أ.د. أحمد محمد وهبان

دراسة أمريكية مثيرة حول تطبيق الشريعة

كاتب الموضوع الأصلي: سعد بن شهيوين 20

في أعقاب احتجاجات ما أطلق عليه “”الربيع العربي””، ووصول تيارات الإسلام السياسي إلى السلطة في أكثر من بلد شرق أوسطي، ارتفعت في تلك البلدان دعوات “”تطبيق الشريعة الإسلامية”” وشعارات “”الإسلام هو الحل””، وانقسمت مجتمعاتها ما بين مؤيد يرى في تطبيق الشريعة حماية للقيم وحلا للكثير من المعضلات، ومعترض يرى فيه انقلابا على الأساليب الديمقراطية، وتحكما في خيارات الناس وحرياتهم، وبداية لفرض نمط من الحكم الديكتاتوري الإقصائي المستبد، ومصادرة لحقوق المواطنة وما تم تحقيقه من حريات مدنية وشخصية كفلها القانون وصانها الوعي، ولا سيما أن بعض الدول التي رفعت فيها تلك الشعارات والمطالب يوجد ضمن نسيجها الاجتماعي من لا يدين بالإسلام (مثل مصر)، أو لها إرث طويل من العلمانية (مثل تونس).

ثم جاءت أخيرا الاحتجاجات الجماهيرية في تركيا ضد حزب العدالة والتنمية ذي الهوى الإخواني بقيادة رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان لتثبت أن الأحزاب الإسلامية مهما حققت للجماهير من إنجازات اقتصادية مشهودة وتحسن مطرد في مستويات معيشتها، ومهما حاولت بذكاء وسرية، وحيطة شديدة، ومن خلال القنوات الديمقراطية، النفاذ إلى قلاع العلمانية بغية جرفها تمهيدا لإقامة الدولة الدينية الخالصة، فإن إيمان الجماهير بالتعدد والتنوع وحرية الاختيار والدولة المدنية يبقى أقوى وأعمق.

هذه الأحداث والتطورات شكلت دافعا لمؤسسة “”بي. إي. دبليو”” (مؤسسة أبحاث ودراسات أمريكية، مقرها العاصمة واشنطن، وتأسست في 1990 بتمويل خاص من أجل قياس اتجاهات الرأي في العالم حول القضايا والظواهر المثيرة للجدل من تلك التي تشغل بال وسائل الإعلام وصناع القرار) لعمل بحث ميداني، وإجراء مقابلات مع أكثر من 38 ألف مسلم من ذوي الجنسيات والثقافات واللغات المختلفة في مناطق جغرافية متنوعة من تلك التي تعيش فيها نسبة معتبرة من مسلمي العالم مثل الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (حيث يعيش 20 في المائة من مسلمي العالم)، وشرق ووسط وجنوب أوروبا (2 في المائة) ، وجنوب وجنوب شرق آسيا (62 في المائة)، وآسيا الوسطى (9 في المائة)، ومنطقة جنوب الصحراء (30 في المائة). أما سؤال البحث المحوري فقد كان: “”باعتبارك مسلما، هل تؤيد تطبيق الشريعة في بلدك؟””.

وعلى الرغم من أن العينة المختارة شملت 38 ألف إنسان مسلم، وهو رقم ضئيل جدا مقارنة بالعدد الإجمالي للمسلمين في العالم، الذي وصل بحسب إحصائيات عام 2010 إلى نحو 1.62 مليار نسمة، إلا أن في نتائج البحث ما يغري باستعراضه. من هذه النتائج:

– أنه حتى في الدول الإسلامية التي يوجد فيها دعم وحماس قويين لتطبيق أحكام الشريعة، فإن أغلبية من استطلعت آراؤهم فضلوا مبدأ منح المواطن حريته لجهة عقيدته ومذهبه وأداء طقوسه الروحانية. فمثلا في باكستان، حيث 179 مليونا من أصل سكانها البالغ تعدادهم 183 مليون نسمة هم من المسلمين، اتخذ نحو 75 في المائة من هؤلاء هذا المنحى، غير أن 84 في المائة منهم استحسن أن تدرج أحكام الشريعة ضمن القوانين المعمول بها مع تطبيقها على المسلمين فقط.

– في نصف الدول الإسلامية التي أجري فيها البحث وعددها 38 دولة، كان هناك توجه غالب لمنح القادة الدينيين نوعا من النفوذ للتأثير في القضايا السياسية. فمثلا كان هذا رأي 37 في المائة من مسلمي الأردن، و41 في المائة من مسلمي ماليزيا، و53 في المائة من مسلمي أفغانستان.

– التأييد الساحق لجعل أحكام الشريعة جزءا من القوانين المعمول بها في الدولة جاء معظمه من دول تعطي دساتيرها الأفضلية للإسلام على سائر الأديان الأخرى مثل باكستان (أيد هذا التوجه نحو 84 في المائة من مسلميها) والمغرب (83 في المائة). والمثير في هذا السياق أن أفغانستان، التي ذاقت الأمرين من تطبيق الشريعة على يد نظام طالبان البائد، طالب 99 في المائة من سكانها المسلمين البالغ تعدادهم 29.5 مليون نسمة بتطبيق أحكام الشريعة. كما أن البنجلادشيين المسلمين طالبوا بالشيء نفسه بنسبة 84 في المائة على الرغم من أنهم ينعمون بدستور علماني يحفظ حقوق وحريات مختلف مكونات البلاد، ويدافع عن عقائدهم الدينية وطقوسهم الروحانية.

– لوحظ وجود تباين كبير بين سكان جنوب وشرق أوروبا لجهة تطبيق الشريعة. فبينما بلغت نسبة المؤيدين في روسيا الاتحادية (حيث يعيش 16.4 مليون مسلم من أصل عدد السكان الكلي وهو 143 مليون نسمة) 42 في المائة، كان المؤيدون في كوسوفو 20 في المائة، وفي البوسنة والهرسك 15 في المائة. أما في ألبانيا فقد أيد مثل هذا التوجه نحو 12 في المائة فقط من إجمالي مسلميها البالغ تعدادهم 2.6 مليون نسمة (من أصل عدد السكان الكلي وهو 2.82 مليون نسمة).

– التباين السابق لوحظ أيضا بين مسلمي جمهوريات آسيا الوسطى. فقد أيد تطبيق الشريعة 35 في المائة من مسلمي قرقيزستان البالغ تعدادهم 4.9 مليون من أصل 5.5 مليون نسمة، و27 في المائة من مسلمي طاجيكستان البالغ تعدادهم سبعة ملايين من أصل ثمانية ملايين نسمة، فيما كانت هذه النسبة أقل بكثير بين مسلمي تركيا (12 في المائة) وكازاخستان (10 في المائة) وأذربيجان (8 في المائة).

– في دول جنوب شرق آسيا، أظهرت نتائج البحث تحبيذ 86 في المائة من مسلمي ماليزيا المقدر عددهم بـ 17.4 مليون من أصل عدد السكان الكلي وهو 29.7 مليون نسمة تطبيق أحكام الشريعة، مقابل 72 في المائة من مسلمي إندونيسيا البالغ تعدادهم204.85 مليون من أصل 237.64 مليون نسمة. وكانت النسبة في أوساط الأقلية المسلمة في تايلاند (نحو أربعة ملايين نسمة) هي 77 في المائة.

– فيما يتعلق بدول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، أظهرت النتائج أن أكثر المؤيدين لتطبيق أحكام الشريعة هم في العراق (91 في المائة من إجمالي عدد مسلميها البالغ 31.12 مليون نسمة)، يليهم مسلمو الأراضي الفلسطينية (89 في المائة)، فمسلمو المغرب (83 في المائة) فمسلمو مصر (74 في المائة) فمسلمو الأردن (71 في المائة). وجاء مسلمو لبنان في ذيل القائمة بـ 29 في المائة فقط.

– في معظم الدول التي استطلعت آراء شعوبها المسلمة، كانت نسبة المؤيدين لإقامة الحدود الشرعية، كقطع يد السارق ورجم الزاني وقتل المرتد، منخفضة للغاية. كما كان هناك تباين ملحوظ فيما يتعلق بتأييد عقوبة التجديف والتعرض للذات الإلهية وأحكام الطلاق والميراث ورأي الشريعة في التخطيط الأسري، الأمر الذي يعكس قلة وعي الكثيرين بمفهوم تطبيق أحكام الشريعة.

– في معظم الدول التي شملها البحث، قررت الأغلبية – سواء في صفوف الرجال أو النساء – أن المرأة يجب أن تطيع الرجل وتلتزم بخدمته. فتسعة من كل عشرة أشخاص تمت مقابلتهم في العراق والمغرب وتونس وإندونيسيا وأفغانستان وماليزيا كان هذا رأيهم. لكن من جهة أخرى قررت الأغلبية في معظم دول البحث الثماني والثلاثين أنه يجب إعطاء المرأة الحق لجهة ما تقرره لنفسها، ولا سيما حول ارتداء الحجاب من عدمه.

– اتضح من الدراسة التي أجريت أن المسلمين، أيا كانت جنسيتهم، يفضلون الديمقراطية على الحكم الشمولي، ويستمتعون باستخدام نتاج الحضارة الغربية، لكنهم في الوقت نفسه يعادون هذه الحضارة وينسبون إليها تدمير الأخلاق والفضيلة، الأمر الذي يعكس نوعا من الازدواجية.
نشر بتاريخ 14-07-2013

الإخوان» في مصر إلى أين؟

كاتب الموضوع الأصلي: سعد بن شهيوين 20

مقالات مشابهة
انتفاضة خلفان ضد «الإخوان»
«الإخوان يا إخوانا»
شيخ الأزهر.. من يعرفه فعلاً؟

الاكثر تفاعلاً /ش/ق
حق إعلان الجهاد لمن؟
السنة والشيعة في رهان المذهب والوطن
متى تنجح الديمقراطية؟!

الاكثر مشاهدةً /ش/ق
حق إعلان الجهاد لمن؟
لماذا لا نجرّب الدولة الدينية؟
مرحبا بالصديق القديم روحاني

الافضل تقييماً /ش
من سيقاتل حزب الله و«القاعدة» غدا؟
لإيران مشروعها… ما هو مشروع السعودية؟
معارك التطرف الطائفية

الاكثر ترشيحاً /ش
هل تعرفون العالم السعودي نايف الروضان؟
لماذا السعوديون هم الأكثر نشاطاً بالإنترنت؟
خطبة الجمعة في السعودية

الاكثر تفاعلاً
سعد الشثري بين التشمير والاشتمال
العريفي والسيستاني.. الشق أوسع من الرقعة
ربع ساعة تكفي يا يوسف الأحمد

الافضل تقييماً
تحوُّلات في مفهوم الوطن
عاملتنا المنزلية
لنبادر

الاكثر مشاهدةً /ق
«ما حكم شرب حليب.. الزوجة»؟
بندر بن سلطان … لم يعد لغزاً
أسرار اغتيال محمود المبحوح

«الإخوان» في مصر إلى أين؟
حمد الماجد – الشرق الأوسط

المشهد السياسي المتوتر في مصر ينضح بالأخطاء السياسية الفادحة التي وقعت فيها الجهات والتيارات الرئيسة في البلاد، الجيش و«الإخوان» والسلفيون وجبهة الإنقاذ، والإعلام، ولا أعني الفادحة ضررها على البلاد بسبب الاحتقان السياسي ووتيرة الاستقطاب ودرجة الغليان فحسب، وإنما أعني فداحتها على هذه التيارات المتنافسة ومصالحها وشعبيتها ومستقبلها السياسي.

فالإخوان المسلمون أثبتت كثير من الشواهد والوقائع أثناء حكمهم للبلاد أنهم غامروا في معركة سياسية غير متكافئة، فقيادة الجيش، القوة الضاربة في البلاد، لم تكن منسجمة ولا مرتاحة لهم، والأمن بكوادره وقياداته وجنوده لم يهضمهم، والإعلام المصري بفضائياته وصحفه ف مجمله كان خصما لهم لدرجة كبيرة، والدول الكبرى وإن اعترفت بهم كقوة مؤثرة في البلاد، لكنها يقينا تقلق منهم، والدول الإقليمية المؤثرة تتوجس منهم ومن انتقال «عدواهم» إلى بلدانها، ناهيك عن البلاد التي تسلموها وقد نخر فيها فساد شديد أنهك بنيتها التحتية، وجعل أي قوة سياسية ذات خبرة وكفاءات تحكم على نفسها بالانتحار السياسي لو قبلت بتولي إدارتها، فكيف إذا تولاها «الإخوان» المنحصرة خبرتهم السياسية في المعارضة والملاحقات الأمنية والمعتقلات.

لقد اشتكى «الإخوان» في عهد الرئيس المصري المعزول محمد مرسي من تخاذل الأمن وسلبية الجيش وتكالب الفضائيات والدعم الخارجي والدولة العميقة والفلول ورجال الأعمال والبلطجية. ويرى «الإخوان» أن كل هذه العوامل أفشلت مهمة رئيسهم، وهنا يبرز سؤال مهم: هل استشرف «الإخوان» المستقبل ودرسوا هذه التوقعات وبنوا قرارهم بخوض الانتخابات الرئاسية على ضوئها؟ الجواب بلا مشكلة، والجواب بنعم مشكلة.

والجيش هو الآخر ارتكب بعد عزل مرسي أخطاء، أبرزها حملة الاعتقالات التي طالت رموز «الإخوان» وقياداتهم، وأخيرا إغلاق الفضائيات الإسلامية، وبدا المشهد وكأن مصر في الستينات وليس في فترة ما بعد ثورة 25 يناير (كانون الثاني) التي ما خرج فيها من خرج وتظاهر واعتصم إلا لاستنشاق الحريات ورفع الظلم عن الشعب بكل فئاته، ثم إنه من المعلوم أن لدى «الإخوان» جلدا تاريخيا عجيبا في الصبر على مضايقات خصومهم، لقد جرب رؤساء مصر السابقون: عبد الناصر والسادات ومبارك مع «الإخوان» التضييق والتعذيب والمعتقلات والملاحقات، ومع ذلك فشلت كل هذه المحاولات في تغييب «الإخوان» عن المشهد السياسي، بل على العكس زادت من رصيد شعبيتهم على حساب شعبية خصومهم، ويستحيل أن هذه الحقائق قد غابت عن الجيش.

وفي تقديري أنه ليس أمام الجيش خيار غير ضبط الأعصاب والتعايش مع مخرجات ثورة 25 يناير من توفير الحريات وإرساء أسس العدل والقانون على الجميع، والكف عن الممارسات القديمة. أما «الإخوان» فالأفضل لهم، في تصوري، الاكتفاء في هذه المرحلة بالضغط للتسريع بالانتخابات والمنافسة على مقاعد البرلمان وعدم المنافسة على الانتخابات الرئاسية، لأنهم لو فازوا في انتخابات رئاسية قادمة فسيتكرر نفس السيناريو الذي شهدته مرحلة مرسي، لأن مصر لم يتغير فيها شيء، فليتركوا لخصومهم تجربة حكم البلاد في هذه الأوضاع الصعبة حتى يستقر الوضع السياسي، وفي ظل ظروف جديدة، وهذا بالتحديد ما فعله إسلاميو تركيا، صبروا على مضايقات العسكر وحل أحزابهم واكتفوا مؤقتا بالمناصب الخدمية التي قدمتهم للسلطة بطريقة تدرجية طبيعية، حتى ناسبت الظروف فتقدموا للانتخابات الرئاسية فنجحوا.
نشر بتاريخ 15-07-2013

معركة شقحب

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالإله المقبل13

كان الرعب الذي يرافق تحركات المغول شديداً يملأ صدور الناس ويوهن من قواهم، فكلما سمع الناس قصدهم إلى بلد فرّوا من مواجهتهم. وقد سهّل هذا الرعب لهؤلاء الغزاة المعتدين سبيل النصر والغلبة.
وكان الخليفة المستكفي بالله والسلطان الناصر مقيمين في مصر كما هو معلوم، ويبدو أنّ أخبار عزم التتار على تجديد حملاتهم لدخول بلاد الشام وإزالة دولة المماليك بلغ المسؤولين في مصر، فعمل العلماء وأولوا الفكر والرأي على إشراك الخليفة والسلطان في مواجهة هؤلاء الغزاة.
ففي شهر رجب من سنة 702 هـ قويت الأخبار بعزم التتار على دخول بلاد الشام، فانزعج الناس لذلك، واشتدّ خوفهم جداً كما يقول الحافظ ابن كثير، وقنت الخطيب في الصلوات، وقُرِئ [صحيح] البُخاري، وهذه عادة كانوا يستعملونها في مواجهة الأعداء فيعمدون إلى قراءته في المسجد الجامع.
وشرع الناس في الهرب إلى الديار المصرية والكرك والحصون المنيعة، وتأخّر مجيء العساكر المصرية عن إبانها فاشتدّ لذلك الخوف.
قال ابن كثير:
(وفي يوم السبت عاشر شعبان ضربت البشائر بالقلعة – أي قلعة دمشق – وعلى أبواب الأمراء بخروج السلطان من مصر لمناجزة التتار المخذولين.. وفي ثامن عشر من شعبان قدمت طائفة كبيرة من جيش المصريين، فيهم كبار الأمراء من أمثال ركن الدين بيبرس الجاشنكير وحسام الدين لاجين وسيف الدين كراي).
ثم قدمت بعدهم طائفة أخرى فيهم بدر الدين أمير السلاح وأيبك الخزندار. فقويت القلوب في دمشق، واطمأن كثير من الخلق، ولكنَّ الناس في الشمال سيطر عليهم الذعر، واستبدّ بهم الفزع فنزح عدد عظيم منهم من بلاد حلب وحماة وحمص.. ثم خافوا أن يدهمهم التتار فنزلوا إلى المرج.
ووصل التتار إلى حمص وبعلبك وعاثوا في تلك البلاد فساداً، وقلق الناس قلقاً عظيماً لتأخُّر قدوم السلطان ببقية الجيش، وخافوا خوفاً شديداً، وبدأت الأراجيف تنتشر وشرع المثبِّطون يوهنون عزائم المقاتلين ويقولون: لا طاقة لجيش الشام مع هؤلاء المصريين بلقاء التتار لقلة المسلمين وكثرة التتار. وزَيَّنوا للناس التراجعَ والتأخُّرَ عنهم مرحلة مرحلة. ولكن تأثير العلماء ولاسيما شيخ الإسلام ابن تيمية كان يتصدّى لهؤلاء المرجفين المثبّطين، حتى استطاعوا أن يقنعوا الأمراء بالتَّصدِّي للتتار مهما كان الحال.
واجتمع الأمراء وتعاهدوا وتحالفوا على لقاء العدوّ وشجَّعوا رعاياهم، ونوديَ بالبلد دمشق أن لا يرحل منه أحد، فسكن الناس وهدأت نفوسهم وجلس القضاة بالجامع يحلِّفون جماعة من الفقهاء والعامّة على القتال، وتوقّدت الحماسة الشعبية، وارتفعت الروح المعنوية عند العامة والجند. وكان لشيخ الإسلام ابن تيمية أعظم التأثير في ذلك الموقف، فقد عمل على تهدئة النفوس، حتَّى كان الاستقرار الداخلي عند الناس والشعور بالأمن ورباطة الجأش. ثم عمل على إلهاب عواطف الأمة وإذكاء حماستها وتهيئتها لخوض معركة الخلاص.. ثمّ توجّه ابن تيمية بعد ذلك إلى العسكر الواصل من حماة فاجتمع بهم في القطيفة، فأعلمهم بما تحالف عليه الأمراء والناس من لقاء العدو، فأجابوا إلى ذلك وحلفوا معهم.
**ابن تيمية يحرض المؤمنين على القتال***
وكان شيخ الإسلام ابن تيمية يحلف للأمراء والناس: إنكم في هذه الكرّة منصورون. فيقول له الأمراء: قل إن شاء الله. فيقول: إن شاء الله تحقيقاً لا تعليقاً. وكان يتأوَّل في ذلك أشياء من كتاب الله منها قوله تعالى : (ذلك ومَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عوقِبَ بهِ ثمَّ بُغِيَ علَيهِ لَيَنْصُرُّنَّهُ اللهُ).
وقد ظهرت عند بعضهم شبهات تفُتُّ في عضد المحاربين للتتار من نحوِ قولهم: كيف نقاتل هؤلاء التتار وهم يظهرون الإسلام وليسوا بُغاة على الإمام.. فإنهم لم يكونوا في طاعته في وقت ثم خالفوه؟
فردَّ شيخ الإسلام ابن تيمية هذه الشُّبهة قائلاً: هؤلاء من جنس الخوارج الذين خرجوا على عليٍّ ومعاوية رضي الله عنهما، ورأوا أنهم أحقُّ بالأمر منهما، وهؤلاء يزعمون أنهم أحقّ بإقامة الحقّ من المسلمين وهم متلبِّسون بالمعاصي والظُّلْم. فانجلى الموقف وزالت الشبهة وتفطّن العلماء والناس لذلك ومضى يؤكّد لهم هذا الموقف قائلاً:
إذا رأيتموني في ذلك الجانب-يريد جانب العدوّ- وعلى رأسي مصحف فاقتلوني، فتشجّع الناس في قتال التتار وقويت قلوبهم.
وامتلأت قلعة دمشق والبلد بالناس الوافدين، وازدحمت المنازل والطرق. وخرج الشيخ تقي الدين بن تيمية من دمشق صبيحة يوم الخميس من باب النصر بمشقّة كبيرة وصَحِبَتْهُ جماعة كبيرة يشهد القتال بنفسه وبمن معه. فظنّ بعض الرعاع أنه خارج للفرار فقالوا: أنت منعتنا من الجفل وها أنت ذا هارب من البلد.. فلم يردّ عليهم إعراضاً عنهم وتواضعاً لله، ومضى في طريقه إلى ميدان المعركة.
وخرجت العساكر الشامية إلى ناحية قرية الكسْوة. ووصل التتار إلى قارَة. وقيل: إنهم وصلوا إلى القطيفة فانزعج الناس لذلك، وخافوا أن تكون العساكر قد هربوا، وانقطعت الآمال، وألحّ الناس في الدعاء والابتهال في الصلوات وفي كلّ حال. وذلك في يوم الخميس التاسع والعشرين من شعبان.. فلمَّا كان آخر هذا اليوم وصل أحد أمراء دمشق، فبشَّرَ الناس بأنَّ السلطان قد وصل وقتَ اجتماع العساكر المصرية والشامية.
وتابع التتار طريقهم من الشمال إلى الجنوب ولم يدخلوا دمشق بل عرجوا إلى ناحية تجمُّع العساكر، ولم يشغلوا أنفسهم باحتلال دمشق وقالوا: إن غلبنا فإنّ البلد لنا وإن غُلِبنا فلا حاجة لنا به.
ووقفت العساكر قريباً من قرية الكسوة، فجاء العسكر الشامي، وطلبوا من شيخ الإسلام أن يسير إلى السلطان يستحثُّه على السير إلى دمشق، فسارَ إليه، فحثّه على المجيء إلى دمشق بعد أن كاد يرجع إلى مصر. فجاء هو وإيّاه جميعاً، فسأله السلطان أن يقف معه في معركة القتال، فقال له الشيخ ابن تيمية: السُّنَّةُ أن يقف الرجُلُ تحت راية قومه، ونحن من جيش الشام لا نقف إلاَّ معهم.
وحرّض السلطان على القتال، وبشَّره بالنصر، وجعل يحلف بالله الذي لا إله إلاَّ هو: إنَّكم منصورون عليهم في هذه المرَّة. فيقول له الأمراء: قل إن شاء الله. فيقول: إن شاء الله تحقيقاً لا تعليقاً.
وأفتى الناسَ بالفطر مدّة قتالهم، وأفطر هو أيضاً وكان يدور على الأجناد والأمراء فيأكل من شي معه في يده ليعلِمهم أنَّ إفطارهم ليتقوَّوْا به على القتال أفضل من صيامهم.
ولقد نظَّم المسلمون جيشهم في يوم السبت 2 رمضان أحسن تنظيم، في سهل شقحب الذي يشرف على جبل غباغِب. وكان السلطان الناصر في القلب، ومعه الخليفة المستكفي بالله والقضاة والأمراء. وقبل بدء القتال اتُّخِذَت الاحتياطات اللازمة، فمرّ السلطان ومعه الخليفة والقرَّاء بين صفوف جيشه، يقصد تشجيعهم على القتال وبثِّ روح الحماسة فيهم. وكانوا يقرؤون آيات القرآن التي تحضُّ على الجهاد والاستشهاد وكان الخليفة يقول: دافعوا عن دينكم وعن حريمكم.
ووضِعت الأحمال وراء الصفوف، وأُمر الغلمان بقتل من يحاول الهرب من المعركة. ولمَّا اصطفَّت العساكر والتحم القتال ثبت السلطان ثباتاً عظيماً وأمر بجواده فقُيِّد حتى لا يهرب، وبايع اللهَ تعالى في ذلك الموقف يريد إحدى الحسنيين إما النصر وإما الشهادة في سبيل الله، وصدق الله فصدقه الله. وجرت خطوب عظيمة، وقُتِل جماعة من سادات الأمراء يومئذ، منهم الأمير حسام الدين لاجين الرومي، وثمانية من الأمراء المقدَّمين معه.
واحتدمت المعركة، وحمي الوطيس، واستحرّ القتل، واستطاع المغول في بادئ الأمر أن ينزلوا بالمسلمين خسارة ضخمة فقتِل من قتِل من الأمراء.. ولكن الحال لم يلبث أن تحوّل بفضل الله عزّ وجلّ، وثبت المسلمون أمام المغول، وقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وتغيَّر وجه المعركة وأصبحت الغلبة للمسلمين، حتّى أقبل الليل فتوقّف القتال إلاّ قليلاً، وطلع المغول إلى أعلى جبل غباغِب، وبقوا هناك طول الليل، ولما طلع النهار نزلوا يبغون الفرار بعد أن ترك لهم المسلمون ثغرة في الميسرة ليمرّوا منها، وقد تتّبعهم الجنود المسلمون وقتلوا منهم عدداً كبيراً، كما أنهم مرّوا بأرض موحِلة، وهلك كثيرون منهم فيها، وقُبض على بعضهم. قال ابن كثير:
(فلما جاء الليل لجأ التتار إلى اقتحام التلول والجبال والآكام، فأحاط بهم المسلمون يحرسونهم من الهرب ويرمونهم عن قوس واحدة إلى وقت الفجر، فقتلوا منهم ما لا يعلم عدده إلاَّ الله عز وجل، وجعلوا يجيئون بهم من الجبال فتُضرب أعناقهم). ثم لحق المسلمون أثر المنهزمين إلى القريتين يقتلون منهم ويأسرون.
ووصل التتار إلى الفرات وهو في قوة زيادته فلم يقدروا على العبور.. والذي عبر فيه هلك. فساروا على جانبه إلى بغداد، فانقطع أكثرهم على شاطئ الفرات وأخذ العرب منهم جماعة كثيرة.
وفي يوم الاثنين رابع رمضان رجع الناس من الكسوة إلى دمشق فبشَّروا الناس بالنصر، وفيه دخل شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية البلد ومعه أصحابه من المجاهدين، ففرح الناس به، ودعوا له وهنّؤوه بما يسَّر الله على يديه من الخير.
وفي يوم الثلاثاء خامس رمضان دخل السلطان إلى دمشق وبين يديه الخليفة، وزُيِّنَتِ البلد، وبقِيا في دمشق إلى ثالث شوّال إذ عادا إلى الديار المصرية. وكان فرح السلطان الناصر محمد بن قلاوون والمسلمين بهذه المعركة فرحاً كبيراً، ودخل مصر دخول الظافر المنتصر، يتقدّم موكبَه الأسرى المغول يحملون في أعناقهم رؤوس زملائهم القتلى، واستُقبل استقبال الفاتحين.

تاريخ دمشق لــ"ابن عساكر"

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالإله المقبل13

أحب الحافظ ابن عساكر دمشق التي ولد فيها وحضنته صغيراً فوفاها حقها من خلال تأليف كتابه الشهير “تاريخ دمشق”.
ويعدُّ التاريخ الكبير تاريخ دمشق لمحدث الشام ومؤرخها الحافظ ابن عساكر النور الساطع واللؤلؤة المضيئة بين كتب التاريخ، الذي يؤرخ لأعرق مدينة في التاريخ، وقصد من خلاله إلى جمع كل ما تناثر على أرض الشام من حكمة ومعرفة وتاريخ، راسماً تاريخها وحضارتها. وقد توسع ابن عساكر في كتابه حتى صار ديواناً شاملاً لكل ما كتب عن دمشق وترجماناً لكل من مرَّ بالشام أو علم بها أو تعلم بها أو تحدث عنها بإحسان.
يقول ابن خلكان: “ما أظن هذا الرجل (ابن عساكر) إلا عزم على وضع التاريخ من يوم عقل على نفسه. وإلا فالعمر يقصر على أن يجمع الإنسان مثل هذا الكتاب”.

اسم الكتاب ووصفه:
سمى أبو القاسم بن عساكر كتابه: “تاريخ مدينة دمشق، وذكر فضلها وتسمية من حلها من الأماثل أو اجتاز بنواحيها من وارديها وأهلها”، هذا الكتاب الذي لم يصنف مثله، نستطيع أن نصفه بأنه موسوعة بحق، فمن طلب الحديث وجده فيه، ومن طلب التاريخ وجده فيه، ومن طلب اللغة وجدها فيه، ومن طلب أخبار الناس وأحوالهم وجد ذلك فيه، إلى غير ذلك من العلوم الكثير.
وعندما يؤرخ لمدينة دمشق تخصيصاً لا يقتصر على الجانب التاريخي بل يتعداه إلى جغرافية المدينة لأنه أدرك بحس العالم وحس المؤرخ أنه لا انفصام بين التاريخ والجغرافيا، فالجغرافيا هي المسرح التي تحدث عليه وقائع التاريخ وهي من أهم المؤثرات التي تؤثر في الإنسان وبالتالي في الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية.

فالموقع الجغرافي للمدينة الذي حباها الله به كان له أثرٌ في دورها الحضاري عبر مختلف العصور وإذا كان تاريخ الطبري يُعدُّ أغنى المصادر عن تاريخ الفرس، فإنَّ تاريخ ابن عساكر أغنى المصادر عن تاريخ العرب المسلمين من نقطة الانطلاق الأولى وعلى امتداد الرقعة الجغرافية التي وصل إليها الإسلام، خصوصاً في الحقبات التاريخية التي كانت دمشق عاصمة الحياة العربية ومصدر القرار ومحجة وفود الجماعات والرجالات من الجزيرة والعراق وفارس وما وراء النهرين وأقصى الشرق ومصر وإفريقيا وأطراف المحيط، كما كانت مركز تجمع ومنطقة حشد وقاعدة عمليات للجيوش التي وصلت شرقاً حتى حدود الصين وغرباً حتى اجتازت المحيط وعبرت إلى إسبانيا وجنوب أوروبا، كما العمليات البحرية أيضاً جنباً إلى جنب حتى أصبح حوض البحر الأبيض المتوسط بسواحله شرقاً وغرباً بحيرة عربية، أليس من دمشق كانت تنطلق قوات الصوائف والشواتي لسد الثغور والدروب ورد غارات بيزنطة عن حدود الشام؟ ومن دمشق أيضاً انطلقت جحافل صلاح الدين لطرد الصليبين وتحرير القدس، كما لم تكن دمشق بمعزل عن الحياة والمشاركة فيها في كل العهود.

إنَّ تاريخ دمشق هو تاريخ حضاري للعالم العربي والإسلامي منذ ما قبل البعثة النبوية وحتى عصر المؤلف الذي يقف عند سنة 571، وكأنَّ الحافظ ابن عساكر أراد أن يؤرخ للعالم العربي والإسلامي على امتداد رقعته الجغرافية شرقاً وغرباً من خلال تلك المشكاة المشعة دمشق الشام، فكان بتاريخه الكبير الموسوعي الفذ شيخ المؤرخين ومؤرخ الحفاظ والمحدثين، وقد أتى الكتاب في ثمانين مجلداً، أورد فيها المصنف التاريخ على نحو تراجم، فهذا الكتاب ليس من نوع الحوليات التاريخية التي تعالج التاريخ سنة بعد أخرى، وليس من نوع كتب الحوادث التي تعالج أمة من الأمم أو سلسلة من الغزوات والفتوح أو سيرة عظيم من العظماء أو واقعة من الوقائع، وإنما هو قبل كل شيء كتاب تراجم، ثم هو بعد ذلك كتاب حديث، ولم يقتصر في كتابه تاريخ دمشق على وصف المدينة بل تحدث عن تاريخها والرجال العظام الذين مروا فيها، ثمَّ تحدث عن النساء اللواتي كان لهن أثراً عظيماً في رسم معالم هذا التاريخ وتلك الحضارة.‏
والكتاب موسوعة في الأدب شعراً ونثراً، فضلاً عن كون الحافظ ابن عساكر نفسه شاعراً وأديباً وكان يختم مجالسه بقطعة من شعره.

وأكل الكتاب شباب ابن عساكر وكهولته، ثم قام ولدهُ القاسم بتنقيحه وترتيبه في صورته النهائية تحت بصر أبيه وعنايته، حتى إذا فرغ منه سنة 565هـ قرأه على أبيه قراءة أخيرة، فكان يضيف شيئاً، أو يستدرك أمراً فاته، أو يصوب خلطاً، أو يحذف ما يراه غير مناسب أو يقدم موضعاً أو يؤخر مسألة، حتى أنهاه في نفس العام‏، وهي السنة التي أتم فيها تأليف تاريخه وصقله، وأصبح على الصورة التي نراها الآن بين أيدينا، والمجلد الأخير الذي وصل إلينا هو ترجمته للنساء. يقول الحافظ ابن عساكر: “هذا آخر ما يسر الله جمعه من هذا الكتاب والله الموفق”.
وانتهى من تصنيفه في مرحلته الأولى سنة 549 هـ ، ثم أخذ يزيد فيه ويضم إليه ما يستجد عنده حتى تمت نسخته الجديدة والمؤلفة من ثمانين مجلداً سنة 559 هـ.

ويقول ياقوت الحموي في معجم الأدباء (13/76) وجمع وصنف فمن ذلك: كتاب تاريخ مدينة دمشق وأخبارها وأخبار من حلها أوردها في خمسمئة وسبعين جزءاً من تجزئة الأصل والنسخة الجديدة ثمانمئة جزء.
ويقول الذهبي في السير (20/ 558): وصنف وجمع فأحسن فمن ذلك تاريخه في ثمانمئة جزء.
لم يكن تاريخ ابن عساكر أول تاريخ لدمشق والشام ولم يكن تاريخ دمشق الأول من نوعه بين كتب تاريخ المدن، فقبله ألف “تاريخ الرقة ” للقشيري و”تاريخ أصبهان” لأبي نعيم و”تاريخ نيسابور” للحاكم و”تاريخ بغداد” للخطيب وهو أهم ما أنتج قبله.

منهج ابن عساكر في تاريخه:
يمكن الكلام على منهج الحافظ ابن عساكر في تاريخه في النقاط التالية:
1. بدأ المؤلف كتابه بمقدمة حافلة، تحدث فيها عن كتابه وعمله ونهجه فيه .
2. سلك في تاريخه هذا منهج المحدثين، فهو يبدأ بذكر السند ثم يورد الخبر.
3. ذكر الحافظ ابن عساكر في تاريخه: تراجم من دخل مدينة دمشق ونزل بها من الصحابة والتابعين, والعلماء والأمراء, والأفاضل وغيرهم.

4. رتب أسماء المترجمين على حروف المعجم, مقدماً تراجم من اسمه أحمد على غيره، مع مراعاة الحروف في أسماء آبائهم وأجدادهم، وأردف ذلك بمن عرف بكنيته ولم يقف على حقيقة تسميته، ثمَّ بمن ذكر بنسبته، وبمن لم يسم في روايته، وأتبعهم بذكر النسوة والإماء.

5. يقدم ابن عساكر المادة الأولية للترجمة مسندة في كلِّ جزئية من جزئياتها حتى في الاسم أو الكنية أو يوم الوفاة، وتتعدد صور الخبر بتعدد الأسانيد التي انتهت إليه والروايات التي جاء عليها، وقد تتكاثر الأسانيد على خبر واحد في صورة واحدة أو صور متقاربة.. ولهذا فإن كل ما عند ابن عساكر في تاريخه يدور في هذين القسمين الكبيرين: الأسانيد والأخبار.

عبد الرحمن الداخل وبناء دولة الأندلس

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالإله المقبل13

حين استتبَّ الأمر لعبد الرحمن الداخل في أرض الأندلس، وبعد أن انتهى نسبيًّا من أمر الثورات بدأ يُفَكِّر فيما بعد ذلك، فكان أن اهتمَّ بالأمور الداخلية للبلاد اهتمامًا كبيرًا؛ فقام بما يأتي:
أولاً: إنشاء جيش قوي
وفي بنائه لجيشه الجديد عمل على ما يلي:
1- اعتمد في تكوين جيشه على العناصر التالية
أ – اعتمد في الأساس على عنصر المولَّدين، وهم الذين نَشَئُوا نتيجة انصهار وانخراط الفاتحين بالسكان الأصليين من أهل الأندلس.

ب – اعتمد كذلك على كل الفصائل والقبائل الموجودة في بلاد الأندلس، فضمَّ إليه كل الفصائل المُضَرِيَّة؛ سواء كانت من بني أمية أو من غير بني أمية، إلاَّ أنه بعد ثورة اليمانية لمقتل أبي الصباح اليحصبي صار لا يطمئن إلى العرب، فأكثر مِنَ اتخاذ المماليك من غير العرب لا سيما البربر، حتى صار له منهم أربعون ألفًا، وبهم استقرَّ ملكه.

ج – كذلك اعتمد على عنصر الصقالبة ؛ وهم أطفالٌ نصارى كان قد اشتراهم عبد الرحمن الداخل من أوربا، ثم قام بتربيتهم وتنشئتهم تنشئةً إسلامية عسكرية صحيحة.
وبرغم قدوم عبد الرحمن الداخل إلى الأندلس وحيدًا، فقد وصل تعداد الجيش الإسلامي في عهده إلى مائة ألف فارسٍ غير الرجَّالة، مشكَّلاً من كل هذه العناصر السابقة، والتي ظلَّت عمادَ الجيش الإسلامي في الأندلس لدى أتباع وخلفاء وأمراء بني أمية من بعده.

2- إنشاء المصانع ودور الأسلحة
أنشأ عبد الرحمن الداخل – صقر قريش- دُورًا للأسلحة؛ فأنشأ مصانع السيوف ومصانع المنجنيق، وكان من أشهر هذه المصانع مصانع طُلَيْطلَة ومصانع برديل.

3- إنشاء أسطول بحري قوي
أنشأ – أيضًا- أسطولاً بحريًّا قويًّا، بالإضافة إلى إنشاء أكثر من ميناء؛ كان منها ميناء طُرْطُوشة وألمَرِيَّة وإِشْبِيلِيَة وبَرْشُلُونَة وغيرها من المواني.

4- تقسيم ميزانية الدولة
كان عبد الرحمن الداخل يُقَسِّم ميزانية الدولة السنوية إلى ثلاثة أقسام: قسم يُنفقه بكامله على الجيش، والقسم الثاني لأمور الدولة العامَّة من مؤنٍ ومعمارٍ ومرتباتٍ ومشاريعَ وغير ذلك، والقسم الأخير كان يدَّخره لنوائب الزمان غير المتوقَّعة.

ثانيًا: الاهتمام بالعلمَ والجانبَ الدينيَّ
أعطى عبد الرحمن الداخل العلم والجانب الديني المكانة اللائقة بهما؛ فعمل على الآتي:
– نَشْر العلم وتوقير العلماء.
– اهتمَّ بالقضاء والحسبة.
– اهتمَّ بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

– كان من أعظم أعماله في الناحية الدينية بناء مسجد قُرْطُبَة الكبير، والذي أنفق على بنائه ثمانين ألفًا من الدنانير الذهبية، وقد تنافس الخلفاء من بعده على زيادة حجمه؛ حتى تعاقب على اكتماله في شكله الأخير ثمانية من خلفاء بني أميَّة.
وكان من العلماء في أيامه معاوية بن صالح الحضرمي ، وكان من جِلَّة أهل العلم ومن كبار المحدِّثين، وقد أخذ عنه جملة من الأئمة؛ منهم : سفيان الثوري وابن عيينة والليث بن سعد ويذكر أن الإمام مالك روى عنه حديثاً ، وكان عبد الرحمن الداخل قد ولاَّه القضاء.
وكان من علماء الأندلس في عهده -أيضًا- سعيد بن أبي هند، والذي لَقَّبه الإمام مالك بن أنس بالحكيم؛ لِمَا عُرِفَ عنه من رجاحة عقله، وقد توفي أيام الداخل.

ثالثًا: العناية الكبيرة بالجانب الحضاري المادي
ويبرز ذلك في الجوانب التالية:
– اهتمامه الكبير بالإنشاء والتعمير، وتشييد الحصون والقلاع والقناطر، وربطه أول الأندلس بآخرها.
– إنشاؤه الرُّصَافة، وهي من أكبر الحدائق في الإسلام، وقد أنشأها على غِرار الرصافة التي كانت بالشام، والتي أسَّسها جدُّه هشام بن عبد الملك – رحمه الله – ، وقد أتى لها عبد الرحمن بالنباتات العجيبة من كل بلاد العالم، فإذا نجحت زراعتها في الرصافة فإنها تنتشر في الأندلس كلها.

رابعًا: حماية حدود دولته من أطماع الأعداء
بالإضافة إلى إعداده جيشًا قويًّا – كما أوضحنا سابقًا- وتأمينًا لحدود دولته الجديدة قام عبد الرحمن الداخل بخوض مرحلتين مهمتين:

المرحلة الأولى:
كان عبد الرحمن الداخل يعلم أن الخطر الحقيقي إنما يكمن في دولتي ليون في الشمال الغربي، وفرنسا في الشمال الشرقي من بلاد الأندلس، فقام بتنظيم الثغور في الشمال، ووضع جيوشًا ثابتةً على هذه الثغور المقابلة لهذه البلاد النصرانية، وهي:
– الثغر الأعلى؛ وهو ثغر سَرَقُسْطَة في الشمال الشرقي في مواجهة فرنسا.
– الثغر الأوسط؛ ويبدأ من مدينة سالم ويمتدُّ حتى طُليْطلَة.
– الثغر الأدنى؛ وهو في الشمال الغربي في مواجهة مملكة ليون النصرانية.

المرحلة الثانية:
كان عبد الرحمن الداخل – رحمه الله- قد تعلَّم من آبائه وأجداده عادة عظيمة، وهي عادة الجهاد المستمرِّ وبصورة منتظمة كل عام، فقد اشتُهِرَت الصوائفُ في عهده؛ حيث كان المسلمون يخرجون للجهاد في الصيف وبصورة منتظمة؛ وذلك حين يذوب الجليد، وكان يتناوب عليهم فيها كبار قوَّاد الجيش، بهدف الإرباك الدائم للعدوِّ، وهو ما يُسمُّونه الآن في العلوم العسكرية بالهجوم الإجهاضي المسبق.

نور الدين زنكي وحراسة بلاد الإسلام

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالإله المقبل13

من أبرز شخصيات الدولة الزنكية نور الدين محمود؛ إذ تحفل سيرته بجهاد طويل ضد الصليبيين، وضد الدولة العُبيدية في سبيل نصرة الإسلام، ورفع رايته.
وُلِدَ نور الدين محمود في يوم الأحد 17 شوال سنة 511هـ/ 1118م بحلب، وقد نشأ في كفالة والده صاحب حلب والموصل وغيرهما، تعلم القرآن والفروسية والرمي، وكان شهمًا شجاعًا ذا همة عالية.

اعتنى نور الدين بمصالح الرعية، فأسقط ما كان يؤخذ من المكوس، وأعطى عرب البادية إقطاعيات لئلا يتعرضوا للحجاج، وقام بتحصين بلاد الشام وبنى الأسوار على مدنها، وبنى مدارس كثيرة منها العادلية والنورية ودار الحديث، ويعتبر نور الدين أول من بنى مدرسة للحديث، وقام نور الدين ببناء الجامع النوري بالموصل، وبنى الخانات في الطرق، وكان متواضعًا مهيبًا وقورًا، يكرم العلماء، وكان فقيهًا على المذهب الحنفي، فكان يجلس في كل أسبوع أربعة أيام يحضر الفقهاء عنده، ويأمر بإزالة الحجاب حتى يصل إليه من يشاء، ويسأل الفقهاء عمّا يُشكل عليه.
يقول ابن كثير: “كان متبعًا للآثار النبوية، محافظًا على الصلوات في الجماعات، كثير التلاوة محبًّا لفعل الخيرات، عفيف البطن والفرج، مقتصدًا في الإنفاق على نفسه وعياله في المطعم والملبس، حتى قيل: إنه كان أدنى الفقراء في زمانه أعلى نفقة منه من غير اكتناز ولا استئثار بالدنيا، ولم يُسمَع منه كلمةُ فُحشٍ قطّ في غضب ولا رضى، صموتًا وقورًا.

اتصف نور الدين محمود بعدد من الصفات مكنته من تحقيق ذلك النجاح الباهر في بناء وإدارة دولة واسعة منها:
شعوره بالمسئولية الملقاة على عاتقه، واعتماده الحلول العقلية، وقوة شخصيته، كما تمتع بخصائص عسكرية فذة جعلته من أعظم قادة زمانه، ومكنته من تحويل جيشه الصغير إلى أعظم قوة عسكرية في الشرق الأدنى، كما كان رياضيًّا من الطراز الأول مولعًا بضرب الكرة “البولو” خدمة للأغراض الدينية، ومارس أيضًا رياضة الصيد، وكان تقيًّا ورعًا شغوفًا بالعلم، معظمًا للعلماء، وكان يختار رجال دولته بعناية فائقة، منح المؤسسة القضائية استقلالاً تامًّا، وأنشأ دار العدل التي كانت بمنزلة محكمة عليا لمحاسبة كبار الموظفين في الدولة، تحرى العدل وأنصف المظلوم من الظالم دون النظر إلى الفوارق الاجتماعية، كما كان حريصًا على تأمين الخدمات الاجتماعية لرعيته.

كان نور الدين محمود وهو في الثلاثين من عمره واضح الرؤية والهدف منذ أن تسلم الحكم حتى يوم وفاته، إذ كان عليه واجب الجهاد لتحرير الأرض من الصليبيين المعتدين وعلى رأسها بيت المقدس، وتوفير الأمان للناس، وأدرك أن الانتصار على الصليبيين لا يتحقق إلا بعد جهاد طويل ومرير حافل بالتضحيات في خطوات متتابعة تقرب كل منها يوم الحسم .
فالخطوة الأولى التي كان قد بدأها والده عماد الدين زنكي حين حرَّر إمارة الرها التي تشكِّل تداخلاً مع الأراضي الإسلامية، فتمكن بذلك من تطهير الأراضي الداخلية وحصر الوجود الصليبي في الشريط الساحلي، وعليه أن يخطو الخطوة الثانية، لذلك وضع أسس سياسة متكاملة تتضمن توحيد بلاد الشام أولاً، ثم توحيد بلاد الشام ومصر التي كانت تعاني من الاضطرابات وفوضى الحكم ثانيًا، وطرد الصليبيين من المنطقة ثالثًا، وكان التوحيد في نظره يتضمن توحيد الصف والهدف في آن واحد، فأما توحيد الصف فهو جمع بلاد الشام ومصر في إطار سلطة سياسية واحدة، وأما توحيد الهدف فهو جمع المسلمين تحت راية مذهب واحد هو مذهب أهل السنة، وكان كلَّما توغل في خضم الجهاد، وتقدم به الزمان يزداد اقتناعًا بصواب هذه السياسة، وكان سبيله إلى ذلك مزيجًا من العمل السياسي والمعارك العسكرية التي تخدم توحيد الصف والهدف.

ولكن لم تكن الأمور مستقرة أبدًا على الجبهة الداخلية، فقد كانت مراكز القوى المتنافسة في العالم الإسلامي كثيرة، وكانت هذه المنافسة تأخذ أحيانًا شكلاً حادًّا وعنيفًا، غير أن خطر الصليبيين دفع القوى الإسلامية في أحيانٍ كثيرة إلى دفن خلافتها وتجاوز منافساتها، وكانت بعض القوى الإسلامية تقوم بدور الوساطة أحيانًا، لجمع الكلمة وتوحيد الجهد ضد أعداء الدين، ومثال ذلك ما حدث سنة 560هـ/ 1164م عندما وقع خلاف حاد بين نور الدين محمود بن زنكي وبين صاحب الروم قلج أرسلان بن مسعود بن قلج أرسلان أدى إلى الحرب والتضاغن، فلما بلغ خبر ذلك إلى مصر، كتب وزير صاحب مصر – الصالح بن رزيك – إلى قلج أرسلان ينهاه عن ذلك، ويأمره بموافقة نور الدين واتّباعه، وكان لذلك دوره في إخماد ثائرة الفتنة التي كان للروم دورهم فيها بتحريض قلج أرسلان لصرف نور الدين عن جهاد الصليبيين.

وفي سنة 562هـ/ 1166م، أعلن (صاحب مَنْبج) واسمه غازي بن حسان المنبجي عصيانه، وتمرد على نور الدين الذي كان قد عينه على حكم منبج، فما كان من نور الدين إلاّ أن وجه إليه قوة عملت على حصاره، ثم إخراجه من منبج التي أسند نور الدين حكمها إلى أخيه قطب الدين الذي عين (ينال بن حسان) لإدارة الحكم فيها، وكان عادلاً خيرًا محسنًا إلى الرعية، جميل السيرة فبقي فيها إلى أن أخذها منه صلاح الدين يوسف بن أيوب سنة 572هـ/ 1177م.
وكانت معظم ديار بكر وحصن كيفا تحت حكم فخر الدين أرسلان بن داود بن سقمان بن أرتق، وتصادف أن مرض سنة 562هـ/ 1166م، وشعر باقتراب منيته، فكتب إلى نور الدين محمود رسالة جاء فيها: “إن بيننا صحبةً في جهاد الكفار، أريد أن ترعى بها ولدي”. وما لبث فخر الدين أرسلان أن توفي، وخلفه من بعده ابنه محمد، فقام نور الدين بحمايته والدفاع عنه، وكان قطب الدين مودود صاحب الموصل وشقيق نور الدين قد طمع بضم أملاك فخر الدين أرسلان إلى أملاكه، ووجه جيشًا لهذه الغاية، فأسرع نور الدين وكتب رسالة إلى أخيه قطب الدين جاء فيها: “إن قصدت أو تعرضت لبلاده، منعتُك قهرًا” فامتنع قطب الدين عن تنفيذ ما كان يريده.

وجاءت سنة 565هـ/ 1169م حاملة معها مزيدًا من المتاعب لنور الدين، فقد وقعت زلازل عظيمة متتابعة هائلة، لم ير الناس مثلها، وعمت أكثر البلاد من الشام والجزيرة والموصل والعراق وغيرها من البلاد، وكان أشدها بالشام، حيث خربت كثيرًا من دمشق وبعلبك وحمص وحماة وشيزر وبعرين وحلب وغيرها، وتهدمت أسوارها وقلاعها، وسقطت الدور على أهلها، وهلك منهم ما يخرج عن الحد، فلما علم نور الدين الخبر، سار إلى بعلبك ليعمر ما انهدم من سورها وقلعتها، فلما وصلها أتاه خبر باقي البلاد، وخراب أسوارها وقلاعها، وخلوها من أهلها، فجعل ببعلبك من يعمرها ويحفظها، وسار إلى حمص، ففعل مثل ذلك، ثم حماه، ثم إلى بعرين، وكان شديد الحذر على سائر البلاد من الصليبيين، ثم أتى مدينة حلب، فرأى فيها من آثار الزلزلة ما ليس بغيرها من البلاد، فإنها كانت قد أتت عليها، وبلغ الرعب ممن نجا كل مبلغ، فكانوا لا يقدرون على اللجوء إلى مساكنهم خوفًا من عودة الزلزلة، فأقام بظاهرها، وباشر عمارتها بنفسه، فلم يزل كذلك حتى أحكم أسوار البلاد وجوامعها.

ولم يكد نور الدين يفرغ من إصلاح ما دمرته الزلازل حتى جاءه ما يشغله عن نفسه، فقد توفي أخوه قطب الدين مودود بن زنكي صاحب الموصل – وهو بالموصل – وأوصى بالملك من بعده لابنه الأكبر عماد الدين زنكي الثاني، ثم عدل عن وصيته قبل وفاته فأوصى أن يئُول ملكه إلى ابنه الأصغر سيف الدين غازي الثاني، وكان السبب في ذلك تدخل القيّم بأمور دولته والمقدم فيها – فخر الدين عبد المسيح – والذي كان يكره عماد الدين؛ لأنه كان طوع عمه نور الدين بكثرة مقامه عنده، ولأنه زوج ابنته، وكان نور الدين بدوره يكره عبد المسيح ويبغضه، فاتفق فخر الدين وخاتون ابنة حسام الدين – وهي والدة سيف الدين الثاني – على صرف المُلك عن عماد الدين إلى سيف الدين، فلما توفي قطب الدين مودود، دخل ولده عماد الدين إلى عمه نور الدين مستنصرًا به ليعينه على أخذ الملك لنفسه.

كان نور الدين يبغض فخر الدين عبد المسيح بسبب خشونة سياسته تجاه الرعية، وظلمه، وتجبره، فلمَّا علم بتحكمه في أمر ابن أخيه، قال: “أنا أولى بتدبير أمور أولاد أخي” وأقام العزاء لأخيه، فلما انقضت أيام العزاء، اختار نخبة من خيرة فرسانه، وسار بهم بسرعة إلى الخابور، فملكه جميعه، وملك نصيبين وأقام بها، فجمع الجند فأتاه بها نور الدين محمد بن قرا أرسلان بن داود (صاحب حصن كيفا)، وكثر جمعه، وكان قد ترك معظم جيشه بالشام، لحفظ ثغوره، فلما اجتمعت العساكر، سار إلى سنجار فحصرها، ونصب المنجنيقات واستولى عليها، فأسند حكمها إلى عماد الدين ابن أخيه قطب الدين، وكان قد جاءته كتب الأمراء الذين بالموصل سرًّا، يبذلون له الطاعة، ويحثونه على الوصول إليهم، فسار إلى الموصل، فأتى مدينة (بلد) وعبر دجلة عند مخاضة إلى الجانب الشرقي، وسار فنزل شرقي الموصل على حصن نيِنوَى، ودجلة بينه وبين الموصل، وكان سيف الدين غازي الثاني قد سيَّر (عز الدين مسعود بن قطب الدين) إلى أتابك شمس الدين صاحب همذان وبلد الجبل وأذربيجان وأصفهان والري وتلك الأعمال، يستنجده على عمه نور الدين، فأرسل الأتابك شمس الدين رسولاً إلى نور الدين ينهاه عن التعرض إلى الموصل؛ فلم يلتفت إليه، وقال للرسول: “قل لصاحبك: أنا أصلح لأولاد أخي منك، فلا تدخل نفسك بيننا، وعند الفراغ من إصلاح بلادهم يكون الحديث معك على باب همذان، فإنك قد ملكت هذه المملكة العظيمة، وأهملت الثغور، حتى غلب الكرج عليها، وقد بُلِيتُ أنا ولي مثل ربع بلادك بالفرنج، وهم أشجع العالم، فأخذت معظم بلادهم، وأسرت ملوكهم، ولا يحل لي السكوت عنك، فإنه يجب علينا القيام بحفظ ما أهملت، وإزالة الظلم عن المسلمين”.

وأقام نور الدين على حصار الموصل، فعزم من بها من الأمراء على مجاهرة فخر الدين عبد المسيح بالعصيان وتسليم البلد إلى نور الدين، فعلم فخر الدين بذلك وأرسل إلى نور الدين يفاوضه في تسليم البلد إليه .
وتسلم نور الدين الموصل، ودخل القلعة من باب السر؛ لأنه لما بلغه عصيان عبد المسيح عليه، حلف أن لا يدخلها إلا من أحصن موضع فيها، ولما ملكها أطلق ما بها من المكوس وغيرها من أبواب المظالم، وكذلك فعل بنصيبين وسنجار والخابور، شأنه في ذلك شأن ما كان يفعله في البلاد التابعة لحكمه، ووصله وهو على الموصل يحاصرها خلعة من الخليفة المستضيء بأمر الله، فلبسها، ولما ملك الموصل، خلعها على ابن أخيه سيف الدين وأمره وهو بالموصل بعمارة الجامع النوري، وركب هو بنفسه إلى موضعه فرآه، وصعد منارة مسجد أبي حاضر فأشرف منها على موضع الجامع، فأمر أن يُضاف إلى الأرض التي شاهدها ما كان يجاورها من الدور والحوانيت، وأن لا يؤخذ منها شيء بغير اختيار أصحابه، وولّى الشيخ محمد الملا عمارته، وكان من الصالحين الأخيار، فاشترى الأملاك من أصحابها بأوفر الأثمان، وعمّره، وعاد نور الدين إلى الشام بعد أن أقام أربعة أشهر بالموصل، واصطحب معه فخر الدين عبد المسيح، وغيَّر اسمه فسماه (عبد الله)، وأقطعه إقطاعًا كبيرًا.

وجد نور الدين أن رقعة بلاده قد اتسعت كثيرًا، ولما كان في جهد وجهاد مع الصليبيين، فقد أخذ في التفكير بوسيلة تضمن له تأمين الاتصال بسرعة مع أنحاء البلاد وأطرافها، فلما كانت سنة 567هـ/ 1171م اتخذ بالشام الحمام الهوادي (الزاجل) وهي تطير من البلاد البعيدة إلى أوكارها وجعلها في جميع بلاده.

كان نور الدين قد استخدم مليح بن ليون الأرمني لحكم الدروب المجاورة لحلب، وأقطعه إقطاعًا كبيرًا، وقيل لنور الدين: لماذا تستخدم مليح، وتمنحه الإقطاع في بلاد الشام؟ فأجابهم بقوله: “أستعين به على قتال أهل ملته، وأريح طائفة من عسكري تكون بإزائه لتمنعه من الغارة على البلاد المجاورة له”. وأخلص مليح لنور الدين، ولازمه، وشاركه في حروبه مع الصليبيين، وكان نور الدين بالمقابل يدعمه لقتال من يجاوره من الأرمن والروم، وكانت مدن أذنة ومصيصة وطرسوس بيد ملك الروم صاحب القسطنطينية، فأخذها مليح منهم لأنها تجاور بلاده، فسير إليه ملك الروم جيشًا كثيفًا سنة 568هـ/ 1172م، وجعل عليهم بعض أعيان البطارقة من أقاربه.

فلقيهم مليح ومعه طائفة من عسكر نور الدين، فقاتلهم، وصدقهم القتال، وصابرهم، فانهزمت الروم، وكثر فيهم القتل والأسر وقويت شوكة مليح، وانقطع أمل الروم من تلك البلاد، وأرسل مليح إلى نور الدين كثيرًا من غنائمهم، ومن الأسرى ثلاثين رجلاً من مشهوريهم وأعيانهم، فسير نور الدين بعض ذلك إلى الخليفة المستضيء بأمر الله.

تلك هي بعض ملامح الجهد الذي بذله نور الدين وجهاده لبناء جبهة داخلية قوية متماسكة، قاعدته العدل والمساواة، وأساسها الإيمان بالله والجهاد في سبيل الله، وهدفها حشد قوى المسلمين جميعها لقتال أعداء الدين.

ومن الملامح البارزة في حياة نور الدين محمود علاقته بصلاح الدين الأيوبي؛ إذ تولى نور الدين تربية صلاح الدين منذ صغره؛ فكان له بمنزلة الوالد والمعلِّم، وكان يدربه على فنون القتال، ويغرس فيه حب الجهاد في سبيل الله ، ثم عينه بعد ذلك قائدًا للشرطة، ثم أرسله بصحبة عمه أسد الدين شيركوه إلى مصر؛ استجابة للوزير شاور ضد ضرغام الذي استعان بالصليبيين، وبعد انتصار أسد الدين ووفاته، تولى صلاح الدين الوزارة في مصر للدولة العُبيدية، رغم كونه سُنيًّا، وعمل صلاح الدين على تنفيذ أحلام نور الدين، وأحلامه الشخصية، وأحلام المسلمين جميعًا بالقضاء على الدولة العبيدية، وعادت مصر دولة سنية مرةً أخرى، وأضاء وجهها المشرق من جديد.

وسقط ملوك الطوائف !

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالإله المقبل13

عندما أوشكت الخلافة الأموية في الأندلس على السقوط، لم تسقط دفعة واحدة.
لقد جرى عليها ما جرى على الفاطميين بعد ذلك في مصر، وما جرى على المماليك أيضًا.‏‏.‏ لقد ضاعت الزعامة منهم عبر انقلاب سلمي لم ترق فيه قطرة دم (بالمعنى المباشر للانقلابات الدموية)!‏‏!‏
لقد ولي أمر الخلافة طفل في السابعة من عمره يدعى ‏”‏هشامًا‏”‏، ولما لم يكن بإمكانه حكم البلاد، فقد كانت أمه ‏”‏صبح‏”‏ وصية عليه، ولم تستطع صبح هذه أن تنفرد بالسلطة، فقد أشركت معها في الأمر رجلاً من أغرب الرجال وأقدرهم، يدعى ‏”‏ المنصور بن أبي عامر” ‏.‏‏.‏

وقد نجح هذا المنصور في أن يعبر الانقلاب السلمي بنجاح، ويحول الخلافة الأموية في الأندلس إلى ملكٍ ينتسب إليه، ويرثه أبناؤه من بعده‏!‏‏!‏ وإن كان لبني أمية الاسم الرمزي، والخلافة الصورية.‏

ولم يمض أكثر من أربعين سنة حتى كانت دولة العامريين قد أصبحت آخر ومضة تمثلت فيها دولة الخلافة الأموية في الأندلس، وبسقوط دولة العامريين التي قامت على غير أساس، انفرط عقد الأندلس، وظهر بهذه الأرض الطيبة عصر مِن أضعف وأردأ ما عرف المسلمون من عصور الضعف والتفكك والضياع.‏

لقد ورث خلافة الأمويين أكثر من عشرين حاكمًا في أكثر من عشرين مقاطعة أو مدينة، وقد انقسم هؤلاء الحكام إلى بربر وصقالبة وعرب، وكانت بينهم حروب قومية لم يخمد أوارها طيلة السنوات التي حكموا فيها، ولقد ترك هؤلاء الملوك المستذلون الضعاف الملوك النصارى يعيشون بهم ويتقدمون في بلادهم، وانشغلوا هم بحروبهم الداخلية، وباستعداء النصارى بعضهم ضد بعض، وتسابقوا على كسب النصارى، وامتهنوا في ذلك كرامتهم وكرامة الإسلام، فدفعوا الجزية وتنازلوا طوعًا عن بعض مدنهم للنصارى، وحاربوا في جيوش النصارى ضد المسلمين من إخوانهم في المدن الأخرى من أرض الأندلس الإسلامية!!‏

ولا يستطيع المرء أن يزعم أن باستطاعته أن يحصي كل مساوئ الفترة المسماة بفترة ملوك الطوائف
ولقد أدى التنافس بين هؤلاء الملوك إلى رفعة منزلة الشعراء والأدباء والمطربين، ولم يكن ذلك حبًّا في الأدب، ولا إعجابًا بفن الطرب، وإنما كان ذلك من جملة أساليبهم في حرب بعضهم مع بعض، وفي محاولة تحصيل المجد والشهرة المزيفين‏.‏
وقد اشتهر من بين هؤلاء الملوك المتنافسين أسرة بني عباد، التي نبغ فيها المعتمد بن عباد كأمير مشهور عاطفي، وكشاعر كبير ذي قلم سيال‏!‏‏!‏
ولقد استفحل الخلاف والتنافس بين هؤلاء الملوك، كما استفحل كذلك ضعف كلٍّ منهم، وكان من نتائج ذلك طمع النصارى في اشبيلية وفي المدن الأندلسية الأخرى.‏

ولئن كان للمعتمد بن عباد من فضل، فإن ذلك الفضل لن يكون إلا في محاولته مقاومة هذا الخطر حين رأى دنوه من أبواب المسلمين.
ولم يكن أمامه من مخرج غير الاستعانة بقوة المغرب العربي.‏‏.‏ فاستعان بالمرابطين في المغرب الأقصى، وعندما كان بقية ملوك الطوائف يبدون خشيتهم من المعتمد، قال لهم كلمته المشهورة‏:‏ ‏”‏لأن أرعى الجمال في صحراء العرب خير من أرعى الخنازير في أرض الصليبيين‏”‏.‏
ولقد تقدم زعيم المرابطين يوسف بن تاشفين فعبر البحر و‏(‏جبل طارق‏)‏ لنجدة المسلمين في الأندلس، وحقق في ‏(‏معركة الزلاقة‏)‏ سنة 479هـ/‏ 1086م انتصارًا كبيرًا ساحقًا على النصارى، كان من أثره مدّ عمر الإسلام في الأندلس فترة أخرى من الزمن.‏

ولقد تبين ليوسف بن تاشفين بعد ذلك أن ملوك الطوائف هؤلاء ليسوا أهلاً للبقاء في مراكز السلطة في الأندلس، وجاءته النداءات والفتاوى من العلماء كالغزالي بوجوب الاستيلاء على الأندلس، فاستولى على الأندلس وأعاد إليها وحدتها، وطرد هؤلاء الطائفيين الذين كانوا يخشون قدومه، ويفضل بعضهم النصارى عليه.‏
وفي مدينة ‏(‏أغمات‏)‏ بالمغرب الأقصى عاش ‏(‏ابن عباد‏)‏ أشهر ملوك الطوائف بقية أيامه فقيرًا ذليلاً لا يجد ما يكفيه‏!‏‏!‏
إن هذه هي النتيجة الطبيعية لكل ملوك طوائف في كل عصر؛ فالذين يخشون الموت سيموتون قبل غيرهم، والذين يحسبون للفقر حسابه مضحين بكرامة دينهم، ووجود أمتهم.‏‏.‏ سوف يصيبهم الفقر من حيث لا يشعرون.‏

ولقد نسي ملوك الطوائف هذه الحقائق؛ فنغَّص الله كل شيء عليهم حتى الموت، كما قال ابن صمادح الطائفي حاكم ‏(‏المرية‏)‏ وهو يحتضر ويسمع أصداء الهجوم على قصره، (فليبحث ملوك الطوائف في كل عصر عن الحياة، حتى لا يبحثوا ذات يوم عن الموت فلا يجدوه، وحتى لينغص الله عليهم كل شيء حتى الموت.‏‏.‏ فتلك سُنَّة الله ولن تجد لسنة الله تبديلاً).

بلقيس والهدهد وسليمان

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالإله المقبل13

بلقيس هي ملكة سبأ بإقليم اليمن، وكانت هي وقومها يعبدون الشمس من دون الله، وعلم سليمان عليه السلام من الهدهد المؤمن الموحد بقصتها، وكتب إليها كتابًا يدعوها للتوحيد والإسلام وأمر الهدهد بقوله: (اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ)[النمل:28]، وحمل الهدهد الكتاب وألقاه في مخدع الملكة فقرأته.. وهنا تبرز صفات الرجاحة والحكمة والحنكة لدى تلك المرأة العاقلة الملكة الكافرة وقتئذ، وكيف هداها عقلها الراجح للإيمان، وأن تدع عبادة الشمس لتعبد رب الشمس، وتستغفره وتهدي شعبها كذلك للتوحيد. ويثبت لنا من قصتها بعد التأمل بعض الحقائق كما يلي:
1- **حسن التقدير والاحترام والفهم ***لفحوى الرسالة التي ألقاها الهدهد حيث قالت: (قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ * إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ)[النمل:29-31].
2- **الشورى ***لذوي الاختصاص والأمر، ورفض مبدأ الديكتاتورية في الحكم، حيث عرضت قضية كتاب سليمان التي يترتب عليها تغيير في العقيدة والعبادة وسيادة المملكة، قالت: (قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ)[النمل:32]، فأجابوا عليها بحسن ظنهم وتقديرهم لفكرها واعتزازهم بمملكتهم وثقتهم في قوتهم المادية: (قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ)[النمل:33].
3- العلم بتاريخ الأمم والملوك والغزاة: حيث قالت: (قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ)[النمل:34].
4- تقيم الموقف السياسي والعسكري: بأن ترسل هدية إلى سليمان، فإن كان ملكًا من ملوك الدنيا فرح بها وقبلها ويخفف التوتر بين المملكتين، وإن كان نبيًا مرسلاً رفض ولم يرضَ إلاَّ بتغيير العقيدة وإعلان الإسلام.. كذلك سيتعرف الرسل الذين سيحملون الهدايا عن كثب عن أخبار سليمان وملكه وجنوده، ووافق الشعب على رأي ملكته وأعد الهدايا، وأسرف فيها لتليق ولتحظى بالقبول عند سليمان.
ولما ذهب الرسل إلى سليمان رفض هديتهم وأدهشهم ملكه وجنوده من الإنس والطير والحيوانات، وأعلن رفضه بقوله: (فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ * ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ)[النمل:36، 37]، حينذاك قررت الملكة أن تذهب مع كبار قومها إلى سليمان لتصل إلى حل سلمي ودِّي يستقر عليه التفاوض فيما بينهما سواء في العقيدة أو الملك.
5- الذكاء والفطنة: كانت الرحلة بين سبأ واليمن إلى القدس حيث يقيم سليمان، تستغرق ثلاثة اشهر، وأراد سليمان أن يختبر ذكاء بلقيس بأن يظهر لها فضل الله عليه وملكه الذي لا ينبغي لأحد أن يملك مثله، بأن يحضر لها كرسي عرشها من مملكتها إلى مملكته ويجلسها فوقه، فقال لجنوده: (قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ)[النمل:38]، فأجاب عفريت من الجن: (أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ)[النمل:39]، أي سيحضره في غضون ساعات، فقال الذي عنده علم من الكتاب لسليمان: (أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ)[النمل:40]، أي في غضون ثواني قليلة ، فلما رأى سليمان العرش مستقرًا عنده لم يفرح بقدرته أو قدرة أعوانه وجنوده، ولكنه قال: (هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ * قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ * فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ)[النمل:40، 41،42]، وهذا سؤال عصيب استخدمه سليمان لقياس معدل ذكاء ملكة سبأ، فالعرش عرشها به أمارات قد ألفتها وعرفتها ولا تستطيع أن تنكرها رغم تغيير بعض العلامات، ولكن كيف يجيء العرش من اليمن إلى بلاد الشام وقد تركته هناك في حماية جنودها وشعبها؟ فإن أجابت نعم هذا هو عرشي كانت الإجابة غير صحيحة. لأن عرشها في اليمن وليس في القدس عند سليمان. وإن قالت لا كان ذكاؤها ضعيفًا أو محدودًا لأنها تفكر استنادًا لأفكار في رأسها دون أن تطرح هذه الأفكار للمناقشة مع هذا الواقع الجديد. فأجابت إجابة تنم عن فطنة وحكمة واسعة لا تثبت ولا تنفي، فقالت: (كَأَنَّهُ هُوَ).
ورغم رجاحة عقلها، إلا أنها كانت تحيا في بيئة فاسدة كافرة مظلمة، وهذا يدل على أن ذوي الألباب حين يأتيهم ضوء الهدى والإيمان فإنهم سرعان ما يهتدون به في حياتهم وسلوكهم، والعقل في حاجة إلى هداية ربه وإرشاده حتى يعقل ويحسن التصرف.
وجاء السياق القرآني الكريم يوضح علة كفر بلقيس وهي نشأتها في بيئة كافرة في عقيدتها وتصورها (وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ)[النمل:43]، وأعد سليمان عليه السلام مفاجأة أخرى، حيث أعدَّ قصرًا من البلور أقيمت أرضيته فوق الماء وظهر كأنه لجة، فلما قيل لها ادخلي الصرح حسبت أنها ستخوض تلك اللجة، فكشفت عن ساقيها، فلما تمت المفاجأة كشف لها سليمان عن سرها، قال: (إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ)[النمل:44]، وأمام تلك العجائب الإلهية التي سخرت لخدمة سليمان وقفت الملكة في دهشة ، ورجعت إلى ربها واعترفت بظلمها لنفسها فيما سلف من عبادة غير الله، معلنة إسلامها مع سليمان لا لسليمان، ولكن (لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ).
لقد اهتدى قلبها وعرف عقلها أن الإسلام لله ليس استسلامًا لأحد من خلقه، ولو كان هو سليمان النبي الملك صاحب المعجزات، أما الإسلام فهو إسلام لله رب العالمين، ومصاحبة المؤمنين والداعين إلى طريقه (وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)[النمل:44].
بهذا التصرف الحكيم أسدلت بلقيس ملكة سبأ الستار على قصة مثيرة بين دولتين، وتبعها شعبها فأسلم مثلها، فأكرم بها من امرأة وملكة كانت تحكم شعبها بأسلوب الشورى، وجنبت شعبها ويلات الحرب، وبسياستها الحكيمة وعقلها الرزين، وكذلك ويلات الهلاك في الآخرة إذا ظلوا على كفرهم ولم يسلموا لله رب العالمين مع نبي الله سليمان عليه الصلاة والسلام.
من ” كتاب الزوجات الأعداء و الزوجات الأسوياء “

كيف احتل الإنجليز مصر؟

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالإله المقبل13

اقرءوا التاريخ إذ فيه العِبَر *** ضلَّ قومٌ ليس يدرون الخَبَر

من قرأ تاريخ الاحتلال الإنجليزي للبلاد المصرية المسلمة في القرن الماضي وتابع خطواته، متأملاً ما تبين من سبيل المجرمين للوصول إلى هذا الأمر الجلل؛ وجد في ذلك الكثير من العِبَر التي تستحق التدوين، ويمكن الاستفادة منها لمنع تكرار ما حدث في دولٍ أخرى -لا قدّر الله-؛ لأن طرائق مكر الأعداء -على اختلاف دولهم- متشابهة؛ يبني اللاحق منهم على خطط السابق، وينسج على منواله، كما هو واضحٌ جدًّا في العراق؛ حيث استفاد الأمريكيون كثيرًا من الملف الإنجليزي القديم للإيقاع من جديد بهذا البلد المسلم. [وكما هو واضح الآن في فرنسا واحتلالها لمالي].

وتاريخ الإنجليز مع الدول العربية والإسلامية -عامة- في هذا العصر مليء بالخبث والحقد والمؤامرات المتنوعة في أماكن شتى من بلاد الإسلام، فما من مصيبة تحلُّ بهم إلا وتجد من ورائها كيد الإنجليز وتدبيرهم، والشواهد على هذا كثيرة لا أظنها تخفى على متابع، حتى وصفهم شاعر العراق الرصافي -رحمه الله- زمن احتلالهم لبلاده بقوله في ديوانه ( 3/240-243):

دع اللوم واسمع ما أقـول فإنـني *** قتلتُ طبـاع “التيمسيين” بالبحث
كأنهم والنـاس عُث وصــوفه *** وهل يستقيم الصوف في عثه العُث
فكم حرثوا في أرض مستعمراتهـم *** مظالم سودًا كن من أسوأ الحـرث
وكم أيقظوا والناس في الليل نُـوّم *** بها فتنًا كالدجن يهمي على الوعث
وهم يأكلون الزبد من منتجاتـها *** ويُلقون للأهــلين منهـن للفرث
يقولون إنا عاملون لسعــدكم *** ولم يعمـلوا غير الكـوارث والكرث
إذا ما رأيت القوم في فخ مكـرهم *** رققت لهم تبـكي على القوم أو ترثي
فلا ترجُ في الدنيا وفاء لعهــدهم *** فلا بد في الأيام للعــهد من نكث

لذا فقد أحببت أن ألقيَ الضوء -باختصار- على خطوات ذاك الاحتلال البغيض، وما قاله المؤرخون عنه، وما يستفيده المسلمون والدول الإسلامية منه -لا سيما بلاد التوحيد- من عبر ومواعظ؛ كي يغلقوا الفرجات التي لا زال ينفذ منها شياطين الإنس.

مبتدئًا ذلك بموجز تسلسلي لما حدث، ثم بذكر أقوال المؤرخين، ثم أذكر العِبَر التي يُمكن الاستفادة منها، سائلاً الله أن ينفع بما كتبت، وأن يهيئ له آذانًا صاغية، وعقولاً واعية، والله الموفق.

موجز تاريخي للأحداث:
– كانت مصر كغيرها من بلاد العالم الإسلامي تحكمها الدولة العثمانية، وكانت تُحكم بالشريعة الإسلامية، وترتكز في أمورها على الإسلام بوجود الأزهر، وهيئة كبار العلماء، مع قصور وانحراف، قلّما يسلم منه أحد.

– قام الفرنسيون بقيادة نابليون بونابرت بحملتهم على مصر عام 1798م، بعد أن مهّدوا لذلك بإرسال الجواسيس الذين يدرسون وضع البلاد ومدى قابليته للاحتلال، ولكنهم لم يفلحوا في البقاء فيها سوى 3 سنوات، نظرًا لاتحاد أهل البلاد ضدهم، ووقوفهم صفًّا واحدًا تجاه حملتهم، –حكامًا ومحكومين-؛ رغم تطمينات نابليون الكثيرة لهم بأنه لا يريد الإسلام بسوء(1).

– كرر الإنجليز ما قام به إخوانهم الفرنسيون؛ فأرسلوا حملة عسكرية بقيادة “فريزر” لاحتلال مصر؛ لكنها باءت بالفشل –أيضًا-؛ للأسباب نفسها.

– استمر العثمانيون يحكمون مصر من خلال الولاة الذين يعينونهم واحدًا تلو الآخر، ولكن الشعب المصري لا يرتضيهم لظلمهم وتعسفهم.

– إلى أن تم تعيين (محمد علي باشا) واليًا على مصر بعد أن اختاره الشعب والعلماء والوجهاء -بإذن مسبق من الدولة العثمانية- مشترطين عليه أن يحكم بالعدل(2).

– استغل (محمد علي باشا) الفرصة ولم يفوتها، فحكم البلاد، مفتتحًا حكمه بمذبحة شنيعة لبقايا “المماليك”، الذين كانوا ينافسونه.

– انشغل (محمد علي باشا) بالأمور العسكرية التي كان من أهمها: حملته الظالمة على أهل الدعوة السلفية في الجزيرة العربية، وحملته على السودان، وغيرها من الحملات العسكرية.

– هلك محمد علي باشا عام (1849م)، وتولى الحكم بعده حفيدة: عباس بن طوسون بن محمد علي (من عام 1848م إلى 1854م).

– ثم جاء بعده سعيد بن محمد علي (من1854 إلى 1864)،. وفي عهده: تم منح امتياز شق قناة السويس لصديقه المهندس الفرنسي “دي ليسابس” بشروط مجحفة جرَّت على بلاد مصر الويلات فيما بعد، وفي عهده أيضًا بدأت مشكلة الديون؛ حيث بدأ يستدين من الغرب بفوائد ربوية لينجز قناة السويس وغيرها من الأعمال المرهقة لميزانية البلاد دون فائدة كبيرة تُجنى منها.

– جاء بعده: الخديو إسماعيل بن إبراهيم بن محمد علي (من1863 إلى 1879م)، وفي عهده افتُتِحت قناة السويس، وتضخمت الديون التي كان يستدينها لينفقها بإسراف على أمور شكلية أو لا فائدة منها للبلاد؛ مما اضطره لبيع نصيب مصر من القناة إلى الإنجليز!!

وفي عهده بدأ تدخل الدول الأوربية في البلاد بشكل سافر بدعوى حماية حقوقها المالية؛ إلى أن وصل الحال إلى فرض وزيرين أوروبيين ضمن تشكيلة الوزراء، إضافة إلى تدفق الأجانب في عهده على مصر، وإقامة محاكم خاصة بهم(3).

– كان رئيس الوزراء في عهد إسماعيل : القبطي النصراني نوبار باشا، الذي كانت ميوله وعواطفه إلى جانب بريطانيا.

– في عهد إسماعيل: قدم الرجل الغامض “جمال الدين الأفغاني” إلى مصر بدعوة من الوزير رياض باشا.(كان رياض من أصل يهودي، ادعت عائلته الإسلام)(4).

– أخذ الأفغاني يبث أفكاره “الثورية” و”العصرية” بين أصناف المصريين الطامحين من مسلمين وغيرهم ؛فتشكلت من حوله مجموعة من المتأثرين بأفكاره.

وتركزت فكرة الأفغاني ومن معه على تكوين الصحف المتنوعة والمشاركة فيها، وتشويه صورة الحاكم والعلماء في أذهان الناس، واستغلال أوضاع البلاد لتهييجهم، إضافة إلى الإلحاح على المطالبة بالحكم النيابي، وتأسيس الأحزاب، والمشاركة الشعبية.. إلخ. فعلى سبيل المثال: كان الأفغاني يهاجم الخديو إسماعيل علانية ويقول للمتجمهرين حوله: (أنت أيها الفلاح تشق الأرض لتستنبت ما تسد به الرمق، وتقوم بأود العيال، فلماذا لا تشق قلب ظالمك؟! لماذا لا تشق قلب الذين يأكلون ثمرة أتعابك؟!)، وغيرها من الكلمات الثورية التهييجية(5).

– تم عزل الخديو إسماعيل من قبل الدولة العثمانية بعد ضغوط إنجليزية لأنه بدأ يعارض بعض قراراتها.

– تولى الحكم بعده ابنه الخديو توفيق (1879-1892م) الذي أحس بخطورة الأفغاني وما يبثه من أفكار، فنفاه خارج البلاد؛ لكن بعد أن بذر بذرته الخبيثة في البلاد.

– كان وزير الحربية في عهد توفيق: (عثمان رفقي)، وهو شركسي متعصب قام بعدة أعمال ظالمة ضد الجنود والضباط المصريين؛ كمنعهم من الترقيات وغيرها.

– مما دفع بأحمد عرابي، وهو أحد المتأثرين بدعوة الأفغاني ومحمد عبده، أن يثور ضد هذا الظلم ويطالب بإقالة عثمان رفقي، فاستجيبت مطالبه بعد عدة أحداث ومنازعات.

– لم يكتف عرابي بما تحقق؛ إنما اغترّ بمن حوله وظنّ أنه ممثل الشعب، مما أداه إلى الاستطالة على وليِّ أمره، والخروج بمظاهرة ضده.

– كان الإنجليز يشايعهم الفرنسيون يرقبون الأحداث بغبطة وسرور، وكانوا يوعزون من خلف ستار إلى عرابي أن امض في طريق “الإصلاح” ولا تخش أحدًا، ومن ذلك ما ذكر محمد عبده في مذكراته عن الثورة العرابية -وهو أحد أقطابها- من أن قنصل فرنسا “أرسل إلى أحمد عرابي وإخوانه يقول لهم: إنه يسره ما يراه من صلابتهم وعزيمتهم، واشتدادهم في المطالبة بالعدل، فعليهم أن يثبتوا في مطالبهم ولا يُضعفهم ما يُهَددون به”، و”أرسل إلى عرابي كتابًا يمدحه فيه على ثباته، ويشجعه على عدم المبالاة بالحكومة”.

أما إنجلترا فكانت تفعل الأمر نفسه بل أشد، من خلال جاسوسها المدعو “بلنت”، الذي كان يجوس بلاد مصر يؤلب الناس على الحكم، ويراسل عرابي ويستحثه على مواصلة الضغط على الحكومة لعلها تستجيب لمطالب “الإصلاح”، وهدفه الحقيقي فصل مصر عن الدولة العثمانية تمهيدًا لاحتلالها.

يقول الدكتور محمد محمد حسين -رحمه الله- عن “بلنت” هذا: “كان لا يفتر عن التنقل بين مضارب الأعراب في مصر.. يدعو المصريين إلى الثورة، ويتكلم بعد وقوعها باسم عرابي، ويقدم له صورًا مضللة عن صفته الرسمية، وقدرته السياسية، وقوة الجيوش الإنجليزية..”.

ويقول الأستاذ مصطفى غزال عنه: “كان من أشد الناس تفانيًا في مصالح الإنجليز، رغم أنه يتظاهر بصداقته للشرق المتمثل بالشعوب التابعة لتركيا، وبعدائه للحكومات البريطانية، بل كان أحيانًا يتظاهر بالدفاع عن قضايا الشعوب الشرقية، ويقف بجانبهم، كما وقف بجانب عرابي، ودافع عنه بعد أسره، كان هذا نوعًا من الدهاء والحنكة الإنجليزية”.

– أحس الخديو توفيق بالخطر فلجأ إلى الإسكندرية، طالبًا من الإنجليز المتربصين بسفنهم في البحر حماية عرشه، مع ضغطه هو والإنجليز على السلطان العثماني لإصدار منشور في عصيان عرابي؛ لكي ينفض الناس عنه.

– افتعل الإنجليز مذبحة للنصارى في الإسكندرية ليتخذوها ذريعة لاحتلالها عام (1882م) بدعوى حماية رعاياهم، قبل أن تتم المصالحة بين عرابي والدولة العثمانية.

– تعاون المنافقون الخونة من أبناء مصر مع الإنجليز، ومكنوا لهم من احتلال البلاد بعرض من الدنيا قليل.

– لم يستجب عرابي للناصحين للذين حثوه على سد قناة السويس؛ لكي لا يتسلل منها الإنجليز إلى عمق الأراضي المصرية؛ منخدعًا -كما سيأتي- بتطمينات المهندس الفرنسي صاحب امتياز القناة، فاحتلت قناة السويس من الإنجليز وكانت بداية الاحتلال لمصر.

– قُضِيَ على الثورة العرابية بعد أن أوقعت البلاد بيد الاحتلال الإنجليزي، الذي استمر أكثر من 70 عامًا (1882 – 1956م)، رغم ادعاءاتهم وتصريحاتهم المتكررة بأنهم سيخرجون حالما يعود الهدوء والأمن للبلاد.

– بعد أن تمكن الإنجليز من البلاد المصرية؛ عاثوا فيها فسادًا في جميع المجالات: السياسية والاقتصادية والاجتماعية، مستعينين في ذلك كله بالمتعاونين معهم من أفراد الطابور (الخامس)؛ وعلى رأسهم العصرانيون بقيادة شيخهم محمد عبده، الذي كان له ولتلاميذه من بعده الدور الأول في تغريب البلاد وترويضها لقبول مطالب الاحتلال.

– استمر الخديو توفيق في الحكم، ثم جاء بعده ابنه عباس حلمي (1892 – 1914)، ثم حسين كامل بن إسماعيل (1914م – 1917م)، ثم فؤاد بن إسماعيل (1917م – 1936م)، ثم الملك فاروق بن فؤاد (1936-1952م)،. وجميع هؤلاء الحكام لم يكن لهم عقد ولا حل، إنّما كانوا واجهة شكلية أمام الناس، وأما السلطة الحقيقية فكانت بيد الإنجليز.

– قام جمال عبد الناصر ومن معه بثورتهم العسكرية على الحكم الملكي عام (1952م)، معلنين قيام الجمهورية العلمانية بتواطؤ وتمكين من الغرب،، لا سيّما أمريكا التي رعت ثورتهم منذ البداية(6).

– رحل الإنجليز عن مصر عام (1956م) بعد أن سلموا السلطة لمن يحققون أهدافهم في مسخ البلاد وتغريبها، والقضاء على مظاهر الإسلام فيها؛ وعلى رأس ذلك إلغاء الحكم بالشريعة، وبعد أن تحقق أهم هدف لهم؛ وهو التمكين ليهود من إقامة دولة لهم في أرض فلسطين.

أقوال المؤرخين:
أ – حال البلاد قبل الخديو إسماعيل:
* “كانت فكرة احتلال مصر قد راودت الأوساط الفرنسية مرارًا في القرن الثامن عشر” ( تاريخ العرب الحديث، زاهية قدورة، ص 327).
* “في عهد لويس السادس عشر كتب سفير فرنسا بالأستانة سنة 1871؛ يحث حكومته على فتح مصر، وكان مما جاء في رسالته “إن جيش مصر ضئيل، والجنود لم يقفوا في ميدان حرب منظمة، وليس لديهم مدفع واحد”” ( موسوعة التاريخ الإسلامي، د أحمد شلبي، 5 / 313 ).

* “لم تكن حملة نابليون على مصر واحتلالها (1798-1801) مغامرة طارئ،ة مدفوعة بظروف آنية يأتي على رأسها الصراع الفرنسي البريطاني، وفي محاولة فقط لضرب عدوته اللدود -بريطانيا- بقطع شريان مواصلاتها، ومن ثم تهديد أعز مستعمراتها -الهند-، وإنما كانت -وإضافة إلى ذلك- حركة بارعة ذات هدف إستراتيجي مدروس بعناية فائقة، فلا شك أن نابليون يدرك جيدًا -وفي ذهنه صورة الحروب الصليبية وما انتهت إليه- أن مصر هي مفتاح الشرق، وأنَّها هي الحاجز المنيع الذي يحمي هذا الشرق بإمكاناتها البشرية ومكانتها الثقافية والحضارية، كقلعة من أهم -إن لم تكن أهم- قلاع الذود عن العالم الإسلامي، وموقعها الجغرافي المتميز، ولكنّه يدرك أيضًا وبكل وضوح أنّه وإن استطاع اختراق هذا الحاجز بحراب جيشه، لن تلبث هذه الحراب أن ترتد وتنكسر إن لم ينسف هذا الحاجز من أساسه، هذا الحاجز هو الحاجز الديني بأيديولوجيته الثقافية ومضمونه الحضاري، ومن ثَمَّ يستطيع أن يحول مصر إلى قاعدة أوربية، يستطيع بواسطة إمكانياتها البشرية وموقعها الإستراتيجي المتميز، أن يبسط سيطرته على كل هذا الشرق ويحقق أهداف أسلافه رواد الحركة الصليبية، متجنبًا المواجهة السافرة بين الإسلام والمسيحية باستخدام قوة إسلامية لتحقيق أهداف صليبية” (قراءة جديدة لسياسة محمد علي باشا التوسعية، د سليمان الغنام، ص 12-13).

* “إن الباحث المنصف يجد الحملة الفرنسية فتحت على مصر باب المتاعب والاستعمار، فقد لفتت أنظار الإنجليز إلى أهمية مصر..” (موسوعة التاريخ الإسلامي، د أحمد شلبي، 5 / 333 ).

* “وفي عهد الحملة الفرنسية فكّر نابليون في وصل البحر الأحمر بالبحر الأبيض المتوسط، وعَهِد بدرس هذا المشروع إلى المسيو (لوبير)، كبير مهندسي الري والطرق والجسور، فقضى عامين في درسه وفحصه، وعاونه فيه بعض مهندسي الحملة، وقدم تقريرًا إلى نابليون بعد مغادرته مصر”. (عصر إسماعيل، الرافعي، ص 53 ).

* “كان التفكير في شق قناة السويس من أيام محمد علي باشا؛ لكنه لذكائه رفض ذلك خوفًا من أن تجرّ قناة السويس على مصر ويلات التدخل الأجنبي”. ( 100 عام على الثورة العرابية، مركز الأهرام للدراسات، ص17).

* “تُوفّيَ محمد علي عام 1849، وكانت مصر قد دخلت مرحلة تاريخية جديدة في حياتها السياسية والثقافية، وقد حاول خلفاؤه الاستمرار في النهضة، على أن سياسة الإسراف والتبذير التي اتبعها هؤلاء، ثم القروض المالية التي استدانوها من الأجانب فتحت الباب أمام التدخل الأجنبي في شئون البلاد الداخلية”. ( تاريخ العرب الحديث، زاهية قدورة، ص 353).

* “في عهد سلطة سعيد باشا كانت مصر بلا جدال أكثر بلاد الشرق رخاء”. ( تاريخ مصر قبل الاحتلال البريطاني وبعده، تيودور روذستين، ص 44).

* “من أغلاط سعيد أنه هو الذي منح امتياز شق قناة السويس بشروط مجحفة لمصر، وقناة السويس سلاح ذو حدّين؛ فإذا استطاعت مصر حمايتها واستغلالها كانت لمصر خيرًا وبركة، أما إذا كانت بابًا نفتحه للأجانب، ونجلب بسببه استعمار مصر والسيطرة عليها لصالح الدول القوية التي تستعمل القناة، فلا كانت القناة”. (موسوعة التاريخ الإسلامي، د أحمد شلبي، 5 / 411 ).

* “قدم فرديناند دي لسبس (1805 – 1894) الفرنسي الجنسية Ferdinand De Lesseps إلى مصر سنة 1832، وشغل منصب نائب قنصل فرنسا بالإسكندرية، وعثر -بمحض المصادفة- في أثناء قضائه فترة الحجر الصحي على مذكرة كتبها المهندس لوبير عن قناة البحرين، فاهتم بالمشروع أيّما اهتمام، وناقش تفاصيله مع ذوي الشأن، وتمكن خلال إقامته بمصر من توثيق صداقته بالأمير محمد سعيد، أصغر أبناء محمد علي، وغادر دي لسبس مصر سنة 1836 وظلّ على علاقته بالأمير، وتقلّب في عدة مناصب دبلوماسية إلى أن اعتزل الحياة السياسية سنة 1849، إثر أزمة تسبب في إحداثها، وتبنّى عقب هذا مشروع حفر قناة تصل البحرين: المتوسط والأحمر، وعكف على دراسة كل ما كتب عنه، ولما تولّى الأمير سعيد حكم مصر سنة 1854، خلفًا لعباس، كتب إليه دي لسبس مهنّئًا، فرد سعيد يدعوه لزيارته، فلبّى الدعوة في نوفمبر، وسرعان ما استحوذ على إعجاب الوالي وحاشيته بشخصيته الجذابة وبراعته في الفروسية ومهارته في الصيد، وانتهز دي لسبس فرصة وجوده مع الوالي في إحدى الرحلات فعرض عليه بلباقة وقوة حجة، مشروع حفر القناة، فاقتنع برأيه ووافق عليه ومنحه في 30 نوفمبر 1854 فرمان الامتياز الأول بشق القناة”. ( قناة السويس، جورج كيرلس، ص 91 ).

ب – الخديو إسماعيل وإسرافه وديونه:
* “وافى إسماعيل أمته وهي في مفترق الطرق، تتنازعها حضارتان: حضارتها الإسلامية القديمة تنـزع إليها بتقاليدها، والحضارة الغربية الحديثة، تندفع نحوها بحكم التجديد، فلم يتردد إسماعيل ، ومال إلى الحضارة الغربية..”. (الخديو إسماعيل باشا، إصدار وزارة المعارف المصرية، ص: د).
* “كان إسماعيل باشا أول خديو على مصر، وهو الذي نقل مصر من حضارة الشرق إلى حضارة الغرب، وجعل الأهالي يلبسون الملابس الأوربية، ونظم الإدارة على المبادئ الحديثة، وأدخل قانون نابليون في المحاكم “. (مجلة الهلال، عدد ابريل 1928).

* “تربى تربيته الأولى في النمسا، ثم بعد ذلك في باريس، وهناك تعلّم وأتقن اللغة الفرنسية، وبهرته باريس وما فيها من جمال وفتنة، ومن هناك نشأت ميوله الباريسية التي لازمته طوال حياته، وجعلته بعد أن تولّى الحكم يسعى في أن يجعل القاهرة باريسًا ثانية”. (100 عام على الثورة العرابية، مركز الأهرام للدراسات، ص16).

* “وضع مجهوده في إعطاء مصر قشور الحضارة ومظاهرها”. ( مذكرات الزعيم أحمد عرابي، ص 5-6).

* “أخذ إسماعيل يعمل في ما في وسعه الجهد من أجل صبغ البلاد بالصبغة الأوروبية، فشجع الاستثمارات الأجنبية وأخذ يرعاها”. (100 عام على الثورة العرابية، مركز الأهرام للدراسات، ص16).

* “كان إسماعيل في مصر قد أعلن أن مصر قطعة من أوربا، وأقام المحاكم المختلطة والمحاكم الأهلية بديلاً للقضاء الإسلامي، وكان القضاء في عهد إسماعيل موحى به من الاستعمار الفرنسي نقلاً من نظامهم في الجزائر… “. (اليقظة الإسلامية..، أنور الجندي، ص 163).

* “كان إسماعيل قد تلقى دراساته الأولى في باريس؛ فأعجب بالحضارة الأوروبية أيّما إعجاب، وحين تولّى الحكم أراد أن يجعل مصر قطعة من أوروبا، والمعروف عنه أنه كان مولعًا بالإسراف والبذخ؛ حتى أغرق مصر بالديون”. (لمحات اجتماعية، علي الوردي، 2/51).

* “في عهده -أي إسماعيل- ازدهرت الماسونية، ودخلها الكثير من علماء مصر وأعيانها”. (لمحات اجتماعية، علي الوردي، 3/364).

* “استطاع النفوذ الاستعماري استغلال إسماعيل في مرحلة ضعفه وديونه، والضغط عليه لفتح الطريق أمام التغريب، وقد كان إسماعيل باشا هو أول من حمل لواء التغريب، حين أعلى كلمته التي ما تزال لها دلالتها “إن مصر قطعة من أوروبا”. (اليقظة الإسلامية، أنور الجندي، ص 193).

* “عهد إسماعيل كان بدء النكبات التي توالت على هذه البلاد بعد ذلك، حتى رمت بها بين براثن الاحتلال”. (التاريخ السري لاحتلال انجلترا لمصر، ألفريد بلنت، ص 11).

* “وديونه كانت الباب الذي تسرب منه النفوذ الأجنبي إلى سلطة الحكومة المصرية، ودخلت منه انجلترا حتى وضعت يدها على مصر”. (التاريخ السري لاحتلال إنجلترا لمصر، ألفريد بلنت، ص 21).

* “وكان ينفقها على ملذاته الشخصية وحماقته في بناء القصور، وطيشه مع النساء الأوربيات، وخَرَقه في إقامة الحفلات الملوكية..”. (التاريخ السري لاحتلال إنجلترا لمصر، ألفريد بلنت، ص 18).

* “هذه الديون لم يكن لها إلا سبب واحد؛ هو إسراف الخديو إسماعيل وتبذيره وفساد حكمه”. (الثورة العرابية وأثرها..، محمد المرشدي، ص 9).

* “معظم هذه القروض عقدها إسماعيل للإنفاق والبذخ على حياته الخاصة”. (تاريخ مصر الحديث، فرغلي تسن، ص 252).

* “دفع مبلغ 6958 جنيهًا ثمنًا لأطقم قهوة من الذهب المرصع بالماس ومشبك مرصع بالماس”. (تاريخ مصر الحديث، فرغلي تسن، ص 252).

* “مد يده إلى المرابين الأجانب يستدين منهم بغير تدبير ولا حساب؛ حتى قاربت تلك الديون مائة مليون جنيه؛ فأتاح بذلك للمستعمرين أن ينشروا ظلهم الأسود على مصر”. ( ثلاثة من أعلام الحرية، قدري قلعجي، ص 40 ).

* ” كان فاسد التدبير، سيئ التقدير”. ( 50 عامًا على ثورة 1919، هيكل، ص 16 ).

* ” كان يتوهم حسن نية الدول الأوربية نحوه، ونحو مصر، وظل هذا الوهم مسيطرًا عليه حتى أدرك خطأه في نهاية عهده “. (تاريخ العرب الحديث، د. عمر عبد العزيز، ص 253 ).

* ” إنها -أي مصر في عهد إسماعيل – تشكو من كثرة النفقات التي سببتها محاولة إدخال مدنية الغرب، والتي تترتب على مشروعات لا تجدي نفعًا “. ( أحمد عرابي الزعيم المفترى عليه، محمود الخفيف، ص 21-22، تقرير لإنجلترا من مندوبها ).

* ” ترك إسماعيل مصر مثقلة بالديون وترك موارد البلاد ومرافقها في قبضة الشركات الأجنبية تستغلها لحسابها. “. (كشف الستار، أحمد عرابي، ص ح).

* “صندوق الدَّيْن أول هيئة رسمية أوربية أنشئت لفرض التدخل الأجنبي في شئون مصر “. ( 100 عام على الثورة العرابية، مركز الأهرام للدراسات، ص33).

* ” أنشئ صندوق الدَّيْن مايو 1876 وكان بمثابة حكومة أجنبية مطلقة التصرف في مصر “. (الثورة العرابية، صلاح عيسى، ص 72).

* ” بدأ هذا التدخل ماليًا، ولكنه يطوي في ثناياه عوامل التدخل السياسي “. ( 100 عام على الثورة العرابية، مركز الأهرام للدراسات، ص31).

* ” وجدت كل من إنجلترا وفرنسا في الديون الكبيرة التي تورط فيها الخديو إسماعيل فرصة ذهبية للتدخل في شئون مصر الداخلية، والسيطرة على اقتصادها”. ( الثورة العرابية وأثرها..، محمد المرشدي، ص 50 ).

* ” إن قروض إسماعيل من فرنسا عندما زادت تدخلت بريطانيا لكي تلفت نظر الباب العالي إلى ممارسة سلطته في منعه من الاقتراض، وكانت تهدف بذلك إلى إحباط خطة فرنسا للتسلط على مصر “. ( الثورة العرابية، صلاح عيسى، ص 91 ).

* ” هذا البذخ نتجت عنه القروض التي عقدها إسماعيل والتي كانت فرصة حقيقية للتدخل الأجنبي في شئون مصر الداخلية “. ( تاريخ مصر الحديث، فرغلي تسن، ص 253).

* ” إن مشروع قناة السويس كان من العوامل الرئيسة التي أثقلت الخزينة المصرية، وجعلتها ترزح تحت أعباء مالية قاسية “. ( تاريخ العرب الحديث، زاهية قدورة، ص 354).

* ” وقد أثقلت مصر من جراء المشاريع التي ذكرناها، بالديون، وكان الدائنون من الأجانب، من مرابين ومن مصارف، وقد استنـزف المرابون ثروة الأمة بالربا الفاحش، وبذلك فتح المجال لتدخل الأجانب في الأمور السياسية، وكان هذا التدخل سافرًا عندما فرضت إنكلترا وفرنسا وزيرين في الوزارة المصرية، واحد بريطاني، وآخر فرنسي، وأعطيا مركزًا ممتازًا فيها، فأوجد ذلك مراقبة ثنائية إنجليزية أفرنسية، كما فرض بوغوص نوبار رئيسًا للوزارة، وبوغوص هذا أرمني تمصر، عرف بولائه للأجانب، وكان متهمًا في أنه أثرى عن طريق السمسرة لأصحاب الأموال والمرابين على حساب الشعب، كما كان أيضًا أول من أنشأ المحاكم التي عززت الأجانب “. ( تاريخ العرب الحديث، زاهية قدورة، ص 358-359).

* ” عندما تولّى إسماعيل وجد أن النظام القضائي الذي يخضع له الأجانب في حالة فوضى، وكان الواجب انهاء هذه الفوضى بإعادة الشريعة الإسلامية إلى مكانها، وجعلها هي المهيمنة على الحكم، وإلغاء الامتيازات الأجنبية التي تخالف ذلك، والجهاد في سبيل تحقيق ذلك مهما كلف الأمر. ولكن بطانة السوء لا تأمر إلا بالشر، ولا تدعو إلى خير أبدا؛ لقد رأى نوبار باشا وزير الخارجية المصري (الأرمني) في ذلك الوقت أن سبيل الإصلاح هو إيجاد المحاكم المختلطة “. (الشريعة الإلهية لا القوانين الجاهلية، د. عمر الأشقر، ص 68 – 69).

ج – إسماعيل يبيع نصيب مصر في قناة السويس.. والإنجليز لم يفوتوا الفرصة
* “انتهزت الحكومة البريطانية هذه الفرصة الذهبية وسارعت لا إلى رهن الأسهم المصرية في شركة قناة السويس لديها، وإنما إلى شراء حصة مصر بأكملها من الخديو إسماعيل، وتمت هذه الصفقة، التي خسرت مصر فيها أسهمها في القناة في السادس والعشرين من شهر تشرين الثاني، نوفمبر من عام 1875، ولقد كان لبعض الصهاينة دور معروف في إتمام هذه الصفقة وأشهر هؤلاء الذين لعبوا أدوارهم بدقة هما: دزرائيلي رئيس الوزارة البريطانية آنذاك، وروتشيلد الثري البريطاني المعروف، فوقعت اتفاقية حفظت لمصر بعض الحقوق، إلا أن احتلال الإنكليز لمصر عام 1882 وأحداث الحرب العالمية الأولى التي أعقبت ذلك، ووقوف الدولة العثمانية إلى جانب ألمانيا، جعلت بريطانيا تستولي على القناة وتقيم عليها التحصينات، ضاربة عرض الحائط بما كان من اتفاق بينها وبين الحكومة المصرية، ولما قامت الحرب العالمية الثانية، مكنت بريطانيا قبضتها على القناة، خوف استيلاء الألمان عليها؛ فحصنتها واستولت على منشآتها العسكرية “. ( تاريخ العرب الحديث، زاهية قدورة، ص 357).

* “وتصاعدت الأزمة المالية عام 1875م، وتفاقمت أحداثها، إلى أن سارع “ديزرائيللي) رئيس وزراء بريطانيا آنذاك –دون انتظار لموافقة مجلس الوزراء- لشراء كل أسهم مصر في قناة السويس، مقابل أربعة ملايين من الجنيهات!.. دفعها “روتشيلد) أحد ذئاب الرأسمالية اليهودية العالمية، ليحقق دزرائيللي أعجب صفقة مالية في التاريخ!.. كانت سببًا مباشرًا في تدخل انجلترا لإدارة الشئون المالية لمصر، حتى انتهى الأمر في عام 1882م باحتلالها العسكري للبلاد “. ( القاهرة في عصر إسماعيل ، عرفه عبده علي، ص 89).

د – خلع إسماعيل
* “ثم إن إسماعيل باشا رأى منهم أنهم صاروا يتدخلون في أكثر الأمور، ويريدون أن لا يفعل شيئًا إلا بإطلاعهم ومعرفتهم، فخاف من اتساع الأمر وسلب الملك منه، فأراد أن يجعل له عصبية من أهالي مصر، وأن يشكل منهم مجالس، ويكون أعضاؤها من العلماء ووجوه الأهالي والعمد من مشايخ البلدان، فشرع في ذلك ليكون الأمر بيدهم صورة، وأنه لا يفعل شيئًا إلا بمشورتهم؛ ليدفع بذلك تغلب الإنكليز والفرنسيين وتسلطهم، ففطنوا لذلك، فسعوا في خلعه..” (خلاصة الكلام..، دحلان، ص 65).

هـ – هجرة الأجانب إلى مصر
* ” كان من الطبيعي أن يكون لسياسة إسماعيل المذكورة أثر كبير في زيادة مجيء الأجانب إلى مصر للاستفادة من هذه الفرص، وللمشاركة في المشاريع الجديدة، وأعمال التعمير “. ( 100 عام على الثورة العرابية، مركز الأهرام للدراسات، ص17).

* “من محاولاتهم لتحقيق الاستعمار الشامل: تشجيع هجرة الأوربيين إلى مصر؛ ومنهم كثير من الإنجليز والفرنسيين، حتى يكونوا عونًا لهم في احتلال البلاد “. ( الثورة العرابية وأثرها..، محمد المرشدي، ص 51-52).

* ” كان من الطبيعي مع زيادة أعداد الأجانب في مصر وتزايد جالياتهم، ووضوح نفوذهم السياسي أن يفرضوا أنفسهم على خريطة السلطة في مصر، وأن يكون لهم دولاً تحمي مصالحهم وتدافع عنهم، بل وتدافع عن استلابهم للبلاد..”. ( تاريخ مصر الحديث، فرغلي تسن، ص 159).

* ” من أخطر الأمور التي أسفر عنها إنشاء هذه المحاكم – فضلاً عن اختصاصاتها- أن أغلبية القضاة كانوا من الأجانب، وأنهم كانوا يرأسون الدوائر.. “. ( تاريخ مصر الحديث، فرغلي تسن، ص 161).

و – حركة أحمد عرابي
* ” أدركت الطبقة الممتازة من الأمة! أن إصلاح هذا النظام إنما يكون بقيام الدستور، وإنشاء مجلس نيابي يوطد مبادئ العدل والحرية، ويتحقق فيه معنى الرقابة على الحكام، ويحول دون ارتكاب المظالم… “.( مصر المجاهدة..، عبد الرحمن الرافعي، 15).

* عرابي “هو الذي بث في نفوس الضباط روح التضامن والاتحاد للمطالبة بحقوقهم المهضومة، وتقدم الصفوف لعرض مطالبهم جهارًا على ولاة الأمور، وكانت هذه المطالب فاتحة الثورة.. فهذه الجرأة كان لها أثر كبير في ظهور الثورة “.( مصر المجاهدة..، عبد الرحمن الرافعي، 13).

* و” كان للباقته وفصاحته في الكلام، واستشهاده ببضع الأحاديث الشريفة النبوية، والحكم المأثورة تأثير كبير في نفوس الضباط، اجتذبهم إليه، ومال بهم إلى تلبية ندائه، والاستماع لنصائحه، والاقتناع بآرائه “.( مصر المجاهدة..، عبد الرحمن الرافعي، 123).

* ” إن بداية الثورة العرابية كانت عسكرية تهدف إلى فتح المجال العام أمام المصريين للترقي في رتب الجيش، لكنها تطورت إلى ثورة سياسية تشريعية تنادي بالديمقراطية وبالدستور..”. ( تاريخ العرب الحديث، زاهية قدورة، ص 366).

*كتب عرابي منشورًا “يبين فيه أخطاء الحكومة واستبدادها، ويدعو الناس إلى معاونته لانتشال البلاد مما هي فيه”. ( أحمد عرابي الزعيم المفترى عليه، محمود الخفيف، ص 21-22).

*وكان يقول قبل الإحتلال: ” دعهم يأتون! فكل رجل وطفل في مصر سيقاتلهم “. ( عبد الله النديم..، د علي الحديدي، 170).

*ولكن : ” كانت عاقبة الثورة الوقوع في قبضة الاحتلال” !! ( الشيخ محمد عبده في أخباره وآثاره، د رحاب عكاوي، ص 49 ).

* ” لا يخفى أن موقف هذا الرجل لا يزال محوطًا بأسرار كثيرة، فإن التاريخ لم يكشف لنا حقيقة الدافع له على ما فعل، ولم يبين لنا المؤثرات التي كان خاضعًا لها “.( ثورة 1919..، عبد الرحمن الرافعي، 129).

* أما هو -أي عرابي- فيقول في مذكراته: “والله الذي لا إله إلا هو فالق الحب وبارئ النسمة أنّي ما خدمت بذلك دولة إنكلترا ولا فرنسا ولا كنت آلة لدولة ما”. فالله أعلم.( مذكرات الزعيم أحمد عرابي، ص 61).

ز – حركة عرابي إحدى ثمار فكر الأفغاني
سبق معنا أن الأفغاني قدم مصر بدعوة من الوزير رياض باشا، الذي كان ( من أصل يهودي)، وكان ميالاً إلى الإنجليز والأجانب، رغم أنه دخل في الإسلام، والله أعلم بإسلامه، يقول الصحافي والكاتب المشهور أديب اسحق -وهو أحد تلاميذ جمال الدين الأفغاني- تحت عنوان رياض باشا ما يأتي: هو من بيت الوزان، من يهود مصر الأذكياء، أقيم جده على وزانة النقود، فأظهر الإسلام، وتبعه بنوه من بعده “. ( دعوة الأفغاني في ميزان الإسلام، مصطفى غزال، ص 157).

* يقول أبو رية: ” اتخذ السيد جمال الدين طوال حياته لتحقيق غاياته: وسائل الثورة السياسية “. (دعوة الأفغاني في ميزان الإسلام، مصطفى غزال، ص 370).

*ويقول أنور الجندي: “آمن جمال الدين بأن الثورة السياسية هي الوسيلة المثلى لتحقيق دعوته”. (دعوة الأفغاني في ميزان الإسلام، مصطفى غزال، ص 371).

* ” كانت ثورة عرابي من تحريضه”. (دعوة الأفغاني في ميزان الإسلام، مصطفى غزال، ص 371).
* ” اتفق المؤرخون على أن بذور الثورة في مصر قد وضعها جمال الدين (الأفغاني) قبل أن يُطرد من البلاد “. (التحفة الندية في الفتنة العرابية، أحمد سعيد نونو، ص 66).

* ” أوعز جمال الدين إلى تلاميذه إنشاء الصحف”. (المرجع السابق، ص 67).

* “لم تكن فكرة تدخل الشعب في السياسة واعتراضهم على الحكام موجودة في مصر حتى دخول الأفغاني مصر. وفي هذه الفكرة مفاسد كثيرة، بل هي أصل من أصول إفساد الشعوب والبلاد.. وإثارة الشعوب على حكامها تؤدي إلى ثورات وإراقة دماء وفتن جاء الإسلام بالقضاء عليها ووأدها “. ( المرجع السابق، 132 ).

* ” تحوّل الفكر المصري في آخر عهد إسماعيل ، وكثر الحديث عن الظلم والظالمين، والحقوق، والحد من سلطة الحاكم، والدستور، وبدأت الصحف في نشر معايب الحكومة؛ فظهرت أفكار لم تكن موجودة من قبل ذلك في مصر”. ( المرجع السابق، ص 133).

ح – دور الإنجليزي بلنت في تحريض عرابي
* “كان من أشد الناس تفانيًا في مصالح الإنجليز، رغم أنه يتظاهر بصداقته للشرق المتمثل بالشعوب التابعة لتركيا، وبعدائه للحكومات البريطانية، بل كان أحيانًا يتظاهر بالدفاع عن قضايا الشعوب الشرقية، ويقف بجانبهم، كما وقف بجانب عرابي ودافع عنه بعد أسره، كان هذا نوعًا من الدهاء والحنكة الإنجليزية”. ( دعوة الأفغاني في ميزان الإسلام، مصطفى غزال، ص 123).

* ” وهو واضع كتاب (مستقبل الإسلام) الذي يدعو فيه إلى هدم الخلافة الإسلامية، بنقلها من السلاطين العثمانيين إلى العرب الضعفاء، ويدعو إلى الاعتماد على الإنجليز في إقامة خلافة إسلامية قوية” ( دعوة الأفغاني في ميزان الإسلام، مصطفى غزال، ص 124).

* “كان على صلة بزعماء الثورة العرابية التي انتهت باحتلال مصر من قبل قومه”. ( دعوة الأفغاني في ميزان الإسلام، مصطفى غزال، ص 124).

* “بلنت شجّع عرابي على الثورة، وهو يعلم أنّه ضعيف لا يستطيع الوقوف أمام جيوش الاحتلال، وهو الذي زين لعرابي الحكم الجمهوري”. ( دعوة الأفغاني في ميزان الإسلام، مصطفى غزال، ص 124).

* “بلنت أودى بصاحبه عرابي وثورته وبلاده إلى الهاوية، ومع ذلك لم يفطن عرابي لخطره، بل بقي على صداقته له بعد ذلك”. ( دعوة الأفغاني في ميزان الإسلام، مصطفى غزال، ص 124).

ط – دور القنصل الفرنسي في تحريض عرابي على الثورة
* ” أرسل إلى عرابي كتابًا يمدحه فيه على ثباته، ويشجعه على عدم المبالاة بالحكومة “!!( مصر المجاهدة..، عبد الرحمن الرافعي، 34).

ي – الذرائع التي تعلق بها الإنجليز والفرنسيون للضغط على مصر
* “بدأت الدولتان التحرش بالحكومة بافتعال سلسلة من الأزمات التي تضع العراقيل في طريق تقدم سير الأمور، فلم يكد مجلس شورى النواب يجتمع في 26 ديسمبر 1881 حتى طلب المراقبان الإنجليزيان عدم تعرضه للميزانية؛ لأنها من اختصاصهما” ( عبد الله النديم..، د علي الحديدي، 169).

* “سوغت الدولتان هذا العمل العدواني بأن الغرض منه حماية رعاياها من الأخطار التي يستهدفون لها”.( مصر المجاهدة..، عبد الرحمن الرافعي، 81).

* “كانت الأسباب الظاهرية التي تذرعت إنجلترا بها لإرسال سفنها الحربية هي حماية الأجانب في مصر”. (الثورة العرابية وأثرها..، محمد المرشدي، ص 54).

* “ولم يكن ثمة خطر ولا خوف من هذه الناحية، وإنما هي حجة مصطنعة ووسيلة باطلة تستر الغرض الحقيقي، وهو خلق الذرائع للتدخل المسلح في شئون مصر “.(مصر المجاهدة..، عبد الرحمن الرافعي، 81).

* ” كان من أهم أسباب الاحتلال إذ ذاك عسر المالية وتدخل الأجانب في أمور البلاد، واستئثارهم بها على عهد الوزارة المختلطة في آخر مدة إسماعيل باشا، واشتداد وطأتهم وطموح أبصارهم إلى ما أوجب استحكام الضغائن في صدور الجهادية واستيائهم من الأجانب بسبب قطع مرتباتهم “.( كشف الستار، أحمد عرابي، ص 125).

* “ظهر استعانة الإنجليز بالأجانب على ذلك النحو في تدبير مذبحة الإسكندرية”. ( الثورة العرابية وأثرها..، محمد المرشدي، ص 52 ).

* “وقد وجدت كل من إنجلترا وفرنسا في الديون الكبيرة التي تورط فيها الخديو إسماعيل فرصة ذهبية للتدخل في شئون مصر الداخلية والسيطرة على اقتصادها”. ( الثورة العرابية، محمد المرشدي، ص 50).

ك – تواطؤ الفرنسيين مع الإنجليز
* “انسحبت فرنسا من الميدان، وأمرت أميرال أسطولها بمغادرة الإسكندرية قبل الضرب، فبارحها مساء 10 يوليه سنة 1882، ومعنى ذلك أن الحكومة الفرنسية تركت إنجلترا تفعل ما تشاء وتعتدي ذلك الاعتداء الغشوم على المدينة فتدك حصونها وتهدم مبانيها وتحصد أرواح أهلها دون أن تبدي حراكًا، قابلت فرنسا هذا الاعتداء الوحشي بالجمود “. (مصر المجاهدة..، عبد الرحمن الرافعي، ص 123).

* “لم يكد الجيش الإنجليزي ينتصر على العرابيين في واقعة التل الكبير حتى بادر المسيو تيسو سفير فرنسا بلندن إلى مقابلة اللورد جرانفيل وزير خارجية انجلترا وهنأه باسم الحكومة الفرنسية على هذا الانتصار. وكان جواب جرانفيل على تهنئته: “إن واقعة التل الكبير هي انتصار أوربي، ولو انهزم الجيش الانجليزي لكان ذلك كارثة على كل الدول التي تحسب حسابًا للتعصب الإسلامي””.( مصر المجاهدة..، عبد الرحمن الرافعي، 124).

ل – الخيانة من أسباب هزيمة عرابي
* “إن العامل الجوهري في الهزيمة كان الخيانة”. ( أحمد عرابي الزعيم المفترى عليه، محمود الخفيف، ص 21-22).

* ” كان للخيانة أثر كبير في إحداث هذه الهزيمة “. ( تاريخ العرب الحديث، زاهية قدورة، ص 365).

* “هدى شعراوي هي ابنة محمد باشا سلطان الذي كان يرافق جيش الاحتلال في زحفه على العاصمة، ويدعو الأمة إلى استقباله وعدم مقاومته، ويهيب بها إلى تقديم كل المساعدات المطلوبة له “. ( الحركات النسائية وصلتها بالاستعمار، ص 82 ).

*محمد سلطان “لعب دورًا هامًا في تدعيم موقف العناصر الخائنة “. ( الثورة العرابية، صلاح عيسى، ص 424).

* و”كان من أهم العوامل في إخفاقها وخذلانها”. ( الأعلام الشرقية، زكي مجاهد، 1/161).

* “كان -أي سلطان باشا- أكبر مساعد للإنكليز على قومه بالرشوة مع أنه من أكبر الأغنياء”. (تاريخ الأستاذ الإمام، رشيد رضا، 1/233).

* “إن سلطان باشا قد لعب دورًا هامًا في تدعيم موقف العناصر الخائنة”. ( الثورة العرابية، صلاح عيسى، ص 424).

* “الرشوة اللعينة كانت تنساب في الظلام فتقتل بسمومها بعض الضباط؛ أمثال الخائن علي يوسف الذي أخلى الطريق للإنجليز عند التل الكبير”. (موسوعة التاريخ الإسلامي، د أحمد شلبي، 5 / 474).

* “وقد لعبت الخيانة أقذر أدوارها في هذه الفترة من الحرب: فإن الأميرالاي علي يوسف خنفس أثرت الرشاوي الإنجليزية في نفسه الضعيفة، فجعل من نفسه جاسوسًا للإنجليز داخل صفوف الجيش المصري الباسل”. (الثورة العرابية، محمد المرشدي، ص 83).

* “ويَذكر بلنت أن وزارتي الحرب والبحرية في إنجلترا قد عقدتا النية منذ أوائل السنة أن يكون الهجوم على مصر من ناحية قناة السويس، وأنه تقرر في أواسط يوليو أن تمهد السبل لذلك بالرشوة بين بدو الشرق”. (الثورة العرابية، صلاح عيسى، ص 427).

م – انخداع عرابي بالفرنسي (دي ليسابس) من أهم أسباب الهزيمة
* “إن مجلسًا عسكريًا عقد في كفر الدوار أجمع فيه المجتمعون باستثناء عرابي وحده على عدم اعتبار رسالة دلسبس، ووجوب سد القناة”. ( الثورة العرابية، صلاح عيسى، ص 457 ).

* “كان عرابي قد فكر ردم القناة كإجراء دفاعي، لكن (دي ليسابس) أكد له أن القناة لن تُستخدم في الهجوم على مصر، وأنه يضمن له ذلك، وقد أرسل له كتابًا في هذا الصدد “لا تحاول أية محاولة في سد قناتي، فإني هنا، فلا تخش شيئًا من هذه الناحية، فإنهم لن يستطيعوا إنزال جندي إنجليزي..”. (تاريخ العرب الحديث، زاهية قدورة، ص 364).

* ” انتقلت البوارج البريطانية تحت جنح الظلام إلى بور سيعد، ثم دخلت القناة، ومن منطقة القناة بدأت أعمالاً حربية انتهت بهزيمة عرابي”. ( تاريخ العرب الحديث، زاهية قدورة، ص 364).

* ” ولو سُدت قناة السويس في بداية القتال لامتنع الاتصال بين القوات الإنجليزية الآتية من البحر المتوسط والقوات الآتية من الهند، واستحال عليها الوصول إلى الإسماعيلية من طريق القناة، وفي هذه الحالة يضطر الجنرال ولسلي إلى المغامرة بجيشه في الصحراء الشرقية حيث لا ماء ولا كلأ، أو يهاجم مصر من طريق الدلتا فتعوق الترع والجسور زحفه وخاصة في أيام الفيضان (أغسطس-سبتمبر)، ولكن عرابي لم يستمع لنصيحة محمود فهمي وخشي عواقبها، وظن أن الإنجليز يحترمون حياد القناة فلا يتخذونها قاعدة للزحف، فكان هذا الخطأ أكبر عامل في إخفاق خطة الدفاع التي وضعها محمود فهمي، واكتفى عرابي بإقامة معسكر في التل الكبير على بعد نحو خمسين كيلو مترًا من الإسماعيلية، و110 كيلو مترات من القاهرة حشد فيه جانبًا من الجيش، ولكنه وزع معظم قواته في كفر الدوار وعلى سواحل البحر المتوسط، فكان الجنود السودانيون وهم من خيرة الجنود مرابطين في دمياط بقيادة عبد العال حلمي، ورابط في رشيد فيلق كبير، واستقر معظم الجيش بقيادة طلبة عصمت في كفر الدوار، ومع أن الإنجليز استعجلوا الحركات الفدائية في قناة السويس وكانت هذه الحركات نذيرًا كافيًا لعرابي بما اعتزموه من خرق حياد القناة، فإن عرابي أحجم عن العمل بنصيحة محمود فهمي في سدها “.( مصر المجاهدة..، عبد الرحمن الرافعي، ص 131 ).

* وقد قال القائد البريطاني (ولسلي) فيما بعد: (لو أن عرابي سد القناة كما كان ينوي أن يفعل، لكنا للآن لا نزال في البحر نحاصر مصر “. (تاريخ العرب الحديث، زاهية قدورة، ص 364).

* “وكان من أكبر أخطاء عرابي تردده في سد القناة، وانخداعه بالمؤامرة القذرة التي دبرها الإنجليز مع ديلسبس”. (الثورة العرابية، محمد المرشدي، ص 80).

* “لقد خدع فرناند عرابي وخانه، وفُتحت القناة أمام الأساطيل لتحتل بورسعيد والإسماعيلية، ثم بدأت القوات بعد ذلك تتجه إلى القاهرة”. (الأصول الفكرية لحركة المهدي السوداني، د عبد الودود شلبي، ص 129).

ن – من أسباب الهزيمة انفضاض الناس عن عرابي بسبب منشور السلطان
* “ظلت إنجلترا تضغط سياسيًا على السلطان حتى أصدر منشورًا بعصيان عرابي لسلطان المسلمين، وبشرعية اشتراك الجيش الإنجليزي في إخماد الثورة المصرية”. ( عبد الله النديم..، د علي الحديدي، 236″.

* “وأدت منشورات الخديو المرفقة بمنشور السلطان إلى ذهاب الحمية الدينية من النفوس، وجعلت الجنود يعتقدون أن من يموت في هذه الحرب ليس شهيدًا كما كانوا يظنون، بل يكون مأواه جنهم لأنه عاصٍ للسلطان خليفة الله في الأرض”. (عبد الله النديم..، د علي الحديدي، 237).

*يقول عرابي: “نصحناهم بأن هذا المنشور مخالف لأحكام الدين الإسلامي؛ لأننا إنما نقاتل أعداء المسلمين الذين يريدون أن يستولوا على بلادنا الإسلامية”. (الثورة العرابية، صلاح عيسى، ص 466).

ص – أيمان الإنجليز الكاذبة بعد الاحتلال
* “في مجلس العموم البريطاني، وفي 24 يوليو 1882، وفي أعقاب ضرب الإسكندرية: صرح جلادستون رئيس الوزراء البريطاني بأنه: ليس لبريطانيا العظمى مطامع في مصر، ولم ترسل الجنود لها إلا لإعادة الأمن فيها”. ( تاريخ العرب المعاصر، د عبد العزيز نوار، ص161).

* ” وأقسم جلادستون غير مرة بشرف بريطانيا! أنها لن تستمر في احتلال مصر، أقسم بذلك في مجلس العموم في 9 أغسطس 1882 قائلاً: إن الحكومة البريطانية لم تفكر في ضم مصر.. “. ( تاريخ العرب المعاصر، د عبد العزيز نوار، ص162).

* ” منذ أن دخلت بريطانيا مصر محتلة لم تكن تفكر أبدًا في الانسحاب منها”.( مجلة العربي، العدد 80).

ع – مفاسد الإنجليز في مصر بعد الاحتلال
* “منذ أن احتل الإنجليز مصر وهم يعملون على إضعافها بشتى الوسائل؛ تارة بمحاربة اللغة العربية، وأخرى بنشر الحركات الاجتماعية الهدامة، وثالثة بخلق الأحزاب السياسية التي تفرق الأمة..”. ( الحركات النسائية وصلتها بالاستعمار، ص 71 ).
* “وأخذ الاحتلال.. يثبت أقدامه، ويدعم كيانه، فتسلط على الجيش بعد أن حله وأعاد تكوينه ضئيلا هزيلا أعزل، لا يتجاوز عدده ستة آلاف في قبضة سردار إنجليزي يعاونه نفر من كبار الضباط من بني جنسه. وأغلقت جميع مصانع الأسلحة.. الخ”. (الاتجاهات الوطنية، محمد محمد حسين، 1 /160).

* “.. وافتتحت الخمارات في كل مكان، حتى تغلغلت إلى الريف وإلى أحياء العمال، وافتتحت دور البغاء المرخصة من الحكومة في كل العواصم، وتجرأ الناس على ارتكاب الموبقات، والجهر باسم الحرية الشخصية التي لم يفهموا منها إلا أن يحل الناس أنفسهم من كل قيد، ولا يُبالون دينًا ولا عرفًا ولا مصلحة”. (الاتجاهات الوطنية..، محمد محمد حسين، 1 / 264).

* “فرض الاحتلال للتعليم المدني هدفًا ضيقًا لا يتجاوزه، وهو إعداد طبقة من الموظفين الحكوميين، على أن يكون ذلك في أضيق نطاق ممكن، وعلى أن تسيطر الثقافة الإنجليزية على مناهجه”. (الاتجاهات السياسية والفكرية والاجتماعية في الأدب المعاصر، سالم قنيبر، ص 89).

* “شرع كبار رجال القانون الإنجليز يدرسون القوانين الجديدة التي يجب أن تطبق في مصر، وصبغ مصر بالصبغة الإنجليزية، ورفع شأن العامية للقضاء على العربية الفصحى، ورفع شأن الفرعونية التي غادرتها مصر منذ أكثر من ألف عام، وملئوا الوظائف بالموظفين الإنجليز، وجعلوا الوظائف الكتابية الصغرى في يد المصريين، وفرضوا على مصر اقتصاديات ارتبطت ماليًا وتجاريًا بالصناعات الإنجليزية، والبيوت التجارية البريطانية”. ( تاريخ العرب المعاصر، د. عبد العزيز نوار، ص 189).

* “وكان مما فوجئ به -أي عبد الله النديم- عقب عودته موجة من الانحلال والفساد الخلقي في البلاد، فإفراط وجهرة في شرب الخمر لم يكن معهودًا من قبل، واستهتار الشاربين بنقد النقاد، وانتشار الخمارات انتشارًا كبيرًا في البلاد والقرى يبتز الأروام عن طريقها أموال الأهالي. وانحلال الأسرة بسبب الشراب، وتقليد النساء المصريات للأجنبيات في شرب الخمر، وانتشار الحشيش والمعاجين والمخدرات، والاحتفاء بمجالسها، ثم إساءة فهم معنى الحرية واستعمالها وسيلة للانهماك في الملذات والشهوات، ثم السقوط في تقليد المصري للأوربي تقليدًا أعمى..”. (عبد الله النديم..، د علي الحديدي، 333).

* ” وقد وصل التغيير إلى نساء المسلمين في عاداتهن وحياتهن الاجتماعية؛ حتى في زيهن، فكنّ قبل الاحتلال لا يعرفن إلا التستر والحجاب وعدم مخالطة الرجال وعدم الجلوس في مجالسهم، وتغطية المرأة لوجهها، وما تطور من ذلك إلى البرقع المعروف في الأجيال السابقة القريبة؛ فأصبحن يتزين بزينة الكافرات الفاسقات الأوربيات..”. (التحفة الندية في الفتنة العرابية، أحمد سعيد نونو، ص 231).

ف – تعاون الاحتلال مع الطائفة العصرانية التي تُضعف روح مقاومته وتروج أفكاره
* “لقد كان الاستعمار حريصًا على صنع طبقة خاصة من المثقفين، عمل كرومر على إعدادها، ووعدها بأن تتعلم قيادة الأمة بعد خروج الإنجليز، ووفى لها”. (عقبات في طريق النهظة، أنور الجندي، ص 59).

* “كرومر كان يعايش الصفوة المختارة من المصريين ويتحسس طريقه نحو اختيار أكثرهم صلاحية للمشاركة في الحكم”. (سعد زغلول بين اليمين واليسار، ص 23).

*من جهود العصرانيين: “نذكر أصحاب الفضل على التمثيل من غير المحتلين، في مقدمتهم حكومة سعد زغلول التي عنيت بالتمثيل، وأجازت للممثلين فترة يمثلون فيها على مسرح الأوبرا “.( روز اليوسف سيرة وصحيفة، د ابراهيم عبده، ص 31-32).

* أرسل محمد عبده رسالة إلى شيخه الأفغاني يلخص فيه مهمتهم: “نحن الآن على سنتك القويمة: لا تقطع رأس الدين إلا بسيف الدين” (الأعمال المجهولة / محمد عبده، تحقيق: د علي شلش، ص 53).

دروس وعبر.. من احتلال الإنجليز لبلاد مصر

العبرة الأولى: أن أعداء الأمة الإسلامية من اليهود والنصارى وغيرهم لم ولن يفْترُوا عن محاربتها والكيد لها، ومحاولة تفريق شملها، وبث التنازع داخل صفوفها، وإيجاد الثغرات التي يتمكنون من الولوج من خلالها، واحتلال أراضيها، ونهب ثرواتها. قال تعالى: {وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ} [البقرة: 217].

العبرة الثانية: أنه ينبغي ألا تأمن الدولة المسلمة كيد عدوها لها، ومكره بها، بل تقدّر أسوأ الاحتمالات نتيجة لهذا الكيد والمكر، ولو كان احتلال أرضها، ولتكن كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ} [النساء: 71] وكما قال: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} [الأنفال: 60]. فتُعدّ القوة اللازمة الرادعة للعدو من أسلحة متنوعة متعددة المصادر لردعه إذا ما فكر في الأمر السابق.

العبرة الثالثة: أن تحذر الدولة المسلمة من جواسيس أعدائها الذين يقدمون إليها على هيئات مختلفة -إما خبراء أو سياح أو باحثين..- وهم إنما يرصدون أحوالها تمهيدًا لما ينوون التخطيط له تجاهها؛ إما غزوًا ثقافيًّا أو عسكريًّا.

العبرة الرابعة: أن الأفكار العنصرية الجاهلية التي يقع فيها بعض المسلمين؛ من تعصب لجنس أو أرض، تؤدي إلى تفريق الدولة المسلمة وإضعافها؛ مما يسهل المهمة أمام العدو المتربص بها.

فلو لم تكن هناك فجوة عنصرية جاهلية بين الترك والعرب –مثلاً- لما استطاع الغرب تفتيت العالم الإسلامي، مستغلاً هذا الأمر في إذكاء نار الفرقة بين الطائفتين، فلتأخذ الدولة المسلمة على يد كل من يثير مثل هذه النعرات الجاهلية بين أبنائها؛ ولو كان على سبيل المزاح.

العبرة الخامسة: أن مخالفة أوامر الله بالركون إلى أعدائه من اليهود والنصارى والمنافقين وأهل البدع، وتوليتهم المناصب، وتقريبهم؛ يؤدي حتمًا بالبلد المسلم إلى الهاوية، وتسليمه للعدو -سياسيًّا أو فكريًّا- بأبخس الأثمان، كما حدث في مصر بجهود اليهود والنصارى الأرمن والمنافقين وغيرهم.
والله يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا} [آل عمران: 118]، وكم في التاريخ من نماذج وأمثلة للخيانات التي قام بها الكفار والمنافقون لأمة الإسلام. فلتحرص الدولة المسلمة على عدم تقريب هؤلاء من السلطات المؤثرة، واتخاذهم بطانة؛ فإنهم سرعان ما ينقلبون عليها ساعة العسرة. ولا يبقى لها إلا أهل الإيمان، وأصحاب العقيدة السليمة.

العبرة السادسة: أن تبتعد الدولة المسلمة عن الإسراف وتبذير الأموال فيما لا ينفع العباد والبلاد؛ ممّا يؤدي بها إلى الاستدانة من أعدائها بفوائد ربوية تتراكم عليها، تكون نهايتها وقوع البلد في قبضتهم رويدًا رويدًا، ثم يبدأ الابتزاز والضغط عليها لتنصاع لأهوائهم في شتى المجالات.

فخير للبلد المسلم أن يبتعد عن الترف والإسراف والتعامل بالربا الذي عاقبته المحق والهلاك وتسلط الأعداء. قال تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأعراف: 31] وقال: {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ} [البقرة: 276].

العبرة السابعة: إذا اضُطرت الدولة المسلمة إلى المال فليكن ذلك عن طريق التعاون مع أبنائها أو الدول المسلمة الأخرى عبر صناديق تعاونية مشتركة تحميها من الربا والاستدانة من أعدائها.

العبرة الثامنة: أن تنظر الدولة المسلمة في عاقبة أي مشروع ضخم يُقْترح عليها أو تقوم به، ومدى مصلحته للبلاد، وتوازن بين مصالحه ومفاسده، وتستشير الخبراء من أهل الأمانة.

العبرة التاسعة: أن تحد الدولة المسلمة من هجرة الأجانب (غير المسلمين) إليها؛ ممن يُكونون أرضية ممهدة لتدخل الأعداء، وفرض الامتيازات لهم.. إلخ. ولتتخذ الاحتياطات اللازمة حال الحاجة لبعضهم لتجنب شرورهم؛ كالتفريق بينهم ومراقبتهم.

العبرة العاشرة: أن تحذر الدولة المسلمة من الشخصيات المشبوهة التي تحل أرضها -سواءً ممن يدعون الإسلام أم من غيرهم- ويكون لها نشاط مريب في بث الأفكار المنحرفة بين شباب البلاد؛ مما يكون عاقبته شرًا؛ فإن معظم النار من مستصغر الشرر.

ولا تحتقر كيد الضعــيف فربما *** تموت الأفاعي من سموم العقارب
فقد هدّ قُدمًا عرش بلقيس هدهدٌ *** وخرّب فأرٌ قبل ذا سـدَ مأرب

العبرة الحادية عشرة: أن تعلم الدولة المسلمة أن ما يسمى بـ”الحرية الإعلامية” -سواء في الصحافة أم في غيرها- التي تجعل مسائل الشرع كلأً مباحًا لكل أحد، وتسمح بالجرأة على العلماء ورجال الدولة هي فكرة مخادعة ضارة بالبلاد؛ لأنها تؤدي إلى بث الاختلافات المتنوعة بين الناس وتغذية النـزاعات والخصومات، وشحن النفوس، وتهييجها وتحزيبها، وتمهد بتمزق البلاد فكريًّا قبل تمزقه سياسيًّا.

فلتحد الدولة المسلمة من هذه الحرية المزعومة التي يروج لها الأعداء بخُبث؛ لأنهم يعلمون ما يجنونه منها، ولتوجه وسائل إعلامها إلى ما ينفع الناس ويجمعهم على الحق الظاهر.

وخير ما تفعله الدولة في وسائل إعلامها: تقليل برامج ومقالات الرأي التي تؤدي إلى ما سبق بيانه، والاستغناء عنها بالمقالات العلمية النافعة (سواء في الطب أو الحاسب أو الهندسة أو الفيزياء… الخ)، وبعث ذوي العقول والنوابغ الموجودين لديها بدلا من عبث أهل الرأي وخوضهم بالباطل.

العبرة الثانية عشرة: أن تتيقن الدولة المسلمة أن أعداء الإسلام (يهودًا ونصارى ومنافقين وغيرهم) سيقفون صفًّا واحدًا أمامها وقت الفتن والأزمات -مهما اختلفوا فيما بينهم- كما قال تعالى: {تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا} [الحشر: 14]، وقد رأينا كيف غضّت فرنسا الطرف عن احتلال الإنجليز لمصر رغم عداوتهما الظاهرة -ولكن الكفر ملة واحدة-، وكما فعل “ديلسبس” الفرنسي عندما غدر بعرابي في حادثة سد القناة.

العبرة الثالثة عشرة: أن أعداء الإسلام يفتعلون الأحداث، ويستغلون الذرائع -مهما كانت صغيرة- ليتدخلوا في شئون الدولة المسلمة، ولو أدى ذلك إلى احتلالها، ومن هذه الذرائع: حماية الرعايا الأجانب، أو ضمان حقوق الأقليات، أو ضمان حقوق المرأة، وهكذا..

العبرة الرابعة عشرة: أن الأعداء يحرصون جدًّا -تجاه الدولة المسلمة التي يريدون الضغط عليها أو التحرش بها- على أن ينشروا بين أبنائها -بواسطة عملائهم- فكرين خبيثين هما: فكر التهييج والثورة، وفكر العصرنة والتمييع.
فبالفكر الأول تُتاح لهم فرصة التدخل في شئون الدولة المسلمة.
وبالفكر الثاني: يضمنوا مسخ عقول أبناء المسلمين وترويضهم نفسيًا لقبول التغريب.
فعلى سبيل المثال: من يشكك في مبدأ الولاء والبراء، كيف يُرجى منه أن لا يتعاون مع الكافر أو يتخذه أخًا يحقق له مصالحه ولو على حساب دينه وبلده، وهو قد أزال الحاجز الإيماني الذي يصونه عن ذلك؟!
فلتحرص الدولة المسلمة على اجتثاث هذين الفكرين الخبيثين قبل أن يتغلغلا في عقول بعض أبنائها ممن يكونون سلاحًا بيد عدوها ضدها.
ويكون ذلك بالحزم مع من يحمل أيًا منهما، وعدم تصديرهم في وسائل الإعلام والتأثير، فإن التهاون في مثل هذه الأمر -تحت أي مسوغ- قد يُكلف الكثير لاحقًا.

أرى خلل الرماد وميض نار *** ويوشك أن يـكون لها ضرام
فإن لم يُطفها عقلاء قـوم *** يكون وقــودها جثث وهام
فإن النار بالعودين تذكى *** وإن الحــرب أولهـا كـلام

العبرة الخامسة عشرة: أن الأعداء يفرحون كثيرًا بتلقي أبناء المسلمين العلوم عندهم، لا سيّما أبناء الذوات ممن هم مهيئون لتولّي المناصب المهمة إذا ما عادوا إلى بلادهم؛ لأنها تعلم أنهم سيتأثرون -عرضًا أو قصدًا- بثقافتها، وسيكونون خير ناقل لها إلى بلاد المسلمين؛ كما رأينا ذلك واضحًا في حياة سعيد باشا والخديو إسماعيل اللذين تربيا في بلاد الغرب، ثم أرادا محاكاتها لما توليا الحكم.

فلتحرص الدولة المسلمة على أن يكون تلقّي أبنائها للعلوم داخل أرضها؛ دون حاجة إلى البعثات الدراسية الخارجية إلا في حالة اضطرارية محدودة ؛كما في التخصصات الدنيوية النادرة مثلاً، مع تحصين المبتعث ضد الأفكار الغربية الضارة.

العبرة السادسة عشرة: أن الأعداء لن يعدموا أن يجدوا من المسلمين أفرادًا مغفلين أو طامحين يخدمونهم من حيث لا يشعرون، ممن يصدق فيهم قول الشاعر:

إذا لم يكن للمرء في دولة امرئ *** نصيب ولاحظٌ تمـنى زوالـها

ولو كان ذلك على حساب دينهم وبلدهم -كما فعل عرابي في مصر- وسيلجأ الأعداء للاتصال بهم، والاهتمام بقضيتهم، وتشجيعهم على المضي في معارضة الدولة المسلمة تحت مسمى “الإصلاح” وهدفهم من هذا كله ليس حبًا في هؤلاء الإصلاحيين –زعموا- إنما ضربهم بالدولة المسلمة، لتفريق أهلها، وزرع الفتن والشقاق بين الراعي والرعية؛ حتى يلجأ كلٌ منهم -خاضعًا مطيعًا- إلى العدو لحمايته من الآخر!! وقد تقع البلاد بعدها –لا قدر الله- في احتلال أجنبي بغيض بعد أن استغل هذا النـزاع والتفرق –كما حدث في مصر- حيث لجأ الخديو توفيق للإنجليز في الوقت الذي كانوا فيه يُهيجون عرابي ومن معه عليه!
فلتأخذ الدولة المسلمة على أيدي هؤلاء المعارضين الطامحين أو المغفلين من مدعي الإصلاح قبل أن يتعاظم شرهم فيوقعوا بلاد الإسلام فيما لا تُحمد عقباه؛ كما قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ} [إبراهيم: 28]. وقال: {وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ} [النمل: 48].

وجرمٌ جرّه سفـهاء قوم *** فحل بغير صاحبه العقاب

العبرة السابعة عشرة: أن تبادر الدولة المسلمة بالإصلاح الحقيقي النافع القائم على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، قبل أن تجد غيرها قد سبقها إلى طرح إصلاح مزعوم لا يُرضي الله ولا رسوله صلى الله عليه وسلم. بل يُرضي أعداء الإسلام الذين ينفخون فيه وفي أهله لمآربهم -كما سبق-.
والإصلاح الحقيقي هو الذي يكون غايته وهدفه الأول تعبيد الناس لرب العالمين وتحقيق التوحيد؛ عن طريق كل ما يساهم في ذلك من وسائل؛ كالاهتمام بأمر العقيدة والدعوة إليها، وإزالة ما يُخالفها.

وهو الإصلاح الذي ينشر الفضيلة بين المسلمين، ويدعم أسبابها ومنافذها. ويُحارب الرذيلة ويُضيق على أهلها.

وهو الإصلاح الذي ينشر العدل بين الناس، ويباعد بين الدولة المسلمة وبين ظلم الرعية، فيؤمّن احتياجات المسلمين، ويوفّر لهم أسباب العيش الكريم دون أن يحوجهم إلى الآخرين. عن طريق إقامة المشاريع النافعة التي تتبناها الدولة؛ كإقامة المجمعات السكنية لذوي الدخل المحدود، وتشغيل العاطلين، وإعطاء العاملين والموظفين الرواتب المجزية التي تتناسب مع حال المعيشة…إلخ

وهو الإصلاح الذي يحقق للمرأة المسلمة بيئة العلم النافع، والعمل الكريم -إذا احتاجت إليه- بعيدًا عن كل ما يخالف شرع الله.

وهو الإصلاح الذي ينهض بالبلاد –دنيويًا- في مجالات التقنية والصناعة والزراعة.. وغيرها؛ عن طريق تشجيع العقول والنوابغ، وتسهيل أمورهم، وإعطائهم الثقة، ووضعهم في المكان المناسب، وتنفيذ مخترعاتهم وأفكارهم.. الخ.

العبرة الثامنة عشرة: أن تعلم الدولة المسلمة أن خير منجى لها من مكر الأعداء وفتنهم هو الاعتصام بالكتاب والسنة، والثبات على دين الله، وعدم المساومة أو التنازل عنه ولو بالقليل. قال تعالى: {وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا} [آل عمران: 120]. وقال محذرًا من مداهنة الأعداء: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ} [آل عمران: 149].

المسلمون في جمهورية الجبل الأسود

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالإله المقبل13

يؤكد كثيرون أنّ “حال الإسلام والمسلمين في الجبل الأسود لم يكن جيدًا، كما هو في الوقت الحاضر”، وتلك هي خلاصة الانطباعات السائدة في منتنغرو بعد الاستقلال الذي تمّ الإعلان عنه في 2006؛ حيث يشعر المسلمون بحرية أفضل، رغم كل الاتهامات التي يغذيها الإعلام ويروج لها.

وفي هذا العهد تم تأسيس مدرسة إسلامية لتساهم بدورها في تنوير المسلمين، إلى جانب المساجد؛ حيث هناك مساجد تُبنى وأخرى في مرحلة الترميم، وعدد المساجد حاليًّا يبلغ أكثر من 100 مسجد، وقال رئيس الأئمة في تيفات، بالجبل الأسود، آدم أمروفيتش لـ”الشرق الأوسط”: “قبل 10 سنوات كان الوضع سيئًا، فالحرية الموجودة حاليًّا كانت مفقودة؛ حيث لم يكن بإمكان فتاة محجبة أن تدرس في الجامعة، أو تعمل في دائرة حكومية، أما اليوم فإن ذلك متاح”، وتابع: “نتيجة لعهود القهر السابقة، هجر الآلاف من المسلمين من مناطق ما كان يسمى بيوغسلافيا، وهم الآن موزعون في تركيا والبلاد العربية، وخاصة في سورية والمملكة العربية السعودية”، وأضاف: “من ناحية حقوق الإنسان، يشعر المسلمون بأنّ حقوقهم محفوظة، ليس هناك تسييس لحقوق الإنسان، وليست هناك قراءات أيديولوجية للحرية”.

وخلاف ما يقال عن عدد المسلمين في الجبل الأسود وهو 29%، قال “أمروفيتش”: “عدد المسلمين أكبر مما يقال، فمنذ 1991 لم يجر أي إحصاء للسكان، فهناك مناطق شاسعة جميع سكانها من المسلمين وهم يشكلون الأغلبية في أكثر من 50 في المائة من مساحة الجبل الأسود”، وذكر بأن المسلمين “يمثلون 70 في المائة في إقليم بارا، و99 في المائة في روجاي، و8 في المائة في ألسين وفي بوتغوريتسا لا يقلون عن 40 في المائة”.

وعن المدرسة الإسلامية التي تم افتتاحها في العام الدراسي 2008 / 2009، قال أمروفيتش: “بحمد الله مرّ العام الدراسي بشكل جيد، فهناك 120 طالبًا من المسلمين البوشناق والألبان أنهوا السنة الأولى بالمدرسة الثانوية، وهي أول مدرسة إسلامية تقام في الجبل الأسود منذ 1918، فقد تم إغلاق جميع المدارس الإسلامية فيما كان يسمى بيوغسلافيا السابقة وأبقوا على مدرسة واحدة هي مدرسة “الغازي خسرف بك” في سراييفو، وكان طلابنا يضطرون للذهاب إلى هناك ولذلك لم يكن لدينا الكادر الكافي في العقود الماضية، ونرجو أن تتغير الأوضاع إلى الأفضل مستقبلاً بفضل الله ثم بوجود هذه المدرسة”،: وقال “إنّ المدرسة تمّت إقامتها بمساعدة من تركيا قدرت بأكثر من مليون يورو، وكذلك مساهمة من البنك الإسلامي للتنمية بجدّة بالإضافة للمؤسسات الخيرية في الكويت والإمارات بمبلغ 600 ألف يورو”، وقال: “نفقات المدرسة توفرها مساهمة أولياء الأمور وكذلك المشيخة الإسلامية في الجبل الأسود”.

وعن الحضور الإسلامي في المؤسسات الرسمية للدولة، أوضح أمروفيتش “هناك حقائب وزارية للمسلمين في منتنغرو ومدير الإذاعة والتلفزيون مسلم، ووزير الداخلية مسلم من خريجي المدارس الإسلامية ووزير التجارة مسلم”، وقال: “لدينا مساع لاستعادة الأوقاف التي تمّت مصادرتها في العهود الظالمة”، وأثنى أمروفيتش على الجهود التي يبذلها الأتراك رغم ضيق ذات اليد في دعم مسلمي البلقان “الأتراك أسسوا مدرسة لتحفيظ القرآن وأقاموا مركزا إسلاميًّا في بار، على البحر الأدرياتيكي”.

ويعتقد المسلمون في منتنغرو أنّهم من أهدوا البلاد الاستقلال “المسلمون في الجبل الأسود هم جزء من المجتمع المنتنغري، وجزء فعال جدًّا؛ حيث إن المسلمين هم من أهدى الاستقلال للبلاد في 22 مايو 2006؛ حيث كانوا العامل المهم الذي رجح كفة أنصار الاستقلال؛ وسيبقى المسلمون يؤدون دور صانع النصر بعون الله في جميع المحافل الانتخابية والمجتمعية بالجبل الأسود، فنحن الطرف الثالث الذي بإمكانه ترجيح كفة أحد الطرفين المتنافسين سواء في الميدان السياسي أو الخيارات الاجتماعية والاقتصادية الأخرى”.

وعما إذا كان المسلمون قد حصدوا نتائج تأييدهم للاستقلال؛ قال “المسلمون في الجبل الأسود أيدوا أنصار الاستقلال، وكانوا بين خيارين، رفض تقسيم “السنجق” بين صربيا والجبل الأسود أو تأييد الانفصال عن صربيا، وقد كانوا بين خيارين أحلاهما مر، البعض كان يرى أن بقاء السنجق موحدًا في ظل عدم الاعتراف الكامل بحقوق المسلمين أفضل من تقسيمه، والبعض الآخر كان يعتقد بأن السنجق سيتحد مجددًا عندما تنضم كل المنطقة للاتحاد الأوروبي، وكانت هناك عوامل كثيرة ساعدت على اعتماد الخيار الثاني وهو خيار مستقبلي بكل المقاييس، لقد ساعدت الرغبة الجامحة لدى قطاع كبير من سكان الجبل الأسود على تبلور الموقف المسلم المؤيد للاستقلال، ولا أستطيع النفي بأنّه كانت هناك ضغوط علينا في هذا الاتجاه أيضًا، مفادها أنّ صربيا سبب تأخرنا كمنتنغريين، ويجب علينا مساعدة البلاد في رسم مستقبلها بعيدًا عن بلغراد، وفي نهاية المطاف قرر المسلمون دعم الاستقلال ما داموا سيعيشون في دولة صغيرة يمكنهم تحقيق الكثير من أهدافهم وفي مقدمتها أن يعيشوا أحرارًا، وقد نجحوا في ذلك إلى حد كبير”.

وعمّا إذا كانوا يذكرون ما حدث لهم إبّان العدوان على المسلمين في الفترات السابقة، قال: “كانت الظروف صعبة جدًّا، كنّا نشعر بأنّ أنفاسنا تعد علينا، كان هناك إرهاب دولة بكل المقاييس ولو لم يتحقق الاستقلال لبقينا في ذلك المستنقع، أثناء حروب الإبادة في البوسنة كانوا مستعدين لإبادتنا نحن في الجبل الأسود، كانوا يوزعون الأسلحة على الصرب، والويل للمسلم الذي يعرف أنّ لديه قطعة سلاح حتى بدافع الشبهة، لذلك كنا إذا جاء الليل نفقد الأمل في رؤية الصباح وإذا طلع النهار نتساءل هل سنبيت هنا، حصلت اعتداءات على بعض المساجد.

وبعد الاستقلال هناك توجه نحو الاتحاد الأوروبي، ومن شروط الانضمام، توفير الحريات ومنها حرية التدين وحرية التعبير ونحن استفدنا من ذلك، لقد اتصلنا بالمنظمات الحقوقية وفاتحناهم بما يؤلمنا ويقلقلنا وطالبنا بحريات أوسع”.

وأكد الشيخ أن المشيخة الإسلامية في صربيا أصبحت منظمة كبيرة، وقال: :نحن ننسق مع بعضنا على كل المستويات، والسنجق أصبح عاصمة المشيخة الإسلامية لكون سكانه من المسلمين، وعلى الرغم من أن المشيخة الإسلامية في الجبل الأسود تضم البوشناق والألبان، فإنّ المشيخة الإسلامية في صربيا تعد الحاضنة أو المركز بالنسبة لنا، فهناك مساعدات لتكوين الأئمة وبناء المساجد”، وبشّر الشيخ بمستقبل واعد للمسلمين في جمهورية الجبل الأسود.