومنها ما يعمل في الخفاء، وكلاهما يدخل في إطار الدبلوماسية الموازية.

فأما الرسمي منها فمنه ما هو محفوظ لرؤساء الدول من خلال نظام القمة التي تتخذ فيها القرارات بخصوص القضايا السياسية الكبرى، ومنه ما يصطلح عليه بدبلوماسية المنظمات العالمية والجهوية التي تضع السياسات في بعض القطاعات وتتابع تنفيذها، ولا يبقى لوزراء الخارجية إلا تطبيق توجيهاتها.

وأما الدبلوماسية السرية الموازية فقد عهد بها إلى أجهزة المخابرات التي أصبحت من أهم الوسائل التي يعتمد عليها رؤساء الدول في تصريفهم للشؤون الخارجية، وهي تشكل منافسا قويا للجهاز التقليدي (وزارة الخارجية) بل مراقبا له عن بعد ومقيما لعمله ومصححا لمعلوماته وتعطي عن أدائه تقارير سرية لرئيس الدولة مباشرة.

ومن الأجهزة المباشرة للدبلوماسية الموازية الفعاليات التي تدخل في ربط علاقات متخصصة بين الدول بحكم وظيفتها ونوعية تخصصها من قبيل البعثات البرلمانية والغرف التجارية والمقاولات والملتقيات الثقافية والعلمية وفعاليات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية، وكلها فعاليات ذات دور مؤثر في القرار السياسي ولها مكانتها في خضم التنافس الذي لا يزال يشكل أهم الثوابت للعلاقات الدولية، فضلا عن دبلوماسية وسائل الإعلام التي تسبق البعثات الدبلوماسية في إيصال الخبر والتعليق عليه وتحليله وتقييمه بخبرة قد تفوق خبرة بعض الدبلوماسيين.

ونظرا لتنوع حقول عمل الدبلوماسية العالمية فقد تنوعت أشكال الدبلوماسيات الوطنية فظهرت الدبلوماسية الاقتصادية والتنموية والإعلامية والرياضية وغيرها من الحقول التي تلتقي عليها العلاقات الخارجية وتقرب بين الشعوب.

غير أن الدبلوماسية الاقتصادية والتكنولوجية تتزعمان الدبلوماسية العالمية خاصة في ظل سيادة نظام العولمة، إذ لم تعد أغلبية المفاوضات ذات طابع سياسي وتخلت الدبلوماسية السياسية عن دورها لفائدة الدبلوماسية الاقتصادية والتقنية.

هاتان الدبلوماسيتان دعمتا بأخريين مهمتين هما الدبلوماسية الوقائية والافتراضية كشكلين جديدين من أشكال الدبلوماسية المعاصرة، وتعني الأولى مجموعة من التدابير التي تتخذها الدبلوماسية لتوقي ظهور توتر خطير أو نزاع منذر بالحرب أو تلافي دخول دولتين في حرب وتوقي استخدام دولة نووية سلاحها باعتماد خيار التفاوض وكل ما من شأنه إنهاء النزاعات وتكريس الاستقرار.

أما الثانية فتستحضر جميع السيناريوهات المحتمل وقوعها وتفترض وقوعها جميعا لتحدد التدابير التي على الدبلوماسية اتخاذها لمواجهتها، معتمدة بالأساس على وسائل الاتصال والتقنيات التكنولوجية.

في هذا السياق بدت دبلوماسية العالم الثالث على وجه الخصوص عاجزة عن التحكم في قواعد اللعبة التي تدور أشواطها في المحافل الدولية، ولم تستطع الحفاظ على الانتصارات التي حققتها في الستينات، نظرا لعدم مسايرتها لتطور الأحداث والتقدم التكنولوجي وبالتالي ضعف جهازها الدبلوماسي، الأمر الذي استغله الغرب لصالحه وبنى عليه إستراتيجية جديدة لفرض نفوذه السياسي والاقتصادي على العالم الثالث.

ويرى الدكتور عبد الهادي بوطالب أن العلاقات الدولية ستظل في الأمد القريب والمتوسط متأثرة باختيارات الولايات المتحدة وتوجهاتها لما لها من نفوذ اقتصادي وعسكري لن تتخلى عنه مهما كان الثمن.

غير أن ذلك يجب أن لا يفقد الدبلوماسية في العالم الثالث الأمل في ظل وجود إطار مؤسساتي ممثل في منظمة الأمم المتحدة والهيئات الجماعية الأخرى التي من شأن تفعيلها وتقوية دور الإطار المؤسساتي وتهذيب سلوك الدول احتراما للرأي العام العالمي.

وبناء على ما سبق خلص الكاتب إلى أن أهم أهداف الدبلوماسية في القرن الحادي والعشرين يكمن في ترسيخ النمط الجماعي لتدبير العلاقات الدولية لأنه سينعكس في استتباب الأمن والسلم الدوليين، خاصة إذا تيسرت سبل نجاح مشروع الدبلوماسية الوقائية.

“
أهداف الدبلوماسية المغربية التي كانت متوخاة في القرن الماضي لا تزال أهدافا ثابتة بالنسبة للقرن الجديد لأنها تنبثق من انتساب المغرب وانتمائه الحضاري
”
أبعاد دبلوماسية المغرب الحديث

تطرق بوطالب في كتابه إلى محطات من دبلوماسية المغرب الحديث وانخراطها في منظومة الدبلوماسية العالمية وانشغالها باهتماماتها، مستعرضا نماذج من أحداث الستينات والسبعينات والثمانينات.

وقال إنها كانت مرموقة ونشطة في المنظمات الدولية وقوية بقيادة الملك الراحل الحسن الثاني بحيث أصبحت مرجعية مؤثرة في الأحداث بدليل احتضان المغرب عددا من القمم العربية والأفريقية والإسلامية وترؤسه لها والحديث باسمها، فضلا عن دوره في النزاع العربي الإسرائيلي ومسلسل السلام واستشارة الفلسطينيين له باستمرار.

لقد تركت الدبلوماسية المغربية خلال العقدين الأخيرين بصماتها على عدد من المحطات في مسار الدبلوماسية العالمية، وفي هذا السياق تم عقد اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي أواخر 1995 واحتضنت مراكش انطلاقة منظمة التجارة العالمية التي عوضت منظمة الغات.

واعتبر بوطالب أن أهداف الدبلوماسية المغربية التي كانت متوخاة في القرن الماضي لا تزال أهدافا ثابتة بالنسبة للقرن الجديد لأنها تنبثق من انتساب المغرب وانتمائه الحضاري، موضحا أن الدبلوماسية المغربية تقوم على عدة ركائز وأبعاد، أولها البعد القومي الذي يجب ترسيخه من خلال تقوية هويته الأصيلة وخصوصياته الثقافية ورصيده التاريخي والتعبئة الشاملة للقضية الوطنية الترابية لمواجهة خصومها.

يليه البعد الأفريقي والعربي والإسلامي لأسباب روحية وثقافية وتاريخية وكذا لأسباب سياسية واقتصادية، على اعتبار أن العالم الإسلامي يشكل أوسع مجموعة بشرية في الوقت الراهن. ثم البعد الأوروبي باعتبار أوروبا متكأ تنمويا أول للمغرب اقتصاديا وتجاريا وتكنولوجيا وللدبلوماسية المغربية، إضافة إلى البعد الأميركي الذي فرض نفسه على جميع الدبلوماسيات العالمية بحكم تسنم الولايات المتحدة عرش القطبية الأحادية. وأخيرا البعد الدولي من حيث ضرورة الحضور الفعال لدبلوماسية المغرب داخل المنظمات الدولية والجهوية، والمساهمة في ابتكار الحلول للمشاكل الدولية.

ونبه الكاتب الدبلوماسية المغربية إلى ضرورة خلق شعبة للتكوين الدبلوماسي في المعاهد العليا والجامعات وتزويد المصالح الدبلوماسية في الخارج بأدوات الاتصال التكنولوجي السريع، مع العمل في الوقت نفسه بشفافية بحيث تكون رهن إشارة الإعلام لينقل وجهة نظرها ويعرف بمواقفها من القضايا التي تعالجها، لأن الدبلوماسية العالمية اليوم هي دبلوماسية إعلامية بالأساس.

الدبلوماسية المغربية لإرساء الاتحاد المغاربي

بعدما أعطى بوطالب لمحة تاريخية عن العلاقات البينية لدول اتحاد المغرب العربي الذي ظل ولا يزال يشكل خيارا إستراتيجيا للمغرب، ذكر ببعض خطوات الرباط في سبيل توفير ظروف النجاح لمشروع الاتحاد من عهد الملكين الراحلين محمد الخامس والحسن الثاني رحمهما الله، وببعض المحطات التاريخية انطلاقا من مؤتمر طنجة في أبريل/نيسان 1958 الذي كان محطة بارزة في طريق بناء الاتحاد بدعوة من حزب الاستقلال المغربي وحضور الحزب التونسي الجديد ووفد جبهة التحرير الوطني الجزائرية، وهو المؤتمر الذي أوصى الأقطار الثلاثة بتأسيس مجلس استشاري للمغرب العربي.

وقد تبلورت انطلاقة عمل دول المغرب العربي الأربع (المغرب والجزائر وتونس وليبيا) عمليا باجتماع أول مجلس وزراء اقتصاد بتونس في سبتمبر/أيلول 1964 وتأسيس اللجنة الاستشارية الدائمة للمغرب العربي، إذ كان التعاون الاقتصادي المرحلة الأولى في البناء.

غير أن الخطى كانت تقل وتتباطأ بتقدم السنوات حتى وصلت حد التعثر خاصة بعدما توجهت الجزائر في نظامها الاقتصادي وجهة اشتراكية مخالفة توجهات المغرب وتونس الليبرالية، وبرز تعارض المصالح في اللجنة الاستشارية المذكورة وبعدما اعتقدت الجزائر أنها مؤهلة لقيادة العالم الثالث ودول عدم الانحياز على عهد الرئيس بومدين، حيث علق على ذلك الرئيس التونسي السابق لحبيب بورقيبة بقوله “إن الجزائر لا تؤمن بالمغرب الكبير بل بالجزائر الكبرى”.

“
المشاكل التي وقعت بين المغرب والجزائر لم تغير شيئا من إرادة الأول ولم تقطع الطريق على إقامة المغرب العربي
”
وأكد مستشار الملك الراحل الحسن الثاني أن المشاكل التي وقعت بين المغرب والجزائر لم تغير شيئا من إرادة الأول ولم تقطع الطريق على إقامة المغرب العربي، حيث اتخذت الرباط مواقف وقرارات شجاعة من أجل تجاوز المحطات الحرجة والعصيبة في العلاقة بين دول المغرب العربي.

واستعرض نماذج منها أيام كان د. بوطالب وزيرا للخارجية ومن تجربته مع نظيره عبد العزيز بوتفليقة في بداية السبعينات. إلا أن قضية الصحراء عام 1975 زجت بالعلاقات المغربية الجزائرية في التأزم مرة أخرى، الأمر الذي تعطل معه سير قطار الاتحاد المغاربي في وسط النفق، وبقي كذلك إلى غاية عام 1989 سنة ركوب الدول الخمس (المغرب والجزائر وتونس وموريتانيا وليبيا) قطارا جديدا وضع على السكة يوم 17 فبراير/شباط 1989 بمراكش المغربية بإصدار إعلان الاتحاد وإبرام معاهدة إنشائه بين الرؤساء الخمسة.

غير أن اللعنة التي أصابت اللجنة الاستشارية المذكورة التي أسست عام 1964 في تونس سرعان ما عادت لتصيب الاتحاد في صيغته الجديدة لنفس الأسباب والمعوقات وتباين المواقف وبسبب النظرة الإمبريالية المحكومة بهاجس ميزان القوى التي كانت وراء طمر المشروع الأول، وبذلك دخل الاتحاد المغاربي بدوره قاعة الانتظار الذي لا تلوح له بكل أسف نهاية.

مسار الدبلوماسية العالمية ودبلوماسية القرن الواحد والعشرين

كاتب الموضوع الأصلي: زياد العتيبي 336

مسار الدبلوماسية العالمية ودبلوماسية القرن الواحد والعشرين

عرض/محمد عيادي

تعرف القواميس الدبلوماسية بأنها مشتقة من لفظ “دبلوم” أي الوثيقة الرسمية التي كانت ولا تزال تمنح للمبعوثين الرسميين لاعتمادهم لدى سلطات البلد الموفدين إليه، كما تعرفها القواميس نفسها بأنها الفرع من السياسة الذي يعنى بالعلاقات بين الدول ويرعى المصالح الخارجية للدولة ويتفاوض باسمها مع الآخرين ويتابع تنفيذ الاتفاقيات.

وبعيدا عن اشتقاق الدبلوماسية اللفظي من كلمة “دبلوم” أو الشهادة، اعتبر الدكتور عبد الهادي بوطالب -وهو سفير سابق- في كتابه “مسار الدبلوماسية العالمية ودبلوماسية القرن الواحد والعشرين” أن الدبلوماسية أداة العمل السياسي المستعملة في إدارة العلاقات الخارجية لدولة معينة بأداء سليم.

نماذج تاريخية

تتفق شهادات التاريخ السياسي العالمي على أن عمر الدبلوماسية العالمية طويل وممتد إلى حيث دخل العالم عهود الحضارة السياسية، بحيث ذكرتها قصص إلياذة “هوميروس” عندما تحدثت عن الضمانات التي أعطيت للمندوبين عن كل معسكر خلال المحادثات التي كانت تجري بين المتحاربين للاتفاق على هدنة أو سلام. وبعدها ذكر عددا من الأمثلة من العهد القديم والتاريخ اليوناني والروماني وكذا من تاريخ الإمبراطورية البيزنطية في العصر الوسيط، حيث كان السفراء بمثابة مفاوضين مع الخارج دون أن يكونوا دائمين لكن مع عناية خاصة بطقوس البروتوكول.

تطرق بوطالب أيضا لدبلوماسية الرسول محمد عليه الصلاة والسلام في بداية القرن السابع الميلادي بعد استقرار دولة الإسلام الأولى بالمدينة، ورسائله المختومة بخاتمه إلى كسرى فارس وهرقل قيصر الروم وغيرهما، موضحا أن الرسول صلى الله عليه وسلم استعمل “أساليب الدبلوماسية ففاوض خصومه وأبرم معهم الصلح ودخل مع بعضهم في حوار وعقد معهم اتفاقيات احترام متبادل وتعايش معهم في سلام واحترام كل دين للدين الآخر، والتقيد بمقتضيات الاتفاق المبرمة بينه وبين الغير”.

وفي السياق نفسه نفى أن يكون فرنسوا كاليير -أحد دبلوماسيي لويس الرابع عشر- أول من ألف عام 1716 كتابا عن الدبلوماسية بعنوان “طريقة التفاوض مع الملوك”، موضحا أن السيرة النبوية دونت تفاصيل مفاوضات الرسول مع الملوك والأباطرة ونشرت رسائله إليهم كما دونت الاتفاقيات التي أبرمها مع غير المسلمين من قبيل صلح الحديبية مع قريش، وهي وثائق تتوفر لها جميع الشروط لوصفها بالدبلوماسية.

“
ألغت ابتكارات تكنولوجيا الاتصال المتطورة الحدود بين الدول وأغنتها عن آليات الدبلوماسية التقليدية بظهور أجهزة اخترقت الحدود الزمانية والمكانية بحيث لم تعد المعلومة حصرا على تقارير السفراء ورؤساء البعثات الدبلوماسية وآلياتهم التقليدية
”
التكنولوجيا وثورة الدبلوماسية

عرف العالم ثلاث ثورات كبرى كانت الأولى زراعية والثانية صناعية والثالثة معلوماتية غيرت النسيج والسلوك الاجتماعي العالمي وأنماط التفكير البشري، وكانت تلك الثورات برأي بوطالب بمثابة موجات مختلفة الوتيرة انعكست على العمل الدبلوماسي للدول تبعا لطبيعة الموجة التي تركبها، حيث تحتل الدبلوماسية الأميركية الطليعة متبوعة بدبلوماسية أوروبا واليابان، فيما يسير العالم الثالث “بسرعة السيارة في أحسن الأحوال، هذا إذا لم تسر دبلوماسيته على وتيرة سير السلحفاة عندما تكون في موسم الحركة والتنقل”.

ويركز الكاتب في هذا الباب على التطور الهائل على المستوى التكنولوجي والمعلوماتي والتواصلي أو الاتصالاتي الذي يبدأ من اعتماد الحصان والرسول لحمل الرسالة أو الحقيبة الدبلوماسية وصولا إلى البريد الإلكتروني، ومن قطع المسافات للقاء مسؤول الدولة مع مبعوثيه الدبلوماسيين إلى اللقاء والحديث المباشر بالصورة والصوت من أماكن بعيدة.

وبفضل هذا التطور تزعمت الولايات المتحدة النظام العالمي الجديد وأخذت تمارس فيه دور القطب الأعظم الوحيد، مستفيدة من نجاح دبلوماسيتها في استقطاب أغلبية الدول للانخراط في نظام العولمة، وتمكنت من ضبط علاقات الأمم بأساليب سريعة الأداء واكتساب فعالية لا تقدر على مجاراتها فيها أي دبلوماسيات دول عظمى.

فقد ألغت ابتكارات تكنولوجيا الاتصال المتطورة الحدود بين الدول وأغنتها عن آليات الدبلوماسية التقليدية بظهور أجهزة اخترقت الحدود الزمانية والمكانية بحيث لم تعد المعلومة حصرا على تقارير السفراء ورؤساء البعثات الدبلوماسية وآلياتهم التقليدية. وباتت الدبلوماسية العصرية هي هذا الاتصال، إذ لا دبلوماسية فاعلة بغير أساليب التواصل التكنولوجي في تلقي المعلومات وإرسالها بشكل أسهل وأشمل وأسرع.

لقد وفرت التكنولوجيا المتقدمة للدبلوماسية الوقت وأعفت السفراء من الحضور إلى بلدانهم لتقديم المعلومات بشكل دوري، وبات متيسرا عقد الاجتماع مع المسؤولين من مكاتبهم على غرار الشركات المتعددة الجنسيات العملاقة التي تعقد مجالسها الإدارية عبر الأقمار الاصطناعية في جلسة مفتوحة بالصوت والصورة، وهو الأمر الذي لم يعد معه أمام الدبلوماسية في العالم العربي والإسلامي مفر من إعادة النظر في بنياتها وآلياتها وفق مستجدات التقدم التكنولوجي في ميدان الاتصال والتواصل حسب قول المؤلف.

“
العلاقات الدولية ستظل في الأمد القريب والمتوسط متأثرة باختيارات الولايات المتحدة وتوجهاتها لما لها من نفوذ اقتصادي وعسكري لن تتخلى عنه مهما كان الثمن
”
دبلوماسيات مختلفة وجديدة

باتساع وتنوع مجال العلاقات الدولية في القرن الحادي والعشرين تنوعت الدبلوماسية وتعددت أشكالها وأغراضها، وبذلك انضافت إلى وزارة الخارجية وبعثاتها الدبلوماسية أجهزة دبلوماسية جديدة منها ما هو رسمي علني ومنها ما يعمل في الخفاء، وكلاهما يدخل في إطار الدبلوماسية الموازية.

فأما الرسمي منها فمنه ما هو محفوظ لرؤساء الدول من خلال نظام القمة التي تتخذ فيها القرارات بخصوص القضايا السياسية الكبرى، ومنه ما يصطلح عليه بدبلوماسية المنظمات العالمية والجهوية التي تضع السياسات في بعض القطاعات وتتابع تنفيذها، ولا يبقى لوزراء الخارجية إلا تطبيق توجيهاتها.

وأما الدبلوماسية السرية الموازية فقد عهد بها إلى أجهزة المخابرات التي أصبحت من أهم الوسائل التي يعتمد عليها رؤساء الدول في تصريفهم للشؤون الخارجية، وهي تشكل منافسا قويا للجهاز التقليدي (وزارة الخارجية) بل مراقبا له عن بعد ومقيما لعمله ومصححا لمعلوماته وتعطي عن أدائه تقارير سرية لرئيس الدولة مباشرة.

ومن الأجهزة المباشرة للدبلوماسية الموازية الفعاليات التي تدخل في ربط علاقات متخصصة بين الدول بحكم وظيفتها ونوعية تخصصها من قبيل البعثات البرلمانية والغرف التجارية والمقاولات والملتقيات الثقافية والعلمية وفعاليات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية، وكلها فعاليات ذات دور مؤثر في القرار السياسي ولها مكانتها في خضم التنافس الذي لا يزال يشكل أهم الثوابت للعلاقات الدولية، فضلا عن دبلوماسية وسائل الإعلام التي تسبق البعثات الدبلوماسية في إيصال الخبر والتعليق عليه وتحليله وتقييمه بخبرة قد تفوق خبرة بعض الدبلوماسيين.

ونظرا لتنوع حقول عمل الدبلوماسية العالمية فقد تنوعت أشكال الدبلوماسيات الوطنية فظهرت الدبلوماسية الاقتصادية والتنموية والإعلامية والرياضية وغيرها من الحقول التي تلتقي عليها العلاقات الخارجية وتقرب بين الشعوب.

غير أن الدبلوماسية الاقتصادية والتكنولوجية تتزعمان الدبلوماسية العالمية خاصة في ظل سيادة نظام العولمة، إذ لم تعد أغلبية المفاوضات ذات طابع سياسي وتخلت الدبلوماسية السياسية عن دورها لفائدة الدبلوماسية الاقتصادية والتقنية.

هاتان الدبلوماسيتان دعمتا بأخريين مهمتين هما الدبلوماسية الوقائية والافتراضية كشكلين جديدين من أشكال الدبلوماسية المعاصرة، وتعني الأولى مجموعة من التدابير التي تتخذها الدبلوماسية لتوقي ظهور توتر خطير أو نزاع منذر بالحرب أو تلافي دخول دولتين في حرب وتوقي استخدام دولة نووية سلاحها باعتماد خيار التفاوض وكل ما من شأنه إنهاء النزاعات وتكريس الاستقرار.

أما الثانية فتستحضر جميع السيناريوهات المحتمل وقوعها وتفترض وقوعها جميعا لتحدد التدابير التي على الدبلوماسية اتخاذها لمواجهتها، معتمدة بالأساس على وسائل الاتصال والتقنيات التكنولوجية.

في هذا السياق بدت دبلوماسية العالم الثالث على وجه الخصوص عاجزة عن التحكم في قواعد اللعبة التي تدور أشواطها في المحافل الدولية، ولم تستطع الحفاظ على الانتصارات التي حققتها في الستينات، نظرا لعدم مسايرتها لتطور الأحداث والتقدم التكنولوجي وبالتالي ضعف جهازها الدبلوماسي، الأمر الذي استغله الغرب لصالحه وبنى عليه إستراتيجية جديدة لفرض نفوذه السياسي والاقتصادي على العالم الثالث.

ويرى الدكتور عبد الهادي بوطالب أن العلاقات الدولية ستظل في الأمد القريب والمتوسط متأثرة باختيارات الولايات المتحدة وتوجهاتها لما لها من نفوذ اقتصادي وعسكري لن تتخلى عنه مهما كان الثمن.

غير أن ذلك يجب أن لا يفقد الدبلوماسية في العالم الثالث الأمل في ظل وجود إطار مؤسساتي ممثل في منظمة الأمم المتحدة والهيئات الجماعية الأخرى التي من شأن تفعيلها وتقوية دور الإطار المؤسساتي وتهذيب سلوك الدول احتراما للرأي العام العالمي.

وبناء على ما سبق خلص الكاتب إلى أن أهم أهداف الدبلوماسية في القرن الحادي والعشرين يكمن في ترسيخ النمط الجماعي لتدبير العلاقات الدولية لأنه سينعكس في استتباب الأمن والسلم الدوليين، خاصة إذا تيسرت سبل نجاح مشروع الدبلوماسية الوقائية.

“
أهداف الدبلوماسية المغربية التي كانت متوخاة في القرن الماضي لا تزال أهدافا ثابتة بالنسبة للقرن الجديد لأنها تنبثق من انتساب المغرب وانتمائه الحضاري
”
أبعاد دبلوماسية المغرب الحديث

تطرق بوطالب في كتابه إلى محطات من دبلوماسية المغرب الحديث وانخراطها في منظومة الدبلوماسية العالمية وانشغالها باهتماماتها، مستعرضا نماذج من أحداث الستينات والسبعينات والثمانينات.

وقال إنها كانت مرموقة ونشطة في المنظمات الدولية وقوية بقيادة الملك الراحل الحسن الثاني بحيث أصبحت مرجعية مؤثرة في الأحداث بدليل احتضان المغرب عددا من القمم العربية والأفريقية والإسلامية وترؤسه لها والحديث باسمها، فضلا عن دوره في النزاع العربي الإسرائيلي ومسلسل السلام واستشارة الفلسطينيين له باستمرار.

لقد تركت الدبلوماسية المغربية خلال العقدين الأخيرين بصماتها على عدد من المحطات في مسار الدبلوماسية العالمية، وفي هذا السياق تم عقد اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي أواخر 1995 واحتضنت مراكش انطلاقة منظمة التجارة العالمية التي عوضت منظمة الغات.

واعتبر بوطالب أن أهداف الدبلوماسية المغربية التي كانت متوخاة في القرن الماضي لا تزال أهدافا ثابتة بالنسبة للقرن الجديد لأنها تنبثق من انتساب المغرب وانتمائه الحضاري، موضحا أن الدبلوماسية المغربية تقوم على عدة ركائز وأبعاد، أولها البعد القومي الذي يجب ترسيخه من خلال تقوية هويته الأصيلة وخصوصياته الثقافية ورصيده التاريخي والتعبئة الشاملة للقضية الوطنية الترابية لمواجهة خصومها.

يليه البعد الأفريقي والعربي والإسلامي لأسباب روحية وثقافية وتاريخية وكذا لأسباب سياسية واقتصادية، على اعتبار أن العالم الإسلامي يشكل أوسع مجموعة بشرية في الوقت الراهن. ثم البعد الأوروبي باعتبار أوروبا متكأ تنمويا أول للمغرب اقتصاديا وتجاريا وتكنولوجيا وللدبلوماسية المغربية، إضافة إلى البعد الأميركي الذي فرض نفسه على جميع الدبلوماسيات العالمية بحكم تسنم الولايات المتحدة عرش القطبية الأحادية. وأخيرا البعد الدولي من حيث ضرورة الحضور الفعال لدبلوماسية المغرب داخل المنظمات الدولية والجهوية، والمساهمة في ابتكار الحلول للمشاكل الدولية.

ونبه الكاتب الدبلوماسية المغربية إلى ضرورة خلق شعبة للتكوين الدبلوماسي في المعاهد العليا والجامعات وتزويد المصالح الدبلوماسية في الخارج بأدوات الاتصال التكنولوجي السريع، مع العمل في الوقت نفسه بشفافية بحيث تكون رهن إشارة الإعلام لينقل وجهة نظرها ويعرف بمواقفها من القضايا التي تعالجها، لأن الدبلوماسية العالمية اليوم هي دبلوماسية إعلامية بالأساس.

الدبلوماسية المغربية لإرساء الاتحاد المغاربي

بعدما أعطى بوطالب لمحة تاريخية عن العلاقات البينية لدول اتحاد المغرب العربي الذي ظل ولا يزال يشكل خيارا إستراتيجيا للمغرب، ذكر ببعض خطوات الرباط في سبيل توفير ظروف النجاح لمشروع الاتحاد من عهد الملكين الراحلين محمد الخامس والحسن الثاني رحمهما الله، وببعض المحطات التاريخية انطلاقا من مؤتمر طنجة في أبريل/نيسان 1958 الذي كان محطة بارزة في طريق بناء الاتحاد بدعوة من حزب الاستقلال المغربي وحضور الحزب التونسي الجديد ووفد جبهة التحرير الوطني الجزائرية، وهو المؤتمر الذي أوصى الأقطار الثلاثة بتأسيس مجلس استشاري للمغرب العربي.

وقد تبلورت انطلاقة عمل دول المغرب العربي الأربع (المغرب والجزائر وتونس وليبيا) عمليا باجتماع أول مجلس وزراء اقتصاد بتونس في سبتمبر/أيلول 1964 وتأسيس اللجنة الاستشارية الدائمة للمغرب العربي، إذ كان التعاون الاقتصادي المرحلة الأولى في البناء.

غير أن الخطى كانت تقل وتتباطأ بتقدم السنوات حتى وصلت حد التعثر خاصة بعدما توجهت الجزائر في نظامها الاقتصادي وجهة اشتراكية مخالفة توجهات المغرب وتونس الليبرالية، وبرز تعارض المصالح في اللجنة الاستشارية المذكورة وبعدما اعتقدت الجزائر أنها مؤهلة لقيادة العالم الثالث ودول عدم الانحياز على عهد الرئيس بومدين، حيث علق على ذلك الرئيس التونسي السابق لحبيب بورقيبة بقوله “إن الجزائر لا تؤمن بالمغرب الكبير بل بالجزائر الكبرى”.

“
المشاكل التي وقعت بين المغرب والجزائر لم تغير شيئا من إرادة الأول ولم تقطع الطريق على إقامة المغرب العربي
”
وأكد مستشار الملك الراحل الحسن الثاني أن المشاكل التي وقعت بين المغرب والجزائر لم تغير شيئا من إرادة الأول ولم تقطع الطريق على إقامة المغرب العربي، حيث اتخذت الرباط مواقف وقرارات شجاعة من أجل تجاوز المحطات الحرجة والعصيبة في العلاقة بين دول المغرب العربي.

واستعرض نماذج منها أيام كان د. بوطالب وزيرا للخارجية ومن تجربته مع نظيره عبد العزيز بوتفليقة في بداية السبعينات. إلا أن قضية الصحراء عام 1975 زجت بالعلاقات المغربية الجزائرية في التأزم مرة أخرى، الأمر الذي تعطل معه سير قطار الاتحاد المغاربي في وسط النفق، وبقي كذلك إلى غاية عام 1989 سنة ركوب الدول الخمس (المغرب والجزائر وتونس وموريتانيا وليبيا) قطارا جديدا وضع على السكة يوم 17 فبراير/شباط 1989 بمراكش المغربية بإصدار إعلان الاتحاد وإبرام معاهدة إنشائه بين الرؤساء الخمسة.

غير أن اللعنة التي أصابت اللجنة الاستشارية المذكورة التي أسست عام 1964 في تونس سرعان ما عادت لتصيب الاتحاد في صيغته الجديدة لنفس الأسباب والمعوقات وتباين المواقف وبسبب النظرة الإمبريالية المحكومة بهاجس ميزان القوى التي كانت وراء طمر المشروع الأول، وبذلك دخل الاتحاد المغاربي بدوره قاعة الانتظار الذي لا تلوح له بكل أسف نهاية.

مسار الدبلوماسية العالمية ودبلوماسية القرن الواحد والعشرين

كاتب الموضوع الأصلي: زياد العتيبي 336

مسار الدبلوماسية العالمية ودبلوماسية القرن الواحد والعشرين

عرض/محمد عيادي

تعرف القواميس الدبلوماسية بأنها مشتقة من لفظ “دبلوم” أي الوثيقة الرسمية التي كانت ولا تزال تمنح للمبعوثين الرسميين لاعتمادهم لدى سلطات البلد الموفدين إليه، كما تعرفها القواميس نفسها بأنها الفرع من السياسة الذي يعنى بالعلاقات بين الدول ويرعى المصالح الخارجية للدولة ويتفاوض باسمها مع الآخرين ويتابع تنفيذ الاتفاقيات.

وبعيدا عن اشتقاق الدبلوماسية اللفظي من كلمة “دبلوم” أو الشهادة، اعتبر الدكتور عبد الهادي بوطالب -وهو سفير سابق- في كتابه “مسار الدبلوماسية العالمية ودبلوماسية القرن الواحد والعشرين” أن الدبلوماسية أداة العمل السياسي المستعملة في إدارة العلاقات الخارجية لدولة معينة بأداء سليم.

نماذج تاريخية

تتفق شهادات التاريخ السياسي العالمي على أن عمر الدبلوماسية العالمية طويل وممتد إلى حيث دخل العالم عهود الحضارة السياسية، بحيث ذكرتها قصص إلياذة “هوميروس” عندما تحدثت عن الضمانات التي أعطيت للمندوبين عن كل معسكر خلال المحادثات التي كانت تجري بين المتحاربين للاتفاق على هدنة أو سلام. وبعدها ذكر عددا من الأمثلة من العهد القديم والتاريخ اليوناني والروماني وكذا من تاريخ الإمبراطورية البيزنطية في العصر الوسيط، حيث كان السفراء بمثابة مفاوضين مع الخارج دون أن يكونوا دائمين لكن مع عناية خاصة بطقوس البروتوكول.

تطرق بوطالب أيضا لدبلوماسية الرسول محمد عليه الصلاة والسلام في بداية القرن السابع الميلادي بعد استقرار دولة الإسلام الأولى بالمدينة، ورسائله المختومة بخاتمه إلى كسرى فارس وهرقل قيصر الروم وغيرهما، موضحا أن الرسول صلى الله عليه وسلم استعمل “أساليب الدبلوماسية ففاوض خصومه وأبرم معهم الصلح ودخل مع بعضهم في حوار وعقد معهم اتفاقيات احترام متبادل وتعايش معهم في سلام واحترام كل دين للدين الآخر، والتقيد بمقتضيات الاتفاق المبرمة بينه وبين الغير”.

وفي السياق نفسه نفى أن يكون فرنسوا كاليير -أحد دبلوماسيي لويس الرابع عشر- أول من ألف عام 1716 كتابا عن الدبلوماسية بعنوان “طريقة التفاوض مع الملوك”، موضحا أن السيرة النبوية دونت تفاصيل مفاوضات الرسول مع الملوك والأباطرة ونشرت رسائله إليهم كما دونت الاتفاقيات التي أبرمها مع غير المسلمين من قبيل صلح الحديبية مع قريش، وهي وثائق تتوفر لها جميع الشروط لوصفها بالدبلوماسية.

“
ألغت ابتكارات تكنولوجيا الاتصال المتطورة الحدود بين الدول وأغنتها عن آليات الدبلوماسية التقليدية بظهور أجهزة اخترقت الحدود الزمانية والمكانية بحيث لم تعد المعلومة حصرا على تقارير السفراء ورؤساء البعثات الدبلوماسية وآلياتهم التقليدية
”
التكنولوجيا وثورة الدبلوماسية

عرف العالم ثلاث ثورات كبرى كانت الأولى زراعية والثانية صناعية والثالثة معلوماتية غيرت النسيج والسلوك الاجتماعي العالمي وأنماط التفكير البشري، وكانت تلك الثورات برأي بوطالب بمثابة موجات مختلفة الوتيرة انعكست على العمل الدبلوماسي للدول تبعا لطبيعة الموجة التي تركبها، حيث تحتل الدبلوماسية الأميركية الطليعة متبوعة بدبلوماسية أوروبا واليابان، فيما يسير العالم الثالث “بسرعة السيارة في أحسن الأحوال، هذا إذا لم تسر دبلوماسيته على وتيرة سير السلحفاة عندما تكون في موسم الحركة والتنقل”.

ويركز الكاتب في هذا الباب على التطور الهائل على المستوى التكنولوجي والمعلوماتي والتواصلي أو الاتصالاتي الذي يبدأ من اعتماد الحصان والرسول لحمل الرسالة أو الحقيبة الدبلوماسية وصولا إلى البريد الإلكتروني، ومن قطع المسافات للقاء مسؤول الدولة مع مبعوثيه الدبلوماسيين إلى اللقاء والحديث المباشر بالصورة والصوت من أماكن بعيدة.

وبفضل هذا التطور تزعمت الولايات المتحدة النظام العالمي الجديد وأخذت تمارس فيه دور القطب الأعظم الوحيد، مستفيدة من نجاح دبلوماسيتها في استقطاب أغلبية الدول للانخراط في نظام العولمة، وتمكنت من ضبط علاقات الأمم بأساليب سريعة الأداء واكتساب فعالية لا تقدر على مجاراتها فيها أي دبلوماسيات دول عظمى.

فقد ألغت ابتكارات تكنولوجيا الاتصال المتطورة الحدود بين الدول وأغنتها عن آليات الدبلوماسية التقليدية بظهور أجهزة اخترقت الحدود الزمانية والمكانية بحيث لم تعد المعلومة حصرا على تقارير السفراء ورؤساء البعثات الدبلوماسية وآلياتهم التقليدية. وباتت الدبلوماسية العصرية هي هذا الاتصال، إذ لا دبلوماسية فاعلة بغير أساليب التواصل التكنولوجي في تلقي المعلومات وإرسالها بشكل أسهل وأشمل وأسرع.

لقد وفرت التكنولوجيا المتقدمة للدبلوماسية الوقت وأعفت السفراء من الحضور إلى بلدانهم لتقديم المعلومات بشكل دوري، وبات متيسرا عقد الاجتماع مع المسؤولين من مكاتبهم على غرار الشركات المتعددة الجنسيات العملاقة التي تعقد مجالسها الإدارية عبر الأقمار الاصطناعية في جلسة مفتوحة بالصوت والصورة، وهو الأمر الذي لم يعد معه أمام الدبلوماسية في العالم العربي والإسلامي مفر من إعادة النظر في بنياتها وآلياتها وفق مستجدات التقدم التكنولوجي في ميدان الاتصال والتواصل حسب قول المؤلف.

“
العلاقات الدولية ستظل في الأمد القريب والمتوسط متأثرة باختيارات الولايات المتحدة وتوجهاتها لما لها من نفوذ اقتصادي وعسكري لن تتخلى عنه مهما كان الثمن
”
دبلوماسيات مختلفة وجديدة

باتساع وتنوع مجال العلاقات الدولية في القرن الحادي والعشرين تنوعت الدبلوماسية وتعددت أشكالها وأغراضها، وبذلك انضافت إلى وزارة الخارجية وبعثاتها الدبلوماسية أجهزة دبلوماسية جديدة منها ما هو رسمي علني ومنها ما يعمل في الخفاء، وكلاهما يدخل في إطار الدبلوماسية الموازية.

فأما الرسمي منها فمنه ما هو محفوظ لرؤساء الدول من خلال نظام القمة التي تتخذ فيها القرارات بخصوص القضايا السياسية الكبرى، ومنه ما يصطلح عليه بدبلوماسية المنظمات العالمية والجهوية التي تضع السياسات في بعض القطاعات وتتابع تنفيذها، ولا يبقى لوزراء الخارجية إلا تطبيق توجيهاتها.

وأما الدبلوماسية السرية الموازية فقد عهد بها إلى أجهزة المخابرات التي أصبحت من أهم الوسائل التي يعتمد عليها رؤساء الدول في تصريفهم للشؤون الخارجية، وهي تشكل منافسا قويا للجهاز التقليدي (وزارة الخارجية) بل مراقبا له عن بعد ومقيما لعمله ومصححا لمعلوماته وتعطي عن أدائه تقارير سرية لرئيس الدولة مباشرة.

ومن الأجهزة المباشرة للدبلوماسية الموازية الفعاليات التي تدخل في ربط علاقات متخصصة بين الدول بحكم وظيفتها ونوعية تخصصها من قبيل البعثات البرلمانية والغرف التجارية والمقاولات والملتقيات الثقافية والعلمية وفعاليات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية، وكلها فعاليات ذات دور مؤثر في القرار السياسي ولها مكانتها في خضم التنافس الذي لا يزال يشكل أهم الثوابت للعلاقات الدولية، فضلا عن دبلوماسية وسائل الإعلام التي تسبق البعثات الدبلوماسية في إيصال الخبر والتعليق عليه وتحليله وتقييمه بخبرة قد تفوق خبرة بعض الدبلوماسيين.

ونظرا لتنوع حقول عمل الدبلوماسية العالمية فقد تنوعت أشكال الدبلوماسيات الوطنية فظهرت الدبلوماسية الاقتصادية والتنموية والإعلامية والرياضية وغيرها من الحقول التي تلتقي عليها العلاقات الخارجية وتقرب بين الشعوب.

غير أن الدبلوماسية الاقتصادية والتكنولوجية تتزعمان الدبلوماسية العالمية خاصة في ظل سيادة نظام العولمة، إذ لم تعد أغلبية المفاوضات ذات طابع سياسي وتخلت الدبلوماسية السياسية عن دورها لفائدة الدبلوماسية الاقتصادية والتقنية.

هاتان الدبلوماسيتان دعمتا بأخريين مهمتين هما الدبلوماسية الوقائية والافتراضية كشكلين جديدين من أشكال الدبلوماسية المعاصرة، وتعني الأولى مجموعة من التدابير التي تتخذها الدبلوماسية لتوقي ظهور توتر خطير أو نزاع منذر بالحرب أو تلافي دخول دولتين في حرب وتوقي استخدام دولة نووية سلاحها باعتماد خيار التفاوض وكل ما من شأنه إنهاء النزاعات وتكريس الاستقرار.

أما الثانية فتستحضر جميع السيناريوهات المحتمل وقوعها وتفترض وقوعها جميعا لتحدد التدابير التي على الدبلوماسية اتخاذها لمواجهتها، معتمدة بالأساس على وسائل الاتصال والتقنيات التكنولوجية.

في هذا السياق بدت دبلوماسية العالم الثالث على وجه الخصوص عاجزة عن التحكم في قواعد اللعبة التي تدور أشواطها في المحافل الدولية، ولم تستطع الحفاظ على الانتصارات التي حققتها في الستينات، نظرا لعدم مسايرتها لتطور الأحداث والتقدم التكنولوجي وبالتالي ضعف جهازها الدبلوماسي، الأمر الذي استغله الغرب لصالحه وبنى عليه إستراتيجية جديدة لفرض نفوذه السياسي والاقتصادي على العالم الثالث.

ويرى الدكتور عبد الهادي بوطالب أن العلاقات الدولية ستظل في الأمد القريب والمتوسط متأثرة باختيارات الولايات المتحدة وتوجهاتها لما لها من نفوذ اقتصادي وعسكري لن تتخلى عنه مهما كان الثمن.

غير أن ذلك يجب أن لا يفقد الدبلوماسية في العالم الثالث الأمل في ظل وجود إطار مؤسساتي ممثل في منظمة الأمم المتحدة والهيئات الجماعية الأخرى التي من شأن تفعيلها وتقوية دور الإطار المؤسساتي وتهذيب سلوك الدول احتراما للرأي العام العالمي.

وبناء على ما سبق خلص الكاتب إلى أن أهم أهداف الدبلوماسية في القرن الحادي والعشرين يكمن في ترسيخ النمط الجماعي لتدبير العلاقات الدولية لأنه سينعكس في استتباب الأمن والسلم الدوليين، خاصة إذا تيسرت سبل نجاح مشروع الدبلوماسية الوقائية.

“
أهداف الدبلوماسية المغربية التي كانت متوخاة في القرن الماضي لا تزال أهدافا ثابتة بالنسبة للقرن الجديد لأنها تنبثق من انتساب المغرب وانتمائه الحضاري
”
أبعاد دبلوماسية المغرب الحديث

تطرق بوطالب في كتابه إلى محطات من دبلوماسية المغرب الحديث وانخراطها في منظومة الدبلوماسية العالمية وانشغالها باهتماماتها، مستعرضا نماذج من أحداث الستينات والسبعينات والثمانينات.

وقال إنها كانت مرموقة ونشطة في المنظمات الدولية وقوية بقيادة الملك الراحل الحسن الثاني بحيث أصبحت مرجعية مؤثرة في الأحداث بدليل احتضان المغرب عددا من القمم العربية والأفريقية والإسلامية وترؤسه لها والحديث باسمها، فضلا عن دوره في النزاع العربي الإسرائيلي ومسلسل السلام واستشارة الفلسطينيين له باستمرار.

لقد تركت الدبلوماسية المغربية خلال العقدين الأخيرين بصماتها على عدد من المحطات في مسار الدبلوماسية العالمية، وفي هذا السياق تم عقد اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي أواخر 1995 واحتضنت مراكش انطلاقة منظمة التجارة العالمية التي عوضت منظمة الغات.

واعتبر بوطالب أن أهداف الدبلوماسية المغربية التي كانت متوخاة في القرن الماضي لا تزال أهدافا ثابتة بالنسبة للقرن الجديد لأنها تنبثق من انتساب المغرب وانتمائه الحضاري، موضحا أن الدبلوماسية المغربية تقوم على عدة ركائز وأبعاد، أولها البعد القومي الذي يجب ترسيخه من خلال تقوية هويته الأصيلة وخصوصياته الثقافية ورصيده التاريخي والتعبئة الشاملة للقضية الوطنية الترابية لمواجهة خصومها.

يليه البعد الأفريقي والعربي والإسلامي لأسباب روحية وثقافية وتاريخية وكذا لأسباب سياسية واقتصادية، على اعتبار أن العالم الإسلامي يشكل أوسع مجموعة بشرية في الوقت الراهن. ثم البعد الأوروبي باعتبار أوروبا متكأ تنمويا أول للمغرب اقتصاديا وتجاريا وتكنولوجيا وللدبلوماسية المغربية، إضافة إلى البعد الأميركي الذي فرض نفسه على جميع الدبلوماسيات العالمية بحكم تسنم الولايات المتحدة عرش القطبية الأحادية. وأخيرا البعد الدولي من حيث ضرورة الحضور الفعال لدبلوماسية المغرب داخل المنظمات الدولية والجهوية، والمساهمة في ابتكار الحلول للمشاكل الدولية.

ونبه الكاتب الدبلوماسية المغربية إلى ضرورة خلق شعبة للتكوين الدبلوماسي في المعاهد العليا والجامعات وتزويد المصالح الدبلوماسية في الخارج بأدوات الاتصال التكنولوجي السريع، مع العمل في الوقت نفسه بشفافية بحيث تكون رهن إشارة الإعلام لينقل وجهة نظرها ويعرف بمواقفها من القضايا التي تعالجها، لأن الدبلوماسية العالمية اليوم هي دبلوماسية إعلامية بالأساس.

الدبلوماسية المغربية لإرساء الاتحاد المغاربي

بعدما أعطى بوطالب لمحة تاريخية عن العلاقات البينية لدول اتحاد المغرب العربي الذي ظل ولا يزال يشكل خيارا إستراتيجيا للمغرب، ذكر ببعض خطوات الرباط في سبيل توفير ظروف النجاح لمشروع الاتحاد من عهد الملكين الراحلين محمد الخامس والحسن الثاني رحمهما الله، وببعض المحطات التاريخية انطلاقا من مؤتمر طنجة في أبريل/نيسان 1958 الذي كان محطة بارزة في طريق بناء الاتحاد بدعوة من حزب الاستقلال المغربي وحضور الحزب التونسي الجديد ووفد جبهة التحرير الوطني الجزائرية، وهو المؤتمر الذي أوصى الأقطار الثلاثة بتأسيس مجلس استشاري للمغرب العربي.

وقد تبلورت انطلاقة عمل دول المغرب العربي الأربع (المغرب والجزائر وتونس وليبيا) عمليا باجتماع أول مجلس وزراء اقتصاد بتونس في سبتمبر/أيلول 1964 وتأسيس اللجنة الاستشارية الدائمة للمغرب العربي، إذ كان التعاون الاقتصادي المرحلة الأولى في البناء.

غير أن الخطى كانت تقل وتتباطأ بتقدم السنوات حتى وصلت حد التعثر خاصة بعدما توجهت الجزائر في نظامها الاقتصادي وجهة اشتراكية مخالفة توجهات المغرب وتونس الليبرالية، وبرز تعارض المصالح في اللجنة الاستشارية المذكورة وبعدما اعتقدت الجزائر أنها مؤهلة لقيادة العالم الثالث ودول عدم الانحياز على عهد الرئيس بومدين، حيث علق على ذلك الرئيس التونسي السابق لحبيب بورقيبة بقوله “إن الجزائر لا تؤمن بالمغرب الكبير بل بالجزائر الكبرى”.

“
المشاكل التي وقعت بين المغرب والجزائر لم تغير شيئا من إرادة الأول ولم تقطع الطريق على إقامة المغرب العربي
”
وأكد مستشار الملك الراحل الحسن الثاني أن المشاكل التي وقعت بين المغرب والجزائر لم تغير شيئا من إرادة الأول ولم تقطع الطريق على إقامة المغرب العربي، حيث اتخذت الرباط مواقف وقرارات شجاعة من أجل تجاوز المحطات الحرجة والعصيبة في العلاقة بين دول المغرب العربي.

واستعرض نماذج منها أيام كان د. بوطالب وزيرا للخارجية ومن تجربته مع نظيره عبد العزيز بوتفليقة في بداية السبعينات. إلا أن قضية الصحراء عام 1975 زجت بالعلاقات المغربية الجزائرية في التأزم مرة أخرى، الأمر الذي تعطل معه سير قطار الاتحاد المغاربي في وسط النفق، وبقي كذلك إلى غاية عام 1989 سنة ركوب الدول الخمس (المغرب والجزائر وتونس وموريتانيا وليبيا) قطارا جديدا وضع على السكة يوم 17 فبراير/شباط 1989 بمراكش المغربية بإصدار إعلان الاتحاد وإبرام معاهدة إنشائه بين الرؤساء الخمسة.

غير أن اللعنة التي أصابت اللجنة الاستشارية المذكورة التي أسست عام 1964 في تونس سرعان ما عادت لتصيب الاتحاد في صيغته الجديدة لنفس الأسباب والمعوقات وتباين المواقف وبسبب النظرة الإمبريالية المحكومة بهاجس ميزان القوى التي كانت وراء طمر المشروع الأول، وبذلك دخل الاتحاد المغاربي بدوره قاعة الانتظار الذي لا تلوح له بكل أسف نهاية.

تحليل: لماذا تراجعت كوريا الشمالية عن التصعيد ضد أمريكا؟

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالعزيزالسبيعي3332

واشنطن، الولايات المتحدة الأمريكية (CNN)– بعد أسابيع من التهديدات والتصعيدات لكوريا الشمالية ضد الولايات المتحدة الأمريكية وكوريا الجنوبية والتي وصلت إلى وضع بيونغ يانغ لصاروخ باليستي على منصة إطلاق، هدأت الأوضاع بصورة سريعة، وهنا تستعرض CNN آراء محللين عن سبب هذا التراجع المفاجئ.

يرى محللون أن السبب الرئيس وراء هذه التهدئة السريعة هو القنوات الدبلوماسية الخلفية بين الولايات المتحدة الأمريكية وكل من كوريا الشمالية والجنوبية وروسيا بالإضافة إلى الصين التي تلعب دورا محوريا في التأثير على القرار السياسي في بيونغ يانغ.

أما على أرض الواقع فيرى محللون أن توقف المناورات والتدريبات العسكرية لكوريا الجنوبية بعث برسالة حسن نية للجارة الشمالية وخصوصا حول الأخذ بالشروط التي وضعتها للتهدئة والحوار، وفي مقدمتها توقف العمليات العسكرية “الاستفزازية” للجارة الجنوبية.

ويشير محللون إلى أن بيونغ يانغ حاليا في وضع المراقب بعد تقديم شروطها للحوار، لترى ردة الفعل الدولية حول مطالبها برفع الحظر الأممي عن البلاد بالإضافة إلى نزع القدرات النووية الأمريكية في المنطقة إلى جانب تقديم كوريا الجنوبية لاعتذار رسمي لكوريا الشمالية حول “الإساءة” للقيادة فيها.

وألقى المحللون الضوء على أن الصين لعبت دورا أساسيا في تهدئة الوضع بعد أن أظهرت المعادلات المستقبلية أن بكين ستكون خاسرة في حال تم الإطاحة بزعيم كوريا الشمالية، فإن هذا قد يؤدي إلى توحد محتمل بين شطري شبه الجزيرة الكورية وبالتالي لتواجد عسكري أمريكي على الحدود مع البلاد.

الازمة الاقتصادية العالمية1929(وول ستريت)

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالعزيزالسبيعي3332

بدأت الازمة الاقتصادية العام 1929التي تذكر بها الاضطرابات المالية التي تشهدها الاسواق حاليا، بانهيار في البورصة لا سابق له في الولايات المتحدة ادت إلى عمليات افلاس وبطالة معممة عبر الدول الصناعية.

وانطلقت الازمة الخميس في 24تشرين الاول/اكتوبر 1929في بورصة نيويورك بعدما طرح 13مليون سهم في السوق لكن الاسعار انهارت بسبب غياب مشترين.
وانتشر الذعر وهرع المستثمرون والفضوليون إلى البورصة في حين بدأ الوسطاء البيع بكثافة. وقرابة ظهر ذلك اليوم خسر مؤشر داوو جونز 22.6% من قيمته. وبعد ساعات قليلة وجد آلاف المساهمين انفسهم مفلسين. وتفيد الروايات ان 11مضاربا انتحروا في نهاية النهار بإلقاء انفسهم من ناطحات سحاب في منهاتن.
وقد تبخر ما مجموعه سبعة إلى تسعة مليارات دولار في يوم واحد. وانهارت البورصة خاسرة 30% من قيمتها في تشرين الاول اكتوبر و50% في تشرين الثاني نوفمبر. وبلغت الخسائر الاجمالية 30مليار دولار اي عشرة مرات اكثر من الميزانية الفدرالية واكثر من النفقات الامريكية خلال الحرب العالمية الاولى.
وبقي “الخميس الاسود” راسخا في الذاكرة الجماعية ويحضر هاجس العام 1929إلى النفوس كلما حصلت اضطرابات في الاسواق المالية.
وكانت هذه النكسة المالية الكبيرة مقدمة للازمة الكبرى التي ضربت الولايات المتحدة واوروبا.
واتى ذلك رغم ان الولايات المتحدة كانت تتمتع منذ مطلع عشرينات القرن الماضي بازدهار اقتصادي مدعوم بارتفاع في ارباح الشركات وفي اسعار اسهمها. وكان نحو 2% من الشعب الامريكي يملك اسهما وسندات في البورصة اقتناعا منهم بامكانية تحقيق مكاسب سريعة.
وبلغت بورصة وول ستريت اعلى مستوى لها في الثالث من ايلول سبتمبر 1929.والمضاربون الذين لم تكن تتوافر لهم الوسائل كانوا يجرون تعاملاتهم معتمدين على قروض او من خلال ايداع سندات اخرى تشكل ضمانات.
ولم يكن احد يدرك ان اسعار الاسهم في البورصة كانت تفوق قيمتها الفعلية مما جعل وول ستريت تفقد اي اتصال مع الواقع الاقتصادي.
و”الخميس الاسود” الذي شكل نهاية لمرحلة المضاربة هذه انعكس على كل الاسواق المالية العالمية بدءا بلندن.
وفي ربيع العام 1930دخلت الولايات المتحدة مرحلة انكماش ما ادى إلى تراجع الانتاج وإلى عمليات افلاس وكانت تداعياتها الاخطر بطالة واسعة.
وتحول حادث في البورصة سريعا إلى ازمة عالمية حادة للغاية هي الاخطر التي شهدها النظام الرأسمالي. وبسبب ثقل الاقتصاد الامريكي (45% من الانتاج الصناعي العالمي) انتقلت عدوى الازمة الاقتصادية الكبرى في الثلاثينات إلى الدول الغربية. وبدأ الانتعاش في الولايات المتحدة العام 1933مع سياسة “العهد الجديد” (نيو ديل) التي وضعها فرانكلين روزفلت. وفي المانيا تسببت الازمة الاقتصادية والاجتماعية في انهيار جمهورية فيمار واستغلها النازيون للوصول إلى السلطة وعمدوا إلى تنشيط الاقتصاد عبر مشاريع ضخمة واعادة تسليح عسكرية كثيفة.

اعتاد العالم الرأسمالي منذ القرن 19م على مواجهة أزمات دورية، لكن أزمة 1921
كانت أكثرها حدة.
– فما هي أسباب أزمة 1929؟
– وأين تجلت مظاهرها؟
– وما هي النتائج التي ترتبت عنها؟
– وكيف تمت مواجهتها؟

І – تعددت أسباب الأزمة ومظاهرها ومناطق انتشارها:
1 ـ أسباب ومظاهر الأزمة:
فتحت الحرب العالمية الأولى المجال أمام الصناعة الأمريكية لغزو الأسواق العالمية بعد تراجع القوة
الاقتصادية لأوربا، فعرف اقتصادها فترة من الازدهار والرخاء بفعل استفادتها من فعالية التنظيم الصناعي
وارتفاع مردودية الفلاحة وكثرة الاستهلاك بفعل تطور الدخل الفردي.
دخل الاقتصاد الأمريكي سنة 1921 في أزمة دورية بفعل معاناته من نقط ضعف عديدة كعدم مسايرة
الاستهلاك لضخامة الإنتاج، وانتشار المضاربات بالبورصة، حتى أصبحت أسعار الأسهم لا تساير الزيادة
الحقيقية في أرباح الشركات.
انطلقـت الأزمة الاقتصادية من بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك يوم 24 أكتوبر 1929 بعد طرح 19
مليون سهم للبيع دفعة واحدة فأصبح العرض أكثر من الطلب فانهارت قيمة الأسهم، فعجز الرأسماليون عن
تسديد ديونهم فأفلست الأبناك وأغلقت عدة مؤسسات صناعية أبوابها، كما عجز الفلاحون عن تسديد
قروضهم فاضطروا للهجرة نحو المدن.
2 ـ انتشار الأزمة:
اضطرت الولايات المتحدة الأمريكية إلى سحب رساميلها المستثمرة بالخارج وأوقفت إعاناتها لبعض
الدول، فامتدت الأزمة إلى البلدان الصناعية الأوربية، وبفعل ارتباطها بالاقتصاد الأوربي فقد امتدت الأزمة
لبلدان المستعمرات كما مست باقي دول العالم بفعل نهج سياسة الحمائية لحماية الاقتصاد الوطني.
لم يفلت من الأزمة سوى الاتحاد السوفياتي لانعزاله عن العالم الرأسمالي بإتباعه نظاما اشتراكيا.

ІІ– تعددت نتائج الأزمة واختلفت طرق معالجتها:
1 ـ نتائج الأزمة:
تضررت المؤسسات البنكية وانهار الإنتاج الفلاحي والصناعي بفعل انخفاض الأسعار وتراجع الاستهلاك
فتأزمت المبادلات العالمية، كما انتشر البؤس وتزايد أعداد العاطلين وتكاثرت الهجرة القروية.
أحيت الأزمة الصراعات الاستعمارية، كما أدت إلى وصول أنظمة ديكتاتورية لحكم بعض الدول كالنازية في
ألمانيا والفاشية في إيطاليا.
2 ـ مواجهة الأزمة:
تم التخفيض من قيمة العملة لتشجيع الصادرات، وتم تقليص ساعات العمل مع تجميد الأسعار والرفع
من الضرائب وتطبيق سياسة الاكتفاء الذاتي وتشجيع استهلاك المنتوجات الوطنية.
نهجت بعض الدول أسلوب التوجيه عن طريق سياستها الجبائية وبتحديد نسب الفائدة، كما اعتمدت أخرى
على مستعمراتها وعلى الصناعات العسكرية والمشاريع العمومية الكبرى.
تبنى الرئيس الأمريكي روزفلت «الخطة الجديدة» سنة 1933 لمواجهة الأزمة، حيث تم تنظيم الأبناك
ومراقبة المؤسسات المالية ودعم الفلاحين مع إصلاح الصناعة بالتخفيف من المنافسة وتحديد الحد الأدنى
للأجور، وفي الميدان الاجتماعي تم فتح أوراش كبرى للتخفيف من البطالة مع تحسين الأجور.

العلمانية

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالعزيزالسبيعي3332

التعريف:

العلمانية SECULArISM وترجمتها الصحيحة: اللادينية أو الدنيوية، وهي دعوة إلى إقامة الحياة على العلم الوضعي والعقل(*) ومراعاة المصلحة بعيداً عن الدين(*). وتعني في جانبها السياسي بالذات اللادينية في الحكم، وهي اصطلاح لا صلة له بكلمة العلم SCIENCE وقد ظهرت في أوروبا منذ القرن السابع عشر وانتقلت إلى الشرق في بداية القرن التاسع عشر وانتقلت بشكل أساسي إلى مصر وتركيا وإيران ولبنان وسوريا ثم تونس ولحقتها العراق في نهاية القرن التاسع عشر. أما بقية الدول العربية فقد انتقلت إليها في القرن العشرين، وقد اختيرت كلمة علمانية لأنها أقل إثارة من كلمة لا دينية.

ومدلول العلمانية المتفق عليه يعني عزل الدين عن الدولة وحياة المجتمع وإبقاءه حبيساً في ضمير الفرد لا يتجاوز العلاقة الخاصة بينه وبين ربه فإن سمح له بالتعبير عن نفسه ففي الشعائر التعبدية والمراسم المتعلقة بالزواج والوفاة ونحوهما.

تتفق العلمانية مع الديانة النصرانية في فصل الدين عن الدولة حيث لقيصر سلطة الدولة ولله سلطة الكنيسة (*). وهذا واضح فيما يُنسب إلى السيد المسيح(*) من قوله: “إعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله”. أما الإسلام فلا يعرف هذه الثنائية والمسلم كله لله وحياته كلها لله {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [سورة الأنعام : آية: 162].

لماذا يرفض الاسلام العلمانية:

لأنها تغفل طبيعة الإنسان البشرية باعتباره مكوناً من جسم وروح فتهتم بمطالب جسمه ولاتلقي اعتباراً لأشواق روحه.

– لأنها نبتت في البيئة الغربية وفقاً لظروفها التاريخية والاجتماعية والسياسية وتعتبر فكراً غريباً في بيئتنا الشرقية.

– لأنها تفصل الدين(*) عن الدولة فتفتح المجال للفردية والطبقية والعنصرية والمذهبية والقومية والحزبية والطائفية.

– لأنها تفسح المجال لانتشار الإلحاد(*) وعدم الإنتماء والاغتراب والتفسخ والفساد والانحلال.

– لأنها تجعلنا نفكر بعقلية الغرب، فلا ندين العلاقات الحرة بين الجنسين وندوس على أخلاقيات المجتمع ونفتح الأبواب على مصراعيها للممارسات الدنيئة، وتبيح التعامل بالربا وتعلي من قدر الفن للفن، ويسعى كل إنسان لإسعاد نفسه ولو على حساب غيره.

– لأنها تنقل إلينا أمراض المجتمع الغربي من إنكار الحساب في اليوم الآخر ومن ثم تسعى لأن يعيش الإنسان حياة متقلبة منطلقة من قيد الوازع الديني، مهيجة للغرائز الدنيوية كالطمع والمنفعة وتنازع البقاء ويصبح صوت الضمير عدماً.

– مع ظهور العلمانية يتم تكريس التعليم لدراسة ظواهر الحياة الخاضعة للتجريب والمشاهدة وتُهمل أمور الغيب من إيمان بالله والبعث والثواب والعقاب، وينشأ بذلك مجتمع غايته متاع الحياة وكل لهو رخيص.

كيف حدثت مشكلة جنوب السودان ؟

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالعزيزالسبيعي3332

فيما يلي مقتطفات من كتاب للدكتور إبراهيم محمد حاج موسى ، بعنوان ( التجربة الديمقراطية وتطور نظم الحكم في السودان ) تلخص لنا أسباب مشكلة جنوب السودان التي نسمع عنها كثيرًا هذه السنين الأخيرة ، وتعطينا وعيًا آخر بأساليب العدو في إشغال بلاد المسلمين بما يصرفهم عن تحقيق التقدم الدنيوي ، ويستنزف طاقاتهم في مشاكل تم حبكها بدهاء وخبث .

يقول الدكتور ( ص 578 ومابعدها ) :
( إذا كان الاستعمار الإنجليزي قد عرف باللين على خلاف الاستعمار الفرنسي، إلا أن هذا اللين كان يخفي وراءه سياسة خبيثة ممعنة في اللؤم والإجرام. كان يخفي السياسة الحقيقية للاستعمار الإنجليزي، وهي تمزيق الشعوب وبذر بذور العداوة والبغضاء بين أبناء الوطن الواحد، وهذه هي السياسة التي سار عليها الإنجليز في جميع مستعمراتهم تقريباً، فهم قد خلقوا في الهند دولتين، هما الهند والباكستان، بالإضافة إلى تشجيع نظام الإمارات الذي اشتهرت به الهند.

وهم في العراق قد خلقوا مشكلة الأكراد التي استنـزفت وتستنـزف طاقات الشعب
العراقي.
وهم في الشام سلبوا الشعب الفلسطيني أرضه وسلموها لليهود عن طريق مؤامرة يندى لها جبين البشرية، وجعلوا من الشعب الفلسطيني الآمن المستقر شعباً من اللاجئين، عاش ويعيش في الخيام على مدى واحد وعشرين عاماً وما يزال، ليستقر فيها اليهود الوافدون من دول أوروبا وأمريكا وغيرها، لا لشيء إلا ليكونوا ركيزة للاستعمار الحديث في منطقة الشرق الأوسط.

وهم في نيجيريا قد عملوا على تقسيمها إلى دولتين وما زالت رحى الحرب الأهلية دائرة هناك بهدف إخضاع إقليم بيافرا المنشق وإعادته إلى نيجيريا الأم.

وهم في وادي النيل قد عملوا على التفرقة بين مصر والسودان من ناحية، كما عملوا على فصل جنوب السودان عن شماله، ووضعوا العراقيل والقوانين والإجراءات الإدارية التي تمهد لإبقاء جنوب السودان في عزلة عن الشمال، يخيم عليه الفقر والجهل والمرض، رغم ما فيه من خيرات.

التعريف بجنوب السودان:
يطلق لفظ جنوب السودان على ذلك القسم الجنوبي من جمهورية السودان الديمقراطية والذي يشمل ثلاث مديريات هي:

مديرية أعالي النيل: وعاصمتها مدينة ملكال.
مديرية بحر الغزال : وعاصمتها مدينة واو .
المديرية الاستوائية : وعاصمتها مدينة جوبا .

وتشمل هذه المديريات الثلاث جميع حدود السودان الجنوبية مع الكونغو ، ويوغندا ،وكينيا ،كما تشمل معظم الحدود الجنوبية الغربية مع جمهورية أفريقيا الوسطى ، وبعض حدود السودان الشرقية المتاخمة للحبشة .

وتبلغ مساحة هذه المديريات الثلاث حوالي ربع مليون ميل مربع أي ربع مساحة السودان البالغ قدرها مليون ميل مربع.

ويبلغ تعداد سكان هذه المديريات الثلاث، ثلاثة ملايين نسمة، وهم ينقسمون إلى عدد كبير من القبائل، بعضها كبير يبلغ تعداد أفرادها المليون ، وبعضها لا يزيد عدد أفرادها على بضع مئات.

أهم قبائل جنوب السودان :

تسكن بجنوب السودان قبائل عديدة ؛ ولكن جميعها ترجع إلى فصيلتين:

الأولى : القبائل النيلية .
والثانية : القبائل النيلية الحامية .

وأهم قبائل جنوب السودان من ناحية الكثرة العددية والنفوذ السياسي هي:

1- قبيلة الباري .
3- قبيلة الآزاندي .
3- قبيلة الدينكا .
4- قبيلة النوير .
5- قبيلة الشلك .
6- قبيلة الأنواك .

لم تظهر سياسة الإنجليز الرامية إلى فصل جنوب السودان عن شماله إلا في سنة 1917م ، ففي تلك السنة وتشجيعاً لإرساليات التنصير المسيحية ، ومحاربة للدين الإسلامي ، ومنعاً له من الانتشار بالجنوب ؛ جعلت العطلة الرسمية بالمديريات الجنوبية يوم الأحد بدلاً من الجمعة، كما رحلت قوات الأمن التي كانت تتكون من العرب المسلمين إلى الشمال، وتضمن تقرير لجنة ملنر سنة م 1921م توصية مضمونها ضرورة اعتماد حكومة السودان في إدارة جنوب السودان على أهل الجنوب .

وبناءً عليه ومنذ سنة 1921م لم يعد من الضروري حضور مديري المديريات الجنوبية اجتماع مديري مديريات السودان الذي يعقد بالخرطوم سنوياً.

في سنة 1922م صدر قانون الرخص والجوازات لسنة 1922م ، وبناءً على المادة 22 منه صدر قانون المناطق المقفلة ؛ والذي بموجبه أصبحت كل من مديرية دارفور، والاستوائية، وأعالي النيل وبعض أجزاء من المديريات الشمالية، وكردفان، والجزيرة ، وكسلا، مناطق مقفلة.

وقانون المناطق المقفلة يحرم على غير المواطنين السودانيين دخول أو البقاء في هذه المناطق إلا بإذن خاص من السكرتير الإداري أو من مدير المديرية التي يتبعها ذلك الجزء الممنوع دخوله، وكذلك من حق السكرتير الإداري أو مدير المديرية المختص منع أي مواطن سوداني من الدخول أو البقاء في تلك المناطق.

وقد استغل هذه القانون لمنع أبناء المديريات الشمالية من دخول المديريات الجنوبية أو البقاء فيها.

وفي سنة 1924م وتنفيذاً للسياسة القبلية التي اتبعها الإنجليز في كل السودان نصح حاكم عام السودان البريطانيين الذين يعملون بجنوب السودان أن يتبسطوا في محادثاتهم الودية الخاصة مع زعماء العشائر ، وأن يؤكدوا لهم أن أنسب مسلك يليق بهم هو المحافظة على عاداتهم وتقاليدهم القبلية ، خاصة فيما يتعلق بالزي.

وفي نفس العام صرح السكرتير الإداري لحكومة السودان بأنه ليس هناك أي مبرر في أن يحكم العرب الشماليون الجنوبيين الزنوج، وأبدى مخاوفه من قيام دولة واحدة بالسودان يوماً ما ، وهو بهذا كان يشير إلى ضرورة قيام دولة بالجنوب أو ضمه إلى دول شرق أفريقيا.

وفي سنة 1925م كتب سكرتير عام المنصرين بالسودان خطاباً لرئاسة منظمات التنصير بلندن يتهم فيه حكومة السودان بأنها تعرقل سير التنصير بالجنوب ؛ وذلك للأسباب التالية:

1- أن حكومة السودان تعين الإداريين السودانيين المسلمين “مآمير” بالجنوب، وباتصالهم بحكم عملهم بالجنوبيين يرسخ في ذهن الآخرين أن الدين الإسلامي هو صاحب السلطان في البلاد.

2- تسمح حكومة السودان للتجار الشماليين بدخول الجنوب، فيختلطون بالجنوبيين يتجرون معهم بالنهار ويعلمونهم الدين الإسلامي بالليل.

3- يأتي بالإجازة أبناء الجنوب الذين يعملون بالشمال لزيارة ذويهم بالجنوب ويختلطون بالسكان ، ونظراً لأنهم يعتنقون الإسلام فإنهم يلقنونه لذويهم بالجنوب ، ولذلك فإنهم يهدمون في إجازتهم القصيرة ما يبنيه المنصرون في أعوام !

وفي سنة 1930م وضع السكرتير الإداري لحكومة السودان آنذاك هارولد ماكمايكل، سياسته الرامية إلى فصل جنوب السودان عن شماله، ووضعت هذه السياسة على أساس قانون المناطق المقفلة لسنة 1922م ، وادعى الإنجليز أن الهدف منها هو حماية جنوب السودان من حكم الشماليين.

وقد ضمن السكرتير الإداري سياسته الجديدة في التوجيهات التي أرسلها إلى مديري المديريات الجنوبية الثلاث، والتي فحواها أن السياسة الجديدة لحكومة السودان بالنسبة للجنوب هي العمل على بناء عدد من الوحدات العنصرية أو القبلية يكون لها طابعها ونظامها الخاص، القائم على أساس التقاليد المحلية ، ويقتضي تطبيق هذه السياسة أن يقوم غير المتكلمين باللغة العربية بالوظائف الإدارية والكتابية والفنية، وأن توقف هجرة التجار الشماليين إلى الجنوب.

وقد ترتب على ذلك :

1- نقل كل الموظفين الإداريين والفنيين والكتبة من الشماليين الذين يعملون بالجنوب إلى الشمال.
2- منع الرخص عن التجار الشماليين الذين يعملون بالجنوب وترحيلهم إلى الشمال وإعطاء الرخص التجارية لليونانيين واللبنانيين.
3- ترحيل جميع المسلمين من الشماليين إلى الشمال.
4- محاربة الإسلام وطرد المسلمين من الأجناس الأخرى ؛ كالفلاتة والهوس من قبائل نيجيريا.
5- منع تدريس اللغة العربية بمدارس الجنوب.
6 – جعل اللغة الإنجليزية هي لغة التخاطب كلما كان ذلك ممكنا.
7- إغلاق المحاكم الشرعية بكل أنحاء الجنوب.

وبالنسبة للمواطنين الجنوبيين فقد عمل الإنجليز على إبعادهم عن كل ما يتصل بالشمال أو الإسلام ، وحتى أولئك الذين كانوا يحملون أسماء عربية أجبروا على تغيير أسمائهم، ومنع أو حرم التخاطب باللغة العربية لتحل محلها اللغة الإنجليزية الأجنبية، وأطلقت يد إرساليات التنصير المسيحية، ووضع التعليم تحت إدارتها وأمدت حكومة السودان الإرساليات بالأموال اللازمة لها؛لدرجة أن إعانة حكومة السودان لتلك الإرساليات بلغت 95 في المائة من ميزانياتها، فأخذت تلك الإرساليات تنشر سمومها ودعاياتها المغرضة ضد الإسلام وضد العرب في الجنوب ، مستغلة بساطة الأهالي هناك، وأدخلت في عقول هؤلاء البسطاء أن الشمال المسلم هو المسئول عن تجارة الرقيق، وأنه لا يرضى إلا باستعباد الجنوبيين ). انتهى كلام الدكتور ( الذي استخدم كلمة التبشير فأبدلتها بالتنصير ) .

( تعليق )

قال الدكتور عبدالحي يوسف رئيس قسم الثقافة الإسلامية بجامعة الخرطوم في مقابلته مع مجلة البيان ( العدد 178) : ( إن الدعوة في الجنوب كانت ممنوعة عمدًا ، وبسياسة اتبعها المستعمر الإنجليزي النصراني الماكر ؛ حيث أقام في الجنوب ما عرف بالمناطق المقفولة التي يحظر على أهل الشمال دخولها ، فعزل أهل الجنوب عن أهل الشمال ، وفي الوقت نفسه سمح للمنصرين – بل سهل لهم وهيأ الأسباب – لنشر باطلهم ) – إلى أن قال : ( وبعد رحيل المستعمر الغاصب خلفته حكومات علمانية لم تكن الدعوة من أولوياتها ولا اهتماماتها ، بل حصرت القضية في مفاوضات سياسية حول قسمة السلطة بين الجنوب والشمال دون أن تدرك أن المشكلة أعمق من ذلك بكثير بسبب الحقد الذي زرعه المستعمر في نفوس أهل الجنوب تجاه أهل الشمال .. ) ثم حث وفقه الله على التركيز على دعوة أهل الجنوب ، والتلطف بهم أثناء ذلك لعل الله أن يشرح صدورهم للإسلام ، ثم قال : ( وتأتينا الأخبار في كل حين بأن فئاما من أهل الجنوب يدخلون في دين الله أفواجا ، وقد لقيت بعضا ممن هداه الله ، فإذا هو على حال طيبة ، وعقيدة راسخة ، أسأل الله له الثبات ) .

قلت : ليت الحكومة السودانية تستجيب لفكرة الدكتور عبدالحي ؛ فتهتم بدعوة أهل الجنوب للإسلام ، وتتلطف معهم ؛ لتكسب الأجر الأخروي أولا ، وتجعلهم أنصارا بعد أن كانوا أعداء .. والله يقول : {عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } (7) سورة الممتحنة

مهام الملحق العسكري

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالعزيز العسكر 20

تتعدد مهام الملحق العسكري في الدولة المعتمد لديها، وتتوقف كفاءة تحقيقها على عدة أمور:

أولها: نشاط الملحق العسكري، وإدراكه لأهمية عمله، وأسلوبه في متابعة الأحداث، واتصالاته بالمسؤولين العسكريين في الدولة، وأقرانه من الملحقين الأجانب.

وثانيها: مساندة دولته له، ووضعها الثقة الكاملة في أعماله، وتزويده دائماً بالاحتياجات التي تساعد على تحقيق مهامه، واستجابتها لمطالبه، في تحسين العلاقات.

وثالثها: استعداد الدولة المعتمد لديها، في التعاون من أجل وجود أرضية مشتركة بينها وبين دولة الملحق، وتشجيع الملحق العسكري في الانطلاق نحو تحسين العلاقات، من خلال إجراءات عملية، يشعر بها الملحق، وتستجيب لها دولته.

ورابعها: علاقة الملحق العسكري بسفارته، ويجب أن تكون العلاقة حسنة بالقدر الكافي، ويكون هناك تنسيق وتكامل من أجل مصلحة الدولة، ذلك أن الحرب الخفية التي تحدث في بعض الأحوال، بين السفارة، والملحقية العسكرية من أجل التنافس ـ وليس التكامل ـ تؤدي باستمرار إلى فشل المهمة الرئيسية للاثنين معا.

وخامسها: أن يكون تنظيم المكتب الإداري للملحق العسكري، متناسباً مع حجم المهام التي ينجزها، ويكون تصنيف العاملين ومستواهم العلمي والإداري، على القدر الذي يحتاجه تنفيذ تلك المهام، وإلا أصبحوا عبئاً على الملحق العسكري نفسه.

وسادسها: هي الناحية الاجتماعية للملحق العسكري، كما أن زوجة الملحق العسكري، تقع عليها مهام كبيرة في معاونته على تنفيذ مهامه، إدارياً، وبروتوكولياً، وإذا كان الحس السياسي ينقصها، فقد تصبح عبئاً عليه، ومعوقاً في تنفيذ مهامه.

إن من المهام الأخرى، التي تقع تحت المسؤولية المباشرة للملحق العسكري، تجاه العسكريين في الدولة المضيفة، أو نحو أبناء وطنه، أو الملحقين الأجانب، أو الاحتفال بالأعياد القومية العسكرية وغيرها، ما يمكن حصره في الآتي:

أولاً: المهمة الأولى، تطوير العلاقات العسكرية بين دولة الملحق، والدولة المعتمد لديها

تأتي هذه المهمة في مقدمة المهام والواجبات، ذلك أن النظام العالمي الجديد، الذي يتسم بالانفتاح والتكتلات الكبرى، والتقنية المتقدمة، يتطلب تعاوناً من أجل الحفاظ على الأمن القومي والوطني والإقليمي، والعالمي. ومن هذا التوجه، تنطلق مهمة الملحق العسكري، لزيادة أواصر التعاون في المجال العسكري. وينقسم هذا المجال إلى العديد من المجالات الفرعية، التي قد يكلف الملحق العسكري من دولته بتنفيذ بعضها، بينما يأتي بعضها من مبادرات الملحق نفسه، ومتابعته لميدان العمل، بعد اكتسابه ثقة السلطات العسكرية في الدولة، أو قد يأتي نتيجة مطالب الدولة المعتمد لديها، وهي تنشد التعاون مع دولة الملحق. وفي كل الأحوال، فإن شخصية الملحق، وقدرته على الإقناع، وحضوره المستمر في ميدان الأحداث، يكون له التأثير الأكبر في تطوير العلاقات العسكرية بين الدولتين.

1. والخطوة الأولى في تطوير العلاقات

هي بناء الثقة في المجال العسكري بين الدولتين، وتأكيد روح الود والعمل المشترك، وهي خطوة يجب أن يخطط لها الملحق العسكري جيداً، بالتنسيق مع دولته، من خلال فتح قنوات اتصال شرعية للتحاور، وتبادل الزيارات، والاتصالات المباشرة، أو من خلال رسائل يحملها الملحق العسكري للطرفين.

وطبقاً لقدرة الدولة المعتمد لديها الملحق العسكري وإمكاناتها، فهناك العديد من الإجراءات التي ينبغي أن تُتخذ لتقوية العلاقات، ومنها على سبيل المثال لا الحصر:

أ. مشاركة دولة الملحق في المناسبات القومية والعسكرية، والاحتفالات التي تقيمها القوات المسلحة، في الدولة المعتمد لديها، على أن تكون المشاركة قوية وفعالة، ويقع العبء الأكبر في ذلك على الملحق العسكري، الذي عليه متابعة تلك المناسبات، والتخطيط للمشاركة فيها، والتنسيق مع العسكريين في دولته لتحديد أسلوب المشاركة (هل بشخصه ـ أو إرسال وفد عسكري ـ أو تقديم هدايا ـ أو عرض خدمات لإنجاح المناسبة…الخ)، والمشاركة بهذا الأسلوب تعمق أواصر الصداقة من خلال استمراريتها.

ب. المشاركة في التخفيف من آثار الأزمات، التي قد تحدث في المجال العسكري أو المدني للدولة. وإن كان هذا الإجراء يُعد امتداداً للعرف الدبلوماسي، الذي تتبعه دول العالم طبقاً لمبدأ المشاركة في تخفيف الكوارث الإنسانية، إلاّ أن أسلوب إجراءات التنسيق، وسبق الملحق العسكري في التّعرف على مطالب الدولة لتخفيف تلك الآثار، وإبلاغ دولته بها، ومسارعة دولته في الاستجابة لكل المطالب أو بعضها، تؤدى إلى تعميق الصداقة.

ج. سعي الملحق العسكري، لتوقيع بروتوكول لتبادل الزيارات بين الوفود العسكرية للدولتين، على أن، تكون الوفود العسكرية من دولة الملحق، التي تتبادل الزيارات، على مستوى عال من الكفاءة والعلم العسكري، والإلمام م بقواعد البروتوكول، حتى تترك أثراً حسناً في نفوس العسكريين من الدولة المعتمد لديها الملحق العسكري.

د. تبادل الهدايا بين الملحق العسكري، وبعض المسؤولين العسكريين في الدولة المعتمد لديها، في المناسبات الرسمية من شأنه إحداث نوع من الألفة، التي تنعكس بدورها على تحسين العلاقات في المجال العسكري.

وإجراءات الملحق العسكري في تبادل الثقة، وتأكيد أواصر التعاون، يجب أن تكون على درجة عالية من السّرية، ولا تكون مصدراً لتبادل الحديث أو تبادل المعلومات، بينه وبين الملحقين الأجانب الآخرين، لأن هذا من شأنه، إحباط تلك الثقة من خلال منافسة الملحقين العسكريين الآخرين له، أو من خلال إجراءات تتخذها بعض دول “الضد”، لإيقاف التنسيق والتعاون، بين الدولتين.

2. الخطوة الثانية في تطوير العلاقات

هي التعاون والتنسيق العسكري في المجالات المختلفة، وهى خطوة قد تلي الخطوة الأولى في بناء الثقة، وقد تسير معها على المستوى نفسه، وفي التوقيت ذاته. والتعاون العسكري، على مختلف المستويات، هو سمة العصر، ولا يأخذ درجة “التحالف” إلاّ بعد مروره بخطوات سياسية طويلة، ولكنه أمر مطلوب في عصر السماوات المفتوحة، والتقنيات العالية، والخبرات في المجالات المختلفة، ووسائل المواصلات بإمكانياتها الضخمة. وهناك العديد من مجالات التعاون العسكري، التي تتطلع إليها الدول بمختلف قدراتها، وعقائدها القتالية، التي تحاول أن تجد أرضاً مشتركة مع أكبر عدد من الدول لتحقيق هذا التنسيق، والتعاون. ويكون دور الملحق العسكري هنا، المتابعة الجيدة لميدان العمل، والتعرف العميق بأهداف الدولة المعتمد لديها من خطوات التعاون والتنسيق، ويربط ذلك بإمكانيات دولته، وتطلعاتها لمثل هذا التعاون، ومن ثم يمكنه مدّ الجسور بين الدولتين في هذا المجال، الذي يبدؤه بعرض الأمر على سلطات دولته، ثم التنسيق مع الدولة المعتمد لديها، ثم تبدأ الوفود العسكرية في العمل على تحقيق هذا التعاون. ومن أهم المجالات التي يمكن التعاون من خلالها ما يأتي:

أ. التدريبات المشتركة

وهو نوع من التدريبات، يتم خلاله تبادل الخبرات، سواء في أسلوب نقل القوات، أو التخطيط العسكري، أو أساليب القتال، أو مسارح الحرب، أو إمكانيات الأسلحة المستخدمة، أو العقائد القتالية، أو أساليب القيادة والسيطرة، أو خطط المناورة وغيرها من المجالات. وهذا النوع من التدريب اتسعت مجالاته حالياً على مستوى العالم، خصوصاً ما بين الدول الكبرى، التي تشمل إستراتيجياتها أطراف العالم، وبين الدول ذات الأهمية الإستراتيجية الخاصة، على المستوى الإقليمي والدولي. ولم يبق مقتصراً على دولتين فقط، ولكن اتسعت مجالاته ليشترك العديد من الدول في تدريب واحد. (مثال لذلك، التدريبات المشتركة “النجم الساطع ـ 99” التي جرت على أرض مصر، واشتركت فيها 11 دولة بقوات، وراقبتها وفود من 37 دولة)، وهذه التدريبات المشتركة، سواء على المستوى الثنائي، أو المتعدد، سوف تزيد من أواصر التعاون والتنسيق.

ب. التبادل العلمي للخبرات

يتحدد في تبادل المؤلفات العسكرية، والأبحاث، والنشرات العلمية، وحضور دورات تدريبية لأفراد عسكريين في المعاهد العسكرية، بالتبادل بين الدولتين، أو الاستفادة من التقدم العلمي لإحداهما في تدريب عناصر من الدولة الأخرى. وفي هذا الجانب، فإن الملحق العسكري، يجب أن يكون على دراية تامة بسياسة دولته العسكرية، فيما يخص استقبال متدربين، وفي أي المعاهد يتم قبولهم. كذلك معرفة احتياجات دولته إلى إرسال بعثات تدريبية في العلوم الحديثة، ومن خلال معرفته بميدان العمل يُنسّق في هذا المجال. ومن خلال الخبرات المتوفرة لدى الدولة في المجال العسكري، فإن العديد من الدول، تخطط لزيادة تأثيرها الإقليمي من خلال إرسال خبراء إلى الدول الأخرى، واستقبال متدربين في معاهدها. ومن خلال “الخبراء والمتدربين” تتصاعد أواصر الصداقة في المجال العسكري.

ومن هذا التبادل استفادت إسرائيل، في تسخير جهودها – من خلال ملحقيها العسكريين، أو من خلال أي نوع من أنواع التمثيل العسكري في سفاراتها في الخارج (في حالة عدم وجود ملحق عسكري)، من أجل تحقيق أقصى قدر من التعاون. وقد نجح هؤلاء الملحقون العسكريون، في تحقيق أقصى تعاون مع المؤسسات العسكرية في الدول الغربية، التي تدعم إسرائيل، كذلك نجحوا في الدول المتوسطة القدرة، أما نجاحهم الأكبر فكان في الدول النامية والفقيرة، حيث كان التعاون الإسرائيلي في المجال العسكري بمثابة نوع من التغلغل لصالح إسرائيل، واستغلوا في ذلك المواقف المتوترة في تلك البلاد، وحاجة الأنظمة إلى الأمن.

ج. التعاون في مجال التسليح

وهذا المجال يُعد على درجة عالية من الأهمية، حيث تتطلع جميع الدول دائماً، إلى تحديث ترساناتها العسكرية، أو تسويق ما تصنعه، ويقع جزء كبير من هذه السياسة على عاتق الملحق العسكري، بصفته العين العسكرية لدولته في الدولة الأخرى. ومجال التسليح، لا يقتصر على بيع أو شراء الأسلحة، ولكن يتعدى ذلك بكثير، وهو على سبيل المثال لا الحصر كالآتي:

(1) تبادل تقنية الّتصنيع العسكري، وتبادل الخبرات المشتركة في البحوث المتقدمة.

(2) التّصنيع المشترك لسلاح معين توصلت فيه الدولتان إلى درجة متقدمة من الأبحاث، أو تريد إحداهما مشاركة الأخرى في نفقات التصنيع المشترك (مثل ما تفعله إسرائيل في التصنيع المشترك للأسلحة المتقدمة مع الولايات المتحدة الأمريكية، وللأسلحة الأخرى، مع العديد من الدول مثل تركيا).

(3) إجراء الصّيانة للمعدات العسكرية، لإحدى الدول، باستغلال إمكانيات الدولة الأخرى، وتتبلور صورة تلك الصيانة، في إجراء عمرات الطّائرات، والصواريخ، والمعدات الثقيلة…. الخ.

(4) شراء قطع الغيار.

(5) تدريب الكوادر الفنية المتخصصة.

(6) تطوير الأسلحة والمعدات القديمة، وربما يكون هذا المجال، هو الذي تسعى إليه بعض الدول، التي وصلت إلى درجة متقدمة من التكنولوجيا، (مثل ما حدث في تطوير الطائرات F-4 لتركيا، وتحديث الطائرات السوفيتية في الهند، ورومانيا، وتطوير طائرات الإنذار المبكر للصين).

فضلاً عن العديد من المجالات الأخرى، مثل تطوير المصانع، وتطوير أجهزة القياس، وتطوير المواد الأولية، ومجالات الاتصالات، والقيادة والسيطرة…… الخ.

د. تنسيق مجال المعونات العسكرية بصورها المختلفة

التي تقدمها الدول الغنية، أو المؤثرة في إقليمها إلى الدول النامية، أو الدول الحليفة. وتتعدد صور هذه المساعدات، سواء من خلال خبراء أو بعثات تعليمية، أو فائض سلاح، أو معونات خاصة بزيادة إجراءات الأمن، أو الحد من الكوارث أو البيئة في المجال العسكري. وهنا يبرز دور الملحق العسكري. (إذا كان من الدول المتلقية لتلك المعونات)، في أن يحصل على أكبر قدر منها لدولته.

3. والخطوة الثالثة في تحسين العلاقات

هي الارتقاء بالعلاقات العسكرية، بحيث تنعكس آثارها على العلاقات الدبلوماسية بين الدولتين. وهي خطوة رئيسية، تأتي في أعقاب الخطوتين السابقتين، ويكون المسؤولون الرئيسيون في الدولة هم الذين يخططون لها، ويكون الملحق العسكري، هو المنسق الرئيسي، بالتعاون مع السفير المعتمد لدى الدولة.

وانعكاس العلاقات العسكرية على العلاقات الدبلوماسية بين الدول، سمة سائدة على مستوى العالم، مثال ذلك، اشتراك العديد من الدول العربية والإسلامية والغربية في حرب تحرير الكويت (1990 – 1991).

ثانياً: المهمة الثانية، هي المعلومات

إن المعلومات، التي يجمعها الملحق العسكري، ويرسلها إلى دولته، حق مشروع تنفّذه البعثات الدبلوماسية في الدول المعتمد لديها هذه البعثات، طبقاً لما ورد في اتفاقية فيينا في المادة 41. وأهمية المعلومات، أنها مطلب رئيسي لتقدير الموقف السياسي والعسكري، من أجل اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب. وهذه المعلومات تجعل دولة الملحق العسكري، متابعة للأحداث، التي قد تؤثر على مصالحها، أو أمنها القومي، وتمكنها من اتخاذ الإجراءات الكفيلة بتأمينها ومواجهة أي عدائيات محتملة، أو كوارث متوقعة. كما تساعدها هذه المعلومات، في اتخاذ مواقف سياسية أو إنسانية، لمعاونة أو تأييد الدولة المعتمد لديها الملحق، إذا كانت تواجه أزمة من الأزمات.

وقد كفلت اتفاقية فيينا حق جمع المعلومات لجميع البعثات الدبلوماسية، ومكاتبها المختلفة. أي أن الملحق العسكري في دولة ما، ونظيره من تلك الدولة، المعتمد في دولته (دولة الملحق العسكري)، يجمعان في الوقت نفسه، المعلومات عن الدولة الأخرى، كل فيما يخصه لصالح دولته، وطبقاً للمهام المكلف بها. ويتحدد حجم وتصنيف المعلومات، طبقاً لمطالب الإدارة العسكرية التابع لها الملحق العسكري في دولته، وتلك المطالب، تتعدد أيضاً، طبقاً لحجم العلاقات القائمة بين الدولتين في المجال العسكري والإرادة السياسية لتطوير تلك العلاقات مستقبلاً، وأهمية الدولة إستراتيجياً، وتأثيرها في المجال الإقليمي، والتوجهات السياسية والعسكرية للدولة، وما إلى ذلك من عوامل ومؤثرات.

والمعلومات التي تُجمع، يجب أن يفتح لها ملف في دولة الملحق، ويتم استكمالها تراكمياً، وتطويرها طبقاً للمتغيرات السائدة عالمياً وإقليمياً، وأن يستفاد منها دوماً، من أجل تطوير العلاقات.

وهناك سؤال يُطرح دائماً حول حفظ وأرشفة تلك المعلومات، وهل من المفضل أن يحتفظ الملحق العسكري في مكتبه بصورة من المعلومات، التي يرسلها إلى قاعدته، أو يكوّن أرشيفاً في مكتبه؟ والإجابة محسومة لدى الدول المتقدمة، وهي ترى أن المعلومات دائماً تحفظ في دولة الملحق فقط، ومن غير المفيد أن يحتفظ الملحق بصور منها في مكتبه، أو ينظّم أرشيفاً لتلك المعلومات، لأن مكتبه عرضة باستمرار للتفتيش السري بواسطة استخبارات الدولة المعتمد لديها. كذلك قد يُخشى من تسرب تلك الوثائق، عن طريق بعض العاملين في المكتب، فضلاً عن أن التخلص من الكميات الكبيرة من تلك الوثائق، عند حدوث أزمة سياسية، (تجعل الملحق العسكري شخصاً غير مرغوب فيه)، قد تُشكل عبئاً كبيراً عليه، وعلى سفارة دولته. لذلك لا يحتفظ الملحق العسكري في مكتبه، إلاّ بالقدر القليل من الأساسيات، التي تساعده فقط على تنفيذ مهامه.

وقبل الحديث عن تصنيف المعلومات، التي يعمل الملحق العسكري على جمعها، يُطرح سؤال جوهري هو: هل الملحق العسكري جاسوس لدولته في الدولة الأخرى؟ ـ والإجابة نفي ذلك تماماً، حتى لو رأى بعضهم أن عمل الملحق العسكري فيه نوع من الجاسوسية، ذلك أن مهامه ـ لو أداها بصورة طبيعية وشفافية، فإنها تصبح أعمق بكثير من تلك المقولة. ولو حدث أن عمل الملحق العسكري في مجال الجاسوسية، فما أسرع ما ينكشف أمره، لأنه شخص اعتباري مراقب، بينما الجاسوس يجب أن يكون شخصاً سرياً غير معروف للسلطات. كما أن انكشاف أمر الملحق العسكري “الجاسوس”، ستترتب عليه أزمة دبلوماسية عارمة. لذلك فإن الدول بكل اتجاهاتها تحرص على إبعاد تلك الشبهة عن ملحقيها العسكريين، أما وظيفة الملحق العسكري في تجميع المعلومات، وإخطار دولته بها، فهي حق مشروع، تعلمه سلطات الدولة المعتمد لديها، ومراقبته، تُعد من قبيل التعرف على اتجاهات دولته، في نوع وحجم المعلومات المطلوبة، وأسلوب الملحق في الحصول عليها، هو الأساس الذي يؤدي إلى التشكك في نشاطه (ومراقبته)، لتحديد مشروعيته، وهل تعدى على حقوق الآخرين، أو أخل بوظيفته الدبلوماسية؟. وكلها أحكام قد توجه للملحق العسكري، الذي تتهمه الدولة المعتمد لديها، بممارسة أفعال غير مشروعة للحصول على المعلومات. ومن أشهر هذه القضايا ما حدث في عقد السبعينيات من القرن العشرين، عندما طُرحت قضية الغانية الإنجليزية “كريستين كيلر”، التي كانت على علاقة غير مشروعة في وقت واحد، مع كل من وزير الدفاع البريطاني “بروفيميو”، والملحق العسكري السوفييتي في لندن – وقد توصلت الاستخبارات البريطانية إلى تلك العلاقة بعد فترة من نشوئها، واتهمت الفتاة، بأنها نقلت أسراراً حصلت عليها من وزير الدفاع البريطاني، إلى الملحق العسكري السوفييتي، وكانت فضيحة كبيرة، أدت إلى استقالة الوزير البريطاني، وإلى طرد الملحق العسكري السوفييتي، وإلى الحكم بسجن “الغانية” على اعتبار أنها عملت جاسوسة للسوفيت.

كما كانت هناك قضية أخرى في لندن أيضاً، عندما تمكن الملحق العسكري المصري في الستينيات من القرن العشرين، استجابة لمطلب أحد العاملين في أرشيف وزارة الدفاع البريطاني، من تقديم مبلغ مالي للحصول على وثائق عن إستراتيجية بريطانيا العظمى شرق السويس، بعد حرب العدوان الثلاثي عام 1956. وقد سارعت مصر، بسحب الملحق العسكري، قبل أن يُكتشف أمره، ونشرت أجزاء من إستراتيجية بريطانيا شرق السويس، في جريدة الأهرام القاهرية، لإحباط تلك الإستراتيجية التي كانت سوف تضر بالأمن القومي العربي بالكامل، مما أثار ضجة في وزارة الحرب البريطانية، عن تسرب تلك الوثائق الإستراتيجية المهمة.

وهناك الكثير من الأمثلة الأخرى، منها حصول الملحق العسكري المصري في باريس على خطة تحركات القوات الفرنسية، قبل وقوع العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، وإرسالها إلى مصر بخطاب مع الملحق الصحفي بالسفارة، حتى لا يثير الشكوك حوله. كذلك فعل الملحق العسكري المصري في تركيا، الذي حصل على معلومات مؤكدة عن العدوان وتفصيلات الحشود، وأبلغها فوراً ببرقية شفرية إلى السلطات المصرية.

ولذلك تحرص الدول المتقدمة، على أن تنظم بصفة دورية، للملحقين العسكريين المعتمدين لديها، رحلات، أو ندوات، أو لقاءات مع مسؤولين كبار، أو مشاهدة مناورات عسكرية رئيسية. وهى في ذلك تحقق لهفتهم في الحصول على معلومات، ولكن بطريقة مسيطر عليها، وهذا يمثل نوعاً من سيكولوجية التأثير في مجال العمل، وربما يقنع الكثير من الملحقين العسكريين، على الاعتماد في الحصول على المعلومات، على تلك اللقاءات والزيارات، علاوة على المصادر العلنية في وسائل الإعلام، بينما تقتنع الدولة المضيفة، بأنها تُعطي جرعات من المعلومات، بالقدر الذي تسمح به الظروف، إضافة إلى أنها تبلغ رسالات نفسية، مطلوب إرسالها في توقيتات معينة لخدمة إستراتيجيتها (غير المعلنة).

حكم وطرائف

كاتب الموضوع الأصلي: فيصل الزهراني 704

أبو دلامة وزوجة الخليفة

دخل أبو دلامة المشهور بالدعابة، على زوجة الخليفة السفاح ليعزيها في وفاته، وكان نديما ً له في حياته، فقالت والله ما أُصيب بالخليفة غيري وغيرك يا أبا دلامة، فقال لها : لم يُصَب به أحد سواي، أنتِ لك منه ولد تتسلين به، و أنا ليس لي منه ولد، فضحكت ولم تكن ضحكت منذ أن مات الخليفة،
وقالت له: أنت لا تدع أحداً ألا أضحكته …


البقرة المغشوشة

قال الفلاح لامرأته : إذا مت فتزوجي جارنا، فقالت الزوجة: ولماذا ؟
قال : لقد باعني قبل زمن بقرة مغشوشة
ولم أنتقم !…



الأعمى وزوجته

تزوج أعمى امرأة، فقالت له : لو رأيت بياضي وجمالي لعجبت!
فقال : لو كنتِ كما تقولين ماترككِ المبصرون لي !…

الرجل الساخر

قال رجل لبيرنان شو بسخرية : أليس الطباخ أنفع للأمة من الأديب ؟
فقال : الكلاب تعتقد ذلك !
وقال له كاتبٌ مغرور: نحن أفضل منك، أنت تبدع بحثاً عن المال، ونحن نبدع بحثاً عن الشرف والكرامة .
فأجابه بيرنان شو بهدوء: لك الحق، كلٌ منا يبحث عما ينقصه !…