أ.د. أحمد محمد وهبان

فويرباخ(1804_1872)

كاتب الموضوع الأصلي: عامر العجمي320

حياة فويرباخ ومؤلَّفاته

ولد لودڤغ فويرباخ Ludwig Feuerbach في 28 تموز من العام 1804 في مدينة لاندسهوت الألمانية من أعمال باڤاريا. وعلى الرغم من نشأته الكاثوليكية، فقد تربَّى على المذهب الپروتستانتي. وقد أبدى اهتمامًا بالدين وهو ما يزال طالبًا في مرحلة الدراسة الإعدادية. وفي العام 1823، درس في جامعة هيدلبرغ العلوم الدينية الپروتستانتية، لكنه لم يُتم تعليمَه ذلك، فتحول في العام 1824 إلى دراسة الفلسفة في برلين بإشراف أستاذه هيغل (1770-1831). وعلى مدى عامين، واظب لودڤغ فويرباخ على الاستماع إلى محاضرات هيغل في علم المنطق. وفي العام 1826، اضطر إلى العودة لدراسة التاريخ في جامعة إرلَنغن. وبعد سنة دراسية واحدة، كتب أطروحة جامعية في موضوع بعنوان في العقل الواحد، الكلي، اللامتناهي؛ وفي حزيران من العام 1828، تخرَّج من الجامعة في اختصاص الفلسفة، ثم حصل في نهاية العام نفسه على شهادة الدكتوراه، وفي غضون الأسابيع القليلة اللاحقة، باشر وظيفة التدريس في جامعة إرلَنغن.

كان كتابه خواطر حول الموت والخلود باكورة مؤلَّفاته، وقد نُشِرَ غفلاً من اسمه في العام 1830 بعد الأحداث التي هزت ألمانيا نتيجة ثورة تموز الباريسية. وبحجَّة احتواء الكتاب على آراء ناقدة للدين، تمَّ حظرُه بعد نشره مباشرة، وتعرَّض الكاتبُ بسبب ذلك للملاحقة البوليسية. ونتيجة الإحباط، توقف فويرباخ عن التدريس في الجامعة ابتداءً من ربيع العام 1832.

كتب فويرباخ في موضوع تاريخ الفلسفة الحديثة من بيكون حتى اسپينوزا. وما إن انتشر صدى تلك الكتابات، حتى استدعت “جمعية النقد العلمي الهيغلية” فويرباخ للمشاركة في تحرير مؤلَّفها السنوي. وقد لفت الأنظار موضوعان مما نشره فويرباخ في الكتاب السنوي، كونهما يتعرَّضان بالنقد إلى مدرسة هيغل المثالية. وألقى فويرباخ آخر محاضراته في الفلسفة في جامعة إرلَنغن ضمن الفصل الشتائي للعام الدراسي 1835-1836.

في العام 1837، تزوج المالكة الصناعية برتا لوڤ، وسكن معها في جناح من أجنحة مصنع الخزف الذي كانت تملكه في بروكبرغ، مما مكَّنه من التفرغ للتأليف الفلسفي. اهتم بنظريات عالِم الرياضيات والفيلسوف الألماني لايبنتس، وتلقى من أرنولد روغِه دعوةً للعمل معه في “جمعية الهيغليين الشباب”، وذلك بالمشاركة في إصدار الكتاب السنوي للجمعية في العام 1838. وجد فويرباخ في ذلك المطبوع فرصة جيدة للتفاعل مع إيديولوجية عصر النهضة وأفكاره، فنشر كتابيه نقد الفلسفة الوضعية (1838) ونقد الفلسفة الهيغلية (1839). وفي العام 1841، صدر كتابُه الأشهر جوهر المسيحية الذي طوَّر فيه نقدَه للدين تطويرًا كبيرًا. وفي العام 1842، بدأ بكتابة مواضيع معاصرة حول إصلاح الفلسفة، تأخر إصدارُها في كتاب بسبب الرقابة حتى خريف العام 1843. وفي هذا الكتاب، تطرَّق فويرباخ إلى السؤال التقليدي حول كيفية توصُّل الإنسان إلى فكرة الأنا التي كوَّنت الوجود وإلى نشوء الفكرة المطلقة (الحقيقية المطلقة).

في أثناء ذلك، تعرَّض فويرباخ لضائقة مالية بسبب تراجُع أرباح مصنع زوجته. وفي فرانكفورت، عقد علاقةً مع كتلة برلمانية متطرفة كانت تُعرَف باسم “نادي دونرزبرغ” (يساريين ديموقراطيين). وقد اكتشف فويرباخ في وقت مبكر عدم جدوى الجهود البرلمانية ولم يعول عليها كثيرًا.

انتقل في خريف العام 1848 إلى هيدلبرغ، بناءً على دعوة طلاب الجامعة هناك، لإلقاء 30 محاضرة فلسفية مفتوحة في موضوع طبيعة الدين، استمرت لغاية آذار من العام 1849، استنادًا إلى كتابه جوهر الدين. وقد تمنَّى طلابُه آنذاك عليه أن ينضم إلى الهيئة التدريسية لجامعة هيدلبرغ، لكن إدارة الجامعة مانعت في شدة وآثرت عدم التعاون معه، بتأثير مباشر من رجال الكنيسة، فقررت عدم السماح له بإلقاء المحاضرات في قاعاتها، مما اضطره إلى استخدام قاعة دار البلدية لهذا الغرض. وقد تنوع زوار محاضراته، الذين بلغ عددُهم 250 مستمعًا، بين طلبة الجامعة، الذين شكلوا نسبة الثلث، وبين المواطنين من خارج الجامعة، الذين شكلوا الثلثين الآخرين. وقد جمع فويرباخ محاضراته الثلاثين التي ألقاها في هيدلبرغ في كتاب صدر في العام 1851 في ثمانية أجزاء أسماه: محاضرات في جوهر الدين.

وبعد اندلاع ثورة آذار 1848، طُلِبَ من فويرباخ الترشح نائبًا في برلمان فرانكفورت. ثم عاد في العام 1849 إلى بروكبرغ تملأ قلبَه المرارةُ ليراقب انحسار الثورة في عموم القارة الأوروبية. وقد نشر آنذاك مقالتين ساخرتين كتبهما بأسلوب مفعم بالانتقاد اللاذع لقوى الرجعية المنتصرة، اشتُهر في إحداهما – وكانت بعنوان درس في المواد الغذائية للمواطن – بقدرته الفائقة على استخدام العبارات البليغة لأغراض النقد، مثل: “إن الإنسان هو ما يأكل.” وفيما هاجر زملاءُ فويرباخ النشطاء إلى كلِّ مكان خارج ألمانيا هربًا من الملاحقة البوليسية، قرر هو الهجرة إلى الولايات المتحدة، لكنه عدل عن الفكرة بسبب عجزه عن الحصول على المال اللازم لتغطية أكلاف الرحلة.

وفي العام 1859، أفلس مصنع بروكبرغ كليًّا، فلم يخسر فويرباخ وزوجته كلَّ مدخراتهما وحسب، وإنما طُرِدا أيضًا من السكن فيه. وبعد جهود مضنية، استطاع العثور على دار قديمة للسكن في بلدة ريشنبرغ على مقربة من نورنبرغ؛ وقد ساعده أصدقاؤه من زمن الثورة على ترتيب الدار ونقل أثاثه إليها وعلى تغطية نفقات المعيشة، وذلك من خلال جمع التبرعات. وقد انخفض معدَّل كتاباته كثيرًا، واقتصرت على المقالات البسيطة حول الروحيات والماديات وحرية الاختيار. وهزت الحرب بين پروسيا والنمسا التي نشبت في العام 1866 فويرباخ من الأعماق، فبدأ، على غير عادته، يهتم بالأوضاع السياسية. لكنه رفض تمامًا مشروع بسمارك الوحدوي وعدَّه مشروعًا تعسفيًّا لا يترك للناس حرية تقرير مصيرهم. وقد انكب في تلك الفترة من حياته على دراسة الجزء الأول من كتاب رأس المال لكارل ماركس، كما أبدى تضامنه مع الحركة النسوية، المتصاعدة آنذاك في الولايات المتحدة والمطالِبة بتحرر المرأة.

وفي العام 1868، بدأ كتابة مؤلَّفه الجديد حول الأخلاق وحرية الاختيار، ولكنه لم يتمه. التحق في العام 1869 بحزب العمال الاجتماعي الديموقراطي، استجابةً للعلاقة مع بعض الأصدقاء. وفي نهاية العام 1871، ظهر على صفحات جريدة الحزب نداءٌ يدعو القراء إلى جمع التبرعات للفيلسوف الذي أصابه الفقرُ المدقع، وكررت صحف أخرى نشر النداء، فاستجاب القراء، وتوفَّر لديه مبلغٌ من المال كافٍ لضمان معيشته مع زوجته وابنته حتى رحيله في العام 1872.

فلسفة فويرباخ

فتاة ذات عشرين ربيعًا تزوجتْه لأنه شاب يسكن قرب أحد الأضرحة المقدسة – لهذا السبب فقط تزوجته! وبعد عام لا أكثر، طردها من بيته ليتزوج أخرى، وهي الآن تعيش على الصدقة في حيِّنا مع طفلها الرضيع، وقطعان الذئاب تحوم حولها تنتظر متى تسقط. (قصة حقيقية)

قال إنجلز تعقيبًا على كتاب فويرباخ جوهر المسيحية:

يجب على المرء أن يختبر بنفسه الفعل المحرِّر لهذا الكتاب لكي يكوِّن فكرةً عنه. كان الحماس عامًّا: صرنا جميعًا فويرباخيين بصفة مؤقتة.

إنها الفويرباخية الجديدة التي أفرغت الدين من محتواه وجعلتْه يخرج من دوائر الزيف كلِّها. يُعتبَر لودڤغ فويرباخ من أنصار المادية في بداية حياته، لكنه فيما بعد اعتنق المثالية الذاتية في تيارها الملحد، داعيًا إلى فكرة “سقوط الله” وإقامة “مملكة الإنسان الحقيقية” (مدرسة نيتشه). الدين عند فويرباخ هو وعي الذات اللاواعي، والإنسان هو الذي اخترع فكرة الإله الذي لا يمكن أن يُعَد كيانًا ماديًّا، بل هو نتاج الفكر البشري: إن الإله هو ذلك الكائن المجرد الذي ينشأ من الفكر الإنساني المطلق وحده، وهو ليس خالق كلِّ الأشياء لأنه مصنوعة بشرية بحتة. لذا فإن المادة، بحسب فويرباخ، هي تاج الحياة وهي وحدها الخالدة. أما الإنسان فهو ناتج للمادة، يُصنَع فيها ومن خلالها ويتطور منها، لذلك يصح القول: “إن الإنسان هو ما يأكل.”

من ناحية أخرى، اتهم فويرباخ في كتابه الدين بتجريده الإنسان من حريته وبوضعه في حالة اغتراب وفصام مع ذاته وكيانه؛ الأمر الذي يتطلب منه التخلص من الدين ليصبح قادرًا على استيعاب دوره كليًّا وإدراك حقيقة أولوية المادة في الطبيعة. حينذاك فقط يمكن للإنسان أن يستوعب معنى الحياة على هذا الكوكب.

إن الإنسان، بحسب فويرباخ، هو مقياس واقعي لجميع الأشياء، كما وأنه مقياس للحقيقة. لذا يجب إلغاء جميع التناقضات في الواقع، حيث تُؤنسَن الآلهة وتتحول وهمًا إلى واقع يجري تقديسه. وفيما يتعلق بكيان الإله، رأى فويرباخ أن “وعي اللانهائي لا يعدو أن يكون وعيًا للانهائية الوعي”. وعليه، فإن “وعي الإله ما هو إلا الوعي الشخصي للإنسان، ومعرفة الإله ما هي إلا معرفة الإنسان لِذاته”. إن الإله هو الاعتراف الصريح بأسرار الحب والخوف المخزونين في داخله وانعكاسها إلى الخارج. وإن الإله هو محض تعبير عن الذكاء البشري والإرادة البشرية، بما فيها الكمال والحب. وفي إمكان خيال الإنسان أن يخلق من القوى والغرائز والرغبات وجودًا حقيقيًّا هو ما سماه “الإله” (الناتج الكلِّي) الذي يجسِّد هذه الأشياء كلها تجسيدًا متكاملاً. إن الدين هو “سلوك الإنسان تجاه ذاته” (عملية إرجاع الشفرات الأصلية إلى وجودها المجرد).

يُعتبَر فويرباخ الجذر الأول الذي بدأت عنده الماركسية ومصدرها الأول من الناحية الفلسفية: إذ إنه جرَّد مثالية هيغل من مطلقها الغيبي وأعطاها صفة الواقعية. ومن الممكن أن نلخِّص رسالة فويرباخ إلى البشرية بالكلمات الآتية على لسانه في أحد المحافل:

تحويل الفقهاء إلى علماء إنسان، ورجال الكهنوت إلى فلاسفة، تطوير حكماء كلِّ الأزمنة إلى مستوى طلاب حداثة، وتحرير العبيد من هيمنة الدين والسلطة الأرستقراطية، ليصبحوا مواطنين أحرارًا، مفعمين بالوعي والإرادة الحرة.

ومن أقوال فويرباخ أيضًا:

الدين ما هو إلا محاولة بدائية بائسة لإضفاء صفة الإطلاق على السلوك البشري.

المقبرة البشرية هي المكان الذي تولد فيه الآلهة.

حقًّا يختلف الرجل والمرأة جسديًّا وعقليًّا، الأمر الذي جعل هذا الفرق يقود إلى هيمنة الرجل على المرأة، وعزلها عن النشاطات الفكرية عمومًا، ووضعها بين جدران المنزل. وأنا على ثقة من أنها لو مارست السياسة ستكون مثل الرجل، وربما ستصنع سياسةً مختلفة، سياسةً أفضل من السياسات التي يصنعها الرجال.

سأذهب إلى هيدلبرغ لإلقاء محاضرات حول جوهر الدين. ولو أن بذرة واحدة فقط مما سوف أزرع هناك نبتت بعد مئة عام وأصبحت شجرة، فإنني أكون قد أديت خدمة إلى البشرية.

فويرباخ(1804_1872)

كاتب الموضوع الأصلي: عامر العجمي320

حياة فويرباخ ومؤلَّفاته

ولد لودڤغ فويرباخ Ludwig Feuerbach في 28 تموز من العام 1804 في مدينة لاندسهوت الألمانية من أعمال باڤاريا. وعلى الرغم من نشأته الكاثوليكية، فقد تربَّى على المذهب الپروتستانتي. وقد أبدى اهتمامًا بالدين وهو ما يزال طالبًا في مرحلة الدراسة الإعدادية. وفي العام 1823، درس في جامعة هيدلبرغ العلوم الدينية الپروتستانتية، لكنه لم يُتم تعليمَه ذلك، فتحول في العام 1824 إلى دراسة الفلسفة في برلين بإشراف أستاذه هيغل (1770-1831). وعلى مدى عامين، واظب لودڤغ فويرباخ على الاستماع إلى محاضرات هيغل في علم المنطق. وفي العام 1826، اضطر إلى العودة لدراسة التاريخ في جامعة إرلَنغن. وبعد سنة دراسية واحدة، كتب أطروحة جامعية في موضوع بعنوان في العقل الواحد، الكلي، اللامتناهي؛ وفي حزيران من العام 1828، تخرَّج من الجامعة في اختصاص الفلسفة، ثم حصل في نهاية العام نفسه على شهادة الدكتوراه، وفي غضون الأسابيع القليلة اللاحقة، باشر وظيفة التدريس في جامعة إرلَنغن.

كان كتابه خواطر حول الموت والخلود باكورة مؤلَّفاته، وقد نُشِرَ غفلاً من اسمه في العام 1830 بعد الأحداث التي هزت ألمانيا نتيجة ثورة تموز الباريسية. وبحجَّة احتواء الكتاب على آراء ناقدة للدين، تمَّ حظرُه بعد نشره مباشرة، وتعرَّض الكاتبُ بسبب ذلك للملاحقة البوليسية. ونتيجة الإحباط، توقف فويرباخ عن التدريس في الجامعة ابتداءً من ربيع العام 1832.

كتب فويرباخ في موضوع تاريخ الفلسفة الحديثة من بيكون حتى اسپينوزا. وما إن انتشر صدى تلك الكتابات، حتى استدعت “جمعية النقد العلمي الهيغلية” فويرباخ للمشاركة في تحرير مؤلَّفها السنوي. وقد لفت الأنظار موضوعان مما نشره فويرباخ في الكتاب السنوي، كونهما يتعرَّضان بالنقد إلى مدرسة هيغل المثالية. وألقى فويرباخ آخر محاضراته في الفلسفة في جامعة إرلَنغن ضمن الفصل الشتائي للعام الدراسي 1835-1836.

في العام 1837، تزوج المالكة الصناعية برتا لوڤ، وسكن معها في جناح من أجنحة مصنع الخزف الذي كانت تملكه في بروكبرغ، مما مكَّنه من التفرغ للتأليف الفلسفي. اهتم بنظريات عالِم الرياضيات والفيلسوف الألماني لايبنتس، وتلقى من أرنولد روغِه دعوةً للعمل معه في “جمعية الهيغليين الشباب”، وذلك بالمشاركة في إصدار الكتاب السنوي للجمعية في العام 1838. وجد فويرباخ في ذلك المطبوع فرصة جيدة للتفاعل مع إيديولوجية عصر النهضة وأفكاره، فنشر كتابيه نقد الفلسفة الوضعية (1838) ونقد الفلسفة الهيغلية (1839). وفي العام 1841، صدر كتابُه الأشهر جوهر المسيحية الذي طوَّر فيه نقدَه للدين تطويرًا كبيرًا. وفي العام 1842، بدأ بكتابة مواضيع معاصرة حول إصلاح الفلسفة، تأخر إصدارُها في كتاب بسبب الرقابة حتى خريف العام 1843. وفي هذا الكتاب، تطرَّق فويرباخ إلى السؤال التقليدي حول كيفية توصُّل الإنسان إلى فكرة الأنا التي كوَّنت الوجود وإلى نشوء الفكرة المطلقة (الحقيقية المطلقة).

في أثناء ذلك، تعرَّض فويرباخ لضائقة مالية بسبب تراجُع أرباح مصنع زوجته. وفي فرانكفورت، عقد علاقةً مع كتلة برلمانية متطرفة كانت تُعرَف باسم “نادي دونرزبرغ” (يساريين ديموقراطيين). وقد اكتشف فويرباخ في وقت مبكر عدم جدوى الجهود البرلمانية ولم يعول عليها كثيرًا.

انتقل في خريف العام 1848 إلى هيدلبرغ، بناءً على دعوة طلاب الجامعة هناك، لإلقاء 30 محاضرة فلسفية مفتوحة في موضوع طبيعة الدين، استمرت لغاية آذار من العام 1849، استنادًا إلى كتابه جوهر الدين. وقد تمنَّى طلابُه آنذاك عليه أن ينضم إلى الهيئة التدريسية لجامعة هيدلبرغ، لكن إدارة الجامعة مانعت في شدة وآثرت عدم التعاون معه، بتأثير مباشر من رجال الكنيسة، فقررت عدم السماح له بإلقاء المحاضرات في قاعاتها، مما اضطره إلى استخدام قاعة دار البلدية لهذا الغرض. وقد تنوع زوار محاضراته، الذين بلغ عددُهم 250 مستمعًا، بين طلبة الجامعة، الذين شكلوا نسبة الثلث، وبين المواطنين من خارج الجامعة، الذين شكلوا الثلثين الآخرين. وقد جمع فويرباخ محاضراته الثلاثين التي ألقاها في هيدلبرغ في كتاب صدر في العام 1851 في ثمانية أجزاء أسماه: محاضرات في جوهر الدين.

وبعد اندلاع ثورة آذار 1848، طُلِبَ من فويرباخ الترشح نائبًا في برلمان فرانكفورت. ثم عاد في العام 1849 إلى بروكبرغ تملأ قلبَه المرارةُ ليراقب انحسار الثورة في عموم القارة الأوروبية. وقد نشر آنذاك مقالتين ساخرتين كتبهما بأسلوب مفعم بالانتقاد اللاذع لقوى الرجعية المنتصرة، اشتُهر في إحداهما – وكانت بعنوان درس في المواد الغذائية للمواطن – بقدرته الفائقة على استخدام العبارات البليغة لأغراض النقد، مثل: “إن الإنسان هو ما يأكل.” وفيما هاجر زملاءُ فويرباخ النشطاء إلى كلِّ مكان خارج ألمانيا هربًا من الملاحقة البوليسية، قرر هو الهجرة إلى الولايات المتحدة، لكنه عدل عن الفكرة بسبب عجزه عن الحصول على المال اللازم لتغطية أكلاف الرحلة.

وفي العام 1859، أفلس مصنع بروكبرغ كليًّا، فلم يخسر فويرباخ وزوجته كلَّ مدخراتهما وحسب، وإنما طُرِدا أيضًا من السكن فيه. وبعد جهود مضنية، استطاع العثور على دار قديمة للسكن في بلدة ريشنبرغ على مقربة من نورنبرغ؛ وقد ساعده أصدقاؤه من زمن الثورة على ترتيب الدار ونقل أثاثه إليها وعلى تغطية نفقات المعيشة، وذلك من خلال جمع التبرعات. وقد انخفض معدَّل كتاباته كثيرًا، واقتصرت على المقالات البسيطة حول الروحيات والماديات وحرية الاختيار. وهزت الحرب بين پروسيا والنمسا التي نشبت في العام 1866 فويرباخ من الأعماق، فبدأ، على غير عادته، يهتم بالأوضاع السياسية. لكنه رفض تمامًا مشروع بسمارك الوحدوي وعدَّه مشروعًا تعسفيًّا لا يترك للناس حرية تقرير مصيرهم. وقد انكب في تلك الفترة من حياته على دراسة الجزء الأول من كتاب رأس المال لكارل ماركس، كما أبدى تضامنه مع الحركة النسوية، المتصاعدة آنذاك في الولايات المتحدة والمطالِبة بتحرر المرأة.

وفي العام 1868، بدأ كتابة مؤلَّفه الجديد حول الأخلاق وحرية الاختيار، ولكنه لم يتمه. التحق في العام 1869 بحزب العمال الاجتماعي الديموقراطي، استجابةً للعلاقة مع بعض الأصدقاء. وفي نهاية العام 1871، ظهر على صفحات جريدة الحزب نداءٌ يدعو القراء إلى جمع التبرعات للفيلسوف الذي أصابه الفقرُ المدقع، وكررت صحف أخرى نشر النداء، فاستجاب القراء، وتوفَّر لديه مبلغٌ من المال كافٍ لضمان معيشته مع زوجته وابنته حتى رحيله في العام 1872.

فلسفة فويرباخ

فتاة ذات عشرين ربيعًا تزوجتْه لأنه شاب يسكن قرب أحد الأضرحة المقدسة – لهذا السبب فقط تزوجته! وبعد عام لا أكثر، طردها من بيته ليتزوج أخرى، وهي الآن تعيش على الصدقة في حيِّنا مع طفلها الرضيع، وقطعان الذئاب تحوم حولها تنتظر متى تسقط. (قصة حقيقية)

قال إنجلز تعقيبًا على كتاب فويرباخ جوهر المسيحية:

يجب على المرء أن يختبر بنفسه الفعل المحرِّر لهذا الكتاب لكي يكوِّن فكرةً عنه. كان الحماس عامًّا: صرنا جميعًا فويرباخيين بصفة مؤقتة.

إنها الفويرباخية الجديدة التي أفرغت الدين من محتواه وجعلتْه يخرج من دوائر الزيف كلِّها. يُعتبَر لودڤغ فويرباخ من أنصار المادية في بداية حياته، لكنه فيما بعد اعتنق المثالية الذاتية في تيارها الملحد، داعيًا إلى فكرة “سقوط الله” وإقامة “مملكة الإنسان الحقيقية” (مدرسة نيتشه). الدين عند فويرباخ هو وعي الذات اللاواعي، والإنسان هو الذي اخترع فكرة الإله الذي لا يمكن أن يُعَد كيانًا ماديًّا، بل هو نتاج الفكر البشري: إن الإله هو ذلك الكائن المجرد الذي ينشأ من الفكر الإنساني المطلق وحده، وهو ليس خالق كلِّ الأشياء لأنه مصنوعة بشرية بحتة. لذا فإن المادة، بحسب فويرباخ، هي تاج الحياة وهي وحدها الخالدة. أما الإنسان فهو ناتج للمادة، يُصنَع فيها ومن خلالها ويتطور منها، لذلك يصح القول: “إن الإنسان هو ما يأكل.”

من ناحية أخرى، اتهم فويرباخ في كتابه الدين بتجريده الإنسان من حريته وبوضعه في حالة اغتراب وفصام مع ذاته وكيانه؛ الأمر الذي يتطلب منه التخلص من الدين ليصبح قادرًا على استيعاب دوره كليًّا وإدراك حقيقة أولوية المادة في الطبيعة. حينذاك فقط يمكن للإنسان أن يستوعب معنى الحياة على هذا الكوكب.

إن الإنسان، بحسب فويرباخ، هو مقياس واقعي لجميع الأشياء، كما وأنه مقياس للحقيقة. لذا يجب إلغاء جميع التناقضات في الواقع، حيث تُؤنسَن الآلهة وتتحول وهمًا إلى واقع يجري تقديسه. وفيما يتعلق بكيان الإله، رأى فويرباخ أن “وعي اللانهائي لا يعدو أن يكون وعيًا للانهائية الوعي”. وعليه، فإن “وعي الإله ما هو إلا الوعي الشخصي للإنسان، ومعرفة الإله ما هي إلا معرفة الإنسان لِذاته”. إن الإله هو الاعتراف الصريح بأسرار الحب والخوف المخزونين في داخله وانعكاسها إلى الخارج. وإن الإله هو محض تعبير عن الذكاء البشري والإرادة البشرية، بما فيها الكمال والحب. وفي إمكان خيال الإنسان أن يخلق من القوى والغرائز والرغبات وجودًا حقيقيًّا هو ما سماه “الإله” (الناتج الكلِّي) الذي يجسِّد هذه الأشياء كلها تجسيدًا متكاملاً. إن الدين هو “سلوك الإنسان تجاه ذاته” (عملية إرجاع الشفرات الأصلية إلى وجودها المجرد).

يُعتبَر فويرباخ الجذر الأول الذي بدأت عنده الماركسية ومصدرها الأول من الناحية الفلسفية: إذ إنه جرَّد مثالية هيغل من مطلقها الغيبي وأعطاها صفة الواقعية. ومن الممكن أن نلخِّص رسالة فويرباخ إلى البشرية بالكلمات الآتية على لسانه في أحد المحافل:

تحويل الفقهاء إلى علماء إنسان، ورجال الكهنوت إلى فلاسفة، تطوير حكماء كلِّ الأزمنة إلى مستوى طلاب حداثة، وتحرير العبيد من هيمنة الدين والسلطة الأرستقراطية، ليصبحوا مواطنين أحرارًا، مفعمين بالوعي والإرادة الحرة.

ومن أقوال فويرباخ أيضًا:

الدين ما هو إلا محاولة بدائية بائسة لإضفاء صفة الإطلاق على السلوك البشري.

المقبرة البشرية هي المكان الذي تولد فيه الآلهة.

حقًّا يختلف الرجل والمرأة جسديًّا وعقليًّا، الأمر الذي جعل هذا الفرق يقود إلى هيمنة الرجل على المرأة، وعزلها عن النشاطات الفكرية عمومًا، ووضعها بين جدران المنزل. وأنا على ثقة من أنها لو مارست السياسة ستكون مثل الرجل، وربما ستصنع سياسةً مختلفة، سياسةً أفضل من السياسات التي يصنعها الرجال.

سأذهب إلى هيدلبرغ لإلقاء محاضرات حول جوهر الدين. ولو أن بذرة واحدة فقط مما سوف أزرع هناك نبتت بعد مئة عام وأصبحت شجرة، فإنني أكون قد أديت خدمة إلى البشرية.

عصبة الامم

كاتب الموضوع الأصلي: عامر العجمي320

نشأتها ..

يرجع أول طرح لمفهوم مجتمع سلمي للأمم إلى عام 1795، عندما طرح إيمانويل كانط كتابه السلام الدائم : صورة فلسفية .[5] ولخص الفكرة في تكوين عصبة للأمم للحكم في النزاعات وتعزيز السلام بين الدول،[6] حيث كانت فكرة كانط تتلخص بإقامة عالم يسوده السلام، ليس بمعنى أن يكون هناك حكومة عالمية، ولكن كان يأمل في أن تتعامل كل دولة بوصفها دولة حرة تحترم مواطنيها، وترحب بالزوار الأجانب. لذا فإن اتحاد الدول الحرة من شأنه أن يعزز المجتمع السلمي في جميع أنحاء العالم، وبالتالي يمكن أن يكون هناك التزام بسلام دائم في المجتمع الدولي.
ظهر التعاون الدولي الهادف إلى تحقيق الأمن المشترك لأول مرّة خلال القرن التاسع عشر عقب نهاية الحروب النابليونية، حيث حاولت القوى الأوروبية العظمى إقامة نوع من التوازن فيما بينها في محاولة لتجنب الحرب وما ينجم عنها من أضرار.[8][9] كذلك شهدت هذه الفترة ولادة القانون الدولي مع توقيع اتفاقية جنيف التي نصّت على بضعة قواعد تتعلق بالإغاثة الإنسانية أثناء الحروب، واتفاقيات لاهاي من عاميّ 1899 و1907 التي وضعت بضعة قواعد وقوانين تحكم سير الحروب، وتحدثت عن التسوية السلمية للمنازعات الدولية.[10][11] نشأت منظمة السلام الدولية السابقة لعصبة الأمم، ألا وهي الاتحاد البرلماني الدولي، على يد الناشطين السلميين: ويليام راندال كريمر وفريدريك باسي، سنة 1889. اعتبرت هذه المنظمة ذات طابع دولي بحلول عام 1914، عندما كان ثلث أعضائها يمثلون الدول البرلمانية الأربع والعشرين القائمة في ذلك الزمن، وكانت أهداف هذه المنظمة تتلخص في تشجيع الحكومات على حل المنازعات الدولية بالطرق السلمية، بما فيها التحكيم، وكانت تعقد مؤتمرات سنوية لمساعدة الحكومات على تحسين مهاراتها في إجراء المفاوضات. كانت هذه المنظمة تتكون من مجلس يرأسه رئيس منتخب، وقد استمدت العصبة شكل هيكليتها الداخلية من هيكلية هذه المنظمة.[12]
مع بزوغ فجر القرن العشرين، ظهرت كتلتان عسكريتان في أوروبا، ولدتا عن طريق أحلاف أقامتها القوى العظمى مع بعضها البعض، وقد بيّنت هذه الأحلاف مدى خطورتها عندما اندلعت الحرب العالمية الأولى سنة 1914، إذ قامت بجرّ جميع القوى الأوروبية العظمى إلى أتون الحرب. كانت هذه الحرب هي الأولى من نوعها في أوروبا بين الدول الصناعية، والمرة الأولى التي جرى فيها تكريس المصانع ومنتجاتها لصالح الجيوش، وقد تسببت في مصرع أكثر من ثمانية ملايين ونصف مليون جندي، وحوالي 21 مليون جريح، ومقتل ما يقرب من 10 ملايين مدني.[13][14] بعد أن وضعت الحرب أوزارها في شهر نوفمبر من سنة 1918، تبيّن مدى جسامة الأضرار التي لحقت بأوروبا سواءً على المستوى الاجتماعي أو السياسي أو الاقتصادي،[15] فبرز تيّار مناوئ للحروب بعامّة حول العالم؛ ووُصف أتباعه الحرب العالمية الأولى بأنها “حرب إنهاء الحروب”،[16][17] وقالوا بعدّة أسباب يجب معالجتها كي لا تُجرّ الدول إلى قتال بعضها البعض مجددًا، ومن هذه الأسباب: سباق التسلّح، المحالفات، الدبلوماسية السريّة، وحريّة الدول ذات السيادة بالدخول في أي حرب طالما أنها ترى في ذلك تحقيقًا لمصالحها. رأى أتباع هذا التيّار أن معالجة هذه الأسباب تكمن في إنشاء منظمة دولية تهدف إلى منع قيام حروب مستقبلية عبر نزع السلاح، والدبلوماسية المفتوحة، والتعاون الدولي، تقييد حق الدول في إعلان الحرب، وتوقيع عقوبات صارمة على الدولة التي تقدم على إعلان الحرب، الأمر الذي يجعل من الأخيرة منفرة بالنسبة للأمم المختلفة.[18]
خلال الفترة التي كانت فيها الحرب ما تزال تدور رحاها في أوروبا، كانت عدّة حكومات ومنظمات قد طوّرت مجموعة من الخطط الهادفة إلى الحيلولة دون نشوب هكذا حرب مجددًا.[16] كان الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون ومستشاره العقيد إدوارد ماندل هاوس، أكثر الحكوميين تحمسًا لفكرة إنشاء عصبة تحول دون تكرار سفك الدماء الذي حصل، وكان إنشائها محور مبادئ ويلسون الأربعة عشر للسلام، التي تحدث عنها في خطابه أمام الكونغرس،[19] وقد نص المبدأ الأخير منها على أن: «يجب تشكيل جمعية عامة من الأمم بموجب المواثيق المحددة لغرض منح ضمانات متبادلة من الاستقلال السياسي والسلامة الإقليمية للدول الكبرى والصغرى على حد سواء».[20] أقدم الرئيس ويلسون، قبل أن تتم صياغة أية بنود في اتفاقية السلام، أقدم على إرسال فريق بقيادة العقيد هاوس ليجمع ما تيسّر من معلومات ضرورية لتقييم الوضع الجغرافي السياسي في أوروبا. وفي أوائل يناير من عام 1918، استدعى ويلسون العقيد هاوس إلى واشنطن وبحث معه في النتائج التي توصّل إليها الفريق الأمريكي، وذلك بسريّة تامّة، ثم أعلن الرئيس في خطبة له أمام الكونغرس في 8 يناير سنة 1918، عن عزمه إنشاء منظمة سلام دولية بالتعاون مع القوى العظمى في أوروبا، الأمر الذي أثار دهشة الأعضاء المجتمعين.[21]
تأثرت مخططات ويلسون الأخيرة المتعلقة بعصبة الأمم، بأفكار رئيس وزراء جنوب أفريقيا، جون كريستيان سمطس، فقد كان الأخير قد نشر مقالة في عام 1918 تحمل عنوان “عصبة الأمم: اقتراح عملي” (بالإنجليزية: The League of Nations: A Practical Suggestion‏)، ووفقًا لبعض المؤرخين، فقد أعجب ويلسون بأفكار سمطس إعجابًا شديدًا، و”تبنّاها هي وأسلوبه”.[22] عاد الرئيس ويلسون إلى الولايات المتحدة في 8 يوليو سنة 1919، وأطلق حملة وطنية كبيرة هدفت إلى استقطاب الرأي العام الأمريكي وتأييد الشعب انضمام دولته إلى العصبة. وفي 10 يوليو، خطب ويلسون أمام مجلس الشيوخ وقال في كلمته: «لقد أُُلقي على عاتق هذه الأمة العظيمة دورًا جديدًا ومسؤولية جديدة علينا أن نحترمها، ونتمنى لو نستطيع تأديتها بأعلى المستويات». لقي هذا الخطاب تأييدًا ضئيلاً من التكتلات السياسية الأمريكية، وبخاصة من الحزب الجمهوري.[23]
خرج المجتمعون من مؤتمر باريس للسلام وقد اتفقوا على الحفاظ على السلام الدائم بعد الحرب العالمية الأولى، ووافقوا على تأليف عصبة الأمم التي دعا إليها الرئيس ويلسون في 25 يناير سنة 1919.[24] صيغ ميثاق العصبة من قبل جمعيّة مختصة، وتأسست العصبة بشكل رسمي بعد أن نصّ عليها في الفقرة الأولى من معاهدة فيرساي. وفي 28 يونيو سنة 1919،[25][26] قامت 44 دولة بالتوقيع على ميثاق العصبة، منها 31 دولة شاركت بالحرب إلى جانب كتلة الوفاق الثلاثي، وعلى الرغم من جهود ويلسون الحثيثة لإنشاء العصبة، والتي مُنح بسببها جائزة نوبل للسلام في شهر أكتوبر من عام 1919،[27] فإن الولايات المتحدة، بقيادة الكونغرس والجمهوري، رفضت التصديق على ميثاق العصبة أو الانضمام لها. فقد رأت الولايات المتحدة في النظام التأسيسي للعصبة محاولة من الدول الأوروبية الاستعمارية الكبرى للاستئثار بغنائم الحرب العالمية الأولى.
عقدت عصبة الأمم أول اجتماعاتها في 16 يناير 1920، أي بعد إبرام معاهدة فيرساي بستة أيام وانتهاء للحرب العالمية الأولى بشكل رسمي.[28] نُقل مقر العصبة إلى
جنيف في نوفمبر من نفس العام، حيث عُقدت أولى الجلسات في الخامس عشر منه،[29] وحضرها ممثلون عن 41 دولة.

عصبة الامم

كاتب الموضوع الأصلي: عامر العجمي320

نشأتها ..

يرجع أول طرح لمفهوم مجتمع سلمي للأمم إلى عام 1795، عندما طرح إيمانويل كانط كتابه السلام الدائم : صورة فلسفية .[5] ولخص الفكرة في تكوين عصبة للأمم للحكم في النزاعات وتعزيز السلام بين الدول،[6] حيث كانت فكرة كانط تتلخص بإقامة عالم يسوده السلام، ليس بمعنى أن يكون هناك حكومة عالمية، ولكن كان يأمل في أن تتعامل كل دولة بوصفها دولة حرة تحترم مواطنيها، وترحب بالزوار الأجانب. لذا فإن اتحاد الدول الحرة من شأنه أن يعزز المجتمع السلمي في جميع أنحاء العالم، وبالتالي يمكن أن يكون هناك التزام بسلام دائم في المجتمع الدولي.
ظهر التعاون الدولي الهادف إلى تحقيق الأمن المشترك لأول مرّة خلال القرن التاسع عشر عقب نهاية الحروب النابليونية، حيث حاولت القوى الأوروبية العظمى إقامة نوع من التوازن فيما بينها في محاولة لتجنب الحرب وما ينجم عنها من أضرار.[8][9] كذلك شهدت هذه الفترة ولادة القانون الدولي مع توقيع اتفاقية جنيف التي نصّت على بضعة قواعد تتعلق بالإغاثة الإنسانية أثناء الحروب، واتفاقيات لاهاي من عاميّ 1899 و1907 التي وضعت بضعة قواعد وقوانين تحكم سير الحروب، وتحدثت عن التسوية السلمية للمنازعات الدولية.[10][11] نشأت منظمة السلام الدولية السابقة لعصبة الأمم، ألا وهي الاتحاد البرلماني الدولي، على يد الناشطين السلميين: ويليام راندال كريمر وفريدريك باسي، سنة 1889. اعتبرت هذه المنظمة ذات طابع دولي بحلول عام 1914، عندما كان ثلث أعضائها يمثلون الدول البرلمانية الأربع والعشرين القائمة في ذلك الزمن، وكانت أهداف هذه المنظمة تتلخص في تشجيع الحكومات على حل المنازعات الدولية بالطرق السلمية، بما فيها التحكيم، وكانت تعقد مؤتمرات سنوية لمساعدة الحكومات على تحسين مهاراتها في إجراء المفاوضات. كانت هذه المنظمة تتكون من مجلس يرأسه رئيس منتخب، وقد استمدت العصبة شكل هيكليتها الداخلية من هيكلية هذه المنظمة.[12]
مع بزوغ فجر القرن العشرين، ظهرت كتلتان عسكريتان في أوروبا، ولدتا عن طريق أحلاف أقامتها القوى العظمى مع بعضها البعض، وقد بيّنت هذه الأحلاف مدى خطورتها عندما اندلعت الحرب العالمية الأولى سنة 1914، إذ قامت بجرّ جميع القوى الأوروبية العظمى إلى أتون الحرب. كانت هذه الحرب هي الأولى من نوعها في أوروبا بين الدول الصناعية، والمرة الأولى التي جرى فيها تكريس المصانع ومنتجاتها لصالح الجيوش، وقد تسببت في مصرع أكثر من ثمانية ملايين ونصف مليون جندي، وحوالي 21 مليون جريح، ومقتل ما يقرب من 10 ملايين مدني.[13][14] بعد أن وضعت الحرب أوزارها في شهر نوفمبر من سنة 1918، تبيّن مدى جسامة الأضرار التي لحقت بأوروبا سواءً على المستوى الاجتماعي أو السياسي أو الاقتصادي،[15] فبرز تيّار مناوئ للحروب بعامّة حول العالم؛ ووُصف أتباعه الحرب العالمية الأولى بأنها “حرب إنهاء الحروب”،[16][17] وقالوا بعدّة أسباب يجب معالجتها كي لا تُجرّ الدول إلى قتال بعضها البعض مجددًا، ومن هذه الأسباب: سباق التسلّح، المحالفات، الدبلوماسية السريّة، وحريّة الدول ذات السيادة بالدخول في أي حرب طالما أنها ترى في ذلك تحقيقًا لمصالحها. رأى أتباع هذا التيّار أن معالجة هذه الأسباب تكمن في إنشاء منظمة دولية تهدف إلى منع قيام حروب مستقبلية عبر نزع السلاح، والدبلوماسية المفتوحة، والتعاون الدولي، تقييد حق الدول في إعلان الحرب، وتوقيع عقوبات صارمة على الدولة التي تقدم على إعلان الحرب، الأمر الذي يجعل من الأخيرة منفرة بالنسبة للأمم المختلفة.[18]
خلال الفترة التي كانت فيها الحرب ما تزال تدور رحاها في أوروبا، كانت عدّة حكومات ومنظمات قد طوّرت مجموعة من الخطط الهادفة إلى الحيلولة دون نشوب هكذا حرب مجددًا.[16] كان الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون ومستشاره العقيد إدوارد ماندل هاوس، أكثر الحكوميين تحمسًا لفكرة إنشاء عصبة تحول دون تكرار سفك الدماء الذي حصل، وكان إنشائها محور مبادئ ويلسون الأربعة عشر للسلام، التي تحدث عنها في خطابه أمام الكونغرس،[19] وقد نص المبدأ الأخير منها على أن: «يجب تشكيل جمعية عامة من الأمم بموجب المواثيق المحددة لغرض منح ضمانات متبادلة من الاستقلال السياسي والسلامة الإقليمية للدول الكبرى والصغرى على حد سواء».[20] أقدم الرئيس ويلسون، قبل أن تتم صياغة أية بنود في اتفاقية السلام، أقدم على إرسال فريق بقيادة العقيد هاوس ليجمع ما تيسّر من معلومات ضرورية لتقييم الوضع الجغرافي السياسي في أوروبا. وفي أوائل يناير من عام 1918، استدعى ويلسون العقيد هاوس إلى واشنطن وبحث معه في النتائج التي توصّل إليها الفريق الأمريكي، وذلك بسريّة تامّة، ثم أعلن الرئيس في خطبة له أمام الكونغرس في 8 يناير سنة 1918، عن عزمه إنشاء منظمة سلام دولية بالتعاون مع القوى العظمى في أوروبا، الأمر الذي أثار دهشة الأعضاء المجتمعين.[21]
تأثرت مخططات ويلسون الأخيرة المتعلقة بعصبة الأمم، بأفكار رئيس وزراء جنوب أفريقيا، جون كريستيان سمطس، فقد كان الأخير قد نشر مقالة في عام 1918 تحمل عنوان “عصبة الأمم: اقتراح عملي” (بالإنجليزية: The League of Nations: A Practical Suggestion‏)، ووفقًا لبعض المؤرخين، فقد أعجب ويلسون بأفكار سمطس إعجابًا شديدًا، و”تبنّاها هي وأسلوبه”.[22] عاد الرئيس ويلسون إلى الولايات المتحدة في 8 يوليو سنة 1919، وأطلق حملة وطنية كبيرة هدفت إلى استقطاب الرأي العام الأمريكي وتأييد الشعب انضمام دولته إلى العصبة. وفي 10 يوليو، خطب ويلسون أمام مجلس الشيوخ وقال في كلمته: «لقد أُُلقي على عاتق هذه الأمة العظيمة دورًا جديدًا ومسؤولية جديدة علينا أن نحترمها، ونتمنى لو نستطيع تأديتها بأعلى المستويات». لقي هذا الخطاب تأييدًا ضئيلاً من التكتلات السياسية الأمريكية، وبخاصة من الحزب الجمهوري.[23]
خرج المجتمعون من مؤتمر باريس للسلام وقد اتفقوا على الحفاظ على السلام الدائم بعد الحرب العالمية الأولى، ووافقوا على تأليف عصبة الأمم التي دعا إليها الرئيس ويلسون في 25 يناير سنة 1919.[24] صيغ ميثاق العصبة من قبل جمعيّة مختصة، وتأسست العصبة بشكل رسمي بعد أن نصّ عليها في الفقرة الأولى من معاهدة فيرساي. وفي 28 يونيو سنة 1919،[25][26] قامت 44 دولة بالتوقيع على ميثاق العصبة، منها 31 دولة شاركت بالحرب إلى جانب كتلة الوفاق الثلاثي، وعلى الرغم من جهود ويلسون الحثيثة لإنشاء العصبة، والتي مُنح بسببها جائزة نوبل للسلام في شهر أكتوبر من عام 1919،[27] فإن الولايات المتحدة، بقيادة الكونغرس والجمهوري، رفضت التصديق على ميثاق العصبة أو الانضمام لها. فقد رأت الولايات المتحدة في النظام التأسيسي للعصبة محاولة من الدول الأوروبية الاستعمارية الكبرى للاستئثار بغنائم الحرب العالمية الأولى.
عقدت عصبة الأمم أول اجتماعاتها في 16 يناير 1920، أي بعد إبرام معاهدة فيرساي بستة أيام وانتهاء للحرب العالمية الأولى بشكل رسمي.[28] نُقل مقر العصبة إلى
جنيف في نوفمبر من نفس العام، حيث عُقدت أولى الجلسات في الخامس عشر منه،[29] وحضرها ممثلون عن 41 دولة.

الحصانه الدبلوماسيه

كاتب الموضوع الأصلي: رشيد الخمشي 20

هي نوع من الحصانة القانونية وسياسة متبعة بين الحكومات تضمن عدم ملاحقة ومحاكمة الدبلوماسيين تحت طائلة قوانين الدولة المضيفة. تم الاتفاق على الحصانة الدبلوماسية كقانون دولي في مؤتمر فيينا للعلاقات الدبلوماسية الذي عقد في 1961.

الحَصانة الدبلوماسية مصطلح قانوني للامتياز الذي يمُنح إلى بعض الناس الذين يعيشون في البلاد الأجنبية. وهو يسمح لهم أن يظلوا خاضعين لسلطة القوانين في بلادهم. فالسفراء أو الوزراء والوكلاء الدبلوماسيون الآخرون يُمْنَحون هذا الامتياز. ومثل هؤلاء الوكلاء لا يمكن القبض عليهم لمخالفة قوانين البلاد التي يُرسلون إليها. ولكن إذا خالفوا القوانين المحلية فإن حكوماتهم قد تطالب باستدعائهم، وهناك اتفاقات دولية تنظم معاملة الوكلاء الدبلوماسيين والمكان الطبيعي الذي تشغله السفارات وأماكن المندوبين الرسميين، والقنصليات في البلاد الأجنبية.

الحصانة الدبلوماسية واحدة من الاوراق السياسية والقانونية الرابحة للاشخاص الدبلوماسيين الذين يواجهون الضغوطات والتهديدات الممارسة من قبل الانضمة التي تطالب بمحاكمتهم أو تصفيتهم في بعض الأحيان وتعتبر الوسيلة المثلى لكف هده الضغوطات.

تشرشل في سطور

كاتب الموضوع الأصلي: محمد العمر 13

تشرشل في سطور

1874 ولادة ونستون تشرشل في 30 تشرين الثاني .
1888 الانتساب إلى المدرسة الثانوية .
1894 التخرج من الكلية الحربية، والالتحاق بوحدة استطلاعية كانت ترافق الجيش الإسباني في كوبا.
1895 الانتقال إلى الهند وبداية رحلة التثقيف الذاتي.
1898 تشرشل ينشر كتابه الأول “قصة قوات سهل مالاكاند”.
1899 انتقاله إلى أفريقيا واعتقاله ثم فراره وعودته إلى الجبهة. الأمر الذي أدى إلى شهرته عالميا.
1901 انتخابه عضوا في البرلمان عن حزب المحافظين.
1904 انتقاله إلى حزب الأحرار وتوليه عدة مناصب مكنته من إدخال إصلاحات اجتماعية وتحديث القوات البحرية.
1914 فشله في عدة مهمات خلال الحرب العالمية الأولى، وتجريده من مناصبه.
1916 استدعاؤه مجددا لتولي منصب وزير الإمدادات.
1922 سقوطه في الانتخابات النيابية.
1922 ـ 1939 فترة من الاضطراب وعدم الاستقرار السياسي في حياته، وعودته إلى حزب المحافظين.
1939 استدعاؤه مجددا لقيادة القوات البحرية بعد نشوب الحرب العالمية الثانية.
1940 تشرشل يتولى رئاسة الحكومة ووزارة الدفاع.
1945 سقوط حزب المحافظين بعد 20 سنة في الحكم.
1951 تشرشل يتولى رئاسة الحكومة.
1953 حصوله على لقب “فارس” وعلى جائزة نوبل للآداب.
1955 استقالته من رئاسة الحكومة في عيد ميلاده الثمانين.
1965 وفاته في 24 كانون الثاني 1965.

من غرائب القرن العشرين التي تكاد أن لا تحصى، انه في الوقت الذي كان رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل يوقع على أمر بالبدء بإنتاج القنبلة الهيدروجينية، كان ونستون تشرشل الكاتب يفوز بجائزة نوبل للآداب.

من المؤكد أن المفارقة ستكون أكبر لو أن السير ونستون فاز بجائزة نوبل للسلام، على غرار مناحيم بيغن مثلا، ولكن ذلك لا يقلل من غرابة تلك الجائزة، ولا من مواهب تشرشل المتعددة.

فإلى كونه جنديا وكاتبا ورساما وسياسيا، اشتهر هذا الزعيم البريطاني بروح النكتة وبإطلاق حركات وشعارات معينة، زال بعضها لأن الزمن قد تجاوزه، مثل إطلاق اسم “الستار الحديدي” على الحالة الأوروبية بعد الحرب العالمية الثانية وانقسام أوروبا إلى شرقية وغربية؛ فيما لا يزال بعضها الآخر مستعملا حتى اليوم كرفع اليد مع فتح السبابة والإصبع الأوسط فيما يعرف بـ “إشارة النصر”.

ولد ونستون تشرشل في 30 تشرين الثاني 1874 في قصر بلاينهام، القصر الشهير القريب من أوكسفورد، مقر حكام مقاطعة مارلبورو، وقد بني في عهد جده السابع، “دوق مارلبورو الأول”، تيمنا بالانتصارات التي حققها عام 1704 .

في هذا الجو العابق برائحة التاريخ نشأ هذا الشاب وهناك تعرف على كليمانتين هوزييه وصارا خطيبين. وعندما كتب، فيما بعد، “حياة وأيام جون تشرشل، دوق مارلبورو”، شكلت قاعات ذلك القصر وحدائقه النبع الذي استقى منه تشرشل مصادر كتابه.

كان والده اللورد راندولف تشرشل ووالدته أميركية الأصل تدعى جيني جيروم. توفي والده وهو في السادسة والأربعين من عمره في ظروف مأساوية أدت إلى تجريده من لقبه، رغم انه كان قد بدأ حياته السياسية بنجاح عظيم واستطاع أن يتولى منصب وزارة المالية وهو في الثلاثين من العمر.

وهكذا كان على تشرشل الصغير، ابن “اللورد” وحفيد الدوق أن يشق طريقه بنفسه وان يكسب رزقه بقلمه ولسانه، ساعدته في ذلك والدته التي كانت دائما إلى جانبه.

لم تكن حياة تشرشل مماثلة لحياة والده، بل على العكس منها تماما. فهو لم يظهر أي نجاح في المدرسة الثانوية التي دخلها عام 1888، حتى انه لم يتمكن من الوصول أبدا إلى الصفوف العليا. إذ كان غير مبال باللغة الإنكليزية وأدبها الكلاسيكي، مفضلا استعمال لغته الخاصة.

ترك تشرشل الثانوية والتحق بالمدرسة الحربية الملكية في ساندهيرست وتخرج منها عام 1894. كانت مهمته الأولى مع الجيش الإسباني في كوبا الذي كان يقاتل الاستقلاليين الكوبيين.

ثم أرسل إلى الهند حيث قضى مدة طويلة، كانت كافية لقيامه بنوع من التربية والتثقيف الذاتيين.

فقد كانت أمه ترسل له صناديق من الكتب، وكان يطالعها كلها. وقد تأثر بالمؤرخين غيبون وماكولي وبنظرية داروين في النشوء والارتقاء.

عام 1898 نشر كتابه الأول “قصة قوات سهل مالاكاند”، وكان بمثابة خلاصة تجربته في الهند. نقل بعد ذلك إلى السودان والى جنوب أفريقيا حيث قام بوظيفته كجندي وبعمل آخر هو مراسلة صحيفة مورننغ بوست.

قبل نهاية القرن كانت شهرة تشرشل قد عمت أرجاء العالم الغربي. فقد قامت قوات البوير في أفريقيا الجنوبية باعتقاله، ولكنه تمكن من الفرار عبر جمهورية وسط أفريقيا وعاد مجددا إلى جبهة القتال في الناتال.

وقد كتب تشرشل قصة هروبه من المعتقل وعودته إلى الجبهة في كتابين صغيرين، ثم قام بجولة في الولايات المتحدة، ألقى خلالها محاضرات عن هربه. وقد جعلت تلك الجولة اسمه على كل شفة ولسان، كما أن المبلغ الذي جناه من تلك الجولة مكنه من دخول البرلمان ( لم يكن أعضاء البرلمان في ذلك الحين يتقاضون أية رواتب في ذلك الحين).

في 23 كانون الثاني 1901 انتخب تشرشل عضوا في البرلمان ممثلا حزب المحافظين عن دائرة “اولدهام”. ولكن تعاطفه مع قضية الوطنيين الأفريقيين، التي اختبرها عن كثب، واعتراضه على عدد من مشاريع القوانين سرعان ما دفعاه إلى ترك المحافظين والانضمام إلى حزب الأحرار (1904).

ومن هناك بدأت رحلته في السياسة، إلى جانب متابعته الكتابة. أول منصب تقلده كان نائب وزير المستعمرات. وقد لعب دورا هاما في إنهاء حرب البوير.
عام 1906 نشر كتابا عن سيرة حياة والده “اللورد راندولف تشرشل”، وفي 1908 كتاب “رحلتي الأفريقية”. وفي السنة نفسها تزوج من الفتاة التي التقاها في طفولته، كليمانتين هوزييه، وقد انجبا صبيا واربع بنات توفيت إحداهن وهي طفلة.

ساعدته المناصب التي تولاها في بداية حياته السياسية على إدخال تشريعات هامة في مجالات المساعدات الاجتماعية، منها الضمان الصحي وتعويضات البطالة. وفيما بين 1910 ـ 1915 ساهم مع وزير البحرية اللورد فيشر في عصرنة الأسطول البريطاني في مواجهة القوة البحرية الهائلة التي أنشأتها ألمانيا.

مع بدء الحرب العالمية الأولى واحتلال الألمان لبلجيكا، قاد تشرشل حملة مضادة، إلا أنها فشلت في تحقيق أهدافها. ولم تكن محاولته احتلال الدردنيل لعزل تركيا عن أوروبا أفضل حالا. وقد اجبر تشرشل على تحمل الفشل في الحالتين. وعندما سقطت حكومة الأحرار وحلت محلها حكومة ائتلافية من الأحرار والمحافظين ( 1915)، كان الشرط الأول للمحافظين للقبول بالتحالف هو تجريد تشرشل من منصبه كقائد للقوات البحرية.

بدا لتشرشل ان حياته السياسية قد انتهت، فتعلم الرسم، كهواية وكتعزية. ولكنه بقي يمارسه حتى نهاية حياته.

لم يغب تشرشل عن المسرح طويلا، إذ سرعان ما دعاه رئيس الوزراء لويد جورج إلى تولي منصب وزير الإمدادات العسكرية (1916). وبنهاية الحرب صار وزير الدولة لشؤون الحرب والقوات الجوية، حيث عمل على تحديث القوات الجوية البريطانية، وصار هو نفسه طيارا.

سقط تشرشل في انتخابات 1922 وابتعد مؤقتا عن السياسة، ثم عاش فترة مضطربة تنقل خلالها بين عضوية حزب المحافظين وحزب الأحرار. كما تسلم عدة مناصب وزارية، إلا انه لم يكن سعيدا بالصلاحيات المحدودة التي منحت له فابتعد عن السياسة تماما في الأعوام العشرة 1929 ـ 1939، وانصرف إلى الكتابة والى ممارسة هوايته الجديدة الرسم. ونشر “طفولتي” (1930)؛ “مارلبورو” ( 4 أجزاء 1933 – 1938)؛ “أفكار ومغامرات” (1932)؛
“معاصرون عظماء” (1937).

مع بداية الحرب العالمية الثانية كان لا بد من الاستعانة بتشرشل نظرا لخبرته والجهود التي بذلها لتنظيم القوى البحرية والجوية عندما كان في السلطة. فعين قائدا أعلى للبحرية. ولكن الهجوم الألماني على أوروبا كان سريعا وفعالا. فسقطت بولندا والبلاد المنخفضة وتبعتها فرنسا، دونما مقاومة تذكر.

بحلول العاشر من أيار 1940 ، وفي وسط الكارثة التي كانت آثارها قد بدأت بالظهور اختير تشرشل ليكون الزعيم والقائد الأول لبريطانيا، فتولى منصبي رئاسة الحكومة ووزارة الدفاع على مدى السنوات الخمس التالية. في البداية كان على بريطانيا أن تحارب وحدها، إذ لم يكن من قوة أوروبية قادرة على ذلك. وكان على تشرشل أن يستنهض همم الأوروبيين للقيام بأعمال المقاومة ضد الألمان، وان يدافع عن حدود بريطانيا نفسها.

وكانت مهمته صعبة لأن بريطانيا خسرت العديد من معداتها الحربية اثر احتلال فرنسا وأثناء محاولة إخلاء دنكرك. ولكن تشرشل عمل سريعا على احتضان حركة المقاومة الفرنسية التي قادها ديغول، وعلى صداقته للرئيس الأميركي روزفلت، التي بدأت نتائجها تظهر من خلال تزويد الأوربيين بالسلاح والعتاد أولا ثم في دخول الولايات المتحدة نفسها الحرب وتشكيل ما عرف بقوات الحلفاء.بعد فترة من نشوب الحرب تولد لدى تشرشل نوع من الاعتقاد بأن ألمانيا لن تجازف بمحاولة احتلال بريطانيا.

وقد شجعه ذلك على إرسال واحدة من الفرقتين العسكريتين الباقيتين في الجزيرة إلى مصر للامساك بالمعبر الأساسي إلى الشرق الأقصى. ولكن نقطة التحول في الحرب كانت استفادته من الأخطاء التي ارتكبها أعداؤه.

فهجوم ألمانيا على الاتحاد السوفياتي دفع ستالين إلى إعلان الحرب، كما أن الهجوم الياباني على بيرل هاربر، واستغلاله من قبل هتلر لإعلان الحرب على الولايات المتحدة، تركا مجالا ضيقا للاختيار أمام الرئيس الأميركي روزفلت.

وهكذا انقسم العالم إلى حلفين كبيرين، ألمانيا وإيطاليا واليابان من جهة، وأميركا والاتحاد السوفياتي وبريطانيا وحكومة فرنسا في المنفى برئاسة ديغول. وكان أن انتهت الحرب العالمية الثانية بهزيمة كبرى للحلف الأول، وبانتصار تشوبه عدة شوائب بالنسبة للحلف الثاني.

وقد ظهرت بوادر ذلك في مؤتمري طهران ويالطا اللذين عقدا بحضور روزفلت وتشرشل وستالين وديغول. وفيهما ظهر الخلاف الواضح بين تشرشل الذي أراد الحد من التوسع السوفياتي داخل أوروبا، وبين روزفلت الذي لم يجاره في هذا الأمر. وكانت النتيجة أن الاتحاد السوفياتي صار صاحب نفوذ على معظم دول أوروبا الشرقية.

بعد استسلام ألمانيا، أيار 1945، قاد تشرشل مواكب المحتفلين بالنصر في شوارع لندن، إلا انه ـ كما ورد في أحد كتبه ـ كان يشعر بغصة في القلب لعدم قدرته على الحد من النفوذ الشيوعي داخل أوروبا. وقد تبع ذلك، وفي اقل من شهرين، وحتى قبل استسلام اليابان، سقوط حكومته في انتخابات تموز 1945.

ومرة أخرى شعر تشرشل بغصة رغم علمه أن نتيجة الانتخاب لم تكن موجهة ضده بمقدار ما كانت تعبيرا عن رغبة البريطانيين بالتجديد بعد عشرين سنة من حكم المحافظين.

بعد تولي حزب العمال الحكم، انصرف تشرشل إلى الكتابة والرسم، فكتب مؤلفه الضخم ” الحرب العالمية الثانية (6 أجزاء 1948 ـ 1953)، كما عرض لوحاته دوريا في الأكاديمية الملكية.

عاد تشرشل إلى رئاسة الوزارة مجددا عام 1951 وهو في السابعة والسبعين من العمر، واستمر حتى العام 1955، عندما استقال في عيد ميلاده الثمانين في التاسع من نيسان، ولكن ليس قبل أن يحقق أمنيات عزيزة على قلبه.

فقد شارك في تتويج الملكة الفتية اليزابيت الثانية (حزيران 1953) بصفته “فارسا” (Sir)، ونال جائزة نوبل للآداب في السنة نفسها.

لم ينقطع تشرشل عن ممارسة السياسة بل تابع حضور جلسات مجلس العموم حتى تموز 1964، حيث تقاعد إلى أن وافته المنية في 24 كانون الثاني 1965.

وقد أقيم له مأتم رسمي وشعبي ودفن في حديقة الكنيسة الصغيرة التابعة لقصر بلاينهايم حيث ولد قبل تسعين سنة

الشورى وأثرها في الديمقراطية

كاتب الموضوع الأصلي: محمد العمر 13

الشورى وأثرها في الديمقراطية:
تأليف: الدكتور عبد الحميد إسماعيل الأنصاري
مراجعة: الدكتور عبد الله أبو عزة
قضية الشورى هي أخطر وأهم القضايا التي تركت وتترك أثرها على حياة أمتنا في ماضيها وحاضرها ومستقبلها. وفي غياب الشورى يسود الطغيان وينشر الإرهاب ظله القائم. وحيث تفتقد الشورى يصبح التناحر والمحسوبية والسرقات وغيرها من مظاهر الحياة اليومية, أمراضا تنهك جسد الأمة, وتهده وتعجزه عن القيام بأعباء البناء, وعن التصدي لهجمات الأعداء.
فماذا في كتاب الشورى وأثرها في الديمقراطية؟؟
إن غياب الشورى يمكن المنحرفين واللصوص والطغاة من إخفاء كل جرائمهم, وييسر لهم الاستمرار في الإجرام, ويسد الطرق أمام محاولات الإصلاح, وإمام النهضة الحقيقية التي تتطلع إليها الأمة, لذا كان كتاب” الشورى وأثرها في الديمقراطية”, الذي نحاول تقديمه للقراء في هذه السطور القليلة, خليقا بأن يلقى ما يستحقه من عناية قراء العربية, والمهتمين بأمر مستقبل هذه الأمة, سواء على المستوى العربي أو الإسلامي.
وكتاب الدكتور الأنصاري ليس أول كتاب يعالج موضوع الشورى, ولن يكون آخرها, لكنه ـ فيما أعلم ـ من أهم هذه الكتب, وأكثرها شمولا, ويقع الكتاب في أربعمائة وخمسين صفحة, وقد أعده مؤلفه لينال به درجة الدكتوراه من جامعة الأزهر, وهو يضم مقدمة وفصلا تمهيديا يتلوه بابان وفصل ختامي. ويتناول المؤلف في الفصل التمهيدي تعريف الشورى والديمقراطية, ثم ينتقل ليعالج موضوع الشورى ضمن الباب الأول في ثلاثة فصول, حيث يتصدى لبحث حكم الشورى وما إذا كانت واجبة أو مندوبة, ونتيجة الشورى وما إذا كانت ملزمة لرئيس الدولة أو كانت معلمة , كما يتناول تحديد أهل الورى, ومكان المرأة, وأهل الذمة في المجالس الشورية. وهو في كل ذلك يستنطق النصوص, ويستعرض آراء القدامى والمحدثين, والمؤيدين والمعارضين لكل موقف, ثم يعرض وجهة نظره مؤيدة يراه من أدلة أو استنتاجات.
أما في الباب الثاني فيتناول موضوع الديمقراطية في فصلين, يستعرض في أولهما مقومات الديمقراطية من حيث مبدأ حكم الأغلبية, وصور الحكم الديمقراطي ومسيرات كل ذلك, والأسس التي تبنى عليها شرعية المعارضة في النظم الديمقراطية باعتبارها ضمانة للحريات والحقوق, مع إلقاء ضوء خاص على دور الأحزاب, بينما يستعرض في الفصل الثاني مبدأ الانتخاب التمثيلي وطرائقه, وما يعترضه من مشكلات وما يثور حوله من حوار وجدال.
ويخصص المؤلف الفصل الختامي من كتابه( للمقارنة بين نظامي الشورى والديمقراطية لإبراز أوجه المغايرة وأوجه الاتفاق وأوجه التأثير المتبادل)(ص ز من المقدمة), وذلك لمعرفة إمكانية الاستفادة من التجربة الديمقراطية المعاصرة, ومن ناحية أخرى لنبين إلى أي مدى يساهم نظام الشورى الإسلامي في تصحيح بعض أوجه الديمقراطية المعاصرة.(ص 225)
وقد خلص الدكتور الأنصاري إلى إن الشورى واجبة على رئيس الدولة وليست من المندوبات (ص97ـ 108) كما تبنى الرأي القائل بأن نتيجة الشورى ملزمة لولى الأمر حين تجتمع أغلبية أهل الشورى على رأى محدد, وذلك بعد أن ناقش الآراء المخالفة ورد حججها(ص214ـ222). أما عن أهل الشورى فقد مال المؤلف الى تحديدهم عن طريق الانتخاب الشعبي, ودحض جميع الآراء التي دعت إلى إيجاد نوع من الوصاية على المجلس النيابي المنتخب(246ـ157). كذلك أيد المؤلف أهلية المرأة لعضوية المجلس النيابي(265ـ320). بل اعتبر أن ذلك (يدخل في باب الواجب الكفائى, لأنه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)(ص320)ورأي جواز مشاركة أهل الذمة في عضوية المجالس النيابية في الدولة الإسلامية..(ص325)
أما في معرض المقارنة بين الشورى والديمقراطية فقد أشار ابتداء إلى أن( الشورى جزئية في نظام إسلامي متكامل, له فلسفته الخاصة, وأهدافه الخاصة, وكذلك فإن الديمقراطية نابعة من نظام له فلسفة وأهداف معينة, وقد طبق كل منهما في بيئات مختلفة(ص427). ومع ذلك فقد انتهى إلى اتفاق الشورى والديمقراطية فيما بتعلق باختصاص المجالس التمثيلية بالمسائل التشريعية ومناقشتها, واتفاقهما من حيث اعتبار رأى أغلبية أعضاء المجالس التمثيلية, ومن حيث حق المعارضة في التعبير عن رأيها, غير أنه شدد على شرط الالتزام بالقيم الأخلاقية والدينية والسلوك الحسن في عضوية المجالس النيابية. من وجهة نظر الشورى الإسلامية(ص429), وتوصل المؤلف إلى إمكان استخدام النظام الحزبي في ظل الشريعة الإسلامية, وذلك لان العمل الحزبي من الضرورات التي يستلزمها العمل السياسي في عصرنا, وقد اشترط الالتزام( بإطار الشريعة وأصولها) في ذلك(ص 438).
ولست أزعم إنني أقدم للقارئ ملخصا لمادة الكتاب في هذه السطور القليلة, وإنما أردت أن أبين رؤوس الموضوعات التي يتناولها بالدراسة والمقارنة والتحليل, وهي موضوعات في غاية التشعب, لا يمكن أن تلخص في مراجعة كهذه, كما إن لجوء المؤلف إلى استعراض وجوه الآراء المتعددة التي عرفها الفكر الإسلامي قديما وحديثا يفتح الكثير من الآفاق للتأمل والتفكير, ويزيد المادة تشعبا. ولعل من تمام التعريف بهذا الكتاب أن نأتي بمقتطفات من بعض فصوله ـ تحت عنوان” مبدأ حكم الأغلبية”” وصور الحكم الديمقراطي” يقول المؤلف:
“يجعل النظام الديمقراطي الحكم للأغلبية, حيث إنها المعبرة عن إرادة الامة, ومعنى ذلك إن إرادة الامة ليست إرادة المجتمع, بل هي إرادة الغالبية. وهذا قد يوحي بأن إرادة الأقلية لا يلتفت إليها, فكيف يمكن التوفيق بين إهمال الأقلية وبين معنى الديمقراطية بحسبانها تعبيرا عن جميع الإرادات المتصارعة في الامة؟ ثم إن حكم الأغلبية يتخذ إحدى ثلاث صور في التطبيق الديمقراطي وهي: الديمقراطية المباشرة والديمقراطية النيابية,والديمقراطية شبه المباشرة. أما الديمقراطية المباشرة فهي أقدم صور الديمقراطية ظهورا, وهي التي أخذت بها المدن الإغريقية, واقل الصور انتشارا في العصر الحاضر, إذ لا وجود لها إلا على نطاق محدود جدا وفي بعض المقاطعات السويسرية نظام الصغيرة. إما الديمقراطية غير المباشرة(النيابية) في هذا النظام يختار الشعب من آن لآخر نوابا يتولون الحكم لمدة محدودة باسمه ونيابة عنه, فلا يزاول الشعب سلطاته بنفسه, بل يقتصر دوره على اختيار نواب عنه, وتعد بعد ذلك إرادة هؤلاء النواب معبرة عن إرادة الناخبين(أي إرادة الشعب) فدور الشعب في هذا النظام مقصور على انتخاب الهيئة النيابية, ثم لا يشترك معها في الحكم…
وأما الديمقراطية شبه المباشرة فهي التي يمكن أن نعدها نظاما نيابيا متطورا. فهي تقوم على أساس برلمان منتخب مع الرجوع إلى الشعب في بعض الأمور الهامة التي تمثل في مظاهر الديمقراطية شبه المباشرة.
وهي مزيج من الديمقراطية النيابية والديمقراطية المباشرة أو نظام وسط بينهما. والشعب في هذا النظام يعتبر سلطة رابعة بجوار السلطات الثلاث, وقد انتشر هذا النظام في الآونة الأخيرة نتيجة انتشار التعليم والثقافة وزيادة الوعي السياسي, كعلاج لعيوب النظام النيابي..”
ويتحدث المؤلف عن مبدأ شرعية المعارضة فيقول:تقوم الديمقراطية على ساقين, أحدهما مبدأ حكم الأغلبية, والثانية مبدأ شرعية المعارضة, أما المعارضة فتلعب دورا بارزا في نظم الحكم الديمقراطية, ووجودها مبدأ أساسي في هذه النظم, وهو الذي يسمح بوصف تلك النظم بأنها حرة..ويرجع السبب في الاعتراف بحق المعارضة إلى إن فلسفة الديمقراطية تكمن في المذهب الفردي الحر الذي ينتهي إلى القول بوجود حقوق طبيعية..
ويتضح مركز الحريات عامة في النظام الديمقراطي وهي بهذا أن الحرية هي جوهر النظام الديمقراطي وهي بهذا الوصف تخضع السلطة الديمقراطية لهيمنتها, وكما إن القواعد الدستورية تعد اسمي من القواعد الدستورية وأوضاعها وأشكالها.
فمركز الحرية في النظام الدستوري كوضع النظام في النظام القانوني كله. فإذا تعارضت المبادئ الديمقراطية مع الحرية وجب تغليب الحرية, لان الحرية هي غاية النظام الديمقراطي, ومبادئ الديمقراطية كلها وسائل لغاية أساسية هي كفالة الحرية للفرد وللجماعة, ولا يجور أن تعطل الغاية الوسائل المستمرة لتحقيقها, كما لا
يجوز تغليب الشكل على الجوهر… وكذلك تتضح أهمية المعارضة في إننا إذا سلمنا للأغلبية بحق المنع والمنح, فقد سلمنا بمبدأ احتكار الصواب احتكارا مطلقا, وتجارب العالم كله في السياسة والتاريخ تدلنا على ان خطا اليوم قد يكون صواب الغد والعكس صحيح.
ولا مراء في إن لنا بعض الملاحظات على بعض الآراء الجزئية التي تبناها المؤلف, وعلى طريقة البحث المتبعة في بعض فصول الكتاب. بيد إن هذه الملاحظات تدور حول هنات بسيطة ـ في رأينا ـ لا تقلل من قيمة الكتاب, ولا تغض من وميض فكره.
وإنني أدعو كل المهتمين بالنهضة الإسلامية, وكل المعنيين بقضايا الفكر العربي, وقضايا الفكر الإسلامي المعاصر, أدعوهم جميعا إلى قراءة هذا الكتاب الجليل الفائدة

الأمن الوطني ووحدة الأمة

كاتب الموضوع الأصلي: محمد العمر 13

الأمن الوطني ووحدة الأمة
يهدف الأمن الوطني لأية دولة إلى تحقيق أمن المواطن وتأمين حدود الوطن، وضمان سلامة أراضيه، بما يكفل لشعبها وأراضيها الأمن والاستقرار وتوفير الحماية لنظام الدولة وأراضيها ومواطنيها وثرواتها الوطنية ضدّ أي اعتداء خارجي بكل الوسائل السياسية والاقتصادية والعسكرية والأمنية والعلمية، للمحافظة على مسيرة وإنجازات التنمية، وهذا يقتضي الحفاظ على الأمنالسياسي والأمن الاقتصادي والصناعي، وما إلى ذلك .

ولا شك في أن هذه القضايا تحتل مكاناً بارزاً في التفكير الاستراتيجي والسياسي والعسكري للقادة السياسيين والعسكريين، كما تحظى بمكانة بارزة في دوائر البحوث العلمية من قبل مراكز الأبحاث الاستراتيجية في الجامعات والمراكز العلمية والعسكرية التي تمدّ هؤلاء الزعماء والسياسيين بالرؤى والأفكار التي تُبنى عليها القرارات الحاسمة، خاصة تلك التي ترتبط بمصير الشعوب ومستقبل الأجيال المقبلة، وذلك من أجل حماية مقدرات الوطن والتعاطي مع الأزمات، واكتشاف القِوى الوطنية الكامنة التي تعزز حماية الوطن ووحدة الأمة، لأنها عامل رئيس من عوامل قوتها، حيث تؤكد النظريات الجيوبوليتيكية على العلاقة بين الدولة والأرض، ذلك لأن المساحة الموحدة التي تشكل إطاراً لسيادة الدولة هي من العوامل الأساسية في حماية هذه الدولة . وعلى حجم هذه المساحة تُبنى سياسات الدفاع الاستراتيجي العسكري والأمني، كما ابتدأ بذلك هيغل حين قال: “الإرادة العامة التي ينبغي أن تكون الدولة والاجتماع البشري تعبيراً عنها” .

والدولة هي الكل الذي لا يقبل التجزئة، وتمثل النقطة القصوى في تفسير روح السيادة وتمجيد القوة، وبما يحقق الوحدة بين الفكر والحياة والعمل والصيرورة التي تنسج مكّوك الوعي للطريقة والأسلوب الإنساني في الكينونة، وتكوين الآنية، وهي العامل الأصلي في حالة الفينومينولوجيا لفهم بناء الدولة، وفهم التجربة الإنسانية المعيشة مع غاية امتزاج الطابع العام في المسؤولية ذات الأهمية الكبرى بالإنسان المرتبط بفكره، وما يعتمل في ذهنه وأفعاله وتوجهاته، وفق المعايير الصادقة التي ترشد مسيرته، وتمنحه الديناميكية التي تشكل الدولة، وتغرس الانتماء المتجذر في نقاء الشهامة وشرف المناقبية، والحرص على القيم بالرعاية والحماية وتوفير سبل العيش الكريم لأبناء الوطن على السواء، بحيث تظل الكرامة الإنسانية في أعلى مستوياتها مركوزة في نفوسهم، والمروءة منغرسة في طباعهم للدفاع عن الوطن والوجود بقوة الحق، ومنطق الحقائق والضمائر، لأن الدفاع عن الوطن إلى جانب كونه فطرة مرتكزة في النفوس السوية، فإنه كذلك واجب وفرض على كل مواطن قادر .

كما أن روح المواطنة المطلوب منها العطاء بلا حدود في زمن السلم، يتوجب عليها بذل الغالي والنفيس في زمن الحرب، ومصلحة الوطن العليا ووحدة ترابه تبقيان فوق كل اعتبار- مهما كان- وهذا يتأتى من خلال تاريخ الإنسان الواعي، والذي تتجلى- مصلحة الوطن- فيه بالوعي والإرادة والإيمان، ويجعل من حب الوطن تعبيراً من تعابير العبادة، حتى شاع في الضمير العربي والإسلامي حب الوطن من الإيمان .

وهذا يجعل حب الوطن رباطاً بين واجبه المقدس الفطري في الدنيا، ومصيره في الآخرة كمفهوم أساسي، ونِتاجاً أصيلاً لتكامل المادة والروح بحيث تتميز الشخصية الإنسانية بوحدة اتجاهها، حيث تكون جميع استجاباتها الجزئية متفقة مع أهدافها العامة في معراجها المتسامي فوق الواقع، بل الرابط الذي يشده إلى الكون من خلال إيمانه بالله عز وجل، وذلك الإيمان هو أسمى درجات المعرفة والارتقاء بالنفس إلى المبادئ المثالية العالية، والمجلوة شطر الحق والبطولة والمجد للدفاع عن الوطن، وتساوق الفطرة مع العقل والعاطفة ليمتد الحنين في الحنايا كأجمل حنين يستشعره الإنسان بالانتماء إلى وطنه بكل شموخ، وقوة الإيمان بالله، ونبل الهدف، وصدق النية، وصفاء السريرة وثبات العزيمة .

الوطن يعني الحب والولاء والعطاء بكل أنواعه، وصفحة من صفحات الإشراق والثبات بعزم الإيمان وصدق الولاء والثوابت التي تثري على الدوام عزة الوطن ومجده ومدلولاته التي أهمها المواطنة الصالحة والانتماء الصادق الذي يربط أبناء الوطن بعضهم ببعض واضعين نصب أعينهم ولاءهم لقادة وطنهم . وكل عام والوطن

رينه ديكارت

كاتب الموضوع الأصلي: محمد العمر 13

**رينيه ديكارت**

ولد ديكارت (René Descartes) سنة 1596 في بلدة “لاهى” من بلدان مقاطعة “الثورين” قرب نهر “الكروز” بفرنسا. وينتسب ديكارت إلى أسرة من صغار الأشراف الفرنسيين، كان أبوه مستشارا ببرلمان “بريتاني”، أما أمه فماتت بعد مولده بثلاثة عشر شهرا.

تلقى ديكارت علومه الأولى في مدرسة “لافليش” إحدى مدارس اليسوعيين، فبقي يتعلم بها ثماني سنوات، تعلم فيها العلوم والفلسفة، وقضى السنوات الخمس الأولى في دراسة اللغات القديمة، والثلاثة الأخيرة في دراسة المنطق والأخلاق والرياضيات والطبيعيات والميتافيزيقيا.

قصد ديكارت هولندا ليتعلم صنعة الحرب على يد اشهر جندي في أوروبا موريس دوناسو وكان قد سبق ديكارت إلى البلاد الهولندية كثيرون من أشراف الفرنسيين، أرادوا مثله ان يخدموا تحت إمرة ذلك الجندي العظيم الذي حقق الكثير من الانتصارات. توجه ديكارت بعد ذلك إلى “بريدا” في هولندا فلقي هناك طبيبا مثقفا ذا علم واسع بالرياضة والطبيعة اسمه اسحق بيكمان فصادقه.

وفي ليلة 10 نوفمبر سنة 1619 تم الاكتشاف الديكارتي العظيم والذي يذهب الفيلسوف فيه إلى ان مجموع العلوم واحدة مؤتلفة في الحكمة، أي في المعرفة التي نستقيها من أنفسنا.

غادر ديكارت بلدة نويبرج على نهر الدانوب حيث تم هذا الاكتشاف وقضى السنوات التسع التالية متنقلا في البلاد، متفرجا على مسرح الدنيا. وفي سنة 1628/ 1629 كتب رسالة صغيرة في الميتافيزيقيا موضوعها “وجود الله ووجود الروح” والقصد منها ان تبسط شيئا من قواعد الطبيعيات الديكارتية. وهذا يدلنا على ان ديكارت كان يشتغل منذ سنة 1629 بتحرير كتاب “التأملات الفلسفية” الذي لم يظهر إلا في عام 1641. نشر في عام 1637 ثلاث رسائل هي “البصريات” “والآثار العلوية” و”الهندسة” وصدرها جميعها بمقدمة هي “المقال في المنهج”، حاول ان يبين فيه انه استعمل منهجا آخر غير المنهج الشائع وان هذا المنهج ليس أسوأها ولا أقبحها. ونشر ديكارت في سنة 1641 كتاب “تأملات في الفلسفة الأولى” باللغة اللاتينية وفيه يبرهن على وجود الله وخلود الروح. ولقد كانت آخر مؤلفات الفيلسوف “رسالة في أهواء النفس” نشرت عام 1649.

سافر إلى السويد بدعوة من الملكة كرستين ليلقنها بنفسه فلسفته ولم يكن الجو هناك يلائم صحته. وكانت الملكة هناك قد حددت الساعة الخامسة صباحا وقتا للتحدث معه في الفلسفة وكانت تلك الساعة المبكرة شاقة جدا على الفيلسوف، فأصيب بالتهاب رئوي وتوفي صباح 11 شباط من عام 1650.

يعارض ديكارت الكثير من أفكا أسلافه ، ففي مقدمة عمله – عاطفة الروح – يذهب بعيدا للتأكيد أنه سيكتب في هذا الموضوع حتى لو لم يكن أحد سبقه لطرحه ، بالرغم من هذا فإن العديد من الأفكار توجد بذورها في الأرسطية المتأخرة و الرواقية في القرن السادس عشر أو في فكر أوغستين .

و يعارض ديكارت هذه المدرسة في نقطتين أساسيتين و هما :

** أولا يرفض تقسيم الأجسام الطبيعية إلى مادة و صورة كما تفعل معظم الفلسفات اليونانية
** ثانيا ير فض الغايات و الاهداف ، سواء كانت غاية ذات طبيعة إنسانية او إلهية لتفسير الظواهر .

اما في الإلهيات فهو يدافع عن الحرية المطلقة لفعل الله أثناء الخلق .
و لقد أسهم ديكارت في الشك المنهجي حيث استهدف في شكه الوصول إلى اليقين و أسباب الشك لديه أنه يلزم أن نضع موضع الشك جميع الأشياء بقدر الإمكان ، و يبرر الشك أنه تلقى الكثير من الآراء الباطلة و حسبها صحيحة فكل مل بناه منذ ذلك الحين من مبادئ على هذا القدر من قلة الوثوق لا يكون إلا مشكوكا فيها إذن يلزم أن نقيم شيئا متينا في العلوم أن نبدأ بكل شيء من جديد و أن نوجه النظر إلى الأسس التي يقوم عليها البناء ، مثال المعطيات الخاصة للحواس ، فالحواس تخدعنا احيانا و الأفضل الا نثق ها أما الأشياء العامة كالعيون و الرؤوس و الأيدي التي يمكن ان تتألف منها الخيالات يمكن ان تكون هي نفسها خيالية محضة
يعد رينييه ديكارت واحدا من أهم الفلاسفة الغربيين في القرون القليلة الماضية . و خلال فترة حياته كان ديكارت مشهورا كفيزيائي و فيزيولوجي ورياضي ولكن الجانب الفلسفي كان هوالجانب الأكثر ظهورا لديه فهو كثيرا ما يقرأ له فيه إلى اليوم فقد حاول اعادة الفلسفه في اتجاه جديد,مثلا: فلسفته رفضت قبول مدرسةارسطو والتقاليد التي سادت الفكر الفلسفي طوال فترة العصور الوسطى.و قد حاولت الاندماج الكامل مع الفلسفه والعلوم “الجديدة” . و قد عمل ديكارت كذلك لتغيير العلاقة بين الفلسفه واللاهوت.هذه التوجهات الجديدة أدت إلى تقدم فلسفة ديكارت لتكون ثوريه الشكل.
ومن أفكار ديكارت الفلسفية الاكثر انتشارا هي منهجه في الشك ، “أنا أشك إذن فأنا موجود.” هذه يشمل جانبا اساسيا من طريقة ديكارت الفلسفية ‘. كما ذكرنا للتو فقدرفض قبول سلطة الفلاسفه السابقين ، بل رفض كذلك قبول شروحات من عندهم إيمان بها,ففي البحث عن اساس فلسفة ما فمن الممكن أن ترفض بعض الأشياء,إلى أن تحل الثقة بوضوح وجلاء يتضح بما لا يدع مجالا للشك. وبهذه الطريقة يرمي ديكارت القشور بعيدا وهي المعتقدات والآراء التي كدرت رؤيته للحقيقة.
المهمة التالية هي اعادة تشكيل معرفتنا قطعة قطعة ،هذا في اي مرحلة يمكن للشك فيهاأن يساورنا، ويثبت ديكارت هناانه هو نفسه شئ مختلف عن تفكيره, فالتفكير (العقل) يختلف تماما عن جسده. ويتبنى ديكارت منهج الشك في أمور أخرى مثل وجود إله ووجود وطبيعه والعالم الخارجي وهلم جرا. والمهم في هذا لديكارت أنه يبين أولا ان الوصول للمعرفة أمر ممكن ، (وبالتالي فان المتشككين على خطأ) ، وثانيا وهو الوجه الأخص بالناحية الرياضية هو أن أساس المعرفه العلميه للعالم المادي ممكن.
ديكارت كان عالما مؤثرا ،رغم دراسته في الفيزياء وغيرها من العلوم الطبيعيه غير أن تأثيره فيها كان اقل بكثير مما هو في الناحية الرياضية والفلسفيه. طوال القرون السابع والثامن عشر كان شبح ديكارت الفلسفي دائما حاضرا. فمثلا كان لوك ، هيوم ،يبنيز مضطرون الى التشابك الفلسفي الفكري مع هذا العملاق.لهذه الاسباب ، ديكارت غالبا ماكان يسمى “أبو الفلسفه الحديثة”.

ألمانيا النازية

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالرحمن الموسى1320

ألمانيا النازية هي الفترة التي حُكمت فيها ألمانيا من قبل حزب العمال الاشتراكي القومي الألماني (الحزب النازي) بقيادة أدولف هتلر في الفترة من 1933 حتى 1945.
الاسم الأصلي لألمانيا لم يتغير عندما جاء النازيون إلى الحكم عام 1933 بل بقي كما هو Deutsches Reich أي الرايخ الألماني وهو الاسم الذي سميت به منذ العام 1871. لكن في العام 1943 قامت الحكومة النازية بتعديل الاسم إلى الرايخ الألماني الأعظم Großdeutsches Reich الذي بقي مستعملاً إلى العام 1945 حين هزمت ألمانيا النازية. بجانب الاسم الرسمي استعمل الحزب النازي أسماء أخرى منها الرايخ الثالث ورايخ الألف عام لوصف ألمانيا، إلا أنه أسقط استعمال وصف (رايخ الألف عام) من إعلامه الرسمي في العام 1939.
في 30 يناير 1933 ،أصبح أدولف هتلر مستشارا لألمانيا، الذي عينه الرئيس باول فون هيندنبورغ. على الرغم من انه يرأس حكومة ائتلافية في البداية، سرعان ما تيقن هيندينبيرغ بمخططاته فحاول التخلص منه والقضاء على النازية وشركائه في الحزب. عملت الحكومة النازية على تطوير الدولة والازدهار الاقتصادي وتوفير فرص العمل وانتهى به الإنفاق العسكري الثقيل على الحروبات بالنصر والتوسع بينما قمع النقابات العمالية والإضرابات. أعطت عودة الازدهار شعبية هائلة وجعلت نظام حكم هتلر في الغالب الأقوى دون منازع، على الرغم من المقاومة, إزدادت بعد بداية العدوان العسكري، وبلغت ذروتها في المؤامرة الفاشلة في 20 يوليو 1944. دمر الجستابو (الشرطة السرية) في إطار هاينريش هيملر الليبرالية والمعارضة الاشتراكية والشيوعية واضطهد اليهود، في محاولة لاجبارهم إلى المنفى في حين أخذ ممتلكاتهم. اتخذ الحزب السيطرة على المحاكم، والحكم المحلي، وجميع المنظمات المدنية باستثناء الكنائس البروتستانتية والكاثوليكية. وكانت السيطرة على كل تعبيرات الرأي ودعاية هتلر من قبل الوزير، جوزيف غوبلز، الذي جعل كان يبث الحماس للشعب بالمسيرات، وساعده أسلوب ومهارة هتلر بالخطابة.