أ.د. أحمد محمد وهبان

حرب ستة أكتوبر

كاتب الموضوع الأصلي: مهند الدهيش 32 33

حرب أكتوبر هي الحرب العربية الإسرائيلية الرابعة التي شنتها كل من مصر وسوريا بدعم عربي عسكري وسياسي واقتصادي على إسرائيل عام 1973م. بدأت الحرب في يوم السبت 6 أكتوبر 1973 الموافق ليوم 10 رمضان 1393 هـ بهجوم مفاجئ من قبل الجيش المصري والجيش السوري على القوات الإسرائيلية التي كانت مرابطة في سيناء وهضبة الجولان. تعرف الحرب باسم حرب تشرين التحريرية في سورية فيما تعرف في إسرائيل باسم حرب يوم الغفران[11] (بالعبرية: מלחמת יום כיפור، ميلخمت يوم كيبور).

حقق الجيشان المصري والسوري الأهداف الإستراتيجية المرجوة من وراء المباغتة العسكرية لإسرائيل، كانت هناك إنجازات ملموسة في الأيام الأولى بعد شن الحرب، حيث توغلت القوات المصرية 20 كم شرق قناة السويس، وتمكنت القوات السورية من الدخول في عمق هضبة الجولان. أما في نهاية الحرب فانتعش الجيش الإسرائيلي فعلى الجبهة المصرية تمكن من فتح ثغرة الدفرسوار وعبر للضفة الغربية للقناة وضرب الحصار على الجيش الثالث الميداني وعلى الجبهة السورية تمكن من طرد السوريون من هضبة الجولان.

تدخلت الدولتان العظيمتان في ذلك الحين في الحرب بشكل غير مباشر حيث زود الاتحاد السوفياتي بالأسلحة سوريا ومصر, وان كان الاتحاد السوفيتى قد رفض إعطاء مصر الأسلحة اللازمة بعد أزمة طرد خبرائها عن طريق السادات إلا أن الاتحاد السوفيتى رجع واعطى مصر جزءاً من الأسلحة ولكن تمويل مصر الرئيسي في الأسلحة جاء من تشيكوسلوفاكيا بعد زيارة وزير الخارجية المصري إلى براغ في زيارة سرية لم يعلم بها أحد في ذلك الوقت بينما زودت الولايات المتحدة بالعتاد العسكري إسرائيل. في نهاية الحرب عمل وزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر وسيطاً بين الجانبين ووصل إلى اتفاقية هدنة لا تزال سارية المفعول بين سوريا وإسرائيل. بدلت مصر وإسرائيل اتفاقية الهدنة باتفاقية سلام شاملة في “كامب ديفيد” 1979.

انتهت الحرب رسميا بالتوقيع على اتفاقية فك الاشتباك في 31 مايو 1974 حيث وافقت إسرائيل على إعادة مدينة القنيطرة لسوريا وضفة قناة السويس الشرقية لمصر مقابل إبعاد القوات المصرية والسورية من خط الهدنة وتأسيس قوة خاصة للأمم المتحدة لمراقبة تحقيق الاتفاقية.

من أهم نتائج الحرب استرداد السيادة الكاملة على قناة السويس، واسترداد جميع الأراضي في شبه جزيرة سيناء. واسترداد جزء من مرتفعات الجولان السورية بما فيها مدينة القنيطرة وعودتها للسيادة السورية. ومن النتائج الأخرى تحطم أسطورة أن جيش إسرائيل لا يقهر والتي كان يقول بها القادة العسكريون في إسرائيل[12]، كما أن هذه الحرب مهدت الطريق لاتفاق كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل والتي عقدت في سبتمبر 1978م على إثر مبادرة أنور السادات التاريخية في نوفمبر 1977م وزيارته للقدس. وأدت الحرب أيضا إلى عودة الملاحة في قناة السويس في يونيو 1975م.

معركة واترلو

كاتب الموضوع الأصلي: مهند الدهيش 32 33

معركة واترلو
جزء من حرب التحالف السابع

ديوك أوف ويلينغتون في واترلو رسمها روبرت أليكسندر هيلينغفرد.
التاريخ 18 يونيو 1815
المكان واترلو في بلجيكا حاليا تقع جنوب بروكسل
النتيجة نصر حاسم لقوات التحالف
المتحاربون
الإمبراطورية الفرنسية التحالف السابع:
بروسيا
المملكة المتحدة
هولندا المتحدة
مملكة هانوفر
ناساو
برونزويك
القادة
نابليون بونابرت،
ميشيل ناي دوق ويلينغتون
جيبهارد فون بلوخر
القوى
72,000[1] التحالف الإنجليزي: 68,000[1]
بروسيون: 50,000[2]
الخسائر
25,000 قتيل أو جريح
7,000 أسير
15,000 مفقود[3] 22,000 قتيل أو جريح[4]
معركة واترلو (بالإنجليزية: Battle of Waterloo) وقعت في 18 يونيو عام 1815م قرب بروكسل. وهي آخر معارك القائد الفرنسي نابليون بونابرت هزم بها هزيمة شديدة لدرجة أن الإنجليز يصفون الشخص الذي يعاني من حظ سئ جداً بأنه صادف واترلو.

معركة فرضها نابليون على الحلفاء بعد فراره من منفاه في جزيرة إلبا، وأضطر أعضاء مؤتمر فيينا إنهاء المؤتمر والتفرغ لحرب نابليون الذي اعتبروه مجرما. فوصلت إلى بلجيكا مباشرة جيوش إنجلترا وبروسيا، ومن الطرف الآخر جيوش فرنسا على أن تتوافد إلى جهة الراين جيوش بقية الحلفاء. وكان في الجانب الأول القائد دوق ويلينغتون الإنكليزي والمارشال (بلوخر) الألماني، وبالطرف الثاني (نابليون). وكانت جنود الأول 600 والثاني 83417 ومع نابليون 106000،وكان هدف نابليون الفصل بين الجيشين والقضاء عليهما بالتسلسل قبل وصول جيوش روسيا والنمسا. وسبق معركة واترلو الحاسمة معارك تمهيدية فرعية هي: معركة كواتر براس، ومعركة ليني، أما في واترلو فقد احتلت المدفعية قمم التلال التي يتمركز فيها الطرفان، واستطاع (بلوخر) أن يرفد بقواته ويلينغتون الذي كان موقفه حرجا أمام نابليون. وتم التحام القوتين في الوقت اللازم، وتأخر بدء المعركة بعض الوقت بسبب الأمطار والوحول في اليوم السابق. ثم زج نابليون بالصف الأول من جيوشه وتراشقت المدافع النيران بالتناوب، ولما حاول توجيه ضربة لقلب جيش الإنجليز مُني نابليون بخسارة كبيرة وتساقطت أمامه زهرة شباب جيشه، بينما اجتمعت قوات (بلوخر) و(ويلينغتون) معا.
ورغم أن (نابليون) أوقع في صفوف أعدائه خسائر فادحة لكنه لم يسحقها، بل بدأت مدفعية الإنجليز تحصد خيالته التي وجهها إلى قلب القوات الإنجليزية. ولما أدرك (نابليون) النهاية الأليمة، ركب جواده وصف حرسه الخاص صفوف متلاحقة، وأشار بأصبعه نحو الإنكليز، ووصلت حرارة المعركة أوجها، ونابليون على رأس قواته. وقد تكبد الإنجليز خسائر كبيرة بالأرواح والعتاد في هذا الهجوم الأخير. واضطر (ويلينغتون) بعد أن أصيب تحته جوادان أن يترجل حاملا سيفه ويتقدم حرسه إلى المعركة، واصطدم الحرسان ببعض، وأراد (نابليون) أن يزج بنفسه وسط النيران لولا أن أثناه ضباطه فلوى رأس جواده وبرح الميدان وهو يقول: خسرنا كل شيء إلا الشرف. وعاد إلى باريس ليتنازل عن العرش، بينما كان ميدان واترلو مليئا بجثث القتلى والجرحى.
وتعتبر معركة واترلو الفصل الختامي لحياة شخصية فذة في تاريخ الدول والسياسة والزعماء وبداية عصر جديد.
الفرق المتقاتلة

فرنسا
مقابل:
1. بريطانيا
2. هانوفر
3. هولندا
4. بروسيا (ألمانيا)
القوى

الفرنسيون:
72 ألف جندي
الحلف المضاد:
118 ألف جندي
الخسائر

الفرنسيون:
25 الف قتيل وجريح
15 الف مفقود
7 آلاف أسير
الحلف المضاد:
22 الف قتيل وجريح

النظام البرلماني

كاتب الموضوع الأصلي: مهند الدهيش 32 33

إن النظام البرلماني هو نوع من أنظمة الحكم ينقسم فيه الحكم “السلطة” بين هيئتين احدهما الحكومة أو مجلس الوزراء “الوزارة” وثانيهما البرلمان الذي يتم انتخاب أعضاءه من قبل الشعب مباشرة ومنه تنبثق الحكومة، ويجوز فيه البرلمان سحب الثقة عن الحكومة، كما يجوز للحكومة حل البرلمان، فهو إذاً نظام يعتمد التعاون والتوازن بين السلطات، وعلى مسؤولية الحكومة أمام البرلمان.

وهناك من يعرف النظام البرلماني بشكل موجز ويرى بأنه ذلك النظام الذي يتضح فيه بوضوح التوازن والتعاون بين السلطات التشريعية والتنفيذية. (اسماعيل مرزه،1969، 275).
ويقوم النظام البرلماني على مجموعة من الأسس كما يتطلب مجموعة متطلبات وله مجموعة من المزايا والعيوب، وسنتناول الموضوع في الفقرات أدناه:-

المطلب الأول:- نشأة وتطور النظام البرلماني.
من المعروف إن نشأة النظام البرلماني ومهده الأول كانت بريطانيا، وقد تحددت أسسه وخصائصه ومميزاته فيها، وقد مر النظام البرلماني بتطورات كثيرة وفترة طويلة قبل أن يستقر على الشكل الذي هو عليه اليوم، وكذلك الحال بالنسبة للدول التي اقتبست النظام البرلماني فنرى تفاوتاً واضحاً في تطبيقات هذا النموذج.

لقد مر النظام البرلماني بتطورات عديدة كانت موازية ومتناغمه مع تطور التاريخ السياسي لبريطانيا نفسها فمن الملكية المطلقة في العصور الوسطى إلى الملكية المقيدة منذ القرن الثالث عشر إلى النظام البرلماني الذي أخذ صورته الكاملة في القرن التاسع عشر، فبعد أن كان الملوك في العصور الوسطى يتمتعون بسلطات مطلقه أخذت هذه السلطات تنكمش قليلاً حتى تضاءلت تماماً وأصبحت مجرد سلطات إسميه أو رمزية وكان التطور الأخير نتيجة تقرير المسؤولية الوزارية إمام البرلمان، وانتقال سلطات الملك إليهم وفي ظل حكومة أسرة “هانوج” التي وليت عرش بريطانيين من سنة1714 إلى سنة1873 والتي عجز ملوكها عن مباشره سلطاتهم واضطروا لأسباب مختلفة أن يتركوها بيد الوزراء (ثروت بدوي،1975، 293).

إن تطور ونجاح التجربة البريطانية في النظام البرلماني كشكل من أشكال الأنظمة السياسية الموجودة في دول العالم إلى الآخذ بهذا الشكل لأنظمتهم السياسية ولكن اختلاف البيئة الداخلية والخارجية لهذه الدولة أو تلك قد كان لها دور بارز وواضح في نجاح أو عدم نجاح هذه التجربة ولعل فشل التجربة البرلمانية العراقية في عشرينات القرن المنصرم خير دليل على ذلك.

المطلب الثاني:- أسس ومتطلبات النظام البرلماني.
يقوم النظام البرلماني على مجموعة من الأسس والمتطلبات التي يتميز بها عن غيره من الأنظمة السياسية الأخرى ويمكن إيجاز هذه الأسس والمتطلبات وكما يأتي:-
1- وجود ثنائية الجهاز التنفيذي.
2- وجود تعاون وتوازن ما بين السلطات.
3- وجود نوع من الصرامه الحزبية أو الانضباط الحزبي.

ويمكن تناول هذه الأسس والمتطلبات بشيء من التفصيل وكما يأتي:-
1- وجود ثنائية الجهاز التنفيذي.
إن ذلك يعني وجود منصبي رئاسة الدولة ورئاسة الحكومة، وتكون المسؤولية السياسية ملغاة على عاتق الحكومة، وتكون الوزارة مسؤوله مسؤولية تضامنية أمام البرلمان وهذا يفضي بطبيعة الحال إلى وجود رئيس دولة بغض النظر سواء أكان ملكاً أم رئيساً للجمهورية، غير مسؤول سياسياً أي يسود ولا يحكم ويختص بأمور شكلية وفخرية ولكن رئيس الدولة يسأل جنائياً في الأنظمة الجمهورية “عكس الأنظمة الملكية التي تعد الملك منزه عن الخطأ وبالتالي عن المسؤولية”.

ولذلك تبعاً لوظيفة الرئيس تلك انقسم الفقه بشأن دور الرئيس إلى قسمين قسم يرى سلبية ذلك الدور وأنه لا يستطيع ممارسة أي سلطات حقيقة، وقسم يرى أن الدستور يسند له بعض الصلاحيات والسلطات خصوصاً بعد التنسيق مع الوزارة، (عبد الغني بسيوني،1985، 200).

أما الجهاز التنفيذي الثاني فهو الحكومة أو الوزارة، حيث أنها هي التي تضطلع بأعباء الحكم بوصفها المحور الرئيس للسلطة التنفيذية في النظام البرلماني لذلك فالمسؤولية السياسية الكاملة تقع على عاتقها أمام الهيئة النيابية، ولذلك فالمسؤولية الوزارية تعد بالفعل حجر الزاوية في النظام البرلماني والركن الأساسي في بنائه وبدونها يفتقد هذا النظام جوهره وتتغير طبيعته وهذه المسؤولية قد تكون جماعية تضامنية أو فردية تتعلق بوزير أخر، وتعني المسؤولية التضامنية أو الجماعية إن الوزارة تكون مسؤولة بمجموعها عن السياسة العامة التي تسير عليها أمام البرلمان ويلزم الحصول على تأييده لها وإذا اعترض البرلمان على هذه السياسة ولم يوافق عليها فإن هذا يعني سحب الثقة من الوزارة وإسقاطها بمجموعها، أما المسؤولية الفردية فتتعلق بمسؤولية وزير واحد عن تصرفاته الخاصة بإدارة وزارته، وسحب الثقه منه يحتم عليه تقديم استقالته من الوزارة، (عبد الغني بسيوني،1991، 299). وكذلك أنظر صكبان حميد المفرجي وآخرون،1989، 200).

2- وجود تعاون وتوازن ما بين السلطات.
فالنسبة لهذا الأساس فهو يعني أن توزيع الاختصاصات ما بين السلطات مرن غير جامد، فمع قيام السلطة التشريعية بوظيفة التشريع فإن للسلطة التنفيذية الحق في اقتراح القوانين والتصديق عليها وبالمقابل فإن للسلطة التشريعية الحق في مراقبة أعمال السلطة التنفيذية والتصديق على الاتفاقيات التي تقدمها السلطة التنفيذية، وتنظيم العلاقة هذه بين السلطتين يكون قائماً على فكرة التوازن بينهما فهناك مساواة وتداخل بين السلطتين، فللسلطة التنفيذية الحق في دعوة البرلمان للانعقاد وحتى حله، وكذلك للبرلمان الحق في استجواب الوزراء والتحقيق معهم وحجب الثقة عن الوزارة أي تقرير المسؤولية الوزارية، (عبد الغني بسيوني،1991، 295).

ولعل هذا الأمر واضحاً جداً في بريطانيا حيث أن الحزب الفائز بالأغلبية البرلمانية هو الذي يشكل الحكومة، ورئيس الوزراء يكون رئيس الحزب الفائز بالأغلبية البرلمانية، وهنا تظهر وشائح العلاقة الواضحة ما بين الحكومة “بوصفها جزءاً من السلطة التنفيذية” والبرلمان “بوصفه جزءاً من السلطة التشريعية”.

3- وجود نوع من الصرامه الحزبية أو الانضباط الحزبي.
وهو مطلب أساسي آخر، إذ يتطلب النظام البرلماني نوع من الانضباط الحزبي لأنه وكما قلنا فإن الحزب الفائز بالأغلبية البرلماني هو الذي يشكل الحكومة وبالتالي فإن الحكومة.. ومن الناحية النظرية سوف تتمتع بأغلبية برلمانية مساندة مما يسهل عمل الحكومة، وقد يثور التساؤل لماذا؟ فالجواب لأننا وكما نعرف إن السلطة المالية مثلاً بيد البرلمان فإنه في حالة وجود انضباط حزبي قد تكون أية خلافات وعدم التزام نائب من حزب الأغلبية بالتصويت لمشروع الحكومة سيؤدي إلى نوع من الجمود في العمل الحكومي. ولذلك نرى انه بمرور الوقت فإن الأحزاب البريطانية ولكونها تتبع النظام البرلماني نرى أنها تتميز بالانضباط الحزبي العالي بل والمركزية المفرطه في بعض الأحيان. (عامر فاخوري،2004، 99). لكن هذا لا يعني أنه سيكون هناك دمج كامل للسلطتين التشريعية والتنفيذية، وكأنهما جهاز واحد يعني انعدام المعارضة لأنه وإنْ كانت هناك أغلبية برلمانية مؤيدة للحكومة لكن هذا لا يلغي وجود المعارضة التي تنتقد أعمال الحكومة “حكومة الحزب الفائز بالأغلبية البرلمانية” إضافة إلى التقاليد الديمقراطية المترسخه منذ زمن طويل لهذه الأنظمة.

بيد إن هذا الكلام وإن أنطبق على الدول المتقدمة ديمقراطياً لكنه لا ينطبق في حقيقة الأمر على الدول ذات التجربة السياسية الحديثة والتي تفتقد إلى الجذور الديمقراطية والى ترسيخ قواعد وأحوال ممارسة العمل الحكومي بأسلوب ديمقراطي. (رياض عزيز هادي،1989، 231).

المطلب الثالث:- مزايا وعيوب النظام البرلماني.
للنظام البرلماني جملة من المزايا التي يتسم بها بيد إن ذلك لا يلغي كونه يحمل في طياته من العيوب والأمور السلبية أيضاً ويمكن إيضاح ذلك وكما يلي:-
أ- المزايا:
1- إنه يؤدي إلى التفاعل الحقيقي بين السلطات الثلاث التي تعد كلاً منها مكملة للأخرى.
2- إنه يرسخ الديمقراطية ويمنع الاستبداد.
3- إن هناك المسؤولية السياسية مما يعني استحالة التهرب من الخطأ السياسي وسهولة معرفة المسؤول الحقيقي عن الخطأ.
4- إنه يؤدي إلى وحدة السيادة للدولة.
ب- العيوب:-
1- إنه قد يؤدي في دول عالم الجنوب إلى ظاهرة عدم الاستقرار للحكومة، (رياض عزيز هادي،1989، 231).
2- في ظل الاتجاهات الحزبية المعارضة والمتضاربة من الصعوبة بمكان الحصول على تأييد قوي لعمل الحكومة ، (نادية المختار،2001 ،22).
3- إن رئيس الحكومة قد لا يتمتع بشعبية كبيرة كشخص مما قد لا يفضي عليه من الهيبة والرمزية العالية كرمز للأمة.
4- إن الحكومة ستكون خاضعة لتأثير جماعات مصالح مهمة وستكون الولاءات الضيقه حزبياً طافيه على السطح.
5- إن نظام غير فعال في الدول ذات التجربة السياسية الحديثة فهو يحتاج إلى وعي وإدراك سياسيين عاليين، إضافة إلى تعمق التجربة الحزبية.

الحرب العالمية الاولى

كاتب الموضوع الأصلي: مهند الدهيش 32 33

إشكالية الوحدة: ساهمت عوامل متعددة في اندلاع أول حرب عالمية ما بين28 يوليو1914 و 11نونبر1918 ،فما هي أسباب حدوثها؟ وما هي مراحلها؟ وما هي أهم النتائج التي ترتبت عنها؟
1) أسباب اندلاع الحرب العالمية الأولى.
•التنافس الاستعماري: نتج عن التنافس الامبريالي خلال القرن19 تزايد التوتر بين دول أوربا،وأدى ذلك إلى زيادة النفقات العسكرية والتسابق نحو التسلح بحرا بينانجلترا وألمانيا وبرا بين وفرنسا وألمانيا. وكان التوتر قويا بين فرنسا وألمانيا بسبب منطقتي الألزاس واللورين منذ حرب 1870. وظهر أن ألمانيا كانت تعمل على الرفع من عدد جنودها ودرجة تسلحها لتتفوق على إنجلترا و فرنسا.
• تكوين التحالفات: تكونت بأوربا أحلاف وتكتلات أهمها التحالف الثلاثيLaTriple Alliance بين ألمانيا والنمسا- هنغاريا وإيطاليا= دول المركز سنة1882، وكان موقف إيطاليا متذبذبا، وبالمقابل تم عقد اتفاقية عسكرية بين روسيا وفرنسا سنة1892، وتطور بتكوين وفاق ثلاثي La Triple Entente بانضمام انجلترا سنة 1907 = دول الوفاق.
• الأزمة البلقانية: نتج عن تراجع الدولة العثمانية في منطقة البلقان حدوث نزاع بين الدول الصغرى بالمنطقة، وحدوث صراع بين روسيا التي ترغب في الحصول على منفذ على البحر المتوسط (الدردنيل والبوسفور) ولذلك دعمت صربيا (العنصر السلافي) ، وبين النمسا-المجر القوة السياسية الكبرى في أوربا الوسطى، والتي ترغب أيضا في الحصول على منفذ على البحر.
بدأت الأزمة البلقانية الأولى بقيام الإمبراطور النمساوي فرانسوا جوزيف بضم البوسنة والهرسك في5 أكتوبر1908، وكذلك بمطالبة صرب البوسنة بالانضمام إلى صربيا. وكانت الأزمة الثانية سنة1913 بتوسع صربيا ترابيا على حساب المناطق المجاورة ( مقدونيا ) ، ولم تقبل بلغاريا والنمسا- المجر بذلك.
• حادثة سراييفو: في28 يونيو 1914 تممقتل ولي عهد النمسا فرانسوا فرديناند François Ferdinand من طرف طالب بوسني (Princip) أثناء زيارته لمدينة سراييفو عاصمة البوسنة، وتعتبر الحادثة السبب المباشر لاندلاع الحرب العالمية الأولى، فقد رأت النمسا-المجر الفرصة مناسبة حيث أرسلت إنذارا أعطت فيه مهلة 48 ساعة لقبول شروط منها إشراف موظفين نمساويين على التحقيق في حادثة الاغتيال، ورفضت صربيا ذلك، فأعلنت النمسا الحرب عليها في27 يوليو، وأعلنت روسيا التعبئة العامة ومساندتها لصربيا، وقامت ألمانيا بتوجيه إنذار لروسيا( لإيقاف الاستعدادات) وفرنسا (لإعلان الحياد في حالة حدوث الحرب)، وأعلنت مساندتها للنمسا والحرب في 1 غشت، ودعمت فرنسا وإنجلترا روسيا.
2) مراحل الحرب العالمية الأولى.

المرحلة الأولى:
– حرب الحركة: انطلقت الحرب باكتساح ألمانيا لبلجيكا وهي دولة محايدة، وهجوم سريع على فرنسا، وفي نفس الوقت تم إرسال قوات ألمانية إلى الجبهة الروسية، ووجدت القوات الألمانية نفسها في الجبهة الغربية أمام تحالف للجيوش الفرنسية والإنجليزية وكانت المواجهة في هذه الجبهة عنيفة، ودخلت الدولة العثمانية الحرب إلى جانب ألمانيا حيث أغلقت مضيق الدردنيل لمنع وصول الإمدادات الفرنسية والإنجليزية إلى روسيا.
المرحلةالثانية:
– حرب المواقع والاستنزاف:انتقلت القوات المتحاربة إلى حرب المواقع بسبب فشل الخطط الهجومية وذلك بحفر الخنادق المحاطة بالأسلاك الشائكة، ولذلك كان تقدم القوات بطيئا، وأدى ذلك إلى ارتفاع كبير في عدد القتلى والجرحى،.وعرفت الحرب استخدام أسلحة جديدة و خاصة الدبابات والطائرات والغواصات والغازات الخانقة، وتم توجيه الاهتمام في الميدان الصناعي إلى إنتاج الأسلحة.
وأدى ضرب الغواصات الألمانية للسفن التجارية الأمريكية إلى إعلان الرئيس ولسون الحرب على دول المركز، في حين انسحبت روسيا بعد حدوث الثورة وتوقيع معاهدة بريست ليتوفسك بين ألمانيا وروسيا. وفي يوليو1918 حدثت معركة المارن الثانية حيث نتج عن الهجوم الألماني على باريس استنزاف القوات الألمانية التي بدأ تراجعها بوصول القوات الأمريكية، فانهارت بلغاريا في شتنبر، والدولة العثمانية في أكتوبر، والنمسا- المجر وألمانيا في 11 نونبر.
3 ) نتائج الحرب العالمية الأولى.

– النتائج البشرية والاجتماعية:
• نتج عن الحرب سقوط الملايين من القتلى و الجرحى، والمفقودين، والمعطوبين. وانتشار الأوبئة وارتفاع نسبة الوفيات وأدى ذلك إلى تراجع الساكنة النشيطة وارتفاع نسبة الإناث والشيوخ. ودخول النساء ميدان الشغل، وظهور أثرياء الحرب وتزايد عدد الفقراء.
– النتائج الاقتصادية:
• دمرت الحرب الدور السكنية والطرق والسكك الحديدية والقناطر والمسالك النهرية والأراضي الفلاحية والمصانع والمناجم فانخفض الإنتاج الفلاحي والصناعي(التوجه نحو الإنتاج الحربي)واضطرت دول أوربا إلى الاستدانة من الولايات المتحدة الأمريكية التي أصبحت مزود دول أوربا بالمنتجات الفلاحية والصناعية خلال وبعد الحرب،وتضاعف فائضها التجاري واحتكرت نصف الاحتياطي العالمي للذهب، وأصبحت مركز القوة على المستوى الاقتصادي بدل بريطانيا.
• خلال الحرب استخدمت الدول الاستعمارية مستعمراتها بتجنيد الجنود واستغلال مواردها الاقتصادية.
– النتائج السياسية:
• انعقد مؤتمر السلام في قصر فرساي بباريس ما بين ينايرو مايو سنة 1919 ، وهيمنت فيه الدول الأربع الكبرى(الو.م.أ:مثلها رئيسها ولسن، و كان يهدف إلى عدم إضعاف ألمانيا للحفاظ على السلم العالمي. ثم وفرنسا:مثلها كليمانصو رئيس وزرائها،و كان من اشد الدعاة لإضعاف ألمانيا بشكل كبير حتى لاتفكر لاحقا في تهديد فرنسا. ثم إنجلترا: مثلها لويد جورج رئيس الوزراء،و كان يرغب في تحقيق التوازن الدولي وتبنى موقف ولسن من ألمانيا.وأخيرا إيطاليا بقيادة أورلاندو رئيس وزرائها،و كان همه تمكين ايطاليا من بعض الأراضي التركية كمقابل لها عن مشاركتها في الحرب.
• فرض معاهدة فرساي في 28يونيو1919على ألمانيا: و تضمنت تحميل ألمانيا مسؤولية حدوث الحرب وإلزامها بأداء التعويضات،وتحديد عدد جيشها،وإلغاء الخدمة العسكرية،وتجريد منطقة الراين من السلاح، وإرجاع الألزاس واللورين إلى فرنسا، ووضع منطقة السار تحت إشراف عصبة الأمم،وضم شمال شلزفيك للدانمرك بعد إجراء الاستفتاء، وتأسيس بولونيا وإعطائها ممرا على البلطيق، وتجريد ألمانيا من المستعمرات ووضعها تحت انتداب فرنسا(القسم الأعظم من الطوغو والكاميرون وجنوب غرب إفريقيا) واليابان (الجزر الألمانية بالمحيط الهادي) واستراليا(غينيا الجديدة). وقد شجب الألمان شعبا وحكومة مختلف البنود التي تضمنتها المعاهدة باعتبارها لا تستند لأية شرعية قانونية وسياسية.
• فرض معاهدات قاسية على باقي الدول المنهزمة

– معاهدة سان جرمان
10 شتنبر1919 مع النمسا
فصل هنغاريا عن النمسا + اقتطاع أجزاء من أراضيها ليوغوسلافيا وتشكوسلوفاكيا وايطاليا وبولونيا ورومانيا واليونان+ تحديد قواتها العسكرية
– معاهدة تريانون مع المجر
4 يونيو1920
اقتطاع اجزاء من اراضيها ليوغوسلافيا وتشكوسلوفاكيا وايطاليا وبولونيا ورومانيا واليونان+ تحديد قواتها العسكرية.
– معاهدة نويي مع بلغاريا
27 نونبر1919
اقتطاع بعض مناطقها لصالح الدول المجاورة اليونان ويوغوسلافيا ورومانيا+ تحديد ومراقبة قواتها العسكرية
– معاهدة سيفر هع تركيا العثمانية 11غشت1920
التنازل عن مناطقها العربية لصالح فرنسا وإنجلترا، ومناطقها بأوربا لصالح الدول المجاورة، وضع مضيقي الدردنيل والبوسفور تحت الرقابة الدولية.
• تحولات ترابية وسياسية بأوربا: تمثلت في سقوط الإمبراطوريات العظمى (ألمانيا،النمسا-المجر،تركيا العثمانية،روسيا القيصرية) وتغيرت الخريطة السياسية لأوربا لصالح الدول المنتصرة وظهرت دول جديدة (تشيكوسلوفاكيا،يوغوسلافيا،..)على حساب أقليات قومية.
• تأسيس عصبة الأمم يوم28أبريل 1919 بضغط من الرئيس ولسون ، وتضم الجمعية العامة وتعقد دورة في السنة، ومجلس العصبة يتكون من أربع أعضاء دائمين: فرنسا،بريطانيا،إيطاليا،واليابان، والأعضاء المؤقتين ( 8-4) ينتخبون كل ثلاث سنوات، ويجتمع ثلاث مرات في السنة، وتديرها كتابة عامة ولجان متخصصة ،ووظفت عصبة الأمم لصالح المصالح الاستعمارية الفرنسية والإنجليزية.
4) العوامل التي ساهمت في تراجع المكانة الاقتصادية لاوربا لصالح قوى جديدة.
• استفادت الولايات المتحدة الأمريكية واليابان من تمويلهما للحرب العالمية الأولى، حيث سخرتا كل إمكانياتهما لتلبية حاجيات الدول المتحاربة، ذلك أن بنيتهما الاقتصادية استمرت في النمو لكون الدولتين السابقتين خاضتا الحرب بعيدا عن أراضيهما.
• انهيار الاقتصاد الأوربي وارتفاع الديون غداة الحرب.استنزفت الحرب أهم الموارد الاقتصادية للدول الأوربية حيث تراجع الإنتاج الفلاحي بفعل الخراب الذي تعرضت له الأراضي الفلاحية جراء الحرب + حدوث نقص في استعمال الأسمدة الكيماوية، كما دمرت المعامل والطرق وتراجعت حمولة الأسطول التجاري .
• تزايد حاجيات الدول الأوربية للأسلحة والمؤن ومختلف المنتجات الأخرى،دفعها إلى الاعتماد على الولايات المتحدة الأمريكية مما نتج عنه ارتفاع مديونية الدول الأوربية التي أصبحت بموجب ذلك تابعة للولايات المتحدة الأمريكية.
• بروز الولايات المتحدة الأمريكية واليابان كقوتين اقتصاديتين جديدتين بعد الحرب ع.1.
خاتمة: كانت للحرب العالمية الأولى نتائج اقتصادية واجتماعية وسياسية مختلفة ،كما كانت لها آثارا بعيدة المدى ستؤثر على العالم وخاصة أوربا إلى غاية اندلاع الحرب العالمية الثانية.

طرح مساحات اراضى من جمعية الارض الخضراء وجمعية الفيوم الجديد

كاتب الموضوع الأصلي: محمدمحمدنبيل

طرح مساحات اراضى من جمعية الارض الخضراء وجمعية الفيوم الجديدة

تعلن جمعية الارض الخضراء وجمعية الفيوم الجديدة عن طرح مساحات اراضى ( تخصيص مباشر من سنه 96 ) تبدأ من 2.5 فدان مستصلحة رى نيلى من بحر وهبة تابعة لمحافظة الجيزة منطقة العياط وكامله المرافق من كهرباء ومياه شرب منطقة سكنية مميزة وتنازل داخل الجمعية وبطاقة حيازة لصرف البذور والمبيدات (عقد اخضر تسجيل مباشر بالشهر العقارى ) مع امكانية التقسيط على سنه بمقدم — 50% –بسعر 65 الف جنية 45 ك من ميدان الرماية
تنفيذ جميع مشاريع الانتاج الحيوانى والدواجنى والسمكى

صورة

tel : 0233835447
mob : 01110567551
viber : 01028934413

WWW.aradymusr.com

عنوان الشركة : اخر فيصل _ برج البنك الوطنى _ الدور الخامس _ شقة5

اسلام وسياسه

كاتب الموضوع الأصلي: خالد الشهري 3332

إسلام سياسي مصطلح سياسي وإعلامي وأكاديمي استخدم لتوصيف حركات تغيير سياسية تؤمن بالإسلام باعتباره “نظاما سياسيا للحكم”. ويمكن تعريفه كمجموعة من الأفكار والأهداف السياسية النابعة من الشريعة الإسلامية التي يستخدمها مجموعة “المسلمين الأصوليين” الذين يؤمنون بأن الإسلام “ليس عبارة عن ديانة فقط وإنما عبارة عن نظام سياسي واجتماعي وقانوني واقتصادي يصلح لبناء مؤسسات دولة”. وتعتبر دول مثل إيران والسعودية ونظام طالبان السابق في أفغانستان والسودان، والصومال أمثلة عن هذا المشروع، مع ملاحظة أنهم يرفضون مصطلح إسلام سياسي ويستخدمون عوضا عنه الحكم بالشريعة أو الحاكمية الإلهية.
يتهم خصوم الحركات الإسلامية هذه الحركات بأنها “تحاول بطريقة أو بأخرى الوصول إلى الحكم والاستفراد به، وبناء دولة دينية ثيوقراطية وتطبيق رؤيتها للشريعة الإسلامية”. وتلقى فكرة تطبيق الشريعة الإسلامية بحذافيرها في السياسة عدم قبول من التيارات الليبرالية أو الحركات العلمانية، فهي تريد بناء دول علمانية محايدة دينياً، وأن تكون مسألة اتباع الشريعة الإسلامية أو غيرها من الشرائع شأنا خاصا بكل فرد في المجتمع لا تتدخل فيه الدولة.
ورغم الانتقادات والحملات الأمنية ضدها تمكنت حركات الإسلام السياسي من التحول إلى قوة سياسية معارضة في بعض بلدان غرب آسيا وبعض دول شمال أفريقيا. كما نجحت بعض الأحزاب الإسلامية الوصول للحكم في بعض الدول العربية مؤخرا مثل مصر وتونس والمغرب وحركة حماس في فلسطين.

حرب فيتنام

كاتب الموضوع الأصلي: خالد الشهري 3332

حرب فيتنام الثانية كانت نزاع بين جمهورية فيتنام الديموقراطية (فيتنام الشمالية)، متحالفة مع جبهة التحرير الوطنية ، ضد جمهورية فيتنام (فيتنام الجنوبية) مع حلفائها (وكانت الولايات المتحدة الأمريكية إحداهم) بين 13 سبتمبر 1956 و17 يونيو 1975.
في عام 1957، بدأت قوات الفيت منه في الجنوب في التمرد على حكومة ديم. وقد عرف هؤلاء بالفيت كونغ. وفي عام 1959، أعلنت فيتنام الشمالية تأييدها لهذه الفئة وأمرتها بشن كفاح شامل ضد حكومتها. وفي عام 1960، شكل الثوار جبهة التحرير الوطنية التي أوكلت إليها مهمة قيادة الثورة. ورويدا رويدا تشعبت الحرب وازدادت ضراوة، ففي الخمسينيات كانت الولايات المتحدة قد شرعت في إرسال مستشارين مدنيين وعسكريين لفيتنام الجنوبية. وبحلول عام 1965، بدأت في إرسال قوات عسكرية وشن غارات جوية على فيتنام الشمالية. واستمر التورط الأمريكي في هذه الحرب حتى عام 1973، علما بأن الصين والاتحاد السوفييتي (سابقا) كانا يمدان فيتنام الشمالية والفيت كونغ بالأسلحة والإمدادات وكانت الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية وتايلند وأستراليا ونيوزيلندا والفلبين متحالفة مع فيتنام الجنوبية، بينما تحالف الاتحاد السوفياتي والصين مع فيتنام الشمالية .
شكلت كل من فيتنام ولاوس وكمبوديا مستعمرة الهند الصينية الفرنسية، وذلك بداية من أواخر القرن التاسع عشر إلى الأربعينيات من القرن العشرين. واحتلت اليابان الهند الصينية خلال معظم فترة الحرب العالمية الثانية انتهز الثوار الفيتناميون فرصة هزيمة اليابان فاحتلوا هانوي عاصمة البلاد مرغمين الإمبراطور الفيتنامي “باو داي” على التنحي عن الحكم. حاولت فرنسا إعادة سيطرتها على الهند الصينية بعد هزيمة اليابان في عام 1945. ولكن هو شي منه، وهو ثائر فيتنامي شيوعي، نظم ثورة في فيتنام الشمالية وأعلن استقلال فيتنام.
حاربت فرنسا ضد الفيت منه، أو الحلف الثوري لاستقلال فيتنام، التابع لهو شي منه، لثماني سنوات (1946 إلى 1954)، لكنها هزمت عام 1954 بعد معركة “ديان بيان فو”. وقعت اتفاقية سلام في جنيف بسويسرا في عام 1954، بحضور وفدي فيتنام ووفود فرنسا وبريطانيا والاتحاد السوفياتي والصين الشعبية والولايات المتحدة ولاوس وكمبوديا، قضت بتقسيم مؤقت لفيتنام إلى شطرين يفصل بينهما خط عرض 17، ولكنها نادت بانتخابات على مستوى الدولة في عام 1956 لإعادة توحيد البلاد. ورغم حضورهما في جنيف فإن الولايات المتحدة وحكومة سايغون الموالية لها لم توقعا على الاتفاق. وفور رحيل فرنسا من فيتنام بدأت الولايات المتحدة تساعد حكومة سايغون عسكريا.
شكل هوشي منه حكومة شيوعية في فيتنام (الشمالية). وفي 24 أكتوبر 1954، منح الرئيس الأميركي أيزنهاور مساعدة مالية سخية لحكومة سايغون ظلت تتزايد مع الزمن، كما بدأ المستشارون العسكريون الأميركيون يتوافدون على فيتنام الجنوبية بدء من فبراير 1955، من أجل تدريب الجنود هناك. وفي 23 أكتوبر 1955، ظهرت أول حكومة في فيتنام الجنوبية منتخبة بقيادة “نغو دينه ديم”، وكان أول قرار اتخذته حكومته هو الامتناع عن أي استفتاء من شأنه أن يؤدي إلى اتحاد الشطرين الفيتناميين ، مبررة ذلك بعدم حرية السكان في الجزء الشمالي .
ظلت أميركا تساند حكومة ديم ، في حين كانت حكومة هانوي الشيوعية في شمال فيتنام مصممة على توحيد شطري البلاد. وفي يناير 1957، أعلنت اللجنة الدولية المكلفة بمراقبة اتفاق جنيف بين طرفي النزاع الفيتنامي، أن كلا الجانبين يخرق الاتفاقيات الحدودية باستمرار .
أعلنت الولايات المتحدة وقوفها التام خلف حكومة سايغون ، بل إن كينيدي وقع معاهدة صداقة وتعاون اقتصادي بين بلاده وفيتنام الجنوبية في أبريل 1961. وفي ديسمبر من نفس السنة، أعلن كينيدي عزمه مساعدة حكومة الرئيس ديم اقتصاديا وعسكريا، فوصلت طلائع الجيش الأميركي إلى سايغون وكانت في البداية 400 جندي عهد إليها بتشغيل المروحيات العسكرية. وفي السنة التالية، بلغ عدد الجنود الأميركيين في فيتنام الجنوبية 11 ألف جندي، كما أسست قيادة أميركية في سايغون منذ يناير 1962. وفي عام 1963، أصبح هناك أكثر من 16,500 مستشار عسكري أمريكي في فيتنام الجنوبية.
قام الأميركيون وحلفاؤهم الجنوبيون بقطع جبهة التحرير الوطني عن قواعدها عبر إقامة بعض القرى للمزارعين الموالين لحكومة الرئيس ديم ولم تنته سنة 1963 حتى بلغ عدد تلك القرى سبعة آلاف تضم ثمانية ملايين شخص، غير أن هذه الدروع البشرية أو الحواجز السكانية لم تمنع ثوار جبهة التحرير من السيطرة على 50% من تراب فيتنام الجنوبية .
في أغسطس من عام 1964، أعلن رئيس الولايات المتحدة ليندون جونسون أن مدمرتين أمريكيتين قد هوجمتا في خليج تونكن ، بعيدا عن ساحل فيتنام الشمالية. ارتاب بعض الأمريكيين في أن يكون الهجوم قد حدث، ولم يؤكد الهجوم فيما بعد على الإطلاق. ولكن الرئيس جونسون أمر بهجمات جوية أمريكية ضد فيتنام الشمالية.
وخلال الـ 18 شهرا التالية للإطاحة بالرئيس ديم، عرفت سايغون عشر حكومات عسكرية متعاقبة لم تستطع أي منها ضبط النظام وخاصة العسكري. واستغل ثوار جبهة التحرير الوضع المتأزم في الجنوب، فشنوا الهجمات لإضعاف حكومات سايغون الضعيفة أصلا.
عرفت سايغون في صيف 1964 مزيدا من الانشقاقات بين العسكريين الحاكمين، وكذلك بين الطائفة البوذية المستاءة من التحكم الكاثوليكي في الحكم، هذا فضلا عن التقدم العسكري الملحوظ لجبهة التحرير الوطني. وانطلاقا من هذه العناصر وصل الاقتناع الأميركي إلى أن تدخلا عسكريا شاملا هو المخرج لهم من هذه الحالة.
ومنذ فبراير 1965، توالى القصف الأميركي لفيتنام الشمالية، وفي 6 مارس، تم أول إنزال للبحرية الأميركية في جنوب دانانغ. وظل الوجود العسكري الأميركي يزداد في فيتنام ليبلغ في نهاية 1965 ما يناهز 200 ألف جندي، ثم وصل في صيف 1968 إلى 550 ألفا، انضموا إلى نحو 800,000 من قوات فيتنام الجنوبية ومايقرب من 69,000 جندي من أستراليا ونيوزيلندا، والفلبين، وكوريا الجنوبية وتايلاند. وظلت أميركا تضغط على هانوي من أجل ترك دعم الثوار الجنوبيين، غير أن الأخيرة كانت ترفض أي تفاوض مع الولايات المتحدة مادامت مستمرة في قصفها المتواصل.
وعلى الرغم من تفوق الولايات المتحدة وحلفائها عددا وعدة على الفيت كونج وفيتنام الشمالية وامتلاكهم لأسلحة أحدث، إلا أنهم لم يحاولوا غزو فيتنام الشمالية، واكتفوا بقصف فيتنام الشمالية بالقنابل، وتدمير المنشآت الأرضية، وأدت الطائرات العمودية دروا مهما في القتال .
في أكتوبر 1966، أعلنت أميركا وحلفائها المشاركين بجنودهم في الحرب في مانيلا استعدادهم للانسحاب من فيتنام بعد ستة أشهر إذا ما خرجت فيتنام الشمالية من الحرب، وهو إعلان رفضه الشماليون بصرامة. ولم تثمر دعوة جونسون الزعيم السوفياتي كوسيغين إلى الضغط على هانوي لتنهي الحرب حين التقيا في يونيو 1967، بل ظلت نيران الحرب مشتعلة، فما كان من جونسون إلا أن أعلن عزمه زيادة الجنود الأميركيين في فيتنام ليصل عددهم عام 1968 إلى 525 ألفا، كما أصبح القصف الأميركي للمواقع الشمالية قاب قوسين أو أدنى من الحدود الصينية.
ولم تنفع سياسة العصا والجزرة مع الفيتناميين، حيث لم تردعهم هجمات الولايات المتحدة المتكررة وقصفها المتواصل كما لم تغرهم دعوات جونسون للتفاوض، فظلت الحرب مشتعلة وعدد الضحايا في ازدياد.
ظلت المعارك خلال الحرب الفيتنامية، تدور في الجبال منتهجين إستراتيجية حرب العصابات ، اتبعها الفيتناميون المتكيفون أصلا مع الأوضاع الطبيعية والمناخية الصعبة. وفي 1968، أطلق الثوار الشيوعيون ما عرف بهجوم “تيت” (عيد التيت وهي الاحتفالات الفيتنامية بالعام الجديد) على مجموعة عمليات عسكرية شديدة استهدفت أكثر من مائة هدف حضري. وقد استطاع الثوار أن يتغلغلوا في الجنوب حتى بلغوا عاصمة الجنوب سايغون فتعرض الأميركيون للهجوم.
ومع أن الثوار الفيتناميين فقدوا حوالي 85 ألف شخص فإن التأثير النفسي للمعارك كان بالغ الأثر على الولايات المتحدة .
في 31 مارس 1968، أعلن جونسون وقف القصف الأميركي لشمال فيتنام، كما أعلن في نفس الوقت تقدمه لولاية رئاسية ثانية. وفي منتصف مايو 1968، بدأت المفاوضات بين الفيتناميين والأميركان في باريس.
لم يكد نيكسون ينجح في انتخابات رئاسة الولايات المتحدة عام 1969، حتى أعلن أن 25 ألف جندي أميركي سيغادرون فيتنام في أغسطس 1969، وأن 65 ألفا آخرين سيجري عليهم نفس القرار في نهاية تلك السنة. غير أن لا الانسحاب الأميركي من فيتنام ولا موت الزعيم الشمالي هو شي منه يوم 3 سبتمبر 1969، أوقفا الحرب الضارية. فمفاوضات باريس عرفت تصلب الفيتناميين الذين طالبوا وبإلحاح بضرورة الانسحاب الأميركي التام كشرط أساسي لوقف إطلاق النار.
ومع ما تكبدته أميركا من خسائر بشرية ومادية، انقسم الناس في الولايات المتحدة بسبب تورطها في الحرب، والممارسات البشعة واللا إنسانية التي عامل بها الجيش الأميركي المواطنين الفيتناميين. ومن أشهر تلك المظاهر الوحشية: إبادة الملازم الأميركي وليام كالي للمدنيين العزل في قرية لاي عام 1968، وقد تمت محاكمته عسكريا عام 1971. طالب بعضهم باتخاذ إجراءات أكثر حسما لدحر فيتنام الشمالية. وكان البعض الآخر يرى أن الولايات المتحدة تساند الحكومات الفاسدة وغير الشعبية في فيتنام الجنوبية، ونادوا بانسحاب الولايات المتحدة.
في أبريل 1970، غزت القوات الأمريكية وقوات فيتنام الجنوبية كمبوديا لمهاجمة القواعد العسكرية الشيوعية وقد أثار هذا التوسع في الحرب احتجاجا كبيرا في الولايات المتحدة. انتهت الحملة الكمبودية في أواخر يونيو 1970، وازدادت المعارضة ضد الحرب في الولايات المتحدة سريعا إلى حد كبير، نتيجة لتغطية تلفازية قدمت مناظر عن فظائع الحرب داخل ملايين المنازل الأمريكية. كما أدى اتهام قوات الولايات المتحدة باستخدام مبيدات الحشائش لتجريد مناطق شاسعة من الأدغال الفيتنامية من أوراقها إلى احتجاج دولي واسع النطاق.
وفي 25 يناير 1972، أعلن نيكسون طبيعة المفاوضات الأميركية الفيتنامية وما قدمته الإدارة الأميركية بشكل سري للفيتناميين، كما كشف اللثام عن مخطط جديد للسلام مكون من ثماني نقاط بينها إجراء انتخابات رئاسية في الجزء الجنوبي من فيتنام أما فيتنام الشمالية فكان مخططها للسلام يقوم على ضرورة تنحي الرئيس الفيتنامي الجنوبي “تيو” عن السلطة كشرط أساسي للسلام، والامتناع عن تسليم الأسرى الأميركيين إلا بعد تنازل الولايات المتحدة عن مساندة حكومة سايغون .
أخذت الحرب منحى خطيرا حين قامت فيتنام الشمالية يوم 30 مارس 1972 بهجوم كاسح نحو الجنوب داخل منطقة “كانغ تري” متجاوزة بذلك المنطقة المنزوعة السلاح، وكان رد الفعل الأميركي مزيدا من القصف الجوي. وبينما كانت نيران الحرب تشتعل بدأت المفاوضات السرية بين الطرفين، حيث اجتمع مستشار الرئيس الأميركي لشؤون الأمن القومي يومها هنري كيسنجر بمندوب فيتنام الشمالية دوك تو.
ومع انتعاش الآمال بالوصول إلى حل نهائي وفي محاولة للضغط على الفيتناميين وكسب انتصارات ميدانية تقوي من موقفه، أمر الرئيس نيكسون يوم 17 ديسمبر 1972، بقصف هانوي وهايبونغ (الميناء الرئيس في فيتنام الشمالية)، فصبت طائرات بي 52 نيرانها على المدينتين في قصف لم تعرف الحرب الفيتنامية نظيرا له. وفقدت أميركا 15 من هذه الطائرات كما فقدت 93 ضابطا من سلاح الطيران الأميركي.
أعلن في 23 يناير 1973، عن التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ يوم 28 من نفس الشهر. ويتضمن الاتفاق:
1. توقف جميع أنواع العداء الانوسى الفوسفاسى.
2. انسحاب القوات الأميركية من جنوب فيتنام خلال الشهرين التاليين للتوقيع، وإطلاق سراح الأسرى من الطرفين خلال 15 يوما من التوقيع.
3. الاعتراف بالمنطقة المنزوعة السلاح بين الشطرين على أنها مؤقتة لا أنها حدود سياسية.
4. إنشاء لجنة دولية مكلفة بمراقبة تطبيق الاتفاق.
5. بقاء 145 ألف جندي من شمال فيتنام في الجنوب.
لم ينته مارس 1973 حتى غادر آخر جندي أميركي من فيتنام .
كانت خسائر الفيتناميين خلال الحرب :
• مليون ومئة ألف قتيل
• 3 ملايين جريح
• نحو 13مليون لاجئ.
أما الأميركيون فقدرت خسائرهم بـ :
• 57,522 قتيل
• 153,303طلاق سراحهم
جعلت الحرب لفيتنام الشمالية نفوذا في جنوب شرقي آسيا، وساعدتها في تشكيل حكومات شيوعية في لاوس وكمبوديا في عام 1975. وفي عام 1976، استطاعت أن توحد شمالي وجنوبي فيتنام في دولة فيتنامية واحدة، وأعادت فيتنام ببطء بناء اقتصادها، واستأنفت بعض العلاقات مع الغرب. كانت لحرب فيتنام آثار بعيدة المدى على الولايات المتحدة. فهي الحرب الخارجية الأولى التي فشلت الولايات المتحدة في أن تحقق فيها أهدافها. وما زال الأمريكيون إلى اليوم منقسمين بسبب القضايا الرئيسية للحرب .

حرب فيتنام

كاتب الموضوع الأصلي: خالد الشهري 3332

حرب فيتنام الثانية كانت نزاع بين جمهورية فيتنام الديموقراطية (فيتنام الشمالية)، متحالفة مع جبهة التحرير الوطنية ، ضد جمهورية فيتنام (فيتنام الجنوبية) مع حلفائها (وكانت الولايات المتحدة الأمريكية إحداهم) بين 13 سبتمبر 1956 و17 يونيو 1975.
في عام 1957، بدأت قوات الفيت منه في الجنوب في التمرد على حكومة ديم. وقد عرف هؤلاء بالفيت كونغ. وفي عام 1959، أعلنت فيتنام الشمالية تأييدها لهذه الفئة وأمرتها بشن كفاح شامل ضد حكومتها. وفي عام 1960، شكل الثوار جبهة التحرير الوطنية التي أوكلت إليها مهمة قيادة الثورة. ورويدا رويدا تشعبت الحرب وازدادت ضراوة، ففي الخمسينيات كانت الولايات المتحدة قد شرعت في إرسال مستشارين مدنيين وعسكريين لفيتنام الجنوبية. وبحلول عام 1965، بدأت في إرسال قوات عسكرية وشن غارات جوية على فيتنام الشمالية. واستمر التورط الأمريكي في هذه الحرب حتى عام 1973، علما بأن الصين والاتحاد السوفييتي (سابقا) كانا يمدان فيتنام الشمالية والفيت كونغ بالأسلحة والإمدادات وكانت الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية وتايلند وأستراليا ونيوزيلندا والفلبين متحالفة مع فيتنام الجنوبية، بينما تحالف الاتحاد السوفياتي والصين مع فيتنام الشمالية .
شكلت كل من فيتنام ولاوس وكمبوديا مستعمرة الهند الصينية الفرنسية، وذلك بداية من أواخر القرن التاسع عشر إلى الأربعينيات من القرن العشرين. واحتلت اليابان الهند الصينية خلال معظم فترة الحرب العالمية الثانية انتهز الثوار الفيتناميون فرصة هزيمة اليابان فاحتلوا هانوي عاصمة البلاد مرغمين الإمبراطور الفيتنامي “باو داي” على التنحي عن الحكم. حاولت فرنسا إعادة سيطرتها على الهند الصينية بعد هزيمة اليابان في عام 1945. ولكن هو شي منه، وهو ثائر فيتنامي شيوعي، نظم ثورة في فيتنام الشمالية وأعلن استقلال فيتنام.
حاربت فرنسا ضد الفيت منه، أو الحلف الثوري لاستقلال فيتنام، التابع لهو شي منه، لثماني سنوات (1946 إلى 1954)، لكنها هزمت عام 1954 بعد معركة “ديان بيان فو”. وقعت اتفاقية سلام في جنيف بسويسرا في عام 1954، بحضور وفدي فيتنام ووفود فرنسا وبريطانيا والاتحاد السوفياتي والصين الشعبية والولايات المتحدة ولاوس وكمبوديا، قضت بتقسيم مؤقت لفيتنام إلى شطرين يفصل بينهما خط عرض 17، ولكنها نادت بانتخابات على مستوى الدولة في عام 1956 لإعادة توحيد البلاد. ورغم حضورهما في جنيف فإن الولايات المتحدة وحكومة سايغون الموالية لها لم توقعا على الاتفاق. وفور رحيل فرنسا من فيتنام بدأت الولايات المتحدة تساعد حكومة سايغون عسكريا.
شكل هوشي منه حكومة شيوعية في فيتنام (الشمالية). وفي 24 أكتوبر 1954، منح الرئيس الأميركي أيزنهاور مساعدة مالية سخية لحكومة سايغون ظلت تتزايد مع الزمن، كما بدأ المستشارون العسكريون الأميركيون يتوافدون على فيتنام الجنوبية بدء من فبراير 1955، من أجل تدريب الجنود هناك. وفي 23 أكتوبر 1955، ظهرت أول حكومة في فيتنام الجنوبية منتخبة بقيادة “نغو دينه ديم”، وكان أول قرار اتخذته حكومته هو الامتناع عن أي استفتاء من شأنه أن يؤدي إلى اتحاد الشطرين الفيتناميين ، مبررة ذلك بعدم حرية السكان في الجزء الشمالي .
ظلت أميركا تساند حكومة ديم ، في حين كانت حكومة هانوي الشيوعية في شمال فيتنام مصممة على توحيد شطري البلاد. وفي يناير 1957، أعلنت اللجنة الدولية المكلفة بمراقبة اتفاق جنيف بين طرفي النزاع الفيتنامي، أن كلا الجانبين يخرق الاتفاقيات الحدودية باستمرار .
أعلنت الولايات المتحدة وقوفها التام خلف حكومة سايغون ، بل إن كينيدي وقع معاهدة صداقة وتعاون اقتصادي بين بلاده وفيتنام الجنوبية في أبريل 1961. وفي ديسمبر من نفس السنة، أعلن كينيدي عزمه مساعدة حكومة الرئيس ديم اقتصاديا وعسكريا، فوصلت طلائع الجيش الأميركي إلى سايغون وكانت في البداية 400 جندي عهد إليها بتشغيل المروحيات العسكرية. وفي السنة التالية، بلغ عدد الجنود الأميركيين في فيتنام الجنوبية 11 ألف جندي، كما أسست قيادة أميركية في سايغون منذ يناير 1962. وفي عام 1963، أصبح هناك أكثر من 16,500 مستشار عسكري أمريكي في فيتنام الجنوبية.
قام الأميركيون وحلفاؤهم الجنوبيون بقطع جبهة التحرير الوطني عن قواعدها عبر إقامة بعض القرى للمزارعين الموالين لحكومة الرئيس ديم ولم تنته سنة 1963 حتى بلغ عدد تلك القرى سبعة آلاف تضم ثمانية ملايين شخص، غير أن هذه الدروع البشرية أو الحواجز السكانية لم تمنع ثوار جبهة التحرير من السيطرة على 50% من تراب فيتنام الجنوبية .
في أغسطس من عام 1964، أعلن رئيس الولايات المتحدة ليندون جونسون أن مدمرتين أمريكيتين قد هوجمتا في خليج تونكن ، بعيدا عن ساحل فيتنام الشمالية. ارتاب بعض الأمريكيين في أن يكون الهجوم قد حدث، ولم يؤكد الهجوم فيما بعد على الإطلاق. ولكن الرئيس جونسون أمر بهجمات جوية أمريكية ضد فيتنام الشمالية.
وخلال الـ 18 شهرا التالية للإطاحة بالرئيس ديم، عرفت سايغون عشر حكومات عسكرية متعاقبة لم تستطع أي منها ضبط النظام وخاصة العسكري. واستغل ثوار جبهة التحرير الوضع المتأزم في الجنوب، فشنوا الهجمات لإضعاف حكومات سايغون الضعيفة أصلا.
عرفت سايغون في صيف 1964 مزيدا من الانشقاقات بين العسكريين الحاكمين، وكذلك بين الطائفة البوذية المستاءة من التحكم الكاثوليكي في الحكم، هذا فضلا عن التقدم العسكري الملحوظ لجبهة التحرير الوطني. وانطلاقا من هذه العناصر وصل الاقتناع الأميركي إلى أن تدخلا عسكريا شاملا هو المخرج لهم من هذه الحالة.
ومنذ فبراير 1965، توالى القصف الأميركي لفيتنام الشمالية، وفي 6 مارس، تم أول إنزال للبحرية الأميركية في جنوب دانانغ. وظل الوجود العسكري الأميركي يزداد في فيتنام ليبلغ في نهاية 1965 ما يناهز 200 ألف جندي، ثم وصل في صيف 1968 إلى 550 ألفا، انضموا إلى نحو 800,000 من قوات فيتنام الجنوبية ومايقرب من 69,000 جندي من أستراليا ونيوزيلندا، والفلبين، وكوريا الجنوبية وتايلاند. وظلت أميركا تضغط على هانوي من أجل ترك دعم الثوار الجنوبيين، غير أن الأخيرة كانت ترفض أي تفاوض مع الولايات المتحدة مادامت مستمرة في قصفها المتواصل.
وعلى الرغم من تفوق الولايات المتحدة وحلفائها عددا وعدة على الفيت كونج وفيتنام الشمالية وامتلاكهم لأسلحة أحدث، إلا أنهم لم يحاولوا غزو فيتنام الشمالية، واكتفوا بقصف فيتنام الشمالية بالقنابل، وتدمير المنشآت الأرضية، وأدت الطائرات العمودية دروا مهما في القتال .
في أكتوبر 1966، أعلنت أميركا وحلفائها المشاركين بجنودهم في الحرب في مانيلا استعدادهم للانسحاب من فيتنام بعد ستة أشهر إذا ما خرجت فيتنام الشمالية من الحرب، وهو إعلان رفضه الشماليون بصرامة. ولم تثمر دعوة جونسون الزعيم السوفياتي كوسيغين إلى الضغط على هانوي لتنهي الحرب حين التقيا في يونيو 1967، بل ظلت نيران الحرب مشتعلة، فما كان من جونسون إلا أن أعلن عزمه زيادة الجنود الأميركيين في فيتنام ليصل عددهم عام 1968 إلى 525 ألفا، كما أصبح القصف الأميركي للمواقع الشمالية قاب قوسين أو أدنى من الحدود الصينية.
ولم تنفع سياسة العصا والجزرة مع الفيتناميين، حيث لم تردعهم هجمات الولايات المتحدة المتكررة وقصفها المتواصل كما لم تغرهم دعوات جونسون للتفاوض، فظلت الحرب مشتعلة وعدد الضحايا في ازدياد.
ظلت المعارك خلال الحرب الفيتنامية، تدور في الجبال منتهجين إستراتيجية حرب العصابات ، اتبعها الفيتناميون المتكيفون أصلا مع الأوضاع الطبيعية والمناخية الصعبة. وفي 1968، أطلق الثوار الشيوعيون ما عرف بهجوم “تيت” (عيد التيت وهي الاحتفالات الفيتنامية بالعام الجديد) على مجموعة عمليات عسكرية شديدة استهدفت أكثر من مائة هدف حضري. وقد استطاع الثوار أن يتغلغلوا في الجنوب حتى بلغوا عاصمة الجنوب سايغون فتعرض الأميركيون للهجوم.
ومع أن الثوار الفيتناميين فقدوا حوالي 85 ألف شخص فإن التأثير النفسي للمعارك كان بالغ الأثر على الولايات المتحدة .
في 31 مارس 1968، أعلن جونسون وقف القصف الأميركي لشمال فيتنام، كما أعلن في نفس الوقت تقدمه لولاية رئاسية ثانية. وفي منتصف مايو 1968، بدأت المفاوضات بين الفيتناميين والأميركان في باريس.
لم يكد نيكسون ينجح في انتخابات رئاسة الولايات المتحدة عام 1969، حتى أعلن أن 25 ألف جندي أميركي سيغادرون فيتنام في أغسطس 1969، وأن 65 ألفا آخرين سيجري عليهم نفس القرار في نهاية تلك السنة. غير أن لا الانسحاب الأميركي من فيتنام ولا موت الزعيم الشمالي هو شي منه يوم 3 سبتمبر 1969، أوقفا الحرب الضارية. فمفاوضات باريس عرفت تصلب الفيتناميين الذين طالبوا وبإلحاح بضرورة الانسحاب الأميركي التام كشرط أساسي لوقف إطلاق النار.
ومع ما تكبدته أميركا من خسائر بشرية ومادية، انقسم الناس في الولايات المتحدة بسبب تورطها في الحرب، والممارسات البشعة واللا إنسانية التي عامل بها الجيش الأميركي المواطنين الفيتناميين. ومن أشهر تلك المظاهر الوحشية: إبادة الملازم الأميركي وليام كالي للمدنيين العزل في قرية لاي عام 1968، وقد تمت محاكمته عسكريا عام 1971. طالب بعضهم باتخاذ إجراءات أكثر حسما لدحر فيتنام الشمالية. وكان البعض الآخر يرى أن الولايات المتحدة تساند الحكومات الفاسدة وغير الشعبية في فيتنام الجنوبية، ونادوا بانسحاب الولايات المتحدة.
في أبريل 1970، غزت القوات الأمريكية وقوات فيتنام الجنوبية كمبوديا لمهاجمة القواعد العسكرية الشيوعية وقد أثار هذا التوسع في الحرب احتجاجا كبيرا في الولايات المتحدة. انتهت الحملة الكمبودية في أواخر يونيو 1970، وازدادت المعارضة ضد الحرب في الولايات المتحدة سريعا إلى حد كبير، نتيجة لتغطية تلفازية قدمت مناظر عن فظائع الحرب داخل ملايين المنازل الأمريكية. كما أدى اتهام قوات الولايات المتحدة باستخدام مبيدات الحشائش لتجريد مناطق شاسعة من الأدغال الفيتنامية من أوراقها إلى احتجاج دولي واسع النطاق.
وفي 25 يناير 1972، أعلن نيكسون طبيعة المفاوضات الأميركية الفيتنامية وما قدمته الإدارة الأميركية بشكل سري للفيتناميين، كما كشف اللثام عن مخطط جديد للسلام مكون من ثماني نقاط بينها إجراء انتخابات رئاسية في الجزء الجنوبي من فيتنام أما فيتنام الشمالية فكان مخططها للسلام يقوم على ضرورة تنحي الرئيس الفيتنامي الجنوبي “تيو” عن السلطة كشرط أساسي للسلام، والامتناع عن تسليم الأسرى الأميركيين إلا بعد تنازل الولايات المتحدة عن مساندة حكومة سايغون .
أخذت الحرب منحى خطيرا حين قامت فيتنام الشمالية يوم 30 مارس 1972 بهجوم كاسح نحو الجنوب داخل منطقة “كانغ تري” متجاوزة بذلك المنطقة المنزوعة السلاح، وكان رد الفعل الأميركي مزيدا من القصف الجوي. وبينما كانت نيران الحرب تشتعل بدأت المفاوضات السرية بين الطرفين، حيث اجتمع مستشار الرئيس الأميركي لشؤون الأمن القومي يومها هنري كيسنجر بمندوب فيتنام الشمالية دوك تو.
ومع انتعاش الآمال بالوصول إلى حل نهائي وفي محاولة للضغط على الفيتناميين وكسب انتصارات ميدانية تقوي من موقفه، أمر الرئيس نيكسون يوم 17 ديسمبر 1972، بقصف هانوي وهايبونغ (الميناء الرئيس في فيتنام الشمالية)، فصبت طائرات بي 52 نيرانها على المدينتين في قصف لم تعرف الحرب الفيتنامية نظيرا له. وفقدت أميركا 15 من هذه الطائرات كما فقدت 93 ضابطا من سلاح الطيران الأميركي.
أعلن في 23 يناير 1973، عن التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ يوم 28 من نفس الشهر. ويتضمن الاتفاق:
1. توقف جميع أنواع العداء الانوسى الفوسفاسى.
2. انسحاب القوات الأميركية من جنوب فيتنام خلال الشهرين التاليين للتوقيع، وإطلاق سراح الأسرى من الطرفين خلال 15 يوما من التوقيع.
3. الاعتراف بالمنطقة المنزوعة السلاح بين الشطرين على أنها مؤقتة لا أنها حدود سياسية.
4. إنشاء لجنة دولية مكلفة بمراقبة تطبيق الاتفاق.
5. بقاء 145 ألف جندي من شمال فيتنام في الجنوب.
لم ينته مارس 1973 حتى غادر آخر جندي أميركي من فيتنام .
كانت خسائر الفيتناميين خلال الحرب :
• مليون ومئة ألف قتيل
• 3 ملايين جريح
• نحو 13مليون لاجئ.
أما الأميركيون فقدرت خسائرهم بـ :
• 57,522 قتيل
• 153,303طلاق سراحهم
جعلت الحرب لفيتنام الشمالية نفوذا في جنوب شرقي آسيا، وساعدتها في تشكيل حكومات شيوعية في لاوس وكمبوديا في عام 1975. وفي عام 1976، استطاعت أن توحد شمالي وجنوبي فيتنام في دولة فيتنامية واحدة، وأعادت فيتنام ببطء بناء اقتصادها، واستأنفت بعض العلاقات مع الغرب. كانت لحرب فيتنام آثار بعيدة المدى على الولايات المتحدة. فهي الحرب الخارجية الأولى التي فشلت الولايات المتحدة في أن تحقق فيها أهدافها. وما زال الأمريكيون إلى اليوم منقسمين بسبب القضايا الرئيسية للحرب .

بداية الحركة البلشفية

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالعزيز العسكر 20

بدأت الحركة الثورية في روسيا في الربع الأول من القرن التاسع عشر. وسارت في محورين:

المحور الأول: انتفاضات الفلاحين

المحور الثاني: حركة الديسمبريين[1]

أمّا الانتفاضات الفلاحية فكان ينقصها الوعي السياسي. كان يُوحَى للفلاحين قروناً عديدة بالخضوع الكامل للقيصر، على أنه ممثل إلاّ له على الأرض. فهو الذي يستطيع أن يحميهم من جور الملاك ولذلك كانوا يناضلون لا ضد الحكم القيصري المطلق بل في سبيل استبدال القيصر بغيره أصلح منه. وكانت اضطرابات الفلاحين غير منظمة، وعفوية. وأمَّا الديسمبريون فقد كان لهم برنامجهم لتصفية نظام الحكم المطلق، وكانوا هم بداية الحركة الثورية في روسيا.

مرت الحركة الثورية في روسيا بثلاث مراحل

المرحلة الأولى: (من عام 1825 إلى عام 1861)

ووصفها لينين بعهد “ثورة الدفوريان” فقد خاض النضال ضد القيصر فريق من أفضل ممثلي طبقة الدفوريان، من أجل تحرير الشعب.

المرحلة الثانية: (من عام 1861 إلى عام 1895)

وصفها لينين بعهد الطبقات الاجتماعية المختلفة (رازنوتشينتسين)[2] أو المرحلة الثورية ـ الديموقراطية؛ إذ اشتركت في النضال أوساط أوسع من المثقفين. فكانوا أقرب إلى الشعب، وقدموا برنامجا أوسع للتحولات الثورية.

المرحلة الثالثة: (البروليتارية ـ من عام 1895 إلى عام 1917)

وانتهت بانتصار ثورة أكتوبر الاشتراكية الكبرى. وصف لينين تاريخ الحركة الثورية في روسيا فذكر: “إننا نرى بكل وضوح ثلاثة أجيال، عملت في الثورة الروسية. في البدء ـ الدفوريان والملاك العقاريون ـ الديسمبريون وهرتزن. كانت حلقة هؤلاء الثوريين ضيقة. كانوا بعيدين عن الشعب بشكل هائل. ولكن قضيتهم لم تضع سدى. لقد أيقظ الديسمبريون هرتزن. ونشر هرتزن الدعاية الثورية.

وقد تلقفها ووسعها الثوريون المنتمون لمختلف المراتب الاجتماعية، ابتداء من تشيرنيشيفسكي وانتهاء بأبطال “إرادة الشعب”[3]. وأصبحت حلقة المناضلين أوسع وصلتهم بالشعب أقرب. سماهم هرتزن بـ “ملاحي العاصفة المقبلة الشباب”. والعاصفة هي حركة الجماهير نفسها. سارت البروليتاريا، وهي الطبقة الثورية الوحيدة حتى النهاية، في طليعتها، ودفعت ملايين الفلاحين لأول مرة إلى النضال الثوري السافر. وكان هجوم العاصفة الأول في عام 1905.

أولاً: المرحلة الأولى

تميزت بظهور حركة الديسمبريين، وانتفاضتها ضد الحكم القيصري. والديسمبريون جماعة من أفضل ممثلي الدفوريان الشباب، وجلهم من الضباط، رأوا منذ طفولتهم مساوئ نظام العبيد. وامتلأت نفوسهم حقدا ضد كل أنواع الظلم، وأيقنوا أنه يستحيل على البلاد أن تتطور في المستقبل دون القضاء على الظلم.

كان ديسمبريو المستقبل، وهم ذوو ثقافة شاملة، على إطلاع بأعمال الكُتاب الفرنسيين في القرن الثامن عشر، وقرأوا آداب أوروبا الغربية الثورية، وأدركوا أهمية الثورة البرجوازية الفرنسية، في نهاية القرن الثامن عشر، التي وضعت حداً للنظام الإقطاعي في فرنسا، وأثرت تأثيراً كبيراً على نشر الحركة التحررية في بلدان أوروبا. وقد سمى الديسمبريون أنفسهم بأبناء عام 1812. وكتب الديسمبري بيستوجيف: “لقد غزا نابليون روسيا، وآنذاك أحس الشعب الروسي بقوته، وآنذاك استيقظ في القلوب شعور الاستقلال، السياسي أولاً، وبالتالي الاستقلال الشعبي. هذه هي بداية الفكر الحر في روسيا”.

اشترك الكثيرون من الديسمبريين في الحرب الوطنية وأظهروا بطولة حقيقية. لقد أدركوا أن بسالة الشعب الروسي أنقذت البلاد من الاستعباد، ورأوا، إضافة إلى ذلك، أن حالة الشعب بعد الحرب قد ساءت. فالفلاحون الذين حاربوا ببطولة ضد المحتلين، أعيدوا من جديد تحت سلطة الملاك. وأمعن الملاك في استغلال الفلاحين لتعويض خسائرهم في الحرب. وخيمت على روسيا فترة من الرجعية الحكومية الكالحة، سميت بالإراكتشييفية.

كان الجنرال أراكتشييف، وهو من المقريين إلى بافل الأول، قاسياً، ظالماً، ينافق القيصر، ومستعداً لتنفيذ جميع أوامره. وقد أعجبت هذه الصفات الكسندر الأول كذلك الذي تخلى بعد الحرب نهائياً عن الليبيرالية التظاهرية التي أبداها في بداية حكمه. فأصبح أراكتشييف بعد القيصر أول شخصية في روسيا والمنفذ الرئيسي للسياسة الرجعية.

وبأمر من الكسندر الأول أنشأ أراكتشييف تنظيمات عسكرية فلاحية. وتحولت قرى بكاملها إلى قرى عسكرية. وكان على الفلاحين أن يقضوا الخدمة العسكرية وأن يشتغلوا بالزراعة في آن واحد. وكان أبناء الفلاحين يبدأون التدريب العسكري منذ السابعة من العمر. وكان التدريب العسكري الشاق اللانهائي، والعمل المرهق والعقوبات القاسية وانتهاك الحرمة الشخصية والحرمان التام من الحقوق، سبباً في جعل حياة فلاحي القرى العسكرية جحيماً لا يطاق. ومن ثم قاموا مراراً بانتفاضات كانت القيصرية تقمعها بلا رحمة. واشتدت الكراهية للحكم المطلق وتأصلت روح الثورة لدى الديسمبريين ضد القيصرية ونظام الاستعباد.

منظمات الديسمبريين السرية الأولى

في عام 1816 تشكلت أول منظمة ديسمبرية سرية هي “اتحاد الإنقاذ” أو “جمعية أبناء الوطن المخلصين والأمناء”. وكان هدف “اتحاد الإنقاذ” تصفية نظام الاستعباد والمطالبة بنظام ملكي دستوري.

وفي عام 1818 أنشأ الديسمبريون منظمة جديدة بدلاً من “اتحاد الإنقاذ” وهي “اتحاد الإقبال”. كانت تضم زهاء 200 شخص. وقام أعضاء الاتحاد بنشر الدعاية للأفكار الثورية. وكانوا في خطبهم ومقالتهم الأدبية ينتقدون نظام الحكم المطلق ويفضحون استبداد الإقطاعيين وفساد الموظفين. وفي عام 1820 اتخذ “اتحاد الإقبال ” قراراً بضرورة إقامة جمهورية في روسيا.

كان الديسمبريون من الثوريين الدفوريان يعتقدون أن الانقلاب الثوري يمكن تحقيقه بمساعدة الجيش فقط من دون اشتراك الجماهير الشعبية. ولكن الحكومة ألغت “اتحاد الإقبال”.

وفي أعوام 1823 ـ 1825 وسع الديسمبريون نشاطهم. وازداد عدد المنتسبين إلى المنظمات السرية بشكل كبير.

انتفاضة 14 ديسمبر عام 1825

في نوفمبر عام 1825 مات الإمبراطور الكسندر الأول فجأة وكان قسطنطين، وهو الأخ الأكبر لالكسندر، قد تنازل قبل هذا الوقت، عن العرش لأخيه نيقولاي.

استعد الديسمبريون للانتفاضة بشجاعة وحزم. وفي عشية الحركة قصد بعض أعضاء الجمعية إلى ثكنات الجنود يدعونهم إلى رفض أداء اليمين لنيقولاي. وازدادت الحشود والمظاهرات وأمر نيقولاي باستخدام المدفعية ضد المنتفضين وقصفهم بالقنابل. وقبيل حلول الليل كانت الانتفاضة قد سحقت. تبع ذلك انتفاضة أخرى عام 1825 في أوكرانيا. ولكن الحكومة سحقتها وسقطت أعداد ضخمة قتلى.

وقد نكلت الحكومة القيصرية بالديسمبريين بوحشية. فجرى تحقيق مع (579) شخصاً، وحكم على أكثر من (100) منهم بالأشغال الشاقة والنفي إلى سيبيريا، وجرد الكثيرون من رتبهم أو أرسلوا إلى مختلف المحافظات ووضعوا تحت مراقبة الشرطة. أما الجنود الذين اشتركوا في الانتفاضة فقد جرى إمرارهم وسط الصفوف[4] وأرسلوا إلى كتائب التأديب في الجيش. وحكم على خمسة من الديسمبريين بتقطيع أجسامهم إلى أربعة أجزاء.

لقد وضع الديسمبريون بانتفاضتهم بداية الحركة الثورية في روسيا، وتأثرت بهم الأجيال اللاحقة من الثوريين.

ثانياً: المرحلة الثانية للحركة الثورية الروسية (1861 – 1895)

في نهاية العقد السادس من القرن التاسع عشر نشأ في روسيا وضع متوتر للغاية هدد بحدوث انفجار ثوري وبانتفاضة جماهيرية بين صفوف الفلاحين. فقد بلغت أزمة النظام الإقطاعي أقصى حدتها. وكشفت حرب القرم عن انهيار النظام القيصري وتخلف روسيا تكنيكياً واقتصادياً وازدادت حدة التناقضات الاجتماعية إلى أقصى حد. وقد وصف لينين هذه الفترة بأنها فترة المخاض الثوري في روسيا.

واتسعت حركة الفلاحين اتساعاً كبيراً فقد بلغت حوالي 80 إضراباً خلال أعوام 1855 ـ1860. ومع أن حركة الفلاحين كانت عفوية وغير منظمة، فقد سددت ضربات قاصمة للنظام الإقطاعي.

لم يكن الفلاحون الروس وحدهم في النضال. فلقد ساندهم معسكر الديموقراطية الثورية الذي نشأ في هذه المرحلة. وبدأت في روسيا مرحلة حركة تحرر ديموقراطية ثورية (1861 ـ 1895).

فقد هب للنضال صفوة ممثلي المثقفين الدفوريان وممثلو مختلف الطبقات الاجتماعية ـ من صغار البرجوازيين والموظفين ورجال الدين. وأصبح نشاطهم العملي موجها للدفاع عن مصالح الفلاحين.

بيان 19 فبراير عام 1861

إزاء ضغط التمرد، ولامتصاص الحماس الثوري صَّدق القيصر ألكسندر الثاني في 19 فبراير عام 1861 على مشاريع القوانين المتعلقة بتحرير الفلاحين ودعا الشعب إلى الهدوء والطاعة.

ونال الفلاحون حريتهم. فلم يعد الإقطاعيون من الآن فصاعداً يملكون شراءهم أو بيعهم أو التصرف فيهم كأنهم ممتلكات خاصة. وأصبح بإمكان الفلاحين أن يتزوجوا دون إذن من الملاك وأن يعقدوا اتفاقيات وصفقات تجارية…إلخ.

حوالي العقد الثامن من القرن التاسع عشر اشتدت الحركة الفلاحية من جديد. تفجرت اضطرابات في أوكرانيا وجورجيا وأذربيجان ومنطقة الفولجا وفي غيرها من مناطق روسيا. وطالب الفلاحون بإلغاء جميع الضرائب وبإعادة الأراضي التي سلبت منهم من قبل.

وكان تأسيس الأممية الأولى، التي ترأسها المفكران والثوريان كارل ماركس وفريدريك أنجلس، في عام 1864 أهم عامل للحركة الثورية العالمية. في العالم بأسره.

وفي عام 1870 شكل فريق من المهاجرين الروس الفرع الروسي للأممية الأولى وطلبوا من ماركس رئاسة هذا الفرع في المجلس العام، فوافق. ولم تكن الظروف قد تهيأت لتقبل الأفكار الاشتراكية العلمية داخل البلاد. إلا إن تأسيس الفرع الروسي دل على ظهور اهتمام بالماركسية والحركة العالمية بين الثوريين الروس.

كان الشعبيون الثوريون هم ممثلي الحركة الديموقراطية الثورية آنذاك وقد سُموا بالشعبيين نظراً لتعاطفهم العميق مع آلام الشعب، ولدفاعهم عن مصالحه. فقد طالب الشعبيون بتوزيع الأرضكلها للفلاحين مجاناً وبإلغاء نظام الحكم المطلق، وكافة امتيازات طبقة الدفوريان، ووقف تسلط الشرطة وفساد الموظفين. وكان الشعبيون يرون أن النظام الشيوعي سيتيح لروسيا تخطي الرأسمالية.

انتشرت حركة الشعبيين انتشاراً واسعاً. شملت المحافظات الروسية إضافة إلى بيلوروسيا وأوكرانيا وجورجيا وغيرها، من المناطق القومية في البلاد. وتحرك الشباب الثوري يناضل من أجل الحرية. كان نضالاً بطولياً، ولكنه غير متكافئ، لحفنة من الثوريين ضد القيصرية المدججة بالسلاح. وقد أثار هذا النضال إعجاب الشعوب المحبة للحرية في العالم أجمع.

فشلت المحاولات لدفع الفلاحين للقيام بالثورة. فاعتقل قرابة 800 شخص وحكم على الكثيرين منهم. إلاّ أن الحكومة الروسية لم تستطع أن تقمع الحركة الثورية.

أسس الشعبيون منظمة ثورية سرية هي “الأرض والحرية” في عام 1876. وكانت منظمة ثورية. وقد وضعت مطالب يفهمها الفلاحون مثل: عدالة توزيع الأرض على الفلاحين وتخفيف الضرائب. وقد بث أعضاء “الأرض والحرية” أفكارهم بين العمال والمثقفين كذلك. إلاّ أن دعايتهم لم تحرز نجاحاً كبيراً.

دمرت الشرطة أكثر قرى الشعبيين هذه، أما ما بقي منها فقد اقتصر نشاطها على النشاط الثقافي فقط. بينما تزايد السخط بين صفوف الثوريين، وتحركت جماعات منهم لتنفيذ عمليات إرهابية ومن جملة الأسباب التي دفعتها إلى ذلك، سياسة الحكومة القيصرية. التي نكلت بقسوة بالثوريين فزجت مئات منهم في السجون، أو حكمت عليهم بالأشغال الشاقة، أو نفتهم.

في عام 1879 حدث انقسام داخل منظمة “الأرض والحرية”. فقد تحول قسم من الشعبيين نهائياً إلى الإرهاب الفردي بعد أن رأى عدم جدوى المحاولات لاستنهاض الفلاحين للقيام بالثورة. وأسست منظمة مستقلة هي “إرادة الشعب”. ووضعت برنامجاً واسعاً للإصلاحات الديموقراطية مطالبة بعقد المجلس التأسيسي، وإجراء الانتخابات العامة وحرية التعبير والنشر الخ.

بينما ظل الباقون على مواقفهم القديمة التي تنكر النضال السياسي، فأنشأوا منظمتهم باسم “التقسيم الأسود” التي ظلت ترى أن الدعاية بين الفلاحين هي المهمة الأساسية للثوريين. إلاّ أن هذه المنظمة لم تعمر طويلاً. فقد مالت أكثرية الشعبيين إلى الإرهاب. وجعلت منظمة “إرادة الشعب” مهمتها الرئيسية قتل القيصر على أمل أن يكون ذلك إشارة لبدء الثورة.

وقام أعضاء منظمة “إرادة الشعب” بعدد من الأعمال الإرهابية ضد القيصرية. ولكنهم لم يحققوا النتائج المتوخاة فقد ردت الحكومة على كل عمل إرهابي بالإعدام والأشغال الشاقة والسجن.

الاتحادات العمالية الأولى

قاد الشعبيون النشاط الدعائي بين الحلقات العمالية الثورية. وقد ساعد نشاط الشعبيين في زيادة وعي العمال سياسياً وجذبهم إلى النضال الثوري. كان حال العمال صعبا للغاية. فيوم العمل الطويل والأجور المنخفضة وظروف السكن الرديئة واستبداد الإدارة جعلت من حياة العمال جحيماً لا يطاق. فهب العمال للنضال ضد الرأسماليين. وكان الإضراب هو الشكل الأساسي للنضال، وكانت مطالب العمال هي: زيادة الأجور، تخفيض ساعات يوم العمل إلى 11 ـ 12 ساعة. إلغاء الغرامات الجائرة، وإعادة العمال المطرودين. وقد واجهت السلطات حركة العمال بالشدة، وزجت بأفرادها إلى السجون، أو أرسلت بهم إلى المنفى.

وكان إضراب عمال مانيفا كتورة كرينغولم في عام 1872 أضخم نضالات البروليتاريا في هذه المرحلة. وكان هذا أول عمل مشترك بين البروليتاريا الروسية والأستونية.

إلاّ أن دعاية الشعبيين التي كانت تعكس مصالح الفلاحين لم تكن كافية لإرضاء العمال، فأخذوا يبحثون عن أشكال تنظيم أخرى.

وفي عام 1875 تشكلت في أوديسا أول منظمة عمالية مستقلة هي “اتحاد العمال في جنوب روسيا” تضم 200 ـ250 عضواً ومؤيداً. ووضع “الاتحاد” مهمة له هي النضال ضد النظام السياسي القائم. قُضي عليها، وألقي بـ 15 من أعضائها النشيطين في السجون.

وإلى هذه المرحلة يعود تاريخ أولى المظاهرات السياسية في روسيا. فقد لعب عمال بطرسبورج دوراً كبيراً في مظاهرة كازان عام 1876. فتجمع بضع مئات من المتظاهرين، من العمال والمثقفين، في شارع نيفسكي بالقرب من كاتدرائية كازان. ورفع العامل الشاب بوتابوف فوق الحشد علماً أحمر. وأظهرت هذه المظاهرة السياسية الأولى في روسيا قوة العمال التقدميين ووعيهم، وأصبحت صورة بارزة في الحركة الديموقراطية والعمالية.

وفي عام 1878 تشكلت من حلقات عمال بطرسبورج منظمة عمالية أخرى أكبر، هي “الاتحاد الشمالي للعمال الروس”. ووضع برنامج “الاتحاد الشمالي” مهمة له، هي “قلب نظام الدولة السياسي والاقتصادي القائم، باعتباره نظاماً غير عادل للغاية”. وقد نسب البرنامج الدور الرئيسي في الثورة المقبلة للبروليتاريا. وأعلن البرنامج تضامن كافة عمال البلاد معترفاً بأهمية النضال من أجل الحرية السياسية.

الوضع الثوري في عامي 1879 ـ 1880 انهيار حركة الشعبيين

اشتدت الاضطرابات الفلاحية بشكل ملحوظ. وأصبحت الحركة العمالية عاملاً جديداً. وضاعف أعضاء “إرادة الشعب” من نشاطهم فقاموا بعدد من الأعمال الإرهابية ونصبوا كميناً حقيقياً للقيصر الكسندر الثاني. وقام أعضاء “إرادة الشعب” بخمس محاولات فاشلة لاغتيال القيصر ومنها تفجير المطعم في القصر الشتوي.

وفي مارس عام 1881 استطاع أعضاء “إرادة الشعب” اغتيال القيصر، وبذلوا كل ما لديهم من قوة لتنظيم هذا الاغتيال. وقد أثار مقتل القيصر انطباعاً كبيراً، لا في روسيا وحدها، بل وفي الخارج كذلك، ولكنه لم يجلب للشعب أية فائدة. فأخذ مكان القيصر القديم قيصر جديد. واستطاعت القيصرية أن تحافظ على مواقعها.

ثالثاً: المرحلة الثالثة : مرحلة البروليتاريا (1895 – 1917)

بعد اغتيال القيصر على يد أعضاء “إرادة الشعب”، تعرضت الحركة الثورية للقهر والملاحقات الشرطةية والقمع الوحشي واعتلى العرش ألكسندر الثالث (1881 ـ 1894) وهو الابن الأكبر لألكسندر الثاني. وكان محدود الفكر، رجعياً إلى أقصى حد. وقد صرح في بيانه أنه سيدافع، بكل ما أوتي من قوة، عن الحكم القيصري “ضد كل التطاولات عليه”.

فرضت الحكومة حالة الطوارئ وأصبح من حق الحاكم اعتقال المشتبه فيهم وتقديمهم للمحكمة العسكرية أو نفيهم من المحافظة دون محاكمة أو تحقيق، وإغلاق المؤسسات الصناعية والتعليمية. وأصبحت الشرطة القوة المسيطرة على الأمور.

ومن ثم استمر نمو الحركة العمالية. وفجرت في روسيا خلال خمس سنوات (1890 ـ1894) 264 إضرابا اشترك فيها زهاء 200 ألف شخص.

وكان للاحتفال بيوم الأول من مايو، عيد العمال العالمي، الذي أقره المؤتمر الأول للأممية الثانية في عام 1889، أهمية كبرى. ففي عام 1891 عقد عمال بطرسبورج لأول مرة اجتماعاً سرياً بمناسبة أول مايو في غابة خلف بوابة نارفا. وقد طبعت خطب العمال في هذا الاجتماع وصدرت في جنيف. ومنذ ذلك الوقت أصبح الاحتفال بأول مايو تقليداً ثورياً للبروليتاريا في روسيا.

وفي عام 1892 شمل إضراب أول مايو، الذي جرى في مدينة لودز، (30) ألف شخص. وانتهى باصطدام مع قوات الجيش والشرطة مما أدى إلى ثورة العمال. وقد استولى العمال الثائرون على السجن والثكنات. فوجهت القيصرية 40 ألف جندي ضد عمال مدينة لودز، وقتلت الكثيرين منهم.

نشاط لينين الثوري

ولد قائد البروليتاريا العمالية فلاديمير أيليتش لينين (أوليانوف) (1870 ـ 1924). في 22 أبريل 1870 في مدينة سيمبيرسك Simbrsk (أوليانوفسك حالياً). وكان شقيق لينين الأكبر الكسندر من جماعة “إرادة الشعب”، أُعدم في عام 1887 لاشتراكه في محاولة اغتيال القيصر الكسندر الثالث. أنهى لينين دراسته الثانوية وحصل على الميدالية الذهبية، والتحق بكلية الحقوق في جامعة قازان، ولكنه طرد منها، بعد وقت قصير، لاشتراكه في المظاهرات الطلابية. إلاّ أن لينين لم ينقطع عن الدراسة. فأثناء وجوده في المنفى، بقرية كوكوشكينو التابعة لمحافظة قازان، واصل لينين دراسته وفي عام 1891 اجتاز الامتحانات بنجاح في كلية الحقوق بجامعة بطرسبورج. وفي هذا الوقت بالذات بدأ يدرس الماركسية بتعمق، وقد اشترك لينين في الحلقات الماركسية في قازان أولاً ثم في ساماراً (مدينة كويبيشيف حالياً).

وفي عام 1893 انتقل لينين إلى بطرسبورج وأخذ، عن قريب، يلعب دوراً قيادياً في الأوساط الماركسية. فأخذ يتصل بالعمال ويدير بنفسه الدروس في الحلقات العمالية. وكانت أحاديثه تتميز بالبساطة والوضوح والمقدرة على ربط النظرية الماركسية بمطالب العمال.

وكانت لكتاب لينين “من هم “أصدقاء الشعب” وكيف يحاربون الاشتراكيين ـ الديموقراطيين؟ ” (1894) أهمية بالغة. فقد بين لينين أن حركة الشعبيين قد تحولت من تيار ثوري إلى تيار ليبيرالي، وأنها تخلت عن النضال الثوري وأخذت تتفاهم مع الحكم المطلق، وأنها أصبحت أيديولوجية طبقة الكولاك في الريف. وكان لينين هو أول من قدم الفكرة القائلة بالتحالف الثوري بين الطبقة العاملة والفلاحين بقيادة البروليتاريا، بوصفه وسيلة رئيسية في النضال، ضد الحكم المطلق والرأسمالية.

تحت قيادة لينين تمت مهمة توحيد الاشتراكية مع الحركة العمالية. فمنذ عام 1894 بدأ ماركسيو بطرسبورج ينتقلون من الدعاية في الحلقات العمالية إلى التحريض السياسي، بين جماهير العمال، وأقاموا اتصالات أوثق مع الحركة العمالية. فتشكلت الحلقات في كل أحياء العاصمة تقريباً وكان لها نفوذ وسط العمال. ولدى كل حركة يقوم بها العمال أصدرت هذه الحلقات منشورات خاصة تتحدث فيها عن حاجات العمال وتصيغ مطالبهم.

وفي صيف 1895 سافر لينين إلى الخارج فأقام صلات وثيقة مع جماعة “تحرير العمل”. وفي خريف 1895 توحدت، بمبادرة من لينين، الحلقات الاشتراكية ـ الديموقراطية المتفرقة في بطرسبورج، في منظمة موحدة، هي “اتحاد النضال في سبيل تحرير الطبقة العاملة”. وكان على رأسها الفريق المركزي التنظيمي من 17 شخصاً الذي انتخب المكتب القيادي. ومن أعضاء المكتب لينين، كرجيجانوفسكي، وفانييف وغيرهم. وأصبح لينين كذلك محرر جميع مطبوعات “الاتحاد”.

وأصبح “اتحاد النضال” قوة كبيرة في الحركة العمالية. وتبنى “الاتحاد” في المنشورات، التي أصدرها حول وضع العمال، المطالب الاقتصادية والسياسية للبروليتاريا وأصبحت الحركة العمالية الجماهيرية تحت القيادة الفكرية والتنظيمية للمنظمة الاشتراكية ـ الديموقراطية. وبدأت في روسيا مرحلة جديدة للحركة التحررية ـ المرحلة البروليتارية.

وفي ديسمبر عام 1895 اعتقلت الحكومة (88) عضواً من أعضاء “الاتحاد”، ومن بينهم لينين. وكانت هذه ضربة شديدة للحركة العمالية. ولكن “الاتحاد” لم يوقف نشاطه، السياسي وإصدار المنشورات. وكتب لينين، وهو في السجن، عدداً من المنشورات إلى العمال ومشروع برنامج الحزب وفي عام 1897 نُفى لينين لمدة ثلاث سنوات إلى سيبيريا.

وفي أواسط العقد العاشر شهدت الحركة العمالية نمواً كبيراً. ففي مايو عام 1896 حدث إضراب عمال النسيج شمل (30) ألف شخص. وكان المطلب الرئيسي للعمال هو تخفيض ساعات العمل إلى عشر ساعات ونصف. وقد انضم إلى الإضراب عمال التعدين وغيرهم من عمال بطرسبورج. ولكن الحكومة أرغمت المضربين على العودة إلى العمل بعد أن اعتقلت بعضهم، ووعدت بتحقيق بعض مطالبهم.

وفي يناير عام 1897 حدث إضراب آخر في بطرسبورج اشترك فيه (20) ألف شخص. وقد نكلت الحكومة بلا رحمة بالمضربين واعتقلت أكثر من ألف شخص.

ولكن الحركة العمالية عمَّت محافظات كثيرة في الإمبراطورية الروسية. وكان عمال النسيج أكثر العمال نشاطاً. وتبعهم فئات العمال الأخرى. وبلغ مجموع الإضرابات، التي حدثت من عام 1899 (735) إضراباً، اشترك فيها أكثر من 220 ألف شخص. وكانت المطالب الرئيسية هي تخفيض ساعات العمل وزيادة الأجور. وفي عام 1897 اضطرت الحكومة إلى إصدار قانون تخفيض ساعات العمل إلى 11 ساعة ونصف في النوبات النهارية، وإلى 10 ساعات في النوبات الليلية. وكان هذا انتصاراً كبيراً أحرزته الطبقة العاملة في روسيا.

وكانت الإضرابات التي وقعت تحت قيادة الاشتراكيين ـ الديمقراطيين، كما قال لينين، “بداية مرحلة إعداد الثورة الشعبية”. وتشكيل ودعم الحلقات الاشتراكية ـ الديموقراطية التي اتخذت اسم “اتحادات النضال”. ونظم الاشتراكيون ـ الديمقراطيون في بطرسبورج اجتماعات مع رفاقهم المحليين وزودوهم بالنصائح والمطبوعات.

تأسيس الحزب الثوري الماركسي

منذ نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين أخذ مركز الحركة العمالية العالمية ينتقل من بلدان أوروبا الغربية إلى روسيا. فقد أصيبت الحركة العمالية في بلدان أوروبا الغربية بالضعف. بعد موت ماركس وإنجلس. وأصبحت البروليتاريا في روسيا طليعة الحركة العمالية العالمية. وتحالف الفلاحون مع البروليتاريا في النضال ضد القيصر والرأسمالية.

قدمت الطبقة العاملة الروسية أكثر النظريات الثورية تقدمية، وهي اللينينية التي ترمز إلى مرحلة جديدة في تطور النظرية الماركسية وبناء الاشتراكية. وأسست الطبقة العاملة الروسية أكثر الأحزاب البروليتارية ثورية، وهو حزب البلاشفة الذي قاد نضال الطبقة العاملة في الثورة الاشتراكية.

وأسهم نشاط اللجان الاشتراكية ـ الديموقراطية وبنوع خاص الجريدة اللينينية “الأيسكرا” (“الشرارة”)، التي صدرت في عام 1900، في نمو وعي العمال السياسي وتنظيم صفوفهم.

وكان الطابع المميز للحركة العمالية في ذلك الوقت هو امتزاج المطالب الاقتصادية بالمطالب السياسية بالحريات السياسية وتصفية الحكم المطلق.

وقعت في أول مايو 1900، و1901 مظاهرات وإضرابات ضخمة في عدد من مدن البلاد. وكانت مظاهرة أول مايو 1902 في مدينة سورموفو (بالقرب من نيجني نوفغورود) والإضرابات في باكو وروستوف على نهر الدون، من أكبر إضرابات العمال.

كذلك بدأ الإضراب في مدينة روستوف في نوفمبر 1902. وطالب العمال بمعاملة إنسانية وتخفيض ساعات العمل إلى 9 ساعات وزيادة الأجور 20 بالمائة وإنشاء مدارس للأطفال. إلا أن الإضراب ما لبث أن تحول إلى حركة سياسية ضخمة، واشتركت في الإضراب كافة مؤسسات المدينة وبلغ مجموع المضربين ثلاثين ألف شخص.

وكتب مراسل جريدة “الأيسكرا” عن أحد هذه الاجتماعات التي نظمها عمال روستوف على نهر الدون فقال إن المجتمعين يحاصرهم القوزاق والشرطة. وأمر قائد الشرطة العمال بالتفرق. ولكن العمال رفضوا فصدر أمر إلى القوزاق بضرب العمال بالسياط. ولكن ألوف العمال جلسوا أرضاً بناء على إشارة من الخطيب. فتوقفت الخيول. وتوجه أحد المجتمعين إلى القوزاق دعاهم فيه إلى عدم التصدي للشعب. فانسحبت قوات الشرطة.

ثم نشبت بين العمال والقوزاق معارك انتهت بإطلاق النار على العمال العزل من السلاح مما آثار سخط الشعب بأسره.

في عام 1903، تزايدت الإضرابات، وضمت ضعف العمال الذين شاركوا في إضراب 1902، أمّا الإضراب العام لعمال جنوب روسيا، الذي جرى في شهر يوليو عام 1903، فقد كان ضخماً بنوع خاص.

الحركة الفلاحية

أسهمت النضالات العمالية الثورية في نمو الحركة الفلاحية. التي كانت لا تزال عفوية وغير منظمة. إذ كان الفلاحون يحرقون ممتلكات الدفوريان ويقطعون الأشجار ويتلفون مزارع الإقطاعيين وتحولت إضرابات الفلاحين في أوكرانيا في عام 1902 إلى ثورة علنية اشترك فيها زهاء 150 ألف شخص. ولم تتمكن الحكومة من قمع الثورة إلا بعد تدخل الجيش الذي جلد أفرادها وضرب الفلاحين واعتقل أكثر من ألف فلاح وألقى بهم في السجون.

تأسيس الحزب الثوري الماركسي في روسيا

أظهر تنامي الحركة العمالية والفلاحية أن الثورة أخذت تنضج في البلاد. وبرزت في هذه الظروف بقوة مهمة تأسيس حزب ثوري ماركسي، يستطيع أن يقود الطبقة العاملة إلى إسقاط نظام الحكم المطلق.

وفي نهاية العقد العاشر بدأ لينين وضع خطة لتأسيس حزب ماركسي يقود الحركة العمالية. خصص في المرحلة الأولى الدور الحاسم في توحيد القوى الحزبية وتجميعها في حزب بروليتاري له صحيفة سياسية ثورية تنتشر في روسيا كلها. تكون مركزا تنظيميا لجمع قوى الثوريين. وأصبحت “الأيسكرا” اللينينية تلك الجريدة. بدأت تصدر، تحت قيادة لينين، في ديسمبر 1900 في الخارج إلى أن عاد لينين من المنفى. وأصبح شعار جريدة “الأيسكرا”: “ومن الشرارة سيندلع اللهيب” هذه الكلمات التي ترمز إلى تطور الثورة الروسية.

وكانت “الأيسكرا” تطبع على ورق رقيق، وتنقل إلى أنحاء روسيا سراً وتوزع بين التجمعات الثورية العمالية. ومن أجل تلبية الطلب المتزايد على الجريدة تأسست في روسيا مطابع محلية، كانت تعيد طباعة “الأيسكرا” لتوزيعها على قطاعات جماهيرية سراً، في ظروف صعبة للغاية، وتحت خطر الاعتقالات. وقد أسهمت “الأيسكرا” بدور فكري وتنظيمي ضخم في الإعداد لتأسيس حزب ماركسي في روسيا. ونشر أفكار الأممية البروليتارية وتربية العمال على النضال الطبقي بلا هوادة ضد الأيديولوجية البرجوازية والتيارات الانتهازية. ودعت الجريدة العمال إلى الكفاح ضد القيصرية وإلى جذب جماهير الفلاحين إلى جانبهم كحليف للبروليتاريا.

وكان لنشر مشروع برنامج الحزب أهمية كبرى في جمع الصفوف الثورية. ففي هذه الوثيقة صيغت مهام الحزب المباشرة والنهائية وتحددت طرق وأساليب البروليتاريا. وتكون حول “الأيسكرا” قطاع نشط من الثوريين الذين أصبحوا ممثليها في المنظمات الاشتراكية ـ الديموقراطية المحلية وقادة النضالات الثورية للبروليتاريا الروسية. وقد لعب دوراً بارزاً في نشر الأفكار اللينينية، وفي تأسيس حزب بلشفي، ثوريون أمثال بابوشكين، باومن، كالينين، زرجينسكي، سفيردلوف، شاوميان، كرجيجانوفسكي، فوروفسكي وكثيرون غيرهم. وأصبحت “الأيسكرا”، كما توقع لينين، “داعياً جماعياً ومنظماً جماعياً”.

اعترفت أكثر اللجان المحلية في روسيا بـ “الأيسكرا” واعتمدت في نشاطها على إرشاداتها. ساهم انتصار الاتجاه الأيسكري اللينيني في عقد المؤتمر الثاني لحزب العمال الاشتراكي ـ الديموقراطي الروسي الذي لعب دوراً تاريخياً في مصائر روسيا والحركة الثورية العالمية.

انعقد هذا المؤتمر في يوليه 1903 (في مدينة بروكسل ثم في لندن). وحضره 43 مندوبا يمثلون 26 منظمة. وكان أكثر المندوبين من أنصار اتجاه “الأيسكرا” اللينيني. وصادق المؤتمر على برنامج الحزب، الذي صيغت فيه الأهداف النهائية للبروليتاريا (برنامج الحد الأقصى)، وكذلك المهمات المباشرة (برنامج الحد الأدنى). وجاء في البرنامج أن الهدف النهائى لنضال البروليتاريا هو بناء الاشتراكية، عن طريق تحقيق الثورة الاشتراكية، وإقامة دكتاتورية البروليتاريا.

وحدد برنامج الحد الأدنى مهمات البروليتاريا، في مرحلة الثورة الديموقراطية البرجوازية : قلب نظام الحكم المطلق، وإقامة الجمهورية الديموقراطية، وإزالة جميع آثار نظام الاستعباد في الريف، وتحديد ساعات العمل بثمان ساعات، وتحقيق المساواة التامة في الحقوق. أما فيما يتعلق بمسألة القوميات، فقد تبنى المؤتمر الثاني البرنامج اللينيني وينص على حق الأمم في تقرير مصيرها بنفسها حتى الانفصال التام. وقد عكس هذا البرنامج مصالح كافة الشعوب التي كانت تدخل في قوام روسيا، وأسهم في تعزيز الصداقة بين الشعوب في النضال المشترك ضد القيصرية.

ولدى انتخاب اللجنة المركزية حصل أنصار لينين على أغلبية الأصوات. ومنذ ذلك الحين، سمى ذلك القسم من حزب العمال الاشتراكي ـ الديمقراطي الروسي، الذي تبع لينين وأيده، بالبلاشفة (أي الأغلبية)، أما الذين حصلوا على الأقلية لدى انتخاب قيادة الحزب فقد سموا بالمناشفة (أي الأقلية). وقد كتب لينين يقول: “أن البلشفية موجودة كتيار للفكر السياسي وكحزب سياسي منذ عام 1903”.

وتحت قيادة هذا الحزب، أحرزت الطبقة العاملة النصر في الثورة الاشتراكية، وتبني الشيوعية في الاتحاد السوفيتي.

البرجوازية والقيصرية عشية ثورة 1905 ـ 1907

في نهاية القرن التاسع عشر أصبحت البرجوازية في روسيا تشكل قوة اقتصادية كبيرة، إذ ركزت في يدها ثروات عظيمة. ولم تكن هناك في روسيا هيئة تمثيلية ـ أي البرلمان ـ تستطيع البرجوازية فيها أن تعبر عن حاجاتها وتدافع عن مصالحها. إذ أن القيصرية كانت تتحكم بصورة مستبدة في مصائر الدولة الشاسعة. وهي وإن كانت تدافع عن مصالح البرجوازية، إلا أن البرجوازية الليبيرالية كانت تعتقد أنها تستطيع أن تقوم بهذا العمل بشكل أفضل، لو أنها اشتركت بنفسها في إدارة البلاد. لقد كان الطموح إلى السلطة السياسية أحد أسباب انتعاش الحركة الليبيرالية.

أما السبب الآخر فهو نمو الحركة العمالية وحركة الفلاحين، مما أنذر بثورة شعبية. وكانت البرجوازية تأمل عن طريق زيادة نشاطها السياسي أن تخضع لها الحركة الثورية وأن تحول، بهذا الشكل، دون وقوع الثورة. وكانت مستعدة للتفاهم مع الحكم المطلق، على أن يتنازل لهم عن شئ من سلطته، وقد ظنوا أنهم بهذه الطريقة يستطيعون، من جهة، تقوية نفوذهم في الدولة، وأن يصرفوا، من جهة أخرى، الطبقة العاملة والفلاحين عن إشعال الثورة.

في بداية القرن العشرين أخذت تتشكل في روسيا أحزاب برجوازية. ففي عام 1902 تشكل من بقايا جماعات الشعبيين حزب الاشتراكيين الثوريين. الذين حاولوا بعث نظرية الشعبيين حول الشيوعية وانتهجوا طريقة الإرهاب. وقد أتخذ هذا الحزب مسمى الاشتراكية. ولكنه كان في الواقع حزب البرجوازية الصغيرة. ولهذا خاض البلاشفة صراعاً عنيداً ضد الاشتراكيين الثوريين وبينوا بطلان نظريتهم وتكتيكهم.

وفي عام 1904 نشأت منظمة البرجوازية الليبيرالية الروسية، “اتحاد التحرر”، الذي تحول فيما بعد إلى حزب “الكاديت”، (وكلمة الكاديت تضم الأحرف الأولى للحزب الديمقراطي الدستوري)، الذي كان يهدف إلى الحصول على تنازلات من الحكم المطلق، وإلى إخضاع الحركة العمالية لنفوذه.

إلا أن هذه المحاولات لم تتكلل بالنجاح. فقد ناضلت الطبقة العاملة التي كان يوجهها الحزب البلشفي ضد نظام الحكم المطلق والرأسمالية.

سياسة الحكم المطلق الداخلية: (أزمة الفئات العليا)

انتهجت حكومة نيقولاي الثاني سياسة رجعية تستجيب لمصالح الإقطاعيين والبرجوازيين. فكانت تقمع بلا شفقة الحركة العمالية والفلاحية، ولا تتردد في اللجوء إلى السلاح لفض مظاهرات العمال السلمية، وكانت تؤجج النزاعات القومية وتشجع اضطهاد اليهود. وألقت المحكمة القيصرية بالألوف من الساخطين في السجون وحكمت عليهم بالأشغال الشاقة والنفي. إلاّ أن القيصرية لم تعد تستطيع في ظل تعاظم الحركة الثورية في البلاد أن تحكم بهذا الأسلوب القمعي. فاضطرت إلى أن تناور وتغدق الوعود لتخدع الشعب وتهدئ الرأي العام.

وبمبادرة من رئيس شعبة الأمن[5] في موسكو، أنشأت الحكومة “اتحادات عمالية” مزيفة على أمل تقويض الحركة العمالية من الداخل ووضعها تحت إشرافها. إلا أن هذه المنظمات لم تلق أي نجاح. فقد قاومها العمال ولم يستجيبوا لها. واضطرت الحكومة، تحت ضغط الحركة العمالية، إلى أن تعطي وعوداً مبهمة بإصلاحات. إلا أنها لم تتخذ أي إجراء عملي من أجل تحسين معيشة الشعب.

وكان تدهور وضع الشعب واتساع نطاق الحركة العمالية والفلاحية، وازدياد معارضة البرجوازية الروسية والإقطاعيين الليبيراليين يشير إلى أن الوضع الثوري قد تكون في روسيا. وحاول الحكم المطلق وقف الثورة الزاحفة عن طريق انتهاج سياسة القمع. وظن القيصر ومقربوه أن الحرب ستساعدهم على خنق الحركة الثورية. وقال وزير الداخلية أنه “لابد من حرب ظافرة سريعة لمنع وقوع الثورة”. إلا أن هذه الحسابات باءت بالفشل: فلم تؤد الحرب إلا إلى نشوب الثورة.

عملية صناعة الورق

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالعزيز العسكر 20

عرف الإنسان التدوين والتسجيل منذ قديم الأزل، واستخدَّم الحجارة، والأشجار، والمعادن، لهذا الغرض، فازدانت جدران المعابد بأخبار الانتصارات العسكرية وأهم الأحداث، وسُكَّت على العملات أسماء الحكام.

ثم كان أن استحدث الإنسان مادة جديدة للتدوين، هي الورق، دخل بها عصراً جديداً. وقد تباينت المواد المستخدمة في إنتاج الورق باختلاف الأمم والعصور؛ فبدأ الفراعنة باستخدام نبات البردي (apyrus) ومنه اشتق لفظ الورق باللغة الإنجليزية (Paper)

ثم قام الصينيون بصناعته من عجينة مُشكلَّة من ألياف القنب، ولحاء شجر التوت، والخرق البالية، حيث كانت تخمر، ثم تفرد لتجف، وتستخدم للكتابة عليها.

وبعد الميلاد ظهرت أنواع مختلفة من الورق، فاستخدم الأنجلوساكسون[1] لحاء شجر الزان. أما الرومان والإغريق، فقد استخدموا أنواعاً رقيقة من جلود الماعز وصغار الأبقار في كتابة الصكوك.

وعند وصول الفتح الإسلامي لأواسط آسيا، اتصل المسلمون بالحضارة الصينية، وأخذوا عنها صناعة الورق. فأنشأ المسلمون مصنعاً للورق في سمرقند عام 751.

ومنذ ذلك الحين انتشرت صناعة الورق في ربوع الخلافة الإسلامية، شأنها في ذلك شأن أي صناعة حضارية عرفها المسلمون وطوروها، فأنشأ هارون الرشيد[2] مصنعاً للورق في بغداد[3] مستعيناً بالمهرة من عمال تلك الصناعة القادمين من سمرقند. ثم ما لبثت صناعة الورق أن انتشرت وازدهرت فأنشأ المسلمون مصانع للورق في مصر والمغرب العربي.

ولم تعرف أوروبا صناعة الورق إلا على أيدي المسلمين، حيث قاموا بتشييد مصنع للورق بمدينة فالينسيا بالأندلس عام 1100، ثم في مدينة فبريانو بصقلية عام 1276.

ومنهما انتقلت تلك الصناعة إلي باقي أوروبا، فظهرت صناعة الورق في تورين بإيطاليا عام 1348، وعرفتها ألمانيا عام 1391، ثم المملكة المتحدة في القرن الخامس عشر.

وفى نهاية القرن الثامن عشر لاحظ عالم الطبيعة الفرنسي رينيه أنطوان دي ريمور (René Antoine de Réamure) أن بعض أنواع الدبابير تبني أعشاشها من مادة شبيهة بالورق المقوى، وبتتبع هذه الدبابير، وجد أنها تقوم بالتهام لب الأخشاب، ومضغه، ثم بناء أعشاشها منه، فقام- منذ ذلك الحين- باستبدال لب الأخشاب بالألياف والخرق؛ حيث كان يتم استخلاص لب الأخشاب من أشجار الغابات، ثم يخلط بالماء حتى يصبح عجيناً، ثم يفرد ويجفف فيصير ورقاً (اُنظر شكل مراحل تصنيع الورق).

ولكي يتم استخلاص اللب من الأشجار لابد من إذابة المادة اللاحمة لألياف الخشب، والمعروفة باسم (اللجنين)، وكانت عملية الإذابة في بادئ الأمر تتم باستخدام حجارة مستديرة ضخمة تشبه الرحى، تُدفع خلالها جذوع الأشجار، ونتيجة للاحتكاك الشديد تنتج حرارة كافية لإذابة اللجنين.

أما الآن فقد أصبحت الحرارة تنتج من عملية تسخين أولي لجذوع الأخشاب، ثم تدفع قطع الخشب بين أقراص دوارة ذات سرعات عالية، فينتج عن ذلك تفتيت الخشب إلى ألياف.

وفي خمسينيات القرن التاسع عشر استطاع الكيميائي الأمريكي بنيامين تلجمان (Benjamin C. Tilghman) أن يستخلص اللب بمعالجة مسحوق الخشب بمحلول حمض الكبريتوز تحت البخار الساخن. وفى عام 1883، قام المخترع الألماني كارل دول (Carl Dohl) بإضافة كبريتات الصوديوم إلى الصودا الكاوية في عملية استخلاص لب الأخشاب، الأمر الذي أنتج نوعاً ملائماً لصناعة الورق المقوى الذي اُستخدم في تصنيع صناديق الكرتون والعبوات الورقية المختلفة.

وفي بعض مصانع الورق يتم الجمع بين الطريقتين السابقتين؛ إذ تضاف مواد كيميائية، ثم يدفع الخليط الناتج إلى الأقراص الدوارة لفصل الألياف.

ومع التطور المستمر في صناعة الورق، أصبحت عملية الاستخلاص تتم باستخدام وسائل أكثر تعقيداً، ويتم التحكم فيها باستخدام الحاسوب.

وبعد إتمام عملية الاستخلاص، يُدْخل اللب في عملية التكرير، بواسطة إمراره خلال شرائح دوارة داخل مصفاة التكرير؛ فينتج عن ذلك تحلل جدر خلايا ألياف الخشب، الأمر الذي يؤدي إلى تكوين ألياف أكثر مرونة. وبتكرار هذه العملية عدة مرات يتم الحصول على ورق ذي جودة أعلى. وبعد ذلك يتم غسل اللب، وترشيحه، وتجفيفه، ثم إضافة بعض المواد المبيضة.

وتقسم الأخشاب المستخدمة في صناعة الورق إلى نوعين:

الأول: أخشاب لينة

مثل أخشاب شجر الصنوبر، والأناناس، والتنوب. وتتميز هذه الأخشاب بأليافها الطويلة؛ ولذا تُستخدم في صناعة معظم أنواع الورق.

الثاني: أخشاب صلبة

مثل أخشاب شجر الصمغ، والحور، والقيقب، والبلوط. وتتميز هذه الأخشاب بأليافها القصيرة. ويستخدم لب هذه الأخشاب في صناعة أوراق الطباعة، والكتابة، والأنواع الفاخرة من الورق.

ونظراً إلى فقر الكثير من دول العالم من الغابات، يلجأ عدد منها إلى إضافة قش الأرز والقمح إلى لب الأخشاب في تصنيع الورق.

وبعد مرحلة التكرير تأتي مرحلة تشكيل العجينة على هيئة أفرخ. وقديماً كان ذلك يتم بطريقة يدوية، حتى جاء الفرنسي نيكولاس روبرت (Nicholas Robert)، في عام 1798 واستحدث البكرات لفرد عجينة اللب.

وفى عام 1803، قام الأخوان الإنجليزيان هنري وسيلي فوردينيه (Fourdinier Brothers) بتصنيع آلة عرفت باسم “آلة فوردينيه”. حيث ظلت هي الآلة الأساسية في تصنيع الورق حتى يومنا هذا. ويبلغ عرض هذه الآلة عشرة أمتار، وطولها أكثر من مائة متراً، وتستطيع إنتاج فرخ متصل من الورق بعرض عشرة أمتار، وبسرعة تصل لأكثر من تسعمائة متر من الورق في الدقيقة الواحدة.

وتُكَوَّن الأفرخ عن طريق نشر عجينة اللب فوق سير دائم الحركة والاهتزاز، حيث تؤدي إلى تساقط الماء وانحساره عن العجينة بمساعدة آلات ماصة. تتبقى بعد ذلك حصيرة من الألياف شبه الجافة التي تعصر خلال أقراص دوارة، ثم تمرر على أسطوانة تجفيف مسخنة بالبخار فيزال معظم محتواها المائي. ثم تنعَّم أسطح الأفرخ المجففة بواسطة ضغطها بين أسطوانات آلة خاصة يطلق عليها “آلة التصقيل”، ثم تُطوى الأفرخ، وتلف – بعد ذلك – على بكرات.

ومن الملاحظ أن الروابط الكيميائية التي تسبب قوة الورقة، وتماسكها تنشأ أساساً خلال مرحلة التجفيف، الأمر الذي يتطلب إجراء هذه المرحلة بكفاءة عالية.

تختلف أنواع الورق تبعاً للطريقة المستخدمة في تصنيعه، وتبعاً للمعالجات الكيميائية التي تُجرى عليه خلال التصنيع. وعادة ما تختلف تلك الطريقة وهذه المعالجات باختلاف الغرض المراد استخدام الورق فيه. فعلى سبيل المثال، يصنع ورق الطباعة من الألياف المستخلصة بالطريقة الكيميائية، ويعالج لمنع تشرب الحبر أثناء الطباعة.

أما أوراق التغليف، فيتم تلميعها وصقلها لتبدو لامعة براقة، كما أنها تعالج معالجة خاصة لتلافي تشربها بالسوائل. أما أوراق الدعاية والإعلان، فتغطى بطبقة خليط من الصلصال النقي والمواد اللاصقة.

وتكون أوراق الكتابة العادية قليلة التكلفة، إذ تصنع من الألياف المستخلصة ميكانيكياً. أما المناديل الورقية وأوراق النشاف والصناديق الورقية، فتصنع من الألياف المعاد تصنيعها (Recycled Fibers).

ومن أكثر أنواع الورق رواجاً:

· ورق الجرائد: وهو ورق خفيف قليل المتانة قصير العمر شديد التشرب للسوائل.

· ورق المجلات: وهو يشبه ورق الجرائد، إلا أنه يتميز عنه بلمعانه الواضح.

ويصنع كلا النوعين من اللب المستخلص بالطريقة الكيميائية.

· ورق الطباعة: يصنع من اللب المستخلص بالطريقة الكيميائية كذلك، إلا أنه يضاف إلى عجينته أنواعٌ من الخِرَق، ثم يعاد معالجة العجينة كيميائياًّ. ويتميز هذا النوع بمقاومته الشديدة للرطوبة وقلة امتصاصه للسوائل.

· ورق الكرتون: ويوجد منه نوعان:

– النوع المضلع: ويتكون من عدة طبقات، ويُستخدم لإنتاج صناديق التعبئة.

– النوع الرمادي: ويصنع بتجفيف عجينة اللب المستخدمة فيه بأفران خاصة، بدلاً من أسطوانات التجفيف، ويُستخدم في تجليد المطبوعات المختلفة.

· الورق المقوى: ويعالج اللب المستخدم في تصنيعه بمواد كيميائية مختلفة، ويُطْلَى بطبقات من الشمع، حيث يستخدم في تغليف المواد الغذائية.

وأولى دول العالم في إنتاج الورق هي الولايات المتحدة الأمريكية وكندا إذ يصل إنتاجهما مجتمعَيْن إلى 40% من الإنتاج العالمي. وعلى الرغم من غزارة إنتاجهما من الورق، إلاّ أن استهلاكهما المتزايد يصل إلى حد استهلاك معظم الإنتاج، واستيراد الورق من مناطق أخرى من العالم.