أ.د. أحمد محمد وهبان

لجوء المزيد .. (عن اللآجئين السوريين)

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالله سليمان ٣٣٦

لقد تخطى عدد اللاجئين الفارين من النزاع في سورية حاجز المليونيّ شخص – فهل ننتظر لجوء المزيد؟


لا يصعب على المرء أن يستشعر عِظم حجم النزاع في سورية ووحشيته، وما يواكبه من نزوح جماعي كبير ومعاناة عميقة لأعداد لا تكاد تُحصى من البشر.

ولقد وصف المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، أنطونيو غوتيريس، النزاع السوري بأنه “مأساة هذا القرن – وكارثة إنسانية معيبة مع ما يواكبها من معاناة وعمليات تهجير لا يوازيها شيء من هذا القبيل في التاريخ الحديث”.

ولقد تدهور الوضع بشكل سريع خلال الأسابيع الأخيرة عقب ظهور مقاطع مصورة تُظهر عشرات المدنيين الذين قُتلوا على ما يظهر جراء استخدام الأسلحة الكيميائية في البلدات الواقعة على مقربة من العاصمة دمشق. وخلال الأربع وعشرين ساعة الماضية، أعلنت الأمم المتحدة أن عدد اللاجئين الفارين من سورية قد وصل رسمياً إلى مليوني شخص، مما يشكل علامة مأساوية فارقة في مراحل تطور هذا النزاع. وثمة ما لا يقل عن مليون طفل بين أولئك اللاجئين تقل أعمار العديد منهم عن 11 عاماً. وكحال الإحصائيات والأرقام على الدوام، فلا يكشف هذا الرقم سوى عن جزء من التفاصيل الإنسانية الماثلة وراء قصة كل شخص قاسى مرارة الخسارة الاستثنائية على الصعيد الشخصي ولوعة فقدان الأحبة.

ونتلقى بشكل يومي تقريبا في مقر منظمة العفو الدولية بلندن اتصالات هاتفية ورسائل عبر البريد الإلكتروني من أولئك الأشخاص والعائلات الذين لجأ العديد منهم الآن إلى لبنان والأردن وتركيا والعراق ومصر وحتى في أماكن أبعد من دول الجوار السوري. ويرغب الناس في التواصل مع غيرهم – طلباً للمساعدة والنصح والمساعدة المادية ورغبة في حماية حقوقهم. فهم يودون أن يصبحوا قادرين على استئناف حياتهم من جديد – حيث أضحى عدد متزايد منهم يعتقد أنه ما بوسعهم تحقيق أي مما سلف سوى في بلد آمن آخر.

ويُعزى ذلك إلى أن واقع حياة اللاجئين في دول الجوار جدُّ صعب، وحتى بعد كل ما مروا به من ألم ومعاناة داخل سورية.

ولقد عدت أنا وزملائي مؤخراً من مخيم الزعتري للاجئين في الأردن، وهو المخيم الذي أصبح ثاني أكبر مخيم للاجئين في العالم بعد مخيم داداب المترامي الأطراف في كينيا. بل إن مخيم الزعتري قد أصبح بشكل غير رسمي رابع أكبر مدن الأردن، إن جاز التعبير. إذ يؤوي المخيم حالياً 130 ألف لاجئا من سورية يرافقهم عدد كبير من الأطفال والمستضعفين الناجين من التعذيب بعد تعرضهم لإصابات أو أمراض خطيرة، بالإضافة إلى كبار السن أو ذوي الإعاقة.

ولقد وجهت الأمم المتحدة وغيرها من المنظمات العاملة على الأرض هناك نداءات عديدة إلى المجتمع الدولي بغية توفير التمويل – إذ وعلى الرغم من تقديم بعض التبرعات السخية، فما انفكت الخدمات الضرورية من قبيل المساعدات الغذائية والتعليم وأنظمة توريد المياه وتوفير المأوى تعاني من قصور خطير في التمويل. ولا يقتصر هذا الأمر على مخيم الزعتري أو الأردن بالطبع، إذ تعاني مناطق أخرى أيضا من نقص التمويل اللازم لحماية اللاجئين ومساعدتهم.

فالأمر نفسه ينسحب على مختلف أرجاء المنطقة التي يعاني اللاجئون فيها، خاصة أولئك المقيمون منهم وسط تجمعات محلية، في سبيل الحصول على الخدمات والاستفادة منها في ظل ما ترزح تحته موارد الدول المستضيفة من ضغوط. إذ تواجه تلك الدول كافة تحديات اقتصادية وسياسية خطيرة جراء تدفق اللاجئين إليها – حيث اتخذ ذلك شكل تزايد الضغط على الخدمات المحلية، وهو ما فاقم في الوقت نفسه من حدة التوتر بين اللاجئين وأفراد التجمعات المحلية التي يقيمون فيها أو بالقرب منها.

وعليه فلقد تساءل العديد من الناس في الأيام والأشهر الأخيرة قائلين: ما الذي يمكن القيام به ؟

فمع غياب حل سياسي يلوح في الأفق، فإن أقل ما يمكن القيام به هو السماح للفارين من النزاع طلبا للنجاة بأرواحهم أن يعيشوا بكرامة وسلامة. وتقدر الأمم المتحدة أن هناك حاجة حاليا للحصول على حوالي 3 مليارت دولار أمريكي من أجل تلبية الاحتياجات الفورية للاجئين الموزعين على دول المنطقة؛ وقامت في يونيو/ حزيران بإطلاق أكبر نداء إنساني في التاريخ من أجل تقديم التمويل والمساعدات. وحتى تاريخه، كانت الولايات المتحدة والكويت والمفوضية الأوروبية من كبار المانحين الذين استجابوا لذلك النداء. ولكن وعلى الرغم من تلك الاستجابة، فلم يتم تمويل إلا 40 بالمائة من حجم الأموال المطلوب تأمينها بموجب ذلك النداء. وبالنسبة للبلدان التي تمتلك إمكانية تمويل النداء من قبيل الدول الأوروبية وأمريكا الشمالية ودول الخليج وغيرها من الدول، فيجب عليها أن تزيد من حجم التمويل الذي تقدمه للتصدي لأزمة اللاجئين، وينبغي عليها أن توفر دعما مستداماً وطويل الأجل لجيران سورية.

ولكن ذلك وحده ليس كفيلا بالتخفيف من وطأة أزمة اللاجئين. وينبغي أن تكون حكومات الدول المانحة جاهزة لاستقبال الفئات الأكثر ضفعاً بين اللاجئين ونقلها خارج المنطقة وإتاحة الفرصة لأفرادها الاستقرار بأمن وسلام لديها، وذلك من خلال إعادة التوطين وبرامج قبول دخول اللاجئين على أساس إنساني. وعلاوة على إيجاد شريان حياة حقيقي للفئات الأكثر ضعفاً بين اللاجئين، فسوف يساهم ذلك في التخفيف من الأعباء التي يتحملها جيران سورية.
وفي الوقت الذي وافقت فيه ألمانيا على استقبال 5000 لاجئ سوري بموجب برنامج قبول دخول اللاجئين على أُساس إنساني، كانت استجابة البلدان الأخرى ذات طابع محدود حتى الساعة.

فإذا كنتم تقيمون في بلدان بوسعها أن تبذل المزيد من أجل الناس في سورية، بل ينبغي عليها أن تبذل المزيد، فلقد حان الوقت كي تقوموا بمناشدة حكومات دولكم أن ترفع من مستوى دعمها ومساندتها للاجئي سورية. ولقد تم تداول الكثير من الأحاديث في الأسابيع الأخيرة حول ما ينبغي أو لا ينبغي على المجتمع الدولي القيام به في سياق النزاع في سورية. وما من شك أن مساندة اللاجئين هو أمر بوسع المجتمع الدولي القيام به، بل يتعين عليه القيام به إلى أبعد حد ممكن.

* بقلم شارلوت فيليبس، الباحثة في حقوق اللاجئين والمهاجرين بمنظمة العفو الدولية

الإكتئاب ومدى شيوعه وما يجب علينا فعله للمصابين ؟

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالله سليمان ٣٣٦

الاكتئاب مرض شائع ويلزم دعم المصابين به وعلاجهم

صورة

دعت منظمة الصحة العالمية في اليوم العالمي للصحة النفسية (الموافق 10 تشرين الأول/ أكتوبر) إلى وضع حد لوصم المصابين بالاكتئاب وغيره من الاضطرابات النفسية، وإلى تحسين إتاحة العلاج لجميع من يحتاجون إليه.

ويزيد على 350 مليون فرد عدد الذين يعانون من الاكتئاب في العالم، وهو عبارة عن اضطراب نفسي يمنع الفرد من أداء وظيفته كما ينبغي. ولكن بسبب الوصمة التي لا تزال في كثير من الأحيان تلحق بمرض الاكتئاب، يعجز الكثير عن الاعتراف بأنه مصاب به ولا يسعى إلى الحصول على علاج منه.

ويختلف الاكتئاب عن تقلبات المزاج العادية، فهو يؤدي الى الشعور بحزن دائم لمدة أسبوعين أو يزيد ويعطل قدرة أداء الفرد في محل العمل أو المدرسة أو المنزل. ومن العلاجات الناجعة ضده العلاج النفسي والاجتماعي وأخذ الأدوية. ولا غنى عن المشاركة النشطة للمصابين بالاكتئاب والقريبين منهم في علاج الاكتئاب. فالخطوة الأولى على طريق علاجه هي الاعتراف بالإصابة به والحصول على الدعم اللازم لعلاجه. وكلما كان العلاج مبكراً زادت نجاعته.

ويقول الدكتور شيخار ساكسينا، مدير إدارة الصحة النفسية ومعاقرة مواد الإدمان، إن “لدينا بعض العلاجات الناجعة للغاية من الاكتئاب. ولكن للأسف، فإن عدد الذين يعانون من الاكتئاب ممن يتلقون الرعاية التي يحتاجون إليها يقل عن النصف، بل أن هذه النسبة تقل في كثير من البلدان عن عشرة في المائة، وهو السبب الذي يقف وراء دعم المنظمة للبلدان في مكافحة الوصم بوصفه نشاطاً رئيسياً لزيادة إتاحة العلاج.”

وتسهم المواقف المبنية على الثقافة وعدم فهم الحالة بشكل صحيح في إحجام الفرد عن طلب المساعدة في علاج الاكتئاب.

وتشير تقديرات المنظمة إلى أن مرض الاكتئاب شائع في جميع مناطق العالم. وقد كشفت دراسة أجريت مؤخرا بدعم من المنظمة النقاب عن أن نسبة المصابين بالاكتئاب في المجتمع خلال العام الماضي بلغت 5 في المائة.

والاكتئاب حصيلة تفاعل معقد بين عوامل اجتماعية ونفسية وأخرى بيولوجية، وثمة علاقة تربطه بالصحة البدنية، فأمراض القلب والأوعية الدموية يمكن أن تؤدي مثلاً إلى الإصابة به والعكس بالعكس. وهناك امرأة واحدة من بين خمس نساء تصاب بالاكتئاب عقب الولادة.

وإضافة إلى ذلك، فإن ظروفاً من قبيل الضغوط الاقتصادية، والبطالة، والكوارث، والصراع يمكن أيضاً أن تزيد من خطورة الإصابة بهذا الاضطراب.

ويمكن أن يفضي الاكتئاب في أسوأ حالاته إلى الانتحار. ومما يُؤسف له أن عدد من يقدم على الانتحار سنوياً يبلغ مليون شخص تقريباً، منهم نسبة كبيرة من المصابين بالاكتئاب.

وتساعد المنظمة الحكومات في إدراج العلاج من الاكتئاب فيما تقدمه من مجموعات خدمات الرعاية الصحية الأساسية. وبفضل برنامج عمل المنظمة بشأن سد الفجوات في مجال الصحة النفسية، يُدرّب العاملون في مجال الصحة بالبلدان المنخفضة الدخل على تشخيص الاضطرابات النفسية وتزويد المصابين بالاكتئاب بما يلزم من رعاية ومساعدة نفسية واجتماعية وأدوية.

وقد أنشأ الاتحاد العالمي للصحة النفسية اليوم العالمي للصحة النفسية في عام 1992، وهو يوم تستفيد منه بلدان ومنظمات كثيرة لرفع مستوى الوعي العام بقضايا الصحة النفسية وتعزيز النقاش المفتوح حول الاضطرابات النفسية، وتوظيف الاستثمارات في خدمات الوقاية منها والترويج لمكافحتها وعلاجها.

بالصور.. أخطر 10 "إرهابيين" مطلوبين

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالله سليمان ٣٣٦

صورة
أيمن الظواهري، زعيم تنظيم القاعدة، وقد عرضت الولايات المتحدة مكافأة بقيمة 25 مليون دولار لمن يساعد في القبض عليه.

صورة
ناصر الوحيشي، زعيم تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية.

صورة
إبراهيم العسيري، يعتقد أنه العقل المدبر في مجال صناعة القنابل لتنظيم القاعدة في الجزيرة العربية.

صورة
أحمد عبدي جودان، والمعروف أيضا باسم مختار أبو الزبير، وهو زعيم “حركة الشباب” الصومالية، وقد عرضت الولايات المتحدة مكافأة للقبض عليه تصل إلى 7 ملايين دولار .

صورة
مختار بلمختار، شخصية بارزة في تنظيم القاعدة في “بلاد المغرب الإسلامي”، وقد عرضت الحكومة الأمريكية مكافأة تصل إلى 5 ملايين دولار للقبض عليه .

صورة
أبو مجمد جولاني ، زعيم تنظيم جبهة النصر الموالي للقاعدة .

صورة
أبو بكر البغدادي، زعيم تنظيم “دولة العراق الاسلامية”، وعرضت الولايات المتحدة مبلغ 10 ملايين دولار لمن يساعد بالقبض عليه .

صورة
سراج الدين حقاني، زعيم شبكة “حقاني” في أفغانستان، وعرضت مكافأة تصل إلى 5 ملايين دولار للمساعدة في القبض عليه.

صورة
أبو بكر شيخو، زعيم حركة “بوكو حرام” في نيجيريا، ورصدت الولايات المتحدة مبلغ 7 ملايين دولار لمن يساعد في القبض عليه .

صورة
دوكو عمروف، زعيم “إمارة القوقاز”، وهي مجموعة شيشانية تهدف الى إقامة حكم إسلامي في أجزاء كبيرة من جنوب روسيا، وعرضت أمريكا مكافأة تصل إلى 5 ملايين دولار للقبض عليه.

المصدر Arabic.CNN

روسيا الصاعدة والنظام الدولي الجديد

كاتب الموضوع الأصلي: خالد حمد المضيان80

روسيا الصاعدة والنظام الدولي الجديد

كانت الحرب الروسية الجورجية مجرد إعلان عن أن روسيا لن ترضى بعد اليوم إلا أن تكون قوة عظمى دولية، تملي إرادتها السياسية والإستراتيجية والاقتصادية، وفقًا فقط لـمصلحتها القومية وأمنها القومي. صحيح أن الإعلان الروسي هذا كان خشنًا خشونة تجللت بسحق الجيش الجورجي بلا رحمة تحت حوافر الدب الروسي الرهيب، ولكن هذا الإعلان الخشن كان لازمًا ليستفيق العم سام، الذي كان مازال سكرانًا بنشوة القدرات التسليحية والتكنولوجية غير المسبوقة، التي يحوزها ضمن قوات الولايات المتحدة العملاقة.
لقد أفاق العم سام وحلفاؤه في الناتو، ليجدوا أنفسهم عاجزين عن إيقاف الدب الروسي؛ لأن قواتهم مازالت متورطة ومستنزفة في الحرب على القاعدة في كل بحار العالم ومطاراته وموانيه، فضلًا عن خسائر أمريكا والحلفاء في العراق وأفغانستان، أضف إلى ذلك قواته التي في لبنان “اليونيفيل”، وقبالة سواحل الصومال وسواحل إيران.
فعملية انتشار قوات الولايات المتحدة البرية بلغت حدها الأقصى، بينما حبست قدرتاها البحرية والجوية في مهماتها العديدة حول العالم.
لقد فهم الدب الروسي المعادلات الدولية الجديدة، وأعد عدته جيدًا ليعود قطبًا دوليًّا فاعلًا، يملي إرادته على العالم من منظور أمنه ومصلحته القومية، وتحرك الدب الروسي ليغير الواقع الجيواستراتيجي والجيوسياسي بكل حزم وقوة، ووقفت الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيين مبهوتين من فاعلية واتساع حركة الدب الروسي حول العالم؛ فها هي القطع البحرية الروسية تعود للإنتشار في البحر المتوسط، وتتردد على المواني السورية مذكرة بالعصر الذهبي للقوة العسكرية السوفياتية، أيام كان الإتحاد السوفيتي قوة عظمى دولية، وقطبًا دوليًّا يتقاسم مع الولايات المتحدة السيطرة على العالم.
وتلك قطع بحرية أخرى من أسطول الشمال بينها سفينة القيادة الطراد “بيار لو غران”، الذي يتحرك بالدفع النووي والقاذف للصواريخ، والمدمرة “إميرال شابانينكو”، وسفن مواكبة تتحرك لتصل إلى فنزويلا لتجري مناورات بحرية مشتركة معها، رغم أن فنزويلا هذه تقع فيما تعتبره الولايات المتحدة فنائها الخلفي، الذي لم تسمح فيه طوال تاريخها بوجود معادٍ لها حتى أيام الحرب الباردة، لكن روسيا الآن تتحرك لتغيير الواقع الجيواستراتيجي والجيوسياسي وفقًا لمصالحها وأمنها القومي.
وهاهما القاذفتان الإستراتيجيتان من نوع “تو-160” تقيما أسبوعين في منتصف سبتمبر في فنزويلا لإجراء طلعات تدريبية، وبعد ذلك تطيران في طلعات تدريبية فوق المياه الدولية قبالة البرازيل، قبل أن تعودا إلى قواعدهما في روسيا، ويمثل هذا النوع من الطائرات القاذفة القوة الضاربة الأخطر في القوات الجوية الروسية الإستراتيجية، أي القوات التي تسخدم لإطلاق الأسلحة النووية الإستراتيجية.
ولم يقتصر الزحف الروسي على أمريكا اللاتينية والقوقاز والشرق الأوسط، بل نجد أن الزحف الروسي يسير حثيثًا في قارة أفريقيا، حيث الشراكة في التصنيع العسكري بين روسيا ودولة جنوب إفريقيا منذ عام 2002م، كما شاركت روسيا في المعرض الدولي للسلاح في جنوب إفريقيا بجناح كبير، يشمل كل أنواع السلاح تقريبًّا، وذلك في الفترة من 17 إلى 21 سبتمبر 2008م، وتأتي هذه المشاركة في ظل إعلان روسيا عن استعدادها لمقايضة الدول الإفريقية السلاح بالمواد الخام الإفريقية؛ كالماس والقطن والأخشاب والبن.
وعلى الصعيد العسكري أيضًا، بدأت القوات المسلحة الروسية في 22 سبتمبر تدريبًا استراتيجيًّا واسعًا، يشمل جميع الأراضي الروسية وأيضًا الأراضي البيلوروسية، ويشترك فيه أكثر من 50 ألف جندي وضابط، وعدة آلاف من الآلات العسكرية بما فيها الطائرات والسفن والغواصات العسكرية، سيشاركون في هذا التدريب الذي يعرف باسم “مناورة استقرار 2008″، ويستمر حتى 21 أكتوبر، وتتركز المناورات على صد هجوم جوي وفضائي على الأراضي الروسية.
ولم يقتصر النشاط الروسي على ما ذكرنا، بل يمكننا أن نجد في أخبار هذا الشهر على سبيل المثال لا الحصر ما يلي:
• أعلنت روسيا عن نجاح تجربة إطلاق الصاروخ “بولافا” الاستراتيجي من على متن الغواصة دميتري دونسكوي.
• أبرمت روسيا وتركيا صفقة تبلغ قيمتها حوالي 70 مليون دولار، لتزويد الجيش التركي بمنظومات “كورنيت-إي” الصاروخية المضادة للدبابات.
• اتفقت روسيا وكوبا على تفعيل التعاون المتبادل في معظم المجالات الاقتصادية بين البلدين، وذلك على هامش زيارة إيغور سيتشين نائب رئيس الوزراء الروسي إلى هافانا، وبعد زيارته إلى كوبا يبدأ إيغور سيتشين زيارة عمل إلى فنزويلا، برفقة عدد من المسئولين ورجال الأعمال الروس.
• اجتاز صاروخ “براموس” الروسي ـ الهندي الصنع 15 تجربة ناجحة؛ إذ تميز بالسرعة الفائقة التي تكسر حاجز الصوت، والقدرة التدميرية العالية، وإصابته للأهداف الثابتة والمتحركة بدقة بالغة.
• عقد مجلس الأمن الروسي اجتماعًا في أرض “فرانس جوزيف” تحت عنوان “ضمان المصالح الوطنية لروسيا في منطقة القطب الشمالي”.
لكن ما هي الأسس التي بنى عليها الروس تحركهم؟ هل هو فهمهم للمعادلات الدولية فقط، أم أن هناك أسس أخرى؟ إن الوقوف على حقيقة هذه الأسس يستلزم الرجوع قليلًا إلى الوراء، عندما انهار الإتحاد السوفيتي السابق، وبدأت القوى الروسية المرتبطة بالغرب وبالصهيونية العالمية بنهب ثرواته، والاستحواذ على مؤسساته بثرواتها وإمكاناتها الضخمة، خاصة شركات البترول والغاز الضخمة، وظهر للجميع أن نهب أموال روسيا قائم على قدم وساق ليل نهار؛ حيث كان تهريب مليارات الدولارات من روسيا إلى الخارج يتم يوميًّا بلا رحمة، وتجرع الشعب مرارات التضخم والغلاء الفاحش لسنوات تحت حكم يلتسن [أول رئيس لروسيا الإتحادية بعد انهيار الإتحاد السوفيتي]، الذي تحالف هو وأسرته مع المافيا؛ خاصة الصهيونية منها، وتعاونوا على نهب البلاد إلى أن ظهر في الأفق رجل المخابرات الروسية فلاديمير بوتين، الذي تسلم الحكم بمساندة الجيش والأجهزة الأمنية، في إطار صفقة بينهم وبين يلتسن تقضي بأن يترك يلتسن الحكم لبوتين مقابل أن لا تتم ملاحقة يلتسن وأسرته قضائيًّا بشأن النهب الذي شاركوا فيه لثروات البلاد.
وهذا الإتفاق لم يعط أي حصانة لغير يلتسن وأسرته، وبالتالي ما إن تولى بوتين الحكم حتى استخدم كل الأساليب الأمنية والقضائية ضد رجال الأعمال اليهود، وعملاء الغرب الذين نهبوا أموال روسيا واستحوذوا على ثرواتها؛ كي يستخلص منهم الشركات الروسية العملاقة التي كانوا استحوذوا عليها في صفقات مشبوهة، وهكذا ما كاد بوتين ينهي فترتي حكمه اللتين استغرقتا ثماني سنوات، حتى كانت روسيا قد وقفت على قدميها مرة أخرى، وأصبحت عملاقًا اقتصاديًّا وتكنولوجيًّا من جديد.
وساعد بوتين على إعادة بناء الإقتصاد الروسي من جديد، الإرتفاع غير المسبوق في أسعار النفط والغاز، والذي تصدر منهما روسيا كميات هائلة يوميًّا تقدر بأكثر من 7 آلاف برميل نفط، فضلًا عن صادرات الغاز؛ حيث تحتل صادرات الغاز والنفط نحو 54 % من صادرات روسيا، وهكذا وقفت روسيا على أرض صلبة اقتصاديًّا تتمثل في ناتج قومي إجمالي يزيد عن 700 مليار دولار سنويًّا، واحتياطي من النقد الأجنبي والذهب ما يزيد عن 547 مليار دولار، يمثل ثالث احتياطي على مستوى العالم بعد الصين واليابان، فضلًا عن تخلصها من الديون الخارجية الضخمة، التي خلفها عصر يلتسن، والتي كانت تقدر بعشرات المليارات من الدولارات.
ولذلك؛ فمن السهل أن نلاحظ أن روسيا لم تعد كقوة دولية عظمى بمجرد الشعارات أو حتى القدرات العسكرية، وإنما بتخطيط ونجاح إقتصادي أوصلها لهذه الدرجة من النفوذ.
وبدأ الجميع يلاحظ تأثير روسيا في مجريات السياسة الدولية سواء في الملف النووي الإيراني أو الكوري الشمالي أو في منطقة القوقاز، وبدأ الجميع يشعر بأن روسيا يمكنها أن تقول لا في أي شيء، بغض النظر عن توجهات وإرادات الولايات المتحدة الأمريكية ودول الإتحاد الأوروبي وحلف الناتو.
وما فعلته روسيا من تحركها المخطط الذي أفضى بها للنهوض من كبوتها واحتلال مكان في النظام الدولي الجديد، الذي هو الآن في طور التشكل هو تصرف طبعي؛ لأن الطبعي أن تسعى الدولة ـ أي دولة ـ لتحقيق مصالحها وأمنها القومي، بعيدًا عن أي هيمنة أجنبية.
أما غير الطبعي فهو ما تفعله دول العالم الإسلامي من الركود في هوة التخلف الإقتصادي والتكنولوجي والسياسي والعسكري، والذهاب في سبات عميق ليس له آخر، لا يعبأ بما يجري على ساحة السياسة الدولية من نظام دولي جديد في طور التشكل، وقد حجزت دول مثل روسيا والصين مكانهما في هذا النظام، وقبلهما اليابان والإتحاد الأوروبي، بينما تسعى دول أخرى جاهدة للحاق بهم، مثل: الهند و”إسرائيل” وجنوب إفريقيا والبرازيل وإيران وغيرها. وسوف يصبح هذا النظام العالمي الجديد عندما يتم تشكله نظامًا متعدد الأقطاب، مماثل للنظام الذي كان سائدًا عشية الحرب العالمية الثانية، ويمثل كل تراجع أو إخفاق للدور الأمريكي إفساحًا لهذا النظام الجديد، الذي يمشي قدمًا نحو الصدارة مُزيحًا النظام العالمي الحالي أحادي القطبية، الذي تحتل فيه الولايات المتحدة موضع القطب الأوحد المتحكم في العالم.
كل هذا يجري والعرب والمسلمون نائمون، لا يستطيع أحد أن يتكهن لهم بموضع ذي قيمة في النظام العالمي الجديد، بالضبط كما كان حالهم في كل النظم العالمية طوال العصر الحديث.

صعود الصين كقوى عظمى

كاتب الموضوع الأصلي: خالد حمد المضيان80

جيفري واسرستروم
هل الصين قوية أم ضعيفة؟
في الآونة الأخيرة كانت الحكومة الصينية تستخدم لغة قوية غير معتادة بهدف تأكيد سيادتها على المساحات المتنازع عليها من المياه الدولية الواقعة بالقرب من شواطئها. ولقد أدى هذا إلى تصعيد التوترات، وبصورة خاصة بين الصين والولايات المتحدة، في ظل تأكيد وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون على أن إدارة أوباما على استعداد تام للتدخل الآن والمساعدة في ضمان التحكيم القضائي النزيه في المنازعات المتعلقة ببحر الصين الجنوبي. ولقد ندد المتحدث باسم الحكومة الصينية بهذا التصريح باعتباره ارتداداً إلى أيام حيث تصورت الولايات المتحدة أنها قادرة على محاولة ـ بل ويتعين عليها أن تحاول ـ “احتواء” جمهورية الصين الشعبية.

ومن بين سبل تفسير النبرة الصينية المرتفعة ـ وردها الخشن على المناورات العسكرية المشتركة بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية ـ أن نعتبرها بمثابة إشارة أخرى إلى أن قادة الصين اكتسبوا درجات أعلى من الثقة في الذات وأنهم حريصون على فرض أنفسهم على الساحة السياسية العالمية. بيد أن الواقع أكثر تعقيدا. فإذا أمعنا النظر سوف يتبين لنا أن كلمات الرئيس هو جين تاو وأفعاله كثيراً ما يصوغها مزيج من الحس بانعدام الأمن والغطرسة، وأن المسؤولين الصينيين يتناوبون اللعب على أوتار صعود الصين المنخفضة والعالية.

بالطبع، هناك لحظات يبدو فيها قادة الصين وكأنهم أناس يدركون أنهم ناجحون ويريدون أن يعترف الآخرون بنجاحهم. فحتى قبل اندلاع الخلافات الدبلوماسية الحالية، كان قادة الصين يلفتون الانتباه بكل ابتهاج إلى مدى نجاح حزمة التحفيز التي أقروها مقارنة بحزمة أوباما في مواجهة التأثيرات السلبية الناجمة عن الأزمة المالية.

ورغم ذلك، فحين أكدت الأنباء أن الصين احتلت رسمياً المرتبة التي كانت اليابان تحتلها باعتبارها صاحبة ثاني أضخم اقتصاد على مستوى العالم، لم يبادر قادة الصين إلى التفاخر بالتفوق على المنافس القديم والتطلع إلى احتلال مرتبة الصدارة التي تحتلها الولايات المتحدة الآن، بل أصدرت الحكومة بياناً يؤكد أن بلدهم لا يزال بلداً “فقيراً ناميا”.

إن جانب الثقة بالنفس من الشخصية القيادية المنقسمة في الصين كثيراً ما يثير مخاوف جيران الصين والولايات المتحدة على السواء. ورغم ذلك فمن الأهمية بمكان أن نتذكر أن ثقة الحزب في نفسه تنطوي على جانب إيجابي. وكما زعم العالم السياسي كيفين أوبراين فإن تزايد استعداد الصين للتوصل إلى حلول وسط مع المحتجين في الداخل، بدلاً من التعامل مع كافة أشكال العمل الجماعي بوصفها أعمالاً تخريبية، من الممكن أن يُنظَر إليه باعتباره مرآة تعكس شعوراً متنامياً بالأمان.

وفي المقابل سنجد أن بعض التحركات الصينية الأكثر إثارة للانزعاج من الممكن أن تفسر باعتبارها مشاعر مبالغ فيها بانعدام الأمان. ولنتذكر هنا المعاملة القاسية التي لاقاها المنتقد المزعج ليو جياو باو، والذي صدر الحكم في حقه بالسجن لمدة أحد عشر عاما بموجب اتهامات ملفقة “بالتخريب” بسبب الالتماس الذي نشره على شبكة الإنترنت في إطار حملة لمناصرة الحريات المدنية. ولكن هل كان لمجموعة من النخبة الحاكمة الواثقة في ذاتها أن تتوتر إلى هذا الحد إزاء ما أبداه ذلك الناشط؟

من السهل أن نفهم جانب الثقة في الشخصية القيادية الصينية المنقسمة. فمنذ أواخر ثمانينيات القرن العشرين وإلى عام 2000، كان العديد من المراقبين يصورون الحزب الشيوعي وكأنه يلفظ أنفاسه الأخيرة، وأنه لابد وأن يستسلم في النهاية لانقراض اللينينية الذي بدأ بانهيار الشيوعية في أوروبا. ولكن الحزب ظل ممسكاً بزمام السلطة حتى يومنا هذا. أما محلات بيع الكتب في المطارات والتي كانت تعرض ذات يوم كتاب جوردون ج. تشانج “انهيار الصين الوشيك” فإنها تعرض الآن كتاب مارتن جاك “عندما تحكم الصين العالم”.

لماذا إذن يواصل حكام الصين الارتداد إلى الشكوك والمخاوف، ولماذا يسعون إلى تجنب وصف الصين بالقوة العظمى؟

لا شك أن التقليل من شأن صعود الصين ينطوي على فوائد عملية. فمن المفيد أن بالنسبة للصين أن يُنظَر إليها باعتبارها دولة “فقيرة نامية” لا أن ينظر إليها بوصفها عملاقاً اقتصاديا، وذلك لأن الدول “المتقدمة” يُنتَظَر منها أن تبذل المزيد من الجهد في مكافحة التحديات العالمية الكبرى، مثل تغير المناخ.

وفي الوقت نفسه فإن الصين لا تزال حقاً دولة “فقيرة” من حيث نصيب الفرد في الدخل. والواقع أن أجزاءً من البلاد أشبه بالبلدان “النامية” المتعثرة، خلافاً لمدن الصين التاريخية الجميلة.

بل إن الحزب في موقف ضعيف ـ وهو يدرك ذلك. بيد أن هذا ليس بالعذر الذي يبرر جنون العظمة والاضطهاد وعمليات القمع، ولكن مجرد نجاح الحزب في البقاء متجاوزاً كل توقعات الزوال لا يعني أنه لا يعاني من نقطة ضعف خطيرة. والأمر الملحوظ بوضوح أن الغضب إزاء الفساد والمحسوبية، والذي غذى احتجاجات ميدان السلام السماوي، لم يتلاش قط.

وعلى هذا فإن قادة الصين يواصلون الاعتماد على شكل من أشكال القومية يتمحور حول روايات الضحية. فهم يؤسسون شرعيتهم الآن على فكرة مفادها أن الحزب، الذي صعد إلى السلطة في حين كانت الأمة تحارب الهيمنة الأجنبية، مؤهل بشكل فريد لحماية الصين من التحرشات في ساحة دولية معادية، وأن الحزب هو الوحيد القادر على توفير البيئة المستقرة اللازمة للنمو.

إن الطبيعة المنقسمة للشخصية القيادية الصينية تفسر الظاهرة الغريبة التي تحدثت عنها مستشارة وزارة الخارجية الأميركية سوزان شيرك في كتابها “الصين: القوة العظمى الهشة”. وحين ذكرت عنوان الكتاب لأصدقاء أميركيين، تعجبوا من استخدامها لتعبير “هشة”، في حين قال أصدقاؤها الصينيون إن إطلاق وصف “القوة العظمى” على بلدهم أمر سابق لأوانه.

إن العنوان الذي اختارته شيرك لكتابها يرصد ظاهرة مؤثرة تعمل على إرباك العلاقات الدبلوماسية. فالمراقبون من الخارج مقتنعون على نحو متزايد بأن الصين قوة عظمى، وأنها لابد وأن تثبت قدرتها على تحمل المسؤولية كقوة عظمى. ولكن حكام الصين لا يتبنون هذه التسمية إلا في بعض الأحيان ـ ولا يزال الحزب يتصرف أحياناً وكأن قبضته على السلطة ضعيفة وغير محكمة.

 

* أستاذ التاريخ بجامعة كاليفورنيا في ارفين ورئيس تحرير مجلة الدراسات الآسيوية

بروجيكت سنديكيت 2010 خاص بـ”العالم”

ترجمة هند علي

المصدرhttp://www.alaalem.com/index.php?aa=news&id22=26685

صحوة موسكو:رؤية أمريكية للتحولات في السياسات الداخلية والخار

كاتب الموضوع الأصلي: خالد حمد المضيان80

يشهد النظام الدولي حاليا عددا من التغيرات التي تنبع أغلبها وأكثرها تأثيرا في المجتمع الدولي من الداخل. ولعل أبرز دليل على محورية الأبعاد الداخلية في التـأثير في تطورات السياسة الدولية هو موجات الاحتجاجات الشعبية التي اجتاحت العالم في عام 2011 وتجلت في ثورات الربيع العربي. غير أن هذه الاحتجاجات لم تقتصر على نطاق الإقليم العربي، بل ظهرت في أماكن أخرى من العالم، كان من بينها روسيا، وذلك عقب الانتخابات التشريعية التي اتهم البعض الحزب الحاكم بتزويرها.عكست هذه الاحتجاجات منذ اندلاعها وحتى الآن رغبة من قبل قطاع كبير من الشعب الروسي لإحداث تغير جذري في هيكل النظام السياسي والبنية الاقتصادية والاجتماعية، وهو التغير الذي سيكون له لا محالة تداعياته الداخلية والإقليمية والعالمية.

وفي هذا الإطار، صدرت دراسة في نوفمبر 2012 بعنوان “الصحوة الروسية” عن مركز كارنيجي في موسكو، شارك في إعدادها عدد من الباحثين، بهدف بيان أبعاد الأزمة الروسية، والتي كانت سببا وراء هذه الاحتجاجات، والسيناريوهات المتوقعة للتغيير، مع تقديم مجموعة من التوصيات لصانعي السياسة الخارجية في الدول الغربية للتعامل مع تطورات الأوضاع في روسيا.

الأبعاد السياسية للأزمة الروسية:

أول أبعاد الأزمة التي تناولتها الدراسة بالتحليل هو ذلك الخاص بشرعية النظام. فدائما ما استند النظام الروسي إلى “موافقة المحكومين” كأساس لإضفاء الشرعية على سياساته الاستبدادية. غير أن زيادة درجة الوعي والنضج السياسي التي شهدها المجتمع الروسي، في السنوات الأخيرة، أدت إلى فقدان النظام للعديد من الدعائم الرئيسية لشرعيته، وتعالى أصوات المعارضة ضد سياساته الاستبدادية. واتسعت دائرة الرفض لهذه السياسات لتشمل قطاعات واسعة من المجتمع، بالإضافة إلى النخبة التي دائما ما دعمت بوتين، ولكن باتت تدرك عدم قدرته على حماية مصالحها على المدى البعيد.

هذه الأزمة السياسية قد وضعت النظام أمام خيارين، إما تطبيق الديمقراطية، وهو ما يعنى تخلى النخبة عن احتكار السلطة، وفقدان النظام لمصادر قوته، وإما استمرار السياسات القمعية التي من شأنها أن تزيد من الاحتقان المجتمعي. ولذا، لجأ بوتين إلى استراتيجية تجمع ما بين سياسات الانفتاح والقمع، وإضفاء طابع مؤسسي عليهما، وذلك لتلافي الآثار السلبية المترتبة على كلا الخيارين.

فعلى سبيل المثال، سمح بالانتخابات المحلية، ولكن بقيود لا تخول من لا ينتمون إلى النخبة الحاكمة تحقيق أي مكاسب فعلية. وسمح بالتظاهر، ولكن تتعرض قيادات المعارضة لاعتداءات أمنية متكررة. ومن جهة أخرى، يعمل النظام الروسي على محاولة “خلق عدو” خارجي متمثل في الولايات المتحدة والقوى الغربية بالأساس، وعدو داخلي، كالمنظمات غير الحكومية داخل الدولة، لإضفاء الشرعية على سياساته القمعية.

النظام الاجتماعي والاقتصادي:

ثاني أبعاد الأزمة التي ناقشتها الدراسة هو البعد المرتبط بالنظام الاقتصادي والاجتماعي. فسماح النظام الروسي للنخبة بالحصول على مكاسب اقتصادية ضخمة، مقابل الولاء للكرملين، قد أدى إلى ارتفاع معدلات الفساد، وزيادة الغضب المجتمعي. كما أن الاقتصاد الروسي يواجه حاليا عددا من التحديات، أهمها هو الركود في أسعار النفط والمتوقع انخفاضها مستقبلا، وهو الأمر الذي يهدد البنية الاقتصادية للدولة، باعتبار أن الاقتصاد الروسي هو اقتصاد رأسمالي ريعي يعتمد بالأساس على عائدات النفط.

ونتيجة لتزايد اتهامات المعارضة للحزب الحاكم بالفساد، والتخوف من تطور الاحتجاجات إلى حد الثورة ضد النظام، بدأ الكرملين تطبيق مجموعة من السياسات لاستمالة الناخبين، من بينها محاولة الحد من الامتيازات الاقتصادية التي تحظى بها النخبة، واشتراط توقف رجال الأعمال عن إدارة أعمالهم مباشرة أثناء وجودهم في السلطة، فضلا عن القيام ببعض التغييرات في قيادات جهاز الأمن، ومحاكمة عدد من المسئولين في الأجهزة البيروقراطية داخل الدولة. غير أن هذه الإجراءات الشكلية لن تتمكن وحدها من اقتلاع جذور الفساد المتغلغلة في النظام الروسي.

الصحوة المجتمعية والإصلاح من أسفل:

تشهد العلاقة ما بين المجتمع والسلطة السياسية في روسيا مجموعة من التحولات الجذرية التي ناقشتها الدراسة. فالصحوة المجتمعية ضد سياسات بوتين تزايدت مع صعود الطبقة الوسطى، التي تمثل نحو 15 – 17 بالمائة من المجتمع الروسي، ورفضها للعقد الاجتماعي الذي تقوم السلطة السياسة بموجبه بمنح المواطنين الحرية في المجال الخاص، مقابل عدم تدخلهم في الشأن السياسي، وهو الأمر الذي ظهر بوضوح في زيادة معدلات التصويت في الانتخابات، وخروج الشباب الروسي في مظاهرات للاحتجاج على سياسات النظام.

غير أن التيارات الداعمة لتحديث المجتمع الروسي، وتبنى القيم الديمقراطية تواجه صراعا مع التيارات المحافظة المتخوفة من التغيير، والتي يستغلها بوتين لمواجهة المعارضة. هذا الاستقطاب المجتمعي ما بين التيارات الداعية للتغيير والتيارات الرافضة له يتجلى أيضا في صراع قيمي حول مدى قبول أو رفض قيم الديمقراطية والتسامح وغيرها، باعتبارها قيما غربية، وما إذا كانت الثقافة الروسية جزءا من هذه المنظومة القيمية، أم أن روسيا تمثل نموذجا حضاريا قائما بذاته.

ورأت الدراسة أن النخبة الحاكمة لن تتخلى عن احتكارها للسلطة، ومن ثم يكون السبيل الوحيد لإحداث التغير هو تكاتف القوى المجتمعية المختلفة من أجل الضغط على النظام السياسي. ولكن تظل المعارضة الروسية، داخل البرلمان وخارجه، غير قادرة على تحقيق أهدافها، بسبب غياب التنظيم والفاعلية، بالإضافة إلى سياسات بوتين القمعية تجاهها. فلم تستطع المعارضة إجبار بوتين على ترك السلطة، أو التحقيق في ادعاءات تزوير الانتخابات التشريعية أو إعادتها، ولكن تبقى مساعي المعارضة مستمرة لتحقيق التوافق ما بين التيارات المختلفة، الليبرالية واليسارية وغيرها، وذلك من أجل تضييق الخناق على النظام الروسي، وإجباره على الاستجابة لمطالبهم للإصلاح.

التداعيات الداخلية للأزمة والسيناريوهات المحتملة للتغيير:

توقعت الدراسة أن الأزمة الحالية في روسيا ستستمر لفترة طويلة نسبيا، خاصة أن أي قوة سياسية لم تستطع الدفع نحو تحقيق تغير حقيقي قبل الانتخابات البرلمانية في 2017 والرئاسية في 2018. فغياب البديل للنخبة الحاكمة قد يترتب عليه إجهاض محاولات الإصلاح، وتحولها إلى مجرد تغيير للقيادات من داخل النخبة، وهو ما سيزيد الأزمة تعقيدا. وإذا ما فقدت القوى المجتمعية المطالبة بالتغيير إيمانها بالقدرة على تحقيقه، فقد تتمكن النخبة الحالية من إحكام قبضتها على النظام، ويتحول النظام الروسي إلى نظام أكثر ديكتاتورية، يستخدم سياسات القمع والقهر ضد المعارضة، ويعمل على عزل روسيا دوليا.

ولذا، توقعت الدراسة أن تستغرق الصحوة الروسية وقتا طويلا، حتى تستطيع تعبئة القوى المجتمعية الكافية المؤيدة للتغيير. ورأت أن هذا التغير، إن تم، لن تترتب عليه نتائج مثالية بالضرورة، خاصة مع تنامي القوى الراديكالية اليمينية واليسارية داخل روسيا، وتعقد الأوضاع على الساحة الدولية. ولكن يبقى مستقبل روسيا متوقفا على سياسات النخبة الحاكمة، ومحاولتها الاستجابة لمطالب الإصلاح، وقدرة المعارضة على حشد المزيد من التأييد، وتقديم البديل القادر على إدارة البلاد نحو التغيير.

الصحوة المجتمعية والسياسة الخارجية الروسية:

نتيجة للتغيرات التي يشهدها النظام الدولي، التي تعد الأكبر منذ انتهاء الحرب الباردة، والثنائية القطبية، بدأت روسيا بتغيير استراتيجيتها في التعامل مع العالم الخارجي، وهو ما تجلى في الابتعاد عن “الخيار الأوروبي”، والتوجه نحو تحقيق تكامل أورو-آسيوى. كما أن تبعات وأبعاد الحرب الباردة لا تزال تمثل جزءا محوريا من السياسة الخارجية الروسية. يظهر ذلك في السياسات الأمنية والدفاعية التي تبنتها روسيا منذ انتهاء الحرب الباردة، والتي تضع على قمة أولويات الدولة زيادة الإنفاق على التسلح من أجل صد أي هجوم، حال وقوعه، سواء من الولايات المتحدة، أو حلف شمال الأطلنطي. كما أن هذه السياسة تعد أيضا جزءا من الاستراتيجية الروسية في إضفاء الشرعية على سياسات النظام القمعية بدعوى “ردع العدو الخارجي وحماية الأمن القومي الروسي”.

غير أن الصحوة الروسية، وإن ترتب عليها تحولات جذرية، لن تعنى خضوع روسيا للهيمنة الغربية. إذ توقعت الدراسة أن يظل مفهوم القوة حاكما للسياسة الخارجية الروسية، وتبقى روسيا فاعلا مستقلا على الساحة الدولية، يرفض الهيمنة الأمريكية، أو الأوروبية، أو حتى الصينية على السياسة الدولية. فالتغير الأكثر قابلية للحدوث، إن استطاعت الصحوة الروسية أن تدفع نحو الإصلاح السياسي، هو توجه صانعي السياسة الخارجية الروسية نحو توسيع مجالات التعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية، ومحو الصورة النمطية التي جعلت من الولايات المتحدة وأوروبا العدو الأول للدولة الروسية. أما إذا فشلت قوى الإصلاح في إحداث التغير المنشود، فمن المتوقع أن تتجه روسيا نحو العزلة الدولية، وأن يتم تحييدها من قبل الدول الغربية، وتتحول العلاقات ما بين الغرب وروسيا إلى علاقات صراعية، يستحيل معها تحقيق أي نوع من الشراكة، أو التعاون فيما بينهما.

توصيات لصانعى السياسة الخارجية في الدول الغربية:

انتهت الدراسة إلى تقديم مجموعة من التوصيات لصانعي السياسة في الدول الغربية للتعامل الأمثل مع الأزمة الروسية الحالية، ومع السيناريوهات المحتملة للتغيير. فلقد رأت الدراسة أن الاستراتيجية المثلى للتعامل مع الأوضاع الروسية لا بد أن تقوم على توسيع مجالات التعاون والشراكة ما بين الولايات المتحدة وأوروبا من جهة، وروسيا من جهة أخرى في القضايا الاقتصادية، والسياسية، والاستراتيجية المختلفة.

فمن الناحية الاقتصادية، أوصت الدراسة الولايات المتحدة بأن تمنح روسيا صفة الشريك التجاري الدائم، وأن تعزز من التعاون التكنولوجي المشترك ما بين البلدين، وذلك لمساعدة روسيا على تطوير بنيتها الاقتصادية، فضلا عن إمكانية إنشاء مناطق تجارة حرة، تكون روسيا جزءا منها، والعمل على تأسيس إطار تعاوني ما بين الولايات المتحدة وروسيا وكندا. هذه الإجراءات من شأنها أن تدعم عملية التنمية الاقتصادية في روسيا، وتدعم قوى الإصلاح داخلها.

ومن الناحية السياسة، لابد ألا يرتبط حوار القوى الغربية مع روسيا بشخصيات بعينها، بل يستند إلى المصالح المشتركة، وفتح مجالات للحوار بشأن القضايا الدولية المختلفة، كمستقبل الشرق الأوسط، والوضع في أفغانستان. كما أن القطب الشمالي، الذي يجمع ما بين روسيا وأمريكا الشمالية وأوروبا، يمكن أن يمثل نموذجا للتعاون الدولي الفعال في كافة المجالات، فضلا عن ضرورة تعميق المصالحة ما بين روسيا وبولندا، واتساع نطاقها لتشمل كافة دول البلقان، حتى يتم بناء الثقة في وسط وشرق أوروبا.

وأخيرا، من الناحية الاستراتيجية، أوصت الدراسة بضرورة تحقيق التعاون ما بين روسيا وحلف شمال الأطلنطي، خاصة في مجال الدفاع الصاروخي، حتى تتم إزالة ما تركته الحرب الباردة من آثار سلبية ومن علاقات عدائية ما بين الطرفين. هذا التعاون من شأنه أن يقضى على إحدى الدعائم التي يستند إليها بوتين لإضفاء الشرعية على السياسات الاستبدادية للنظام، وذلك عن طريق خلق عدو خارجي، متمثل في الولايات المتحدة والناتو، وتحفيز قوى المعارضة في روسيا وتدعيمها لاستكمال كفاحها نحو الإصلاح.

الدولة الإسلامية ومفهوم السيادة

كاتب الموضوع الأصلي: علي الشهري 3332

الدولة الإسلامية ومفهوم السيادة

في الوقت الذي كانت فيه أوربا ترزح تحت ظلم العصور الوسطى المشبعة بالسلطان الكلي للدولة والسلطة المطلقة للحاكم دون حدود أو قيود، ولدت في الجزيرة العربية أول دولة متعددة الأديان والعرقيات والثقافات تكفل المواطنة المتساوية للنساء والعبيد والمسلمين من غير العرب والعرب من غير المسلمين بعدل وفق دستور المدينة، وذلك بعد هجرة الرسول الكريم –صلى الله عليه وسلم– من مكة إلى المدينة عام 622م. وظلت هذه الدولة قوية فتية في عهد الخلفاء الراشدين والتابعين من بعدهم، حيث اكتملت منها جميع عناصر “الدولة القانونية” بالمفهوم العصري والتي تعتمد على وجود دستور وتدرج في القواعد، وبدأت السيادة في ظل الدولة الإسلامية بصبغة دينية باسم الخلافة، ثم اتجهت اتجاها زمنيا في عهد بني أمية، وعادت لتصطبغ بصبغة الحق الإلهي في العهد العباسي ومفهوم السيادة في النظرية الإسلامية حيث قامت الدولة على أسس ثابتة في القرآن الكريم والسنة. وقد اعترفت دولة الإسلام مبكرا بوجود إرادة عامة غير إرادة الأفراد، لكن بعض حكام المسلمين خاصة في عهد بني أمية انحرفوا عن هذا المفهوم حيث تم تحويل الخلافة إلى ملك وراثي عضوض.
خصائص السيادة: الاتجاه العام لكثير من الكتاب هو أن السيادة لها خمس خصائص هي أنها:
1- مطلقة: بمعنى أنه ليس هناك سلطة أو هيئة أعلى منها في الدولة فهي بذلك أعلى صفات الدولة ويكون للدولة بذلك السلطة على جميع المواطنين، ومع ذلك فإنه مما لا شك فيه توجد عوامل تؤثر على ممارسة السيادة يمكن اعتبارها، حدودا قانونية، فحتى الحاكم المطلق لا بد أن يتأثر بالظروف التي تحيط به سواء كانت هذه الظروف اجتماعية أو اقتصادية أو ثقافية كما يتأثر أيضا بطبيعته الإنسانية، كما يجب أن يراعى تقبل المواطنين للقوانين وإمكان إطاعتهم لها.
2- شاملة: أي أنها تطبق على جميع المواطنين في الدولة ومن يقيم في إقليمها باستثناء ما يرد في الاتفاقيات والمعاهدات الدولية مثل الدبلوماسيين وموظفي المنظمات الدولية ودور السفارات. وفي نفس الوقت فإنه ليس هناك من ينافسها في الداخل في ممارسة السيادة وفرض الطاعة على المواطنين.
3- لا يمكن التنازل عنها: بمعنى أن الدولة لا تستطيع أن تتنازل عنها وإلا فقدت ذاتها، يقول روسو: “لما لم تكن السيادة سوى ممارسة الإرادة العامة فإنها مما لا يمكن التنازل عنه، إن صاحب السيادة الذي ليس سوى كائن جماعي لا يمكن أن يمثله غيره؛ فالسلطة مما يمكن نقله ولكن الإرادة لا يمكن نقلها والواقع أنه إذا لم يكن من المتعذرات أن تلتقي إرادة خاصة في نقطة مع الإرادة العامة فإنه من المستحيل على الأقل أن يكون هذه الالتقاء ثابتا ومستمرا” الفصل الأول – الكتاب الثاني).
4- دائمة: بمعنى أنها تدوم بدوام قيام الدولة والعكس صحيح، والتغير في الحكومة لا يعني فقدان أو زوال السيادة؛ فالحكومات تتغير ولكن الدولة تبقى وكذلك السيادة.
5- لا تتجزأ: بمعنى أنه لا يوجد في الدولة الواحدة سوى سيادة واحدة لا يمكن تجزئتها. ويقول “روسو” إن السيادة لا تتجزأ؛ لأن الإرادة إما أن تكون عامة وإما ألا تكون كذلك، فهي إما إرادة الشعب في مجموعه وإما إرادة جزء منه فقط، وفي الحالة الأولى تكون الإرادة العامة المعلنة عملا من أعمال السيادة ولها أن تسن القوانين، وفي الحالة الثانية ليست سوى إرادة خاصة أو عمل من أعمال الإدارة ولا تكون إلا مرسوما على أكثر تقدير”.

المعاهدات في الإسلام

كاتب الموضوع الأصلي: علي الشهري 3332

المعاهدات في الإسلام
تعريفات :
العهد في اللغة: العَهْدُ: الأمانُ، واليمينُ، والذِمَّةُ، والحِفاظُ. وقد عَهِدْتُ إليه أي أوصيته. ومنه اشتُقَّ العَهْدُ الذي يكتب للوُلاةِ. وتقول: عليَّ عَهْدُ الله لأفعلنَّ كذا . والعهد أَيضًا: الوفاء، وفي التنزيل: {وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ} [الأعراف: 102] أَي: من وفاء.
تعريف المعاهدة اصطلاحيًّا:
هي عقد العهد بين الفريقين على شروط يلتزمونها، وهي موادعة المسلمين المشركين سنين معلومة.. وقال الكساني : الموادعة وهي المعاهدة، والصلح على ترك القتال، يقال: توادع الفريقان أي تعاهدوا على أن لا يغزو كل واحد منهما صاحبه. وقال ابن قدامة: “ومعنى الهدنة، أن يعقد لأهل الحرب عقدًا على ترك القتال مدة، بعوض وبغير عوض.. وتسمى مهادنة وموادعة ومعاهدة”.

– مشروعية المعاهدات:
الأدلة على مشروعية المعاهدات كثيرة منها: قوله تعالى: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ} [النحل: 91] فهذا أمر من الله تعالى يوجب الوفاء بالعهود والمواثيق. وقوله تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ} [النساء: 90] ففي الآية بيان وتقرير بعقد المعاهدة والوفاء بها.
ومن السنة نجد أمثلة كثيرة تؤكد مشروعية المعاهدات في الإسلام منها: عَقدُه صلى الله عليه وسلم الكثير من المعاهدات بينه وبين أعدائه ومنها: وثيقة المدينة فهي من أنفس العقود وأحقها بالنظر والتقدير، وهي تعد نبراسًا للمسلمين في أصول العلاقات الدولية بينهم وبين مخالفيهم، وكذلك صلح الحديبية، وأيضًا موادعته لكثير من القبائل.
وعَنْ أنس قَالَ: قَلَّمَا خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَّا قَالَ: «لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ وَلَا دِينَ لِمَنْ لَا عَهْدَ لَهُ» . ويقول كذلك: «‏لِكُلِّ غَادِرٍ‏ ‏لِوَاءٌ‏ ‏يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرْفَعُ لَهُ بِقَدْرِ غَدْرِهِ» .

– الشروط التي يجب توافرها في المعاهدات:
يشترط في العهود التي يجب احترامها والوفاء بها، الشروط الآتية:
1- ألا تخالف حكمًا من الأحكام الشرعية المتفق عليها. يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ».
2 – أن تكون عن رضا واختيار، فإن الإكراه يسلب الإرادة، ولا احترام لعقد لم تتوفر فيه حريتها.
3 – أن تكون بيّنة واضحة، لا لبس فيها ولا غموض حتى لا تؤوَّل تأويلاً يكون مثارًا للاختلاف عند التطبيق.

– وجوب الوفاء بالعهد
أكدت الآيات القرآنية وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم على وجوب الوفاء بالعهد ومن ذلك قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة:1]، وقوله تعالى: {وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا} [الأنعام:152]، والكثير من الآيات يشير إلى هذا المعنى العظيم.
وأما أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الأمر فهي كثيرة أيضًا نذكر منها:
عن عبد الله بن عمرو – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «‏أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا ‏خَالِصًا، ‏وَمَنْ كَانَتْ فِيه خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا، إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا ‏ ‏عَاهَدَ ‏غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ ‏ ‏فَجَرَ»، وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ ‏ ‏أَخْفَرَ‏ ‏مُسْلِمًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ النَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ ‏ ‏صَرْفٌ ‏ ‏وَلَا ‏ ‏عَدْلٌ».

العلاقات الدولية في الإسلام مبنية على السلم

كاتب الموضوع الأصلي: علي الشهري 3332

العلاقات الدولية في الإسلام مبنية على السلم

(العلاقات الدولية في الإسلام) ترمز لفترتين متمايزتين عن بعضهما تمام التمايز. الأولى ترمز للدولة الإسلامية مختزلة بذلك المجتمع المسلم إبان عصوره السابقة على التشريعات السياسية الحديثة والذي كان يتميز بحرية التداخل البشري بين أفراد المجتمعات بلا موانع من حدود جغرافية وجنسية ومواطنة وغيرها مما أتت به التشريعات السياسية المعاصرة خاصة بعد تكوّن الدولة القومية الحديثة، ذاك العصر بالذات هو ما نستمد منه الدال النصي على تأصل السلم في علاقة ذلك المجتمع المسلم بغيره من المجتمعات الأخرى غير الإسلامية سواء ما كان منها بدال الحرفية النصية باعتبار قدسية النص وبشرية تفسيره، أو ما تعلق منها بما أسس على تلك النصوص نفسها من تجارب تاريخية بحسبان القياس وتعدد التفسيرات ومراعاة مصلحة الجماعة، والثانية ترمز إلى الدولة الإسلامية اللاحقة للتشريعات السياسية الحديثة وتحديداً بعد تشكل الدولة القومية الحديثة بحدودها الجغرافية التي تفصلها عن غيرها من الدول الأخرى وجنسيتها الأصلية والمكتسبة والتي تمثل المواطنة فيها الصفة الأساسية أو الشرط الأساسي لاكتساب الحقوق واستحقاق الواجبات والتي تميزت أيضاً بزوال ظاهرة التداخل البشري بين المجتمعات حيث قفز للصدارة مفهوم المواطنة باعتباره المطلب الأساسي لاكتساب جنسية الدولة ومن ثم بالتبع ترتب الحقوق والواجبات عليها، ومقابل هذا المفهوم برز مصطلح أو مفهوم (الأجنبي) منصرفاً إلى ذاك الفرد الذي يعيش في الدولة ولا يحمل جنسيتها، ومن ثم وفقاً لأدبيات هذه التشريعات يكون من الطبيعي تواجد فرد مسلم في دولة إسلامية (حسب التفسير الحديث) ولكنه أجنبي عنها بحكم عدم حمله لجنسيتها والعكس صحيح بمعنى تواجد فرد غير مسلم في دولة إسلامية ولكنه مواطن من مواطنيها باعتبار اكتسابه لجنسيتها وهذا ما سينتقل بالرؤية من مفهوم الدولة الإسلامية الوحيدة أو دار الإسلام (حسب اصطلاح الفقهاء) إلى مفهوم الدول الإسلامية المتعددة ومن ثم انتقال مفهوم العلاقات الدولية من كونه ذا طرف أحادي من الناحية الإسلامية بمعنى أنها تمثل علاقة بين دولة إسلامية وحيدة بغيرها من الدول أو المجتمعات إلى كونها علاقات بين عدة دول إسلامية بغيرها من دول غير إسلامية مما يزيد الوضع الدولي المعاش تعقيداً ويضاعف من حاجة هذه الدول إلى تأصيل السلم في علاقاتها الخارجية باعتباره مرتكز هذه العلاقة يضاف إلى ذلك ما ترتب على هذا الانتقال لمفهوم الدولة القومية الحديثة من دخول دول العالم جميعاً في المواثيق والأعراف الدولية المنضوية تحت لواء القانون الدولي العام وما ترتب على ذلك من عدم جواز تدخل أي دولة بالشؤون الداخلية للدول الأخرى والتي يمكن لها أن تُنظم (أعني مجموع تلك الأعراف والمواثيق الدولية) وفق مصطلح أو مفهوم مصلحة الجماعة باعتباره المرجع الأساس في العلاقات الدولية في الإسلام.

العلاقات بين الدول الإسلامية وغيرها من دول غير إسلامية محكومة وفق التشريع الإسلامي بالسلم لا بالحرب وبالموادعة لا بالمواجهة، بدلالة النصوص المقيدة القطعية وبالتجارب التاريخية الإسلامية المتماهية مع تلك النصوص القطعية المراعية لمقاصد الإسلام.
الإبحار في الاستدلال النصي يتطلب بداهة البدء بالدستور القطعي الخالد، حيث يقول الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم إن كنتم خرجتم جهاداً في سبيلي وابتغاء مرضاتي تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل. إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداءً ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء وودوا لو تكفرون} (الآيتان 1و2) من سورة الممتحنة، لو أصلنا للعلاقة الإسلامية بغير الإسلامية باستخدام النص الحرفي للآيتين السابقتين ببترهما عن السياق العام لهما لربما تراءى لنا أن مجرد الكفر وعدم الديانة بدين الإسلام يصلح مبرراً لشن الحرب ومن ثم تأصل العلاقة بين الفريقين بشكل دائم وخالد على الحرب والمواجهة باعتبار استحالة انقلاب أمم الأرض جميعاً للديانة الإسلامية، ولكن سياق الآيات اللاحقة للسابقة يقيدها بقيد أصيل خالد يقصر الحرب والمواجهة على المعتدين فقط إذ يقول تعالى: {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين، إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون} (الآيتان 8، 9من سورة الممتحنة).

وسائل السياسة الخارجية

كاتب الموضوع الأصلي: علي الشهري 3332

وسائل السياسة الخارجية

مثلما نتحدث في الاقتصاد عن الطلب الفعال ونعني به الرغبة في الشراء مقرونة بالقدرة الشرائية، فإننا في السياسة الخارجية نتحدث عن السياسة الخارجية الفعالة ونعني بها الرغبة في تحقيق هدف خارجي مقرونة بالقدرة على تحقيق هذا الهدف، والدولة عادة ما تترجم مقدرتها على تحقيق الهدف من خلال استخدامها لوسائل مختلفة أهمها: الدبلوماسية، القوات المسلحة، الدعاية، الأدوات الاقتصادية.
الدبلوماسية:
يقصد بالدبلوماسية عملية التمثيل والتفاوض التي تجري بين الدول في غمار إدارتها لعلاقاتها الدولية. ويعرفها . . . “جورج كينان” بأنها “عملية الاتصال بين الحكومات”.
والدبلوماسية الفعالة هي الدبلوماسية التي تدعمها وسائل السياسة الخارجية الأخرى وبالذات القوات المسلحة والأدوات الاقتصادية. فبدون دعم تلك الوسائل ستكون فعالية الدبلوماسية محدودة إن لم تكن معدومة.
القوات المسلحة:
تعتبر القوات المسلحة إحدى الوسائل الأساسية لتنفيذ السياسة الخارجية وإحدى المقومات الأساسية لنجاح الدبلوماسية ورغم أن القوات المسلحة تعتبر باهظة التكاليف إذا ما قورنت بالدبلوماسية وغير مرغوب في استخدامها في المجتمع الدولي كوسيلة لتحقيق الأهداف الخارجية، إلا أنها مع ذلك تحظى باهتمام بالغ لدى حكومات المجتمع الدولي ذلك أن الأداة العسكرية “تهيئ خلفية من الثقة والاستقرار لعمل الدبلوماسية وأن التفاوض من مركز القوة حكمة سليمة، إذ لا يمكن لدولة لا تسندها قوة عسكرية أن تمتنع عن إعطاء تنازلات تضر بمصالحها الحيوية إذا تعرضت لضغوط وتهديدات ليس بوسعها أن تقاومها”. والقوات المسلحة تستخدم في أكثر من مظهر واحد. فبالإضافة إلى استخدامها التقليدي ونعنى به الاستخدام الفعلي وقت الحرب للدفاع أو الهجوم، تستخدم القوات المسلحة أيضاً وقت السلم للضغط والردع وما يترتب عليهما من رضوخ الأطراف الأخرى وتحقيق المصالح القومية. إن استخدام القوات المسلحة كوسيلة للضغط والردع وقت السلم هو الذي يبرر النفقات الباهظة عليها ويزيد من قناعة المواطن العادي بأهمية النفقات وتحمل آثارها، فعدم دخول القوات المسلحة في حرب دفاعية أو هجومية لا يعني توقف فاعليتها، بل إن استخدام القوات المسلحة في السلم للضغط والردع يفوق استخدامها في الحرب ذلك أن القتال استثناء والسلام هو القاعدة.
الدعاية:
تعني الدعاية أي محاولة منظمة للتأثير على عقول وعواطف وسلوك جماعة معينة تحقيقاً لهدف عام معين. والدعاية تشترك مع الدبلوماسية في أنها نشاط كلامي بالدرجة الأولى، غير أنها تختلف عن الدبلوماسية في أنها توجه إلى شعوب الدول الأخرى لا إلى حكوماتها.
الأدوات الاقتصادية:
احتلت الأدوات الاقتصادية كوسيلة للسياسة الخارجية مكانة هامة في العلاقات الدولية المعاصرة. وهذه الأهمية للأدوات الاقتصادية جاءت من عاملين:
الأول، احتلال الرفاهية الاقتصادية لشعوب المجتمع الدولي مكانة بارزة في سلم أولويات الأهداف القومية للحكومات المعاصرة. لقد أصبحت المشاكل الاقتصادية مثل البطالة، والتضخم، ونقص المواد الغذائية قضايا هامة تشغل بال الحكومات المعاصرة، إذ أن بقاءها في السلطة يعتمد على قدرتها في حل هذه المشاكل.
أما العامل الثاني، فهو زيادة الاعتماد الاقتصادي المتبادل بين الدول وما يترتب على هذا الاعتماد من زيادة في أهمية وأولوية الأدوات الاقتصادية كوسيلة للسياسة الخارجية.