أ.د. أحمد محمد وهبان

ثامر بن صالح السويلم ( الخطاب )

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالرحمن عسيري 704

بعد أن أذاق القوات الروسية ويلات الحرب في أفغانستان ودوخها في الشيشان
وقاد المعارك الطاحنة لتخرج القوات الروسية خاسرة في الحرب الأولى وعلى وشك الانسحاب في الثانية
يغادر البطل الهمام والقائد الضرغام خطاب رحمه الله هذه الحرب شهيداً في سبيل الله نحسبه كذلك بعد أن قتلته يد الغدر والنفاق .
وصوت القوقاز إذ يبعث هذه الرسالة عزاء للأمة في فقد هذا البطل .
عزاء إلى العلماء والدعاة وطلبة العلم ….
عزاء إلى رجالات الأمة ونساءها …..
إنا لله وإنا إليه راجعون ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم
اللهم أجرنا في مصيبتنا واخلفنا خيراً منها .

سيرة المجاهد الشهيد باذن الله ………… خطاب

الكنية : ابن الخطاب ويعرف أيضاً باسم خطاب
لاسم : ثامر بن صالح السويلم

الرتبة : أمير المجاهدين الأجانب بالقوقاز

تاريخ الميلاد : 1970م مواليد عرعر

الجنسية : يحمل الجنسيه السعوديه

اللغات التي يتكلمها : العربية والروسية والإنجليزية والبوشتو

محل الميلاد : السعوديه

خبرته في الجهاد : 12 عاماً

الأراضي التي جاهد فيها : أفغانستان وطاجيكستان والشيشان وأخيراً داغستان

” لو قالوا لي يوماً عندما كنت موجوداً في أفغانستان إنه سيأتي اليوم الذي نقاتل فيه الروس داخل بلدهم روسيا ما صدقتهم أبدا ” ( ابن الخطاب )

نشأ في كنف أسرة ميسورة الحال وكان معروفاً عنه في ريعان شبابه أنه شجاع وقوي لا يعرف الخوف طريقاً إلى قلبه . وبعد أن تعلم اللغة الإنجليزية التحق بمدرسة ثانوية بالولايات المتحدة الأمريكية في عام 1987 .

وفي هذا العام بلغ الجهاد في أفغانستان ذروته ضد الجيش الروسي المحتل . في ذلك الوقت كان الشباب من كل أنحاء العالم الإسلامي يلبون نداء الجهاد الذي أطلقه رجال مثل : الشيخ عبد الله عزام رحمه الله ( اغتيل في عام 1989 ) والشيخ عدنان التميمي رحمه الله ( توفى في عام 1988 ) وأسامة بن لادن .

في هذه الفترة كانت المعجزات والأعمال البطولية والخارقة التي يقوم بها الشجعان البواسل من المجاهدين تصل إلى أسماع المسلمين في شتى بقاع الأرض . في هذا الوقت وعندما حان موعد ذهاب خطاب إلى الولايات المتحدة ليلتحق بمدرسته هناك ويبدأ حياة جديدة في أمريكا ، اختار خطاب أن يتبع طريقاً مختلفاً آخر ، اختار أن يتبع الطريق الذي اتبعه العديد من أصدقائه وأقاربه أراد خطاب اللحاق بأحبته في زيارة قصيرة لأفغانستان ، ومنذ تلك اللحظة التي رفع فيها يده مودعأ أهله في نهاية عام 1987 لم يعد خطاب إلى بلده وأهله حتى يومنا هذا .

أحد المجاهدين يصف الشاب الصغير عند وصوله لأول معسكر تدريب في جلال آباد – أفغانستان :

كان معسكر التدريب بالقرب من جلال آباد يمتلئ يوميا بالاخوة الذاهبين للجبهة والقادمين منها . وكنا في ذلك الوقت نحضر لعملية كبيرة ضد الروس وكان هؤلاء الاخوة الذين أتموا فترة تدريبهم يعدون حقائبهم للذهاب إلى الجبهة . في هذا الوقت وصلت مجموعة جديدة من المتطوعين ولاحظت وجود ولد صغير لا يتجاوز عمره ستة عشر أو سبعة عشر عاماً له شعر طويل ولحية لم يكتمل نموها بعد . ومباشرة بعد وصوله ذهب إلى القائد يستجديه ويستحلفه أن يرسله إلى الخطوط الأمامية وبالطبع رفض قائد المعسكر أن يرسل ولداً صغيراً غير مدرب إلى الخطوط الأمامية. بعد ذلك ذهبت إليه وحييته وسألته عن اسمه فرد قائلاً : ابن الخطاب .

أكمل خطاب تدريبه والتحق بجبهة القتال . وكان أحد الذين دربوه هو الأخ حسن السريحي قائد عملية عرين الأسود المشهورة في حاجي أفغانستان (حسن السريحي مسجون منذ عام 1996 وحتى الآن في سجن الرويس بجدة على ذمة قضية تم إعدام المتهمين فيها)

في خلال ست سنوات تحول هذا الشبل الصغير إلى مقاتل وقائد من أشجع وابرع المجاهدين الذين عرفهم العالم في القرن العشرين . كان معروفاً عنه أنه يرفض رفضاً تاماً الانبطاح أرضا خلال أي قصف ، كذلك كان معروفاً عنه انه لا يظهر أي جزع أو ألم بعد أي إصابة .

حارب وقاتل من خلال الأكمنة والعمليات والغارات ، حارب القوات السوفيتية العادية وكذلك حارب قواتهم الخاصة . كما انه حضر اغلب العمليات الكبرى في الجهاد الأفغاني منذ عام 1988 ومن ضمنها فتح جلال آباد وخوست وفتح كابل في عام 1993 وقد نجا من الموت عدة مرات بأعجوبة وهو موقن أن وقته لم يحن بعد .

ويصف أحد المجاهدين كيف أصيب خطاب بطلق ناري في بطنه بواسطة مدفع رشاش ثقيل من عيار 12.7 مم في أفغانستان (الطلقات عيار 12.7 مم تستخدم لاختراق الفولاذ والدروع ، وكما يقول الخبراء أنها لو أصابت إنسان فإنها تحول اللحم البشرى إلى عجين من اللحم والدم.) .

يقول المجاهد : خلال إحدى العمليات كنا نجلس في حجرة في الخط الخلفي كان الوقت ليلاً وكان القتال في الخطوط الأمامية شديداً . بعدها بعدة دقائق دخل خطاب علينا الحجرة وكان وجهه شاحباً ومع ذلك فقد كان يتصرف تصرفاً طبيعياً . دخل الحجرة ماشياً ببطء ثم جلس في الناحية الأخرى من الغرفة بجانبنا وكان هادئاً لا يتكلم على غير عادته ، فأحس الاخوة أن هناك شيئاً غير طبيعي على الرغم انه لم ينبس ببنت شفة (بكلمة) ولم يظهر أي حركة توحي بأي شيء من الألم ، فسألناه إذا كانت به إصابة ؟ فرد انه قد أصيب إصابة بسيطة أثناء وجوده في الخطوط الأمامية لجبهة القتال وأنها ليست إصابة خطيرة ، فاقترب منه أحد الاخوة ليرى أصابته فرفض خطاب أن يريه شيئاً قائلاً أنها ليست خطيرة ، فأصر هذا الأخ على رؤية إصابته ولمس ملابسه بيده ناحية البطن فوجد الملابس غارقة في الدماء ، والنزيف لا يزال مستمراً بشدة ، فأسرعنا ونادينا سيارة ونقلناه إلى اقرب مستشفى ، في الوقت نفسه كان خطاب يردد طوال الوقت أن أصابته لا تستدعي كل هذا الاهتمام وأنها إصابة بسيطة .

بعد هزيمة السوفيت وانسحابهم من أفغانستان سمع خطاب ومجموعة صغيرة من أصدقائه عن حرب أخرى تدور ضد نفس العدو ولكنها هذه المرة كانت في طاجيكستان فأعد حقائبه ومعه مجموعة صغيرة من الاخوة وذهبوا إلى طاجيكستان في عام 1993 ، ومكثوا هناك سنتين يقاتلون الروس في الجبال المغطاة بالثلوج ينقصهم الذخائر والسلاح .

كان خطاب في طاجيكستان عندما فقد إصبعين من أصابع يده اليمنى ، حدث ذلك حين انفجرت قنبلة يدوية في يده مما نتج عنها إصابة بالغة استدعت قطع إصبعين ، وقد حاول إخوانه المجاهدون إقناعه بالعودة إلى بيشاور للعلاج ولكنه رفض وصمم على وضع عسل النحل على إصابته (كما في سنة النبي صلى الله عليه وسلم) . وضع العسل وربطها قائلاً أن هذا سوف يعالج هذه الإصابة وليس هناك حاجة للذهاب إلى بيشاور ، هذا الرباط لا يزال ملفوفاً على يده منذ ذلك اليوم .

بعد سنتين في طاجيكستان عاد خطاب ومجموعته الصغيرة إلى أفغانستان في بداية عام 1995 وكان في هذا الوقت بداية الحرب في الشيشان اختلطت علينا الأمور جميعاً بالنسبة لأحقية هذه الحرب من الناحية الشرعية وكذلك بعض الانحرافات الدينية التي تعتري الشيشان .

وصف خطاب شعوره عندما رأى أخبار الشيشان على محطة تليفزيونية تبث عبر القمر الصناعي في أفغانستان فقال :

” عندما رأيت المجموعات الشيشانية مرتدية عصابات مكتوباً عليها لا إله إلا الله محمد رسول الله ، ويصيحون صيحة الله اكبر علمت أن هناك جهاداً في الشيشان وقررت انه يجب علي أن اذهب إليهم ” .

رحل خطاب من أفغانستان ومعه مجموعة مكونة من ثمانية مجاهدين مباشرة إلى الشيشان كان ذلك في ربيع 1995 ، أربع سنوات مضت بعد ذلك جعلت من تجربة خطاب في أفغانستان وطاجيكستان تظهر كأنها كانت لعبة أطفال في الحضانة . يقول المسؤولون الروس طبقاً لإحصائياتهم أن عدد الجنود الذين قتلوا في خلال ثلاث سنوات من الحرب في الشيشان فاق أضعافاً عدد الجنود الذين قتلوا خلال عشر سنوات من الحرب في أفغانستان .

في يوم 16 أبريل 1996 قاد خطاب عملية من أجرأ العمليات وكانت عبارة عن كمين ” شاتوى ” وفيها قاد مجموعة مكونة من 50 مجاهداً لمهاجمة والقضاء على طابور روسي مكون من 50 سيارة مغادرة من الشيشان . تقول المصادر العسكرية الروسية أن 223 عسكرياً قتلوا من ضمنهم 26 ضابطاً كبيراً ودمرت الخمسون سيارة بالكامل . نتج عن هذه العملية إقالة ثلاثة جنرالات ، وقد أعلن بوريس يلتسين بنفسه عن هذه العملية للبرلمان الروسي . وقد تم تصوير هذه العملية بالكامل على شريط فيديو توجد منها بعض الصور في موقع عزام بشبكة الإنترنت .

بعدها بشهور نفذت نفس المجموعة عملية هجوم على معسكر روسي نتج عنه تدمير طائرة هليكوبتر بصاروخ AT- 3 Sager المضاد للدبابات ومرة أخرى تم تصوير العملية بالكامل على شريط للفيديو .

كما شاركت أيضا مجموعة من مقاتليه في هجوم غروزنى الشهير في أغسطس 1996 الذي قاده القائد الشيشاني شامل باسييف.

وقد ظهر اسمه مرة أخرى على الساحة في يوم 22 ديسمبر 1997 عندما قاد مجموعة مكونة من مائة مجاهد شيشانى وغير شيشاني ، وهاجموا داخل الأراضي الروسية وعلى عمق 100 كيلو متر القيادة العامة للواء 136 الآلي ودمروا 300 سيارة وقتلوا العديد من الجنود الروس وقد استشهد في هذه العملية اثنان من المجاهدين من ضمنهم أحد كبار القادة (من مصر) في جماعة خطاب هو أبو بكر عقيدة رحمه الله .

بعد انسحاب القوات الروسية من الشيشان في خريف 1996 اصبح خطاب بطلاً قومياً في الشيشان وقد منح هناك ميدالية الشجاعة والبسالة من قبل الحكومة الشيشانية . وقد منحوه أيضا رتبة لواء في حفل حضره شامل باسييف وسلمان رودييف القادة العباقرة في حرب الشيشان . وقبل مقتل جوهر دودايف كان خطاب يحظى لديه باحترام ناله بعمله وليس بالكلام .

كذلك فإن خطاب يؤمن بالجهاد من خلال الإعلام فقد نقلوا عنه انه قال ” إن الله أمرنا بمجاهدة الكافرين وقتالهم بمثل ما يقاتلوننا به . وهاهم يقاتلوننا بالدعاية والإعلام لذلك فيجب علينا أيضا مقاتلتهم بإعلامنا ” ، لذلك فهو دائماً يصر على تصوير كل عملياته . ويقولون أن لديه مكتبة بها مئات الشرائط المصورة في أفغانستان وطاجيكستان والشيشان . وهو يعتقد بأن الكلام وحده ليس كافياً لدحض الادعاءات الكاذبة لإعلام العدو بل يجب توثيق هذا الكلام بالأدلة عن طريق الأفلام المصورة لدحض ادعاءاتهم . وهو أيضا قد صور شرائط مطولة للعمليات الأخيرة في داغستان تظهر مقتل أكثر من 400 جندي روسي وهذا الرقم يزيد عشرة مرات عن الرقم الرسمي للمسؤولين الروس الذين قالوا أن قتلاهم في داغستان كانوا 40 جندياً .

في عصرنا الحالي الكثير من المسلمين يقولون أن خطاب هو خالد بن الوليد هذا العصر . ولكن خطاب يؤمن إيمانا راسخاً أن أجله سوف ينتهي في الوقت الذي كتبه الله له لا يتقدم لحظة ولا يتأخر لحظة . وقد نجا خطاب من محاولات عديدة لاغتياله أقربها عند قيادته لشاحنة روسية كبيرة انفجرت وأصبحت حطاماً ومات من كان بجانبه وهو لم يصب بخدش .

شجاع وذكي وذو شخصية قوية وفي نفس الوقت محبوب جداً من جنوده ومعروف أيضاً بأنه جاد لا يعرف الهزل . فهو دائماً تجده في وسط الجنود يتفحصهم ويحاول حل مشاكلهم الشخصية ، وسخاؤه عليهم ليس له حدود ينفق على جنوده من حر ماله . كذلك فإن لديه فريقاً كاملاً من القادة لديهم الخبرة والمقدرة على أن يأخذوا مكانه وأن يحلوا محله في حالة مقتله .

قال ذات مرة في نصيحة للمسلمين في جميع أنحاء العالم :

” إن اكبر عائق يمنعنا من الجهاد هم الأهل ، كلنا أتينا للجهاد بدون موافقة أهلنا لو كنا استمعنا إليهم ورجعنا إلى بيوتنا من كان سيحمل أمر هذه الدعوة وهذا العمل . في كل مرة اكلم أمي بالهاتف وحتى الآن تسألني متى ستعود يا بني ، ومع أنني لم أرها منذ ما يزيد عن 12 سنة فإذا عدت لرؤية أمي فمن ذا الذي سيكمل العمل الذي بدأناه ” .

إن أمل خطاب وهدفه هو محاربة الروس حتى يخرجوا من كل الأراضي الإسلامية في القوقاز وجمهوريات وسط آسيا وهو دائما ما يقول : ” نحن نعرف الروس ونعرف خططهم ونعرف نقاط الضعف فيهم ولهذا السبب فإنه من السهل علينا قتالهم اكثر من مقاتلة بقية أعدائنا ” .

اتهم الإعلام الدعائي المغرض خطاب بأنه إرهابي وانه يقوم بعمليات إرهابية في أنحاء العالم . وان أي إنسان محايد يقرأ هذا الموضوع سيعلم بدون شك أن طبيعة خطاب هي مواجهة أعدائه وجهاً لوجه ، وإذا كان مقاتلة الجيوش والجنود الذين قتلوا أهلنا ويتموا أطفالنا ورملوا نسائنا واحتلوا أرضنا تسمونه إرهاباً إذن فليشهد التاريخ أن خطاب إرهابي .

في عام 1979 احتل الاتحاد السوفيتي أفغانستان وبعد عشرين سنة لم يعد هناك اتحاد سوفيتي والباقي منه يغزوه المجاهدون الذين عرفوا الجهاد نتيجة لهذا الغزو السوفيتي والذي كان بلا شك اكبر خطأ ترتكبه حكومة في القرن العشرين .

الكونجرس الامريكي

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالعزيز العسكر 20

الكونجرس الأمريكي

تتركز السلطة التشريعية في الولايات المتحدة الأمريكية في الكونجرس، الذي يتكون من مجلسي الشيوخ والنواب.

ويوجد ثمة ارتباط وثيق بين تاريخ كل من الكونجرس والولايات المتحدة الأمريكية نفسها. فكلاهما كان حلماً فأضحى حقيقة، حتى أصبحا يكونان معاً صرحاً من أكبر صروح الديمقراطية في العالم.

بدأ تاريخ الولايات المتحدة بحفنة من المهاجرين، قدموا من شتى أرجاء الأرض، إلى العالم الجديد، تداعبهم أحلام امتلاك الثروات، والتخلص من الفساد، والبيروقراطية، وانتهاك حقوق الإنسان، التي ألفوها في بلادهم. وقد طمحوا إلى أن يعيشوا في مجتمع جديد، مبني على الأخلاق والقيم، التي اندثرت مع التقدم الصناعي المذهل الذي اجتاح العالم منذ القرن السادس عشر. وبالإدارة الواعية، والموارد غير المحدودة، وعزيمة هؤلاء المهاجرين صارت الولايات المتحدة، بعد ما يقرب من مائتي عام من إنشائها، أكبر دولة في العالم من النواحي السياسية والاقتصادية والعسكرية، والصناعية، والزراعية، كما صارت قلعة من قلاع العلم، والتكنولوجيا وتوظيف الأموال، وصناعة السينما.

بدأ وصول الأفواج الأولى من الرواد المهاجرين عام 1607، إذ رست سفينة تحمل مائة مهاجر بريطاني، على سواحل خليج الشيسابيك. وهناك أقاموا مستعمرة صغيرة، في منطقة تعرف الآن بمدينة جيمس في ولاية فيرجينيا، شرق الولايات المتحدة الأمريكية.

وطوال القرنين السابع عشر والثامن عشر، تدافعت موجات من المهاجرين الذي قدموا إلى الأرض الجديدة من بريطانيا، وفرنسا، وألمانيا، وأيرلندا، وقليل من دول المشرق. واستقر هؤلاء المهاجرون على طول الساحل الشرقي للولايات المتحدة في 13 مستعمرة، أطلق على كل منها فيما بعد لفظ ولاية (State).

ولم يأل التاج البريطاني جهداً، في الاستحواذ على تلك الأرض الغنية، قبل جيرانه من المستعمرين الأوروبيين، فأرسل حاكماً بريطانياً ومُشرع قوانين، إلى كل مستعمرة. وبذلك أحكمت بريطانيا قبضتها على المستعمرات الثلاث عشرة كلها.

ولم تكن الأرض مفروشة بالورود للمهاجرين الأوائل، فلم يجدوا الرخاء الذي كانوا يحلمون به، بل وجدوا بدلاً من ذلك غابات مملوءة بحيوانات لم يألفوها، ونباتات لم يروها أو يذوقوا طعمها من قبل. إلا أن الإرادة البشرية انتصرت، وحولت تلك الأراضي الغريبة إلى مزارع، تزرع فيها أجود أنواع المحاصيل الموسمية، التي تصدر إلى جميع أنحاء العالم حتى يومنا هذا.

وبعد الاستقرار، بدأ المهاجرون الأوائل في اتخاذ الخطوات نحو تحقيق حلمهم في إقامة مجتمع ديمقراطي. فأنشئ في فيرجينيا أول برلمان مصغر عام 1619 (House of Burgess)، ليبحث اتفاقيات التجارة، وتفاصيل عقود البيع والشراء. وسرعان ما سارت ولاية مريلاند في ركب فيرجينيا، فأعلنت حرية الأديان، وأعلنت كذلك أن أراضيها ترحب بكل إنسان بغض النظر، عن دينه أو مذهبه.

أما سلطة التاج البريطاني، فظلت تزداد يوماً بعد يوم، عن طريق إرسال مزيد من القوات والأسلحة، لضمان عدم وقوع أي تمرد أو عصيان. إلا أن ذلك لم يَرُق المهاجرين، الذين أبغضوا القوانين البريطانية الظالمة، التي، من أجلها، تركوا ديارهم في بريطانيا، ومثيلاتها من الدول الأوربية.

وكانت فرنسا هي الأخرى، طامعة في الاستيلاء على أرض أمريكا الشمالية، فكانت تحشد قواتها وتتعاون مع الهنود الحمر “السكان الأصليين للقارة الأمريكية”، ضد القوات البريطانية. فأدى ذلك، في النهاية، إلى قيام حرب كبرى عام 1754، بين القوات البريطانية من جهة، والقوات الفرنسية يساندها الهنود الحمر من جهة أخرى. وكان النصر في هذه الحرب حليف بريطانيا. فأرغمت فرنسا على توقيع اتفاقية باريس عام 1763، حيث اعترفت بمقتضاها بأحقية بريطانيا، في الأرض المعروفة الآن باسم كندا، وكل الأراضي الموجودة شرق نهر المسيسبي وكذلك المنطقة المعروفة الآن باسم فلوريدا.

إلا أن التكلفة الباهظة للحرب أرهقت الخزانة البريطانية الخاوية أصلاً. فسن البرلمان الإنجليزي عام 1760، بناءً على اقتراح من الملك جورج الثالث، ضرائب باهظة على أهالي الولايات الأمريكية الثلاث عشرة. وهنا جاوز الأمر، بأهالي المستعمرات الأمريكية، حَدّه، فنظموا تجمعات سرية عرفت باسم أبناء الحرية (Sons of Liberty). وفيها اتفقوا على الدفاع عن أراضيهم، ضد مطامع التاج البريطاني، حتى ولو كلفهم الأمر إعلان الحرب على تلك المطامع.

وفي عام 1765، نظم أول اجتماع، ضم ممثلين عن تسعة ولايات عرف باسم “الكونجرس المضاد لقانون ضرائب التمغة” (Stamp Act Congerss). وبدأ البرلمان الإنجليزي يحسب حساب هذه الثورة فتارة يهادنها، وتارة يفرض ضرائب جديدة. وازداد التوتر في العلاقات بين الحكومة البريطانية وأهالي الولايات الأمريكية، إلى أن بلغ أشده عام 1774، حينما أصدر البرلمان البريطاني قانوناً أطلق عليه قانون الأعمال التي لا يمكن التغاضي عنها (Intolerable Acts). وفيه، فرضت ضرائب جديدة باهظة. كما أغلقت ميناء بوسطن رداً على إتلاف بعض الأمريكيين لحمولة من الشاي تحملها سفن شركة بريطانية.

ورداً على هذا القانون، دعا الثوار الأمريكيون، إلى تكوين أول هيئة تشريعية وطنية، أطلقوا عليها الكونجرس القاري (Continental Congress)، الذي اجتمع لأول مرة في 5 سبتمبر 1774 في مدينة فيلادلفيا، وحضره 56 مندوباً، يمثلون 12 مستعمرة. وقد اهتم الكونجرس بطلب معاملة عادلة من بريطانيا أكثر مما اهتم بالاستقلال. واتفق المجتمعون على إنهاء كل العلاقات التجارية مع بريطانيا، حتى تلغي جميع الضرائب الباهظة، والإجراءات الاستثنائية.

واستشاط ملك بريطانيا غضباً من قرارات الكونجرس القاري، وعدها تمرداً يستحق المواجهة العسكرية.

وقامت، على إثر ذلك، معارك ضارية، بين فلاحي ماساشوسيتس والقوات البريطانية في لكسنتجون وكونكورد، نجح فيها الفلاحون في إيقاف تقدم القوات البريطانية المدججة بالسلاح.

وانعقد الكونجرس القاري الثاني، في 10 مايو عام 1775. واتفق المجتمعون على تكوين جيش أمريكي. ثم أتبعوا ذلك بقرار يوم 15 يونيه في نفس العام، بتعيين الجنرال جورج واشنطن[1] (انظر صورة جورج واشنطن)، القائد العسكري لولاية فيرجينيا، قائداً عاماً للجيش الوليد.

ولم يُضِع الملك البريطاني وقتاً، فأعلن الحرب على المتمردين من سكان الولايات الأمريكية، وبدأ يعد العدة لشن هجوم عسكري كبير، لإخماد هذه الثورة والقضاء عليها قضاءً مبرماً.

وهنا تجمع الشعب الأمريكي، بجميع فئاته، حول قائدهم جورج واشنطن الذي تجسدت فيه إرادة الشعب الأمريكي.

وفي 4 يوليه عام 1776، أعلن أعضاء الكونجرس القاري الثاني الاستقلال الكامل عن التاج البريطاني، وتكوين الولايات المتحدة الأمريكية، كما وافق الكونجرس على وثيقة الاستقلال (انظر صورة وثيقة إعلان الاستقلال)، (انظر ملحق إعلان الاستقلال) التي كتبها توماس جيفرسون[2] (Thomas Jefferson) (انظر صورة توماس جيفرسون)، والتي جاء فيها قوله:

“إن جميع البشر قد خلقوا متساويين، وإن خالقهم قد حباهم بحقوق معينة لا تنتزع، من بينها حق الحياة والحرية، والسعي في سبيل تحقيق السعادة”.

كان إعلان الاستقلال بمثابة البوتقة التي صهرت في داخلها جميع طوائف الأمريكيين، على الرغم من اختلاف أصولهم، ودياناتهم، ومذاهبهم.

إلا أن الجيش الأمريكي لم يكن مدرباً، ولا مستعداً، لخوض قتال مع جيش الإمبراطورية، التي لا تغيب عنها الشمس. فاندلعت حرب عنيفة استمرت عدة سنوات، كلفت الأمريكيين تكاليف باهظة، في الأرواح والأموال. وفي يوم 19 أكتوبر 1781، حقق الأمريكيون نصراً في معركة، كانت هي الفاصلة، وذلك في مدينة يورك، الموجودة على ضفاف نهر يورك بولاية فيرجينيا؛ إذ استسلم الآلاف من الجنود البريطانيين، وانسحب الباقون يجرون أذيال الهزيمة. وعندئذ قررت الحكومة البريطانية أن تبدأ مفاوضات سلام مع الثوار الأمريكيين بقيادة جورج واشنطن. وتوجت تلك المحادثات بتوقيع اتفاقية سلام في 3 سبتمبر عام 1783 . وبذلك انتهت الأعمال العسكرية للثورة الأمريكية.

وخلال هذه الفترة الحرجة، من تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية، كان الكونجرس القاري الثاني بمثابة الحكومة الوطنية حتى عام 1781.

وكان على الكونجرس القاري، في هذه الفترة، أن يواجه مشكلتين؛ الأولى: النقص الحاد في الموارد، مع التزايد المطّرد للاحتياجات المادية، لتغطية تكاليف الحرب. والثانية: هي مشكلة عدم الاتفاق بين الأمريكيين، حول شكل الحكومة بعد الاستقلال. فقد كان صغار المزارعين والمدنيين يفضلون أن تظل السلطة في حوزة المجالس التشريعية للولايات، بدلاً من الحكومة، وذلك حتى يتسنى لهم أكبر قدر ممكن من التأثير في الشئون المحلية. أما التجار الأثرياء وملاك الإقطاعيات، فكانوا يفضلون أن تكون هناك حكومة مركزية قوية، يمكنها أن تحمي متاجرهم وأملاكهم.

وتحتم الأمر أن يكون هناك حل وسط بين هاتين المجموعتين، و كانت النتيجة تشكيل حكومة اتحادية بين الولايات الثلاث عشرة. وقد صدر بذلك وثيقة عرفت بمذكرة الحكومة الاتحادية. وفيها، لخصت المواد التي أنشئ بموجبها ذلك الاتحاد الكونفدرالي.

وقد نصت مواد المذكرة، على إنشاء مجلس تشريعي للحكومة الاتحادية، والذي عرف باسم “الكونجرس الاتحادي”، أو “كونجرس الكونفدرالية”.

ونجح الاتحاد الكونفدرالي في التوقيع على معاهدة السلام مع بريطانيا، كما تعهد بدفع ديون الحرب، كما نجح في إقرار مرسوم الشمال الغربي الذي سمح للدولة الوليدة بالتوسع في أراضي القارة الأمريكية الشمالية.

ولما لم يكن للكونجرس سلطة تنفيذية أو هيئة قضائية مستقلة، فلم يكن بإمكانه، أن يفرض ضرائب أو ينظم عمليات التجارة، أو أن يتحكم في عملة قومية، والأكثر من ذلك، كان إقرار مشاريع القوانين يحتاج إلى موافقة أغلبية الثلثين؛ وهو أمر كان من الصعب تحقيقه.

باختصار لم تكن الحكومة، في ظل هذه المواد، سوى رابطة صداقة وطيدة بين الولايات، في الوقت الذي احتفظت فيه كل ولاية بسيادتها الخاصة، وكيانها السياسي المستقل.

وفي عام 1786، انعقد اجتماع للكونجرس بمدينة أنابوليس (Annapolis) بولاية مريلاند حضره مندوبو 13 ولاية، واتفقوا فيه على ضرورة تعديل مواد الاتحاد بين الولايات، والعمل على تكوين حكومة مركزية. وقام الكونجرس المنعقد بتحديد يوم 14 مايو 1787 موعداً لعقد اجتماع في مدينة فيلادلفيا.

وفي اجتماع فيلادلفيا، الذي أطلق عليه اسم المؤتمر الدستوري (انظر صورة مبنى الاستقلال)، انتخب جورج واشنطن رئيساً للمؤتمر. وفي هذا الاجتماع، كذلك، قدم إدموند راندولف، رئيس وفد ولاية فيرجينيا، اقتراحاً يدعو إلى تكوين برلمان ذي مجلسين، يكون تمثيل كل ولاية فيهما على أساس عدد سكانها البيض، ومقدار ما تقدمه هذه الولاية من الموارد المالية للخزانة العامة.

ولكن الولايات الصغيرة اعترضت على هذا الاقتراح، الذي عدته جائراً بالنسبة لها. واقترحت إزاءه أن يكون التمثيل في المجلس التشريعي متساوياً بالنسبة لجميع الولايات، بدون اشتراط مساهمات مالية ودون اعتبارات لعدد السكان. وأدرجت تلك الولايات هذا الاقتراح في مشروع يعارض مشروع فرجينيا، وسمي هذا المشروع بـ”مقترحات نيوجيرسي”.

وبعد مداولات عدة داخل المؤتمر، أُقر تكوين الهيئة التشريعية من مجلسين. فأصبح من الممكن تلبية رغبة الولايات الكبيرة عن طريق مجلس النواب الذي يكون التمثيل فيه على أساس عدد السكان، على أن يكون التمثيل في مجلس الشيوخ على أساس المساواة بين الولايات إرضاءً للولايات الصغيرة.

وبعد عديد من المناقشات بين رجال القانون، والساسة، والعسكريين من أبناء الثلاث عشرة ولاية، تم الاتفاق، على أن الضمان الوحيد للحرية هو تقسيم الحكومة إلى سلطات ثلاث: تنفيذية، وتشريعية، وقضائية، والسماح لكل سلطة منها بممارسة قدر من السيطرة على السلطتين الأخريين. مثال ذلك، أنه يمكن للرئيس أن يستخدم حق الاعتراض، على أي مشروع بقانون، يعرض على الكونجرس. وفي الوقت نفسه، يمكن للكونجرس تخطي هذا الاعتراض. مثال آخر، أنه يمكن للمحاكم أن تفسر معنى القانون بتفسير يختلف عن تفسير الهيئتين التنفيذية والتشريعية. وفي النهاية، تم التصديق على هذه المواد، التي كتبت على هيئة وثيقة، أطلق عليها دستور الولايات المتحدة الأمريكية(انظر ملحق دستور الولايات المتحدة الأمريكية) .

ومن المثير للانتباه أن عدد أصوات المعارضة للدستور الجديد لم يكن بسيطاً، وهو ما يكشف عنه(انظر جدول نتائج التصديق على الدستور في مجالس الولايات التشريعية) . إذ اتخذ 26 تعديلاً للدستور الأمريكي، منذ التصديق عليه، وحتى الآن.

لقد كان الموقعون على الدستور رجالاً ذوي أيدٍ بيضاء على الولايات المتحدة الأمريكية، إلى الحد الذي حدا بالمؤرخين أن يطلقوا عليها “الآباء المؤسسين” (Founding Fathers). ومن بين هؤلاء نجد جورج واشنطن، وجيمس ماديسون، وألكسندر هاميلتون، وبنيامين فرانكلين.

وفي ذلك الوقت، كانت مدينة نيويورك هي العاصمة المؤقتة للولايات المتحدة الأمريكية. ولذلك عقدت أول دورة نيابية للكونجرس الجديد في مدينة نيويورك والتي طمع أهلها في أن يصدر هذا الكونجرس قراراً بجعل نيويورك العاصمة الدائمة للولايات المتحدة. ومن أجل ذلك، قام عمدة نيويورك بصرف أموال كثيرة في تزيين وترميم قاعة المدينة (City Hall)، الموجودة في الشارع التجاري المشهور “وول ستريت” (Wall Street). واجتمع الكونجرس الأمريكي لأول مرة في 4 مارس 1789. وكان عدد أعضاء مجلس النواب 56 عضوا، وخصصت لهم قاعة فاخرة في الدور الأرضي للمبنى. أما مجلس الشيوخ، فقد تألف من 26 عضواً (اثنان عن كل ولاية)، وخصصت لهم قاعة فاخرة في الدور العلوي. ومنذ ذلك الحين يطلق لفظ القاعة العلوية (Upper Chamber) على مجلس الشيوخ. وكانت فخامة قاعة مجلس الشيوخ، محل الأنظار، فقد افترش أراضيها السجاد الفاخر. وكان سقفها على هيئة قبة عالية، ازدانت من الداخل بصورة كبيرة لشمس ساطعة، يحيط بها 13 نجماً رمزاً لعدد الولايات المشاركة في الاتحاد.

وكان لفخامة هذه القاعة الفضل، في اختيارها، لتكون المكان الذي جرى فيه تنصيب جورج واشنطن أول رئيس للولايات المتحدة الأمريكية؛ إذ قام واشنطن بحلف اليمين في الشرفة الملحقة بالقاعة، وعلى مرأى من جماهير غفيرة، ثم وجه خطاباً لأعضاء الكونجرس الذين ازدحم بهم المكان.

إلا أن فرحة أهالي نيويورك بهذا الجمع لم تدم طويلاً، فقد قرر الكونجرس، في صيف 1790، إنشاء عاصمة، على ضفاف نهر البوتاماك، ما بين ميريلاند في الشمال وفيرجينيا في الجنوب. وإلى أن يتم بناء العاصمة الجديدة، قرر الكونجرس أن تستقر الحكومة وجميع هيئاتها في مدينة فيلادلفيا، ولفترة مبدئية قدرت بعشر سنوات.

وفي ديسمبر عام 1790، بدأ الكونجرس أولى جلساته في مبنى عرف بقاعة الكونجرس (Congress Hall)، وكان مقر مجلس النواب في الدور الأول من المبنى، في قاعة كبيرة، اتسعت لأعضاء المجلس، بالإضافة إلى أربعمائة مقعد، لمن أرادوا حضور الجلسات من عامة الشعب.

أما قاعة مجلس الشيوخ في الدور العلوي، فكانت آية في الفخامة بما حوته من أثاث، وبما ازدانت به حوائطها وسُقُفها من نقوش وتحف. إلا أن جلسات مجلس الشيوخ كانت تعد من السرية، بحيث لم يسمح للعوام بحضورها. وقد استمر المجلس في الانعقاد، بصورة سرية، حتى عام 1794، حينما أعلن أعضاء المجلس، عن فتح باب حضور الجلسات للعوام. ومن وقتها، وجلسات مجلسي الكونجرس، علنية مفتوحة، لكل من أراد حضورها.

وبحلول عام 1800، استعد أعضاء الكونجرس للرحيل عن فيلادلفيا، إلا أن العاصمة الجديدة لم تكن معدة لاستقبالهم، فهي أرض زراعية مليئة بالطين تكثر بها الحشرات. وبالتالي فقد كانت بحاجة إلى وقت طويل، وأموال طائلة لإعدادها لتكون عاصمةً للحكومة.

وفي الواقع، لم تكن العاصمة الجديدة، التي سميت باسم قائد ثورة الولايات المتحدة وأول رئيس لجمهوريتها، جورج واشنطن، مستعدة لاستقبال الموظفين الحكوميين، بوجه عام، وأعضاء الكونجرس بوجه خاص. فالمبنى الذي كان من المفترض أن يكون متسعاً للكونجرس، بالإضافة إلى عديد من الهيئات الحكومية الأخرى، لم يكن قد فُرِغ منه بعد، إذ تسبب نقص الأموال في إيقاف أعمال البناء لعدة سنوات. وفي النهاية، قرر المهندسون إعطاء أولوية لبناء وتجهيز الأماكن المعدة لانعقاد مجلس الشيوخ، قبل غيرها، حتى تتوفر الأموال اللازمة لإكمال بقية المبني.

وهكذا، حُشِر موظفو الحكومة وأعضاء الكونجرس في الجزء الذي فرغ من إنشائه. وكان أكبر وأفخم القاعات ـ كالعادة ـ من نصيب مجلس الشيوخ، الذي عقد أول اجتماعاته في العاصمة واشنطن يوم 21 نوفمبر عام 1800.

وفي عام 1803، استقطع الكونجرس 50 ألف دولار من الميزانية الحكومية، لاستكمال ذلك الجناح من المبنى، الذي توجد فيه قاعة مجلس النواب. وما إن شرع المهندس المشهور بنيامين لاتروب في أعمال البناء حتى بدأت حوائط قاعات جناح مجلس الشيوخ في التشقق والتداعي، فأوقفت أعمال البناء الجديدة، للمرة الثانية، حتى يتم ترميم مبنى مجلس الشيوخ، وبناء قاعة جديدة له في الدور العلوي من المبنى.

وفي عام 1807، توفرت الأموال اللازمة، وبدأت أعمال الترميم مرة أخرى، واستمرت حتى عام 1810. إلا أن المبنى سيئ الحظ لم يستمتع بوجوده أكثر من أربعة أعوام، ففي عام 1814، اجتاحت القوات البريطانية الولايات المتحدة، وقصفت مبنى الكونجرس محدثة فيه دماراً كبيراً.

وبعد انتهاء الغزو، عاد أعضاء مجلس الكونجرس إلى مبنى مهدم ومتصدع، فاستقطعوا هذه المرة نصف مليون دولار من الميزانية، لترميم المبنى وإكمال الأجزاء، التي لم تنته.

وفي أثناء عمليات الترميم، انتقل الكونجرس إلى فندق بلودجت (Blodgett’s Hotel)، الذي كان أكبر مبنى في المدينة بعد القصف البريطاني لجميع مباني مدينة واشنطن. وعلى الرغم من أن المكان اتسع لانعقاد جلسات الكونجرس، فإن أعضاء مجلس الكونجرس كانوا غير قادرين على ممارسة أعمالهم بطريقة طبيعية. وبدأ الحديث عن العودة مرة أخرى إلى مدينة فيلادلفيا، ومبانيها الكبيرة، وقاعات الكونجرس الفاخرة. إلا أن الأثرياء وأصحاب الأعمال التجارية في العاصمة الوليدة تبرعوا بأموال كافية، لبناء مبنى جديد خاص بالكونجرس، حتى يتم الانتهاء من ترميم المبنى القديم المتداعي. واستضاف هذا المبني، الذي عرف باسم الكابيتول الطوبي (Brick Capitol) أربع دورات برلمانية استمرت بين عامي 1815- 1819.

وفي 1819، انتقل الكونجرس إلى المبنى القديم، بعد أن رممت أجزاؤه المتهدمة، واستكمل بناؤه، وبقي فيه حتى عام 1859 (انظر صورة مبنى الكونجرس عام 1841).

وخلال هذه الحقبة الزمنية، ازداد عدد أعضاء الكونجرس نتيجة لانضمام ولايات جديدة، إلى الاتحاد، وزيادة عدد السكان في الولايات الأصلية، كذا زاد اهتمام الجمهور بحضور جلسات الكونجرس، لمناقشة الأمور الهامة، مثل وضع العبيد.

ولهذا السبب، اعتمد الكونجرس ميزانية جديدة، لتوسيع المبنى، وإضافة عدد من الحجرات والردهات والممرات إليه. واستمر العمل 17 عاماً متواصلة أُنْفِقت خلالها أموال باهظة، حتى صار المبنى تحفة فنية رائعة، لا يضاهيه مبنى آخر، في أي مكان في العالم، آنذاك. وفي 4 يناير عام 1859، شغلت مكاتب الكونجرس غرف المبنى الأرستقراطي الجديد، وظلت فيه حتى يومنا هذا.

وقد ضم المبنى الحديث ثلاثة أدوار، ومئات من الغرف وقاعات الاجتماع، كما ضمت قاعات مجلس النواب والشيوخ أماكن تتسع لعدد غفير من الجمهور. كما ضم المبنى استراحة لرئيس الجمهورية، وأخرى لنائب رئيس الجمهورية.

وعقب الحرب الأهلية، انتعشت الصناعات الأمريكية، وزاد الدخل القومي، واستلزم الأمر سن الكثير من القوانين. وزاد عدد الولايات، الأمر الذي أدى إلى زيادة أعضاء الكونجرس. وأتبع ذلك زيادة عدد الحجرات التي يحتلها النواب والشيوخ ومعاونوهم، وبذلك ضاق المكان بمن فيه، وزادت الحاجة إلى توسيع للمبنى. وقد تكررت عملية التوسيع عدة مرات، حتى صار في حجمه الحالي.

ومبنى الكونجرس، بحجمه الحالي، يعد أكبر مبنى برلماني في العالم، بل يعد من أكبر المباني على وجه الإطلاق (انظر صورة مبنى الكونجرس (منظر علوي)، وصورة مبنى الكونجرس (منظر جانبي) ). فهو مقام على مساحة أربعة أفدنة، أما مساحة غرفه الإجمالية فتبلغ حوالي 17 فدان، بعرض 120 متراً، بطول 250 متراً، وبارتفاع يقترب من 100 متر. ويحتوي المبنى على 540 غرفة، و850 ردهة، وهو مكون من خمس طوابق.

ويزخر المبنى باللوحات الفنية الغالية، والتماثيل الرخامية. ويغلب على المبنى الطِرازان: اليوناني، والروماني.

رحيل عرفات وتأثير ذلك في عملية السلام ( العربي / الاسرائيلي)

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالعزيز العسكر 20

رحيل عرفات وتأثير ذلك في عملية السلام

مر النظام السياسي الفلسطيني، بعد رحيل عرفات، في نوفمبر 2004، بمرحلة انتقالية حرجة، وربما استثنائية في تاريخ الشعب الفلسطيني؛ اعتراها الكثير من الإشكاليات والتحديات: الداخلية والخارجية. لقد وقف الشعب الفلسطيني خلالها أمام لحظة الحقيقة، التي استدعت مواجهة مسؤوليات غير مسبوقة؛ لتطوير النظام السياسي، على أُسُس ديموقراطية، في إطار ترتيب البيت الفلسطيني، وتعزيز الوحدة الوطنية والوفاق الوطني؛ لتأسيس شرعية وطنية، تراعي المتغيرات والمستجدات، داخل المجتمع الفلسطيني وقواه السياسية؛ وتملك القوة والشرعية، للتعامل مع الاحتلال، والمجتمع الدولي بمدخلاته وضغوطه المختلفة.

أولاً: فوز “محمود عباس” (أبو مازن) بالرئاسة

لقد بعث الفوز الساحق، الذي حققه “محمود عباس” (أبو مازن) في انتخابات يناير 2005، بعد رحيل “ياسر عرفات”، في نوفمبر2004، بعث آمال المجتمع الدولي، أن تُستأنف مفاوضات السلام، وتنتهي أربع سنوات من المواجهات الدامية، بين الفلسطينيين والإسرائيليين. فالإسرائيليون يريدون وقف الهجمات الفلسطينية. والفلسطينيون يريدون وقف العدوان الإسرائيلي على شعبهم وأرضهم؛ ويدركون أن إدارة الرئيس “بوش” غير مستعدة لممارسة أيّ ضغوط على إسرائيل.

وفى ضوء هذا المتغير، بفوز “أبو مازن”، اتخذت السلطة الفلسطينية عدداً من الإجراءات؛ لمنع أعمال العنف. فبدأت عملية التراجع النسبي لتلك الأعمال، في الأراضي الفلسطينية. بيد أن العديد من العقبات، ما برحت تواجه “أبو مازن”.

ثانياً: قمة شرم الشيخ

دعا الرئيس “حسني مبارك” إلى مؤتمر شرم الشيخ، في 8 فبراير 2005، بحضور الملك “عبدالله الثاني”، ملك الأردن؛ ورئيس الوزراء الإسرائيلي، “شارون”؛ ورئيس الوزراء الفلسطيني، “أبو مازن”؛ فضلاً عن حضور الرئيس المصري نفسه. وشجعه على هذه الدعوة اتخاذ السلطة الفلسطينية العديد من الإجراءات؛ لبناء الثقة بين الفلسطينيين والإسرائيليين. وقد قَبِلَت الدعوة الأطراف كافة، بما فيها إسرائيل، التي أيقنت أنه لا يمكن إخضاع الشعب الفلسطيني للاحتلال الدائم.

كانت القمة، كما قال الرئيس “مبارك”، “بداية جديدة، وانطلاقة لبناء الثقة، وإحياء الأمل، وإعادة الحق بشكل كامل للشعب الفلسطيني، بعد طول معاناة”.

وقد توصلت القمة إلى الإجراءات التالية؛ لبناء الثقة بين الجانبَين: الفلسطيني والإسرائيلي:

1. البدء، فوراً، بتسليم خمس مدن فلسطينية إلى السلطة الفلسطينية؛ وخروج القوات الإسرائيلية منها، في غضون عدة أسابيع (أريحا- قلقيلية- طولكرم- بيت لحم- رام الله). وتأليف لجنة، تبحث خروج القوات الإسرائيلية من باقي المدن الفلسطينية[1].

2. وقف مطاردة المطلوبين الفلسطينيين، طبقاً لخطة “محمد دحلان”؛ ولكنها لم تنفذ. وتقضي الخطة بأن يسلم المطلوبون سلاحهم إلى السلطة الفلسطينية، ويخضعوا لرقابة الشرطة الفلسطينية المستمرة.

3. عودة المبعدين إلى بيوتهم في الضفة الغربية، سواء الخارج (14مبعداً) و الموجودون في قطاع غزة.

4. الإفراج عن المسجونين والمعتقلين الفلسطينيين في المعتقلات الإسرائيلية (نحو900 أسير)[2].

ثالثاً: التحرك الدولي

وفي إطار التحرك الدولي، أعلن الرئيس الأمريكي، في خطبته، التي اختص بها حالة الاتحاد، أن إنشاء دولتَين ديموقراطيتَين: إسرائيل وفلسطين، أصبح في متناول اليد. وتعهد تقديم مساعدة للفلسطينيين، قِيمتها 350 مليون دولار؛ لتحقيق هذا الهدف.

وفي المستوى الأوروبي، سخَّر رئيس الوزراء البريطاني “توني بلير”، نتائج مؤتمر شرم الشيخ للدعوة إلى مؤتمر، يدعم الإصلاحات الفلسطينية. فعقد في لندن، في بداية مارس 2005. واستغرق يوماً واحداً. وشاركت فيه 23 دولة، في مستوى رؤساء الوزراء ووزراء الخارجية. وحضره رؤساء أو مندوبون عن 30 منظمة عالمية وإقليمية. وقد تمخض بنتائج مهمة، لدعم السلطة الفلسطينية؛ وهو ما شكل خطوة أساسية في إطار تنفيذ “خريطة الطريق”. كما حث إسرائيل على الوفاء بالتزاماتها تجاه الفلسطينيين. وأعلن المؤتمرون التزامهم حل النزاع، عبر التفاوض المباشر في إنشاء دولة فلسطينية، تعيش، في سلام، مع جارتها، إسرائيل. وتعهدت الدول المانحة تحويل مليار ومائتي مليون دولار للسلطة الفلسطينية، خلال عام 2005.

أمّا في المستوى الإسرائيلي، فقد أصر رئيس الوزراء الإسرائيلي على تنفيذ خطة الفصل أحدي الجانب، الذي تباركه واشنطن؛ والإسراع ببناء الجدار العازل، وإخلاء مستوطنات قطاع غزة، قبل نهاية عام 2005.

رابعاً: إعلان القاهرة (15-17 مارس 2005)

اختتم، في القاهرة، حوار الفصائل الفلسطينية باتفاق على تثبيت الهدنة الحالية، حتى نهاية عام 2005. وأكد الإعلان استمرار الحوار في شأن قضايا البيت الفلسطيني. وصدر البيان الختامي في ست نقاط، شددت على التمسك بالثوابت الوطنية؛ وحق المقاومة؛ والاتفاق على برنامج عمل، على مدار عام 2005، يرتكز على التزام الهدنة، في مقابل التزام إسرائيل وقف العدوان، وإطلاق الأسرى.

وقد لاحظت الجرائد العربية، أن إعلان القاهرة، أعاد تأكيد أن منظمة التحرير الفلسطينية، هي الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني. وطبقاً للمصادر، التي تابعت عمل اللجنة، التي صاغت إعلان القاهرة، فإن مسألة التهدئة، المنصوص “عليها في الإعلان، كانت أمراً متفقاً عليه، قبل أن تحضر وفود الفصائل إلى العاصمة المصرية”، كما تقول جريدة “الحياة”. إلا أن البعض، وخصوصاً “حماس” و”الجهاد”، كان راغباً في تحديد سقف زمني لهذه التهدئة، لا يتجاوز ثلاثة أشهر؛ وهو ما رفضته بقية الفصائل. ثم عادت وقبلته، حين وضعت لجنة الصياغة، في النص الختامي، أن التزام التهدئة، يأتي في إطار برنامج عمل للعام 2005؛ ومن ثَم، فإنه يُعَدّ حلاً وسطاً بين هدنة مفتوحة، وطويلة الأمد ، وشرط السقف الزمني، الذي يقتضي المراجعة.

خامساً: العلاقات الأمريكية ـ الفلسطينية

الزيارة الأولى لواشنطن، في 26 مايو 2005، تمكَّن رئيس السلطة الفلسطينية من إعادة القضية الفلسطينية، مجدداً، إلى البيت الأبيض، حيث كانت الإدارة الأمريكية، برئاسة “جورج بوش”، قد حمَّلت الجانب الفلسطيني مسؤولية كلّ ما يجري، من عنف وإرهاب، على الأراضي الفلسطينية؛ ومن ثَم اعتمدت الرأي الإسرائيلي، القائل بعدم وجود شريك فلسطيني في السلام.

سرعان ما زعزع “أبو مازن”، الرؤية الأمريكية، أثناء تلك الزيارة، التي استهدفت دعم العلاقات الأمريكية ـ الفلسطينية. وعلى الرغم من جهود اللوبي الصهيوني؛ و”شارون” نفسه، في إفشال الزيارة، ودفع الإدارة الأمريكية إلى التنكُّر للزائر، فإن الأخير، تمكن، عبْر رؤية عقلانية، من انتزاع مواقف إيجابية من تلك الإدارة الأمريكية، تمثلت في مساعدات اقتصادية مباشرة للسلطة الوطنية؛ أو تصريحات أمريكية مباشرة، تعرب عن وقف توسيع المستعمرات، وضرورة تفكيك غير القانوني منها، وانسحاب القوات الإسرائيلية إلى حدود ما قبل 28 سبتمبر 2000.

وقد أكد “بوش”، خلال المؤتمر الصحفي مع “أبو مازن”، النقاط التالية:

1. التزام بلاده مشروع “خريطة الطريق”؛ لتحقيق السلام في الشرق الأوسط؛ على أساس أنها الوسيلة الوحيدة لتجسيد صورة الدولتَيْن اللتَيْن تعيشان جنباً إلى جنب، في سلام.

2. العمل، بالتعاون مع السلطة الفلسطينية، لتجسيد رؤية دولة فلسطينية مستقلة، حرة، وديموقراطية.

3. الوعد بدعم الشعب الفلسطيني بمجموعة من المساعدات المالية المباشرة. وتحديد سلسلة من المبادئ، لمواصلة مسيرة السلام؛ ومن بينها مطالبة إسرائيل بإخلاء النقاط الاستيطانية غير القانونية، ووقف البناء في المستوطنات، بما في ذلك تلك التي تبنى في محيط القدس. وضرورة الدعوة إلى اتخاذ خطوات، من شأنها تحسين حياة الفلسطينيين، وخاصة ما يتعلق منها بالجانب الإنساني.

4. تأكيد ضرورة أن يراعي بناء الجدار الفاصل حياة الفلسطينيين، وأن يكون لأغراض أمنية، وليس سياسية.

أمّا “أبو مازن”، فقد طالب بوقف بناء الجدار الفاصل، والأنشطة الاستيطانية؛ استجابة لما نصت عليه “خريطة الطريق”. كما أكد أن الديموقراطية الفلسطينية، لا يمكنها الازدهار تحت الاحتلال الإسرائيلي، وفي غياب الحرية. كذلك أكد أهمية الدور، الذي يمكن أن تضطلع به الولايات المتحدة الأمريكية، من أجل تحقيق السلام في المنطقة.

سادساً: الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة

شهدت نهاية أغسطس 2005، انسحاب إسرائيل الكلي، من جانب واحد، من قطاع غزة، بعد تفكيك مستوطناته، البالغة (21) مستوطنة، وإخلائها من المستوطنين، وتفكيك معسكرات الجيش الإسرائيلي فيها. واتخذت القوات الإسرائيلية مواقع لها، موازية للحدود مع القطاع. كما وافقت الحكومة الإسرائيلية على أن تنشر مصر (750) جندياً، من قوات حرس الحدود، في حدودها مع القطاع. وفُتح معبر رفح الحدودي، بين القطاع ومصر، بعد تطويره، وتزويده بمراقبين، بناء على اتفاق فلسطيني- إسرائيلي؛ من أجل ضمان مراقبة إسرائيلية لحركة المعبر، من خلال أجهزة التصوير التليفزيونية. كما انسحبت إسرائيل من أربع مستوطنات، في شمالي الضفة الغربية، بعد تفكيكها، وإخلائها من مستوطنيها.

وفي إطار هذا الانسحاب الأحدي الجانب، الذي نجح الإسرائيليون في تزيينه إعلامياً، وبطريقة جيدة، في الصعيد الدولي، ثارت الخلافات داخل الائتلاف الحاكم في إسرائيل. ففي 7 أغسطس 2005، استقال “بنيامين نتنياهو” من وزارة المالية؛ احتجاجاً على خطة الانسحاب، قُبَيْل تنفيذها. وكان رئيس الوزراء، “ارئيل شارون”، قد استبعد، في 7 يناير 2005، وزراء حزب “شينوي” من الائتلاف، بسبب تصويتهم ضد مشروع الموازنة، عند مناقشته في الكنيست. واتفق مع حزبَي “العمل” و”يهود التوراة” على دخول الائتلاف. وعين زعيم حزب “العمل”، “شيمون بيريز” نائباً له. كما ساءت شعبية “شارون” داخل تكتل “الليكود” حيث بات يواجه تياراً مناهضاً له؛ بسبب خطة الانسحاب.

وعلى أثر فوز “عمير بيريتس” بزعامة حزب “العمل”، في نوفمبر 2005، وإزاحته “شيمون بيريز” عن تلك الزعامة؛ واقتراب موعد انتخابات كتلة “الليكود”، شعر “شارون”، أن خسارته زعامة التكتل، لمصلحة منافسه التقليدي، “نتنياهو”، هو أمر واقع، لا محالة؛ فبادر إلى الاستقالة من زعامة الحزب، ليؤلف حزباً جديداً، أطلق عليه اسم: “كاديما”؛ وهي تعني “قُدماً”. وانضم إلى الحزب الوليد عدد من الوزراء، وأعضاء الكنيست، الموالين له؛ فضلاً عن أعضاء من أحزاب أخرى، من بينهم “شيمون بيريز”. وعلل “شارون” خطوته بالقول، إنه كوّن حزباً وسطاً، بين تطرف “الليكود” اليميني و”العمل” اليساري؛ سيكون قادراً على تحقيق أمن الدولة واستقرارها، وصنع سلام مباشر مع الفلسطينيين. واتفق مع الزعيم الجديد لحزب “العمل” على إجراء انتخابات مبكرة، في مارس 2006. ودعا “شارون” الرئيس الإسرائيلي، “موشيه كاتساف”، إلى حل الكنيست، قبل ذلك الموعد؛ والدعوة لانتخابات مبكرة.

سابعاً: الاجتماع الأمريكي ـ الفلسطيني

بعد أشهر على اجتماع مايو 2005، اجتمع “بوش” و”أبو مازن”، ثانية، في واشنطن، في أكتوبر 2005. وفي المؤتمر الصحفي، الذي عقداه، بعد جلسة من المباحثات، حدَّد أولهما. ملامح سياسته عملية السلام في الشرق الأوسط. وحاول طمأنة الفلسطينيين بإمكان إنشاء دولتهم المستقلة؛ على الرغم من تراجعه عن الموعد، الذي سبق أن أعلنه، قبْل نهاية ولايته، لإنشاء هذه الدولة في أواخر عام 2008، ومن قبْل في عام 2005، ثم تأجيل ذلك إلى عام 2009، أيْ بعد نهاية ولايته الثانية. وطالب إسرائيل بمطالب تقليدية: وقف بناء المستوطنات، ورفع المعاناة عن الفلسطينيين، وإزالة ما أسماه: البؤر الاستيطانية غير المرخص بها. وأكد أن تحقيق السلام، يتطلب تضامن جهود كلّ الأطراف المعنية. كما دعا السلطة الفلسطينية إلى رفض ما أسماه: الإرهاب، والمبادرة إلى محاربته. واسترضى “بوش” الفلسطينيين، بترديد انتقاده على إسرائيل سياساتها في الأراضي المحتلة. وقال إن عليها ألاَّ تتخذ أيّ أنشطة تناقض التزامات “خريطة الطريق”. وشدد على ضرورة السعي الدؤوب في بناء الاقتصاد الفلسطيني؛ مناشداً الدول العربية دعم هذا الاقتصاد.

أمّا أبو مازن، فقد أكد ضرورة مواصلة الإبقاء على النافذة، التي خلفها الانسحاب الإسرائيلي من غزة، مفتوحة؛ للمساعدة على اتخاذ خطوات تالية إلى سلام دائم. وأعلن ضرورة تنفيذ تفاهمات شرم الشيخ؛ فضلاً عن إيقاف الأنشطة الاستيطانية، ومعها الجدار العازل؛ وسحب القوات الإسرائيلية إلى حيث كانت قبْل 28 سبتمبر 2000. كما بيَّن أن الانتخابات الفلسطينية، التي ستجرى في المرحلة المقبِلة، مع بداية عام 2006، ستكون أول انتخابات، منذ عشر سنوات، يختار فيها الشعب الفلسطيني ممثليه؛ ويجسد الشعار، الذي بنى عليه برنامجه السياسي، وهو: سلطة واحدة. وقانون واحد. وتعددية سياسية.

ثامناً: تَدارُك فوز “حماس”

فوز حركة “حماس” في الانتخابات التشريعية الفلسطينية، التي أجريت في 25 يناير 2006؛ وشارك فيها نحو 80 % من الناخبين الفلسطينيين؛ وحصولها على 74 مقعداً، أيْ نحو 56 % من إجمالي مقاعد المجلس التشريعي الفلسطيني، البالغة 132 مقعداً؛ واقتصار منظمة “فتح” على 45 مقعداً من مقاعد المجلس ـ كلّ ذلك دفع بالمسألة الفلسطينية إلى صدارة القضايا السياسية، التي يُوْلِيها النظام العالمي الجديد اهتمامه.

وأثار فوز “حماس” الاستفهام عن أهليتها لتولي الحكم، ومدى قبول هذه الولاية، دولياً وإقليمياً وعربياً. ولم تكن إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية في حاجة إلى التوضيح، إذ كانت قد أعلنتا، بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، أنها منظمة إرهابية. واشترط عليها الرئيس الأمريكي “بوش”، أربعة شروط، لدعم رئاستها لحكومة فلسطينية، وهي: أن تُغير برنامجها السياسي، وتُبَدِّل أسلوب تفكيرها، وتفكك جناحها العسكري، وتعدِّل موقفها من إسرائيل. وجهر بأن رؤيته لإنشاء دولة فلسطينية، لن تتحقق، إذا أصرت “حماس” على نيتها في تدمير دولة إسرائيل.

كما أن السكرتير العام للأمم المتحدة “كوفي أنان”، أكد في بيان، أعلنه في نهاية يناير 2006، “أنه يتعين على “حماس”، أن تنبذ العنف، وتعترف بإسرائيل، إذا كانت ستشارك في حكومة فلسطينية”. وهَّدد بأن المعونات الخارجية، لن تستمر ما لم تتخلّ الحركة الفلسطينية عن العنف والعمليات الانتحارية؛ وتلتزم بالاتفاقيات السابقة، بما فيها”خريطة الطريق”. كما منحت اللجنة الرباعية الدولية “حماس” مدة 3 أشهر، لتنفيذ مقررات اللجنة، والتي أعلنها “كوفي أنان”.

وكان الموقف الإسرائيلي، في ضوء ما تشهده الحملة الانتخابية، أشد حزماً. ورفع حزب “كاديما”، شعاراً، بعنوان: “فلنكن أقوياء في وجه “حماس”، كما أوقفت إسرائيل تحويل المقررات الجمركية إلى السلطة الفلسطينية؛ من أجل إحراج الحركة الفلسطينية.

وفي المستوى الفلسطيني، اعترفت منظمة “فتح” بهزيمتها في الانتخابات؛ بل طالبت بمعاقبة قادة المنظمة أنفسهم عبْر الشارع الفلسطيني. وأعلن “أبو مازن” بعد اجتماعه مع الرئيس “مبارك”، في القاهرة، أن تكليف “حماس” تأليف الحكومة الفلسطينية الجديدة، رهن باستحداثها ثلاثة مقومات: “نبذ العنف – الاعتراف بإسرائيل – واحترام اتفاقيات السلام السابقة بين الفلسطينيين وإسرائيل”. ولكنها رفضت هذه الشروط؛ وأعلنت استعدادها لعقد هدنة مع إسرائيل، مدة عشر سنوات.

تاسعاً: الانتخابات الإسرائيلية

أكسب الانتخابات الإسرائيلية، في 28 مارس 2006، أهميتها الخاصة عاملان مهمان: أَوَّلهما، تحولات النظام السياسي الإسرائيلي؛ وظهور قوى حزبية جديدة، ممثلة في حزب “كاديما” الذي طرح رؤية، ما عهدتها كتلتا اليمين واليسار، إذ يسعى إلى سياسات عملية، تستند إلى قاعدة جماهيرية مهمة. أمّا العامل الثاني، فهو تولي “حماس” الحكومة الفلسطينية، والتي تمتلك هي كذلك رؤية مغايرة لرؤية “فتح”.

وبعد نجاح حزب “كاديما”، عُهد إليه بتأليف الحكومة. فأصبح قادراً على ترجمة رؤيته بمنهج الفصل والانسحاب أحدي الجانب. على ما يعنيه من إغفال لمشاورة الفلسطينيين في حدود الانسحاب وخطوطه. ولا ريب أن “حماس”، لن تقبل إلا القرارَين الدوليَّين: (242)، (338)، اللذَين ينصان على الانسحاب الإسرائيلي إلى حدود ما قبل 5 يونيه 1967. وهو أمر سيؤدي، حتماً، إلى تعليق عملية السلام، الذي تتمناه إسرائيل؛ لتستكمل بناء الجدار العازل، وبناء مستوطناتها، والتوسع في ضم الأراضي الفلسطينية؛ فيمسي ذلك أمراً واقعاً.

عاشراً: أزمة النظام السياسي الفلسطيني

مرت العلاقات الفلسطينية – الإسرائيلية بمرحلة حرجة، نجمت عن تأليف حزب “كاديما” الحكومة الإسرائيلية، وتَوَلِّي “حماس” الحكومة الفلسطينية؛ ولكلّ منهما برنامجه السياسي المناقض للآخر. فتطرح أُوْلاهما الانسحاب أحدي الجانب من الضفة الغربية؛ وترك أقلّ مساحة من الأراضي للفلسطينيين؛ وتقسيم الحدود تقسيماً، يتمشى مع أهدافها، ضم معظم أراضي الضفة المذكورة إلى إسرائيل، فيحتويها الجدار الأمني؛ وتحصل على موافقات وضمانات أمريكية. أمّا الحكومة الفلسطينية، فإنها تعود بالقضية إلى بداياتها، مطالبة بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.

وتطلب تل أبيب من حكومة “حماس” الاعتراف بإسرائيل، والاتفاقيات السابقة؛ والتخلي عن المقاومة، أولاً، وقبْل أيّ اتصالات أو مفاوضات. كما حرضت الإدارة الأمريكية، والاتحاد الأوروبي، والمجتمع الدولي، على دعم سياستها في هذا الاتجاه؛ باتخاذ العديد من الإجراءات الصارمة، لابتزاز الحكومة الفلسطينية. ومن ثَم، تصاعدت المواجهة، بعد تنفيذ إسرائيل، والولايات المتحدة الأمريكية، وبمشاركة دولية، خطة مشتركة لزيادة الضغوط: السياسية والاقتصادية، وحجب الأموال عن حكومة “حماس”؛ ووضع العراقيل أمام الحياة المعيشية للشعب الفلسطيني؛ لمعاقبته بخياره الديموقراطي؛ وفى الوقت نفسه، ممارسة الضغوط على الحكومة الفلسطينية؛ لتغيير منهجها أو إسقاطها؛ الأمر الذي خلق أزمة معقدة داخل النظام الفلسطيني.

هذا وقد مر النظام السياسي الفلسطيني، منذ تولِّي “حماس”، بمرحلة صعبة، ومتطلبات متعددة، من الداخل؛ لعبور الأزمة، وخاصة ما يتعلق بإصلاح النظام السياسي، وتحقيق الوحدة الوطنية والإصلاح الإداري، ومعالجة الفساد والفوضى الأمنية. وناهيك مروره بأزمة قيادة، ولا سيما في محال توزُّع مؤسسة الرئاسة والحكومة الصلاحيات والمسؤوليات، واختلاف برامجهما السياسية، وعدم القدرة على التوصل إلى إستراتيجية موحدة. وتكمن الأزمة الكبرى في انفراد “حماس” بالحكومة؛ مع أن الحركة، لا تمثل جميع القوى السياسية؛ كما أن جميع الحلول المطروحة على الحكومة، ليس فيها مصلحة للحركة؛ بل تستبعدها من الحل؛ بسبب محاصرتها داخلياً وخارجياً؛ ولو أمكنها التغلب على الحصار الداخلي، فإن الحصار الخارجي هو الأشد قسوة على الحكومة والشعب الفلسطينيّين.

حادي عشر: التنسيق بين حكومة “أولمرت” والإدارة الأمريكية

في يونيه 2006، زار رئيس الوزراء الإسرائيلي الجديد، “إيهود أولمرت”، الولايات المتحدة الأمريكية؛ لتنسيق مواقف الطرفَين، وعرض خطط إسرائيل، في المرحلة المقبلة. ولخص “أولمرت” لقاءه الرئيس “بوش” بقوله: “خرجت بانطباعات إيجابية قوية… أنا سعيد بهذا اللقاء”. ووصف جولته في الولايات المتحدة الأمريكية بأنها ناجحة؛ وهذا صحيح؛ لأنها أدت إلى تثبيت الموقف الأمريكي الداعم لإسرائيل، وتأسيس علاقات شخصية إيجابية بين الزائر والمزور.

كان أهم ما ركز فيه “أولمرت”، هو الخروج بمكاسب حقيقية، وتسويق خطته للانسحاب أحدي الجانب من الضفة الغربية، وضم الكتل الاستيطانية الكبيرة إلى إسرائيل، والتي أطلق عليها اسم: “خطة الانطواء”. وتعتمد هذه الخطة، كما تذكر المصادر الإسرائيلية، على تجميع المستوطنين في عدة كتل استيطانية، تحاط بالسور، وترسم حولها الحدود الدائمة.

ومن أهم الشؤون المتعلقة بالقضية الفلسطينية، والتي ناقشها الرجلان، ما يلي:

1. المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية

أكد “أولمرت”، على أن مسألة البؤر الاستيطانية، غير القانونية في المباحثات، لم تناقش. ونوَّه بالدعم الأمريكي لتنفيذ خطة فك الارتباط، في قطاع غزة؛ مشيراً إلى ضرورة توافر هذا الدعم للخطوة المستقبلية، التي تخططها حكومة إسرائيل. ويرى “بوش”، أن عملية تجميع المستوطنات، تُعَدّ خطوة إيجابية إذا لم تتمكن المفاوضات من التوصل إلى حل.

2. القضية الفلسطينية

لقد أكد “بوش” الشروط الثلاثة، المُشْتَرَطَة على الحكومة الفلسطينية، برئاسة “حماس”؛ وهي: الاعتراف بإسرائيل، والتنصل من الإرهاب، والاعتراف بالاتفاقيات الموقعة. ولَفَتَ إلى أن الطريق الأفضل للوصول إلى السلام، هو المفاوضات. وامتدح خطة ضيفه، بأنها امتداد لخطة فك الارتباط.

وحظي “أولمرت” بترحيب الكونجرس الأمريكي الحار، وموافقته الضمنية على مخططاته كافة. كما قاد رئيس الوزراء الإسرائيلي حملة على “حماس”، من خلال اتهامها بالإرهاب، ومعاداة السامية، وتَعَهُّدها إبادة إسرائيل. وأشار إلى تعرُّض الدولة العبرية، خلال السنوات الست الأخيرة، لأكثر من 20 ألف محاولة لتنفيذ عمليات تفجير، استهدفت مواطنيها المدنيين. ونوَّه بأن من بين ضحايا هذا الإرهاب مواطنين أمريكيين. وأكد إسرائيل لن تخضع للإرهاب.

ثاني عشر: اِطِّراد العنف

اطرَّدت العمليات الإسرائيلية، في الفترة من يونيه وحتى نهاية ديسمبر 2006، وخاصة بعد اختطاف المقاومة الفلسطينية الجندي الإسرائيلي، “جلعاد شليط”، ورَهْنها إطلاقه بتسريح الأسرى الفلسطينيين. ومن ثَم، نفذت إسرائيل عدة اجتياحات للأراضي الفلسطينية، ولا سيما قطاع غزة، الذي اختصه الطيران والمدفعية الإسرائيليان بغارات، دمرت بنيته التحتية.

وفى الوقت نفسه، استشرت الاشتباكات، بين حركتَي “حماس” و”فتح”؛ حتى إنها طاولت رأس أُوْلاهما، رئيس الوزراء الفلسطيني، “إسماعيل هنية” بعد عبوره معبر رفح، عند عودته من زيارة خارجية، في 14 ديسمبر 2006. وقد أدى هذا الاقتتال إلى تفاقم معاناة الشعب الفلسطيني، وتراجع القضية الفلسطينية وعملية السلام، وإعطاء إسرائيل الذريعة لتزعم افتقاد الشريك الفلسطيني القادر على صنع السلام.

ثالث عشر: ضرورة عملية السلام

زارت القاهرة وزيرة الخارجية الأمريكية، “كوندوليزا رايس”. وواكب هذه الزيارة استفحال الوضع المتردي في الأراضي الفلسطينية، واستعار الاقتتال الفلسطيني؛ حتى إن الأمر بات ينذر بعواقب مخْطِرَة؛ ما لم تنشط الجهود: الدولية والإقليمية، لاستعادة الهدوء، والعودة إلى التفاوض والحوار؛ والمسارعة إلى صياغة جديدة لمبادرة، تقود إلى تحقيق السلام والاستقرار في الشرق الأوسط، وتسوي النزاع الفلسطيني ـ الإسرائيلي تسوية شاملة. فعجلت الوزيرة الأمريكية إلى الاجتماع، في 3 أكتوبر 2006، في العاصمة المصرية، مع وزراء خارجية ثماني دول عربية، هي: مصر والأردن ودول مجلس التعاون العربي الخليجي الست؛ عسى أن يتداركوا هذه الأزمة. كما رأت “رايس” ضرورة دعم الرئيس الفلسطيني، “محمود عباس”، دعماً قوياً؛ ليتمكَّن من المضي قُدُماً في رؤيته المعتدلة للتوصل إلى تسوية مع إسرائيل.

أمّا الطرح العربي، في اجتماع القاهرة، فقد رأى أن “خريطة الطريق” تحْمل هي نفسها عوامل ضعفها. وأحد تلك العوامل، أن مراحلها متراكبة، ينتهي بعضها إلى بعض؛ بمعنى أنه إذا اتخذ طرف إجراء، فالمتصور أن على الطرف الآخر، أن يتخذ إجراءً تابعاً. ومن ثَم، فلو توقف طرف، فسيتوقف الطرف الآخر.

رابع عشر: الموقف الإسرائيلي من السلام

لا ريب أن إسرائيل هي السبب الرئيسي، والمباشر، لكلّ ما يحدث في الأراضي الفلسطينية. فهي لو كانت جادّة في قبول السلام الحقيقي، لَمَا أصرت على المستحيلات واللاءات، التي تستفز مرجعيات التفاوض، فتضطرها إلى خلْق الصعاب الحقيقية، وإفساد حلم السلام على شعوب المنطقة، والذي يصعب الانحلام عنه، في غيبة من التخيير الضروري، بين استمرار احتلال أراضي الغير، من ناحية؛ أو الحصول على السلام، وضمان الأمن والاستقرار، من ناحية أخرى.

وما برحت إسرائيل تعلن، من آن إلى آخر، اجتياحاً عسكرياً لقطاع غزة، متذرعة باستمرار اختطاف الجندي الإسرائيلي؛ إضافة أن قطاع غزة، يحصل على أسلحة، بكميات وافرة، تهدد أمن إسرائيل؛ فضلاً عن كتائب القسام، ما زالت تطلق صواريخها على المستوطنات الإسرائيلية، شمالي القطاع الآنف. كما تبرر إسرائيل عدوانها بأن اتفاقاً، أُبرم بين “حماس” وإيران، في 10 أكتوبر 2006، خلال زيارة وزير الداخلية الفلسطيني، “سعيد صيام” لطهران، تدعم بموجبه ثانيتهما أُوْلاهما، في قطاع غزة، بنوعيات متطورة من الأسلحة.

كما أعلن “إيهود أولمرت” توقف الترتيبات كافة للقاء مع “أبو مازن”. وفي الوقت نفسه، أعلن “علموس جلعاد”، المسؤول في وزارة الدفاع، أن الجيش الإسرائيلي، يكثف هجماته: البرية والجوية، في قطاع غزة؛ من أجل منع إطلاق الصواريخ وتهريب الأسلحة. وأكد أن حركة “حماس”، تمثل تهديداً لأمن إسرائيل. ناهيك بتكرار إسرائيل اقتحام مدينتَي رام الله ونابلس، حيث تعتقل وتقتل مَن تطلق عليهم: النشطاء الفلسطينيين المناوئين لإسرائيل.

وطرأ عامل مهم على الوضع السياسي الداخلي في إسرائيل، وخاصة بعد أن زعزعت حرب لبنان، في يوليه 2006، مكانة “أولمرت” في ذلك الداخل. وتمثل العامل الطارئ في انضمام الأحزاب اليمينية المتطرفة، مثل: حزب “إسرائيل بيتتا”و”يهدوت هتوراه”، إلى الحكومة الإسرائيلية. (يضم الائتلاف الحاكم، حالياً، 67 نائباً، من أربع كتل نيابية، هي: “كديما” 29 نائباً، و”العمل” 19 نائباًن و”شاس” 12 نائباً، والمتقاعدين 7 نواب). يعني ذلك أن قرارات هذه الحكومة، ستكون في مصلحة التطرف، بعيداً عن عملية السلام.

خامس عشر: زيارة “أولمرت” للولايات المتحدة الأمريكية (نوفمبر2006)

سُخِّرت مباحثات رئيس الوزراء الإسرائيلي، “إيهود أولمرت” مع الرئيس الأمريكي، “بوش”، في واشنطن، لمناقشة ثلاث قضايا رئيسية، هي: قضية الشرق الأوسط – إيران – العراق. ففي شأن أُوْلاها، عرض “أولمرت” رؤيته لأسلوب حل القضية الفلسطينية، في إطار “خريطة الطريق”؛ فاشترط على الحكومة الفلسطينية الاعتراف بإسرائيل، والتزام الاتفاقات الموقعة مع السلطة الفلسطينية؛ علاوة على تهدئة الأوضاع، وإيقاف الإرهاب الفلسطيني ـ حسب قوله ـ. وقد جاءت زيارة “أولمرت” لواشنطن، بعد أيام من فوز الديموقراطيين في الانتخابات البرلمانية.

أمّا السلطة الفلسطينية، فقد أعلنت، أن استخدام الفيتو الأمريكي، في مجلس الأمن؛ للحيلولة دون التنديد بجرائم إسرائيل الوحشية، في قطاع غزة بعامة، ومذبحة “بيت حانون” بخاصة ـ يشجع تل أبيب على مواصلة عمليات قتل الفلسطينيين.

سادس عشر: التناحر الفلسطيني

أَذْكَى رئيس السلطة الفلسطينية، “أبو مازن”، الخلاف بينه وبين رئيس الوزراء الفلسطيني “إسماعيل هنية” (ممثلاً لحركة “حماس”)، إذ دعا، في خطبة، في رام الله، بالضفة الغربية، في 16 ديسمبر 2006، إلى إجراء انتخابات مبكرة: رئاسية وتشريعية. وهي الدعوة التي رفضتها “حماس”. ورأت فيها دعوة إلى حرب أهلية. ودعت أنصارها للنزول إلى الشوارع، في قطاع غزة والضفة الغربية؛ للتعبير عن رفضهم إياها. وسرعان ما اشتبك مسلحون، ينتمون إلى حركتَي “حماس” و”فتح”؛ ما أدى إلى سقوط 19 شخصاً، بين قتيل وجريح. وهو أمر، ينذر باستفحال الموقف؛ ما يقضي على عملية السلام، ويدخل الفلسطينيين في دوامة من العنف، بعيداً عن القضية الأساسية. وأكد “أبو مازن”، أن الموقف صعب جداً، وأن الشعب الفلسطيني، تحوَّل من مناضلين إلى متسولين؛ وأن المكاسب الفلسطينية، قد تراجعت؛ بل أصبح هناك انهيار في القِيم الاجتماعية.

وسارع الأمين العام لجامعة الدول العربية، “عمرو موسى”، إلى تأكيد أن الحوار الفلسطيني، والوحدة الوطنية أمران مهمان لوضع الحركة السياسية: العربية والدولية، ولإحياء عملية السلام. وأشار إلى أن قرار المجلس الوزاري العربي، كسر الحصار، قرار جماعي، يجاهر بأن العرب، لن يشتركوا في تجويع الشعب الفلسطيني، أو إحراج السلطة. وعلق على رفض إسرائيل عقد المؤتمر الدولي للسلام، الذي اقترحه الجانب الأوروبي، بقوله إن السياسة الإسرائيلية، لا تريد أيّ تحريك، سواء كان مؤتمراً دولياً للسلام، أمْ اقتراحاً آخر. والمهم أن يتحرك العالم، والاتحاد الأوروبي، والأمم المتحدة، من أجل تحريك عملية السلام.

وهكذا ينتهي عام 2006، من دون أيّ تقدم في مسيرة السلام، ليس في المستوى الفلسطيني فحسب؛ وإنما في المسارات الأخرى كافة: السورية واللبنانية. ومن ثَم، عُلِّقَت عملية السلام، وتوقف كلّ تحرك إيجابي للمجتمع الدولي، وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية، والاتحاد الأوروبي.

إستراتيجية التهويد والاستيلاء الإسرائيلي على القدس

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالعزيز العسكر 20

إستراتيجية التهويد والاستيلاء الإسرائيلي على القدس

إن ما يجري، الآن، في مدينة القدس بواسطة الجانب الإسرائيلي، ما هو إلا صراع مع الزمن. فقد بدأ يترسخ في العقل الإسرائيلي، أن الأوان قد آن لإعادة الحقوق إلى أصحابها، ومن ثم، فهم في صراع مع الزمن، في محاولة تغيير المعالم، الجغرافية والديموجرافية، للكثير من الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية، عموماً، بحجة الأمن، وفي القدس الشرقية، خصوصاً، بحجة عد القدس الموحدة عاصمة أبدية لإسرائيل.

في هذا السياق، تجري عمليات التهويد على قدم وساق، من إقامة أحزمة من المستوطنات الأمنية، وشق الطرق حولها، خاصة من الاتجاه الشرقي، في محاولة لعزلها عن الضفة الغربية. ويواكب ذلك محاولات تشجيع الإسرائيليين على الهجرة، والاستقرار في القدس. بينما على الجانب الآخر، تعرقل إسرائيل النمو الطبيعي للعرب المقدسيين، سواء بالنسبة إلى إقامة مساكن جديدة، أو لمحاولة البقاء في القدس، من خلال المضايقات المتعددة، التي تهدف إلى دفعهم إلى مغادرة القدس. وبذلك، تحقق هدفها من التغيير، الجغرافي والديموجرافي، الأمر الذي يمكن أن يفرض نفسه في النهاية لمصلحة إسرائيل.

ولمّا كان الفكر اليهودي، والصهيوني عموماً، يتميز، على مر العصور، بالتخطيط بعيد المدى، لذلك، يجدر بنا تناول المحاولات اليهودية والصهيونية لتهويد القدس، ومراحل ذلك، على امتداد التاريخ الحديث وحتى اليوم، بغية تعرف هذا الفكر الاستعماري الاستيطاني.

أولاً. مراحل التهويد

1. المرحلة الأولى: 1807 ـ 1916

شرعت الجماعات اليهودية في بريطانيا تمارس نفوذها، للبدء بتنفيذ خطوات على طريق التهويد التدريجي. فتمكن موسى مونتفيوري، بحكم منصبه كضابط في قصر الملكة فيكتوريا Victoria ، ملكة إنجلترا، إذ كان يصاهر آل روتشيلد، أثرى أثرياء الأُسر اليهودية، آنذاك، من التأثير في فرنسا وإنجلترا، لممارسة ضغوطٍ على الدولة العثمانية، لاستصدار فرمانات، تسمح بإقامة مؤسسات يهودية في فلسطين، تأتي القدس في مقدمتها.

وكنتيجة لهذه الضغوط المتواصلة، تمكنت قوى الجماعات اليهودية، من إقناع قناصل الدول المقيمين بالمدينة المقدسة، من انتزاع (فرمانات) عدة، لإقامة مثل هذه المؤسسات، لتصبح القدس هدفاً متميزاً للمطامع اليهودية الصهيونية، حتى قبل الإعلان، عملياً، عن هوية الحركة الصهيونية، في 29 أغسطس 1897، في بال في سويسرا.

وبعد أن مهد موسى مونتفيوري السبيل للشروع في حملته الاستيطانية، في قلب مدينة القدس التاريخية، بدأ بتنظيم رحلات عمل إليها، لإقامة الأحياء اليهودية، منذ عام 1827. فقام بست زيارات، لتنفيذ مخططه التمهيدي، ببناء المؤسسات والأحياء اليهودية، خارج محيط السور التاريخي لمدينة القدس، ليكون ذلك مقدمة لتحقيق الأهداف، التي اتفق عليها في شأن القدس مع زعماء الطوائف اليهودية في إنجلترا وإيطاليا ورومانيا والمغرب وروسيا، خلال الفترة ما بين 1838 ـ 1872. ولعل الخطوة الأولى في عملية التهويد، بدأها مونتفيوري بإجراء إحصاء لليهود في قلب القدس، عام 1839، وفي سائر أنحاء فلسطين، كي تتكامل عمليات الاستيطان، التي تكون مدينة القدس انطلاقتها. وقد تأسست عام 1863، أول بلدية عربية للقدس. (اُنظر خريطة الأوضاع النهائية في فلسطين) و(خريطة القدس بين عامي 1949-1967) و(خريطة القدس منذ عام 1967) و(شكل القدس في الخمسينيات) و(شكل القدس في الستينيات) و(شكل القدس في السبعينيات).

2. المرحلة الثانية: 1917ـ 1948 (اُنظر ملحق أبرز النشاطات الاستيطانية اليهودية في القدس، في الفترة 1917 – 1948)

قبل الانتداب البريطاني، عام 1917، كان العرب الفلسطينيون، يملكون أكثر من 90%، بينما ملكية اليهود لا تذكر. ونتيجة لنشوء الضواحي الاستيطانية في المنطقة العربية، ونتيجة للزعم الصهيوني، بأن القدس كانت دائماً ذات أغلبية يهودية، جرى ترسيم الحدود البلدية، عام 1921، لتضم حدود البلدة القديمة، وقطاعاً عريضاً، بعرض 400م، على طول الجانب الشرقي لسور المدينة، إضافة إلى أحياء باب الساهرة، وادي الجوز، الشيخ جراح، من الناحية الشمالية. ومن الناحية الجنوبية، انتهي خط الحدود إلى سور المدينة فقط. أما الناحية الغربية، والتي تعادل مساحتها أضعاف القسم الشرقي، فقد شملتها الحدود، لاحتوائها تجمعات يهودية كبيرة، إضافة إلى بعض التجمعات العربية (القطمون، والبقعة الفوقا والتحتا، والطالبية، والوعرية، والشيخ بدر، ومأمن الله).

وقد شهدت الهجرة إلى القدس نشاطاً محموماً، منذ عام 1922، إذ عملت الصهيونية، ممثلة في منظماتها الإرهابية، على تغيير معالم الوجه التاريخي لمدينة القدس، الذي حافظ على طابعه منذ آلاف السنين. في هذا السياق، أقيمت مستوطنة أجودات بني برايت، في عام 1929، على يد أعضاء منظمة بني برايت (أبناء العهد)، في الشطر الغربي من المدينة المقدسة.

وفي عام 1945، خلال الانتداب البريطاني، بلغت مساحة القدس:

دونماً، داخل السور.

868

دونماً، خارج السور.

18463

ــــ

دونماً، موزعة ملكيتها كالآتي:

19331

الجملة

(النسبة 58%).

دونماً، يملكها العرب

11191

(النسبة 25%).

دونماً، يملكها اليهود

4835

(النسبة 17%).

دونمات، طرق ـ ميادين ـ أغراض أخرى

3305

أما المخطط الثاني لحدود البلدية، فقد وضع عام 1946، بقصد توسيع منطقة خدماتها. غير أن التوسيع، تركز، أيضاً، في القسم الغربي، حتى يمكن استيعاب وضم الأحياء اليهودية الجديدة، التي بقيت خارج منطقة التنظيم العام (1931). وفي الجزء الشرقي، أضيفت قرية سلوان، من الناحية الجنوبية، ووادي الجوز، وبلغت مساحة المخطط 20.199 دونماً. توزعت ملكية أراضيها كما يلي:

40%

أملاك عربية

1

26.12%

أملاك يهودية

2

13.86%

أملاك مسيحية

3

2.9%

أملاك حكومية وبلدية

4

17.12%

طرق، سكك الحديد

5

100%

المجموع

وارتفعت المساحة المبنية من 4130 دونماً، عام 1918، إلى 7230 دونماً، عام 1948.

3. المرحلة الثالثة: 1948 ـ 1967 (اُنظر ملحق الضواحي اليهودية الجديدة في الفترة من 1948 – 1967) و(خريطة القدس بين عامي 1949-1967)

ثم جاءت حرب عام 1948، وتصاعُد المعارك الحربية، التي أعقبت التقسيم، الأمر الذي أدى إلى تقسيم المدينة إلى قسمين رئيسيين. وفي 30 نوفمبر 1948، وقعت السلطات، الإسرائيلية والأردنية، على اتفاق وقف إطلاق النار، بعد أن فصل خط تقسيم القدس بين القسمين، الشرقي والغربي للمدينة. غير أنه مع نهاية عام 1948، كان تقسيم القدس إلى ثلاثة أقسام قد اكتمل:

11.48%

2220 دونماً

مناطق فلسطينية تحت السيطرة الأردنية

1

84.12%

16.261 دونماً

مناطق فلسطينية محتلة (الغربية)

2

4.39%

850 دونماً

مناطق حرام ومناطق للأمم المتحدة

3

100%

19.331 دونمًا

المجموع

(اُنظر ملحق أساليب الاستيلاء على الأراضي والممتلكات الفلسطينية).

وهكذا، وبعد اتفاق الهدنة بين الطرفين، الأردني والإسرائيلي، في 3 أبريل 1949، تأكدت حقيقة تقسيم القدس بينهما، تماشياً مع موقفهما السياسي، المعارض لتدويل المدينة. وفي 13 يونيه 1951 جرت أول انتخابات لبلدية القدس الشرقية (العربية). وقد أولت البلدية اهتماماً خاصاً بتعيين وتوسيع حدودها البلدية، وذلك لاستيعاب الزيادة السكانية. وتم ترسيم القدس الشرقية، للمرة الأولى، في الأول من أبريل 1952. وقد ضمت القرى الآتية إلى مناطق مسؤولية البلدية: سلوان، رأس العمود، الصوانة، أرض السمار، والجزء الجنوبي من قرية شعفاط. وأصبحت المساحة الواقعة تحت مسؤولية البلدية 6.5كم2، في حين لم تزد مساحة الجزء المبني منها على 3 كم2. وفي 12 فبراير 1957، قرر مجلس البلدية توسيع حدودها. وفي جلسة لبلدية القدس، بتاريخ 22 يونيه 1958، ناقش المجلس مشروع توسيع حدود البلدية شمالاً، لتشمل منطقة بعرض 500م، من كلا جانبي الشارع الرئيسي، المؤدي إلى رام الله، ويمتد حتى مطار قلنديا.

واستمرت مناقشة موضوع توسيع حدود البلدية، بما في ذلك وضع مخطط هيكلي رئيسي للبلدية، حتى عام 1959، دون نتيجة. وفي سبتمبر 1959، أعلن عن تحويل بلدية القدس إلى ” أمانة القدس “. ولكن هذا التغيير في الأسماء، لم يتبعه تغيير في حجم الميزانيات أو المساعدات. وفي عام 1964، وبعد انتخابات عام 1963، كان هناك توصية بتوسيع حدود بلدية القدس، لتصبح مساحتها 75 كم2. ولكن نشوب حرب عام 1967، أوقف المشروع، وبقيت حدودها على ما كانت عليه في الخمسينيات.

4. المرحلة الرابعة: 1967 حتى 1997 (اُنظر شكل القدس في الثمانينيات)

وكان من نتيجة حرب يونيه 1967، أن احتلت إسرائيل القدس الشرقية (العربية)، ما حدا إسحاق رابين Yitzhak Rabin القول: “لقد أخذنا القدس في حربين”. وبدأت، على الفور، خطوات تهويد المدينة، واتفقت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، حكومات العمل والليكود، على الإطار الإستراتيجي، وإن اختلفت تكتيكياً. ووضعت، في هذا السياق، الخطط العامة التفصيلية، لتحقيق هذا الهدف، إذ بدأت إسرائيل، من فورها، العمل على مستويات عدة:

أ. المستوى الأول: إزالة أحياء عربية برمتها.

ب. والمستوى الثاني: منع العرب المقيمين بالمدينة، من بناء مساكنهم، أو ترميمها.

ج. والمستوى الثالث: مصادرة جميع أراضي الدولة، داخل المدينة وحولها (داخل حزامها الإداري).

ثم لجأت السلطات الإسرائيلية، فيما بعد، إلى إجراءات التوسع الإداري لنطاق بلدية القدس، إذ ألحقت عدداً من القرى، إدارياً، بالمدينة، وبدأت بالحديث عن القدس الكبرى. وتواكب كل ذلك مع إعلان ضم المدينة، إدارياً، إلى إسرائيل، وعرض الجنسية الإسرائيلية على العرب المقيمين بها.

أما بالنسبة إلى التغيير السكاني، فقد عملت إسرائيل على تقليل أعداد العرب، بكل الطرق، مستغلة سياسة التهجير، وطرد السكان العرب من فلسطين، أي مستخدمة الضغوط، الاقتصادية والقانونية. وفي الوقت نفسه، بدأت في تسكين جماعات من اليهود المتدينين المتشددين، فيما زُعم أنه إجراء من قِبَل مدارس دينية لليهود، في البيوت المصادرة، أو المبيعة بالتزييف والتزوير، أو في البيوت التي بُنيت حديثاً. وهكذا، لم تمض سنوات الاحتلال، إلا وقد حوصرت مدينة القدس بأسوار من المستوطنات، التي يقطنها المهاجرون الجدد. وقد تبع ذلك، أن قامت، في داخل المدينة، مؤسسات يهودية. وتحول العرب، القاطنون في القسم الشرقي من المدينة، من أغلبية في السكان (الجميع تقريباً) إلى أقلّ من النصف. ولا يزال 85% منهم، يرفضون الهوية الإسرائيلية الحكومية، مضحين بالامتيازات العديدة، التي توفرها الجنسية الإسرائيلية التي تعطيهم حق الانتخاب، سواء في الانتخابات العامة أو في الانتخابات البلدية، إلى جانب تطبيق القانون الإسرائيلي عليهم وعلى ممتلكاتهم.

وبعد إعلان توسيع حدود بلدية القدس وتوحيدها، في 28 يونيه 1967، وطبقاً للسياسة الإسرائيلية، للسيطرة على أكبر مساحة ممكنة من الأرض، مع أقلّ عدد ممكن من السكان العرب، خُططت الحدود البلدية للقدس الموحدة بشكل متناقض، لتضم أراضي 28 قرية ومدينة عربية، وتخرج، في الوقت نفسه، جميع التجمعات السكانية العربية الكثيفة. والهدف من ذلك، أن تأخذ هذه الحدود وضعاً شاذاً، وغير منتظم، فهي، مرة مع خطوط التسوية، وأخرى مع الشوارع. وهكذا، بدأت حقبة أخرى من ترسيم الحدود البلدية للقدس الموحدة، لتتسع مساحة بلدية القدس الشرقية من 6.5 كم2 إلى 70.5 كم2، ولتصبح مساحتها مجتمعة، الشرقية والغربية، 108.5 كم2، ثم لتتوسع، مرة أخرى، عام 1990، في اتجاه الغرب، حتى أصبحت مساحتها، الآن، 123 كم2.

وهكذا، بدأت السياسة الإسرائيلية، ومنذ الساعات الأولى للاحتلال، في رسم الإطار لتهويد القدس، من أجل فرض الأمر الواقع، وخلق ظروف ديموجرافية، الأمر الذي يجعل من الصعب على السياسي، أو الجغرافي، إعادتها إلى وضعها قبل عام 1967، وتقسيمها مرة أخرى. فبدأت في إقامة الأحياء اليهودية، لتحيط القدس الشرقية بسلسلة من المستوطنات، من جميع الجهات. ثم جلبت إليها المستوطنين، لتخلق أمراً واقعاً، جغرافياً وديموجرافياً، ومن ثم، تُحدث خلخلة سكانية في القدس العربية. وبعد أن كان الفلسطينيون يشكلون أغلبية سكان القدس الشرقية، عام 1967، أصبحوا أقلية، عام 1997. وبعد أن كانوا يسيطرون على 100% من الأراضي، أصبحوا لا يسيطرون إلاّ على 21% من الأراضي، بعد عمليات المصادرة، وإقامة المشروعات الاستيطانية عليها، وفتح الطرق، والبناء ضمن الأحياء العربية. ثم تأتي مرحلة أخرى من مراحل التهويد وترسيم الحدود، وهي حدود القدس الكبرى (المتروبوليتان)، لتشمل أراضٍ، تبلغ مساحتها 840 كم2، أو ما يعادل 15% من مساحة الضفة الغربية، ولتبدأ حلقة أخرى من إقامة المستعمرات، خارج حدود البلدية، في سياق هدفٍ واضحٍ، وهو التواصل، الإقليمي والجغرافي، ما بين المستعمرات، خارج حدود البلدية، والواقعة في الضفة الغربية. إضافة إلى إقامة شبكة من الطرق الالتفافية، تصل ما بين هذه المستعمرات.

كان العامل الحاسم في إحداث التغيير في حدود القدس، هو الاحتلال وسياسة التوسع والاستيطان الإسرائيلية. ومن ثم، فقد بدأت عمليات المصادرة للأراضي العربية، بعد الاحتلال الإسرائيلي مباشرة، في شيخ جراح، وأرض السمار، ووادي الجوز، وخلة نوح، في الأرض الحرام. وكانت البداية إقامة مستوطنات رامات أشكول، وجعفات همبتار، والتلة الفرنسية، والجامعة العبرية على تلك الأراضي المصادرة، في عامَي 1968 – 1969. وقد تم ذلك على خمس مراحل. (اُنظر ملحق مراحل مصادرة الأراضي الفلسطينية في القدس، منذ عام 1967).

وتجدر الإشارة إلى أن حدود مدينة القدس الشرقية، توسعت، مقارنة بحدود 1949 و1969، في كل الاتجاهات. ففي المنطقة الشرقية، على سبيل المثال، جرى التوسع بضم جبل المشارف والطور وجبل المكبر، إلى حدود القدس الشرقية. وتقع أقصى نقطة في الشرق في المنطقة المرتفعة، الفاصلة بين وادي النار غرباً، ووادي الجهير شرقاً، المعروفة بجبل السلحيد، وذلك بهدف عزلها عن باقي الضفة الغربية.

ثانياً: الإستراتيجية الإسرائيلية لتهويد مدينة القدس

لقد مضى أكثر من نصف قرن على احتلال القدس الغربية، وحوالي ثلاثة عقود على احتلال القدس الشرقية، وخلال هذه الفترة لم تتغير الإستراتيجية الإسرائيلية حيال مدينة القدس، والتي هدفت إلى استمرار السيطرة عليها وعدم التنازل أو التفريط في هذه السيطرة، ولذلك أصدر الكنيست قانونه الخاص بتوحيد المدينتين الغربية والشرقية وجعلها عاصمة موحدة وأبدية لإسرائيل. وإذا كانت الاتفاقيات والمعاهدات التي أبرمت بين بعض الدول العربية وإسرائيل من جانب، وكذلك بين الفلسطينيين وإسرائيل من جانب آخر، وخاصة اتفاق أسلو، أكدت على عدم فتح ملف القدس ما لم يتم الانتهاء من الملفات الأخرى، وخلال مرحلة مفاوضات الوضع النهائي، فإن ذلك لم يعنِ أن إسرائيل كانت قد غيرت إستراتيجيتها تجاه مدينة القدس، بل إنها كانت ترغب في تحقيق أهدافها وإستراتيجيتها تجاه مدينة القدس بطرق سلمية، دون الدخول في مواجهات مع العرب والمسلمين، وخاصة في بداية مسيرة العملية السلمية.

1. تطور الإستراتيجية الإسرائيلية تجاه مدينة القدس

أ. بن جوريون وإستراتيجية الأمر الواقع[1]

يُعَدُّ بن جوريون أول من تطلع إلى القدس كعاصمة لإسرائيل، حتى قبل إعلان نشأتها في ليلة 14 مايو 1948، ولقد تبنى إستراتيجية فرض الأمر الواقع مبكراً على مدينة القدس، ومنذ صدور قرار تقسيم فلسطين في نوفمبر 1947، وتقسيمها إلى مدينتين، والتهويد المبكر للجزء الغربي منها. ولقد تعامل بن جوريون مع قرار تقسيم فلسطين بأسلوب يعتمد على الخداع والمكر لم يفهمه العرب، حيث عمل على أن يكون للقدس كياناً منفصلاً خاضعاً لنظام دولي خاص، تتولى الأمم المتحدة إدارته، وتعين مجلس وصاية ليقوم بأعمال السلطة الإدارية نيابة عن الأمم المتحدة. ولقد أكد القرار حدود المدينة والتي تضمنت بلدية القدس الحالية، إضافة إلى القرى والبلدان المجاورة لها، والتي امتدت شرقاً حتى أبو ديس، وجنوباً حتى بيت لحم، وغرباً حتى عين كارم، وشملت أيضاً المنطقة المبنية من قرية قالوينا.

وإذا كان العرب قد رفضوا قرار التقسيم، انطلاقاً من أن التدويل يسلبهم حقهم التاريخي والشرعي في السيادة على المدينة، إلا أن اليهود قبلوا مشروع التدويل حتى يمكنهم إعلان قيام دولة إسرائيل. على أن تعمل بعد ذلك على فرض أمر واقع جديد. ولذلك احتلت القوات الصهيونية مزيداً من الأراضي العربية، ثم أقامت طريقاً يربط بين تل أبيب والقدس، كما بادرت باحتلال حي القطمون الذي له أهمية إستراتيجية في القدس قبل إعلان قيام دولة إسرائيل. ولتحقيق الإستراتيجية التي تبناها بن جوريون، لم يحترم قرارات مجلس الأمن، حيث لم يلتزم بقرار تجريد القدس من السلاح لحمايتها من الدمار. ولقد نجح بن جوريون في تثبيت إستراتيجيته القائمة على سياسة الأمر الواقع خلال اتفاق وقف إطلاق النار مع الأردن، حيث عُينت خطوط وقف إطلاق النار في القدس، وهي الخطوط التي أصبحت فيما بعد خطوط الهدنة في اتفاق 3 أبريل 1949، أو خطوط الأمر الواقع لتقسيم القدس إلى مدينتين شرقية وغربية.

تكريساً للأمر الواقع، بادر بن جوريون بنقل العديد من الوزارات إلى القدس، وكان منها وزارة الخارجية، حتى تضطر الدول التي تقيم علاقات دبلوماسية مع إسرائيل إلى نقل سفاراتها من تل أبيب إلى القدس. ومن ثم تعترف بالأمر الواقع الذي عمد بن جوريون إلى تثبيته. كما بدئ في إقامة مبنى الكنيست الجديد في 14 أكتوبر 1958، والذي افتتح في 30 أغسطس 1966، وبذلك يكون بن جوريون قد نجح في تنفيذ إستراتيجيته الهادفة إلى خلق أمر واقع جديد، على الرغم من أن طموحاته كانت أكبر من هذا بكثير. حيث كان قد أعلن الخطوط العامة لحدود دولة إسرائيل قبل قيامها، على أن تكون الحدود الشمالية هي نهر الليطاني جنوب لبنان، والحدود الشرقية عند نهر العوجي في سورية وصحراء الأردن، والحدود الجنوبية عند البحر الأحمر.

ب. ليفي أشكول واحتلال القدس الشرقية

عمل ليفي أشكول على استكمال إستراتيجية بن جوريون، الذي اعتزل الحياة السياسية عام 1963. ولقد كانت حرب يونيه 1967 سبباً رئيسياً لسقوط القدس الشرقية. وفي يوم 27 يونيه 1967، أعلن عن ضم الأحياء العربية في القدس الشرقية، ولقد شمل أمر الضم المنطقة ما بين مطار وقرية قلنديا شمالاً، وقرى صور باهر وبيت صفافا جنوباً، وقرى الطور والعيسوية وعناتا والأم شرقاً، وحدود الهدنة عام 1949 غرباً.

تحددت إستراتيجية ليفي أشكول، في تغيير معالم الأرض، التي استولى عليها، خلال حرب يونيه 1967،. ولذلك أصدرت السلطات الإسرائيلية قراراً لحل مجلس أمانة القدس العربي المنتخب، وإقصاء أمين القدس من عمله، وإلحاق موظفي وعمال أمانة القدس ببلدية القدس المحتلة. كما أقامت السلطات مراكز حدود عسكرية وجمركية على الطرق والمعابر، تأكيداً بأن القدس أصبحت منطقة أجنبية بالنسبة للمدن والقرى في الضفة الغربية، ويستلزم دخول القدس وجود تصاريح عسكرية لا تمنح إلا بشروط معقدة. كما أصدرت بطاقات هوية إسرائيلية للعرب المتواجدين في القدس الشرقية، وعدت غير الموجودين من العرب، أثناء إصدار هذه الهويات، غائبين ومنعتهم من حق الرجوع. حيث بدأت بعد ذلك في تطبيق قانون أموال الغائبين، الذي كان قد أقر في 31 مارس 1950، حتى يمكن للسلطات الإسرائيلية السيطرة على الأموال المنقولة وغير المنقولة التي يملكها العرب.

ولتحقيق أكبر قدر من نجاح إستراتيجية تغيير معالم الأرض، بدأ في إقامة المناطق السكنية لليهود، وإنشاء العديد من المنشآت الخدمية الرسمية والشعبية والثقافية والاجتماعية بالقدس، كعاصمة يهودية موحدة. إضافة إلى فرض السيطرة الإسرائيلية على المباني الحكومية والخاصة التي استولى عليها. ولقد عمل أشكول على تطبيق إستراتيجيته خلال مراحل متتابعة، مع حرصه على إطلاق العديد من المزاعم والادعاءات التاريخية الباطلة.

ج. جولدا مائير واستكمال إستراتيجية فرض الأمر الواقع

بعد أن تولت جولدا مائير رئاسة الحكومة، واصلت سياسة فرض الأمر الواقع التي كان كرسها بن جوريون. حيث استهلت فترة حكمها، بمحاولة إحراق المسجد الأقصى في 21 أغسطس 1969. وكان اختيار هذا التوقيت له دلالة وتأكيد أن هناك مخططاً، لطمس كل المقدسات الإسلامية بالقدس، ولقد تمت هذه المحاولة في اليوم التالي لإنجاز بعض الحفريات التي قامت بها حكومة إسرائيل، تحت أرض المسجد الأقصى، بحثاً عن الآثار المزعومة لهيكل سليمان، حيث كانت محاولة إحراق المسجد الأقصى متممة لعمليات الحفر.

على الرغم من الاتهامات التي وُجِّهت إلى جولدا مائير وحكومتها، إلا أنها استمرت في مواصلة سياسة فرض الأمر الواقع، كما هو مخطط. حيث استكملت عمليات مصادرة الأراضي، وكان أخطرها قرار الحكومة الإسرائيلية الصادر في 30 أغسطس 1970، الذي صادر مساحات شاسعة، بلغت حوالي 11680 دونماً من الأراضي العربية، وانتزع خلالها حوالي عشر قرى تحيط بالقدس، ومن ثم إقامة، بدلاً منها، الطرق والمؤسسات الخدمية، وكذلك حوالي 22 ألف وحدة سكنية. كما أعلن في يونيه 1971 عن مصادرة 12 ألف دونم جديدة في ضواحي القدس الشرقية، لزيادة مساحة المستوطنات وإقامة حي أشكول.

د. إسحاق رابين وإستراتيجية توحيد القدس

تولى رئاسة الحكومة إسحاق رابين بعد جولدا مائير منذ عام 1974، وخاض، خلال هذه المرحلة، مفاوضات فك الاشتباك على الجبهتين المصرية والسورية، إلا أنه، في الوقت ذاته، واصل السياسة الاستيطانية التي بدأتها الحكومات السابقة. كذلك واصل رابين سياسة ضم المدينتين، الغربية والشرقية، بخطوط متتابعة، من خلال مصادرة مزيد من الأحياء العربية والاستيلاء على الأراضي المحيطة بالمسجد الأقصى، للبدء في تنفيذ مشروع بناء القدس الكبرى، لتضم أكبر من ربع مساحة الضفة الغربية.

وبذلك وضحت إستراتيجية رابين خلال فترة ولايته الأولى 1974-1977، والهادفة إلى تحقيق مشروع القدس اليهودية الموحدة كعاصمة لإسرائيل، إلا أنه لم يتمكن من تحقيق هدفه خلال هذه الفترة، وبتولي مناحم بيجين رئاسة الحكومة في مايو 1977، وعلى الرغم من أنه، خلال هذه المرحلة، وقعت اتفاقيات كامب ديفيد عام 1978، ثم المعاهدة المصرية ـ الإسرائيلية عام 1979، والتي أكد من خلالها الموقف المصري أن القدس العربية جزء من الضفة الغربية، إلا أن موقف بيجين استند إلى موقف حكومته التي أصدرت مرسوماً يُعد القدس مدينة واحدة غير قابلة للتقسيم. ولقد كان هذا الموقف دافعاً قوياً للكنيست لتأكيد قراره السابق. حيث أقر مرة أخرى، وبشكل عاجل، في 30 يوليه 1980، قانوناً جديداً لتهويد القدس وجعلها عاصمة موحدة وأبدية لإسرائيل.

على الرغم من الإدانة الدولية للقانون الإسرائيلي، إلا أن حكومة بيجين وحكومة شامير قد استندتا إلى هذا القانون، لاستكمال إستراتيجية القدس الموحدة، وبناء المزيد من المشروعات الاستيطانية في القدس خلال ثلاث مراحل تمثلت في:

(1) المشروعات التي استهدفت الأحياء العربية في القدس نفسها، وحاولت تغليب العنصر اليهودي حضارياً وسكانياً على الطابع العربي للمدينة.

(2) توسيع المدينة بشوارع تربطها بالضواحي، التي أُقيمت على أراضي القرى العربية القريبة من القدس، بهدف فصلها عن المدن الأخرى في الضفة الغربية.

(3) إقامة الحي اليهودي في القدس الشرقية، لتكتمل عملية التهويد الشاملة للمدينة. ويعد هذا الحي من أخطر المشروعات، التي تستهدف تغيير معالم المدينة، بإقامة سور جديد.

وبذلك يكون مشروع القدس الكبرى، كما خطط له كل من: رابين، ثم تبعه بيجين، وشامير، منذ منتصف السبعينيات. ولقد كان شامير من أشد المعارضين لاتفاقيات كامب ديفيد، وقامت سياسته أساساً على مبدأ أرض إسرائيل الكاملة. وبانتهاء فترة رئاسته للحكومة، تولى شيمون بيريز رئاسة الحكومة عام 1985. ولقد كان هناك تطورات سريعة ومتلاحقة منذ بداية هذه المرحلة، إلا أنه كان هناك اتفاق إسرائيلي عام حول عدم التخلي عن مدينة القدس والتمسك بها كعاصمة أبدية لإسرائيل. وإذا كان شامير حكم على قضية القدس بالجمود طوال فترة حكمه، رداً على أحداث الانتفاضة الفلسطينية عام 1987، ولم يحرك هذا الموقف الساكن سوى مؤتمر مدريد (30 أكتوبر ـ 2 نوفمبر 1991).

عملت إسرائيل، خلال مفاوضات السلام مع الفلسطينيين، على تأجيل بحث قضية القدس إلى مفاوضات الوضع النهائي، وإذا كان اعتراف إسرائيل بأن القدس قضية لها أهميتها بالنسبة للعرب والمسلمين ، يُعد تراجعاً عن موقفها تجاه مدينة القدس، إلا أن هذا الاعتراف لم يمنع إسرائيل من استعمال إستراتيجيتها الهادفة لفرض الأمر الواقع، وخاصة أن مفاوضات أوسلو قد أسفرت أيضاً عن تأجيل قضية القدس إلى مفاوضات الوضع النهائي أيضاً.

مع احتدام المواجهات التفاوضية بين الفلسطينيين والإسرائيليين، أصدر الكنيست قانوناً، يوم 10 مايو 1994، يؤكد استمرار تمسكه بمدينة القدس موحدة إلى الأبد تحت السيادة الإسرائيلية. ومع شعور إسرائيل بخطورة مكانة بيت الشرق،[2] بعد اعتراف إسرائيل بمنظمة التحرير الفلسطينية، أصدر الكنيست في ديسمبر 1994 قانوناً يحظر نشاط المنظمة في القدس الشرقية. كما هدد المسؤولون الإسرائيليون بإغلاق بيت الشرق للحد من الأنشطة الفلسطينية المكثفة. وفي نهاية أغسطس 1995، بدأت التهديدات المباشرة لبيت الشرق تتعدد، حيث أصدر رابين أوامره باتخاذ الإجراءات القانونية لمواجهة ما عَدّه، تجاوزات بيت الشرق.

باغتيال رابين في نوفمبر 1955، دخلت القدس ضمن المساومات الانتخابية، حيث كانت وحدة القدس هي الهدف الرئيسي لكل رؤساء الوزراء بعد ذلك، وكان هناك تأكيد بأنها ليست داخل إطار المفاوضات. ولذلك استمرت القدس هي القضية الخلافية الأولى في مفاوضات السلام، والتي أدت إلى تعثرها أكثر من مرة، كما أنها السبب الأساسي في انهيار المفاوضات السلمية في كامب ديفيد 2. ولقد أعلن شارون في برنامجه الانتخابي، استمرار تمسكه بإستراتيجية القدس الموحدة، وعدم تفريطه فيها، أو الموافقة على تقسيمها أو المساس بها، أو حتى التفاوض بشأنها.

ثالثاً: أساليب السلطات الإسرائيلية لفرض الأمر الواقع

1. تهجير السكان العرب وترحيلهم

منذ الأيام الأولى لاحتلالها القدس، وضعت إسرائيل حافلات ركاب، لنقل السكان العرب من القدس إلى الضفة الشرقية. وقد باشرت ذلك من خلال الخطوات التالية:

أ. تهجير حوالي 6500 مواطن من سكان حارة المغاربة وحارة الشرف، بعد هدم أحيائها في 8 مايو 1967، ومصادرة أراضيها، البالغة 16 دونماً، كانت تضم 595 بناية و104 محلات تجارية و5 مساجد و4 مدارس.

ب. استمرت في هدم المنازل العربية بشكل متواصل، منذ ذلك الحين. وعلى سبيل المثال، هدمت 256 منزلاً، بين عامَي 1986 ـ 1994، وخططت لهدم 550 منزلاً، بمعدل 50 منزلاً كل عام. ولكن أولمرت، عمدة القدس، استعجل الأمر، وهدد بالهدم الفوري لـ 70 منزلاً، (تصريحاته في أواخر أغسطس 1996). وبذلك تُخْلي القدس من سكانها العرب، ليقيموا خارج حدود البلدية.

2. مصادرة العقارات

أ. صادرت إسرائيل حارة المغاربة وحارة الشرف، وشيدت مكانهما 460 منزلاً لليهود، تختلف في طابعها العمراني عن باقي منازل القدس.

ب. صادرت 17 عقاراً ومتجراً ومدرسة، وأماكن دينية مختلفة، في منطقة باب السلسلة وحي الواد.

ج. في 25 يونيه 1969، امتدت الاستملاكات والمصادرات، لتشمل أكثر من 300 عقار في البلدة القديمة، كان أهمها المسكن، الذي استولى عليه أرييل شارون Ariel Sharon في حي الواد.

د. لجأت السلطات إلى تسهيل انتقال ملكية العقارات العربية إلى اليهود، بوسائل غير مشروعة، كما حدث في رأس العمود.

هـ. صُودر 73% من أراضي القدس، لإقامة مستوطنات عليها (منذ عام 1967)، وهناك 7% مرشحة للمصادرة. وأقيم عليها 40 ألف مسكن، يسكنها حالياً حوالي 160 ألف يهودي.

و. تخطط السلطات الإسرائيلية لتنفيذ 30 ألف وحدة سكنية، في أحياء استيطانية جديدة، وتوسيع الأحياء القديمة، وقد بدأت السلطات في التنفيذ الفعلي لهذا المخطط. (اُنظر ملحق أبرز النشاطات الإسرائيلية في الفترة من 1967 – 1997)، أبرز تلك التغييرات.

ز. إحكام الطوق الأمني حول القدس، ما زاد معاناة الفلسطينيين، اقتصادياً وتعليمياً وطبياً واجتماعياً وثقافياً وأخلاقياً وتراثياً. وتسببت هذه المعاناة، وزيادة الضرائب، بتفريغ القدس من سكانها العرب.

ح. سحب الهويات من العرب، سكان القدس الأصليين.

رأس بن جوريون الحكومة الإسرائيلية المؤقتة عند الإعلان عن نشأة إسرائيل، ولقد أصبح رئيساً للوزراء في 17 فبراير 1949، ولمدة 15 عاماً، باستثناء الفترة من 1953-1955، واستمر حتى عام 1963.

الخلفاء و طرائفهم

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالملك السميح 704

طرائف إسلامية كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمزح ولايقول إلا حقا .. فمن مزحه عليه الصلاة والسلام أنه جاء رجل .. فقال يارسول الله احملني على جمل .. فقال صلى الله عليه وسلم .. (( لا أحملك إلا على ولد الناقة )) .. فقال يارسول الله إنه لايطيقني .. فقال له الناس ..ويحك وهل الجمل إلا ولد الناقة .
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لإمرأة من الأنصار الحقي زوجك ففي عينيه بياض .. فسعت إلى زوجها مرعوبة .. فقال لها مادهاك ؟! .. قالت إن النبي صلى الله عليه وسلم قال لي إن في عينيك بياضا .. فقال نعم والله وسوادا .

وأتته أيضا عجوز أنصارية .. فقالت يارسول الله ادع الله لي أن يدخلني الجنة .. فقال لها يا أم فلان إن الجنة لايدخلها عجوز .. فولت المرأة تبكي .. فتبسم صلى الله عليه وسلم وقال لها .. أما قرأتِ قوله الله تعالى (( إنّا أنشأناهنّ إنشاءً فجعلناهن أبكار عربا أترابا )) . سورة الواقعة (35-36-37)

قيل إن أبا بكر رضي الله عنه رأى رجلا بيده ثوب .. فقال له هو للبيع ؟ .. فقال الرجل .. لاأصلحك الله .. فقال الصديق .. هلاّ قلت .. لا .. وأصلحك الله .. لئلا يشتبه الدعاء لي بالدعاء علي .

===========================

كان الحجاج بن يوسف الثقفي يستحم بالخليج الفارسي فأشرف على الغرق فأنقذه أحد المسلمين

و عندما حمله إلى البر قال له الحجاج : أطلب ما تشاء فطلبك مجاب

فقال الرجل: ومن أنت حتى تجيب لي أي طلب ؟

قال: أنا الحجاج الثقفي

قال له : طلبي الوحيد أنني سألتك بالله أن لا تخبر أحداً أنني أنقذتك

===========================

دخل عمران بن حطان يوماً على امرأته , و كان عمران قبيح الشكل ذميماً قصيراً و كانت امرأته حسناء

فلما نظر إليها ازدادت في عينه جمالاً و حسناً فلم يتمالك أن يديم النظر إليها فقالت : ما شأنك ؟

قال : الحمد لله لقد أصبحت والله جميلة

فقالت : أبشر فإني و إياك في الجنة !!!

قال : و من أين علمت ذلك ؟؟

قالت : لأنك أُعطيت مثلي فشكرت , و أنا أُبتليت بمثلك فصبرت والصابر والشاكر في الجنة

===========================

كان رجل في دار بأجرة و كان خشب السقف قديماً بالياً فكان يتفرقع كثيراً فلما جاء صاحب الدار يطالبه الأجرة

قال له : أصلح هذا السقف فإنه يتفرقع

قال لا تخاف و لا بأس عليك فإنه يسبح الله

فقال له : أخشى أن تدركه الخشية فيسجد

===========================

قيل لحكيم: أي الأشياء خير للمرء؟

قال: عقل يعيش به

قيل: فإن لم يكن

قال: فإخوان يسترون عليه

قيل: فإن لم يكن

قال: فمال يتحبب به إلى الناس

قيل: فإن لم يكن

قال: فأدب يتحلى به

قيل: فإن لم يكن

قال: فصمت يسلم به

قيل: فإن لم يكن

قال: فموت يريح منه العباد والبلاد

===========================

سأل مسكين أعرابيا أن يعطيه حاجة فقال:ليس عندي ما أعطيه للغير فالذي عندي أنا أحق الناس به

فقال السائل: أين الذين يؤثرون على أنفسهم؟

فقال الأعرابي: ذهبوا مع الذين لا يسألون الناس إلحافاً

===========================

دخل أحد النحويين السوق ليشتري حمارا فقال للبائع:أريد حماراً لا بالصغير المحتقر ولا بالكبير المشتهر إن أقللت علفه صبر وإن أكثرت علفه شكر لا يدخل تحت البواري ولا يزاحم بي السواري إذا خلا في الطريق تدفق وإذا أكثر الزحام ترفق

فقال له البائع: دعني إذا مسخ الله القاضي حماراً بعته لك

===========================

وقف معاويه بن مروان على باب طحان فرأى حماراً يدور بالرحى وفي عنقه جلجلفقال للطحان:
لِمَ جعلت الجلجل في عنق الحمارفقال:
ربما أدركتني سآمة أو نُعاس فإذا لم أسمع صوت الجلجل علمت أن الحمار واقف فأحثه ليستأنف المسير
فقال معاويه:
ومن أدراك فربما وقف وحرك رأسه بالجلجل هكذا وحرك معاويه رأسهفقال الطحان:
ومن أين لي بحمار يكون عقله مثل عقل الأمير !!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!

===========================

أتى الحجاج بن يوسف الثقفي بصندوق مقفل كان قد غنمه من كسرى فأمر بالقفل أن يكسر فكسر فإذا به صندوق آخر مغلق فقال الحجاج لمن في مجلسه :
من يشتري مني هذا الصندوق بما فيه ولا أدري مافيه ؟
فتقدم عدد من الحاضرين في مزايدة على الصندوق الذي رسا على أحدهم بمبلغ خمسة آلاف دينار 00وتقدم المشتري ليفتح الصندوق ويسعد بما فيه فإذا به رقعة مكتوب عليهامن أراد أن تطول لحيته فليمشطها إلى أسفل !!!!!!

===========================

أعد الحجاج مائدة في يوم عيد فكان من بين الجالسين اعرابي فاراد الحجاج ان يتلاطف معه فانتظر حتى شمر الناس للأكل و قال :من أكل من هذا ضربت عنقه.
فظل الاعرابي ينظر للحجاج مرة وللطعام مرة اخرى ثم قال : اوصيك بأولادي خيرا …
وظل يأكل فضحك الحجاج و امر بان يكافأ

ما هي جماعات الضغط

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالملك السميح 704

المقدمة

تُقسم الأدوار حسب التخصصات وتوزع على اساس ان تكمل بعضها البعض لأجل ضمان الحصول على اقل نسب من الأخطاء في الأداء لأجل الارتقاء نحو الأفضل، وهذا ينطبق على الية تسيير الدولة وسياساتها الداخلية، فالحزب الحاكم مهما كان مبدئياً ستكون الحكومة افضل في حال وجود ضغط مدروس ومعارضة سليمة.

الحزب السياسي يعني وجود مجموعة من الأفراد مجتمعين في تنظيمٍ معين على اساس مبادئ مشتركة لأجل تحقيق اهداف مشتركة في إطار قانوني لأجل الوصول إلى السلطة او من خلال الوصول إلى السلطة.
غالباً ماتكون اهداف هذه الأحزاب واضحة المعالم تعمل علناً لأجل الوصول إلى السلطة، اي إلى القوة والنفوذ والأقتصاد، بذلك يكون الفرد امام جماعة (البعض منها) تبذل جهداً مساويٍ لما تطمح وتسعى له وهو غير موجود في المنظمات التي تعتبر غير ربحية بالدرجة الأساس (إذا مااستبعدنا الطموح الإنساني البحت) لإعتمادها سياسية العمل الطوعي، تبذل مجهوداً كبيراً قد يصل احياناً إلى مجهود بعض الأحزاب دون ان يكون ضمن اهدافها ما يلبي مصالح جماعية ضيقة فيما لو تحققت.

بالإطلاع على عدد من تعريفات جماعات الضغط نجد ان لا اختلافات كبيرة بينها وبين تعريف الحزب السياسي، إذ نستطيع التوصل إلى انها تعني ايضاً وجود مجموعة من الأفراد مجتمعين في تنظيمٍ معين على اساس مبادئ وقد تكون مصالح مشتركة لأجل تحقيق اهداف مشتركة في إطار قانوني، في هذا التعريف يُلاحظ ان لا فرق بين جماعات الضغط والحزب السياسي سوى من ناحية سعي الحزب إلى السلطة وعدم سعي الجماعة لها، بدلاً عن ذلك تسعى الجماعة للضغط على السلطة التي وصلها الحزب، وبتعبير ادق تسعى للضغط على الحكومة. علماً ان بعض البلدان تحوي جماعات اكثر تأثيراً من الأحزاب السياسية وخاصة جماعات الأقتصاد القوي.

برجوع سريع إلى التاريخ نرى ان الجماعات الضاغطة غالباً مالم تكن تحمل صفة القانونية، بسبب انظمة الحكم الشمولية والطريقة التي كانت تعالج بها معارضة تلك الجماعات من خلال البطش والتنكيل، ماكان يدفعها مظطرةً للعمل السري واستخدام البعض منهم للعنف لتحقيق غايات سياسية وإن تسترت بألبسة مختلفة كل حسب رقعة عمله الجغرافية.
من اشهر هذه الجماعات واكثرها جدلاً في التاريخ الإسلامي في الشرق الأوسط هي الإسماعيلية الذي تسمى في مصادر المستشرقين بالحشاشة.
بعض المطلعين على الأغتيالات والعمليات التي كانت الاسماعلية تقوم قد يصنفونها ضمن الجماعات الدينية لا السياسية، وما اشبه اليوم بالبارحة عندما نقارن بين المخطط والمنفذ.
كانت اوربا والصين، مصر واليونان تحوي ايضاً على جماعات ضغط عديدة على اشكال مختلفة من عوائل وقبائل او جماعات تجارية ودينية كانوا دائماً يسعون للحصول على مزايا خاصة على حساب الأخرين، رغم اننا لا نستطيع ان ننسبهم إلى الجماعات الضاغطة حسب مفهومنا الحالي لها، إلا انهم كانوا جماعات تضغط لأجل أهداف تجمعها ببعضها البعض.

تعريفات جماعة الضغط
يعرفون بجماعات الضغط لأنهم يستخدمون الضغط كوسيلة لحمل الحكومات على تلبية مطالبهم، وهنالك اكثر من تعريف لهم، كنا قد اشرنا في المقدمة إلى تعريف نعتقد به وهنا نرغب في ان نستعرض عدداً اخر من التعريفات، منها مايقول(1) “انها تمثل مجموعة كبيرة من الجماعات العرقية ووجهات النظر السياسية وهي مؤسسات طوعية” ويعرف الدكتور صادق الأسود(2) جماعة الضغط على انها “جماعة من الاشخاص تربطهم علاقات اجتماعية خاصة ذات صفة دائمة او مؤقتة بحيث تفرض على اعضائها نمطاً معينا في السلوك الجماعي، وقد يجتمعوا على اساس وجود هدف مشترك او مصلحة مشتركة بينهم يدافعون عنها بالوسائل المتيسرة لديهم” قد تكون لهم مصالح يدافعون عنها وقد تكون اهداف يسعون إلى تحقيقها، والغالبية الفعالة المؤثرة من هذه الجماعات هي تلك التي تتشكل من افراد لديهم اهداف مشتركة يسعون إلى تحقيقها كالمنظمات الغير حكومية وتجمع الشركات التجارية (شركات الضغط) وسنورد فقرة خاصة فيما يعد عن دور هذه الشركات في الضغط على السياسات العامة.
يعرف (ن. هنت)(3) جماعة الضغط على انها “اية منظمة تسعى إلى التأثير على سياسة الحكومة بينما ترفض تحمل مسؤولية الحكم” هذا التعريف يجعل من الممكن ان تكون إحدى الجماعات هي الحاكم الفعلي في تسيير السياسات العامة في دولةٍ ما دون ان يعي الجميع ذلك.
اما جان دانيل(4) “فيعرفها على انها كل الجماعات التي تضغط للتأثير على السياسات العامة على الصعيد السياسي” بذلك تكون الجماعات الضاغطة هي فقط الجماعات التي تعمل على الساحة السياسية وهم يختارون ان يعملوا في السياسة خارج نطاق الأحزاب والحركات السياسية للفروقات العديدة الموجودة بين الحزب والمنظمة او المؤسسة ابتداءً من هيكلية التنظيم وحجمه مروراً بأليات العمل فأنتهاءً بالقاعدة الجماهيرية التي يحتاجها الحزب لأجل تحقيق اهدافها.
يعتبر اللوبي من اكبر جماعات الضغط في العالم، يعرفها جيمس برايس(5) “على انها إغراء البرلمان للتصويت مع او ضد مشروع قانون ما” اما ادكار لاني(6) فيقول “هم افراد يعملون في سبيل التأثير على قرارات الحكومة”.
نفهم من هذين التعريفين ان اللوبي هي جماعة تعمل على التأثير على مصدر القرارات التي تتوزع على السلطتين التشريعية والتنفيذية الحاكمة في البلاد والتي تحدد صلاحياتهما من قبل دساتيرهما فيحدد اللوبي نقطة تركيزه اعتماداً على مصدر اتخاذ القرار.
مهما تبدلت الأسماء وتعددت فهي في النهاية يجب ان تضم العناصر الثلاثة ادناه(7)
• تجمع يضم عدد من الأشخاص
• لا يسعى للوصول الى السلطة
• يسعى إلى التأثير على السلطة
اخطر صورة تظهر فيها جماعات الضغط هي تلك الصورة المضللة التي تكون فيها مواقفها اوسع من اهدافها. بذلك هي تضلل الراي العام وتستغل المصالح الخاصة على حساب المصلحة العامة. من اشهر جماعات الضغط والمصالح هي جماعة اللوبي اليهودي في امريكا وجماعات الفلاحين والجماعة الكاثوليكية وجماعة رجال الاْعمال والجماعات العمالية(8)
اخيراً نود هنا ان نذكر تعريفاً للبروفسور موودي(9) “جماعة الضغط هي اية جماعة منظمة تحاول التاْثير على السياسات والقرارات الحكومية دون محاولتها السيطرة على المراكز الرسمية للدولة وممارسة اساليب القوة الرسمية من خلالها”.

دور الجماعات الإقتصادية في التأثير على السياسات العامة(10)
السياسات العامة تعني كل ما يصدر من قرارات من السلطة التنفيذية والتشريعات الصادرة عن البرلمان.
لأجل ان تحقق الجماعات اهدافها عليها التأثير على هذه القرارات والتشريعات مايتناسب ومصالحها التي سنحاول ان نلخص كيفية عملهم في النقاط ادناه:
1. التكاليف الضخمة للحملات الانتخابية تتيح لرجال الأعمال فرصًا أفضل من غيرهم للإنفاق على الدعاية والمؤتمرات الجماهيرية وغيرها بذلك يلجأ الى دعمهم اغلب المرشحين مقابل اتفاقيات مسبقة تنص على خدمات يقدمها المرشح الحاصل على مقعد في البرلمان من خلال موقعه البرلماني.
2. قدرتهم الأقتصادية تتيح لهم شراء اصوات الناخبين ذوي المستويات المعاشية المتدنية.
3. استغلال هذه الفئة للحصانة والمزايا التي تمنحهم اياها عضويتهم في البرلمان لأجل تيسير انشطتهم الأقتصادية.
4. زيادة نسبة رجال الأعمال داخل المجالس النيابية والأحزاب الحاكمة يتيح لهم فرصًا لتوجيه النظام السياسي الوجهة التي تحقق مصالحهم، من خلال السيطرة على هيكل صنع القرار السياسي، بذلك يكون الجمع بين السيطرتين الاقتصادية والسياسية.
5. صناعة القرار السياسي يحتوي من المغريات ما يدفع رجال الأعمال نحو تعميق التحالف بين الفئتين لتحقيق مكاسب مشتركة قد يكون الكثير منها غير متسق مع المصلحة العامة، أو في غير صالح الفئات الأخرى الغير قادرة على إيصال ممثليها إلى المجالس النيابية بنفس القدر المتاح لرجال الأعمال.
6. الكثير من القوانين والقرارات الحكومية المتعلقة بالقضايا الاقتصادية في مراحل التحول تصب في اتجاه تدعيم مصالح الفئات القادرة، وهو أمر يتسق مع توجهات المؤسسات الاقتصادية الدولية، الأمر الذي يثير الشكوك حول علاقات رجال الأعمال الوطنيين مع هذه المؤسسات الدولية.
7. لا يبدو أن رجال الأعمال الطامحين إلى المناصب السياسية يخطون اتجاهات سياسية واضحة، الأمر الذي يجعلهم بغض النظر عن الأحزاب التي ينتمون إليها يشكلون كتلة ذات مصالح متشابهة في مواجهة الفئات الأخرى.
8. العديد من أبناء المسئولين السياسيين وأقاربهم قد أصبحوا من كبار رجال الأعمال اعتمادًا على نفوذ آبائهم وأقاربهم وأصبح بعضهم أقرب إلى رجال الأعمال منه إلى السياسة، اي أصبح بعضهم مدافعًا بقوة عن مصالح رجال الأعمال التي تتفق ومصالحه.
9. استمرار سيطرة جهاز الدولة على أجهزة القمع واحتكار القرارات المهمة وغياب الشفافية يتيح للمسئولين السياسيين قدرة غير محدودة على مقايضة القرارات السياسية بالمصالح الاقتصادية.
10. إذا كان التنافس بين فئات المجتمع ظاهرة صحية بصفة عام، فإن قدرة فئة معينة على فرض وجهة نظرها لعوامل تتعلق بقدرتها على التأثير وليس لأسباب موضوعية في إطار المنافسة للوصول إلى أفضل القرارات.

سلبيات وإيجابيات جماعات الضغط(11)
اهم سلبياتها
1. تقوم على اساس تحقيق مصالح فئوية، مما يتعارض والمصلحة العامة.
2. غالباً ما تفرض على اعضائها الولاء لها، وهذا ينافي مع ولاء العضو للجماعة الكبرى وهي الدولة.
3. تتبع معظم جماعات الضغط اساليب ملتوية في سبيل تحقيق اغراضها.
4. جماعات الضغط لاتمثل المصالح المتعارضة لجميع فئات المجتمع، فبينما توجد جماعات ضغط للمنتجين مثلا لاتوجد جماعات تقابلها للمستهلكين (بداءت تتأسس الأن في بعض البلدان). اوردت هذه الفقرة بسبب ماتم ذكره سابقاً من ان اهمية الجماعة تحدد من خلال مدى فاعليتها وتأثيرها والواضح ان فاعلية وتأثير جماعات المنتجين الضاغطة غير فاعلية وتأثير جماعات المستهلكين.
قد يحدث ان تحقق جماعات الضغط اهدافها على حساب فئة او فئات اخرى من الشعب وإن كانت اكثر منها عدداً.

اهم الإيجابيات
1. إن جماعة المصلحين الذين ينددون بمساوئ جماعات الضغط هم انفسهم في حاجة الى ان ينظموا في جماعات كي يمكنهم التغلب على هذه المساوئ.
2. نمو الجهاز الحكومي وازدياد عدد موظفيه يهدد بالقضاء على حريات الافراد، مالم ينظم هؤلاء الافراد في جماعات قوية تستطيع ان تكون ندا لهذا الجهاز عند الضرورة، وان تحمي حرياتهم من استفحال نموه.
3. تقوم جماعات الضغط بالتاثير في الحكومة طوال الفترات بين الانتخابات العامة، بينما يكون الفرد في هذه الفترات عاجزا عن احداث اي تاثير يقابله.
4. تملك هذه الجماعات بحكم تخصصها وتمارسها بمهامها وسائل الوقوف على البيانات والاتصال بالجهات الموثوق بها واهل الخبرة في مختلف الوان المعرفة، من ثم يسهل على الحكومة دراسة مشروعات القوانين المقترحة واحسن الطرق لتنفيذها يضاف الى ذلك ان الجماعات اكثر تاثرا بالقرارات الحكومية من الافراد واقدر منهم على استثارة المعارضة السريعة الفعالة تجاه القرارات الحكومية المجحفة بحقوق الافراد والضارة بالمصلحة العامة.

الإتصال واحدة من اليات تحقيق اهداف جماعات الضغط(12)
تتصل جماعات الضغط بالجبهات الرسمية وغير الرسمية بطرق مختلفة منها:
 الاْتصال بالوسائل المباشرة
 الأتصال عن طريق الصحف التي تؤثر عليها هذه الجماعات، او التي تملكها بشكل غير رسمي والتاْثير على وسائل الاْعلام الاْخرى التي تمتلكها شركات اهلية وتخضع للاْغراءات المادية عادة، وهذا يقودنا إلى الحديث عن تكتيكات تحقيق الأهداف لدى جماعات الضغط والذي بدوره يرتبط بمدى فاعلية الجماعة التي ترتبط بشكلٍ او بأخر بإمكانياتها المادية.
 تعمل جماعات الضغط على التاْثير بوسائل مختلفة على سياسة الدولة، من بينها السياسة الخارجية. فقد تتصل اتصالا شخصيا عن طريق رؤسائها بالمسؤلين لتنفيذ ارائها وتدافع عن مصالحها، وقد تتصل عن طريق الرسائل الخاصة مهددة او واعدة او مغرية.
اخطر صورة تظهر فيها جماعات الضغط هي تلك الصورة المضللة التي تكون فيها مواقفها اوسع من اهدافها. وهذه الصورة تضليل للراي العام وسلوك تستغل فيه المصالح الخاصة على حساب المصلحة العامة ومن اشهر جماعات الضغط والمصالح جماعة الصهيوني وجماعة الفلاحين والجماعة الكاثوليكية وجماعة رجال الاْعمال وجماعة اتحاد العمال.
ولاريب في ان الوسائل التي تستخدمها جماعات الضغط في عملها لغرض التاثير على السلطة من التعدد والتنوع بحيث يصعب بيان تفاصليها جميعا، فهي مختلفة باختلاف ظروف المجتمعات والنظم السياسية فضلا عن اختلاف جماعات الضغط ذاتها.
اعتقد ان في احيان كثيرة يكون التركيز على الجماعات الإجتماعية المهمشة من افضل الوسائل لأجل الضغط على السلطة، وخاصة الضغط على المستوى الطويل الأمد.

تكتيكات جماعات الضغط لأجل تحقيق اهدافها(13)
1. المساواة المستترة
يستخدم هذا التكتيك لسببين
i. الخوف من ان تؤدي العلانية إلى تفاقم التناقض
ii. الطبيعة السرية للنشاط الأقتصادي الخاص

2. الدعاية والمعلومات
توجه الجماعات حملات دعائية إلى الجماهير على اعتبار ان اقناعها او اثارة اهتمامها بفكرة سوف يدفعها الى التأثير على جهاز صنع القرار.

3. المساندة الإنتخابية
مساعدة مرشح على الفوز بعد ان تم إبرام اتفاق مسبق معه سيتم تنفيذه بعد فوز المرشح على حساب اخر.

4. خلق علاقات خاصة مع الأحزاب السياسية
خلق كتل تشريعية داخل حزب او اكثر.

5. العنف
تستخدم بعض الجماعات العنف لتحقيق اهدافها بعد ان تفشل في تحقيقها من خلال القنوات الشرعية.

6. التمثيل المباشر
يكون من خلال التمثيل المباشر في البرلمان.

نلاحظ من هذه التكتيكات ان الجماعة لتكون فاعلة، اي تملك القدرة على تحقيق اهدافها عليها ان تملك اقتصاداً فاعلاً، حتى في الفقرة السادسة في التمثيل المباشر في البرلمان، التي تعتبر من بين إحدى المآخذ على الديمقراطية التي لا تعتبر في احيان كثيرة مساواة في الوصول إلى السلطة بين عامة الشعب بقدر ماهي مساواة بين مالكي الإقتصاد بسبب كلفة الحملة الأنتخابية والتعبيئة الجماهيرية، وفقرة الدعاية والإعلان تعطي الأفضلية لمن يمول اكثر. بذلك فاستمرارية غالبية جماعات الضغط بفاعلية تعتمد على قوة الجماعة الإقتصادية.
حقائق وأرقام(14)
 ميزانية جماعات الضغط في امريكا ضعف ميزانية الحملات الانتخابية.
 توجد علاقات غير واضحة بين المسوؤلين الحكوميين وجماعات الضغط في امريكا.
 تجني الشركات الضاغطة اكبر نسبة ارباح على مستوى العالم.
بدون شك يعد الإنفاق على أنشطة اللوبي أمرا مربحا تحرص الشركات الأمريكية على القيام به، فعلى سبيل المثال أنفقت شركة لوكيد مارتينLockheed Martin للصناعات العسكرية (89) مليون دولار أمريكي على أنشطة اللوبي خلال الأعوام الستة التي شملتها دراسة اجريت في الولايات المتحدة من قبل مركز متخصص، حيث قامت باستئجار جهود (699) خبيرا في مجال اللوبي من بينهم (268) موظفا سابقا بالكونغرس والمؤسسات الحكومية الفيدرالية وفي المقابل تمكنت الشركة من الحصول على عقود إنتاج معدات عسكرية بلغت قيمتها (94) بليون دولار خلال الفترة ذاتها. لذلك لا يقتصر نشاط اللوبي على الشركات الاقتصادية فقط، فحتى المؤسسات التعليمية والهيئات الحكومية الأمريكية المحلية تنشط في الاستعانة بخدمات شركات اللوبي والضغط السياسي، ففي خلال الفترة التي شملتها الدراسة أنفقت (300) جامعة فيدرالية (141.7) مليون دولار على أنشطة اللوبي كما أنفقت (1400) حكومة أمريكية محلية (357) مليون دولار على الأنشطة ذاتها.

يعتمد مدى صلاح او فساد الجماعة على عدة عوامل من اهمها الثقافة المولودة منها الجماعة وثقافة المجتمع الذي تعمل فيه، فقد يحدث ان تعمل جماعة في غير مسقط رأسها.
بالإضافة إلى عوامل أخرى كخلفيات افراد الجماعة والهدف الذي يبتغون، مهما كانت العوامل او تعددت، فجماعات الضغط في محيطنا الشرق اوسطي لاتبشر بخير وهي اصبحت في بعض البلدان مهنةً لمن لا مهنة له ومصدراً للثراء وفي اخرى اصبحت اذرعاً للأحزاب الحاكمة وفي احسن الأحوال هي بوق دعاية لبعض الشخصيات المتنفذة في بلدانها، إلا ماندر وهو لازال دون التسمية والتعريف، او في اول رحلة الألف ميل التي يفترض ان تنتهي بمجتمع الجميع فيه متممين للجميع لا اضداد.

مقدمة في علم السياسة

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالملك السميح 704

ما هي السياسة؟
هذا السؤال ليس من السهل الإجابة عليه علميا فعلى الرغم من أن كثيرا من الناس يخوضون في السياسة أو يناقشون موضوعات من صميم السياسة وغالبا ما يطرحون أراء سياسية ويملكون معلومات عنها إلا أنهم يجهلون التحديد القاطع لماهية السياسة.
وعندما يسألون عن تعريف السياسة تخذلهم القدرة على تقديم إجابة دقيقة ومحددة، فالسياسة بالنسبة لبعضهم مرادف لكلمة حكومة وبالنسبة للبعض الأخر هي الصراع على السلطة وتعنى لبعض ثالث المفاوضات وتسوية الخلافات وهى بالنسبة لفريق رابع تعنى الانتهازية والنفاق …الخ
لكن التعريف العلمي يتطلب اجتهادا أعمق ومعرفة أوسع.
والواقع فان هناك عدد من الاجتهادات في هذا المجال وان كان لا يوجد إجماع من الباحثين على تعريف واحد وشامل وجامع.

تعريف العلم:
العلم هو مجموعة المبادئ و القواعد التي أثبتت التجارب صحتها و التي تتعلق بجانب ما معين من جوانب الحياة المتعددة.

اذن تعريف علم السياسة:
مجموعة المبادئ و القواعد التي أثبتت التجارب صحتها و التي تتعلق بالسياسة.
….. و لكن ما هي السياسة؟

تعريف السياسة:

لغوياً :
اشتقت كلمة سياسة من كلمة ” ساس” الأمر أي قام بالأمر وبالتالي تعني كلمة سياسة القيام بأمر من أمور الناس بما يصلحه و الأمر هو الحكم أو الرئاسة.
و باللاتينية تعني تدبير شئون الدولة.

اما من الناحية الاصطلاحية فمن أبرز تعريفات السياسة:
– السياسة هي العلاقة بين الحكام والمحكومين.
– السياسة هي الدولة وكل ما يتعلق بها من شئون مختلفة.
– السياسة هي السلطة الكبرى في المجتمعات الإنسانية وكل ما يتعلق بظاهرة السلطة.

والمقصود بالسلطة هو قدرة طرف معين على جعل طرف ثان يعمل أو يمتنع عن ما يريده الطرف الأول سواء أراد الطرف الثاني أو لم يرد.
والسلطة بهذا المعنى تمارس من جانب الأب على أبنائه، والمدير على موظفيه…الخ، والحكومة على مواطنيها فيما يعرف بالسلطة السياسية.

ما الذي يميز السلطة السياسية عن غيرها من السلطات؟
– عامة: تشمل قراراتها وتلزم كل المجتمع.
– تحتكر وسائل الإكراه الرئيسية في المجتمع كالجيش والسلطة.
– تحظى بالشرعية أي قبول المحكومين واعترافهم بها كمرجع أعلى سواء كان ذلك عن رضاء أو كراهية.

يمكن أن نلخص تعريف علم السياسة بأنه مجموعة المبادئ والقواعد التي اثبت التجارب صحتها والتي تتعلق بالعلاقة بين الحاكم والمحكوم، أو بالدولة، أو بظاهرة السلطة السياسية.

وتجدر الإشارة هنا إلى واحد من أشهر التعريفات التي تقدم لعلم السياسة وهو تعريف ” ديفيد ايستون ” لعلم السياسة حيث يعرفه بأنه:
” هو دراسة عملية التوزيع السلطوي للقيم المختلفة (مادية كانت أو معنوية) من اجل المجتمع “.

مجالات علم السياسة:

1- النظرية السياسية والفكر السياسي، وإن كان الاتجاه الحديث يهدف إلى الفصل بينهما في مجالين مستقلين.
2- النظم السياسية وتشمل دراسة الدستور والتنظيمات السياسية الرسمية (السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية) والتنظيمات السياسية غير الرسمية (الأحزاب وجماعات الضغط والرأي العام) إلى جانب دراسة أنواع الحكومات والدول المختلفة والمقارنة بينها.
3- العلاقات الدولية وتشمل إلى جانب دراسة العلاقات بين الدول والفواعل الدولية الأخرى المختلفة وأنماط تلك العلاقات من صراع وتعاون، تشمل دراسة النظام الدولي وأنواعه والتنظيم الدولي إلى جانب السياسة الخارجية.

علاقة علم السياسة بالعلوم الأخرى:
هناك علاقة وطيدة تربط علم السياسة بالعلوم الأخرى خاصة الاجتماعية منها مثل الجغرافيا والتاريخ والاقتصاد والاجتماع والقانون…الخ.

وفيما يلي نعطى بعض الأمثلة على ذلك الترابط القوى بين علم السياسة وبعض تلك العلوم.

أ- علاقة علم الاقتصاد بعلم السياسة:

يرتبط علم السياسة بعلم الاقتصاد برباط قوي وإذا كان البعض يرى بتبعية الاقتصاد للسياسة فإن هناك من يرى بتبعية السياسة للاقتصاد.
ولكن ما أثبتته الكثير من الدراسات هو أن هناك علاقة تفاعلية متبادلة بينهما فمن يستطيع أن ينكر أن الازدهار الاقتصادي يساعد على تحقيق الاستقرار السياسي وان العكس هو في ذات الوقت صحيح.
وجدير بالذكر أنه يتم الآن تدريس مادة الاقتصاد السياسي والاقتصاد السياسي الدولي كمواد أساسية في كل من أقسام الاقتصاد وأقسام السياسة بالجامعات المختلفة كدليل على عمق الارتباط بينهما.
ب- علاقة علم الاجتماع بعلم السياسة:

– يرتبط علم السياسة بروابط متينة بعلم الاجتماع فكلاهما يدرس الإنسان ولكن من زاويتين مختلفتين فالسياسة تهتم بدراسة الإنسان من الجانب السياسي فتهتم بعلاقته بحكومته أو بالتنظيم السياسي الذي ينتمي إليه…الخ أما علم الاجتماع فيهتم بدراسة هذا الإنسان نفسه من الزاوية الاجتماعية فيهتم بعلاقته بأسرته بأصدقائه …الخ.
– إلا أن هناك نقطة اتصال بين العلمين حتى أن هناك مادة الاجتماع السياسي والتي تعنى بالتنشئة السياسية للإنسان من خلال مؤسسات المجتمع المختلفة.

ج- علاقة علم الجغرافيا بعلم السياسة:

– تعد الجغرافيا من العوامل المؤثرة في العلاقات الدولية والسياسات الخارجية للدول، كما تمثل احد العناصر المحددة لقوة الدولة.
– وفى ضوء ذلك فان مادة الجغرافيا السياسية أو الجيوبوليتكس إنما تعكس ذلك الترابط القوى بين الفرعين وتتضمن العديد من النظريات التي تؤكد تلك العلاقة القوية.

– يعرف منهج البحث بأنه ” الطريق المؤدى إلى اكتشاف الحقيقة من خلال مجموعة من القواعد التي تسير العقل وتحدد عملياته ليصل إلى النتائج المطلوبة “.
– والباحث في أي فرع من فروع العلم في حاجة إلى منهج يسترشد به من اجل أن يقوده لاكتشاف الحقيقة أو التأكد من صحة أفكار قديمة أو تحديد طبيعة العلاقات السببية التي تربط بين المتغيرات المختلفة.
– ومن ثم فان الباحث أيضا في إطار علم السياسة يحتاج لمثل هذا المنهج.

كواليس المقالة التي حطمت كبرياء نائب وزير الإعلام اليمني وزج

كاتب الموضوع الأصلي: د.طارق الحروي

بسم الله الرحمن الرحيم
كواليس المقالة التي حطمت كبرياء نائب وزير الإعلام اليمني
وزجت بكاتبه السجن !!
——————————-
د.طارق عبدالله ثابت الحروي .
[email protected]

– مما تجدر الإشارة إليه بهذا الشأن أن المقالة المنشورة في صحيفة 26 سبتمبر بعنوان (عمي عبده الجندي ليس مجرد سؤال: لماذا ترتعد فرائصك عند ذكر أسمي) بتاريخ 19-4-2012م ومن قبلها في عشرات المواقع والصحف الالكترونية خلال شهر واحد تقريبا؛ هي التي أودت بما تبقى من مظاهر الكبرياء المصطنع والهش التي يحرص نائب وزير الإعلام على التظاهر بها أمام الآخرين، باعتبارها كانت القشة الأخيرة التي إبقائها ظاهريا بينه وبيني منذ أول ظهور لي من على صدر الصحافة الورقية المحلية (الدستور، إيلاف، ثم الجمهورية،..) في العام 2009م.
– إنها ما يجب أن نطلق عليها بحق المقالة الأعجوبة الأكثر إثارة وحضورا في ذاكرة الجندي إلى ما شاء الله، نعم فهي المقالة التي أسقطته أرضا بدون حراك من الجانب الأخلاقي والمهني والوطني…، بعد ان قام بكل ما قام به من إجراءات شديدة لا تمت إلى أبسط قواعد الدين والأخلاق والمهنة والأخوة والتعايش… بهدف تضييق الخناق علينا من كافة الجوانب وصولا إلى الزج بنا في غياهيب السجن منذ الشهر الثاني في واحدة من أكثر المكائد والجرائم سوء وخبيثا، لدرجة أنه تناسى أن أقدار الإنسان وأرزاقه كلها ومن ثم حياته بيد الله تعالى.
– هذا إن لم نقل أنها وبمشيئة الله القادر المقتدر سوف تكون كفنه الأخير كسياسي وإعلامي الذين سيكفن به ما تبقى من حياته؛ جراء ما اقترفته يداه من أعمال كثيرة يندى لها الجبين بحقي وبحق من نحب هو يعرفها حق المعرفة، إلا أني في نفس الوقت ادعوا الله أن يطيل له (ولمن يشاركه هذا الأمر) في أعمارهم كي يروا بأم أعينيهم ما حرصوا وعملوا بكل جهدهم على عدم رؤيته بالرغم من انه شغل حيزا واسعا من تفكيرهم قد أصبح حقيقة بحجم قرص الشمس…، لا يستطيع لا هو ولا غيره حجبها إلا بمشيئة الله.
– أما ما قصة هذه المقالة ولماذا أعطيت لها كل هذه الأهمية من قبلنا، فهذا أمرا أخر يدركه الجندي بأدق تفاصيله ليس لكون القدر شاء لنا ولقلم الحق الذي أمسكه بكلتا يدي أن نكون حيثما أراد في منازلة لها شأنها بين الحق والباطل سوف تغير نتائجها مصير أهلي وأسرتي ومن نحب بإذن الله فحسب، لا بل وأيضا وللزمان والمكان علاقة وثيقة الصلة بذلك، فالجندي سليط اللسان عندما خاض إرهاصات المواجهة الخاسرة إلى أبعد الحدود مع دائرة التوجيه المعنوي للجيش وشخص وزير الدفاع في ذلك التوقيت من على منبره الصحفي سيء الصيت في محاولة منه للضغط عليهما كما هي ديدان حياته للحصول على امتيازات غير مشروعة بلي الذراع، احتمال واجهها المسئولين بنوع من اللامبالاة فقام بما قام به.
– لدرجة وصلت حد الذروة عندما أصدرت دائرة التوجيه المعنوي ومكتب وزير الدفاع بيانا منفصلا نشر نسخة منه في الصحافة الالكترونية يطلب فيه من الجندي التراجع عما قاله وإلا سوف يتم نشر غسيله (فساده الإداري والمالي…) على الملا…، وفي خضم هذا الأمر فوجئ الجندي كما فوجئت أنا بقيام الصحيفة الأولى في البلاد الناطقة باسم الجيش بإنزال هذه المقالة وبالبنط العريض بدون سابق انذار.
– لأنها على ما اعتقد وجدت فيها مضمون الرد الكافي والشافي لكل تخرصات الجندي بحقهما، في تطور لم يكن في الحسبان سيما وإن الصحيفة بعدما تم تقاسم هيئتها الإدارية بين فرقاء العملية السياسية كانت قد بدأت بتطبيق سياسة جديدة تنو بنفسها فوق المصالح والصراعات الحزبية كما قيل لنا مرارا والعجيب أن ذلك قد جاء والصحيفة قد قطعت تواصلها معي بشكل شبه نهائي إرضاء لبعض الأطراف في العملية السياسية.
– نعم أستطيع أن أخبركم أنه لم ينم في تلك الليلة الليلاء من شدة الغيض والحنق… على كاتب هذه المقالة، فمن هو وراء إنزال هذه المقالة ولماذا ؟ ولماذا في هذا التوقيت بالذات ؟ وما وجه الربط بين نزولها والبيان أعلاه الصادر عن دائرة التوجيه ومكتب وزير الدفاع،…..الخ، هذا أكثر الأمور التي كانت أرقه ومازالت، بالإضافة إلى ما جاء في مضمون المقالة من رسائل هو يعلم حقيقة ما أقصده، وبالنسبة لي فقد كنت أدرك بالضبط حقيقة مصدر كل هذه المخاوف والهواجس والكراهية التي أعمت بصيرته وقلبه قبل عينيه علينا، نعم كنت أدرك أن حقيقة مصدر هذا الهيجان الذي أصبح عليه تجاهي له فجاءه له علاقة وثيقة الصلة بطريقة إدارته السلبية لعلاقته مع أحد أبنائه من أبناء جيلي الذي يرتفع به رأسي ورأس من يعرفه وتشتد به قامتي….
– حيث مارس عليه ثم علينا كافة أنواع الضغوط موظفا في ذلك كل ما يمتلكه من نفوذ في الدولة وخارجها، في محاولة خبيثة منه تحجيم أقلامنا وقناعاتنا وطموحاتنا… وصولا إلى قطع كافة مصادر أرزاقنا المحدودة جدا المتاحة أمامنا، لدرجة لا يصدقها عقل ولا يستسيغها منطق، حيث ضيق الخناق تماما على حركته وحركتي، لدرجة أغلقت إلى حد اليوم كل الصحف الورقية الرسمية والمعارضة والمستقلة والصفراء ومعظم الصحف الالكترونية أبوابها أمامي..
– هو لم يكن يدرك تماما ومن نفذ له رغباته من المتسولين الجياع على موائد اللئام أنه يقف بالفعل أمام إنسان مجتهد بسيط جدا لا يمتلك في هذه الدنيا شيئا يُذكر إلا ما أراه الله ووعده من خيري الدنيا والآخرة ولا يحمل بين يديه سوى قلما واحدا لا أكثر أهداه الله تعالى له، فعاهده أنه سيكون قلما للحق ضد الباطل ليعلو به شأن الوطن والمواطن، ويحمل بين جنبيه إرادة من الفولاذ لن يستطيع هو وأهل الأرض لو اجتمعوا أن يثنوا عزيمة صاحبها لأنه أعتمد ويعتمد وسوف يعتمد على الله تعالى جل في علاه فقط في كل حياته.
– ثم يسعني أن أقول لك صحيح أنني وقلمي مازلنا نعاني آثار الحبس (القبض) إلى حد اليوم حيث لم يحرك الله تعالى لنا أقدارنا وأرزاقنا لحكمة بعينها هو يعلمها وحده وليس أنت يا جندي أو غيرك إلا أننا أصبحنا أكثر يقينا وإيمانا بها يوما بعد يوم أن كل الخير الذي نعلمه ولا نعلمه وضعه الله فيها ونحمد الله على ذلك، أما أنت لم ولن تكون سوى أحد الأسباب فيما كان أو سيكون، هل تفهم ما أقصده أو ما أعنيه، سواء أكنت تدرك حينها أنك ستصطدم بصخرة من صخور هذا البلد المعطاء (كما اصطدمت بها قبلي) سوف تحطم ما تبقى من كبريائكم الهش المصطنع أم لا !!
– والملفت للنظر أيضا أن هذه المقالة قد كان لها قدم السبق وبلا منازع بهذا الشأن بعدما استطعت من خلالها أن أحرق أعصابه وأخرجه عن هدوئه المعتاد ودبلوماسيته المفتعلة، لم أكن فيها أهاجم شخصه ولكن عمله وخبثه أردت من خلالها أن أخذ بيده ليعيد محاسبة نفسه وحساباته، لان الدنيا فانية ولا تدوم لأحد، لكن مفعولها كان عكسي حيث فجرت ذلك البركان الخامد منذ الثمانينات بينه وبين صهره عبدالله الحروي ليتحول في لحظات إلى بركان ثائر يحرق كل شئ أمامه ولم يكن أمامه إلا كاتب هذه المقالة عندما أطلقها في مؤتمره الصحفي المنعقد بتاريخ 25-4- 2012م مدوية بدون وعي بقوله (أنا لا أعرف اسمه ولا أصله ولا نسبه..)… وترجمه أخيرا على أرض الواقع بجريمة زج كاتبها في السجن.
– عندها فقط أدركت أنني لامست شيئا حساسا في نفسه أفقده قدرته على التحكم بنفسه حيث لم يمضى عليه سوى أسبوع واحد فقط من نزول مقالتي كي أحصل على مثل هذه النتيجة غير المتوقعة أو التي لم أكن أتوقعها إلا بعد مرور سنوات، إذا فهي بتقديري المقالة الأعجوبة، ولعل الكثير لا يعرفون السبب الحقيقي وراء كل ذلك، لكني أستطيع أن أختصره بقولي أنه رأى في المقالة ماضيه وحاضره وما تبقى من مستقبله الهش، على خلفية ما أصبح يعانيه مؤخرا من أحلام اليقظة التي منعته من قراءة حقيقة ما يدور حوله وحول أبناء جيله من تحولات جذرية يصعب تجاوزها أو تجاهلها، فالدفة اليوم بالفعل قد بدأت بالانتقال التدريجي إلى يد جيل جديد من الشباب رأتهم اليمن وستراهم وسترى فعلهم وهمتهم في العام 2014م بمشيئة الله تعالى.
– وأخيرا هل تعلمون قرائي الأعزاء أني كنت قد طلبته في كل مقالاتي للمنازلة من على صدر الصحافة المحلية تحت سقف الثوابت الوطنية العليا للأمة، لكنه أبى فحاولت استفزازه بشيء من الدبلوماسية على مدار سنة كاملة من خلال إنزالي للتسعة مقالات الأخرى عساني استطيع دفعه لملاقاتي ولكنه للأسف الشديد لم يستطيع مجاراتي ولن يستطيع، أتعرفون لماذا أنه الجبن والخوف والرعب الذي يخلقه التردد وعدم الإيمان وعدم امتلاك القدرة على المواجهة المباشرة خاصة عندما يكون منافسيه من جيل الشباب الجديد حاملي العلم والمعرفة وصاحب المهارات المشبعين بالروح والقيم الوطنية والدينية والأخلاقية… التي يفتقدها كثيرا، فهو وأبناء جيله يعرفون حق المعرفة من نحن وما حجمنا وما هي قدراتنا وماذا نريد… !!
– لكنه رغم ذلك كله لمعلوماتكم هو لم يتركني للحظة واحدة كما قلت سلفا فعمد إلى تضيق دائرة الخناق علي وعلى قلمي باستخدام نفوذه كنائب لوزير الإعلام وعلاقاته وأشهد لله أنه نجح في كل ذلك، ولكنه أيضا بالمثل لم يستطيع إسكات صوت وفعل قلمي إلى الأبد ولن يستطيع إلا في مخيلته، وفي المقابل أيضا لم يترك الساحة كليا لأنه ظل يرقب الفرصة السانحة ليأخذني على حين غرة، نعم فقد ضربني في ظهري غدرا ومكيدة وزج بي في غياهيب السجن المركزي في محاولة بائسة للمساس بمستقبلي تتعلق بصفحتي الجنائية… وتعرفون ما أقصده…، وأخيرا فإني أقول له اليوم بعد كل ما جرى ويجري ما هكذا صورة كنت أريد أن أراك فيها يا جندي وما هكذا يواجه الفرسان في الميدان بعد ان كنت أظنك فارسا وما أنت بفارس.
والله ولي التوفيق وبه نستعين
يمكن قراءة المقال على الروابط التالية http://marebpress.net/articles.php?lng=arabic&id=15061
بعنوان (د. طارق الحروي عمي …… ليس مجرد سؤال لماذا ترتعد فرائصك عند ذكر أاسمي !! )

قصة المرأة والفقيه

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالله الهويدي36336

سمعت امرأة أن عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه- لعن من تغير خلقتها من النساء، فتفرق بين أسنانها للزينة، وترقق حاجبيها.فذهبت إليه، وسألته عن ذلك، فقال لها: ومالي لا ألعن من لعنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو في كتاب الله.فقالت المرأة في دهشة واستغراب: لقد قرأت القرآن الكريم كله لكني لم أجد فيه شيئا يشير إلى لعن من يقمن بعمل مثل هذه الأشياء.وهنا ظهرت حكمة الفقيه الذي يفهم دينه فهما جيدا، فقال للمرأة: أما قرأت قول الله تعالى: { وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا}؟!أجابت المرأة: بلى، فقال لها: إذن فقد نهى القرآن عنه- أيضا-.

قصة السؤال الصعب

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالله الهويدي36336

جاء شيخ كبير إلى مجلس الإمام الشافعى، فسأله: ما الدليل والبرهان في دين الله؟ فقال الشافعي: كتاب الله.فقال الشيخ: وماذا- أيضا-؟ قال: سنة رسول الله. قال الشيخ: وماذا- أيضا-؟ قال: اتفاق الأمة. قال الشيخ: من أين قلت اتفاق الأمة؟ فسكت الشافعي، فقال له الشيخ: سأمهلك ثلاثة أيام. فذهب الإمام الشافعى إلى بيته، وظل يقرأ ويبحث في الأمر. وبعد ثلاثة أيام جاء الشيخ إلى مجلس الشافعي، فسلم وجلس. فقال له الشافعي: قرأت القرآن في كل يوم وليلة ثلاث مرات، حتى هداني الله إلى قوله تعالى: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا}. فمن خالف ما اتفق عليه علماء المسلمين من غير دليل صحيح أدخله الله النار، وساءت مصيرا. فقال الشيخ: صدقت