أ.د. أحمد محمد وهبان

أبعاد السياسة الإيرانية في منطقة الخليج العربي

كاتب الموضوع الأصلي: محمود

أبعاد السياسة الإيرانية في منطقة الخليج العربي

المصدر: د. إبراهيم الزهراني

إن هذا الأصل في العقيدة الشيعية جعل الدولة الإيرانية في مواجهة عقائدية مع حكومات الدول الإسلامية ومنها الخليجية ؛ وهو ما عبر عنه الخميني بقوله : « إننا نواجه الدنيا مواجهة عقائدية »…”

تعتبر منطقة الخليج منذ ظهور أول حضارة بشرية عليها من الطرق المائية والبحرية المهمة وملتقى حضارات الشرق القديم ، وإضافة إلى أهميتها الجغرافية والإستراتيجية فإنها تحظى أيضاً بأهمية اقتصادية بالغة وثروات نفطية وغازية تعد مصدراً رئيسياً لتغذية الطاقة على مستوى العالم ؛ حيث يحتضن باطن الأرض في الخليج أكثر من 700 مليار برميل من النفط الخام كاحتياطيات مؤكدة (65.8 %) من إجمالي الاحتياطي العالمي.

وتؤكد الدراسات المستقبلية أن المستقبل النفطي لا يزال مزدهرا وسوف يبقى في صدارة الطاقة واستخداماتها الصناعية والتجارية طوال القرن الواحد والعشرين.

ولذلك كانت منطقة الخليج على الدوام مطمعاً لكثير من الدول العظمى ، وأكثر بقاع الأرض عرضة للنزاعات والاضطرابات ؛ حيث تتشابك المصالح العالمية مع المطامع الإقليمية ، والتباينات العرقية والأيدلوجية ، وبالتالي فقد ارتبطت منطقة الجزيرة العربية عموماً بالتأثيرات والمتغيرات السياسية والاقتصادية العالمية ، كما أصبحت الدول المطلة على الخليج العربي والمتاخمة له متأثرة بتغيرات الأوضاع الدولية أكثر من غيرها .

ولقد كانت إيران وما زالت مصدر تهديد وعدوان على منطقة الخليج العربي، بدءاً بإيران الصفوية ، ومروراً بإيران الشاهنشاهية ، وانتهاء بإيران الآيات ؛ فجميع الأنظمة السياسية التي تعاقبت على حكم إيران كان يراودها حلم السيطرة على منطقة ودول الخليج العربي.

ويمكن فهم الخط العام للسياسية الإيرانية التاريخية لهذه المنطقة الحيوية من العالم من خطاب رئيس الوزراء الإيراني حلنجي ميرزا لوزير الخارجية البريطاني آنذاك (لابردين)، عندما اعترضت إيران رسميا عام (1237هـ/1822م) على عقد بريطانيا سلسلة اتفاقيات مع حاكم البحرين آنذاك الشيخ خليفة بن سلمان آل خليفة ؛ بحكم أن البحرين تابعة لإيران، ثم طالبت إيران بنفوذها السياسي على البحرين، فردَّ وزير الخارجية البريطاني بنفي أي أحقية لإيران على الأرخبيل، بله على الخليج كله، فأجابه رئيس وزراء إيران بمذكرة تُعدُّ مفتاح فهم السياسة الإيرانية على واقعها في المنطقة، قائلا: “إن الشعور السائد لدى جميع الحكومات الفارسية المتعاقبة، أن الخليج الفارسي من بداية شط العرب إلى مسقط، بجميع جزائره وموانئه بدون استثناء، ينتهي إلى فارس، بدليل أنه خليج فارسي وليس عربيا”.

الثورة الإيرانية وتهديد الاستقرار في الخليج:

وبعد الثورة الإيرانية التي أطاحت بالشاه بقيت التهديدات الإيرانية للمنطقة مصدر إزعاج لأمن المنطقة ؛ حيث نجد أن النظام الإيراني لا يزال يحتل الجزر العربية في الخليج ، وكذلك يهدد بتصدير ثورته لدول الخليج ، وتهديداته المستمرة للمطالبة بالبحرين كجزء من إيران، وبذلك حولت إيران المنطقة إلى بؤرة ساخنة من النزاعات العرقية والفتن الطائفية الأمر الذي يهدد أمن واستقرار المنطقة.

أبعاد العداء الإيراني لمنطقة الخليج:

1. البعد العنصري :

إن جـزيرة الـعرب هي وطـن الإسلام ، وهو وطـن قائم على سُنة النبي -صلى الله عليه وسلم- وسُـنة الخـلفـاء الراشـدين المهـديين من بعده، والجزيرة أيضاً هي أرض العرب التي اقترن وصفها بالعروبة قبل الإسلام وبعده. وهذا وذاك، هو ما جعل الشيعة الفرس يعدونها محط العداوة الأول، لدرجة أن أبرز شعارات الثورة الخمينية في أيامها الأولى، كان: (تحرير الحرمين الشريفين من الوهابيين) ، وقد شهدت سنوات الحرب العراقية الإيرانية محاولات عديدة للإفساد في الحرمين في مواسم الحج باسم هذه الدعوة كما هو معروف.

لقد ظن المراقبون أنه بقيام الثورة الإسلامية في إيران في فبراير 1979 م أن إيران قد تحولت من دولة علمانية إلى دولة دينية ، وقدروا أن ذلك سوف يغير في نظرتها إلى الخليج، ولكن الذي حدث هو أن الطموحات الإيرانية في الخليج لم تتغير لأنها محكومة بالروح الفارسية وكذلك بقواعد الجغرافية السياسية، لقد قدمت الدولة الفارسية المستقوية في هذا العصر عصبيتها لعرقها على إسلامها، ولا زالت تفاخر بفارسيتها على لغة القرآن، وتسعى جاهدة لإعادة الأمجاد الفارسية التي قضى عليها الإسلام ، ويكفي فيهم أنهم يفاخرون بالمجوسي الذي قتل عمر رضي الله عنه، ويعدونه من شهدائهم وهو لم يدخل في الإسلام ، ولم يسجد سجدة واحدة لله تعالى.

ولا زالوا يزرون بالصحابة رضي الله عنهم ويكفرونهم ويلعنونهم . وأشد ما تكون نقمتهم على عمر وسعد بن أبي وقاص – رضي الله عنهما – ؛ لأن فتح فارس، وإطفاء النار التي كانوا يعبدها أجدادهم إنما كان في خلافة عمر، بقيادة سعد – رضي الله عنهما – . ولقد أعلن ذلك صراحة شاعرهم الرودكي ؛ حيث يقول ” إن الصراع والعداوة مع العرب ليس حبا بعلي والدفاع عن حقه في الخلافة، لكنه البغض والعداوة لعمر الذي كسر ظهر العجم وهدم حضارتهم”.

2. البعد العقدي:

يمكن فهم البعد العقدي في علاقات إيران بالدول الخليجية في ضوء المحددات التالية :

المحدد الأول : أن الدول الخليجية دول سنية المذهب ، وبناء على هذا فهي لا تقول بإمامة أئمة الشيعة الإثني عشر ، ولا تتبنى مذهب الإمامية في الأصول والفروع .

المحدد الثاني : أن الدولة الإيرانية تتبنى المذهب الجعفري ، وتعتقد بوجوب حصر الإمامة في أئمتهم الإثني عشر ، وتعتقد في الصحابة وكثير من مسائل أصول الإيمان خلاف ما يعتقده أهل السنة والجماعة .

ويمكن بيان ذلك من خلال نصوص الدستور الإيراني ؛ فقد نصت المادة (12) من الدستور الإيراني على أن ” الدين الرسمي لإيران هو الإسلام ، والمذهب الجعفري الإثنى عشري وهذه المادة تبقى للأبد غير قابلة للتغيير ” عند التمعن في هذه المادة يتبين ما يلي :

1. أن الدولة الإيرانية دولة تقوم على التعصب الديني والطائفي ، والحقد الصريح نحو أهل السنة ، وتكفير كل من لا يؤمن بالأئمة الإثني عشر . قال ابن بابويه القمي الملقب عندهم بالصدوق : ” اعتقادنا فيمن جحد إمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب والأئمة من بعده أنّه كمن جحد نبوة جميع الأنبياء ، واعتقادنا فيمن أقرّ بأمير المؤمنين وأنكر واحداً من بعده من الأئمة أنّه بمنزلة من أقرّ بجميع الأنبياء وأنكر نبوة نبينا محمد ” وقال المفيد:” اتفقت الإمامية على أنّ من أنكر إمامة أحد من الأئمة ،وجحد ما أوجبه الله تعالى له من فرض الطاعة ، فهو كافر ضال مستحق للخلود في النار ” وهذه العقيدة لم تتخل عنها الثورة الإيرانية؛ فالخميني يقول بتكفير كل المذاهب الإسلامية . فقد قال في كتابه ” الأربعون حديثا ” معقّباً على قول الله تعالى: ” فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفوراً رحيماً ” ما نصه: ” ومن المعلوم أن هذا الأمر يختص بشيعة أهل البيت ويحرم عنه الناس الآخرون, لأن الإيمان لا يحصل إلا بواسطة ولاية علي وأوصيائه من المعصومين الطاهرين عليهم السلام, بل لا يقبل الإيمان بالله ورسوله من دون الولاية ” إن هذه العقيدة العنصرية هي التي تحدد السياسة الإيرانية تجاه دول الخليج .

2. أن الدولة الإيرانية تعتقد إباحة دماء أهل السنة وأموالهم بما أن الشيعة يحكمون بكفر المسلمين من أهل السنة فإنهم يبيحون دماءهم وأموالهم . وقد روى شيخهم القمي في كتابه ” علل الشرائع ” عن داود بن فرقد قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام : ما تقول في قتل الناصب؟ قال: حلال الدم ، ولكني أتقي عليك, فإن قدرت أن تقلب عليه حائطاً أو تغرقه في ماء لكيلا يشهد به عليك فافعل. قلت: فما ترى في ماله؟ قال: توّه ما قدرت عليه ” وعندما غدر الوزير الشيعي الطوسي بالمسلمين في بغداد وتسبب في إبادتهم على أيدي التتار, وإلغاء الخلافة, ترحم عليه علماء الشيعة من بعده, واعتبروا عمله هذا خدمة للإسلام والمسلمين. والخميني أيضاً يبارك عمل الطوسي – قتل المسلمين السنة- ويعتبره نصراً للإسلام؛إذ يقول في كتابه” الحكومة الإسلامية” : ” وإذا كانت ظروف التقية تلزم أحداً منا بالدخول في ركب السلاطين ، فهنا يجب الامتناع عن ذلك حتى لو أدّى الامتناع إلى قتله, إلا أن يكون في دخوله الشكلي نصر حقيقي للإسلام والمسلمين ؛ مثل دخول علي بن يقطين ، ونصير الدين الطوسي رحمهما الله “. وإضافة إلى إباحة دماء أهل السنة, والترحم والترضي على من يقتلهم, فإن الشيعة يبيحون أخذ أموالهم, حيث يروون عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: ” خذ مال الناصب حيث ما وجدته وادفع إلينا الخمس ” وبمضمون هذا الخبر أفتى الخميني في ” تحرير الوسيلة” بقوله: ” والأقوى إلحاق الناصب (السني) بأهل الحرب في إباحة ما اغتنم منهم, وتعلق الخمس به ، بل الظاهر جواز أخذ ماله أين وجد وبأي نحو كان ووجوب إخراج خمسه “.

3. أن الدولة الإيرانية ستعتمد التدخل في كل دولة يعيش فيها طائف شيعية بحجة حماية المستضعفين . لقد نصت الفقرة (16) من االمادة الثالثة من الدستور الإيراني التي بينت الواجبات التي على حكومة جمهورية إيران على أن ” تنظيم السياسة الخارجية للبلاد على أساس المعايير الإسلامية والالتزامات الأخوية تجاه جميع المسلمين والحماية الكاملة لمستضعفي العالم ” فإذا أخذنا في الحسبان أن الدولة الإيرانية ترى كفر من لا يؤمن بمذهبها الجعفري وحل دمه وماله عرفنا أن المقصود بكلمة ( المسلمين ) (والمستضعفين ) المذكورتين في الفقرة الآنفة الذكر هم الشيعة . وبما أن في دول الخليج أقلية شيعية فإن الدولة الإيرانية ستعمل على التدخل في شؤون هذه الدول الداخلية بناء على عقيدتها في وجوب حماية المستضعفين .

إن الناظر بعمق لشيعة الخليج يلمس أنهم بالفعل بدؤوا فعلاً بالتحرك لأخذ مكانة أكبر في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية . فإنهم – وبتخطيط إيراني منظم- يحاولون الاستفادة من أي وضع يسمح لهم بالبروز .

وكذلك حاول شيعة الخليج – وبتمويل إيراني – الاستحواذ على مشاريع اقتصادية وتكنولوجية غاية في الأهمية للسيطرة الاقتصادية على السوق الخليجية ؛ إذ يلاحظ أن هناك الكثير من النشاطات التجارية والشركات الاقتصادية يتحكم فيها الشيعة في منطقة الخليج، بالإضافة إلى إرسال العديد من الطلبة الإيرانيين إلى الخليج بهدف الدراسة في الأقسام والفروع الخاصة بالبتروكيمياويات واستخراج النفط والتقنيات التكنولوجية. كما أن تجار الشيعة في الخليج امتلكوا مكانة بارزة في سوق الذهب .

ولا يقتصر نشاطهم على الجانب الاقتصادي ، بل تعدى ذلك إلى اهتمامهم بالزواج المبكر ، وإقامة مهرجانات الزواج الجماعي كمحاولة لزيادة النسل، كما بدؤوا بالمطالبة ببناء الأضرحة وإقامة الحوزات الدينية. وما مطالبة مقتدى الصدر ببناء البقيع وبعض الأضرحة إلا دليل على محاولة القوم تشييع الخليج والخليجيين بالاستفادة من الأوضاع التي خلفتها سقوط بغداد. وعلى الرغم من أن الشيعة في الخليج يحرصون على تقديم أشكال الولاء والطاعة لحكام الدول التي يقطنونها الآن، لكن هذا لا ينفي تطلعهم نحو إقامة حكم ذاتي شيعي في مناطق تواجدهم ، أو حتى إقامة حكومة شيعية منفصلة . وقد صرحت مجلة الشهيد الدورية (مجلة تصدرها حركة التحرير الإسلامية في إيران) (بعددها 12 وبتاريخ 12/ 12/1987) بقولها: (إن الثورة في إيران ليست إلا الشرارة الأولى التي سوف تفجر كل المنطقة)

4. أن الدولة الإيرانية ستعمل على التدخل في شؤون الدول الخليجية والإسلامية من اجل تهيئة الظروف المناسبة لظهور مهديهم المنتظر يؤمن الشيعة بخروج المهدي المنتظر ؛ محمد بن الحسن العسكري ؛ وهو الإمام الثاني عشر عندهم ، ويطلقون عليه الحجة كما يطلقون عليه القائم . وهو حي الآن ، وينتظرون خروجه – أي ثورته- ليثوروا معه . وإذا خرج قائمهم اجتمع إليه الرافضة من جميع البلدان ، حتى الأموات منهم، ويكون اجتماعهم به في الكوفة . وسيقوم بقتل العرب ؛ وخاصة القرشيين .

إن الاعتراف بالمهدي كإمام مفترض الطاعة وقائد فعلي للأمة، من مسائل الإيمان عند الشيعة . وبلغ من خطورة هذه المسألة أن الإيمان بها شرطً لصحة الإيمان بنبوة الرسول صلى الله عليه وسلم في نظرهم . وقد رووا في ذلك أحاديث ؛ منها الحديث الذي يروونه عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال : «من أنكر القائم من ولدي فقد أنكرني»، وحديث «من أطاعه فقد أطاعني ومن عصاه فقد عصاني، ومن أنكره في غيبته فقد أنكرني، ومن كذبه فقد كذبني، ومن صدقه فقد صدقني» وبناء على هذه العقيدة يجب أن يكون الهدف من العمل السياسي في أي مكان وزمان تهيئة البشرية، على المستوى المحلي والعالمي- تهيئة فكرية ونفسية وعملية- لظهور الإمام المنتظر. وقد جعل الخميني قيام الثورة الإيرانية وانتصارها مقدمة لظهور الإمام المهدي وإقامة دولته ؛حيث يقول: «إن ثورة إيران الإسلامية ـ بتأييد الله المنان ـ في حالة توسع على مستوى البسيطة، وإن بسطها سوف يعزل القوى الشيطانية إن شاء الله، ويهيّئ الأجواء لإقامة حكومة المستضعفين والحكومية العالمية للإمام المهدي صاحب الزمان» واعتبر أن الدولة الإيرانية هي دولة الإمام المهدي؛أي الدولة السائرة وفق تعاليمه، والممهدة لظهوره . وكثيراً ما كان يردد عبارة «بلد الإمام المهدي» في الإشارة إلى الجمهورية الإيرانية . ويشير الإمام الخميني، تبعاً لهذه الفكرة، إلى أن سكان هذه الجمهورية هم من “المنتظرين” للإمام المهدي، والانتظار الايجابي يجب أن يتجلى في تطبيق الأحكام الإسلامية ؛ حيث يقول: “ونحن المنتظرون لقدومه الميمون علينا اليوم أن نسعى بكل طاقاتنا ليسود قانون العدالة الإلهية، في دولة صاحب العصر هذه”.

5. إن جميع الحكومات الخليجية والإسلامية حكومات غير شرعية من الحقائق الخطيرة أن أصل مذهب الشيعة الإمامية الإثني عشرية التي تسمى أيضا (الجعفرية) ؛ وهو مذهب الدولة الإيرانية قائم على اعتبار جميع الحكومات الإسلامية من يوم وفاة النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذه الساعة -عدا سنوات حكم علي بن أبي طالب رضي الله عنه- حكومات غير شرعية، ولا يجوز لشيعي أن يدين لهؤلاء بالولاء والإخلاص من صميم قلبه، بل يداجيها مداجاة ويتقيها تقاة، لأنها كلها ما مضى منها وما هو قائم الآن وما سيقوم منها فيما بعد، حكومات مغتصبة ، والحكام الشرعيون في دين الشيعة وصميم عقيدتهم هم الأئمة الاثني عشر وحدهم، سواء تيسر لهم الحكم أو لم يباشروه، وكل من عداهم ممن تولوا مصالح المسلمين من أبي بكر وعمر إلى من بعدهم حتى الآن مهما خدموا الإسلام ، ومهما كابدوا في نشر دعوته وإعلاء كلمة الله في الأرض وتوسيع رقعة العالم الإسلامي، فإنهم مفتئتون مغتصبون إلى يوم القيامة. ولقد لوحظ في جميع أدوار التأريخ على جماهير الشيعة ومواقف خاصتهم وعامتهم من الحكومات الإسلامية أن أي حكومة إسلامية إذا كانت قوية وراسخة يتملقونها بألسنتهم عملاً بعقيدة “التقية” ليمتصوا خيراتها ويتبوؤا مراكزها ، فإذا ضعفت ، أو هوجمت من عدو انحازوا إلى صفوفه وانقلبوا عليها.

إن هذا الأصل في العقيدة الشيعية جعل الدولة الإيرانية في مواجهة عقائدية مع حكومات الدول الإسلامية ومنها الخليجية ؛ وهو ما عبر عنه الخميني بقوله : « إننا نواجه الدنيا مواجهة عقائدية ». وجاء في ديباجة دستورها، تحت عنوان «الجيش العقائدي» العبارة الآتية: «لا تلتزم هذه القوات المسلحة بمسؤولية الحماية وحراسة الحدود فحسب، بل تحمل أعباء رسالتها الإلهية، وهي: الجهاد في سبيل الله والنضال من أجل نشر أحكام الشريعة الإلهية في العالم» وبناء على هذه العقيدة فإن زعزعة أمن دول الخليج والدول الإسلامية كافة سيكون هدفا رئيسا من أهداف الدولة الإيرانية

إيران وعقيدة التقية:

إيران الفارسية التي تستغل مذهب التشيع لتحقيق مصالحها القومية ، تستعمل عقيدة (التقية ) ، وهي عقيدة خفية وخطيرة ، وحقيقتها عندهم أن تبدي للنواصب (يعني: أهل السنة) غير ما تخفيه في نفسك، وأن تستعمل هذه العقيدة في جميع الحالات ؛ اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا وفكريا بما يحفظ عليهم أمنهم القومي ومصالحهم الخاصة، ولا يتضررون من وراء ذلك شيئاً. ولهذا فلو لاحظ الملاحظ لوجد أنَّ إيران تشتغل بالسر والخفاء أكثر مما تعمل في العلن والظهور، وأنَّ عقيدتها التي هي عندهم(تسعة أعشار دينهم) وأنَّ( من لا تقية له لا دين له) قد ساهمت مساهمة كبيرة في خدمة مصالحهم بشكل جعل الكثير من أهل السنَّة يظنونهم على ما هم عليه في الحديث الظاهري، ولكنَّ الدهاء الإيراني والذكاء الفارسي جعل كثيراً من الناس ينخدعون بهم وهم لا يدركون حقيقة عقيدتهم، حتَّى إذا ما وجدوا الفرصة مناسبة انقضوا على من كانوا يراوغونهم بشدة وجعلوا العالم يركع تحتهم ، فلن يخبئ الإيرانيون الشيعة ومراكزهم وثكناتهم الفكرية والعسكرية ، ولن يدخروا أي قوة للسيطرة على العالم الإسلامي إن تمكنوا من ذلك بقوتهم وبطشهم المعروف .

—————–
رقم التحضير : 8
الطالب : محمود علواني
الرقم الجامعي : 429107935
المادة : التنمية السياسية (التخلف السياسي)

الرِّدَّة الثورية في مصر وعِبْرةُ الانقلابات التركية

كاتب الموضوع الأصلي: محمود

الرِّدَّة الثورية في مصر وعِبْرةُ الانقلابات التركية

2013/07/08

في عام 1980 قاد الجنرال كنعان إفرن انقلابا عسكريا ضد الحكومة الديمقراطية التركية. وكان الرئيس الأميركي جيمي كارتر في حفل موسيقي بهيج حينما جاءه اتصال من ضابط ارتباط لوكالة الاستخبارات الأميركية (سي آي أي) يقول: “لقد فَعلَها غلماننا”!! وقد اعترف مدير مكتب السي آي أي في أنقرة آنذاك بول هنزي بأن وكالته كانت تقف وراء الانقلاب. وهكذا ابتهجت واشنطن بسيطرة ثلة من الجنرالات المرتبطين بأجهزتها السرية على أزمَّة الأمور في تركيا، وانفتح باب من الاضطراب الاجتماعي والعنف السياسي والجدْب الاقتصادي في تركيا أعواما مديدة.

ويبدو الشبه بين مصر وتركيا مغريا بالمقارنة. فكلتاهما دولة مسلمة مركزية في عالم البحر المتوسط، وكلتاهما راهنت عليهما واشنطن مدة مديدة في إستراتيجية التحكم التي تنتهجها في المنطقة، وكلتاهما ارتبطت الدولة العميقة فيها بصلات وثيقة مع إسرائيل. وها نحن نشهد بعد ثلاثة وثلاثين عاما من انقلاب كنعان إفرن في تركيا انقلابا للجيش المصري على أول رئيس نجح في أول انتخابات حرة نزيهة في تاريخ مصر، واعتقال الرئيس الوحيد في تاريخ مصر الحديثة الذي لم تحدث اعتقالات سياسية في حكمه. فليس مما يُستغرَب أن يكون الأتراك قيادة وشعبا هم أشد المستنكرين للانقلاب العسكري الأخير في مصر.. لقد ذاقوا طعم الانقلابات على السلطة الشرعية في بلادهم مرارًا، ومن ذاق عَرَف.

لم يأت الانقلاب المصري من فراغ، بل كان حصاد عوامل عدة، منها الطريقة التي خرجت بها الثورة المصرية إلى الوجود، ومنها تصاعد قوة الفلول التي لم تطأطئ رأسها للثورة إلا ترقبًا لفرصة سانحة للانقضاض عليها، ومنها تراكم من الأخطاء والخطايا التي ارتكبتها قوى الثورة المصرية، ومنها -وهو الأهم- النية المبيَّتة من واشنطن وحلفائها من الجنرالات المصريين.

إن السبب الأول للارتباك والردة الثورية التي شهدتها مصر اليوم والجذر العميق للأزمة المصرية اليوم هو الميلاد المريب للثورة المصرية المخالف لمنطق كل الثورات. لقد ولدت الثورة المصرية خِداجًا غير مكتملة النمو، إذ صحبها انقلاب عسكري منذ أول يوم بحُجَّة حمايتها، وغايته هي وأدها في نهاية المطاف. فالقادة العسكريون الذين اعتادوا طيلة حكم مبارك حياة البذخ والدَّعة، وجمع المال الداخلي والخارجي، وبناء العلاقات السياسية والأمنية بالولايات المتحدة، قرروا -بالتنسيق مع الظهير الأميركي- التضحية برأس النظام، والإبقاء على جسده.

وهكذا تولى العسكريون التطويح بحسني مبارك وكفلوا له محاكمة السبعة نجوم الشكلية التي شاهدها العالم، ثم استلموا منه السلطة باسم الشعب في مهزلة لم يعرف تاريخ الثورات لها مثيلا. فمتى كان رئيس مخلوع بثورة شعبية وريثا على عرش تلك الدولة لمن يشاء وكيف يشاء؟! لكن ذلك ما حدث بالفعل حينما أعلن عمر سليمان تخلي مبارك عن السلطة وتسليمها للمجلس العسكري!!

وهكذا فاز الشعب المصري في ظاهر الأمر بانتصار سهل على الاستبداد، لأن جيشه العظيم -كما قيل حينها- قد انحاز للشعب ضد الفرعون. لكن الثورات السهلة خدَّاعة، لأنها في ظاهرها انتصار مظفَّر على قوى الاستبداد بثمن معقول من الدماء والأموال، وفي حقيقتها مجرد تضحية بالجناح الأضعف من النظام المثار عليه لصالح الجناح الأقوى والأرسخ جذورا، وهو ما يكون وصْفة جاهزة لإعادة إنتاج النظام الاستبدادي عند أول سانحة. وهذا ما حصل في مصر حينما تمت التضحية بعائلة مبارك والحزب الوطني، لصالح أجنحة أخرى من النظام القديم هي الجيش والقضاء والأمن والإعلام.

وهكذا كان لا بد من لحظة مفاصلة بين الثورة المصرية والانقلاب العسكري الذي لبس لبوسها يوم ميلادها، وجاءت المفاصلة لصالح الانقلاب على حساب الثورة بكل أسف، حينما أطاح جنرالات حسني مبارك بأول رئيس ينتخبه المصريون بحرية خلال سبعة آلاف عام من عمْر دولتهم العتيقة.

ولم تُحسن قوى الثورة المصرية التي كانت وقود ثورة 25 يناير، تشخيص المخاض الذي أسفر عنه الانهيار السهل والسريع لسلطة حسني مبارك. فقد أسفر سقوط مبارك عن وجود معسكريْن اثنين: معسكر الثورة وهو يجمع كل القوى المدنية الإسلامية والعلمانية التي اشتركت في الحراك الشعبي ضد مبارك، ومعسكر الدولة العميقة المرتبطة بالنفوذ الأميركي، وأقوى أطرافها الجيش والأمن مُسلَّحيْن بالقضاء والإعلام. ولم تقرأ قوى الثورة الخريطة بتمعُّن، واندفع الشعب الثائر -ومن ورائه الشعوب العربية- إلى الاحتفاء بثورة ناقصة، والابتهاج بنصر خادع سرعان ما تبيَّن أنه سراب بقيعة.

لقد كان الثوار المصريون صبيحة سقوط مبارك بحاجة إلى من يذكّرهم بما خاطب به الشهيد عبد القادر حشَّاني قادة الجبهة الإسلامية للإنقاذ في الجزائر يوم نصرها المؤزَّر في الانتخابات البرلمانية، حيث قال: “إن مخاطر النصر أكبر من مخاطر الهزيمة.” وكان الخطأ القاتل الذي اسْتوت القوى الإسلامية والعلمانية المصرية في ارتكابه -باختلافٍ في الدرجة لا في النوع- هو التعامل مع المنافسين السياسيين من داخل الثورة باعتبارهم أعداءً، والتعامل مع الأعداء من خارج الثورة باعتبارهم أصدقاء. فبدأ التطبيل لـ”جيش مصر العظيم” المُجرَّد عن الأهواء والمصالح، و”قضاء مصر النزيه” الذي لا تشوبه شائبة، وغير ذلك من خرافات مهلكة ساهمت قوى الثورة ببراءة في تسويقها، وتعاملت قوى الثورة مع المجلس العسكري وقيادة القضاء الدستوري على أنهما شريكان في الثورة، لا بقايا من مواريث النظام القديم.

والواقع أن جيش مصر -مهما تكن عظمته- يقوده جنرالات تجار أثْروا من أموال الشعب المنهوبة، ومن التمويلات الأميركية المريبة، وانسلخوا من ثقافة الدفاع عن حمى الوطن وروح التضحية والنزال، وأن قضاء مصر -مهما تكن نزاهته- تقوده هيئات قضاء دستوري صنعها مبارك على عينه، وشرَّع بها كل الموبقات التي ارتكبها ضد شعبه خلال ثلاثة عقود، وحينما سقط مبارك كانت هاتان المؤسستان -الجيش والقضاء- هما أعتى مؤسسات الدولة العميقة المتربِّصة بالثورة، وأحسنها تخطيطا وتنظيما، وأشدها مِراسا وشكيمة.

وكان أسوأ ما عانته الثورة المصرية، والسبب الذي أودى بها في نهاية المطاف، هو عدم احترام بعض قوى الثورة المصرية لقواعد تنظيم الخلاف في كل الديمقراطيات. لقد قصَّرت جلُّ القوى الثورية المصرية بعضها في حق بعض، لكن الإنصاف يقتضي عدم المساواة بين أخطاء الإخوان وخطايا خصومهم: فما فعله الإخوان من الاستئثار بالقرار كان خطأ في التقدير ونقصا في الحكمة السياسية، ساعد عليه عدم التجاوب من شركاء الثورة، ولم يكن خروجا على الشرعية الديمقراطية التي جاءت الثورة لوضع أسسها، وما فعله الآخرون كان خروجا على جوهر العقد الاجتماعي الذي انبنت عليه الثورة، وهدما لأركان الديمقراطية المصرية الوليدة التي تسع الجميع.

لقد احتج شركاء الثورة على الإخوان بتراجع شعبية الرئيس محمد مرسي، وبالعجز عن توفير الخدمات الأساسية للمواطن، وبالاستفراد بصياغة المرحلة الانتقالية دون توافق… وهي كلها حجج صحيحة أساء فيها الإخوان إلى أنفسهم وإلى الثورة. لكن ذلك لا يسوغ الجريمة التي ارتكبتها بعض قوى الثورة في التحالف مع قوى الدولة العميقة المعادية للثورة، والمتحالفة مع القوى الدولية الطامعة، والعمل معها للتطويح بأول رئيس منتخَب، اتباعا للمبدأ العبثي المُهلك: “عليَّ وعلى أعدائي”. لكن ذلك ما فعلته -بكل أسف- بعض قوى الثورة المصرية، فدلت على ضعف ثقتها بنفسها، وعدم التزامها المبدئي بالتحاكم إلى قواعد تنظيم الخلاف الديمقراطي.

إن الثورة المصرية ليست بِدْعًا من الثورات، والديمقراطية المصرية ليست بدعة بين الديمقراطيات. والحكومات الديمقراطية في كل أرجاء الأرض تنجح وتفشل، ويَحسُن أداؤها ويَسوء، دون أن يعني ذلك تأثيرا تلقائيا على شرعيتها. فإذا أحسنت الحكومة المنتخَبة فلا يمنحها ذلك حقا تلقائيا في تمديد ولايتها دون رجوع إلى صناديق الاقتراع، وإذا قصَّرتْ أو أخطأت فلا يعني فقدانًا تلقائيًّا لشرعيتها دون رجوع إلى صناديق الاقتراع. وحينما طالبت بعض قوى الثورة المصرية بتدخل الجيش للإطاحة بمرسي كانت شعبية مرسي أكبر بكثير من شعبية الرئيس الفرنسي هولاند، لكن لا أحد في فرنسا يفكر في الانقلاب على هولاند، مما يدلُّنا على البون الشاسع بين ديمقراطية عمرها سنتان، وأخرى عمرها قرنان.

لقد سلَّم شباب أغرارٌ وسياسيون أنانيون مصر إلى أعتى مؤسستين من مؤسسات نظام مبارك، وهما الجيش والمحكمة الدستورية العليا، وحوّلوا ميدان التحرير من مُلْهمٍ لكل شعوب العالم قبل عامين إلى مطية للطغيان والدكتاتورية العسكرية اليوم، وسلموا مصر من جديد إلى الراعي الأميركي الذي وقف وراء الاستبداد العسكري في مصر مدة أربعين عاما. وقد أحسن الرئيس محمد مرسي إذ رفض التنازل تحت ابتزاز الجنرالات، وتمسك بالعهد الذي قطعه أمام شعبه.

على أن ما جرى في مصر هو أبعدُ ما يكون عن الشأن المحلي الصرف، ومن هنا أهمية العبرة التركية. فثمة أوجه شبَه عديدة بين الانقلاب المصري الحالي وبين الانقلابات العسكرية الثلاثة التي تتالت في تركيا، بفاصل عقْد من الزمان بينها، وهي انقلاب 1960، وانقلاب 1971، وانقلاب 1980. ومن أوجه الشبه هذه:

* تقديم الانقلاب زورا وبهتانا على أنه استجابة لتطلعات الشعب، وإنقاذ للديمقراطية من قوى سياسية تهددها.
* ممارسة الجيش للسطلة السياسية من وراء واجهة مدنية، وفرض نفسه حَكَما في القضايا السياسية والإستراتيجية الكبرى. فهو متحكم في الحاكم، وليس حاكما بالمعنى التقليدي المكشوف.
* تولّي العسكريين السلطة في شكل جماعي، لا في شكل دكتاتورية فردية. فكان مجلس الأمن القومي التركي هو الحاكم الفعلي، وها هو المجلس العسكري في مصر يطمح إلى الدور ذاته.
* تنفيذ العملية الانقلابية بعد إصدار الجيش إنذارا إلى السلطة المدنية. وهو ما حدث في تركيا قبيل انقلاب 1960 وانقلاب 1971، ورأيناه في مصر منذ أيام 2013.
* استخدام القضاء الدستوري مظلة لتشريع حكم الجيش، فالمحكمة الدستورية التي أسسها الانقلابيون الأتراك تشبه كثيرا المحكمة الدستورية المصرية التي نصّب الجيش رئيسها رئيسًا مُؤقتًا للدولة.

والسبب في هذا الشَّبه المريب بين نمطيْ التفكير والتنفيذ لدى الجيشين التركي والمصري في انقلابهما على الشرعية هو أن الولايات المتحدة كانت ذات صلة وثيقة بالانقلابات التركية، وهي اليوم على صلة وثيقة بالانقلاب في مصر، رغم تظاهرها بغير ذلك.

وهي تسعى من خلال هذا الانقلاب إلى استمرار الإمساك بالتوجه الإستراتيجي المصري، وإفشال الثورة المصرية، وإرباك الربيع العربي كله. فالانقلابات التركية والمصرية خرجت من مشكاة واحدة هي الرؤية الإستراتيجية الأميركة لدور كل من تركيا ومصر في المنطقة. كما أن بعض القادة العرب الموالين لواشنطن ليسوا بعيدين عن الإسهام بمالهم وإعلامهم في الرِّدة الثورية بمصر، وسيظلون غارقين في محاولة إفشال الثورات في الدول العربية الأخرى حتى تغشاهم الثورة في ديارهم وهم غافلون.

إن الشعوب العربية لم تعد مفعولاً بها كما كان الحال في الماضي، بل هي اليوم فاعلة وممسكة بمصائرها، وسيظل الغرب وأتباعه في منطقتنا حريصين على بقاء الشعوب خانعة للاستعباد، لكن المعادلة الداخلية هي التي تحدد الاستجابة الخارجية، وليس أمام الإخوان المسلمين والقوى الثوريّة المساندة للشرعيّة في مصر اليوم سوى العودة للفعل الثوري، والتمسك بالتعبئة الشعبية الدائمة بصبْر ودأَب، حتى تعود القوى الثورية الأخرى إلى رشدها، وتقبل احترام الشرعية الدستورية، وينتزع الشعب المصري حقه من قوى الدولة العميقة وأحلافها في الخارج المصرِّين على فرض وصايتهم على أمتنا دون حق.

بعد ثلاثة عشر عاما من انقلاب الجنرال كنعان إفرن، شقَّت تركيا طريقها إلى الحرية السياسية والازدهار الاقتصادي والانسجام الاجتماعي. وبعد مضيِّ اثنين وثلاثين عاما على ذلك الانقلاب قدَّمت القيادة الشرعية للشعب التركي الجنرال الانقلابي كنعان إفرن إلى المحاكمة وهو في التسعينيات من عمره، لا لتحكم عليه بالعقوبة التي يستحق -فتقدُّم سنّه واعتلال صحته لا يسمحان بذلك- وإنما ليدرك الجنرال العجوز في حياته عاقبة التعدي على حرية الشعب، ولتفهم القوى الدولية المُدمنة على استعباد الشعوب من خلال القادة العسكريين الأنانيين أن عصر الاستعباد مضى إلى غير رجعة. فالتاريخ لا يرحم من يحتقرون إرادة شعوبهم في عصر الحرية ولا يتركهم من غير محاسبة.

إن تجارب انقلاب الجيش على السلطة المنتخَبة في عصرنا تجاربُ مريرة، فقد أدت إلى مقتل حوالي مائتيْ ألف شخص في الجزائر خلال التسعينيات، وأشعلت حربا أهلية في غرب السودان راح ضحيتها الآلاف وانشطرت الدولة السودانية، وحوّلت باكستان إلى دولة فاشلة.. وفي عددها ليوم 2/4/ 2012 قدمت صحيفة “صاندي زمان” التركية حصيلة لحكم الجنرال كنعان إفرن: اعتقال 650000 شخص، ومحاكمة 230000 شخص، و517 حكما بالإعدام، و299 حالة وفاة بسبب التعذيب أو ظروف السجن السيئة.. وليس هذا هو المصير الذي يتمناه أي مصري أو عربي لمصر.

إن مصلحة مصر هي أن لا يهنأ مغتصبو السلطة بما اغتصبوه، وأن تتوحَّد القوى الثورية المصرية -من أنصار مرسي ومعارضيه- على الوقوف لهم بالمرصاد في لحظة تحدٍّ ومفاصلة مع الاستبداد، تستوعب أخطاء السنتين الماضيتين وخطاياهما، وتنطلق إلى المستقبل بثقة وتآخٍ وأمل.. فالرجوع إلى الحق أوْلى من التمادي في الباطل.

وبذلك يبرهن الشعب المصري -كما فعل دائمًا- أنه شعب حرٌّ أبيٌّ، وليس ذلك الشعب المتخاذل الخانع لخائني الأمانة من عبيد السُّوء، الذين هجاهم المتنبي بقوله:
أكلَّما اغتـال عبدُ السُّـوء سيِّـدَهُ *** أو خـانه فلَـهُ في مصرَ تمهيدُ؟!

رقم التحضير : 8
الطالب : محمود علواني
الرقم الجامعي : 429107935
المادة : التنمية السياسية (التخلف السياسي)

حُمَّى الإساءة إلى الإسلام ولُعبة الثَّور الإسباني

كاتب الموضوع الأصلي: محمود

حُمَّى الإساءة إلى الإسلام ولُعبة الثَّور الإسباني

2012/09/16

كتب المفكر الجزائري مالك بن نبي في كتابه “الصراع الفكري في البلاد المُستَعمَرة” أن خبراء الإعلام والحرب النفسية في الغرب يلعبون بالجماهير المسلمة لعبة الثور الإسباني. فاللاعب الإسباني يلوّح بالقماشة الحمراء في وجه الثور، فتثور ثائرة الثور، ويبدأ في مهاجمة القماشة دون أن ينال منها، حتى تخور قواه ويسقط على الأرض. وفي الكتاب ذاته يقول مالك بن نبي إن أولئك الخبراء يطبّقون على المسلمين نظرية “الاستجابة الشرطية” التي صاغها عالم النفس الروسي إيفان بافلوف، وخلاصتها وضع الإنسان في ظروف تجعل ردوده آليةً.

فهيمنة العواطف على تفكير المسلمين اليوم، تجعل من السهل التنبؤ بنوع ردودهم على هذا الاستفزاز أو ذاك، لأنها لا تنبع في الغالب من تفكير عميق أو تخطيط مُسبق. كما تجعل من اليسير إشغالهم عن العمل المنهجي، واستنزافهم في انفعالات غاضبة تفور فجأة، ثم تذبل وتتلاشى دون أن تخدم لهم هدفا أو تحقق لهم غايةً. فحينما يكون صحفي مغمور، أو مخرج فاشلٌ، أو رسَّام لا مواهب له، قادرا على تحريك ملايين المسلمين، وتقرير موضوع خطبهم للجُمُعات القادمة، وشكل تحركهم السياسي في الشهور القادمة.. فذلك دليل دامغ على غلبة الانفعال على الفعل في مجتمعاتنا.

والمتتبع للإساءات الغربية المتكررة للإسلام، منذ آيات سلمان رشدي الشيطانية، إلى الرسوم الدانماركية القذرة، إلى الفيلم التافه الذي صدر مؤخرا بالولايات المتحدة.. يدرك دقة مالك بن نبي في تشخيصه، كما يدرك أن خبراء الإعلام والحرب النفسية لن يَعدموا مثيرا آخر يستفزون به العواطف الإسلامية الجامحة، في عملية استنزاف أبدية.

والذي يتأمل السياق الذي ظهرت فيه الاستفزازات الثلاثة -الآيات الشيطانية، والرسوم الدانماركية، والفيلم الإسرائيلي الأميركي- يدرك أن من أخرجوها صاغوها بعناية، لإحداث أقوى درجات الإثارة والاستنزاف، وزرْع أعمق العداوات بين الإسلام والمسيحية، وبين العالم العربي والغرب.

1. فسلمان رشدي كان يدرك جيدا الرد الآتي، ويسعى إلى استثارته عن سابق عمد وإصرار، فهو لم يكن بدافع الإبداع الفني، بل بدافع الإثارة السياسية. وقد نقل الدكتور عبد الوهاب الأفندي عن المفكر الراحل أدوارد سعيد قوله: “لقد كنت مدعوا على الغداء في منزل [سلمان] رشدي في لندن قبل صدور تلك الرواية [الآيات الشيطانية]. وبعد الغداء أخذَني إلى مكتبه وأخرج من أحد الأدراج مخطوطا وأراني إياه قائلاً: إن هذا سيُغضب المسلمين كثيرا”.

2. واختيار الدانمارك لإخراج الرسوم -وهي الدولة الأوروبية التي يحمل علُمُها رمزَ الصليب- لم يكن محض مصادفة في اعتقادي، بل كانت غايتُه أن تظهر الجماهير المسلمة على شاشات التلفزيون وهي تحرق رمز الديانة المسيحية في كل أرجاء العالم، تعميقا للشرخ بين الإسلام والمسيحية، وتهييجا للجماهير الأوروبية ضد المسلمين المهاجرين، وتوسيعا لجبهة الحرب الدائرة اليوم بين الإسلام وأعدائه ليكون الغرب كله، بل كل مسيحيي العالم جزءا من تلك الحرب، بدلا من توجيه الجهد ضد أهل العدوان حصرا، كما يوجبه القرآن الكريم، ويقتضيه المنطق العملي السليم.

3. أما الفيلم الأخير فلا يمكن فصله عن قلق الإسرائيليين مما تدعوه مراكز البحث عندهم “تغيّر المناخ الإستراتيجي” في المحيط العربي، وأسفِهم العميق على ما فتحه الربيع العربي من آفاق مصالحة تاريخية بين الغرب والشعوب العربية. فلم يُرعب رعاة المشروع الصهيوني في الأعوام الأخيرة أكثرُ من تحرر إرادة الشعوب العربية من نير الطغاة، ورؤيتهم الغربَ -الذي ظل عقودا يحمي عروش الاستبداد- وهو يقاتل ضد الهالك القذافي في ليبيا، ويضغط على الجزار بشار، ويسلِّم بسقوط أقرب الطغاة إليه، من أمثال حسني مبارك، الذي عدَّه الإسرائيليون كنزا إستراتيجيا لا يُقدَّر بثمن.

ولا ننسى كذلك -ونحن نتتبع دلالة السياق الزماني والمكاني لهذه الإساءات المتكررة- أن هذا الفيلم الرديء خرج إلى الوجود منذ حوالي عام تقريبا، لكن الترويج الإعلامي له تأخر كثيرا، ليتزامن مع ذكرى هجمات 11 سبتمبر، ومع زيارة البابا للمشرق العربي.

إن الاستفزاز الحالي ليس سوى حلقة في سلسلة طويلة من استفزازاتٍ سابقة، وأخرى آتيةٍ قد تكون أشد إيلاما وأعمق أثرا، خصوصا إذا أعان المسلمون هذه الاستفزازات على النجاح بردود انفعالية مغالية، تروّج لها أكثر مما تكبِتها. فحريٌّ بالمسلمين اليوم أن يدركوا أن الاستئسار للحروب الاستنزافية والمعارك الجانبية لا ينصر رسولا ولا رسالة، بل هو تنفيذ لخطط الأعداء بحسن نية وبلاهة. فمنذ نشر سفاهات سلمان رشدي في الثمانينيات، ونحن نخضع لنفس المثيرات، ونردُّ بنفس الردود. وتكفي ثلاثة عقود لتطوير منهج جديد في التفكير والعمل يخدم أمّتنا وعقيدتنا.

وفيما يلي بضع ملاحظات أرجو أن تدفع آخرين إلى التأمل بشكل أعمق في هذا المضمار:

أولا: أتمنى أن يسأل كل منا نفسه: ماذا كان النبي صلى الله عليه وسلم فاعلا في هذه الحالة؟ ثم نفكّر مليًّا في الإجابة قبل تبنِّي أي رد قد يتحول موبقةً شرعيةً وكارثةً سياسيةً، مثل قتل السفراء الذين يحرِّم الإسلام وتمنع مكارمُ العرب قتلهم، أو حرق الممتلكات العامة والخاصة، أو ضعضعة السِّلم الأهلي في لحظات تحوُّلٍ حرجة.

لقد أسيء إلى النبي صلى الله عليه وسلم في حياته مرارًا، وتعرَّض للسب والبهتان تكرارًا، فكان دائم العفو مُعْرضا عن الجاهلين، كما كان دائم النظر في العواقب، مراعيا للمآلات والمصائر. كل ذلك انسجاما مع التوجيه القرآني: “خُذ العَفْوَ وأْمُرْ بِالْعُُرْفِ وأَعْرِضْْ عَن الْجَاهِلِينَ”. وفي هذا السياق يَحُسن رفعُ لبس شائع لدى بعض المسلمين، وهو تأويلهم لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل كعب بن الأشرف وأمثاله ممن كانوا يتآمرون لقتله، ويخططون لحربه، ويعبئون لها بالدعاية شعرا ونثرا، على أنه أمرٌ بقتل كل من أساء إساءة لفظية لشخص النبي صلى الله عليه وسلم.

فهذا الفهم الخاطئ يتجاهل عشرات الحالات من الإساءات التي تعرَّض لها النبي صلى الله عليه وسلم على ألسنة المشركين والمنافقين واليهود، بل على ألسنة بعض جهَلة الأعراب من المسلمين، ممن لم يدخل الإيمان في قلوبهم.. ولم يكن رده عليها سوى الصبر الجميل والصفح الكريم.

ثانيا: إن المنطقة العربية تمرُّ بمرحلة في غاية الحرج، هي فيها أحوجُ ما تكون إلى المصالحة مع الذات ومع العالم.. وأقلُّ ما تحتاجه منطقتنا أن يتفهَّم العالم حاجةَ شعوبنا إلى الديمقراطية ونبلَ جهادها من أجل الحرية، وأن تدعم دول العالم المؤثِّرة شعوبَنا ضد الطغاة. والدول الغربية التي تملك أكبر النفوذ في منطقتنا وفي العالم هي أول من نحتاج المصالحة معها في هذه الظروف، إذا أردنا إيصال الربيع العربي إلى ثمراته الطيبة بأقل كلفة من الدماء والأموال.

ويقتضي منطقُ المصالحة أن لا ندَع أصوات الاستفزاز وزراعة الفتنة تعبث بالعلاقات بين شعوبنا وبين الشعوب الغربية، وهي علاقات نقلها الربيع العربي لأول مرة في العصر الحديث من مرحلة التبعية إلى مرحلة النِّدِّية. والأهم من ذلك أن لا نعبث بالعلاقات بين المسلمين والمسيحيين داخل المجتمعات العربية.

فهل يدرك المحتجون ما الذي يعنيه هجومُهم على السفارات الأميركية والأوروبية من تجييشٍ للرأي العام الغربي ضد الثورات العربية؟ وهل يفهمون ما يترتب على ذلك من تعويق انتصار الثورة السورية التي تخوض ملحمة مجيدة تتوقف عليها مصائر المنطقة؟

وهل يدرون ما يترتب على أفعالهم من التشويش على الانتقال من دولة الاستبداد والفساد إلى دولة العدل والحرية في ليبيا وتونس ومصر واليمن؟!

ثالثا: إن العمل المنهجي الدائم، المدرك لغاياته، المنتقي لآلياته، هو ما نحتاجه اليوم، لا الفورات الانفعالية العابرة التي تُفسد أكثر مما تصلح، وتضرّ أكثر مما تنفع.. وقد آن الأوان للتفكير في إستراتيجية للتعامل مع الإساءة إلى الإسلام، تتأسس على الفعل المنهجي، لا على الانفعال العاطفي.

وبالتفكير المنهجي سنجد أن أحسن رد على هذه الاستفزازات الفجَّة هو تجاهلُها، وأن الرد الصاخب عليها ترويجٌ مجاني لها، وإساءة إلى الذات قبل الغير. وقد أدرك علماء الإسلام منذ قرون خلت حكمة التجاهل للمستفِزّ الساعي إلى الدعاية الفجَّة، فقد ورد في مقدمة صحيح الإمام مسلم أن “الإعراض عن القول المطروح أحْرَى لإماتته وإخمال ذِكْر قائله، وأجدرُ ألا يكون ذلك تنبيهًا للجُهَّال عليه”.

لقد حقّقنا لمخرج الفيلم الحقير بغيته من الشهرة، وحققنا لمموِّليه بغيتهم من التشهير بأنفسنا، ورفْع الأسوار بيننا وبين بقية البشرية، ثم أزهقنا أرواح إخواننا في اليمن والسودان وتونس ومصر، وأرواح ضيوفنا من الدبلوماسيين في ليبيا، ودمرنا أملاك مواطنينا المساكين وسياراتهم، وشوهنا سمعة ديننا ومجتمعاتنا، وشوشْنا على مستقبل ثوراتنا وسعيِنا إلى الحرية.. فأي نصرة للنبي الكريم صلى الله عليه وسلم هذه التي يكون هذا حصادها؟! من المفهوم أن يسيء إلينا عدوٌّ مجاهر بالعداوة، أما ما ليس مفهوما فهو أن نسيء إلى أنفسنا في ردودنا عليه.

ثمة طرائق مثمرة للرد على هذا الفيلم الرديء، منها تجاهله تماما فلا يُلقِي له أحد بالا، فيموتُ منتجوه وممولوه غيظًا، وتموت الفكرة الرديئة التي يحملها، كما كان علماؤنا يميتون البدعة بالسكوت عنها. ومنها الملاحقة القانونية الهادئة لمنتجه ومموليه، يقوم بها مواطنون عرب ومسلمون في الولايات المتحدة، أو تتولاها منظمة التعاون الإسلامي. وأقل ما في هذا المنحى -إن لم يكسب القضية قانونيا- أن يستنزف المستفزِّين في وقتهم ومالهم، ويردع غيرهم عن سلوك ذلك الطريق الباهظ التكاليف.

حينما قرر تيري جونز حرق المصحف الشريف، قرّر مجلس العلاقات الإسلامية الأميركية (كير) الرد بتوزيع مليون نسخة من ترجمة القرآن الكريم إلى اللغة الإنجليزية في الولايات المتحدة، بدلا من الانشغال بالشد والجذب مع متعصب أهبلَ يبحث عن الشهرة بالتشهير. فانْحُوا ذلك النحوَ أيها العقلاء.

إن الإسلاميين الذين حملهم الربيع العربي إلى السلطة والتصدر يتحملون المسؤولية الكبرى في قيادة جماهير أمتنا إلى الفعل المنهجي، بدلا من اتباعها في غرائزها الانفعالية. فإذا كانت الديماغوجية والمزايدة السياسية مفهومةً ممن يعارض السلطة ويناكفها، فليستا مقبولتين ممن يتحمل المسؤولية، ويتصدر لصناعة القرار وبناء المستقبل. إن خبراء الإعلام والحرب النفسية لن يَعدموا مثيرًا يستثيرون به العواطف الإسلامية الجامحة في حرب استنزاف أبدية. فهل نظل خاضعين لمَنْطِقهم، أم نسيرُ حسب مَنطِقنا؟!

رقم التحضير : 8
الطالب : محمود علواني
الرقم الجامعي : 429107935
المادة : التنمية السياسية (التخلف السياسي)

التخلف السياسي.. حزب الدعوة وامينه العام نوري المالكي انموذج

كاتب الموضوع الأصلي: محمود

التخلف السياسي.. حزب الدعوة وامينه العام نوري المالكي انموذجا

الدكتورة رحاب السوداني

الحقيقة أن تعرض الحركة الإسلامية بالعراق إلى المضايقة والاضطهاد والسجن والتشريد حال دونها والبت في الاختيارات الفكرية والثقافية للحركة وتحديد هويتها السياسية من طرف أعضائها والناشطين داخلها وبالتالي فهي وحزب الدعوة بالتحديد لا تملك خلفية نظرية كالحزب الشيوعي وحزب البعث عدا تلك التي تعود للمفكر اية الله محمد باقر الصدر والتي يشك بكونها الخلفية النظرية العقائدية لحزب الدعوة وقد انعكس هذا على مقابلات على الاديب في فضائيات متعددة ومنها الحرة التي تتسم بالهزالة الفكرية لهذا الدعي.

جدير بالذكر ان المجتمع الذي كنا نطمح إليه، ولازلنا، ان يشعر فيه كل مواطن بمواطنته لا فرق فيه بين إسلامي ويساري وليبرالي, يحارب الفقر والظلم ويكون الدين في كل ذلك الواعز للالتزام بتلك المبادئ، والدافع للتضحية من اجل مصلحة الوطن والمواطن، والواقي أخلاقيا من الانزلاقات والانحرافات.

لعلنا لا نبالغ كذلك حين نقول إن كل الحركات الاسلامية العراقية وبالاخص حزب الدعوة فشلت في قدرتها في الحكم والسؤال الذي يتبادر للذهن لما الفشل أصبح ملازمالهذا الحزب،و هل السبب يكمن في السلطة ذاتها ، أم في من يتولون مقاليدها ، أم في آليات الحكم وأبعاده ، أم في عدم الفهم الصحيح للإسلام ، أم في عدم نضج التجربة الديمقراطيةفي العراق و عدم النضج السياسي لحزب الدعوه وامينه العام نوري المالكي الذي تولى السلطة في العراق بعد مرحلة طويلة وعريقة من القهر والاستبداد إلى مرحلة سلطوية ، والتي خشى هو نفسه ا من العودة إلى المرحلة الاستبدادية ، وعندما وقع الحزب ضحية هو الأخر واصبح نوري المالكي قائد ما نطيها ، أصبح الحزب يدافع عن السلطة بكل ما يملك من قوة حتى لو كان ذلك باستخدام العنف لسياسة ما نطيها لامينه العام فانعكست الاية واصبح الحزب تابعا لامينه العام مشابها لتجربة البعث الذي كان تابعا لصدام اما الصراع الداخلي بين حزب الدعوة و الاحزاب الإسلامية مع بعضها البعض حول السلطة، الأمر الذي يجعلهم يتناحرون ويقعون في فخ المكائد والتدابير الداخلية والخارجية ومن الامثله على ذلك حزب الدعوة وتيار مقتدى الصدر والمجلس الاعلى والحزب الاسلامي.

ان عدم نضج الوعي الفكري لدى قطاعات عدة من الشرائح والتيارات الإسلامية ومنها حزب الدعوة الحاكم جعلها تدعو إلى مفاهيم خاطئة اصطدمت مع المفاهيم الاجتماعية المستقرة فأحدثت خللا في التركيب البنائي والثقافي والفكري للمجتمع مما جعل مسيرتها تتعثر ، وأصبحت عرضة للاختراق والوقوع في براثن المؤامرات والمكائد العديدة و ان الصراع الا التسلط على السلطة جعل حزب الدعوة تقصي الآخر دون سند موضوعي مستخدما كل الوسائل المشروعة وغير المشروعة للفتك بالآخر مستفيدا من نرجسية نوري المالكي ، كل ذلك سبب خللا في أبنية السلطة الاجتماعية والسياسية ، نتيجة استخدام السلطة الدينية مع وجود حالات من الفقر الاقتصادي والرغبة في الاستقرار الحياتي لدى قطاعات عريضة في المجتمع دون جدوى، أن حزب الدعوة وخاصة تحت قيادة المالكي قد فشل فشلا ذريعا في تحقيق تلك الأهداف الاستعراضية التي يناد ي بها وأول ما صدمني في حزب الدعوة هو التشبث الشديد بالسلطة وكأنهم في معركة من اجلها و أخشى ما أخشاه أن الذين هم في الحكم اليوم قد استعجلوا مغادرة مواقعهم في التوعية والتثقيف والإصلاح وتغيير ما بالأنفس ونزلوا لاقتسام الغنيمة، الانتصار الحقيقي ليس الصعود للحكم بل المضي قدما نحو بسط العدل ونصرة المستضعفين لا بالخطابات والشعارات بل بالانجاز الفعلي. والامر الثاني والذي لا يقل خطورة عن الأول هي النرجسية المفرطة لقيادات حزب الدعوة وبالاخص الجعفري والمالكي وعلي الاديب .

وإن كان من الطبيعي أن يعتبر كل حزب برنامجه هوالأصلح وأفكاره هي الأقوم، إلا أن تقديسها والاستهزاء بالأفكار المعارضة واعتبارها مناوئة ومشبوهة وهدامة…. فهذا أمر خطير يتنافى مع روح الديمقراطية وان بذرة الديكتاتورية تبدأ هكذا بالتشبث بالرأي و«تخوين» الآخر والاستهتار به ثم التفرد بالحكم لتفويت الفرصة على الأعداء المناوئين فالاستبداد مثل الشرك يدب دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء على الصخرة الصماء.

بتلك الحركة استطاع المالكي ضرب عصفورين بحجر واحد … تبرئته من سبب الفشل الإداري .. وأيضاً تشويه سمعة حزبه والاحزاب الاسلامية ومنها التيار المتخلف المسمى اعتباطا وظلما بتيار الاحرار فمالذي يجعل المالكي تتخاذل عن الإستفادة من العلماء الفعليين والساسة الفنيين لأنه تهديد لكيانهم .. أشخاص كهؤلاء قد يستميلون قلوب الشعوب ويكونون قدوة لهم .. وبهذا فإن توجه هذا الشخص الناجح توجهاً غير الذي يرضاه المالكي (وإن كان التوجه في مصلحة الشعب) ، فهو يعتبر تهديداً له.

إذن الحل الأمثل هو تجاهلهم تماماً بل ومحاولة قتلهم حتى لا تكون لهم كلمة .. إن الكوادر والطاقات العلمية العراقية كما يبدو هي تهديد للكيان الحكومي المالكي .. حتى وإن كانوا في مصلحة الشعب .. ولكن مصلحة المالكي أولى .. فدرء المفاسد مقدم على جلب المصالح فيما يتعلق بالسياسيين والحكام .. بل نحن لدينا الكفاءات ولدينا القدرة على تحسين الوضع .. ولكن السياسات المالكية وإداراتها هي أكبر عائق وهي أكبر سبب في التخلف والضعف الحكومي حين يكتب التاريخ صفحات حكم المالكي سيتعجب المؤرخون كيف أفلت العراق بأعجوبة من كارثة الانهيار طيلة فترة حكمه فقد فشل في الحفاظ علي معدل نمو وتطورت الويلات الاجتماعية للبطالة والفقر واضطرب النظام المالي. فكل المؤشرات تشير إلي أن معدل النمو في العراق أقل من معدله الطبيعي وان اقتصاده ستسقط في مصيدة الركود, وأن براعم الانتعاش في الاقتصاد العراقي هشة وقابلة للتراجع في كل لحظة, السبب ليس في عدم وجود حلول ولكن في عجز الرؤية والإرادة السياسية اللازمة لاتخاذ القرارات الصعبة والارتكان بدلا من ذلك إلي سياسة ركل الدلو أسفل الطريق. حالة الاستقطاب بين إدارةالمالكي والكتل السياسية ومجلس النواب حالت دون التوصل إلي اتفاق علي خطة قصيرة الأجل وأخري تعالج الوضع الهيكلي في الموازنة العامة في الأمد المتوسط, تجمع برامج الرعاية الاجتماعية وتمكن الاقتصاد من إعادة شحن محركات النمو. استمرار حالة الاستقطاب في عام الحملة الانتخابية المحلية يبدد الأمل في أي تغيير جذري ويجعل تأجيل الاصلاح أمرا لا مفر منه, وهو ما سيجعل الاقتصاد العراقي تحت مقصلة الفساد التي لم تتورع عن توجيه أول ضربة قوية له .

الإخفاق السياسي الأكبر تردي شعبية المالكي وحزبه في ظل هذه الأجواء السياسية المعقدة حيث كل الأطراف تتجه إلي انتهاج سياسات مالية تتميز بالفساد ادت الى تخفيض سعر الدينارا بل لأن قادتها السياسيين غير قادرين علي الاتفاق علي خطوات منسقة ومتسقة للاصلاح والنمو في الوقت ذاته. فلا توجد في خطط السياسيين العراقيين جميعا وبالاخص المالكي في تغيير نمط للنمو بل في إثراء النخبة وفقرالفقراء تحمل تبعات ضغوط تضخمية لا طاقة علي احتماله مع انفجار التوتر الاجتماعي.

ان السياسات المتخبطة أوجدت رفضا عاما قد يصل للعصيان المدني وبطالة تتزايد اعدادها واحتياطي يتراجع ودينار يترنح امام الدولار، تلك هي ابرز ملامح الفاتورة الاقتصادية التي تتحملها البلاد جراء ما يمكن ان يطلق عليه فشل سياسي في ادارة الازمات التي تتوالي يوما بعد يوم وتتزايد حدتها بعناد مؤسسة الرئاسة في المقام الاول وعدم سعيها لتقريب وجهات النظر والاستماع لرؤي المعارضة ومحاولة اتباع ما يتم الاتفاق عليه بانه الاصلح للكل وليس لفصيل بعينه, فالخلافات تتسع والهوة تتزايد وفي المقابل تمضي الإدراة الدعوية بخطواتها غير مدركة ان ما يحدث قد ادخل البلاد بالفعل في نفق مظلم أول من تحمل تبعاته هو الاقتصاد الذي اصبح اليوم في وضع شديد السوء ولايعلم أحد أن كان يمكنه الاستمرار والصمود في ظل تلك الممارسات أم لا.

أن الجميع لايريد الهدوء وإعطاء الفرصة للآخر كي يتم الحكم علي أداءه بشكل حقيقي مؤكدا أن الجميع يدفع الثمن. وبالتالي يتطلب عودة الهدوء للشارع كي تعود الأسواق لطبيعتها ويتم تشغيل عجلة الإنتاج بكامل طاقتها لأن ذلك هو السبيل لإصلاح كافة الأوضاع وتلبية الاحتياجات الملحة لكافة أفراد وطبقات الشعب العراقي: إنه لاشك في أن هناك مشكلة حقيقية بالإدارة المالكية التي لم تتخذ بعد أي خطوات إيجابية بل علي العكس فان الجهاز الحكومي بدأ يتوحش ويتصرف بعشوائية فقد يؤدي انهيار كامل للدولة.

الثورة قادمة تعقبها ثورة جياع في حال استمرار الوضع القائم دون تحسن و الي بعض الإجراءات العاجلة التي يستوجب اتخاذها للخروج من الوضع القائم والحفاظ علي دوران عجلة الاقتصاد ، وتشجيع المستثمرين العراقيين والأجانب بمنحهم إعفاء ضريبيا. أن الاقتصاد يعد هو بالفعل من يتحمل نتائج التحركات الخاطئة للقيادة السياسية بانعكاس ما يحدث علي تدهور الأداء الاقتصادي وارتفاع للبطالة وما يترتب عليها من مشكلات اجتماعية قد يكون اهمها الجريمة فضلا عن ذلك ارتفاع في أسعار السلع والخدمات بما يعني تدهور الدخل الحقيقي للمواطن وبالتالي تزداد مساحة الفقر وحدته ايضا.

أن ما يخشاه ان يترتب علي هذه الاوضاع ثورة جياع وفي هذه الحالة لن يفيد الحوار وسنظل نبكي علي ما فات من فرص دون تحقيق نتائج لذلك يجب أن تكون هناك إجراءات تتمثل في قرارات سيادية تصدر بشأن تحقيق المصالحة الوطنية بين أبناء المجتمع تلك هي الخطوة الأولي لكي يستطيع الاقتصاد أن يستعيد قوته المفقودة وأن يكون هناك جدول زمني لتحقيق العدالة الاجتماعية.

في علم التحليل السياسي أن التخلف الحكومي لا يؤدي بالضرورة إلي تقويض أركان الدولة وانهيارها في حين يؤدي التخلف السياسي إلي العصف بالدولة ككيان سياسي بالكامل والتخلف كمفهوم عام هو العجز عن أداء العمل بأنواعه، أما عن المفهوم السياسي للتخلف فهو العجز عن ممارسة السلطة وعجز المعارضة عن أن تكون بديلاً موضوعياً للسلطة في ظل النظم الليبرالية التي تعتمد الديمقراطية كوسيلة مشروعة لتداول السلطة ، أوالتخلف عن ممارسة السلطة دون وضع أي إعتبار ووزن للمعارضة في ظل النظم الديكتاتورية وعلي رأسها النظم الثيوقراطية التي تحكم باسم الله علي الأرض ، في أسوأ صور الاحتيال السياسي علي الشعوب, لافتا الي ان الحالة العراقية يحكمها الفشل الثيوقراطي للحزب الدعوة ، الذي يتعارض ة مع علم السياسة،, وقد وقع النظام المتخلف سياسياً و عندما قرر السيد المالكي العناد , و تجاوز الإرادة االشعبية في كل المؤسسات التي أعاد تشكيلها لصالح جماعته امام ثورة الشعب العراقي و التهديدات الداخلية كتحديات مؤثرة في الأمن القومي ، ومن هنا يمكننا رسم دائرتين أساسيتين للأمن القومي االعراقي هما: دائرة الأمن الإقليمي الذي يتمثل في العلاقة مع باقي دول الإقليم الجغرافي الذي تنتمي إليه الدولة ودائرة الأمن الوطني الداخلي الذي يركز علي الاستقرار السياسي، والتنمية المستدامة لاشباع الحاجات الأساسية للجماهير، وعدم حدوث صراعات طائفية أو توترات اجتماعية أو نزعات فكرية متطرفة.

أن الحكم المالكي سقط سقوطاً مدوياً لعدم قدرته علي تحقيق الاستقرار السياسي في البلاد نتيجة للسياسات المتخبطة المرتبطة بالمؤسسات الفاشلة إدارياً لانعدام الكفاءات فيها، بمن تم اختياره منهم لرئاسة الجمهورية الخزاعي المتخلف ومجلس النواب العديم الفائدة ، كما حدثت في الشارع بوادر الفتنة الطائفية بين المكونات الاجتماعية ولتحقيق مكاسب سياسية ضيقة في صورة مقيته للانتهازية السياسية ثم يأتي دور التنمية المستدامة لإشباع الحاجات الأساسية للشعب وهو الدور الذي لا يعرف له النظام الحالي مخرجا سوي سلسلة الأكاذيب المستمرة من عيار حل مشكلة الاسكان والتعليم بنسبة مرتفعة أو وصول الحالة الامنية لدرجة متقدمة في تصريح آخر للمالكي نفسه ، وهي التصاريح المثيرة للسخرية ولا يبقي إلا أن يصرح بأن نسبة تلبية الحاجات الأساسية للجماهير وصلت إلي 95.4%، أن الأزمات تتوالي علي العراق كأنها حلقات في سلسلة ليس لها أول ولا آخر وكنا قد تخيلنا أن قيام التغيير في 2003سوف يكسر تلك السلسلة حتي تبدأ العراق عهدا جديدا تقل فيه الأزمات ليعيش الناس حياة طبيعية كسائر خلق الله ولقد ظهر في العالم فرع جديد من العلم التطبيقي يسمي إدارة الأزمات معني بكيفية التعامل مع المواقف غير المتوقعة والعصيبة التي تتعرض لها المنظمات والدول للتغلب علي الأزمات لافتا الي ان ما تتعرض له العراق الآن أزمة عصيبة عميقة الجذور متعددة الأبعاد أزمة اقتصادية بل كارثة أقتصادية، أزمة سياسية أزمة أمنية، أزمة اجتماعية، أزمة ثقافية أخلاقية, وللأسف لم يلح في الأفق أي بوادر لتشخيص لتلك الأزمات أو ملامح لخطة للتصدي لها، ولعل أقرب أزمة هزت العراق مؤخراً والتي بدأت بتظاهرات المنطقة الغربية وكأن السلطات الأمنية والسياسية كانت مغيبة تماما ولم تتوقع ردود الأفعال من الجانبين وتعد العدة المناسبة لمواجهة ذلك الغضب (بدون خسائر في الأرواح أو إهدار لحقوق الإنسان) فلم نجد أن هناك استيعاب الدرس جيداً ولم تفطن إلي أن هناك في العالم من الأساليب التكنولوجية والأمنية التي تمكنهم من التصدي لمثل تلك الأحداث بدون دماء.

ان الأزمات المعقدة والمتشابكة التي تعاني منها العراق الآن ليس أمنياً بأي حال من الأحوال ، ولكن الحل لعبور تلك الأزمات يتطلب أسلوبا غير تقليدي علي مستويات عده محاط بإطار سياسي يشمل الفرقاء في العراق ويعيد بناء الثقة ، وإذا ركز النظام علي أن حل المشكلة هو حل أمني فإن ذلك أكبر دليل علي عدم استفادتهم من دروس الماضي ولن يؤدي إلي إلا مزيد من تعميق المشكلة وليس حلها، والدليل علي ذلك تحدي المواطنين للدولة والتي جعلوا منها اضحوكة ومثارا للسخرية، مما وضع السلطات السياسية في وضع لا تحسد عليه وافقدها الكثير من هيبتها, مشددا علي ان عدم وجود حل ملموس للأزمات التي تعاني منها العراق يعني تضخم فاتورة الخسائر بشكل كارثي، ولن يدفع طرف واحد هذه الفاتورة انما سوف تطول الجميع , يبدو كذلك أن رئيس الحكومة ما زال في منزلة بين منزلتين ، بحيث لم يقم المسافة الضرورية بين مسؤوليته الحزبية ودوره الحكومي، ولم ينه بعد حملته الانتخابية لمباشرة مسؤولية رئاسة الحكومة باقتناع وبتركيز وحرص على إقناعالعراقيين جميعهم بأنه رئيس حكومتهم وليس رئيس حزب هكذا يبدو أن الانفصام ، أو السكيزوفرينيا ، ملازمان لحكومة المالكي.

رقم التحضير : 8
الطالب : محمود علواني
الرقم الجامعي : 429107935
المادة : التنمية السياسية (التخلف السياسي)

السياسة شرعية

كاتب الموضوع الأصلي: محمود

السياسة شرعية

تعريف وتأصيل

محمد بن شاكر الشريف

حاجاتنا إلى السياسة الشرعية
السياسة الشرعية باب من أبواب العلم والفقه في الدين، وفي قيادة الأمة وتحقيق مصالحها الدينية الدنيوية، جليل القدر عظيم النفع، أفرده جماعة من العلماء بالتصنيف في القديم والحديث، وانتشرت كثير من مباحثه أو مسائلة في بطون كتب التفسير والفقه والتاريخ وشروح الحديث، وهذا الباب خطره عظيم ينتج عن الغلط فيه وعدم الفهم له شر مستطير، والخطأ في التفريط فيه كالخطأ في الإفراط؛ إذ كلاهما يقود إلى نتائج مرذولة غير مقبولة، وقد وضح ذلك شيخ الإسلام ابن القيم فقال: ‘وهذا موضع مزلة أقدام، ومضلة أفهام، وهو مقام ضنك، ومعترك صعب، فرط فيه طائفة فعطلوا الحدود، وضيعوا الحقوق، وجرءوا أهل الفجور على الفساد، وجعلوا الشريعة قاصرة لا تقوم بمصالح العباد محتاجة إلى غيرها، وسدوا على نفوسهم طرقًا صحيحة من طرق معرفة الحق والتنفيذ له وعطلوها .. وأفرطت فيه طائفة أخرى قابلت هذه الطائفة، فسوغت من ذلك ما ينافي حكم الله ورسوله، وكلتا الطائفتين أتيت من تقصيرها في معرفة ما بعث الله به رسوله وأنزل به كتابه’
وإدراكًا منَّا لأهمية هذا الباب وموقعه من الدين وحاجة الناس إليه، فقد رأينا أن نجعل له زاوية دورية في المجلة؛ سائلين الله تعالى أن يتحقق المقصود منها، وأن تقوم بالدور المراد منها على الوجه الذي يحب ربنا ويرضى، الله من وراء القصد.

ـ السياسة في اللغة:
لفظ ‘السياسة’ في لغة العرب محمل بكثير من الدلالات والإرشادات والمضامين، فهي إصلاح واستصلاح، بوسائل متعددة من الإرشاد والتوجيه والتأديب والتهذيب والأمر والنهي، تنطلق من خلال قدرة تعتمد على الولاية أو الرئاسة. وما جاء في معاجم اللغة يدل على ما تقدم، فقد جاء في تاج العروس في مادة سوس: ‘سست الرعية سياسة’ أمرتها ونهيتها، والسياسة القيام على الشيء بما يصلحه’، وفي لسان العرب في المادة نفسها: ‘السوس: الرياسة، وإذا رأسوه قيل سوسوه، وأساسوه، وسوس أمر بني فلان: أي كلف سياستهم، وسُوِّس الرجل على ما لم يسم فاعله: إذ ملك أمرهم، وساس الأمر سياسة: قام به، والسياسة: القيام على الشيء بما يصلحه.
والسياسة: فعل السائس يقال: هو يسوس الدواب إذا قام عليها وراضها، والوالي يسوس رعتيه’.
والإصلاح في ‘السياسة’ ليس مجرد هدف أو غاية تسعى السياسة في حركتها لتحقيقه، بل هو السياسة نفسها وحقيقتها، إذا فقدته فقد فقدت نفسها.

ـ السياسة في النص الشرعي:
لم يرد لفظ ‘السياسة’ ولا شيء من مادته في كتاب الله سبحانه وتعالى، وإن جاء الحديث فيه عن الصلاح والإصلاح والأمر والنهي والحكم وغير ذلك من المعاني التي اشتمل عليها لفظ ‘السياسة’. وإما السنة فقد جاء قوله صلى الله عليه وسلم: ‘كادت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي …’، وقوله صلى الله عليه وسلم: ‘تسوسهم الأنبياء’؛ أي: تتولى أمورهم كما يفعل الأمراء والولاة بالرعية’.

ويتبين بما تقدم أن السياسة في الشريعة استخدمت بمعناها اللغوي. وهي تعني:
القيام على شأن الرعية من قِبَل ولاتهم بما يصلحهم من الأمر والنهي والإرشاد والتهذيب، وما يحتاج إليه ذلك من وضع تنظيمات أو ترتيبات إدارية تؤدي إلى تحقيق مصالح الرعية بجلب المنافع أو الأمور الملائمة، ودفع المضار والشرور أو الأمور المنافية.
وهذا التعريف يبرز الجانب العملي للسياسة، فالسياسة هنا إجراءات وأعمال وتصرفات للإصلاح، وعلى ذلك فإن سياسة الرعية تتطلب القدرة على القيادة الحكيمة التي تتمكن من تحقيق الصلاح عن طريق إتقان التدبير وحسن التأتي لما يراد فعله أو تركه، وهذا بدوره يحتاج إلى معرفة تامة بما تتطلبه القيادة والرئاسة من خبرة وحنكة، وقدرة على استعمال واستغلال الإمكانات المتاحة على الوجه الأمثل الذي يتحقق المراد المطلوب.
وقد جاء من كلام أهل العلم عن السياسة ما يدل لذلك، فمن ذلك: قال ابن جرير الطبري ـ رحمه الله ـ في بيان السبب الذي من أجله جعل عمر ـ رضي الله عنه ـ أمر الخلافة في الستة الذين اختارهم: ‘لم يكن في أهل الإسلام أحد له من المنزلة في الدين والهجرة والسابقة والعقل والعلم، والمعرفة بالسياسة؛ ما للستة الذين جعل عمر الأمر شورى بينهم’.
وقال ابن حجر ـ رحمه الله ـ: ‘والذي يظهر من سيرة عمر في أمرائه الذين كان يؤمرهم في البلاد أنه كان لا يراعي الأفضل في الدين فقط، بل يضم إليه مزيد المعرفة بالسياسة مع اجتناب ما يخالف الشرع منها’، ومما ورد في ذلك أيضًا ما جاء في شرح قول النبي صلى الله عليه وسلم: ‘يا عائشة، لولا قومك حديث عهدهم بكفر لنقضت الكعبة، فجعلت لها بابين؛ باب يدخل الناس، وباب يخرجون’، والذي ترجم له البخاري في صحيحه بقوله: باب من ترك بعض الاختيار مخالفة أن يقصر فهم بعض الناس عنه فيقعوا في أشد منه’، قال ابن حجر: ‘ويستفاد منه أن الإمام يسوس رعيته بما فيه إصلاحهم، ولو كان مفضولاً، ما لم يكن محرمًا’.
والسياسة فيما تقدم مجالها رحب فسيح، فهي ليست مقصورة على شيء أو محجوزة عن شيء؛ إذ هي ‘القيام على الشيء ـ بما يحمله لفظ الشيء من العموم والشمول، ـ بما يصلحه’، فيعمل بنا كل صاحب ولاية في تدبير أمر ولايته.
ومن أمثلة السياسة في عصر الراشدين ـ رضي الله عنهم ـ ما قام به أبو بكر رضي الله عنه من استخلافه لعمر رضي الله عنه، وما قام به عمر من جعل أمر الخلافة شورى في ستة من أفاضل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم رعاية لمصلحة الأمة وتجنيبها مضرة الاختلاف، ومن ذلك جمع عثمان رضي الله عنه المسلمين على مصحف واحد، وإحراق ما سواه من المصاحف؛ لأن ذلك يحقق المصلحة من الائتلاف والاتفاق، ويدفع مضرة التفرق والاختلاف، وكذلك ما أمر به عثمان من إمساك ضوال الإبل لما ضعفت الأمانة، وصار تركها مضيعًا لها على أصحابها، ومن ذلك نفي عمر بن الخطاب لنصر بن حجاج لما افتتنت بعض النساء بجماله ـ من غير ذنب أتاه ـ لما كان في ذلك تحقيق مصلحة العفة والطهارة، ودفع مضرة تعلق القلوب به، ومن أمثلة ما تلاهم من عصور تسعير السلع التي يضطر إليها الناس إذا تمالأ التجار على رفع سعرها بغير مسوغ يدعو لذلك، فكان في التسعير دفع مضرة الظلم عن الرعية من غير ظلم للتجار، والأمثلة في هذا كثيرة، والجامع بينها تحقيق المصلحة ودفع المضرة من غير مخالفة للشريعة.

ـ السياسة عند الفقهاء:
هناك اتجاهان عند الفقهاء في نظرتهم للسياسة:
الاتجاه الأول:
ويمثله قول أبي الوفاء بن عقيل الحنبلي: ‘السياسة ما كان من الأفعال؛ بحيث يكون الناس أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد، وإن لم يشرعه الرسول صلى الله عليه وسلم ولا نزل به وحي’، وقد قيده بقوله: ‘ما لم يخالف ما نطق به الوحي’ وعلى هذا النحو يحمل كلام ابن نجيم الحنفي، حيث يقول في باب حد الزنا: ‘وظاهر كلامهم هاهنا أن السياسة هي فعل شيء من الحاكم لمصلحة يراها، وإن لم يرد بذلك الفعل دليل جزئي’، وكلام ابن نجيم يحتمل أن يصيب في الاتجاه الثاني كما يأتي، وكلام ابن عقيل أدق منه وأسد؛ لأنه قيد تحقيق المصالح ودرء المفاسد بعدم مخالفة الشريعة، وقد يكون هذا أيضًا مراد ابن نجيم، لكن عبارته قصرت عن ذلك، وهذا الاتجاه موافق لما تقدم ذكره من أمثلة السياسة.
والاتجاه الثاني:
وهو اتجاه يضيق مجال السياسة ويحصرها في باب الجنايات أو العقوبات المغلظة، وقد تجعل أحيانًا مرادفة التعزير، وهذا الاتجاه غالب على الفقه الحنفي في نظرته للسياسة، قال علاء الدين الطرابلسي الحنفي: ‘السياسة شرع مغلظ’.
وقد ‘نقل العلامة ابن عابدين ـ الحنفي ـ عن كتب المذهب: أن السياسة تجوز في كل جناية والرأي فيها إلى الإمام، كقتل مبتدع يتوهم منه انتشار بدعته وإن لم يحكم بكفره .. ولذا عرفها بعضهم بأنها تغليط جناية لها حكم شرعي حسمًا لمادة الفساد، وقوله: لها حكم شرعي معناه أنها داخلة تحت وقاعد الشرع وإن لم ينص عليها بخصوصه .. ولذا قال في البحر: ظاهر كلامهم أن السياسة هي فعل شيء من الحاكم لمصلحة يراها، وإن لم يرد بذلك الفعل دليل جزئي’.
وقال بعض علماء الحنفية: ‘والظاهر أن السياسة والتعزيز مترادفان، ولذا عطفوا أحدهما على الآخر لبيان التفسير كما وقع في الهداية والزيلعي وغيرهما’.
وتضييق هذا الاتجاه لمعنى السياسة وحصرها فيما حصرها فيه ليس بسديد؛ ‘إذ السياسة قد تكون بغير التغليظ، وبغير العقوبة، وقد تكون بتخفيف العقوبة أو تأجيلها أو إسقاطها إذا وجدت موجبات التخفيف أو الإسقاط، فالرسول صلى الله عليه وسلم لم يقتل المنافقين مع علمه بأعيانهم لما يترتب على ذلك من المفسدة، وقال: ‘لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه’، وترك تأديب أو تعنيف الأعرابي الذي بال في المسجد تقديرًا لظروف بداوته وجهله، ونهى عن قطع الأيدي أو إقامة الحد في الغزو تأخيرًا للحد لمصلحة راجحة؛ إما لحاجة المسلمين إليه، أو خوف اللحاق بالمشركين’.
وأيضًا فإن عهد أبي بكر لعمر بالخلافة، وكذلك جعلها عمر شورى في ستة من الصحابة، وعمل عمر الديوان، وجمع عثمان للمصحف الإمام وتحريق ما عداه ليس من العقوبة في شيء.

ـ السياسة الشرعية:
تنقسم السياسة بحسب مصدرها على قسمين كبيرين: سياسة دينية، وسياسة عقلية، وقد بين ذلك ابن خًُلدون عندما تحدث عن وجوب وجود قوانين سياسية مفروضة في الدولة يسلم بها الكافة، فقال: ‘فإذا كانت هذه القوانين مفروضة من العقلاء وأكابر الدولة وبصرائها كانت سياسة عقلية، وإن كانت مفروضة من الله بشارع يقررها ويشرعها كانت سياسة دينية’.
وانطلاقًا من تقسيم ابن خُلدون للسياسة؛ فإنه بين أنواع النظم السياسية القائمة عليه، فيقول: ‘الملك السياسي: هو حمل الكافة على مقتضى النظر العقلي في جلب المصالح الدنيوية ودفع المضار، والخلافة هي حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها’.
وابن خلدون رحمه الله في حديثه عن القوانين السياسية يبرز الجانب الكلي أو المعياري لها بوصفها تشريعات ضابطة أو حاكمة، وحديثه في هذا المجال يقترب من الحديث عن ‘الأحكام السلطانية’.
ومن هنا ومما تقدم يتبين أن للسياسة جانبين: أحدهما معياري كلي ‘تأصيلي’، والآخر عملي تطبيقي، والسياسة الشرعية ما كانت مراعية للشرع في الجانبي، تلتزم به وتتقيد، ولا تخرج عنه.
والذي يظهر لي أن عبارة ‘السياسة الشرعية’ لم تكن مقيدة أولاً بقيد ‘الشرعية’؛ انطلاقًا من أن السياسة هي الإصلاح، ولا إصلاح حقيقيًا إلا بالشرع، فكان إطلاق لفظ ‘السياسة’ بدون قيد كافيًا في إفادة المطلوب من عبارة ‘السياسة الشرعية’، ثم مع ضعف العلم وعدم الفقه الجيد لسياسة الرسول صلى الله عليه وسلم عند الولاة وعند من تقلد لهم القضاء؛ صارت ‘السياسة’ تخالف الشرع، فاحتيج إلى تقييد السياسة بالشرعية لإخراج تلك السياسة الظالمة من حد القبول، وتسمى السياسة الشرعية أحيانًا بالسياسة العادلة. وقد تحدث شيخ الإسلام عن هذا التغيير الحاصل في السياسة وبَيَّن سببه، فقال: ‘لما صارت الخلافة في ولد العباس، واحتاجوا إلى سياسة الناس وتقلد لهم القضاء من تقلده من فقهاء العراق، ولم يكن ما معهم من العلم كافيًا في السياسة العادلة؛ احتاجوا حينئذ إلى وضع ولاية المظالم، وجعلوا ولاية حرب غير ولاية شرع، وتعاظم الأمر في كثير من أمصار المسلمين حتى صار يقال: الشرع والسياسة … والسبب في ذلك أن الذين انتسبوا إلى الشرع قصروا في معرفة السنة، فصارت أمور كثيرة إذا حكموا ضيعوا الحقوق، وعطلوا الحدود، حتى تسفك الدماء، وتؤخذ الأموال وتستباح المحرمات، والذين انتسبوا إلى السياسة صاروا يسوسون بنوع من الرأي من غير اعتصام بالكتاب والسنة’.
ويقول ابن القيم رحمه الله: ‘ومن له ذوق في الشريعة، وإطلاع على كمالاتها، وتضمنها لغاية مصالح العباد في المعاش والمعاد ومجيئها بغاية العدل الذي يسع الخلائق، وأنه لا عدل فوق عدلها، ولا مصلحة فوق ما تضمنته من المصالح، تبين له أن السياسة العادلة جزء من أجزائها وفرع من فروعها، وأن من له معرفة بمقاصدها ووضعها، وحسن فهمه فيها؛ لم يحتج معها إلى سياسة غيرها البتة، فإن السياسة نوعان: سياسة ظالمة فالشريعة تحرمها، وسياسة عادلة تخرج الحق من الظالم الفاجر، فهي من الشرعية، علمها من علمها وجهلها من جهلها’، إلى أن يقول: ‘فلا يقال: إن السياسة العادلة مخالفة لما نطق به الشرع، بل هي موافقة لما جاء به، بل هي جزء من أجزائه، ونحن نسميها سياسة تبعًا لمصطلحهم، وإنما هي عدل الله ورسوله’.

ـ الفقه في السياسة الشرعية:
تواجه السياسة الشرعية نوعين من المسائل:
أحدهما: جاءت فيه نصوص شرعية.
والثاني: لم تأت فيه نصوص بخصوصه.
والفقه في النوع الأول يكون عن طريق:
1ـ فهم النصوص الشرعية فهمًا جيدًا، ومعرفة ما دلت عليه، والتنبه للشروط الواجب توافرها في تطبيق الحكم والموانع التي تمنع من تنفيذه، ثم يلي ذلك تطبيق الحكم وتنفيذه.
2ـ التمييز بين النصوص التي جاءت تشريعًا عامًا يشمل الزمان كله، والمكان كله ـ وهذا هو الأصل في مجيء النصوص ـ، وبين النصوص التي جاءت الأحكام فيها معللة بعلة، أو مقيدة بصفة، أو التي راعت عرفًا موجودًا زمن التشريع، أو نحو ذلك.
والأول يسميه ابن القيم: ‘الشرائع الكلية التي لا تتغير بتغير الأزمنة’، بينما يسمي الثاني: ‘السياسات الجزئية التابعة للمصالح فتتقيد بها زمانًا ومكانًا’.
ومن مسائل هذه السياسات ‘النوع الثاني’ منع عمر بن الخطاب رضي الله عنه سهم المؤلفة قلوبهم عن قوم كان يعطيهم إياه، وذلك لزوال تلك الصفة عنهم، فإنما كانوا يعطون لاتصافهم بهذه الصفة لا لأعيانهم، فلما زالت الصفة منع السهم عنهم، وليس في هذا تغيير للحكم وإنما هو إعمال له، وهو من باب السياسة الشرعية، وكذلك أمر عثمان رضي الله عنه بإمساك ضوال الإبل مع أن المنع من إمساكها مستفاد من سؤال أحد الصحابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن إمساك الإبل فقال: ‘ما لك ولها، معها حذاؤها وسقاؤها ـ ترد الماء وتأكل من الشجر ـ حتى يلقاها ربها’، ومع النظرة الثاقبة في الحديث يتبين دقة فهم عثمان رضي الله عنه، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم قد ظهر من كلامه أنه يفتي عن حالة آمنة تأكل فيها الإبل من الشجر وتشرب من الماء، من غير أن يلحقها ضرر حتى يجدها صاحبها، فأما إذا تغير حال الناس ووجد منهم من يأخذ الضالة، صار هذا الحال غير متحقق، فإنها إذا تركت في هذه الحالة لن يجدها صاحبها، ومن هنا أمر بإمساكها وكذلك نقول: لو أن حالة الناس من حيث الأمانة لم تتغير، وإنما كان الناس يعيشون بجوار أرض مسبعة، وكان في تركها هلاك لها حتى يأكلها السبع؛ لكان الأمر بإمساكها هو المتعين حفظًا لأموال المسلمين، وهذا من السياسة الشرعية، والأمثلة في ذلك كثيرة.
والنوع الثاني من المسائل: وهو ما لم تأت فيه نصوص بخصوصه، فإن الفقه فيه يكون عن طريق الاجتهاد الذي تكون غايته تحقيق المصالح ودرء المفاسد، والاجتهاد هنا ليس لمجرد تحصيل ما يتوهم أنه مصلحة أو درء ما يتوهم أنه مفسدة، بل هو اجتهاد منضبط بضوابط الاجتهاد الصحيح، وذلك من خلال:
1ـ أن يجري ذلك الاجتهاد في تحقيق المصالح ودرء المفاسد في ضوء مقاصد الشريعة تحقيقًا لها وإبقاء عليها، والاجتهاد الذي يعود على المقاصد الشرعية أو بعضها بالإبطال هو اجتهاد فاسد مردود، وإن ظهر أنه يحقق مصلحة، أو يدرأ مفسدة.
2ـ عدم مخالفته لدليل من أدلة الشرع التفصيلية، إذ لا مصلحة حقيقية ـ وإن ظهرت ببادي الرأي ـ في مخالفة الأدلة الشرعية.
والنوعان الأول والثاني من المسائل قد تحتاج كل منهما ـ وخاصة في هذا العصر ـ لضمان حسن تطبيقه وتنفيذه إلى إنشاء هيئات أو مؤسسات تكون مسؤولة عن التطبيق والتنفيذ، وإنشاء هذه الهيئات أو المؤسسات في ظل موافقة مقاصد الشريعة وعدم مخالفتها لنصوصها التفصيلية؛ هو من السياسة الشرعية.
والاجتهاد في مسائل السياسة الشرعية قد يؤدي إلى ‘استنباط أحكام اجتهادية جديدة تبعًا لتغيير الأزمان مراعاة لمصالح الناس والعباد، أو نفي أحكام اجتهادية سابقة إذا ما أصبحت غير محصلة لمصلحة أو مؤدية لضرر أو فساد، أو غير مسايرة لتطور الأزمان والأحوال والأعراف، أو كانت الأحكام الاجتهادية الجديدة أكثر تحقيقًا للمصالح ودفعًا للمفاسد.

ـ السياسة الشرعية والنظم السياسية:
مما تقدم يتبين أن موضوعات السياسة الشرعية كثيرة، وأن أحد موضوعاتها هو التشريعات السياسية التي تسير بمقتضاها الدولة أو بالتعبير القديم ‘الأحكام السلطانية’، أو بالتعبير المعاصر ‘النظام السياسي’، فإن البحث في النظام السياسي الإسلامي وتطبيقه في الواقع والاجتهاد في تكوين مؤسساته، ووضع النظم واللوائح المنظمة لذلك؛ هو مما يدخل في السياسة الشرعية، ولمكانة هذا الموضوع من السياسة الشرعية؛ فإن بعض أهل العلم المعاصرين قد عرف السياسة الشرعية به فقال: ‘فالسياسة الشرعية هي تدبير الشؤون العامة للدولة الإسلامية بما يكفل تحقيق المصالح ودفع المضار؛ مما لا يتعدى حدود الشريعة وأصولها الكلية، والمراد بالشؤون العامة للدولة كل ما تتطلبه حياتها من نظم، سواء أكانت ‘دستورية’ أم مالية أم ‘تشريعية’ أم قضائية أم تنفيذية، وسواء أكانت من شؤونها الداخلية أم علاقاتها الخارجية، فتدبير هذه الشؤون، ووضع قواعدها بما يتفق وأصول الشرع هو السياسة الشرعية’، وعلم السياسة الشرعية على ذلك هو ‘علم يبحث فيه عما تدبر به شؤون الدولة الإسلامية من القوانين والنظم التي تتفق وأصول الإسلام، وإن لم يقم على كل تدبير دليل خاص’. ولا شك أن هذا من السياسة الشرعية لكنه جزء من أجزائها كما تقدم، ويدخل في ذلك الرد على الشبه التي تثار حول السياسة الشرعية، وعليه فإن التعرض للنظم المناقضة للنظم الإسلامية وبيان فسادها وبطلانها يدخل في علم السياسة الشرعية.

ـ متطلبات النظر في السياسة الشرعية:
نظرًا لطبيعة السياسة الشرعية على الوجه المتقدم بيانه، فإنه يلزم الناظر فيها والمتفقه أمور منها:
ـ المعرفة التامة بأن الشريعة تضمن غاية مصالح العباد في المعاش والمعاد، وأنها كاملة في هذا الباب صورة ومعنى؛ بحيث لا تحتاج إلى غيرها؛ فإن الله تعالى قد أكمل الدين وقال: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة:3]، ومنها الاطلاع الواسع على نصوص الشريعة مع الفهم لها ولما دلت عليه من السياسة الإلهية أو النبوية، ومنها المعرفة الواسعة الدقيقة بمقاصد الشريعة، وأن مبناها على تحصيل المصالح الأخروية والدنيوية ودرء المفاسد، ومنها التفرقة بين الشرائع الكلية التي لا تتغير بتغير الأزمنة، والسياسات الجزئية التابعة للمصالح التي تتقيد بها زمانًا ومكانًا، ومنها المعرفة بالواقع والخبرة فيه، وفهم دقائقه، والقدرة على الربط بين الواقع وبين الأدلة الشرعية، ومنها دراسة السياسة الشرعية للخلفاء الراشدين والفقه فيها،ومنها معرفة أن الاجتهاد في باب السياسة الشرعية ليس بمجرد ما يتصور أنه مصلحة وإنما يلزم التقيد في ذلك بالمصالح المعتبرة شرعًا، ومنها رحمة الناظرين في هذا الباب بعضهم بعضًا عند الاختلاف في مواطن الاجتهاد

رقم التحضير : 8
الطالب : محمود علواني
الرقم الجامعي : 429107935
المادة : التنمية السياسية (التخلف السياسي)

السياسة الاجتماعية

كاتب الموضوع الأصلي: محمود

السياسة الاجتماعية ..

أولا : مفهوم السياسة الاجتماعية

السياسة الاجتماعية هي السياسة التي تهيىء وتوجه سُبُل الرفاهية في المجتمع مثل الصحة، العمل، العيش الطيب، أي تحقيق رفاهية المجتمع ومعالجة أمراضه ومشكلاته.
وعندما نتحدث عن السياسة الاجتماعية، إنما نتحدث عن سياسة يدخل فيها كل المقومات المتعارف عليها في شتى فروع علم الاجتماع على اختلاف الصفات التي تلحق بها.
يمكن أن نتعرف على السياسة الاجتماعية من خلال المجالات التي تغطيها هذه السياسة.

ثانيا : مجالات السياسة الاجتماعية

1 – الأمن الاجتماعي.
2 ـ الخدمات الاجتماعية الشخصية.
3 ـ الصحة.
4 ـ الإسكان.
5 ـ التعليم.
وكل واحدة من هذه المجالات تمثل سياسة اجتماعية بحد ذات. «سياسة صحية، سياسة إسكانية … إلخ» تشكل السياسة الاجتماعية في مجمل السياسة التي ذكرناها.

ثالثا : بواعث السياسة الاجتماعية

تتجه بعض الدراسات المعاصرة إلى الأخذ بأن السياسات الاجتماعية لا تنبعث من دوافع إنسانية إنما تجنباً للقلاقل والاضطرابات التي قد تؤدي إلى الثورة على النظام القائم. ودليلهم على ذلك أنه عبر التاريخ فإن نظام العون الاجتماعي يتفاعل عندما تسود الإضطرابات الاجتماعية ثم تتراجع بعد استقرار الوضع، وهذا الرأي يتناقض مع القول الذي يدّعي أن العون الاجتماعي يأتي نتيجة إحساس الحكومة بمسؤوليتها.
الرأي الذي يقول أن السياسة الاجتماعية هي نتيجة مسؤولية الدولة ربما تنطبق برأي المؤلف على دول أوروبا الغربية وأميركا الشمالية بعد الثورة الصناعية.
أما الرأي الذي يقول بأن سياسة العون الاجتماعي ما هو إلا تخدير للإضطرابات الناتجة عن الفوز هو رأي الماركسية التي تسخر من مفهوم الرفاهية الرأسمالية وبرأي المؤلف فإنه لا ينبغي لنا أن نأخذ بأي رأي بالمطلق بل إن بعض الحكومات تضع سياساتها بدافع القيم الإنسانية والإحساس بالمسؤولية والبعض الآخر يعمل انطلاقاً من الاستغلال والضغط الاجتماعي.
السياسة الاجتماعية لا تنفصل عن السياسات الأخرى وهي تشكل أحد روافد السياسة العامة وهي تتأثر بمجمل هذه السياسة التي بدورها لها إنعكاسها على الرفاهية والأمن الاجتماعي.

(الرأي الأول): يقول علينا الانتباه بأن الدولة المهددة بالمخاطر على حدودها تعجز عن تأمين ما يسمى بالسياسة الاجتماعية بل يكون من أولوياتها الحفاظ على أمنها فتخصص الجزء الأكبر من ميزانيتها لتوفير الأمن العسكري الذي بدوره يؤثر على الأمن الاجتماعي فيتوفر بذلك الأمن من جهة ويتطلب بعض التضحيات على مستوى الرفاهية.
(البعض الآخر): يقول بأن أولوية الإنفاق على الأمن العسكري الجسيم يؤدي في نهاية الأمر إلى احتلال الأمن الاجتماعي (رأي المؤلف) ينبغي على الدول أن تحقق التوازن بين الإنفاق العسكري والإنفاق في المجالات الاجتماعية ذلك لتحقيق تآلف المجتمع واستقراره الذي بدوره يكون بمثابة خط الدفاع للحفاظ على الدولة وعلى الحماية من الخارج.

رقم التحضير : 8
الطالب : محمود علواني
الرقم الجامعي : 429107935
المادة : التنمية السياسية (التخلف السياسي)

فوبيا السياسة

كاتب الموضوع الأصلي: محمود

فوبيا السياسة (بحث)..د.عامرصالح

” لا يمكن أن يكون المرء بلا خوف عندما يوحي بالخوف “

ابيقور

صرح الدكتور أياد علاوي رئيس ” الكتلة العراقية ” في البرلمان لجريدة الحياة بأن الحذر من الحوار مع البعث هو ” فوبيا “. ونعتقد أن السيد علاوي كونه طبيبا فقد استخدم هذا المصطلح في سياقه الصحيح , معبرا عن حالة الخوف التي تنعدم فيها الأسباب الحقيقية لذلك , وكما يرد ذلك المصطلح في أدبيات علم النفس أو في علم الأمراض العقلية .وهنا أرى لزاما الدخول في بعض الملاحظات الضرورية الخاصة بتحديد المصطلح واستخداماته وعلاقته بظاهرة البعث والتداعيات المعقدة لذلك في الممارسة العملية للسياسة في العراق.

الفوبيا أو الخواف المرضي أو الفزع يشير إلى وجود خوف دائم وشديد من موضوع أو موقف محدد لا يستثير بالضرورة هذا الخوف, وقد يعرف المريض انه لا خطر من هذا الموضوع أو الموقف, إلا إن وعيه بذلك لا يقلل للأسف من مخاوفه, أي أن الشعور بالخوف أكثر بكثير من السبب الداعي له. ويقترن الشعور بالخوف عادة بالرغبة في الهروب بعيدا عن السبب. وهناك حالات كثيرة من الفوبيا, منها على سبيل المثال فقط : فوبيا”خواف ” العلو أو الارتفاعات ـ فوبيا البرق ـ فوبيا النار ـ فوبيا الظلمة ـ فوبيا العلاقات الاجتماعية ـ فوبيا الكلاب ـ فوبيا الموت ـ فوبيا العلاقات الجنسية ـ فوبيا الجنون ـ فوبيا الحرب ـ فوبيا الاضطهاد وغيرها.

وهناك نظريات كثيرة لتفسير الفوبيا,لا يسع المجال للخوض فيها , إلا أنني أميل إلى تبني إحدى هذه النظريات في هذا السياق,وهي نظرية الاقتران الشرطي,وهي نظرية أتباع المدرسة البافلوفية,نسبة إلى العالم الروسي ” ايفان بافلوف “, التي ترى إن الفوبيا تنشأ عن الاقتران ألزماني أو المكاني المتكرر بموضوع معين أو أكثر وفي ظروف عاطفية وانفعالية تثير الخوف , وينتهي الأمر بنسيان الفرد للظروف الأساسية المثيرة للخوف, ويبقى تعلق الخوف بالمواضيع الجديدة التي ارتبطت بها تجربته المتكررة.

وعلى هذا الأساس يجب أن نميز في السياسة بين حالتين مختلفتين تماما, الأولى هي حالة الخوف من النظام السابق عندما كان على قيد الحياة, أي الخوف هنا لأسباب منطقية واضحة المعالم, الخوف من القمع والبطش و الاضطهاد والتصفيات الجسدية والاعتقال ومختلف مظاهر الحرمان الذي مارسته أجهزة ومؤسسات النظام القمعية آنذاك,وهو الخوف المشروع بكل أبعاده. أما الحالة الثانية فهي الفوبيا ” الخواف ” من فلول النظام السابق وما تبقى من عناصره المجرمة, والتي اقترنت لدينا بإمكانيات النظام السابق وأجهزته القمعية, وهي ليست كذلك رغم ما تبديه من قدرات وإمكانيات مؤقتة, وهي بمجملها تشكل المنتوج السيئ لردة فعل إسقاط النظام,وهي تثير لدينا الخواف” الفوبيا” وليست الخوف كما هو الحال من النظام السابق.

أن الفرق بين الاثنين كالفرق بين الخوف من ثعبان اسود حقيقي يصادفك في الرمال القاحلة, وبين حالة الفزع من آثار ذلك الثعبان في الرمال بعد قتله. وقد يبدو مثالنا مبسطا جدا عند تطبيقه في السياسة أو في السلوك الإنساني, نظرا للتعقيد الخاص الذي يتصف به السلوك البشري عموما, وفي السياسة بشكل خاص..إلا إن ” الخوف ” من البعث أو ” الخواف ” منه يجري على نسق إنهاء الظاهرة من الأسباب, غير إن الأعراض تأخذ وقتا, ولكن العرض يبقى نتيجة وليست سببا مهما يبديه من نوبات قوية في التعبير ومحاولات العودة لأحياء الأسباب.

والتعقيد هنا ناتج من أن خبرة البعث السابقة في إدارة الدولة وخباياها بطريقة رجل ” منظمة المافيا السرية ” الذي يحيا ويموت على عدم الثقة بالآخر,وعلى الانقلاب من داخله وخارجه,مكنت الكثير من كوادره وقياداته أن تشكل خلايا أخطبوطية, سياسية وأخلاقية داخل الدولة والأحزاب الحاكمة,ناهيك عن وجودها المستقل علنا والمعلن بعدائه للعملية السياسية.

وقد سهلت التركيبة الطائفية لأحزاب الإسلام السياسي باحتماء الكثير من عناصر البعث ذات الطبيعة الإجرامية,فقد اندست في صفوفه إما ” بلحية قصيرة وخاتم ” أو ” بلحية طويلة وسروال أو دشداشة قصيرة” , وبذلك اختلطت الانتماءات بين شيعي تقي ومؤمن, و شيعي ـ بعثي مجرما, أو بين سني يخاف الله ورسوله, وسني ـ بعثي قاتل. وعلى هذا الأساس تم تشويه صورة الصراع الاجتماعي , وإضفاء الصبغة الدينية عليه, والذي بطبيعته لا صبغة دينية له, وهكذا أيضا بدأت تتشكل ملامح سياسة ” مساواة الجلاد بالضحية “, أو وضع الظالم والمظلوم في سلة واحدة وفي الحزب الواحد,وبذلك تحولت الأحزاب التي تدعي المظلومية إلى أحزاب هجينة وبلون رمادي قاتم لاهوية سياسية لها,وبفعل ذلك أيضا فقد أصبحت بعض من أحزاب الإسلام السياسي مصدرا لحماية البعث والكثير من عناصره الدموية,وتشكل هذه العناصر بنفس الوقت جزء لايستهان به من قاعدة تلك الأحزاب ” الجماهيرية ” سنية أم شيعية.

إن الفوضى العارمة والسلوك غير المنضبط في سلوك قواعد هذه الأحزاب ليست بمعزل عن النشاط التخريبي لعناصر البعث السابق,نتيجة لما توفره هذه الأحزاب من مظلة لحمايتهم على أسس طائفية.فإذا كانت بعض من الأحزاب ” السنية ” ضليعة في أحداث العنف الدموي عبر تحالفها مع التنظيم الدولي للقاعدة والعناصر المجرمة من فلول البعث,فأن بعض من الأحزاب ” الشيعية “هي الأخرى شكلت احد مصادر عدم الاستقرار الأمني والسياسي في البلد نتيجة لعدم صفاء قاعدتها الجماهيرية,ناهيك عن مقدرتها على التوقيت الدقيق لأحداث العنف والفوضى المسلحة والتخريب,وخاصة عند اللحظات التي يفرط فيها عقد التحالفات مع الآخر,أو عدم الاستجابة للشروط التي تضعها هذه الأحزاب سقفا لها, وهي بنفس الوقت مقدرة واضحة لبعض الفصائل “السنية”,وتشهد على ذلك هشاشة الوضع الأمني وارتباطه بالصفقات أو المساومات السياسية,أكثر من ارتباطه بمواقف مبدئية واضحة حول ضرورة الأمن واستتابه بمعزل عن الخلافات السياسية, ويذكرنا ذلك في الكثير من مواقف النظام السابق وقدرته ” على حرق الأخضر بسعر اليابس عند الضرورة” أو استخدام “سياسة الأرض المحروقة مع الشعب ” !!!.

ونؤكد هنا إن قواعد هذه الأحزاب لا ترغب مطلقا بعودة النظام السابق بأي شكل من الأشكال ولا يرغب بعض منها حتى الحوار مع بعض عناصره,طبعا ليست من منطلق العداء له أو العداء للقديم البالي المنتهي,ولكن هؤلاء يستطيعون العبث بالأمن والاستقرار وممارسة الابتزاز والسلب والنهب وخلق الفوضى والاستئثار بالسلطة بما لا استطاعوا فعله في ظل النظام السابق,حيث كانت تجري الأشياء هناك على قاعدة إن الجاني والمجني عليه كانوا معروفين تماما للجميع !!!, أما الآن فالعلم عند الله !!!. إن هذا التعقيد والتداخل في قواعد هذه الأحزاب يضعنا أمام مهمات عسيرة وتساؤل كبير لا تسهل الإجابة عليه آبدا, وهو: ” من يجتث من ” ؟؟؟,وتلك هي إحدى الصعوبات المفصلية التي ألقت بظلالها منذ البداية على هيئة اجتثاث البعث,وأصبح الحديث عن الاجتثاث أول ما يثير قلق عناصر قوى سياسية تحت قبة البرلمان ويمتد هذا القلق ليشمل قيادات إدارية وحزبية وكوادر في مختلف مستويات الهرم الإداري في مختلف المحافظات,وعلى ما يبدوا فأن العملية ليست ببساطة “جرة القلم ” كما تصورها الذين اندفعوا للوهلة الأولى.ولعل اختزال الأرقام المفترض اجتثاثها من عدة آلاف إلى عدة مئات يعكس بعض من صعوبات الواقع في هذا المجال.

ومن هنا تأتي أهمية التفكير الجدي والحريص على مستقبل العراق وعلى ديمقراطيته الناشئة في بناء أحزاب وتنظيمات نخبوية ـ طليعية,لكي تكون على المدى البعيد مؤسسات تربوية وأخلاقية ,إلى جانب مهمتها السياسية في أعداد الكادر لقيادة مؤسسات الدولة والمجتمع الديمقراطي,والابتعاد عن الفكرة المليونية السيئة في بناء الحزب والتي تستند إلى الحشود الاستعراضية وتغليب الحشد الكمي على النوع في تجميع الناس داخل الأحزاب,تلك السياسة التي تجلب الكوارث الاجتماعية والأخلاقية للمجتمع,والتي تحط من قيمة الإنسان داخل حزبه ومجتمعه,وتفقد الحزب حصانته,باعتباره أداة متقدمة للتغير الاجتماعي,ومن هنا يجب التمييز بين الحزب كونه ” أداة أقلية ” وبين جماهيره الواسعة من خارج الحزب.

أما أذا أردنا أن نتعامل مع المنتمين إلى الحزب مجرد أرقام على طريقة المسح الإحصائي للسكان,واعتبار كل أبناء الطائفة أعضاء في الحزب, على طريقة ” كل العراقيين بعثيون وأن لم ينتموا “!!!,فتلك سياسة لا تحمد عقباها,حيث تصبح هذه الأحزاب أوكارا للجريمة والفساد ولاختفاء المجرمين من البعث والفاسدين من هذه الطائفة أو تلك,وهي تهدد باضمحلال الدولة وذوبانها في الحزب الحاكم أو الطائفة,ليصبح الحزب أو الطائفة هما الدولة,والدولة هو الحزب والطائفة,والنظام الديمقراطي في مهب الريح!!!. إن هذا التعقيد بالطبع لا يستثني إقليم كردستان,رغم إن مظاهر التعبير عنه أهون بكثير,حيث تتداخل هنا وتمتزج الهوية القومية بالسياسية,ويصبح الشرط القومي وليست الولاء لقضية الأكراد العادلة مطلوبا لذاته,وبالتالي يضعف من مكانة الأحزاب كونها طليعة الشعب,فيكون الولاء الشكلي والفارغ للقضية القومية احد مصادر متاعبها وسببا في عدم وضوح الرؤيا في عملية الاستقرار السياسي والاقتصادي المنشودة,فيمتزج الولاء العشائري والقبلي ليضعف مكانة السلطة في الإقليم,وهذا ما تعبر عنه مظاهر الفساد الإداري والمحسوبية وتضخم أجهزة الدولة,ناهيك عن حالات الدخلاء على القضية الكردية نفسها من” جحوش” و ” أكراد مستعربين ” الذين وقفوا إلى جانب النظام الدكتاتوري السابق,وهم الآن ينعمون بفضاء الانتماء القومي الشكلي لا الحقيقي للقضية الكردية,بل لمصالحهم الشخصية ..إلا إن فرص الإقليم بفعل عوامل الاستقرار المبكر وخبرة قيادته إن تجد حلول للكثير من المشاكل ذات الصلة بتطوره واستقراره.

وقد امتصت الأحزاب الدينية والقومية أعداد لا يمكن حصرها من المنتمين سابقا إلى حزب البعث,مستحوذة على مناصب إدارية وسطى وعليا,بل يمثل البعض منها وجه العراق في الخارج عبر سفاراته وسلكه الدبلوماسي ,وقصص ذلك كثيرة تروى على ألسنة المواطنين الذين يزورون السفارات في الخارج لتسهيل معاملاتهم !!!.وهكذا يلجأ ألبعثي السابق إلى انتمائه الديني والعرقي ليجد فيه ضالته الأمثل ,وهي ظروف مواتيه وخاصة عندما تكون صبغة الصراع الجاري غير مؤطرة بأصول الصراع الذي يستند إلى القوانين الاقتصادية والاجتماعية الموضوعية باعتبارهما البوصلة التي تقرر اتجاهات التغير المنشود وأهدافه.

كما إن سلطات المحافظات التي يقودها في الظل رجال الدين خارج إطار الدستور ونتائج الانتخابات,والتي تعتبر المصدر المطلق للسلطات,هي الأخرى قد امتزجت بتنظيمات النظام السابق الصفراء من نقابات عمال وفلاحين ومنظمات شبابية وطلابية وحزبية منحلة,مشكلة قاعدة عريضة من ” المؤمنين الجدد ” الذين يصفقون ” لملالي ” المحافظات بحماس اشد مما كانت تصفق ” لقائد الضرورة “,وهنا لا نحمل الناس مسؤولية ضنك العيش ,بل نعيب عليهم مزيدا من التصفيق !!!, وعلى قياداتهم ” الجديدة المظلومة ” أن تستلهم العبر من دروس الماضي القريب!!!.

ولعل أسوء ما يذكرنا ببعض أوجه الإرهاب الأسود هو ما تقوم به بعض من هذه الأحزاب من اغتيالات للكوادر العلمية والمهنية وقيادات التكنوقراط وضباط سابقين في الجيش العراقي وغيرهم,وعرقلة الاستقرار الأمني وتحويل محافظات العراق وخاصة العاصمة بغداد إلى جسم مبضع من شوارع وحارات وأزقة ذات ” سيادة مستقلة ” بيافطات طائفية وشللية وحزبية,وإذا كان هذا يجري على خلفية أجندة خارجية لتدمير العراق قدرة وشعبا,إلا إن المراقبين من قريب أو بعيد لا يبرؤون بعض من عناصر البعث من النشاطات داخل هذه المجاميع أو الأحزاب, والذي وفرته الطبيعة الطائفية لاحتماء هذه العناصر, وتختلط هذه الأجندة التخريبية ما بين مشاريع مخطط لها,وما بين سلوك إجرامي وانتقامي لانهيار النظام السابق,تؤطره حالة انعدام وضوح الرؤيا عند الكثير من الأحزاب الطائفية في التمييز بين النظام السابق وبين مؤسسات البنية التحتية الاقتصادية والاجتماعية والقدرات البشرية,التي هي ملك المجتمع كله,فضلا عن كون هذه الأحزاب ذات طبيعة تسهم بتعقيد واحتقان الأوضاع السياسية وتدهورها, وتعتبر جزء من المشكلة وليست الحل وتشكل غطاء لاستقطاب العناصر المجرمة من البعث !!!.

ولعل إطلالة السيد نوري المالكي في انتخابات البلديات من خلال قائمة ” دولة القانون “تشكل إحدى المؤشرات الايجابية للاستجابة للمزاج العام وتفهما أوليا للإبعاد المدمرة للو لاءات الطائفية,ويتمنى الحريصون على العراق أن لا يكون ذلك سلوكا مؤقتا ومناورة حصدت فيها الأصوات الانتخابية….وأن التحالفات في الانتخابات البرلمانية القادمة هي التي تقرر الولاء لمن ؟؟؟ وهل أن الولاء للوطن هو تكتيك!!!,أم استراتيجيه شاملة,وتلك هي بدايات استيعابها وتحويلها إلى سلوك !!!.

ونشير هنا أيضا إلى انسلال جزء كبير من عناصر وقيادات وكوادر البعث السابق إلى مؤسسات المجتمع المدني ومنظمات حقوق الإنسان المختلفة وغيرها من المنظمات ذات الطابع غير الحكومي,والتي تلعب دورا مهما في بلورة والتأثير على الرأي العام في القضايا الكبرى,كقضية الحرية والديمقراطية والمساواة وغيرها,واغلب هؤلاء من العناصر التكنوقراط وذوي الاختصاصات والكفاءات المختلفة من تعليم وإدارة وإعلام واقتصاد وسياسة,وقد شغل الكثير منهم مراكز القرار في المؤسسات الإعلامية والثقافية والتعليمية ومؤسسات الدولة بصورة عامة,وعدد غير قليل منهم من أساتذة الجامعات.وهذه الفئة تقع ضمن تعداد المليونين من ” النظام السابق ” من حملة الخبرات المختلفة والاختصاصات المتنوعة,وتشكل هذه العناصر احتياطي شعبنا ومجتمعنا لمختلف التخصصات,وهم جزء من بنيته التحتية الاقتصادية والاجتماعية,ولا يجوز وضع هذه الفئة على قدم المساواة مع ” ذوي الشهادات المزورة “.

ونتيجة لصدمة الخوف من سقوط النظام السابق والإحساس بالفزع وعدم وجود غطاء كافي لها منذ الوهلة الأولى, فقد وجدت ضالتها في مؤسسات المجتمع المدني نظرا لاستقلال هذه المؤسسات عن المؤسسات الحكومية.ونتيجة لغياب فرص الاندماج الحقيقي لهذه الفئة فقد ظلت بعض من أفراد هذه الفئة تمارس خطابا مزدوجا بين الحرص على النظام الديمقراطي والنيل منه بأساليب ناعمة, وهي أشبه بعملية المراوحة لحسم الخيار صوب القناعة بالنظام الديمقراطي.ونحن نعتقد إن هذه الفئة لو توفرت لها ظروف الاندماج والأمان الحقيقية لكان أدائها أفضل بكثير مما هو عليه ألان.ولأغراض موضوعية فقط نشير إلى إن نسبة ضئيلة جدا من هؤلاء متهم بجرائم أو انتهاكات, بل ويمارس دوره السياسي في البرلمان مستغلا حصانته.

ونستطيع من خلال هذا الاستطراد السريع إلى المآل الذي آل إليه البعث السابق إن نؤكد إن قانون اجتثاث البعث الذي صدر في عام2003 من قبل الحاكم المدني بول بريمر تحول في الممارسة العملية إلى ظاهرة امتصاص وتسرب وانسلال البعث إلى مختلف الأحزاب والمنظمات الاجتماعية,وأصبح من الصعوبة ممارسة تطبيق هذا القانون لأن الاجتثاث قد يطال أحزابا كاملة تعمل على الساحة السياسية,واعتقد نحن نحتاج إلى عملية ” ترشيح ” جديدة لهذا ” الامتصاص ” أو إعادة انتشار جديدة للقوى السياسية عبر إعادة تشكيل الأحزاب السياسية وفقا لقانون خاص بتشكيل الأحزاب !!!.

أما بخصوص النسبة الضئيلة من قيادات البعث وعناصره السابقة والتي تعلن عدائها علنا للنظام الديمقراطي وتحمل السلاح ضده,وهي تشكل حسب ما يرد من إحصائيات,من أنها تشكل فقط 1% من البعث السابق فيجب الحوار معها بشروط الديمقراطية كنظام سياسي يستجيب لرغبات الجميع ولا يقصي احد,حيث لا اعتقد بوجود شروط أخرى للحوار خارج ذلك.وعدا ذلك فأن عدم تمكن النظام السياسي الجديد من إيجاد حل سلمي أو السيطرة على نشاط 1% من هؤلاء وإبعادهم عن دائرة التأثير السياسي يعني ما يعنيه إن هذه الديمقراطية والجماهير التي تقف ورائها غير قادرة على حماية النظام الديمقراطي, وهي قاب قوسين وعندها ممكن أن تتحول فوبيا السياسة إلى خوف حقيقي !!!!.

رقم التحضير : 8
الطالب : محمود علواني
الرقم الجامعي : 429107935
المادة : التنمية السياسية (التخلف السياسي)

ماهي الصحة النفسيه

كاتب الموضوع الأصلي: عادل الزهراني20

ماهي الصحة النفسية:

إنها كيفية شعورك تجاه نفسك . كيفية شعورك تجاه الآخرين . كيفية مواجهتك مطالب
ميزات ذوي الصحة النفسية .. انهم يشعرون تجاه أنفسهم بارتياح ورضى وسرور

لا تهدمهم عواطفهم – (مخاوفهم وغضبهم ومحبتهم وحسدهم وشعورهم بالجرم
وقلقهم)

يسيرون غير متأثرين بها يصادفهم من فشل في الحياة ..انهم متسامحون ومتساهلون
مع أنفسهم ومع الآخرين

لا يقللون من أهميه مقدرتهم ، كما انهم لا يقدرونها اكثر مما هي عليه

يتقبلون أخطاءهم وتقصيراتهم يحترمون أنفسهم

يشعرون بأنهم قادرون على مجابهة معظم ما يعترض طريقهم في الحياة

ينالون الرضى من مباهج بسيطة يومية مواقف ذوي الصحة النفسية

يتخذون موقفا صوابيا صحيحا تجاه الآخرين

يوطدون مع الآخرين علاقات شخصية حسنة ومرضية وثابتة

ينتظرون أن يثقوا بالآخرين ويحبونهم ويتأكدون أن الآخرين يحبونهم بدورهم ويثقون بهم

يحترمون الفروق التي يجدونها بين الاخرين

لا يضايقون الآخرين ولا يسمحون للآخرين بأن يضايقوهم يشعرون بأنهم جزء من الجماعة

يشعرون بالمسؤولية تجاه جيرانهم وإخوانهم في البشرية مجابهتهم للأمور

يتمكنون من مجابهة مطالب الحياة يحلون مشاكلهم بأنفسهم كلما ظهرت يتحملون مسؤولياتهم

يؤثرون على بيئتهم إذا قدروا ويكيفون أنفسهم لها إذا رأوا ذلك ضروريا

يضعون الخطط للمستقبل ولا يخافونه يرحبون بالأفكار والاختبارات الجديدة

يستخدمون قواهم ومواهبهم الطبيعية ينصبون لأنفسهم أهدافا حقيقية عملية

يقدرون على التفكير بأمورهم واتخاذ القرارات اللازمة بأنفسهم

يعملون باجتهاد في كل عمل يقع بين أيديهم ويجدون اللذة والرضى في القيام بذلك العمل

المرض النفسي

كاتب الموضوع الأصلي: عادل الزهراني20

المرض النفسي :

ويسمى أيضا العصاب هو اضطراب في الشخصية يبدو في صورة أعراض نفسية أو
جسمية مثل القلق والوساوس والخوف الشديد والشكوك التي لا أساس لها, أو قد
يظهر المرض النفسي في شكل حدوث شلل لعضو بدون أن يكون له سبب عضوي,
ومن أشهر الأمراض النفسية الهستيريا و الوسواس و الارهاب

ويخلط كثير من الناس بين المرض النفسي والمرض العقلي, ولكن المرض العقلي
يختلف كثيرا عن المرض النفس فالمرض العقلي هو أضطراب ينشأ من تلف يصيب
الجهاز العصبي مثل مرض الصرع

)

كلود أدريان هلڤتيوس

كاتب الموضوع الأصلي: عامر العجمي320

كلود ادريان هلڤتيوس (باريس، 26 فبراير 1715 – فرنسا، 26 ديسمبر 1771)، فيلسوف وموسوعى فرنسي، له نظرية تقول ان الناس كلهم يولدوا بقدرات متساوية لكن ظروف التربيه والتعليم تجعلهم متفاوتين في القدرات، وأن كل نشاط عقلي صادر من الاحساس، وحتى الروح نفسها عبارة عن القدره على الاحساس، ويعتقد أن الصالح الذاتي هو الدافع وراء تصرفات الناس. من مؤلفاته : ” عن الروح ” De l’esprit (نشر 1758) والذي نجح ولكن سبب له مشاكل مع القساوسة المسيحيين الذين اعتبروه كتاب خطر، واعتبرته الكنيسه هرطقة وحرق في الشارع في باريس. ومن أقواله ”الناس تولد بَشر ليسوا بأغبياء، والتربية هي التي تجعلهم أغبياء.“

تأثير هلفشيوس

وهنا في كتابين لرجل واحد نجد كل الأفكار التي صنعت الثروة الفرنسية وكل الأفكار التي تعتلج في صدور الأمم وتحركها اليوم. فلا عجب أن وضعت الفئات الفرنسية المتعلمة المثقفة في الربع الثالث من القرن الثامن عشر هلفشيوس في منزلة سواء تقريباً مع فولتير وروسو وديدرو، ورحبت بكتابه الأول وهللت له مما كاد لا يحظى به كتاب غيره في ذاك العصر. وقال برونيتييز “إن أي كتاب غيره لم يحث مثل هذه الضجة في زمانه، ولم ينشر في الخارج أفكاراً أكثر أخذت تشق طريقها إلى العالم بأسره

وذكر بريسو في 1775 “لقي منهج هلفشيوس وآراؤه أعظم رواج وشعبية”. وشكا ترجو على حين كان يعارض هذا المنهج من أن الناس امتدحوا وأثنوا عليه في شيء من الشدة والعنف: وقال آخر “إن هذا الكتاب كان يوجد على كل منضدة. وأطرى كل النقاد وضوح أسلوبه وقوة حكمه وتصويراته البارعة والروح الإنسانية البارزة في رجل يدافع عن إعادة توزيع الثروة على حين أنه ثري أوتي كل شيء.

ومهما يكن من شيء فإن الفلاسفة أنفسهم انتقدوا “منهج هلفشيوس” باعتباره قائماً على مفاهيم خاطئة. ودافع فولتير عن دعاوى الوراثة. فكل الناس عند الميلاد ليسوا متساويين في التفوق الذهني والخلقي الكامن ورأى أن العقوبات مولودة لا مصنوعة(58). واتفق ديدرو مع فولتير فيما ذهب إليه. وفي تفنيد لكتاب هلفشيوس بعنوان “الإنسان” (كتب في 1775، ولكن لم ينشر إلا بعد مائة عام من تأليفه)، دفع ديدرو بأن الأحاسيس تنتقل بأشكال مختلفة الأفراد بغعل الفوارق الموروثة في تركيب المخ وينيته “لا يولد الإنسان غفلاً أو خالياً من كل شيء، حقاً أنه حقاً أنه يولد بدون أفكار أو انفعالات موجهة، ولكنه منذ اللحظة الأولى يوهب استعداد أو ميلاً إلى التصوير والمقارنة والاحتفاظ ببعض الأفكار في تلذذ واستمتاع أكثر من غيرها. وميلاً ونزعات مسيطرة تنتج عنها فيما بعد الانفعالات الواقعية”(.[/size][/size]