أ.د. أحمد محمد وهبان

استعمار ثقافي

كاتب الموضوع الأصلي: فارس الحسين 2013

الاستعمار الثقافي أو الإمبريالية الثقافية وهو شكل من أشكال الاستعمار، أي بمعنى أن تحاول أمّة التدخل بسياسة أو اقتصاد أمّة أخرى بٌغية السيطرة عليها، عن طريق تشجيع أو تفريق ثقافة أو لغة شعب على شعب آخر. وبالتالي تقسيمها طائفياً أو اقتصادياً وهذا يكون عادةً عندما تصبح ثقافة أو اقتصاد أو القوة العسكرية لأُمة معينة أقوى على شعب أمة أقل قوة. ويكون شكل الإمبريالية الثقافية على هيئتين، كسياسة رسمية أو كموقف عام ورسمي أو غير رسمي كما تقوم به الولايات المتحدة الآن ولهذا الاستعمار عدة اشكال وطرق غير مباشرة،كاستخدام وسائل الاعلام ووسائل التقنيات الحديثة.
وما يزال أمر الاستعمار الثقافي، استتباعاً لذلك، محيراً لدى الكثيرين؛ إذ لا ترى فئة من الناس أنه غزو، فتختار له تسميات أخرى، وتهون فئة أخرى من شأنه على أن الحديث عنه وعن مخاطره ألعوبة أو وهم، بل إن فئة ثالثة تدعو له سبيلاً للمثاقفة، وهؤلاء يهونون أيضاً من أمر المثاقفة، فلا يجدون فيها تأثير ثقافة غازية قاهرة في ثقافة مغزوة مقهورة، وإنما يعدون المثاقفة تلاقحاً معرفياً وحضارياً يعزز التواصل بين (تراثات) الإنسانية، ويغنيها، ويوردون حججاً لا نهاية لها عن العلاقات الثقافية بين الشعوب، واستكمال شروط النهضة أو التقدم.[1]

تزوير الانتخابات

كاتب الموضوع الأصلي: فارس الحسين 2013

الغش الانتخابي أو تزوير الانتخابات هو تدخل غير قانوني في عملية الانتخابات لتجيير أصوات لمصلحة مرشح ما أو لسلبها من مرشح ما. أعمال الاحتيال تؤثر فرز الأصوات من أجل التوصل إلى نتائج الانتخابات، سواء عن طريق زيادة حصة تصويت المرشح الاوفر حظا، أو الغمط من نصيب التصويت للمرشحين المتنافسين أو كليهما، والآليات التي تشارك تشمل تسجيل الناخبين غير قانونية والترهيب في الانتخابات وفرز الاصوات غير لائق. ما هو تزوير الانتخابات بموجب القانون يختلف من بلد إلى آخر.
وحظرت وكثير من أنواع الغش الناخبين في التشريعات الانتخابية ولكن البعض الآخر في انتهاك للقوانين العامة مثل تلك التي تحظر الاعتداء والمضايقة أو التشهير. وعلى الرغم من الناحية الفنية ‘تزوير الانتخابات’ على المدى يغطي سوى تلك الأفعال التي هي غير مشروعة، ويستخدم أحيانا مصطلح لوصف الأفعال التي على الرغم من قانونية، تعتبر غير مقبولة أخلاقيا، خارج روح القوانين الانتخابية أو في انتهاك لمبادئ الديمقراطية. وتعتبر في بعض الأحيان وتظهر الانتخابات، والذي سوى مرشح واحد قادر على الفوز، ليكون التزوير الانتخابي على الرغم من أنها قد الامتثال للقانون. في انتخابات وطنية، لا يمكن تزوير الانتخابات ناجحة لها أثر انقلاب أو فساد الديمقراطية. في انتخابات قد ضيق على كمية صغيرة من الاحتيال تكون كافية لتغيير النتيجة. إذا كان لا يتأثر نتيجة لذلك، يمكن الاحتيال لا تزال لديها تأثير ضار إذا لم يعاقب، لأنها يمكن أن تقلل من ثقة الناخبين في الديمقراطية. حتى يمكن تصور أن يكون مدمرا للاحتيال لأنه يجعل الناس أقل ميلا إلى قبول نتائج الانتخابات. هذا يمكن أن يؤدي إلى انهيار الديمقراطية واقامة ديكتاتورية.

أحواله:=

لا يقتصر تزوير الانتخابات لاستطلاعات الرأي السياسية ويمكن أن يحدث في أي انتخابات حيث المكسب المحتمل يستحق المخاطرة بالغش، كما هو الحال في انتخابات النقابات العمالية للموظفين، ومجالس الطلاب، والرياضة والحكم، ومنح الجدارة على الكتب والأفلام والموسيقى أو البرامج التلفزيونية. على الرغم من العديد من حالات التزوير الانتخابي، فإنها لا تزال ظاهرة من الصعب دراستها. وهذا ناشئ عن عدم الشرعية المتأصلة فيها. سن عقوبات قاسية بهدف ردع التزوير الانتخابي يجعل من المرجح أن الأفراد الذين يرتكبون الغش يقترفون فعلتهم لتوقعهم أنه لن يكتشفوا أو انهم سوف يعذوروا.

حكم الأقلية

كاتب الموضوع الأصلي: فارس الحسين 2013

الأوليغاركية Oligarchy (أحيانا: الأوليغارشية) أو حكم القلة هي شكل من أشكال الحكم بحيث تكون السلطة السياسية محصورة بيد فئة صغيرة من المجتمع تتميز بالمال أو النسب أو السلطة العسكرية. الكلمة “أوليغاركية” مشتقة من الكلمة اليونانية: ὀλιγαρχία أوليغارخيا. وفي القرآن الكريم تسمّى الفئة الحاكمة الملأ[1].وغالبا ما تكون الأنظمة و الدول الأوليغاركية مسيطر عليها من قبل عائلات نافذة معدودة تورث النفوذ و القوة من جيل لاخر.
وقد كان أفلاطون هو أول من أشار إلى حكم الأوليغاركية وذلك في كتابه “الجمهورية” حيث قسم أنظمة الحكم إلى: الدولة المثالية “جمهوريته” ثم الدولة الديمقراطية ثم الأوليغاركية ثم عاد في كتابه “السياسة” وقدم تقسيما أنضج وأوضح هو من ستة أنواع: منها ثلاثة تتقيد وتحترم القانون وثلاثة لا تلتزم بالقانون ومنها حكم الأوليغاركية.
وجاء أرسطو بعد أفلاطون وقدم مزيدا من التفاصيل لمواصفات حكم القلة فقال أنها تشترط نصابا ماليا معينا في الذي يتمتع بصفة المواطن. وأضاف أرسطو أن نوع الحكم يتوقف على الثروة والملكية، ويتوقف مدى اتساع الحكومة الأوليغاركية على مدى اتساع طبقة أصحاب الأملاك. وبهذا يكون أرسطو قد مهّد لاستخدام هذا المصطلح كمرادف لحكم الأثرياء أو البلوتوقراطية، إلا أن الأوليغاركية لا تعني دائما حكم القلة الأثرياء، وإنما هي مصطلح أوسع يشمل أيضا أي ميزة أخرى غير الثراء.
وفي رأي أرسطو أن الأوليغاركية تنتهي دائما بحكم الطغيان وتصبح مشكلتها الرئيسية هي الاستئثار بالسلطة. ويستخدم هذا التعبير في العصر الحديث لوصف الحكومات التي تعتمد على نفوذ أجنبي، أو التي ليس لها رصيد جماهيري بحيث تعتمد على دوائر التأثير في السلطة مثل رجال المال أو الصناعة.

أمثلة من التاريخ المعاصر

الولايات المتحدة الأمريكية
بعض الكتاب المعاصرين يرون الحكومة الامريكية في شكلها الحالي بأنها حكومة أوليغاركية في الطبيعة.وقد رأى سايمون جونسون ان إعادة تشكيل النظام الأوليغاركي المالي في أمريكا هو أمر قد حدث بالفعل.” أيضا فإن جيفري وينتر يقول إنه “يمكن للأوليغاركية والديمقراطية أن تعملا ضمن نظام واحد، والنظام الأمريكي هو مثال حي لتفاعل هذين العاملين”. يعارض هذا الرأي العديد من الإقتصاديون أمثال بيرني ساندرز الذي ارتأى أن “الطبقة العلوية من العائلات الثرية تعقدالعزم على تدمير الرؤية الديمقراطية للطبقة المتوسطة التي جعلت الولايات المتحدة في موضع حسد من العالم.إنهم مصممون على خلق الأوليغاركية يشارك فيها عدد قليل من العائلات للسيطرة على الحياة الاقتصادية والسياسية في الولايات المتحدة”. وقد إتضح أن معظم القيادات السياسية الصناعية والمالية في الولايات المتحدة الأمريكية يسود على طواقمها أفراد من خريجي جامعتي هارفارد وييل, فعلى سبيل للمثال جميع الأعضاء التسعة في المحكمة الدستورية العليا الحالية هم من خريجي كليات الحقوق في جامعة هارفارد أو ييل!.

الإتحاد السوفيتي
مثال آخر عن الأوليغاركية نراه في الاتحاد السوفياتي السابق حيث تم السماح فقط لأعضاء الحزب الشيوعي في التصويت أو شغل المناصب.

عثمانية جديدة

كاتب الموضوع الأصلي: فارس الحسين 2013

العثمانية الجديدة (بالتركية: Yeni Osmanlıcılık) هي أيدولوجيا سياسية تركية تروج في معناها الواسع للارتباط الأكبر بالمناطق التي كانت مسبقاً تحت الحكم العثمانيين.
ابتكر المصطلح من قبل اليونانيين في 1974 بعد الغزو التركي لقبرص.
يستخدم المصطلح لوصف العلاقات السياسية الخارجية لتركيا بقيادة حزب العدالة والتنمية. تعتبر العثمانية الجديدة تحولاً كبيراً مقارنة بالسياسة التركية التقليدية المتمثلة بالأيدولوجيا الكمالية. يمكن وصف السياسة الخارجية في حكومة تورغوت أوزال على أنها أولى خطوات العثمانية الجديدة.
كانت الإمبراطورية العثمانية تمثل قوة عظيمة في ذروتها، وكانت تتحكم بالبلقان بالإضافة للغالبية العظمى مما يمثل منطقة الشرق الأوسط اليوم وأفريقيا الشمالية. تهدف العثمانية الجديدة لزيادة الانخراط التركي في تلك المناطق كجزء من التأثير الإقليمي التركي المتزايد. تستخدم تركيا قواها البسيطة لتحقيق تلك الأهداف. ساهمت العثمانية الجديدة في تحسن علاقة تركيا مع الدول المجاورة، لاسيما العراق وإيران وسوريا، إلا أن علاقة تركيا بحليفها التقليدي إسرائيل توترت مؤخراً بسبب الاعتداء على أسطول الحرية الذي كان متجهاً لغزة. يعارض وزير الخارجية أحمد داود أوغلو استخدام هذا التعبير لوصف السياسة الخارجية لتركيا بقيادة حزب العدالة والتنمية. السياسة الخارجية الجديدة جعلت الإعلام الغربي يتساءل عما إذا كانت تركيا أصبحت تتباعد عن المحور العابر للأطلسي مقابل زيادة الانخراط وتوطيد العلاقات مع دول الشرق الأوسط المجاورة أو القريبة منها، إلا أن الرئيس عبد الله غل نفى تلك المزاعم.
تطبق تركيا الأيدولوجيا العثمانية الجديدة في كل من ألبانيا وكوسوفو والبوسنة والهرسك وبعض الدول الأخرى التي كانت تمثل جزء من الإمبراطورية العثمانية.

أحمد بن بلة

كاتب الموضوع الأصلي: فارس الحسين 2013

أحمد بن بلّة (25 ديسمبر 1916 -11 أبريل 2012)[1]، أول رؤساء الجزائر بعد الاستقلال، من 15 أكتوبر 1963 إلى 19 يونيو 1965. ناضل من أجل استقلال البلاد عن الاحتلال الفرنسي، وشارك في تأسيس جبهة التحرير الوطني في عام 1954 واندلاع الثورة التحريرية. فاعتبر «رمزا وقائدا لثورة أول نوفمبر… وزعيمها الروحي».[2] وبعد الاستقلال أصبح أول رئيس للجزائر المستقلة حتى انقلب عليه وزير الدفاع هواري بومدين.
نشأ بن بلة وترعرع في وسط فقير حال كل الجزائريين في أوائل القرن العشرين. انتبه مبكرا إلى الفوارق بين حال الجزائريين أصحاب الأرض والمستعمرين الغُرب الذين استولوا على الأرض ونهبوا خيراتها واسترقوا العباد. شارك في الحرب العالمية الثانية وأبدى من الشجاعة ما شهد له بها حتى خصومه، ولكن بعد عودته وجد نفسه العائل الوحيد لأهله بعد وفاته أبيه وإخوته. لم يمنعه ذلك من السعي في تحسين أمور كل الجزائريين فانضم مبكرا للحركات النضالية السياسية ثم الجهادية بعد أن تأكد أن الاستقلال ينتزع بالقوة. ساهم في استقلال الجزائر عن الاستعمار الفرنسي ثم في تحرير بلده من الجهل والفقر والتبعية. رغم سنوات حكمه القليلة وفترة سجنه الطويلة في زنزانات المحتل ثم الرفيق، إلا أن عزمه لم يكل. فعرف بدفاعه عن القضايا العادلة في العالم كله وتصديه لأنواع الاستعمارات الظاهرة والمخفية.
كان بن بلة رجلا ثوريا، مناضلا وسياسيا ومدافعا عن حقوق الإنسان. يصنف كعروبي وداعم للقضايا العربية وضمن دعاة وحدة المغرب العربي.[3] يصفه أحد المؤرخين بأنه شخصية كبيرة ومبتسمة وبشوشة وغير ملتزمة كثيرا بالبروتوكولات. الجالس معه يحس بالراحة لبساطته وإشعاره لغيره بأنه يوافقهم الرأي أو متفهم لمواقفهم وكأنه في مكانهم. لكن عند التعارض معه من دون طريقة سلمية لفض المشكلة، فإنه قد يتحول لشخص شرس وفض.[4]
ومثلما جلبت له أدواره إعجاب البعض من الناس، فقد نال أيضا من سخط الآخرين. فالبعض عارض اتجاهه العروبي والإسلامي والاشتراكي والبعض حمله كل وزر فترة حكمه رغم أنه لم يكن صاحب القرار الوحيد.

النشأة[عدل]

آثار الدمار في كاسينو بعد المعركة
ولد في مدينة مغنية جنوب مدينة وهران بالغرب الجزائري سنة 1916 (أو 1918 ولكن بلة رشح التاريخ الأول[5]) لعائلة بسيطة قدمت من مراكش واستقرت بمغنية. بدأ تعليمه في الزاوية القرآنية التي كان والده مقدما فيها، إلى جانب دراسته في المدرسة الابتدائية الفرنسية لكنه اكتفى لاحقا بالمدرسة فقط.[5] نال شهادة الابتدائية ثم واصل تعليمه الإعدادي بمدينة تلمسان.[6] رسخ في ذهنه موقف أستاذه المعادي للإسلام وعجزه عن رد عليه ما جعله يلتفت للرياضة ويترك الدراسة وخاصة بعد فشله في الحصول على شهادة الأهلية.[5]
توفي والده سنة 1939.[7] وبعودته من الجيش، كان هو المعيل الوحيد لعائلته بعد وفاته إخوته بالمرض أو في الحرب.
الخدمة العسكرية[عدل]

شعار الكتيبة الخامسة للقناصين
كغيره من الجزائريين، التحق بالخدمة العسكرية الإلزامية في الجيش الفرنسي بين عامي 1937 و1940[7]، وكانت المدة يمكن أن تكون أقصر لولا اندلاع الحرب العالمية الثانية. أصبح رقيبا في كتيبة مشاة الألب رقم 141 المتمركزة في مرسيليا. نال وسام صليب الحرب لتمكنه من إسقاط طائرة من طراز stuka في ميناء المدينة.[8] وفي سنة 1940 سرح من الجيش وعاد إلى الجزائر بعد خضوع فرنسا للاحتلال الألماني.
استدعي مرة ثانية سنة 1942 لمشاركة الفرنسيين والحلفاء في حربهم ضد إيطاليا وألمانيا. هذه المرة أرسل ضمن مجموعة من المغاربة (وكان الجزائري الوحيد بينهم) إلى الصفوف الأولى من جبهة القتال في إيطاليا فيما يشبه فرقة الموت. ومن البداية، أخبره قائده الفرنسي بأن لبن بلة ملفا كبيرا وأنه لا يرغب في المشاكل.[9]
وضمن الكتيبة الخامسة للقناصين، حمل بن بلة رتبة رقيب أول ثم مساعد. تميز بالشجاعة، وفي معركة مونتي كاسينو أبلى بلاءا حسنا في القتال، حيث تمكن من نجدة قائده (بالفرنسية: Offel de Villaucourt) مرتين. ونظرا لما ظهر منه، قلده الجنرال ديغول شخصيا «الميدالية العسكرية» بعد تحرير روما سنة 1944.[6][8] وهو أعلى وسام في فرنسا وكان العربي الوحيد الذي حصل عليه.[5][10] ويكون بذلك قد نال أربعة أوسمة في مشاركاته العسكرية، أهمها وسام صليب الحرب (بالفرنسية: Croix de Guerre) والميدالية العسكرية.[11] وقد اعتبر بن بلة تسريحه من الجيش الفرنسي في سنة 1944 بمثابة مكافئة له.[5]

بن بلة وسط البرازيليين بيليه وغارنتشا بعد مقابلة الفريق البرازيلي للفريق الجزائري بعد الاستقلال.
بن بلة الرياضي[عدل]
بعد المشاكل التي واجهها مع أستاذه، توجه بن بلة إلى ممارسة الرياضة، فكان بطلا في فئة 400 متر عدو.[9] كما عرف بشغفه بكرة القدم، حيث أثناء تواجده بمدينة مرسيليا، لعب لنادي أولمبيك مارسيليا الفرنسي[6] في منصب لاعب وسط لموسم 1939-1940[12] وظهر في مباراة ضد FC Antibes لحساب كأس فرنسا جرت في 29 أبريل 1940 بمدينة كان[13] وتمكن من تسجيل هدف في المباراة.[14][15] عرض عليه مسؤولون الاحتراف في النادي، إلا أنه رفض العرض المغري وفضل العودة إلى الوطن على البقاء في فرنسا.[11] لعب بن بلة أيضا لنادي الاتحاد الرياضي لبلدية مغنية. IRB Maghnia.[16]
النضال لاستقلال الجزائر[عدل]

عودته إلى الجزائر، بعد أن شارك الفرنسيين في عملية التحرير، واكبت مجازر 8 مايو 1945 في سطيف وخراطة وغيرهما من المدن. وقد تأثر بن بلة بعمق بهذه الأحداث التي سقط خلالها حوالي 45 ألف جزائري لما طلبوا فرنسا بالوفاء بعهدها.[17] فتأكد عند بن بلة أن «هذا الاستعمار عنيف.. ولن يزول بغير استعمال العنف».[5] عرف بن بلة بنشاطه السياسي في صفوف الحركة الوطنية مبكرا، فاشترك في حزب الشعب الجزائري ثم حركة انتصار الحريات الديمقراطية بزعامة مصالي الحاج. انتخب في أكتوبر سنة 1947 مستشارًا لبلدية مغنية.[7][10] ورغم تضييق الفرنسيين عليه، حاول جاهدا في خدمة إخوانه الجزائريين وأدهش المستعمر بتنظيمه.[18]
المنظمة الخاصة[عدل]
Crystal Clear app kdict.png مقالة مفصلة: المنظمة الخاصة
في 15-16 فبراير 1947، انعقد ببوزريعة مؤتمر ضم أعضاء من حزب الشعب وحركة انتصار الحريات الديمقراطية. وتم تأسيس تنظيم شبه عسكري سمي «المنظمة الخاصة» وكلف بن بلة بجهة وهران.[19] وكان ذلك بعد انعقاد المؤتمر الأول لحركة انتصار الحريات الديموقراطية. كلفت المنظمة بجمع السلاح وتدريب الرجال تحضيرا للنضال العسكري. أسندت قيادة المنظمة لمحمد بلوزداد ويساعده أيت أحمد ومهساس إلى جانب بن بلة.[20]
انتقل بن بلة إلى الجزائر العاصمة، ليدخل النشاط السري[8] بعد أن ترك مدينة مغنية تحت ضغط الفرنسيين. بن بلة الذي كان أحد مؤسسي المنظمة الخاصة، صار في ديسمبر 1949 رئيسا لها[10][21] خلفا لآيت أحمد.[17] وفي ظل فشل كل الحلول السياسية في استرجاع الجزائريين لبلادهم وثرواتهم، كان هدف المنظمة الأول التحضير لثورة مسلحة.[22] وأصبح بن بلة بذلك مسؤولا عسكريا تحت إمرته 5 آلاف مقاتل.[23]
صار بن بلة لاحقا أحد القادة التسعة للجنة الثورية للوحدة والعمل (CRUA) التي ولدت من رحم المنظمة الخاصة [24] وفجرت ثورة التحرير سنة 1954.[10]
عملية بريد وهران[عدل]
كانت المنظمة السرية بحاجة لأموال لتنفيذ أهدافها. ولما واجهت امتناعا من الساسة، أخذت زمام المبادرة بيدها لتمويل نشاطاتها. وكان جلول نميش (المدعو بختي) الذي كان عاملا في بريد وهران قد اقترح على بن بلة عمليتي سطو أحدها على قطار نقل الأموال بين وهران وبشار والثانية على مركز بريد وهران. فاستقر اتفاق أعضاء المنظمة على الاقتراح الثاني لصعوبة الأول.[25]
كان مقررا للهجوم أن يقع في أول يوم إثنين من شهر مارس، غير أن الأمور لم تسر كما كان مقررا لها فأجل الهجوم لأول يوم إثنين من شهر أبريل.[26] وقع الهجوم في 5 أبريل 1949[10][27] بطريقة وكأن منفذه هو الأوروبي «بييرو المجنون» «Pierrot le fou » (الذي ذاع صيته آنذاك كلص محترف)، لولا بعض الأخطاء البسيطة التي اكتشفتها الشرطة لاحقا ووجهت التحقيق نحو الجزائريين.[28]
تكلل الهجوم بالناجح بفضل معلومات بختي الدقيقة وقيادة بن بلة لمجموعة الكوماندوس التي شنت الهجوم بمشاركة سويداني بوجمعة.[20]. كان من المتوقع الاستيلاء على 30 مليون فرنك فرنسي.[28] في حين أن الحصيلة تمثلت في 3.170 مليون فرنك فرنسي.[20] كلف محمد خيضر بنقل الأموال إلى الجزائر نظرا لحصانته كنائب.[29] ومن ثم استعملت لشراء أسلحة من ليبيا، هربت لاحقا إلى الأوراس.[23]
جاءت عملية بريد وهران بقيادة بن بلة [30] كمحاولة لإقناع السياسيين بأن اللعبة السياسية قد فشلت.[23]
الاعتقال[عدل]

التحقيق مع بن بلة
اكتشف الفرنسيون المنظمة السرية اثر فشل محاولة عقاب أحد المنضمين في 18 مارس 1950[30] واعتقل الكثير من أعضائها من بينهم بن بلة في مايو 1950 بالجزائر العاصمة.[17]
حوّل بن بلة ورفاقه محاكمتهم إلى محاكمة الاستعمار.[23] حكم على بن بلة بسبع سنوات[ملاحظة 1][31]. لكنه استطاع في 16 مارس 1952 الهروب رفقة أحمد مهساس من سجن البليدة.[7] ليلتحق بأيت أحمد وخيضر بمكتب القاهرة وشكلوا لاحقا تمثيلية جبهة التحرير في الخارج.[10]
النضال في الخارج[عدل]
بعد فراره من السجن، تنتقل بن بلة بين عدة أماكن في البليدة مدة أشهر. حتى تمكن ديدوش مراد من تهريبه إلى فرنسا عبر البحر بجواز سفر مزور، حيث بقي من ثلاث إلى أربع أشهر تحت رعاية شبكة منظمة لجزائريين. اجتمع بن بلة، في باريس سنة 1952، بعلي مهساس[ملاحظة 2] وبوضياف، وكلف بوضياف بلم شمل أعضاء النظام السري في الجزائر بعد أن قرر الحزب حل المنظمة السرية. الاجتماع استمر لمدة 3 أيام, وأدى ذلك لاحقا للقاء الشهير للـ 22.[32] ثم انتقل إلى سويسرا بصفة عامل (حيث بقي حوالي الشهر والنصف)، ثم إلى القاهرة التي وصلها في أغسطس 1953.[31]
في القاهرة، التحق بخيضر وأيت أحمد لتمثيل حركة انتصار الحريات الديمقراطية.[18] كما التقى عبد الكريم الخطابي رئيس مكتب المغرب العربي وجمال عبد الناصر وقد كان الجزائري الوحيد الذي تمكن من ملاقاته.[31] سمح ذلك لبن بلة (المكلف بنقل الأسلحة والذخيرة للبلاد لتحضير لانطلاق الثورة[17]) بالإعداد لإيصال السلاح بعد تجاوب عبد الناصر في مسألة السلاح. استمر توريد السلاح من مصر لمدة سنتين ونصف السنة.[31] أول عملية نقل السلاح تمت في فبراير 1954 باستعمال يخت فخر البحار من مصر إلى ليبيا، وكان بن بلة في استقبال الشحنة مع العقيد الليبي عبد الحميد درنة. معرفته بليبيا وسكانها سمحت له بتسهيل العمليات. غير أنه واجه مشاكل مع بورقيبة لرفضه عبور السلاح واعتراضه ووصل الأمر إلى الاشتباك المسلح.[33]
إضافة لنقل السلاح، تخصص بن بلة في التدريب العسكري.[7] فأنشأ معسكرا تدريبيا في عين شمس، وعمل بن بلة على تجنيد الجزائريين خاصة بين طلبة الأزهر، فكان من بينهم محمد بوخروبة (الذي تطلب إقناعه فترة شهرين والذي صار لاحقا يكنى هواري بومدين).[33]
أصبح بن بلة يمثل خطرا على السلطات الاستعمارية الفرنسية. فسعت لاغتياله، وهكذا تعرض لمحاولتي قتل إحداها في القاهرة[31] وأخرى في طرابلس الليبية سنة 1955 بتدبير من اليد الحمراء رغم أنه كان يسافر بأسماء مستعارة.[7] وكان قد سبق لمنظمة اليد الحمراء أن اغتالت المعارض التونسي فرحات حشاد.[33]
وباندلاع الثورة الجزائرية وتأسيس جبهة التحرير، أصبح بن بلة ممثل للجبهة في الخارج.[17]
اندلاع الثورة التحريرية[عدل]
Crystal Clear app kdict.png مقالة مفصلة: ثورة التحرير الجزائرية

اجتماع تحضيري لنقل أسلحة من مصر إلى الثوار في الجزائر، في الصورة بن مهيدي (الصف الأول على اليمين) – آيت أحمد (الصف الأول على اليسار) – بن بلة (خلف أيت أحمد)- فتحي الديب (الصف الأول إلى جانب أيت أحمد) – بوضياف (خلف بن مهيدي)
في الفاتح من نوفمبر 1954، انطلق شرارة الثورة الجزائرية بقيادة حزب جديد هو حزب جبهة التحرير الوطني. وكانت بمثابة إعلان عن لجوء الجزائريين إلى السلاح لتحرير وطنهم من الاحتلال الاستيطاني الفرنسي بعد فشل كل السبل السياسية. في الجزائر تم توزيع منشورات لبيان أول نوفمبر، ومن القاهرة كان بن بلة أول من تلا هذا البيان عبر أثير إذاعة القاهرة.[34] بكل المقاييس لم تتوفر شروط نجاح الثورة عند اندلاعها، فمن جهة رفض كل السياسيين والأحزاب اندلاع الثورة، ومن جهة ثانية كان هناك نقص فادح في السلاح وضعف نوعية ما توفر منه والذي كان أغلبه من مخلفات الحرب العالمية الثانية. ومن جهة أخرى، كان بوضياف هو منسق الثورة غير أنه أصيب بمرض السل، ما اضطر بن بلة لاتخاذ زمام المبادرة.[32] في البداية، كان مقررا اندلاع الثورة في 30 أكتوبر. ولكن الأمر ترك في الأخير للثوار على أرض الميدان. في البداية، شهدت منطقة الأوراس عددا كبيرا من العمليات مقارنة مع المناطق الأخرى، وهذا لتواجد السلاح بها وصعوبة التضاريس التي كانت مساعدة للثوار.[32] وبعد حوالي السنة، كانت العمليات العسكرية قد عمت كل أنحاء الجزائر.[33]
استمرت عمليات تهريب السلاح للثوار في الجزائر. ومن أشهر عمليات التهريب تلك التي استعملت يخت الملكة دينا وكان قائده بحار يوغسلافي. في 20 يناير 1955، جرى اجتماع في منزل فتحي الديب لإنهاء ترتيبات إرسال شحنة من الأسلحة إلى الثوار على متن اليخت دينا بحضور بن بلة وبوضياف.[35] وفي منتصف مارس 1955، سافر بن بلة إلى إسبانيا للتحضير لاستقبال الشحنة، وانطلق اليخت من ميناء بور سعيد المصري في 27 مارس باتجاه مدينة الناظور المغربية وعلى متنه 7 جزائريين كان بومدين أحدهم.[36]
بتعاظم شأن الثورة، انضم العديد من السياسيين الجزائريين إلى جبهة التحرير الوطني (جناحها السياسي). ومن بينهم من عارض قيامها في البداية. ومن جهة أخرى حاولت السلطات الفرنسية التواصل مع قيادات الثورة وطلبت منهم التفاوض بشرط تشكيل حزب آخر.[32]
في 20 أغسطس 1956 عقد مؤتمر الصومام في ظروف معقدة. فمن جهة كان عدد كبير من القادة العسكريين والسياسيين الأوائل للثورة غائبين إما لاستشهادهم أو اعتقالهم أو تغييبهم كما وقع مع بن بلة. حيث لم يعط قادة الداخل وقتا كافيا لنظرائهم في الخارج لحضور مؤتمر الصومام وهكذا ظهرت أولى بوادر الخلاف.[37] كانت مقررات المؤتمر سبب آخر في اعتبار المؤتمر خنجر في صدر الثورة. حيث اعتبرها بن بلة وأول ردة و«خيانة للتوجهات العروبية والإسلامية للثورة الجزائرية»[38] وبداية الاغتيالات نتيجة هذا الانحراف. فرفض المؤتمر ومقرراته.[32]
في 25 سبتمبر 1956، فرنسا تحتجز الباخرة لوتس في عرض البحر الأبيض المتوسط وعلى متنها أسلحة موجهة للثوار الجزائريين. ما أدى لتدهور العلاقات المصرية الفرنسية.[39]
الاختطاف[عدل]

صورة قبل اقلاع الطائرة من المغرب باتجاه تونس

اختطاف الطائرة واعتقال القادة، من اليمين:بن بلة – بوضياف – آيت أحمد – الأشرف -خيضر

تحويل القادة المعتقلين للتحقيق
شهدت سنة 1956 أيضا، بداية اتصالات ومفاوضات بين جبهة التحرير والحكومة الفرنسية جرت في مصر ويوغسلافيا وروما. وبعد حوالي 8 أشهر، تم التوصل إلى صيغة اتفاق مع ممثلي الجبهة خيضر واليزيد. فقرر القادة اطلاع جيران الجزائر المغرب وتونس بالنتائج. وفي شهر أكتوبر، أعلم بن بلة مضيفه جمال عبد الناصر بذهابه إلى مدريد للاجتماع مع القادة الآخرين فرد عليه عبد الناصر «مش الرباط» (ورددها 3 مرات وكأنه يحذر بن بلة). وعند وصول بن بلة إلى مدريد وجد أن زملاؤه قد انتقلوا إلى الرباط بدعوة من الملك محمد الخامس على أن ينتقلوا من هناك بمعيته إلى اجتماع تونس.[39]
وفي طريقهم إلى تونس على متن طائرة مغربية Air Atlas، أقدم طيران الجيش الفرنسي في 20 أكتوبر 1956 على اختطاف الطائرة في أول عملية قرصنة جوية في التاريخ.[40] واعتقل بن بلة رفقة محمد بوضياف وحسين آيت أحمد ومحمد خيضر (القيادات التاريخية للثورة الجزائرية) والصحفي مصطفى لأشرف.[17] وبذلك أفشل الجيش الفرنسي المفاوضات مع الحكومة فرنسا بوساطة تونسية-مغربية.[41] حقق رئيس الأركان الفرنسي مع القادة وحاول إجراء مفاوضات جديدة بين الجيش الفرنسي وبينهم إلى أنهم رفضوا.[39][42]
سجن المختطفون في البداية في مركز الشرطة في الجزائر لمدة أسبوع[39] قبل أن يتم نقلهم إلى سجن «لاسانتي La Santé» في جزيرة أكس (Aix) وكانت فترة السنتين ونصف بهذا السجن صعبة جدا. ثم إلى قلعة تيركان Truquant في مارس 1959 بقرار من ديغول ثم أولنوا Aulnoy إلى غاية 18 مارس 1962.[7][17][43] اعتبر ديغول المختطفين «سجناء عسكريين»[39] وطوال فترة السجن، كان مسموحا فقط للمحامين بزيارتهم.[39]. استثمر بن بلة فترة سجنه الجديدة في تنمية معرفته وثقافته السياسية.[11]
من ردود الفعل على العملية، وقوع أحداث غضب ضد الفرنسيين عقب العملية في المغرب وتونس والجزائر كردة فعل على الاختطاف.[39] وصدر بيان عقب اجتماع 25 دولة من أفريقيا وأسيا في الأمم المتحدة عبروا فيه عن استيائهم لاعتقال الزعماء الجزائريين وطالبوا بعرض مشكلة الجزائر على الجمعية العامة للأمم المتحدة للمرة الثانية خلال نفس السنة 1956.[44]
وفي 28 أكتوبر 1956، وقع العدوان الثلاثي على مصر بمشاركة فرنسا التي أرادت أن تعاقب مصر على وقوفها بجانب الجزائريين.
استمرار الثورة والدخول في مفاوضات[عدل]
يوم الجمعة 19 سبتمبر 1958، أعلن عن تأسيس أول حكومة جزائرية مؤقتة في المنفى. يرأس المجلس الوزاري فرحات عباس وعين بن بلة ومحمد بوضياف نائبين للرئيس الحكومة.[38] وكان العراق أول الدول اعترافا بها.[45] بن بلة ظل نائبا لرئيس المجلس الوزاري في حكومتي فرحات عباس 1958 و1959 وحكومة بن خدة 1961 رغم ظروف سجنه.[46]
في 10 نوفمبر 1959، عرض الجنرال ديغول التفاوض على جبهة التحرير. وجاء رد الجبهة في 20 نوفمبر 1959 بقبول العرض وفوضت بن بلة وبيطاط وأيت أحمد وخيضر وبوضياف بإجراء المفاوضات.[47] غير أن ديغول رفض مشاركة بن بلة في المفاوضات.[39]
دور القيادات المسجونة بدأ يضعف، خاصة بعد أن صارت القرارات تؤخذ دون استشارتها. مثلما هو الحال في 16 ديسمبر 1959، حين اجتمع المجلس الوطني في طرابلس وكلف هواري بومدين بقيادة الجيش خلفاً لكريم بلقاسم بدون أن يستشيروا القادة المساجين.[47]
أطلق ديغول في 14 يونيو 1960، دعوة جديدة لقادة الثورة الجزائرية بالتفاوض. وبدأت بمفاوضات في ميلون في نفس الشهر واستمرت وصولا لاتفاقية إيفيان.[47] في ذلك الوقت تأزمت الأوضاع وظهرت نزاعات بين الحكومة المؤقتة وقيادة أركان الجيش، هذه الأخيرة قامت بإرسال بوتفليقة سنة 1961 لزيارة القيادات المسجونة لإطلاعها بالأمر فوجدت تعاطفا من بن بلة معها.[47] في حين لم يقبل بوضياف التحالف لمساندته لكريم بلقاسم. زيارة بوتفليقة بإيعاز من رئيس الأركان بومدين هاته، يعتبرها البعض محاولة لاستمالة القادة المسجونين لصف بومدين[48] في حين أن بن بلة اعتبرها مجردة زيارة لاطلاع القادة بالأحداث الجارية.
بعد أن أثمرت المفاوضات بين الطرفين الجزائري والفرنسي بالوصول إلى اتفاقيات إيفيان وبدء سريان وقف إطلاق النار في 19 مارس 1962. جاء دور إطلاق سراح القادة المسجونين وعلى رأسهم بن بلة. وبعد جولة قام بها القادة بين سويسرا والمغرب ومصر ثم تونس حيث كان هواري بومدين في استقبالهم في مطار العاصمة في 14 أبريل 1962. لوحظ غياب محمد بوضياف، ما دفع البعض باستنتاج وجود خلافات بين القادة المفرج عنهم.[49]
بن بلة في السلطة[عدل]

صورة تذكارية لأول حكومة جزائرية بعد الاستقلال
عند خروج بن بلة من السجن، وجد صراعات طاحنة تجري بين الجزائريين. وبعد اطلاعه على وضع حصل تقارب بينه وبين قيادة أركان الجيش وعلى رأسها بومدين. هذا التقارب أزعج الحكومة المؤقتة التي كانت على خلاف مع قيادة الأركان. ويذكر الشاذلي في مذكراته أن الأمر كان سبب في قطع الإمدادات عن جيش الحدود الأمر الذي أثار سخط العسكر.[50] انتقد بن بلة الحكومة المؤقتة والوضع المتأزم مع قيادة الجيش في خطابه في مارس 1962 بوجدة.[47]
في ظل هذه الأوضاع، اقترح بن بلة عقد دورة للمجلس الوطني للثورة الجزائرية من أجل حل المشاكل والوصول إلى توافق يخدم الدولة التي هي على وشك الولادة. تم عقد الدورة ما بين 21 و 28 مايو 1962 بطرابلس الليبية في أجواء من الخلافات والصراعات على السلطة.[50] فاجأ بن بلة من عرفوه قبل 1956 بقدرته على تناول مشاكل الدولة نتيجة تحضيره في السجن لبرنامج لإدارة الدولة قدمه في مؤتمر طرابلس.[11] وبحضور ثلثا أعضاء المجلس تم انتخاب مكتب سياسي ضم بن بلة وست أعضاء آخرين.[51]
أعلن بن بلة من تلمسان، عن تشكيلة المكتب السياسي الذي مهمته تسيير البلاد، بعد أن قدم إليها في 22 يوليو 1962 قادما من المغرب.[52]
رسميا أعلن عن استقلال الجزائر في 5 يوليو 1962، بعد أن أيد الجزائريون بقوة الاستقلال في استفتاء لتقرير المصير. لكن الطبقة السياسية كانت تعيش وسط صراعات وتحالفات أبرزها بين الحكومة المؤقتة وأركان الجيش. وهكذا، لاحت في الأفق أزمة صائفة 1962 بين مجموعين اصطلح على تسميتهما بمجموعة تلمسان وعلى رأسها بن بلة وبومدين ومجموعة تيزي وزو وعلى رأسها بوضياف وكريم بلقاسم.[53] كانت من نتيجتها دفع جيش الحدود للاستيلاء على العاصمة. الأمر الذي تم ورجح كفة الحلف «بن بلة-بومدين».[54]
الحكومة ثم الرئاسة[عدل]

اعلان بترشح أحمد بن بلة لمنصب الرئيس

لقاء بن بلة مع كينيدي
في نهاية سبتمبر 1962، قبل بن بلة رئاسة أول حكومة جزائرية بعد الاستقلال. كان بن بلة مترددا في أول الأمر ولكن بومدين أقنعه بقبول المسؤولية وضمن له دعم الجيش.[55] وفي 26 سبتمبر 1962، نال ثقة المجلس الوطني التأسيسي بـ 141 صوت لصالحه مقابل 13 معارض. ونالت حكومة بن بلة الثقة في يوم 28 سبتمبر.[56] وبذلك صار بن بلة رئيسا للحكومة الجزائرية في 29 سبتمبر 1962 بعد استقالة بن يوسف بن خدة.[54]
وبعد أن وافق الشعب الجزائري على الدستور الأول للبلاد، تم ترشيح بن بلة كأول رئيس للجمهورية الجزائرية الديموقراطية الشعبية وانتخبه الشعب بأغلبية ساحقة في استفتاء 15 أكتوبر 1963.[57] فاتخذ من فيلا جولي (حاليا مقر بنك الجزائر المركزي) مقرا للرئاسة.[22] وفي مؤتمر حزب جبهة التحرير الوطني الذي انعقد في أبريل 1964 تم انتخاب بن بلة أمينا عاما للمكتب السياسي.[57]
كانت بدايات صعبة للدولة الفتية بخزينة لا تكفي لأكثر من أسبوع[58] ونقص في الكفاءات بعد رحيل الأوروبيين (جامعة واحدة بها 500 طالب، مهندسين معماريين اثنين و120 طبيب وصيدلية لكل الجزائر).[59]
أول المشاكل التي واجهت الحكومة الدخول المدرسي وحملة الحرث والبذر ألتان كانتا على الأبواب. فرفع بن بلة التحدي واستطاع إنجاح عملية الحرث والبذر رغم الصعوبات فرزقت الجزائر بموسم فلاحي سخي. وبفضل علاقته الجيدة مع ديغول، استطاع تسهيل الدخول المدرسي ورفع العراقيل على تحويل الميزانية.[60] وانطلاقا من مارس 1963، بدأت حكومة بن بلة في تأميم الأراضي الفلاحية، ليعقد بعد بضعة شهور المؤتمر الأول للفلاحين وذلك في إطار سياسة فلاحية سميت بالتسيير الذاتي يشرف عليها الديوان الوطني لإعادة الهيكلة الفلاحية (Office national de la réforme agraire : ONRA) أنشئ في نفس السنة.[8] واستطاع بن بلة القضاء على ظاهرة ماسحي الأحذية.[59] كما أولى للمرأة الجزائرية جانبا من الاهتمام، وتورد النشطة والمناضلة آني ستينر أن «بن بلة قدم كل الإمكانيات للمرأة وانقلاب بومدين عصف بكل شيء».[61]
على الصعيد الدولي، عمل بن بلة على انضمام الجزائر لكل المحافل الدولية. فانضمت إلى منظمة الأمم المتحدة في أكتوبر 1963. كما مدت يد العون لكل الثورات التحررية في العالم إلى حد أن الجزائر وصفت بـ «مكة (أو قبلة) الثوار». ساندت الجزائر عسكريا الحركات التحررية مثل : ANC و PAC في جنوب أفريقيا، و SWAPO في جنوب غرب أفريقيا، و ZANU و ZAPU في زمبابوي ، وكذلك MPLA في أنغولا.[62]
النزاع المسلح مع المغرب[عدل]
Crystal Clear app kdict.png مقالة مفصلة: حرب الرمال
كان للمغرب تطلعات بتوسيع مساحته الجغرافية واسترداد ما زعم المغاربة أنه أرض اقتطعها الاستعمار الفرنسي. أثناء الثورة التحريرية، وعدت الحكومة الجزائرية المؤقتة بدراسة الأمر بعد الاستقلال. وأثناء مفاوضات حول الحدود كانت تجري بمدينة وجدة، اندلعت اشتباكات على الحدود الجزائرية المغربية في 8 أكتوبر 1963. وتطورت الاشتباكات خاصة بعد فشل مبعوث الحسن الثاني إلى الجزائر في مهمته في 10 أكتوبر.[63]
الاشتباكات توقفت في 2 نوفمبر بموجب اتفاق تم التوصل إليه في مؤتمر عقد في باماكو بين 29-30 أكتوبر تحت مظلة منظمة الوحدة الأفريقية.[63] في هذا النزاع الذي سمي بـ«حرب الرمال» بين الجزائر والمغرب (19 أكتوبر – 2 نوفمبر 1963)، زودت مصر الجزائر بسرب من ستة طائرات لكن الجزائر لم تستعمله، كما أرسلت كوبا 3 سفن محملة بالسلاح غير أنها وصلت أسبوع بعد انتهاء الحرب.[64]
على المستوى الداخلي وحد هذا النزاع الجزائريين الذين تأثروا بصيحة بن بلة «حقرونا».[65] فانضمت إلى الجيش فرق منه كانت متمردة جهة القبائل واعتبر أحد قادتها «أن الجزائر أولا قبل كل شيء».
التمردات[عدل]
منذ البداية، نازع آيت أحمد وبوضياف بن بلة الحكم بدعوى أن كل منهما هو الأجدر والأحق.[38] ولم يتوقف معارضو حلف بن بلة-بومدين رغم ميلان الكفة لصالح بن بلة، فاتهموه بالدكتاتورية. واستمروا في نشاطاتهم وتنظيم تجمعات شعبية معارضة لنظام الحكم القائم. أصبحت هذه المعارضة تشكل تهديدا لبلوغها درجة التمرد العسكري، فاعتقل بوضياف.
أعلن آيت أحمد في 9 يوليو 1963 عن تمرده عن الحكم والتحاقه بالعقيد محند اولحاج المتمرد مع جنوده في جبال القبائل منذ الاستقلال.[66] وبهذا تكون معظم الزعامات والقيادات في منطقة القبائل (عدا العقيدين محمدي السعيد وإيعزوزن) قد اتحدت لإسقاط بن بلة ولو بالقوة.[67] فشلت كل محاولات رد آيت أحمد عن تمرده المسلح رغم أنسحاب حليفه العقيد محند اولحاج. فتمكن الجيش الجزائري من إلقاء القبض عليه في 17 أكتوبر 1964 وسجنه.[68] جرت محاكمة آيت أحمد وحكم عليه بالإعدام لكن بن بلة لم يتسرع في تنفيذ الحكم.[69]
التمردات مست أيضا صفوف الجيش، وكان تمرد منطقة القبائل وتمرد شعباني في الجنوب أبرزها. كان العقيد شعباني على خلاف مع بومدين حول الضباط الفارين من الجيش الفرنسي لتشكيكه في إخلاصهم. احتار بن بلة في التعامل معه.[70] تأزم الأمر دفع بإلقاء القبض على شعباني ومحاكمته والحكم بإعدامه.[71]
بهذا يكون نظام بن بلة قد حيد كل خصومه السياسيين، فوضع فرحات عباس في إقامة جبرية في أدرار (جنوب البلاد) [72] واعتقل بوضياف وسجن آيت أحمد[73]، إلى جانب الساسة الذين فضلوا المنفى خارج الجزائر كمنطلق للمعارضة.
المعارضة والانتقادات[عدل]
من الانتقادات الموجهة لحكم بن بلة قضاؤه على معارضيه السياسيين ما دفع بالبعض بالالتحاق بالمعارضة في الخارج.[73] رغم أنه استهل عهده بانتهاج سياسة الاعتدال لكثرة القيادات والتيارات.[74] وأعيب عليه تفرده بالحكم والجمع بين عدة سلطات.[75] هذا لأن بن بلة كان مقتنعا أن الفترة العصيبة بحاجة إلى سلطة مركزية قوية.[76]
كانت العروبة والإسلام والإصلاح الزراعي هي الأعمدة الثلاثة في برنامج بن بلة.[77] في حين يعيب البعض على فترة حكمه، انشغالها بتصريف الشؤون اليومية عن بناء استراتيجية بعيدة المدى، وفشله في إرجاع الصورة الشعبية لحزب جبهة التحرير وحصر النشاط السياسي على هذا الحزب فقط.[62]
في الجانب الاقتصادي، انصبت الانتقادات على ارتفاع نسبة البطالة (2.5 مليون بطال سنة 1964، من 11 مليون عدد سكان الجزائر)، وفشل التسيير الذاتي في الشركات في إعطاء نتائج إيجابية.[8] في حين كان نزوح سكان الأرياف إلى المدن طالبا لحياة أفضل هو سبب هام في ارتفاع البطالة حاربه بن بلة من خلال مشروع الإصلاح الزراعي. وكان الهدف من نظام التسيير ذاتي أن تبقى الممتلكات للدولة ويعود ريعها على العاملين بها لتشجيعهم على العمل أكثر.[59] وبالمقابل رفض بن بلة أن يصبح بعض الجزائريين إقطاعيين جدد وهنا اختلف مع فرحات عباس الذي كان يريد نظاما ليبراليا.[59]
وعموما يرى بعض الدارسين، أنه نظرا للفترة القصيرة التي حكم فيها البلاد (سنتين ونصف)، فإنه لا يمكن الحكم على سياسة بن بلة إيجابا أو سلبا.[72]
الانقلاب عليه[عدل]

أحمد بن بلة رفقة هواري بومدين
استمر الانسجام بين بن بلة وبومدين إلى غاية انعقاد مؤتمر حزب جبهة التحرير في 14 أبريل 1964، الذي ظهرت بعده خلافات بين الرئيس وقائد الجيش بومدين حيث لوح هذا الأخير بالاستقالة لكن بن بلة رفض الأمر بشدة.[78] كان بومدين من بين المعترضين على عقد المؤتمر، وفي المؤتمر وقعت انتقادات كبيرة ضد بومدين والجيش.[79] صرح به بن بلة لاحقا: «الخلاف مع بومدين والجماعة بتاعه كانت لسبب واحد أساسي، من اللي يحكم في الجزائر، الجيش أم الحزب..(جبهة التحرير)».[79]
وبدأت تظهر معالم صراع جديد حول السلطة بين الرئيس بن بلة وحليفه السابق بومدين الممسك بالجيش. خاصة بعد إعلان بن بلة في ديسمبر 1964 عن حكومة جديدة احتفظ فيها بحقائب الداخلية والمالية والأخبار.[80] صار بومدين متيقنا أن بن بلة يعمل على إزاحته.[81] ورغم عدم قبول بن بلة للاستقالة الجماعية لبومدين وآخرين سنة 1964، إلا أن الأمور لم تهدأ.[82] في حين أن بن بلة لم يتوقع انقلابا يقوده وزير دفاعه هواري بومدين.[83]
وفي بداية 1965، بدأ بومدين وحاشيته بالتخطيط للإطاحة ببن بلة لما ظهر منه وكأنه إبعاد لهم عن مقاليد الحكم.[84] يذكر الشاذلي بن جديد أن الانقلاب كان مبرمجا بعد تردي العلاقات بين بن بلة وبومدين.[85] استطاع بومدين إقناع بعض قادة الأركان بضرورة تنحية بن بلة وأبعد من شك في موافقته.[86] وبعد شهر من التحضيرات، تولى الطاهر زبيري (قائد الأركان) أمر اعتقال بن بلة في ليلة 18-19 يونيو 1965 في فيلا جولي.[87] وقد فاجأ بن بلة معتقليه بهدوئه وثباته، في حين كان العسكر الذين يقتدونه إلى مستقبل مجهول متخوفون منه ومتوجسون من أي حركة يقوم بها لتحرير نفسه خاصة وهو العسكري السابق والرياضي المعروف.[88]
أعلن بومدبن عن الانقلاب على موجات الراديو في خطاب حاول من خلاله تبرير ما سمي ب«التصحيح الثوري».[89] وقد جاء في بيان المنقلبين حصيلة سلبية لحكم بن بلة.[90] اعتبر بومدين أن بن بلة قد خرج عن خط الثورة الجزائرية واستأثر بالسلطة واتهمه بالديكتاتورية والشوفينية. وكان يأخذ عليه احتكاره لتسعة مناصب حساسة في وقت واحد، وكان بومدين يقول أنه لجأ إلى الانقلاب إنقاذا للثورة وتصحيحا للمسار السياسي وحفاظا على مكتسبات الثورة الجزائرية.
ردة فعل الشعب لم تكن بالقوية وان استمرت بعض المناوشات المناهضة للانقلاب لمدة شهر.[89] أكثر ردات الفعل وقعا كانت مظاهرات عنابة إثر الانقلاب والتي أسفرت عن سقوط 38 قتيلا من مؤيدي بن بلة.[72] كما أوردت جريدة لومند الفرنسية في عدد صدر لها في أغسطس 1965 بعض التفاصيل حول عدد القتلى موزعين[91] بالشكل التالي : قتيل في سكيكدة وقتيلان في تبسة و9 قتلى في وهران و 40 قتيل في عنابة. وأرجع بن بلة ضعف ردة فعل الشعب الجزائري، والذي كان دائما ما يردد أن غالبية من الشعب معه، إلى كون الشعب لا يزال «مجروحا».[79]
ردة فعل أصدقاء بن بلة في الخارج لم تطل. فانتقد عدة رؤساء دول مثل فيدل كاسترو وتيتو الانقلاب، كما نظمت بعض المظاهرات في مصر والأردن.[92] استمرت عزلة الجزائر غير الرسمية عربيا إلى غاية حرب يونيو 1967.[93]
وبالمقابل لم يف المنقلبون بوعدهم بإصدار الكتاب الأبيض المدين لحكم بن بلة، بل أن فترة حكمهم شهدت وقعهم في نفس أخطائه.[94] فالساحة السياسية شهدت انغلاق أكبر بإقدام بومدين على حل كل المؤسسات الدستورية التي أنشئت في عهد بن بلة.[95] واتضح حتى لمن ساعد في الانقلاب لاحقا، وعلى رأسهم العقيد زبيري قائد الأركان، أنهم خلعوا ديكتاتورا ليضعوا مكانه ديكتاتورا آخر.[96] حتى أن بعضهم سعى للإطاحة بالنظام الجديد من خلال محاولة انقلاب أو قتل لكنها فشلت. النظام الجديد وإن بدأ بقيادة جماعية سرعان ما تحول لحكم فردي.
من آثار الانقلاب أيضا، أنه ألغى تنظيم المؤتمر الإفريقي الآسيوي اللي كان المفروض يُعقد في الجزائر في 29 يونيو..[79] والذي كان يتوقع له تكوين نظام دولي جديد يحاور الموجود. وقد يفسر هذا كون الولايات المتحدة أول من بعث برقية تأييد للانقلابيين.[79] ويرى البعض أن التاريخ قد كرر نفسه في الجزائر، حيث شبه انقلاب بومدين على بن بلة بانقلاب عبد الناصر على محمد نجيب.[79]
بن بلة في السجن مجددا[عدل]

يروي بن بلة ظروف اعتقاله[97]، حيث أخذ أولا لوزارة الدفاع.[88] ثم صار ينقل بين ثكنات عسكرية، كل شهرين إلى مكان آخر، واستمر هذا سنين مثل ثكنات الصومعة ومدية. دائما في غرفة صغيرة وسط حراسة مشددة.[97] في البداية انحصرت الزيارات على رئيس المنطقة العقيد سعيد عبيد في البداية ثم بلهوشات الذي خلفه. كان مسموحا له براديو وبصحيفة أو اثنتين كجريدة لوموند الفرنسية أحيانا.
غداة الانقلاب عليه وضع أحمد بن بلة في فيلا خاصة في منطقة شبه معزولة ولم يسمح لأحد بزيارته، وعن فترة اعتقاله التي استمرّت 15 سنة قال أحمد بن بلة أنّه استفاد من أجواء العزلة واستغلّ أوقاته في المطالعة والقراءة حيث بدأ يتعرف إلى الفكر الإسلامي وغيره من الأطروحات الفكرية.
المناشدات لإطلاقه[عدل]
ولم تجد تدخلات جمال عبد الناصر الشخصية في إطلاق سراحه، وذهبت سدى كل المحاولات التي قام بها رؤساء الدول الذين كانت تربطهم بابن بلة علاقات صداقة. أرسل عبد الناصر وفدا يضم المشير عبد الحكيم عامر والصحفي محمد حسنين هيكل للإطلاع على وضع بن بلة.[98]
كان للمحامية مادلين لافي فيرون (الذي عرفته وهو في سجن لاسنتيه في فرنسا بعد اختطاف طائرته) دورا كبيرا في تحسيس المجتمع الدولي بقضيته. فقد كونت لجنة دولية للدفاع عنه بقيادة شفركس (الحائز على جائزة نوبل) وسعت في جمع التواقيع المطالبة بتسريحه[99] وخاصة بعد ورود أخبار عن السعي لتصفيته سربها بعض أعضاء الحكومة الجزائرية للصحافة الفرنسية.[100]
وتذكر أن من بين المتوسطين لإطلاق سراح بن بلة كان هناك الجنرال ديغول وعبد الناصر وسيكوتوري ونيريري وكاسترو. هذا الأخير لم يترك لقاءا مع بومدين إلا وفاتحه في الموضوع غير أن بومدين اشترط شروطا رفضها بن بلة.[101] وقد طلب موديبو كيتا من وزير خارجيته إدراج قضية بن بلة في اجتماع لوزراء خارجية منظمة الوحدة الأفريقية في أكرا سنة 1967 ولكن عبد العزيز بوتفليقة طلب سحب الموضوع مقابل تعهده خطيا بالسماح لأول رئيس يزور الجزائر بملاقاة بن بلة.[102]
زواجه في السجن[عدل]
ظلت أم بن بلة تنتظر لمدة 8 أشهر قبل أن يسمح لها برؤية ابنها.[103] وفي ظروف صعبة، تعرض عليه والدته المسنة الزواج في السجن. وطبعا اعتبر بن بلة الأمر مستحيلا فمن تقبل به زوجا في ظروف سجنه. غير أن والدته أقنعته، فالمرشحة هي نشطة سياسية قبلت بوضعه. وهكذا تم في 25 مايو عام 1971، زواج بن بلة بزهرة سلامي[104] الصحفية الجزائرية في مجلة “الثورة الإفريقية”. وقد كانت زهرة معارضة لنظام أحمد بن بلة وكانت ماوية مؤيدة لخصمه محمد بوضياف. بعد حوالي سنتين من زواجه، توفيت والدة بن بلة. ولكن لم يسمح له بحضور جنازتها.[97]
التحقت زهرة بزوجها في السجن[8]، وضلت معه لفترة سبع سنوات ونصف، في البداية ترك الزوجين لحالهما، ولكن الهدوء لم يدم طويلا ووقعت مشاكل.[97] كانت زهرة تخرج من حين لآخر لزيارة عائلتها.[97]، وكانت كلما خرجت أو دخلت تتعرض لتفتيش.[105] ومن جهة أخرى، كان السجن مزروعا بأجهزة تنصت وكاميرات.[105]
إطلاق سراحه[عدل]
عندما وصل الشاذلي بن جديد إلى السلطة، وضع بن بلة في 4 يوليو 1979[104] في إقامة جبرية في مسيلة مسقط رأس زوجته.[97] و1980 صدر عفو رئاسي عن أحمد بن بلة رغم معارضة البعض[94] وعن بعض المعارضين الآخرين.[106] وأطلق سراحه في 30 أكتوبر 1980[11][17]، ومنح له راتب شهري يقدر ب 12 ألف دينار جزائري وفيلا في بولوغين بالجزائر العاصمة.[8] لكنه ما لبث أن غادر الجزائر في شهر نوفمبر من نفس السنة[104] ليعود مجددا للعمل السياسي.
العودة للنضال[عدل]

بعد إطلاق سراحه غادر بن بلة الجزائر متجه إلى باريس. ورغم سنين سجنه إلا أنه بقي دائما ناشطا سياسيا[8]. ومافتئ أن أسس حزبا سياسيا معارضا هو «الحركة من أجل الديموقراطية» سنة 1984[27] إيمانا منه بضرورة مواصلة الكفاح من أجل تعددية ديمقراطية في الجزائر.
وفي سنة 1981، أصبح رئيسا للجنة الإسلامية الدولية لحقوق الإنسان[8]. تصالح بن بلة مع أيت أحمد في المنفى سنة 1985، وطالبا بإصلاحات دستورية لضمان الحقوق السياسية في الجزائر[27].
المعارضة[عدل]
أصدرت الحركة مجلتين هما البديل وبعده منبر أكتوبر تيمنا بانتفاضة أكتوبر الجزائرية سنة 1988. وشكل ذلك معارضة صريحة لنظام الشاذلي بن جديد وحزب جبهة التحرير الوطني (الذي كان من بين المؤسسين له) والأحادية السياسية، وكان يطالب بحياة سياسية تتسم بالديموقراطية واحترام حقوق الإنسان. لم تستسغ فرنسا نشاط بن بلة السياسي على أراضيها، فما كان منه إلى أن غادرها باتجاه لوزان في سويسرا تحت ضغط من السلطات الفرنسية.[104]
عودته للجزائر[عدل]

محمد بوضياف، محمد خيضر وأحمد بن بلة
شكلت الأزمة الاقتصادية والاحتقان السياسي الذان شهدتهما الجزائر في النصف الثاني من ثمانينيات القرن العشرين، دوافع لانتفاضة شعبية لقبت بخريف الغضب انفجرت في 5 أكتوبر 1988. فما كان من نظام الرئيس الشاذلي بن جديد إلى الدفع بتغييرات عميقة لنظام الحكم، كفتح النشاط السياسي على تعددية الحزبية بمقتضى دستور 1989 والانتقال من الاقتصاد الاشتراكي إلى اقتصاد السوق.
في ظل هذا المناخ الجديد، عاد أحمد بن بلة إلى الجزائر بتاريخ 29 سبتمبر 1990 (أو الخميس 27 ديسمبر 1990[104]) على متن باخرة أقلعت من أسبانيا وبرفقته مئات الشخصيات الجزائرية والعربية والأجنبية. في الجزائر، واصل معارضته للنظام الجزائري وأسس حركة من أجل الديموقراطية. وفي انتخابات 26 ديسمبر 1991 التشريعية التي الغيت لاحقا، لم يحقق حزب أحمد بن بلة أي نجاح يذكر أثناء. وعلى الرغم من ذلك فإنّ أحمد بن بلة اعترض على إلغائها وطالب بالعودة إلى المسار الانتخابي. كما اعتبر المجلس الأعلى للدولة (الذي تشكل بعد إلغاء الانتخابات ودفع الرئيس الشاذلي بن جديد للاستقالة) «سلطة غير شرعية».
في أجواء إيقاف المسار الانتخابي سنة 1992 وحل السلطة الجزائرية لحزب الجبهة الإسلامية للإنقاذ وتدهور الحالة الأمنية، غادر بن بلة الجزائر مجددا متوجه إلى سويسرا. لكنه ومافتئ هناك يطالب بالمصالحة الوطنية كحل لإخراج البلاد من أزمتها السياسية والأمنية. شارك في حوارات سانت إيجيديو في روما أواخر 1994 وأوائل 1995 للبحث عن صيغة لحل للمشكلة السياسية في الجزائر[11]. وكان من بين الموقعين على اللائحة السياسية أو ما سمي بـ «عقد روما» والذي تضمن دعوة للنظام الجزائري إلى التحاور والمصالحة الوطنية.[8]
في سنة 1997، حلت السلطات الجزائرية حزب بن بلة «حركة من أجل الديموقراطية» [107] وهو حال عدة أحزاب أخرى.[62]
Crystal Clear app kdict.png انظر أيضًا: المصالحة الوطنية حالة الطوارئ في الجزائر
اعتزال السياسة[عدل]

بقدوم عبد العزيز بوتفليقة إلى سدة الحكم في الجزائر وانتهاجه لسياسة المصالحة والوئام المدنيين، ناصره بن بلة وعاد مجددا إلى البلاد. ساهم أيضا في إقناع جبهة الإنقاذ بترك السلاح[62] كما ساهم في الدفاع عن حقوق بعض التائبين وفق الاتفاقات الموقعة مع النظام الجزائري.[108]
في هذه المرحلة تجنب بن بلة السياسة الداخلية لبلده، وراح يدافع عن قضايا عربية مثل العراق وفلسطين.[6] وقد سبق له أن زار العراق بعد حرب الخليج الثانية 1991 وقابل الرئيس صدام حسين. كما طالب برفع الحظر المفروض على العراق وكوبا.
رغم سنه المتقدم، إلا أنه عرف بنشاطه الدائم. فقد كان عضوا في لجنة الرعاية لمحكمة راسل حول فلسطين، وترأس اللجنة الدولية لجائزة القذافي لحقوق الإنسان[10]. كما اختير ضمن لجنة حكماء أفريقيا التابعة للاتحاد الإفريقي وترأسها سنة 2007[109]، في إطار مبادرات لتسوية النزاعات وتفادي الأزمات التي تصيب دول القارة الإفريقية.[17] إضافة إلى نشاطاته وعلاقاته القومية خلال فترته الرئاسية، شارك بن بلة في نشاطات المؤتمر القومي العربي.
الكتابات[عدل]
لبن بلة عدة كتابات :[17][110][111]
خطاب التوجيه – مؤتمر الأول للحركة من أجل الديمقراطية في الجزائر – باريس 1984
حديث معرفي شامل – دار الوحدة – بيروت 1987 م وطبع بالفرنسية بعنوان Itinéraire بدار البديل مونتروي
تحية ل تشي (Hommage au Che) – أكتوبر 1987
حول الإسلام والنظام العالمي الجديد 1989 م
أي دور للإسلام في ولادة العالم الجديد 1989 م
الإسلام والثورة الجزائرية 1989 م («L’islam et la révolution algérienne»)
النسل الملعون 1989 م («La filiation maudite»)
الحوار شمال –جنوب 1994 م
حول الاقتصاد الحر 1994 م
أي علم لدول الجنوب – تعاون أم تصادم 1994 م.
المرض والوفاة[عدل]

توفي أحمد بن بلة يوم 11 أبريل 2012 في الجزائر عن 96 عاما في منزل أسرته بمدينة الجزائر [112] وكان قد نقل إلى المستشفى مرتين قبل أكثر من شهر من وفاته بعد إصابته بوعكة صحية.[1]
قال محمد بن الحاج (كاتب سيرته) لوكالة الصحافة الفرنسية إن الرئيس الراحل «كان بخير الثلاثاء، لكنه شعر فجأة بإرهاق وصعد إلى غرفته لينام, ثم توفي بعد ظهر الأربعاء خلال نومه, وكانت إلى جانبه ابنتاه (بالتبني) مهدية ونورية».[113]
نقل جثمانه إلى مجلس الشعب حتى يتسنى لرفقائه ومحبيه من إلقاء النظر الأخيرة.[6] ليتم دفنه بعد ذلك بمربع الشهداء بمقبرة العالية بالجزائر العاصمة حيث مثوى الأمير عبد القادر.[17] وقد أعلنت الحكومة الجزائرية الحداد في البلاد لمدة ثمانية أيام لوفاته.[112]
وتخليدا لذكراه، أطلق الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة اسم الراحل أحمد بن بلة على مطار وهران الدولي ثاني أكبر مطارات الجزائر بعد مطار الجزائر الدولي والذي بدوره يحمل اسم الرئيس هواري بومدين.[114]
التقدير[عدل]

وسام بطل الاتحاد السوفيتي
وسام بطل الاتحاد السوفيتي
ميدالية جائزة لينين للسلام
ميدالية جائزة لينين للسلام
شهرة بن بلة كثائر وأحد زعماء ثورة التحرير الجزائرية فاقت الأفاق. فتلقى الترحيب الشعبي حيث ما حل والتكريم من الحكومات خاصة أثناء الرحلة التي تنقل فيها بين دول المعسكر الشرقي ومصر صائفة 1964[115]. ويقول قائد الأركان السابق العقيد الطاهر زبيري في مذكراته : كان اسم بن بلة معروفا كقائد لأحد أكبر الثورات التحريرية في العالم… فإن كان لمصر جمال عبد الناصر فإن للجزائر أحمد بن بلة[116].
من الجوائز والتكريمات :
الاتحاد السوفباتي كرمه في 30 أبريل 1964 ك«بطل الاتحاد السوفيتي» اعترافا له وأحد الرموز الكفاح ضد الاستعمار والإمبريالية أثناء زيارة له للاتحاد سنة 1964.[115][117]
منح أيضا جائزة لينين للسلام سنة 1964.
نال جائزة القذافي لحقوق الإنسان ليترأس لاحقا اللجنة الدولية المشرفة على هاته الجائزة[10].
نال دكتوراه فخرية من جامعة بنغازي عند زيارته لها بعد الاستقلال[118].
نال دكتوراه فخرية في العلوم الاجتماعية والسياسية من جامعة أبي بكر بلقايد[119]
العلاقات[عدل]

بن بلة رفقة عبد الناصر وبورقيبة

بن بلة رفقة كاسترو في هافانا، كوبا
استطاع بن بلة رغم فترة سجنه الطويلة وفترة حكمه القصيرة أن ينسج علاقات دولية ويحصد الإعجاب والمعارضة في نفس الوقت.
فعلاقته بالحبيب بورقيبة لم تكن جيدة، حتى أنه أسر لبن جديد أنه «لا يرتاح لبن بلة ولم يثق به يوما».[120] وكان خطاب بن بلة الذي ألقاه عند استقباله في مطار تونس بعد إطلاق سراحه سنة 1962 وعبارته الشهيرة «نحن عرب» قد أثار حفيظة بورقيبة.[120] فبن بلة يعتبر بورقيبة الغربي المحض.[121]. بالمقابل الحسن الثاني ملك المغرب، لم يتدخل في شؤون الجزائريين أثناء خلافاتهم مثل ما فعل بورقيبة. فكانت علاقة بن بلة بحسن ثاني جيدة قبل الاستقلال، واستمرارا للعلاقة الوطيدة مع الوالد محمد الخامس والذي يشاوره حتى عند العرض الفرنسي باستقلال المغرب[33]. غير أن العلاقات ساءت بعد الاستقلال.[52] وكان بن بلة قد رفض التعليق حول وجود مؤامرة أو خيانة، من بعض الجهات خاصة من المغرب، أدت لاعتقال القادة في عملية اختطاف الطائرة.[39]
كان لبن بلة علاقات طيبة مع السوفييت وقوية مع الصينيين[59] وأخوية مع تشي غيفارا[121]. وحظي بن بلة احترام شديد من فيديل كاسترو، خاصة بعد الموقف الشجاع لبن بلة عندما رفض طلبا أمريكيا بعدم التوجه إلى كوبا مباشرة بعد زيارة نيويورك، قائلا «جئتكم وأنا رئيس دولة صديقة ولكنني أذهب أينما أريد»[122]. لم يستسغه الجانب الأمريكي هذا الموقف وبالمقابل عارض بن بلة النظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة[121].
الفكر والمواقف[عدل]

الثورة والجزائر[عدل]
أثناء الثورة، رفض بن بلة «التصفية الجسدية» للقادة وخاصة تلك التي كانت مصير عبان رمضان.[123] وبعد الاستقلال، اختلف بن بلة مع بومدين حول إدماج الضباط الفارين من الجيش الفرنسي في الجيش الوطني الشعبي ورفض الأمر.[47] كما صرح بن بلة أنه لا يجب مؤاخذة أبناء «الحركى» (عملاء الاحتلال الفرنسي) بما فعل آباؤهم.[108] وكان كل أمله «أن الجزائر تخرج… من الأزمة اللي تعاني منها وترجع للصف العربي الإسلامي وتقوم بدورها الطبيعي وهو دور عظيم داخل هذه المنظومة العربية الإسلامية وترجع لتاريخها».[97]
السياسة والاقتصاد[عدل]
صرح بن بلة عدة مرات أنه كان ناصريا، وأن الاشتراكية التي انتهجها مختلفة عن الاشتراكية الشيوعية الماركسية، وإنما هي اشتراكية مبنية على التراث العربي الإسلامي لأنه مسلم مؤمن، يؤمن بالنظام الإسلامي، وأنظمة الزكاة والصدقات والأوقاف تمثل حلولا صالحة. الأمر الذي صرح به حتى لخروتشوف عندما زئر موسكو.[59]
اقتصاديا، آمن أن الثورة الزراعية يجب أن تسبق الثورة الصناعية، حيث أن الصناعة يجيء دورها بعد تلبية الحاجات الأساسية وعلى رأسها لقمة العيش.[79] وهذا ما سعى لتنفيذه عندما تسلم زمام الحكم. وكان تأميم الأراضي الفلاحية ضرورة لتحقيق ذلك لتفادي ما وقع فيه لاحقا آخرون (مثل موغابي) من مأزق مع ملاك الأراضي من المستعمرين البيض.[79]
وعن فترة حكمه، يقول بن بلة أنه في فترة قصيرة (سنتين ونصف) تم تنظيم انتخابات للدستور وللبرلمان الأول ثم البرلمان الثاني ومؤتمر لحزب جبهة التحرير ومؤتمرات للمزارعين وأخرى للصناعة. وهي أشياء يعتبرها هامة. ورغم ذلك يقر أنه ارتكب أخطاءا لأنه في نهاية الأمر بشر غير معصوم.[79]
بعد نضال طويل، يخلص بن بلة إلى أن النضال الوطني أو القومي هو نضال محدود وأنه يرى نفسه أكثر في النضال العالمي[124] حتى تستطيع الدول الصغيرة مواجهة الدولة الكبيرة. كما نادى إلى إعفاء الدول الفقيرة من ديونها لأن من أسباب فقرها الاستعمار الذي نهب خيرتها.

الأقوال[عدل]

من أقواله[عدل]
لم يكن سواه رفيقي في كل الفترات التي قضيتها في السجون، إنه القرآن الكريم
لست لائكيا ومن يدعو إلى اللائكية يريد أن يلبس جلدا غربيا لجسد إسلامي[125]
أرفض حكم الفقهاء وأنا مجرد مواطن جزائري[125]
صرح بن بلة لجون دانييل «أشعر بأنني قريب جدا من شي غيفارا… ولكن لا يمكننا البقاء في ثورة إلى الأبد. »[126]
«عقيدة الجزائر السياسية ونشاطها الدبلوماسي موجهان من أجل تصفية الاستعمار بشكليه الكلاسيكي والمقنع» مقطع من كلمة الرئيس بن بلة على منصة الأمم المتحدة سنة 1962 كما أوردها Hakim Adi و Marika Sherwood في Pan-African History سنة 2003.[127]
«هذا البلد الجميل الذي عاش سبعة سنين من الحرب وفقد مليون شهيد، الذي لا تزال جراحه دامية وشعبه يعاني من الفقر. سيعيد بناء نفسه على أسس جديدة من أعلاه إلى أسفله. أتمنى أن أمنح لوقت لفعل ذلك». قالها بن بلة في 19 يونيو 1965 قبيل الانقلاب عليه. وردت الكلمة في «Robert Merle’s Ahmed Ben Bella, New York, Walker and Co., 1967.» [127]
«كل جزائري هو مقاوم محتمل إذا استطاع الحصول على سلاح». وردت الكلمة في «Neil Hamilton’s Founders of Modern Nations: A Biographical Dictionary, ABC-CLIO, 1996».[127]
«مع أنه عمل صعب فإنه ملهم أيضا، وهناك جمال في فكرة تحويل قطعة أرض صغيرة إلى أرض خصبة منتجة», بن بلة يصف سياسته الزراعية. وردت الكلمة في «Robert Merle’s Ahmed Ben Bella, New York, Walker and Co., 1967» [127]
قالوا عنه[عدل]
«الجزائريون يبكون اليوم رجلا عظيما أضاء بحكمته وبصيرته الطريق إلى الحرية وبناء دولة الجزائر». عبد العزيز بوتفليقة – الرئيس الجزائري.[3]
«لقد كان ابن “بلة” قائدا فذا ومجاهدا صلدا وبطلا شجاعا في مقاومة الاستعمار». نعي الجامعة العربية.[128].
الرئيس التونسي ان «المغرب الكبير كما الامة العربية فقدا احمد بن بلة، أحد رموز العالم الثالث».
وصفه الكاتب الصحفي والمؤرخ محمد عباس بـ “أكثر واقعية وانتهازية وكارزمية”[129]
«كان رجلا طيبا فوق الطيبة في حد ذاتها ونظيف اليد، فلم يشهد له أنه سرق أموال الشعب… لذلك نعترف له بالجميل». القائد الأسبق لهيئة الأركان العقيد الطاهر زبيري.[65]

إعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي

كاتب الموضوع الأصلي: فارس الحسين 2013

إعلان دمشق اسم يطلق على الوثيقة التي وقع عليها عام 2005 م شخصيات بارزة من المجتمع المدني والإسلاميين والليبراليين السوريين, وتدعو إلى إنهاء 35 عاما من حكم أسرة الأسد لسوريا واستبداله بنظام ديمقراطي.[1]
ووثيقة إعلان دمشق هي الجامعة لقوى التغيير الوطنية المعارضة في سورية وتتضمن على بنود أساسية ترسم خطوطا عريضة لعملية التغيير الديمقراطي في سوريا, وكيفية إنهاء النظام الأمني الشمولي الذي سيطر على الشعب السوري وقدراته أكثر من أربعين عاما (قبض حزب البعث العربي الاشتراكي على السلطة في انقلاب عسكري عام 1963، ثم عاد وانقلب على نفسه بحركة تصفيات واسعة بقيادة حافظ الأسد عام 1970).
تميز إعلان دمشق بأنه أول إعلان معارض يصدر عن جهات سورية معارضة في الداخل السوري بعد أن كانت هذه البيانات من اختصاص المعارضة في الخارج وينحو هذا الميثاق إلى صيغة توفيقية بين قوى وطنية علمانية متعددة وحزب الأخوان المسلمين السوري ومن هنا يأتي تأكيده على أهمية الإسلام كدين للأكثرية وفي نفس الوقت تأكيده على مساواة شاملة في حقوق المواطنة لكل مواطن سوري بغض النظر عن انتمائه العرقي أو الطائفي. يؤكد الميثاق أيضا على ضرورة إيجاد حل عادل للقضية الكردية مع أنه لا يرسم خطوطا واضحة بهذا الخصوص, ويبرر الموقعون على إعلان دمشق ذلك بانهم لا يملكون بعد تفويضا من الشعب السوري لبحث مثل هذه المواضيع مع الأقلية الكردية, لكن التفاوض سيحل كل مشكلة بعد إجراء انتخابات ديمقراطية والتخلص من النظام الأمني السوري.
وقع الإعلان في أكتوبر 2005 من قبل التجمع الوطني الديمقراطي في سوريا بأحزابه الستة (حزب الشعب الديمقراطي السوري – الاتحاد الاشتراكي – إلخ..) والتحالف الديمقراطي الكردي في سوريا ولجان إحياء المجتمع المدني والجبهة الديمقراطية الكردية في سوريا وحزب المستقبل واللجنة السورية لحقوق الإنسان وشخصيات مستقلة تضم كلاً من النائب المعارض رياض سيف الذي أفرج عنه مؤخرا، وميشيل كيلو والمفكر الإسلامي جودت سعيد، وعبد الرزاق عيد وسمير النشار، وفداء أكرم الحوراني، عادل زكار، وعبد الكريم الضحاك، والمحامي هيثم المالح إضافة إلى نايف قيسية. كما قامت احزاب سورية أخرى بضم صوتها إلى الموقعين خلال الاحتجاجات السورية سنة 2011 مثل المنظمة الآثورية الديمقراطية وأحزاب كردية أخرى.
من جانبها أعلنت جماعة الإخوان المسلمون في سوريا برئاسة علي صدر الدين البيانوني التي تتخذ من لندن مقرا لها “تأييدها الكامل لإعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي ممهدا لانعقاد المؤتمر الوطني الشامل ومدخلا للتغيير”

فيدل كاسترو

كاتب الموضوع الأصلي: فارس الحسين 2013

فيدل أليخاندرو كاسترو (13 أغسطس 1926 -)، رئيس كوبا منذ العام 1959 عندما أطاح بحكومة فولغينسيو باتيستا بثورة عسكرية ليصبح رئيس الوزراء إلى عام 2008 عند اعلانه عدم ترشحه لولاية جديدة وانتخاب أخيه راؤول كاسترو مكانه. وكان كاسترو في 1965 أمين الحزب الشيوعي في كوبا وقاد تحويل البلاد إلى النظام الشيوعي ونظام حكم الحزب الوحيد. وأصبح في 1976 رئيس مجلس الدولة ومجلس الوزراء. وكان أعلى قائد عسكري. بعد جراحة معوية في 31 يوليو 2006 سلم مهامه لأخيه الصغير ونائب الرئيس الأول راؤول كاسترو. في 19 فبراير 2008 وقبل 5 أيام من انتهاء مدة الحكم أعلن أنه لن يرغب في مدة جديدة كرئيس أو رئيس أركان.

بداية حياته

ترعرع في كنف والديه المهاجرين من إسبانيا والذين يعدون من المزارعين. تلقى تعليمه في المدرسة التحضيرية، وفي عام1945م، التحق بجامعة هافانا حيث درس القانون وتخرج منها عام 1950م. ثم عمل كمحامي في مكتب محاماة صغير وكان لديه طموح في الوصول إلى البرلمان الكوبي إلا أن الانقلاب الذي قاده فولغينسيو باتيستا عمل على إلغاء الانتخابات البرلمانية المزمع عقدها. وكردة فعل احتجاجية، شكّل كاسترو قوّة قتالية وهاجم إحدى الثكنات العسكرية وأسفر هذا الهجوم عن سقوط 80 من أتباعه وإلقاء القبض على كاسترو. حكمت المحكمة على كاسترو بالسجن 15 عاماً وأطلق سراحه في مايو 1955م، ونفي بعدها إلى المكسيك، حيث كان أخوه راؤول ورفاقه يجمعون شملهم للثورة، وكان قد التحق إرنستو تشي جيفارا بالثوار ليتعرف على فيديل كاسترو ويصبح جزء من المجموعة الثورية.
و على متن قارب شراعي، أبحر كاسترو ورفاقه من المكسيك إلى كوبا وسُميت زمرته بحركة ال 26 يوليو، ولم يعرب كاسترو عن خطه السياسي رغم قيامه بتأميم الاراضي في المناطق التي سيطر عليها الثوار، لكن بعد انتصار الثورة قام بتكليف أحد الرأسماليين الذين تبنوا لفكر الرئيس الأمريكي توماس جيفرسون والرئيس أبراهام لينكن، وذلك لتفادي أي هجوم أمريكي على الثورة البكر كما حدث في غواتيمالا، وبعد أن سيطرت الثورة على كوبا كاملة بدأ بتأميم كل الصناعات المحلية. والمصارف وتوزيع ما تبقى من الاراضي للفلاحين.
تحرك كاسترو عسكرياً مع ما يقارب من ثمانين رجلا في 2 ديسمبر 1956 واستطاع 40 من مجموع الـ 80 رجل الانسحاب إلى الجبال، بعد أن تعرضوا لهجوم غير متوقع من جيش باتيستا عند روهم على الشاطيء ودخولهم كوبا ،وعمل على ترتيب صفوفه وشن حرب عصابات من الجبال على الحكومة الكوبية. وبتأييد شعبي، وانضمام رجال القوات المسلحة الكوبية إلى صفوفه، استطاع كاسترو أن يشكل ضغطاً على حكومة هافانا مما اضطر رئيس الحكومة ورئيس الجمهورية إلى الهرب من العاصمة في 1 يناير 1959 على إثر إضراب عام وشامل جاء تلبية لخطاب فيديل كاسترو وثم دخلت قواته إلى العاصمة هافانا بقيادة ارنستو تشي غيفارا حيث كان عدد المقاتلين الذين دخلوا تحت إمرة غيفارا ثلاثمائة. في أبريل 1961 وقع غزو خليج الخنازير والذي كان عبارة عن محاولة انقلابية من قبل وكالة المخابرات المركزية والتي انتهت بالفشل. استقال فيديل كاسترو من رئاسة كوبا ومن قيادة الجيش في 18 شباط 2008 بعد صراع دام 19 شهرا من المرض وقد تولى شقيقه راؤول كاسترو زمام السلطة في كوبا.

علاقته بالدين

يعتبر كاسترو نفسه ملحداً ولم يمارس الطقوس الدينية المسيحية منذ نعومة أظافره، وقد أقصته البابوية في الفاتيكان عن المذهب الكاثوليكي في 3 يناير 1962 لارتداد كاسترو عن الكاثوليكية. وقد تحسنت علاقه كاسترو بالبابوية في مطلع التسعينيات من القرن العشرين عندما إنهار الاتحاد السوفيتي وتخلى الغرب عن الفاتيكان، سمح للبابا بزيارة كوبا بعد أن اعلن البابا ان المسيحية تؤيد الاشتراكية، وفعلا دخل البابا إلى كوبا وأصبح صديق بعد عداء دام عقود، وقال كاستروا عن البابا : نحن اليوم نتفق معه فقد كاد يقول ياعمال العالم إتحدوا!، ويعتبر هذا الشعار شعار الاحزاب الشيوعية.

سياسته الخارجية

فيديل كاسترو وغيفارا عام 1961 من تصوير ألبيرتو كوردا.
سارعت الولايات المتحدة بالاعتراف بالحكومة الاتينيه الجديدة وكان كاسترو رئيساً للدولة آنذاك. وكلف أحد البرجوازيين برئاسة الحكومة، تفاديا لضربات السياسة الأمريكية المعادية للشيوعية والاشتراكية، وسرعان ما بدأت العلاقات الأمريكية الكوبية بالتدهور عندما قامت كوبا بتأميم الشركات، وتحديداً، شركة “الفواكه المتحدة”. وفي أبريل من 1959، زار الرئيس كاسترو الولايات المتحدة والتقى هنا مع نائب الرئيس ريتشارد نيكسون، واعتذر الرئيس الأمريكي لعدم استطاعته اللقاء مع كاسترو لارتباطه بلعبة الغولف وقد طلب الرئيس الأمريكي من نائبه التحقق من انتماء كاسترو السياسي ومدى ميوله لجانب المعسكر الشرقي، وخلص نائب الرئيس نيكسون إلى أن كاسترو “شخص بسيط وليس بالضرورة يميل إلى الشيوعية”. وفي فبراير عام 1960، اشترت كوبا النفط من الاتحاد السوفييتي ورفضت الولايات المتحدة المالكة لمصافي تكرير النفط في كوبا التعامل مع النفط السوفييتي، فقام كاسترو على تأميم المصافي الكوبية التي تسيطر عليها الولايات المتحدة الأمريكية، مما جعل العلاقات الأمريكية الكوبية في أسوأ حال. وقامت الولايات المتحدة بمحاصرة كوبا وما زال الحصار قائم إلى هذا اليوم ،و قد تحسنت العلاقات الكوبية السوفيتية ،و استمر التبادل الاقتصادي حتى الثمانينات حيث قام الإتحاد بمحاصرة كوبا ووقف استيراد الرصاص الكوبي.
أزمة الصواريخ

أزمة الصواريخ الكوبية
استناداً على مذكرات الرئيس السوفييتي خوروشوف، فقد رأى الاتحاد السوفييتي أن يقوم على نشر صواريخ بالستية لتحول دون محاولة الولايات المتحدة من غزو الجزيرة. وفي 15 أكتوبر 1962، اكتشفت طائرات التجسس الأمريكية منصات الصواريخ السوفييتية في كوبا ورأت تهديداً مباشرا للولايات المتحدة نتيجة المسافة القصيرة التي تفصل بين كوبا والولايات المتحدة (90 ميل). وقامت البحرية الأمريكية بتشكيل خط بحري يعمل على تفتيش السفن المتجه إلى كوبا. وفي 27 أكتوبر 1962، بعث الرئيس الكوبي كاسترو برسالة خطية للرئيس السوفييتي يحثه فيها على شنّ هجوم نووي على الولايات المتحدة ولكن الاتحاد السوفييتي لم يستجب لهذا الطلب. ورضخ الاتحاد السوفييتي لإزالة الصواريخ الكوبية شريطة أن تتعهد الولايات المتحدة بعدم غزو كوبا والتخلص من الصواريخ البالستية الأمريكية في تركيا.مما أدى لأستتباب الأمن وزوال الخطر، اتسمت العلاقة بين الولايات المتحدة وكوبا بالعدائية، واستمرت الولايات المتحدة بدعمها لمحاولات اغتيال كاسترو.
الاستقاله

استقال فيدل كاسترو من رئاسة كوبا ومن قيادة الجيش في 19 فبراير 2008 بعد صراع دام 19 شهرا من المرض وتولى الحكم بدلاً منه شقيقه راؤول كاسترو زمام السلطة في كوبا.

تأملات فيدل

هذا وينشر فيدل كاسترو سلسلة مقالات بعنوان تأملات فيدل بمختلف لغات العالم عن طريق المواقع الإلكترونية التابعة للسفارات الكوبية
يعتبر من مشعجي وعشاق نادي الارسنال الإنجليزي

مخاطر العولمة.. الهيمنة الاقتصادية والسياسية

كاتب الموضوع الأصلي: محمود

مخاطر العولمة.. الهيمنة الاقتصادية والسياسية

د. احمد عرفات القاضي/ كاتب من مصر ـ جامعة الإمارات

العولمة ظاهرة جديدة لها أوجه متعددة تتصل بحياة الإنسان الاقتصادية والثقافية والسياسية شأنها شأن بقية الظواهر التي يختلف الناس حولها سلبا وإيجابا وقد عرضنا من قبل لموقف المفكرين العرب حول الظاهرة وتقييمهم لها بين القبول والرفض كما أشرنا لموقفهم من سؤال الهوية الثقافية والدينية واليوم نتناول الحديث عن الظاهرة من خلال زاوية أخرى تتصل بواقعنا العربي المعاصر مع بداية القرن الحادي والعشرين وخصوصا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول.

والذي أصبح العالم العربي والإسلامي ساحة تجارب بعد اتهامه بأنه وراء أحداث سبتمبر/أيلول وأن ثقافته تحض على الإرهاب والعنف وتخاصم الحوار وتؤمن بنظرية المؤامرة التي تفسر تواكلهم وكسلهم في تحقيق نهضة اقتصادية وسياسية وعلمية ملموسة تعبر عن آمال الشعوب المقهورة وآلامها في تنمية مجتمعية بدلا من تفشي ظاهرة البطالة التي تزداد رقعتها يوما بعد يوم وتتحول فيها طاقات الشباب إلى شحنات غضب وانفعال توجه إلى الشر والانتقام بدلا من تحويلها إلى طاقة بناءة تضيف للمجتمع وتسعى لتطويره.

واليوم نتحدث عن الهيمنة السياسية والاقتصادية وخطرها على الأمة ومستقبلها وكيف يمكن تفاديها أو على الأقل تقليل خسائرها.

المخاطر الاقتصادية للعولمة

كان الوجه الاقتصادي من أوائل وجوه ظاهرة العولمة بروزا وقد عبر عن نفسه من خلال الشركات متعددة الجنسيات التي تكتسح في طريقها للانتشار الحواجز والحدود بين الدول والقارات وخصوصا الدول الصغيرة والضعيفة والتي اصطلح على تسميتها دول العالم الثالث والذي ينتمي عالمنا العربي والإسلامي لهذه الدول بامتياز وجدارة والحقيقة أن العولمة تواجه تحديات كبيرة من قبل تيارات كثيرة في الغرب.

وقد حضرت مؤتمر الأحزاب الاشتراكية في بريطانيا في صيف 2001م وشاهدت آلاف المناهضين للظاهرة من مختلف دول أوروبا توافدت لحضور المؤتمر الذي عقد في جامعة لندن آنذاك كما تكرر موقف هؤلاء المعادين للعولمة من قبل في مدينة (سياتل) الأميركية وفي (جنوة) بإيطاليا وفي غيرها حينما يجتمع مجموعة السبعة أو الثمانية الذين يعدون أركان العولمة اقتصاديا والحقيقة أن الظاهرة تسعى لتكريس رأس المال في يد فئة قليلة غير عابئة بمعاناة الأغلبية الساحقة التي تعاني مخاطر الفقر والجوع.

ويكفي أن نشير إلى أن التقارير الاقتصادية التي نشرت توضح زيادة الأغنياء في العالم بنسبة 12في المئة هذا في الوقت الذي يموت فيه سنويا مئات الألوف من الأطفال في إفريقيا وغيرها من الجوع ونقص الطعام أو نتيجة لنقص الدواء كما يحدث في العراق نتيجة للحصار الذي استمر أكثر من اثنى عشر عاما.. ومازال في ظل إدارة الاحتلال الذي لا يعلم أحد إلا الله وحده متى ينتهي خصوصا بعد التصريحات التي تصدر عن بعض عناصر الإدارة الأميركية تؤكد أنها مصممة على البقاء في العراق لأجل غير مسمى، فأين العدل في التوزيع وهو ما يؤكد رؤية مناهضي العولمة والذين يرون فيها تكريسا للظلم وعودة لعصر القهر والعبودية وليس لعصر الرخاء والرفاهية كما يقول بعض المروجين لظاهرة العولمة هنا وهناك.

وقد كان من نتائج الثورة الهائلة في عالم الاتصالات والانفجار المعرفي دور كبير في تسليط الضوء على مثالب العولمة وإبراز عيوبها في المجال الاقتصادي ويكفي أن نشير إلى الكتاب الذي نشره اثنان من الصحفيين الغربيين تحت عنوان فخ العولمة ونشرته سلسلة عالم المعرفة في الكويت بعد ترجمته للغة العربية.

وهو من أوائل الكتب التي تصدت للظاهرة ووضحت مراميها ومخاطرها على الأغلبية التي تعاني من نتائج العولمة التي تسعى لتكريس رأس المال في يد فئة قليلة غير عابئة بهموم الأغلبية وهذا ما تؤكده الإحصائيات التي تشير إلى أن خمسة عشر في المئة من سكان المعمورة تستأثر بأكثر من خمسة وثمانين في المئة من الاقتصاد العالمي وأن أكثر من خمسة وثمانين في المئة من سكان العالم يحصلون على أقل من خمسة عشر في المئة من الدخل فأين العدل والإنصاف.

كما أظهرت الإحصائيات أن رأسمال بعض الشركات يزيد على رأسمال العديد من الدول ليس هذا فقط بل إن رأسمال بعض الأفراد مثل (بيل غيتس) صاحب شركة (مايكروسوفت) يزيد على رأسمال أكثر من عشر دول إفريقية فكيف يتحقق التوازن والاستقرار بين أفراد القرية الكونية وكيف يتحقق الأمن والسلام بين سكان الشمال المتخمين وسكان الجنوب المعدمين.

المخاطر السياسية للعولمة

ومن مخاطر الظاهرة في مجال السياسة أنها تنتقص من سيادة الدولة بالمفهوم القانوني والسياسي للسيادة فمثلا حينما يفرض قانون اقتصادي معين كاتفاقية التجارة الحرة المعروفة بـ(الغات) فإنه يفرض على الدولة الخضوع للقانون وفتح الأبواب لعبور المنتجات والسلع حتى وإن كان في ذلك إغراق للسوق وتهديد للتجارة الداخلية والسلع المحلية.

كما أنها وسيلة لفرض رؤية القوي على الضعيف وهو ما يعرف باسم الهيمنة ومن هنا فكثير من المحللين يطلقون على الظاهرة الأمركة على اعتبار أن أميركا تسعى لفرض هيمنتها على العالم باسم العولمة فمثلا تضغط على المنظمات الدولية لتنفيذ قراراتها وإذا لم تذعن خرجت عن قراراتها وتجاوزتها كما فعلت أميركا في حرب العراق حينما ذهبت للحرب دون تفويض من مجلس الأمن الذي رفض إصدار تفويض يعطي لأميركا الحق باستخدام القوة ضد العراق.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل تحاول أميركا فرض وصايتها على الجميع فرفضت التوقيع على محكمة الجزاء الدولية وضغطت على أكثر من أربعين دولة منها عدد كبير من الدول العربية التي وقعت على المحكمة بالتوقيع على قرار بعدم ملاحقة الجنود الأميركان أمام تلك المحكمة كمجرمي حرب واستخدمت في ذلك أسلوب التهديد المباشر بقطع المعونة.

وهذا يكرس الحاجز النفسي بين الشعوب وبين الحكومة الأميركية كدولة القطب الواحد والتي يفترض فيها أن تكون قدوة ونموذجا يحتذي بها الآخرون ولكنها تسعى لفرض هيمنتها على العالم وبكل أسف فإن أوروبا التي وقفت ضد الهيمنة الأميركية وهددت بعض دولها باستخدام الفيتو في مجلس الأمن لمنع صدور قرار من المجلس يتيح لأميركا استخدام القوة ضد العراق كما فعلت فرنسا.

وأيدتها روسيا والصين ودول أخرى ليست عضوا في مجلس الأمن كألمانيا وبلجيكا إلا أن معظم تلك الدول عادت بعد أن فرضت أميركا سيطرتها كقوة احتلال في العراق وتقربت من أميركا وتغاضت عن مواقفها السابقة في معارضة الحرب ووصفها بعدم الشرعية وهو موقف غريب وعجيب من دول عظمى تسعى لتكوين محور وقطب مناويء لأميركا اقتصاديا وسياسيا وعسكريا لكن يبدو أن ذلك هو الأمر الطبيعي في زمن المصالح والمنفعة.

ما العمل؟ وما الحل؟

والسؤال الذي يجب علينا طرحه ما الذي يجب علينا أن نفعله كأمة عربية وإسلامية لمقاومة هذا الخطر الزاحف علينا ويسعى لفرض سطوته وهيمنته سياسيا واقتصاديا؟ بمعنى آخر ما الحل الذي يجب أن نسعى نحوه للتقليل من مخاطر هذه الظاهرة التي أصبحت أمرا واقعا في حياتنا؟ وهل أصبحت العولمة أو الأمركة قدرا لا مفر منه أو قطار النجاة الذي يجب علينا جميعا أن نركبه كما ينادي بعض كتابنا من أنصار الواقعية؟

وهل الحل في مخاصمة أميركا وأن ندير لها ظهورنا أو أن نشجب العولمة ونسمها بكل قبيح رغم أنها أصبحت أمرا واقعا في حياتنا لا يمكن تجاهله ؟ كل هذه الأسئلة وغيرها يجب أن نواجه أنفسنا بها بوضوح وصراحة وهدوء وموضوعية ودون عنترية ومزايدة أو دون تشنج وافتعال حتى يمكن الوصول إلى رؤية واقعية تحافظ على تماسكنا كأمة وعلى مصالحنا الاقتصادية والسياسية وفي نفس الوقت لا تتجاهل الوضع الراهن في المنطقة والعالم بأسره ويمكن أن نوجز ذلك في النقاط التالية:

1 ـ بداية وهذا ليس استسلاما أو تخاذلا يجب أن نعترف أن أميركا القوة الأعظم في عالم اليوم وأن لها مصالح حيوية في المنطقة وبالتالي فمن الحكمة التواصل معها بحوار موضوعي يقوم على معرفة نقاط الاتفاق ونقاط الاختلاف والسعي نحو صيغة مقبولة للتعامل تقوم على احترام حقوقنا كأمة فيما يتصل بخصوصيتنا الثقافية والدينية.

وأن هذه الأمور من الثوابت التي لا يجب العبث بها وتوضيح أن من أسباب سوء الفهم بين شعوبنا العربية والإسلامية والحكومة الأميركية موقفها المنحاز على طول الخط إلى جانب إسرائيل ضد الحق العربي واستخدام ازدواجية في التعامل فيما يخص الصراع العربي (الإسرائيلي) وليس العدل وهو ما يجب أن تسانده الدول العظمى.

2 ـ السعي نحو إقامة تكتل اقتصادي إقليمي عربي فمن أسف أن نعرف أن حجم التجارة البينية بيننا كعرب لا يتجاوز نسبة 8% وهو أمر مخجل بكل المقاييس رغم أننا نمتلك عوامل مشتركة كما توجد في بلادنا كل أنواع الزراعات والصناعات التي تدعم هذا التكتل الاقتصادي علاوة على غنى بلادنا بكل الخيرات من مياه وأرض صالحة للزراعة ومعادن وثروات وشواطيء وغيرها وهو ما تسعى إليه العديد من المنظمات في مختلف أرجاء المعمورة في أوروبا ودول جنوب شرق أسيا ودول أميركا اللاتينية وغيرها.

3 ـ العمل على تركيز رأس المال العربي في البلاد العربية وتوفير البيئة الملائمة للاستثمار والمناخ الصحي الذي يجذب رأس المال من استقرار سياسي واجتماعي وأمني.

4 ـ تنويع الشراكة مع الاتحاد الأوربي ودول أسيا وعدم الاقتصار على الولايات المتحدة الأميركية كشريك وحيد.

5 ـ تفعيل الجامعة العربية ومنظماتها التابعة لها وتشجيعها على ممارسة دور محوري في المرحلة المقبلة بدلا من مهاجمتها لمصلحة أهداف تحاول تقطيع الأواصر والعلاقات العربية العربية.

6 ـ وأخيرا التركيز على بناء المواطن وتنميته باعتباره الأساس لتنمية المجتمع والأمة وذلك لا يكون إلا بضرورة تطوير مناهجنا التعليمية من أسلوب يقوم على التلقين والحشو إلى أسلوب يعتمد على بناء العقل ويدعم استقلال الفرد ويدعو للابتكار والإبداع كما يكون أيضا بضرورة مشاركة الفرد في الحياة السياسية للمجتمع عن طريق مزيد من الحريات والحوار البيني والداخلي من أجل مشاركة حقيقية وليس مجرد شعارات ترفع وقت الضرورة ذرا للرماد في العيون.

هذه أهم النقاط التي يجب أن نسعى بجدية نحوها حتى نستطيع مواجهة طوفان الهيمنة والمخاطر السياسية والاقتصادية التي تقرع أبوابنا بعنف تحت مسمى العولمة وإلا فإنها سوف تنجح في تحقيق أهدافها في تفتيت أمتنا إلى دول فتات صغيرة ومنعزلة كل واحدة عن الأخرى كالجزر التي لا رابط لها حتى تدور في فلكها وتنقطع صلتها بأخواتها.

—————–
رقم التحضير : 8
الطالب : محمود علواني
الرقم الجامعي : 429107935
المادة : التنمية السياسية (التخلف السياسي)

المعرفة والمصلحة.. نقد الهيمنة الثقافية

كاتب الموضوع الأصلي: محمود

المعرفة والمصلحة.. نقد الهيمنة الثقافية

الهيمنة التي تتجسد من خلال تمثل تلك المعارف على الإنسان، وتعمل على “نمذجته” هي المشكلة الثقافية، وليست في ذات المعارف لأنها في طبيعتها معارف متحولة وينقض بعضها بعضا

العلاقة بين الفكرة والواقع علاقة جدلية أي أن كل فكرة لها تمثلات واقعية، أو أن لها أسبابها الواقعية لتي أنتجتها؛ إذ إنه لا يمكن لفكرة محددة أن تخرج عن إطارها الزماني والمكاني الذي تفاعلت معه أو ولدت فيه أو حتى انتهت معه مهما كانت هذه الأفكار غارقة في المثالية الفكرية أي غارقة في “فكرية الفكر” أو “فلسفية الرؤية”، بل يمكن القول: إنه حتى مع الاستغراق في الدرس الرياضي، وهو الدرس الأكثر مثالية، والأبعد عن أرض الواقع نرى أن لذلك تمثلاته في البيئة المحيطة، ولذلك نتعجب في كثير من الأحيان حينما يتم وصف الرياضيات بخياليتها أو أنه لا فائدة منها. صحيح أن الكثير من المعادلات الرياضية والفيزيائية هي معادلات افتراضية نظرية لم يوجد لها حتى الآن على المستوى العملي أي تطبيق كالانطلاق بسرعة الضوء بالنسبة للنظرية النسبية؛ إذ ما تزال نظرية يصعب تطبيقها عملياً في الفيزياء الحديثة إلا أن نظرية النسبية تبقى لها تطبيقات أخرى لم تصل إلى الحد الأقصى منها كسرعة الضوء؛ بل إن العلماء حاولوا فهم نشوء الكون من خلال هذه النظرية، ولذلك فإن لها واقعيتها التي تتأطر بأطرها النظرية على أقل تقدير، ثم إنها أنتجت فلسفات فكرية جديدة تأخذ مرجعيتها الفكرية من النظرية النسبية، مما يعني صلاحيتها على أرض الواقع.
ينطبق هذا على كل الاشتغالات الفكرية والثقافية والعلمية، إذ إن كل نص كان له مرجعيته الثقافية وإطاره الثقافي الذي وُلد فيه أو تفاعل معه. النص الديني مثلا، وهو النص الأكثر قداسة بالنسبة للمسلمين يأخذ جانباً تاريخياً وواقعياً، ويتفاعل مع معطيات الحياة والتاريخ تفاعلاً يومياً؛ أي أنه لا يتعالى على التاريخ إلا في مصدره الأول “الميتافيزيقي”، وكل عصر أو فكر يصنع ميتافيزيقاه الخاصة حتى في الواقع العلمي الخالص رغم المصدرية التاريخية لكل فكر في لحظات التكوين.
المعرفة هي كل ذلك الخليط من العلوم سواء كانت إنسانية أو تطبيقية أو روحية، وكل من هذه العلوم يعمل في وظيفة محددة، ويحقق غاية يمكن الوصول إليها في حالة تموضع فكري يجري التجاوب معها لخلق حالة من الواقعية على تلك العلوم جميعاً، ولتحقيق مصلحة محددة من خلفها حسب الرؤية التي يريدها أصحابها وحتى مدى السلطة المعرفية لكل واحدة من هذه العلوم أو مدى سلطة أصحابها.
في الفلسفات الحديثة تبرز ثنائية المعرفة والمصلحة من خلال نظرية المعرفة ذاتها وهي النظرية التي تهتم في فحص المعرفة وحقيقتها وتعليلها ووسائل إنتاجها كما تهتم في الشكوك التي تصب سهامها على ادعاءات المعرفة المختلفة بحيث تضعها على محك النقد أو النقض أحيانا. الفيلسوف (هيجل) يرى أنه لا يمكن أن تتحقق معرفة إلا من خلال فحصها وتأملها، أي تأمل المعرفة قبل البدء في الاشتغال المعرفي، كأن تتعلم السباحة قبل أن تخوض عملية السباحة ذاتها، ولذلك فـ”إن استقصاء قدرة المعرفة هو ذاته معرفة…” (كانت: محاضرات في تاريخ الفلسفة. ص 555)
وتختلف نظريات المعرفة من مدرسة إلى أخرى. في موسوعة (ويكيبيديا) الإلكترونية نعثر بسهولة على هذا النص الذي يختصر تلك المدارس فيقول: “مدارس نظرية المعرفة مختلفة، فالتجريبيون يردون المعرفة إلى الحواس، والعقليون يؤكدون أن بعض المبادئ مصدرها العقل لا الخبرة الحسية، وعن طبيعة المعرفة، يقول الواقعيون إن موضوعها مستقل عن الذات العارفة ويؤكد المثاليون أن ذلك الموضوع عقلي في طبيعته لأن الذات لا تدرك إلا الأفكار. وكذلك تختلف المذاهب في مدى المعرفة: فمنها ما يقول أن العقل يدرك المعرفة اليقينية، ومنها ما يجعل المعرفة كلها احتمالية، ومنها ما يجعل معرفة العالم مستحيلة”.
واضح من خلال هذا النقل المقتضب أن نظرية المعرفة متحولة مع الوقت حسب التطور المعرفي ولذلك، فإن وثوقية المعارف جميعها، هي تحت الفحص دائما. والآن ما علاقة كل هذا بسؤال “المعرفة والمصلحة”؟
إن المعارف (الإنسانية والتطبيقية والروحانية) لها وظائفها كما ذكرت في الفقرة الثالثة من المقال، ووظائفها راجعة إلى مدى تحقيقها فائدتها الثقافية بما تحمل هذه الكلمة من معنى على المنظور الإنساني فالعلوم التطبيقية لها فائدتها على المستوى العلمي الذي بطبيعته مستوى يشتغل في المجال الطبيعي للحياة وللإنسان في حين تشتغل العلوم الإنسانية في المجال الثقافي والاجتماعي وتشتغل العلوم الروحانية على المجالات الدينية وغيرها بالنسبة للبشر وفي كل واحدة من هذه المجالات تمثلات على أرض الواقع، ومن هنا تصبح المعرفة مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالمصلحة، التي هي باختصار تسعى إلى “السعادة الإنسانية”. الإشكالية التي تبرز هنا هي في ما مدى تحقيق أي علم من هذه العلوم لتقدم البشرية أو تراجعها؟.
أعتقد أن الهيمنة التي تتجسد من خلال تمثل تلك المعارف على الإنسان، وتعمل على “نمذجته” هي المشكلة الثقافية، وليست في ذات المعارف لأنها في طبيعتها معارف متحولة وينقض بعضها بعضا، وهنا تعمل العقول التجميدية الوثوقية في تكثيف سلطة المعرفة على الواقع حتى تصبح مسلمات لا يمكن تجاوزها.
في الأخير.. إن الهيمنة الثقافية لخطاب علمي هو ما يحدد مدى وثوقية معرفة عن أخرى وليست مدى جدوى المعرفة من عدم جدواها أو مدى قربها من الحقيقة رغم صعوبة الجزم في وجود حقيقة معرفية متكاملة.

—————–
رقم التحضير : 8
الطالب : محمود علواني
الرقم الجامعي : 429107935
المادة : التنمية السياسية (التخلف السياسي)

لغة السياسة

كاتب الموضوع الأصلي: محمود

لغة السياسة

أحمد فهمي

التطورات السياسية المتلاحقة في دول الثورات العربية دفعت أعداداً كبيرة من الدعاة إلى ولوج العمل السياسي دون إعداد مسبق أو تدريب عملي؛ وذلك من أجل تلبية الحاجة المتزايدة للأحزاب الإسلامية الجديدة من العناصر والقيادات في مختلف التخصصات.

هذه «النقلة» الهائلة في مجال التخصص والممارسة تعرَّضَت لها بالدرجة الأولى التيارات السلفية التي عزمت على المشاركة الفعلية في العمل السياسي، بدءاً بتأسيس الأحزاب ثم دخول الانتخابات والمشاركة في المجالس النيابية والمحلية، فضلاً عن كافة المناصب الرئيسية في الدولة التي يُختَار شاغلوها بالانتخاب.

أحد تداعيات هذه «النقلة» هو افتقادُ «القادمِ الجديدِ» «لغةَ السياسةِ» التي يحتاجها للتواصل في كافة الميادين؛ سواء مع وسائل الإعلام أو في النقاشات البرلمانية، أو عند مخاطبة الجماهير أو للحديث مع المسؤولين أو للتفاوض مع أطراف وجِهاتٍ مختلفة داخلية وخارجية.

فالخطاب السياسي يختلف كثيراً عن الخطاب الدعوي في نصه وسياقه، ولا يسوغ استخدام أحدهما في مقام يستدعي استخدام الآخر؛ فلكل مقام خطاب، والمخالفة هنا ينتج عنها عجز في التواصل وقصور عن تحقيق الهدف المنشود أياً كان (دعوياً أو سياسياً).

وبقدر ما يسع المقام، يمكن تلخيص «لغة السياسة» مهارةً يحتاجها «السياسي الجديد» في معادلة بسيطة، هي:

لغة السياسة = (إطار نظري + معلومات وأرقام + نتائج، مطالب واضحة) – (استطراد بلاغي + استرسال في التأصيل + مقدمات مشتتة).

وفي ما يلي عرض مبسَّط لمكونات هذه المعادلة:

1 – الإطار النظري:

لا بد للسـياسي الإسلامي من الإلمام – ولو بصورة مخففة – بالعلوم السياسية؛ فالسياسة ليست مجرد ممارسة يتميز الإنسان فيها بحسب خبرته وتجربته، وهي أيضاً ليست مجرد موهبة فطرية يحظى بها بعض الأشخاص دون غيرهم، بل هي علم له قواعده ونظرياته ومفاهيمه، ولا يليق بالسياسي الإسلامي أن يعتمد في ممارساته السياسية على «الفهلوة» أو صفات مثل «سرعة البديهة».

وبصورة عملية، يمكن للسياسي أن يتبع هذه الخطوات لتحديد الإطار النظري للقضية التي يريد التحدث بشأنها:

• أن يضع تصوراً عامّاً حول القضية التي يتحدث بشأنها؛ فسواء كانت قضية كليَّة أو جزئية، عليه أن يعرف موقعها وعلاقتها بغيرها من القضايا أفقياً ورأسياً، ووصفها السياسي.

• تحديد الهدف من طرح القضية، هل هو التذكير بأهميتها، أو عرض طريقة للتعامل معها، أو المساومة حول بعض جوانبها.

• اختيار أسلوب الطرح بما يتناسب مع الهدف والمقام؛ فهل هي قضية خلافية مثلاً، فهو يحتاج إلى أسلوب إقناعي، أو توافُقي؟ أم هي قضية متفَق عليها، فهو يحتاج إلى مجرد عرض لاقتراحاته بشأنها؟

• تحديد القيمة المضافة التي يقدِّمها السياسي؛ بحيث لا يكون خطابه مجرَّد تكرار لكلام الآخرين.

• من الأمور المهمة في سياق الإطار النظري، أن السياسي الإسلامي لا بد أن يتميز خطابه السياسي بالربط الواضح مع مرجعيته الإسلامية المستمَدَّة من الكتاب والسنة؛ لا أن يكون كلامه مجرداً عنهما؛ وهذا يعني أهمية تأصيل ما يقول – وَفْقَ مقتضى الحال – بنصوص الكتاب والسنة، على أن يكون استشهاده قوياً بدون استرسال ومتعلقاً بصورة مباشرة بموضوع الكلام؛ فهذا من شأنه أن يُحدِث تأثيراً إيجابياً، كما أنه – في حالة تنفيذه بصورة متقنة – يُعَد تجديداً على صعيد الخطاب السياسي المغرِق في علمانيته في العالم العربي منذ عقود بعيدة.

2 – معلومات وأرقام:

الكلام المرسل الذي لا ينبني على معلومات دقيقة يُضعف الخطاب السياسي، فلا بد من دعم المقولات النقدية أو الاقتراحات أو الاعتراضات بمعلومات موثقة، وأرقام كاشفة.

هذه المعلومات والأرقام يمكن تعظيم تأثيرها عند وضعها في سياقات مقارنة، مثل:

• المقارنة الزمنية: فعندما يكون الحديث – مثلاً – عن نسبة الأمية المرتفعة في المجتمع، فإن ذكر مستوى التغير في الأمية بين زمنين يعطي إضافة جديدة حول التقدُّم أو التأخر في هذه القضية.

• كذا يمكن استخدام المقارنة مع مثيل أو منافس؛ فيمكن ذكر نِسَب الأمية في دول مجاورة تتشابه في الهوية أو الظرف.

• أيضاً يمكن المقارنة النسبية بين الجزء والكل؛ فإن كان الموضوع – مثلاً – هو ضعف الإنفاق على البحث العلمي، يستحسن ذكر حصة البحث العلمي في الميزانية العامة للدولة.

• وفي بعض الحالات يمكن استخدام هذه السياقات كلها في وقت واحد، كأن يُقارن بين نسبة التغير في حصة الإنفاق على البحث العلمي من إجمالي الموازنة بين نقطتين زمنيتين، مع مقارنة ذلك بدول أخرى.

3 – نتائج ومطالب واضحة:

من الضروري أن يتضمن الخطاب السياسي نتائج واضحة أو مطالب محدَّدة، ونقطة الضعف الأساسية في الخطاب هي أن يعجز السياسي عن توصيل هدفه ومراده إلى المخاطَبين، أو يقدِّم نتائج أو مطالب غير واقعية، أو لا يمكن تنفيذها والتعامل معها، أو تكون غامضة غير مفهومة، أو تكون مطالب موجَّهة للجهة الخطأ، أو يقدم مطالب لا تراعي متغيرات أخرى فيبدو كمن لا يدرك أبعاد ما يتحدث عنه، وأحياناً يقدم بعض السياسيين مطالب يُكتشف أنها تحققت من قبل… إلخ.

وبالنظر إلى أن السياسي الإسلامي يحمل رؤية تغييرية شاملة لكافة المجالات في المجتمع والدولة، فإن من المفاهيم المهمة اتباعُ «التدرُّج والتجزئة» في المطالب السياسية؛ إذ لا تسمح الظروف السياسية – غالباً – بتمرير مطالب كبيرة تتضمن تغيُّراً جذرياً سريعاً؛ مثل المطالبة الفورية بتطبيق الشريعة الإسلامية، نعم هذا المطلب يتوجب رفعه في الخطاب الدعــوي، وكـذا في البرامج السياسية وعند الحديث عن التوجهات العامة أو المرجعيات، لكن في سياق الممارسة العملية أو التشريعية فإن تبنِّي مفهومي «التدرج والتجزئة» يفيد كثيراً في تحقيق الأهداف العامة في الأمد المنظور.

من أهم الفوائد الناجمة عن استخدام «إستراتيجية التجزئة والتدرج» في عرض المطالب، أنها تكسر الدفاع التلقائي الاحترازي للخصم (تضعف قدرته على المناورة) وتدخله في سلسلة منطقية من التنازلات تحت شعار: من فعل مرة فلا بأس بأخرى.

في بعض الحالات قد يحتاج السياسي إلى المناورة في عرض مطالبه؛ خاصة في مجال المساومات السياسية؛ فقد يفاوض أحياناً على شيء ليدفع الخصم إلى تقديم تنازل عن شيء آخر في سياق مختلف، أو عن شيء أقل في السياق نفسه، أو للحصول على مكسب مؤجَّل، أو للمقايضة… إلخ.

4 – الاستطراد البلاغي:

التأثُّر بالخطاب الدعوي – الذي تُعَد البلاغة من أهم خصائصه – قد يدفع السياسي الإسلامي إلى المشابهة في توظيف قدراته البلاغية سياسياً، ورغم أن البلاغة والفصاحة من السمات المهمة على صعيد «الزعامة السياسية»، لكن يجب أن نفرِّق بين البلاغة بمفهومها السياسي، والبلاغة بمفهومها الدعوي:

فالبلاغة السياسية لا يسوغ معها الاستطرادات اللفظية والاسترسال في التشبيهات والكنايات وذكر المترادفات؛ بل هي تميل – غالباً – إلى الإيجاز والاختصار، فعلى السياسي أن يختزل عباراتِه وألفاظَه، فيحذف منها كلَّ ما لا يؤثر في المعنى ولا يقدِّم جديداً، وليعلم أن البلاغة الحقيقية لا تكون بالإطالة بل بالاختصار، وقد أوتي النبي صلى الله عليه وسلم جوامع الكلم، فكان يتكلم بعبارات قليلة يُستنبط منها معانٍ غزيرة.

5 – الاسترسال في التأصيل:

مما يميز الداعية السلفي أنه يبذل جهداً كبيراً في تأصيل كلامه وربطه بصورة حثيثة بالثوابت والمفاهيم الأساسية والمبادئ العامة، وهذه السمة (الإيجابية) تؤثر على خطابه السياسي، فتراه يبدي حرصاً كبيراً على أن يُرجِع كلامه إلى مبادئ عامة وأصول كلية، دون حاجة حقيقية إلى ذلك، وخروجاً عما يقتضيه المقام من اختصار أو تركيز أو إيجاز، فيتشتت مقصوده.

ومما يندرج تحت هذا العنوان، قضية الأولويات؛ فالسياسي بحكم عمله وتخصصه، يرتب القضايا والمواقف بحسب تطورات الأحداث السياسية، وليس بحسب ما يراه هو ويعتقده من ترتيب لهذه القضايا بحسب أهميتها الدينية؛ لذا هو لا يحتاج أن يُذكِّر دائماً بموقع هذه القضية أو تلك على قائمة الأولويات الدينية، أو أن يصرح بعدم أهميتها، أو بتقدم غيرها عليها… إلخ، فهو مقيد في عمله السياسي بتطورات الواقع وتفاعلات الأحداث.

أيضاً يلحق بهذا العنوان تأثيرُ بعض المفاهيم على الخطاب السياسي، مثل: تأخير البيان عن وقت الحاجة؛ فبعض السياسيين الإسلاميين لديه قابلية للاسترسال في خطابه بعيداً عن موضوع الحدث أو الحديث أو النقاش، تتبعاً لقضية يرى أهميتها، طُرِحت بصورة عَرَضية. فهذا الاسترسال يضعف الخطاب السياسي.

6 – مقدمات مشتتة:

يحتاج السياسي الإسلامي في كثير من مواضع تواصله السياسي أن يُحسن الدخول في الموضوع مباشرة بدون مقدمات. فمن الملاحظات المتكررة على أداء بعض السياسيين الإسلاميين ميلهم إلى التقديم للكلام بمقدمات طويلة تشتت السامع وتضعف التركيز، كما يحدث كثيراً ألا يتناسب النطاق الزمني المتاح للحديث، مع تلك المقدمات الطويلة التي تستغرق أغلب الوقت، فيضطر السياسي إلى الاختصار المخل في بقية النقاط الأكثر أهمية وتعلُّقاً بالقضية محل الحديث.

—————–
رقم التحضير : 8
الطالب : محمود علواني
الرقم الجامعي : 429107935
المادة : التنمية السياسية (التخلف السياسي)