أ.د. أحمد محمد وهبان

غزوة الأحزاب نسخة 2013

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالإله المقبل13

لا أدري لماذا تهجم على مخيلتي هذه الأيام حكاية غزوة الأحزاب أو غزوة الخندق، والزلزال الشديد، والابتلاء العظيم الذي زُلزل به المؤمنون زلزالًا كبيرًا. لكن أرجوك.. تمهل.. لا يلقين في روعك شيطان من الإنس، أو عفريت من الجن أنني أقارن! فحاشاي أن أقارن الدكتور مرسي بالنبي صلى الله عليه وسلم؛ وإن كنت أقدر الدكتور مرسي، وأحبه في الله تعالى، وأدعو له كثيرًا!
وحاشاي أن أقارن أحدًا من إسلاميي اليوم – كلهم – بأحد من الصحابة – علمًا أنني أحبهم كلهم في الله تعالى، وأدعو لهم كثيرًا على اختلاف انتماءاتهم، وعلمًا أيضًا أنني في الوقت نفسه شديد الحزن و(القرف) والغضب منهم جميعًا أيضًا، لمواقفهم الصادمة، والمتخلفة، والرديئة..
وحاشاي أن أقارن أحزاب الماضي ومنافقيه بمنافقي عصرنا (المنيّل بستين نيلة) وأحزابه؛ فالمنافقون القدامى كانوا مساكين، لا يصلحون تلاميذ في (kg2) عند أساتذة إبليس الحاليين، الذين يتضاءل بجانب أحدهم الشيطان الكبير نفسه، كما قال الشاعر على لسان إبليس إنسي منهم:

وكنت فتىً من جند إبليس فارتقى بي الحال حتى صار إبليس من جندي

وكما قال مطر:

وجوهكم أقنعة بالغة المرونة
طلاؤها حصافة، وقعرها رعونة
صفق إبليس لها مندهشًا وباعكم فنونه
وقال: إني راحل ما عاد لي دور هنا
دوري أنا أنتم ستلعبونه!

بل إن العامة فطنوا لشيطنة منافقي وحكام وأبالسة بعض هذا الزمان، وتفوقهم على إبليس نفسه – بل على الأبالسة كلهم عليهم لعائن الله – فاخترعوا النكات عن شيطنتهم، فزعم أحدهم أن حاكمًا (ديمقراطيًّا) من إياهم عثر على فانـوس سحـري، فدلكـه ليخرج له من الفانوس إبليـس الكبير ليسأله: شبيـك لبيـك، تؤمر عبدك بإيه؟ فقال له الحاكم الديمقراطي جدًّا: بـص بقـى: أنا عمـلت في الشعـب بتاعـي كل حاجـة.. ونفدت أساليبي، ولم يعد عندي جديد، فدلني أرجوك علـى حاجـة جديـدة أعملـها عشان أخلي الشعب يبطل كلام عن الحرية والديمقراطية والحاجات دي، فقال له: بس كـده.. بسيطـة.. هـات ودنـك.. وش وش وش وش وش.. فقال الحاكم مستغربًا من سذاجة إبليس: إنت عبيط يا له؟ إيه لعـب العيـال ده؟ إنت شكـلك كـده لا إبليس ولا بتفهم في الأبلسة، هات ودنـك بقـى أقـول لك أنا بأعمـل إيه في الشعـب بتاعي.. وش وش وش وش وش! اصفرّ وجه إبليس، وهتف في انفعال: يا راجـل اتّـق الله، حرام على أهلك!

وفي نكتة ثانية أن الشيطان غضب ذات صباح، وجمع أدواته الشيطانية، ووضعها في خُرج، وحملها وتحرك مغادرًا المدينة، فهرع الفلول كلها وراءه متوسلين: هاتسيبنا وتروح فين؟ مين لنا غيرك يا حبيب الملايين؟! هتلاقي ناس زينا فين: كدابين وحلنجية ومنافقين وحرامية.. رد الشيطان بانفعال: أنتم ما بتخافوش ربنا! أنا باخلي الواحد منكم يسرق، ويبقى من الأغنياء، وباخلي الواحد يغش ويبقى من الحيتان، والواحد يزوّر في الانتخابات ويدخل مجلس الشعب ويكبر الناس لحد ما يبقى رئيس الجمهورية أو حوت عنده مليارات، أو بالع 20 مليون متر مربع ببلاش، وفى الآخر أدخل على أي حد منهم ألاقيه معلق يافطة كبييييرة مكتوب عليها: هذا من فضل ربي.. وعايزيني أرجع؟

المهم: أعود لأتحدث عن غزوة الأحزاب المرتقبة بعد أن أذكِّر بالغزوة القديمة التي وقعت في شهر شوال سنة خمس من الهجرة، الموافق مارس 627 م، بين المسلمين من جهة؛ بضعفهم، وقلتهم، وغياب تسليحهم، ومن جهة أخرى: الأحزاب الذين جمعهم الحقد المعلن، والعداوة للإسلام وأهله، رغم اختلاف أهوائهم ومقاصدهم: اليهود الخبثاء الناقضون للعهود، وقريش المشركة التي أقبلت بخيلها ورجلها، والمنافقون المرجفون في المدينة، الذين يلتمسون من المسلمين غرة، أو نهزة، ليجهروا بكفرهم وقبحهم، وحلفاء قريش من غطفان، وفزارة، ومُرة، وأشجع، وبنو أسد، وغيرهم، بجانب الفارق العددي الكبير لصالح الأحزاب، وقلة السلاح، والجو البارد الصرصر، والخوف على النساء والذرية.. فلما رأى ضعاف الإيمان هذا، والذين يعبدون الله على حرف، ومرضى القلوب، قالوا: خدعنا محمد وربه، وغرروا بنا، فلا ربَّ، ولا رسول، ولا دين: {وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَ‌ضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّـهُ وَرَ‌سُولُهُ إِلَّا غُرُ‌ورً‌ا}[الأحزاب:12].

أما المؤمنون الراسخون الواثقون – رغم كل هذا الجمع المروع – فقالوا بثبات الجبال: {هَـٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّـهُ وَرَ‌سُولُهُ وَصَدَقَ اللَّـهُ وَرَ‌سُولُهُ}[الأحزاب:22] رغم الأحزاب، والتحالفات، والجيوش الضخمة {وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا} وواجهوا عدوهم المنوع، المتنمر، الحقود، الذي لا يرضى بأقل من استئصالهم، فـ{صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّـهَ عَلَيْهِ} بشهادة ربهم تبارك وتعالى، الذي كتب لهم النصر والتمكين؛ رغم ضعف الأسباب البشرية للنصر والتمكين!

وأما أحزابنا اليوم فهي أكثر وألأم وأخبث، وأشد نذالة وحقارة وأبلسة: الصهاينة البطاشون الجبارون المدعومون من داخلنا ومن خارجنا، العرب الممالئون للنظام المجرم البائد والذين يغمرون البلاطجة والفلول والجهلة بالمال والبانجو والسلاح الأبيض، الإعلام المتصهين العميل لإسرائيل وإيران ومبارك وكل شيء إلا الإسلام، رجال الأعمال الحيتان الذين لم تشبعهم المليارات التي انتهبوها، رجال العهد البائد الذين لا يرضون بأقل من أعناق المتدينين، رجال الأحزاب الهزلية التي كانت تمثل المعارضة أمام مبارك وهم خدامه ونافخو كيره كما اتضح في العامين الأخيرين والذين لا يرضيهم أقل من استئصال الإسلام وإبادة أهله (السجن أو المصحة العقلية كما أعلنوا)، البؤر الفاسدة في الشرطة والقضاء والإدارة المتناثرة في جسد مصر كالبثور المتعفنة، تريد أن تنهك الجسم وتقضي عليه.. زد على ذلك فريقا من الناس الذين ظنوا أنهم في الصدق أبو بكر، وفي السياسة عمرو بن العاص، وفي العلم أبو حنيفة، وصاروا يكيدون للرئيس – على أخطائه، وهو ليس معصومًا، بل معذورًا عندي – أكثر مما يكيد له الفلول الأغبياء الآخرون!
ثم إن الأحزاب تعاقدوا وتعاهدوا على استخدام السلاح والعنف (جهارًا نهارًا – لا يخشون قانونا، ولا يردعهم جهاز أمن، ولا يقفهم خُلق ولا دين ولا شرف نفس! ليتضح أن دم المصري عندهم أرخص من شمة بانجو أو شفطة بيرة، أو ضحكة أجلّكم الله (مومس)!
لقد نصر الله المسلمين في الأحزاب الأولى، والطمع في وجه الكريم أن ينصر مصر في الأحزاب الثانية، وأن يبطل كيد الصهاينة والمتصهينين، والبلاطجة والممولين، والشتامين والرداحين، والمتربصين والمتآمرين، والمجرمين والقتلة وأصحاب السوابق والهجامين، والفلول والذيول والعجول، وكارهي الإسلام والمسلمين.. أرجوك: قل معي آمين!

التقسيم الأول لفلسطين .. لجنة بيل 1937م

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالإله المقبل13

لجنة بيل 1937م
لجنة تحقيق شكلتها الحكومة البريطانية في أغسطس 1936م بغرض دراسة الأسباب الأساسية لانتفاضة المواطنين الفلسطينيين في أبريل 1936م وبحث كيفية تنفيذ صك الانتداب على فلسطين والتزامات بريطانيا تجاه كل من الفلسطينيين والمستوطنين اليهود، كما طلبت الحكومة من اللجنة تقديم توصيات بشأن شكاوى الفلسطينيين واليهود عن طريقة تنفيذ الانتداب. وقد ضمت اللجنة ستة أعضاء برئاسة اللورد بيل الذي شغل منصب وزير شئون الهند.
وصلت اللجنة إلى فلسطين في نوفمبر 1936م، واستمر عملها ستة أشهر عقدت خلالها ستة وأربعين اجتماعاً منها واحد وثلاثون اجتماعاً علنياً واستمعت إلى أربعين شاهداً يهودياً، أما الفلسطينيون فقد قاطعوا أعمال اللجنة في بداية الأمر ثم تغيَّر الموقف فيما بعد، وقد أدلى بشهادته أمامها مفتي فلسطين الحاج محمد أمين الحسيني بالإضافة إلى أربعة وعشرين شاهداً.

تقرير لجنة بيل 1937م
قدَّمت اللجنة الملكية البريطانية “لجنة بيل” تقريرها في 7 يوليو 1937م، والذي أرجع انتفاضة المواطنين الفلسطينيين إلى رغبتهم في الاستقلال القومي وإلى مخاوفهم من إقامة الوطن القومي اليهودي واستمرار الهجرة اليهودية إلى فلسطين واستيلاء المستوطنين الصهاينة على الأراضي العربية، فضلاً عن عدم تكافؤ الفرص بين الفلسطينيين واليهود في عَرْض قضيتهم أمام الحكومة والبرلمان في بريطانيا وتشكَّك الجانب العربي في قدرة ورغبة الحكومة البريطانية في تنفيذ وعودها.

وتوصلت اللجنة إلى أن استمرار الانتداب البريطاني على فلسطين يعني مزيداً من التذمر إلى أجل غير مسمى، فهو الذي خلق العداء بين الفلسطينيين واليهود نظراً لتناقُض الالتزامات الواردة في صك الانتداب والتي يستحيل معها تحقيق المطلب الرئيسي لكل طرف دون الإخلال بالالتزام تجاه الطرف الآخر. ولهذا، أوصت اللجنة بأن تتخذ الحكومة البريطانية الخطوات اللازمة لإنهاء الانتداب وتقسيم فلسطين إلى دولتين يهودية وعربية.
الدولة اليهودية
ووفقًا لقرار اللجنة تضم الدولة اليهودية القسم الشمالي والغربي من فلسطين، وتمتد على الساحل من حدود لبنان إلى جنوبي يافا، وتشمل عكا وحيفا وصفد وطبريا والناصرة وتل أبيب.
الدولة العربية
أما الدولة العربية فتشمل القسم الجنوبي والشرقي من فلسطين ويتم ضمها للأردن.
أما الأماكن المقدسة في القدس وبيت لحم فتبقى تحت الانتداب البريطاني.

تقسيم فلسطين – لجنة بيل 1937م
ردود الأفعال تجاه تقرير لجنة بيل
وقد تباينت ردود الأفعال تجاه تقرير لجنة بيل، ففي حين رأت الحكومة البريطانية في مشروع التقسيم أفضل حل للمشكلة، أعرب الفلسطينيون عن رفضهم تقسيم فلسطين أو التنازل عنها، وذلك من خلال مؤتمر بلودان في سبتمبر 1937م.
أما الحركة الصهيونية، فقد أجمع ممثلوها في المؤتمر الصهيوني العشرين على رفض انتقادات لجنة بيل لنظام الانتداب، ولكنهم اختلفوا فيما بينهم بشأن موضوع التقسيم وطالبوا بمزيد من الضمانات للدولة اليهودية.

رفض عربي لتوصيات لجنة بيل
استشاط الفلسطينيون غضبًا نتيجة هذه التوصيات، فهم لم يقبلوا بالوجود الصهيوني في فلسطين أصلاً، فما بالك بإعطاء الصهاينة حق السيادة على التراب الفلسطيني ضمن الدولة اليهودية المقترحة، وهذا الحل أوقع مئات القرى الفلسطينية في نطاق دولة يهودية، وحكم على الآلاف من الفلسطينيين أن يصبحوا أقلية في وطنهم. كذلك يتيح هذا الحل للدولة اليهودية الاستحواذ على 33 من مجموع مساحة البلاد في وقت لم تكن الملكيات اليهودية فيه تتجاوز 6,5 من أراضي فلسطين.

وخشي الفلسطينيون مصادرة أراضيهم داخل الدولة اليهودية من خلال تطبيق الخطوط العامة لسياسة الصندوق القومي اليهودي. كما أنهم تخوفوا من توصية اللجنة بإبعادهم قسرًا إذ لزم الأمر خارج الدولة اليهودية، حتى إن اللجنة نفسها بدا عليها الارتباك عند إيجازها الأفكار الرئيسية في التقرير، حين ذكرت في نقاط أنه بالنظر إلى ما يعنيه إمكان إيجاد ملجأ في فلسطين لعدة آلاف من اليهود المعذبين، فهل تكون الخسارة المترتبة على التقسيم، مهما يكن عظمها، أكثر مما يتحمله الجود العربي؟.

أسباب الرفض الفلسطيني
أولاً: كان الرفض الفلسطيني لأن أراضي الدولة اليهودية حسب المقترح تضم 5,4 مليون دونم، من الأراضي الصالحة جدًا للزراعة، مع أن الصهاينة في ذلك الوقت كانوا يملكون 5,1 مليون دونم فقط.
ثانيًا: سبعة أثمان الأراضي المزروعة بالحمضيات التي يملكها العرب، والتي تمثل عماد الاقتصاد الوطني الفلسطيني تقع ضمن أراضي الدولة اليهودية المقترحة.
ثالثًا: مئات المساجد والكنائس والمعابد والمقامات والمقابر والأوقاف الدينية والمواقع الأثرية الإسلامية تقع في المنقطة اليهودية حسب اقتراح لجنة بيل.
رابعًا: يسكن في أراضي الدولة اليهودية المقترحة 300 ألف يهودي، و 325 ألف عربي، وترى لجنة بيل أن على العرب التخلي عن أراضيهم فيها طوعًا أو كرهًا مع أنهم أكثر من اليهود.
خامسًا: أنكرت اللجنة أدنى الحقوق الوطنية الفلسطينية؛ فالدولة العربية رغم أنها الأسوأ في الأماكن وإمكاناتها الاقتصادية لن تكون دولة مستقلة، بل سيتم ضمها لإمارة شرق الأردن، ويشترط أن تربطها ببريطانيا معاهدات صداقة، وبذلك تكون لجنة بيل قد سمحت بإقامة دولة يهودية وطمست الوجود الفلسطيني نهائيًا.
سادسًا: معظم مخزون المياه الجوفية في فلسطين يقع في الدولة اليهودية، أما الدولة العربية، فتقع أجزاء كبيرة منها في النقب الصحراوي الذي سيتم تنفيذ مشروع ري فيه للإبقاء على حياة سكانه.
سابعًا: ضمنت بريطانيا لنفسها استمرار سيادتها على القدس وبيت لحم والممر الموصل للبحر المتوسط في اللد والرملة.

رد بريطاني عنيف على تقرير لجنة بيل
وردّ البريطانيون على تصاعد المقاومة الفلسطينية بالتصميم على سحقها، وأصدرت أمرها في الحال بحلّ اللجنة العربية العليا واعتقال أعضائها، وشمل قرار الحل أيضًا جميع الأحزاب والمنظمات السياسية الفلسطينية، واعتقل البريطانيون العشرات من الزعماء الفلسطينيين، ونفوا خمسة من أبرزهم إلى جزر سيشيل في المحيط الهندي، وألقوا بآلاف الفلسطينيين في معسكرات اعتقال خاصة، واستخدم البريطانيون طائراتهم ودباباتهم ومدفعيتهم الثقيلة ضد الثوار.

وقد درست لجنة الانتدابات التابعة لعصبة الأمم تقرير اللجنة. ورغم اعترافها بمساوئ الانتداب، إلا أنها اعتبرت قيام دولتين مستقلتين عملاً غير حكيم قبل مضي فترة أخرى من إدارة الانتداب، وأوصت ـ في حالة قبول مشروع التقسـيم ـ ببقاء الدولتين العربية واليهودية تحت نظام انتداب انتقالي إلى أن تبرهن كلٌّ منهما على أحقيتهـا بالاستقلال. وفي سبتمبر 1937م، اتَّخذ مجلس عصبة الأمم قراراً بتخويل بريطانيا في وضع خطة مفصلة لتقسيم فلسطين، وأُجِّل بحث جوهر الموضوع لحين تقديم هذه الخطة.

ويمكن القول بوجه عام بأن تقرير لجنة بيل كان محاولة بارعة لحل مأزق السياسة البريطانية الاستعمارية في المنطقة، فهو يحقق للحركة الصهيونية مطلبها الأساسي في تأسيس “وطن قومي لليهود” ويحاول في الوقت نفسه امتصاص الغضب العربي عن طريق منح الفلسطينيين نوعاً من الاستقلال الشكلي الذي يضمن استمرار السيطرة الاستعمارية البريطانية.

فتح بلاد الصرب

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالإله المقبل13

استمرّ السلطان العثماني مراد الثاني الغازي -رحمه الله- في جهاد الصرب على سنّة آبائه من قبل، فقد بدأ جهاده في شهر رمضان سنة خمس وعشرين وثمانمائة هجرية بمهاجمة القسطنطينية التي استعصت عليه فتركها متجهًا غربًا حتّى وصل إلى بلاد المجر، فجاهد ملكها وألزمه بالتوقيع على معاهدة تقضي عليه بالتخلّي عن أملاكه على شاطئ نهر الدانوب الأيمن بحيث يكون هذا النهر فاصلا بين الدولة العثمانية والمجر.

ولما رأى أمير الصرب المدعو جورج برنكوفيتش أنه لا يقوى على مقاومة المسلمين قبل أن يدفع جزية سنوية قدرها خمسون ألف دوك ذهبي، وأن يقدّم للسلطان فرقة من جنوده وقت الحرب، وأن يزوّجه ابنته، وأن يتنازل للمسلمين عن بلدة كروشيفاس وسط بلاد الصرب، لتكون حصنًا منيعًا تحتمي به القوة الإسلامية المهيمنة على بلاد الصرب.

واستمر هذا الصلح حتى سنة ثلاث وأربعين وثمانمائة؛ حيث عصى ملك الصرب، فكانت عاقبة عصيانه إرسال جيش إسلامي فتح مدينة سمندرية التي تبعد عن بلغراد مسافة خمسة وأربعين كيلاً، ثمّ سار مراد بنفسه فحاصر مدينة بلغراد، ولكن ملك الصرب فرّ منها واستمر الحصار مدة ستة أشهر ولم يتمكن المسلمون من فتحها.

وفى سنة خمس وخمسين وثمانمائة هجرية توفِّيَ السلطان مراد، وخلفه على الحكم في الدولة العثمانية ابنه السلطان محمد الفاتح -رحمه الله- فواصل الجهاد في سبيل الله، وعلى الرغم من أنّ فتحه القسطنطينية هو أعظم أعماله، بل أعظم أعمال العثمانيين إلا أننا لن نتحدث عنه في هذا المقام.

اتجه محمد الفاتح بعد إتمام الفتح إلى بلاد الصرب وفرض عليهم جزية سنوية مقدارها ثمانون ألف دوك ذهبي، وفي سنة ثمان وخمسين وثمانمائة عاد إليها مرة أخرى بجيش كثيف واخترقها من جنوبها إلى شمالها دون أن يلقى أيّة معارضة، ووصل إلى بلغراد فحاصرها مرة أخرى ولم يتمكن من فتحها.

وفي سنة سبع وستين وثمانمائة هجرية حارب محمد الفاتح بلاد البوسنة لامتناع أميرها النصراني عن دفع الجزية، فأسره هو وولده ودانت له جمع بلاد البوسنة، وتدّخل ملك المجر لأخذها من المسلمين فهزموه هزيمة شنيعة وقُتِل معظم جيشه، وكان من نتائج ذلك أن جُعلت البوسنة ولاية من ولايات الدولة العثمانية، وأسلم أغلب أهلها وانضم ثلاثون ألفًا من شبابها إلى جيش الدولة العثمانية بعد إسلامهم.

وتوفِّيَ السلطان محمد الفاتح سنة ست وثمانين وثمانمائة هجرية بعد أن حقّق للإسلام انتصارات عظيمة في أوروبا، وانتشر الإسلام على يديه في مناطق شاسعة منها، وانشغلت الدولة العثمانية فترة من الزمن بالحروب التي أثارها الصفويون الشيعة على حدودها الشرقية، وقد ثبت عن طريق الوثائق التاريخية أنّ ذلك بتدبير من الأوروبيين النصارى لإشغال العثمانيين السنة وإيقاف زحفهم في أوروبا، ثم انتهت الحرب الصفوية العثمانية بالصلح، ثمّ عادوا إلى الفتح ونشر الإسلام من جديد.

كان ذلك في عهد السلطان سليمان القانوني -رحمه الله-؛ ففي شهر شعبان من سنة سبع وعشرين وتسعمائة هجرية أقدم ملك الصرب على قتل سفير المسلمين لديه، فاستشاط السلطان لذلك غضبًا وأمر بتجهيز الجيوش الإسلامية وجمع كل ما يلزم من المئونة والذخائر وسار هو بنفسه لمحاربتهم، وأرسل فرقة إلى بلغراد فحاصرها، ولم يدم الحصار طويلاً إذ سرعان ما استسلم أهلها في الخامس والعشرين من رمضان، ودخلها السلطان فصلّى في إحدى كنائسها صلاة الجمعة.

وصارت هذه المدينة -التي كانت أمنع حصن للنصارى ضد تقدم الدولة الإسلامية- أكبر مساعد لهم على فتح ما وراء الدانوب.

وأعلن عن هذا الانتصار العظيم إلى جميع الولاة وملوك أوروبا، وعاد السلطان سليمان القانوني إلى عاصمة الدولة الإسلامية إسلامبول، وأرسل إليه الملوك والرؤساء يهنئونه بهذا الفتح العظيم.

وهكذا استطاع المسلمون إخضاع ما يُعرف سابقا بيوغسلافيا وحاليًّا بصربيا، وظلّت تابعة لهم سنين عديدة حكمها المسلمون بالعدل والرحمة، مما حبّبهم إلى رعاياها فاعتنق كثير منهم الإسلام عن رغبة وبحرية، وظلّوا عليه إلى وقتنا الحاضر، حيث يعمل النصارى على قتلهم أو طردهم من تلك البلاد مع أنّها بلادهم وديارهم.

أتاك الربيع..

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالإله المقبل13

في إحدى أماسي أكتوبر من عام 2010، كان كاتب هذه الأسطر في إحدى الضواحي الخلابة بجوهانزبيرغ، في جنوب إفريقيا. كنت في زيارة صديق أوتي فهماً وعلما وتأملا في خصال الليالي وتقلباتها، على حداثة سن وطراوة عود. وكان صديقي هذا من الجوالين “الذين نقبوا في البلاد واطلعوا على أسرار الله في العباد ” –حسب تعبير أبي حيان التوحيدي- مما أكسبه فهما غواصا وفكرا وقادا. ما إن اطمأن بي المجلس في بيته حتى التفت إلي سائلا:
– ها قد أظلتنا عشريةٌ جديدة، فكيف ترى مستقبل أمتنا فيها؟
وبما أنني لم أرزق فهما قادرا على تجاوز الأطر الظاهرة، فقد أجبته بأن العشرية القادمة ستكون صورة للعشرية السابقة لها في كثير من الأوجه.. وتحدثت على هذا النسق، وأذكر أني لم آت بشيء.
كان صديقي –واسمه أحمد دولو، وهو صومالي يحمل جنسية جنوب إفريقيا- يستمع بهدوئه العادي متأملا فيما أقول، وما إن أنهيت كلامي حتى انطلق قائلا:
– أما أنا فأرى أن هذه العشرية ستكون عشرية التغيير والثورات. لن يأتي عام 2020 وعلى عروش السلطة أي من المستبدين الذين ترى اليوم… كلهم سيسقطون بثورات شعبية أو بطرق أخرى غير تقليدية.
ورغم قوة عارضة صديقي وتماسك حججه إلا أني رفضت تحليله المجنح.
بعد هذه الواقعة بأسابيع، وفي يوم 26 من نوفمبر، من عام 2010 نزلت مطار طرابلس الدولي قادما من جوهانزبيرغ لتغطية القمة الإفريقية الأوربية المنعقدة بطرابلس. عندما وصلت الفندق لاحظت أن رجل مخابرات قميء المنظر يتتبع خطاي بشكل لافت مكشوف. قلستْ نفسي وتعكر مزاجي لأني قادم من بلاد تنعم بالحرية، وقد نسيت أن هذه الصور المقيتة ما زالت موجودة.
قضيت في ليبيا أياما أشبهت السنوات. كنت أستيقظ في الصباح الباكر-على غير عادتي- لأتمشى على شارع عمر المختار، وكانت نفسي تذهب حسرات للطابع العام للمدينة وساكنيها. خيل إلي أن الناس سالون لاهون، يمتصون كل الإهانات السياسية من خلال مص خراطيم الشيشة التي كانت مقاهيها تضج بالفارغين بعيد صلاة الفجر. كنت أفكر في فرضية صديقي أحمد وأنا أرمق المقاهي، محدثاً نفسي بأن من ينتظر الثورة من هؤلاء القوم إنما ينتظر من الماء جذوة نار.
بعد هذا بثلاثة أشهر بالتمام والكمال، وجدت نفسي وسط الثوار الليبيين ورأيت الرجل منهم يسقط معرّيا صدره للدبابات، وإذا ما سقط قتيلا ينحني أحد الناس ويمرغ يديْه في دمه المراق تبركا بدم الشهادة!.. ثم يتقدم للموت هو الآخر!
كأن شعارهم قول الأعرابي القديم
نُعرّضُ للطعانِ إذا التقينا * وُجُوهاً لا تُعَرّضُ للسِّبابِ!
كنت أرمق المشهد ويظل سؤال يرفرف في ذهني: كيف طمرت هذه الشجاعة كل هذه الفترة ولماذا أسأنا الظن بأمتنا العظيمة؟
أسأنا بها الظن أمس… وها نحن نسيء الظن بما حققته من نيل للحرية اليوم.
أوهام الأمن المفقود
يخيل إلي هذه الأيام، وأنا أسمع كلام بعض المتأثرين بتفاصيل تعثرات سير دول الربيع إلى التحرر، أن هناك فئاما من الناس يشككون في محدودية ثمار الربيع. إن من يشكك في ثمار الربيع يحتج بأن هناك انفلاتا أمنيا هنا، وتراخ اقتصاديا هناك.
أزعم أن العنف وانعدام الأمن كان أشد أيام المستبد… الفرق فقط أنه كان بعيدا عن الأضواء.
الفرق بين العنف الذي نشاهده اليوم على الشاشة فننزعج منه، وبين “الأمن” الذي كان في ظل بعض المستبدين فرق لطيف. إن العنف الذي نشاهده الآن هو جزء ضئيل مما كان يجري داخل سجون الدول “الآمنة” تحت حكم المستبد. كان أسوأ من عنفنا اليوم هذا يحدث دائما وراء الجدران الصامتة فتتكسر عظام وتئن أرواح… لكن دون أن ندري… ودون فائدة مرجوة.
أما الألم اليوم فهو ألم مخاض ستفيق بعده الأم الرءوم لتتأمل حماليق ولد تقر به العين، وتصان بميلاده الكرامة.
لقد اعتقل نظام مبارك صديقا لي لشبهة عابرة، فعاش في سجنه زمنا وهو مغمض العينين 24 ساعة- حتى داخل زنزانته المظلمة- مغلول اليدين، يصفع، ويصعق الناس بالكهرباء بجانبه. تخيلوا لو أننا كنا نرى هذه الأفعال على شاشة التلفاز؟ هل كنا سنشعر بالأمن في ظل ذلك النظام؟
وهل سنفتقد ذلك الأمن بسبب سرقة ونهب عابرين سيعقبهما تحرر وسيادة قانون؟
المشكلة أن العنف كان يقع لكن في الظلام … فنتمتع بالشعور بالأمن الزائف في بيوتنا لأن صوت الضحية لا يصل إلينا.
إن كون صوت صرخات جارك وهو يجلد لا تصل إليك لا يعني أنه “آمن”.
لقد مر مئات الآلاف من شباب أمتنا بسجون الطغاة وقتل عشرات الآلاف، لكن دون أن يظهر ذلك على الشاشة –حصد حافظ الأسد في أيام 30 ألفا في حماة، وهو ما لم يحصده خلفه حتى اللحظة في الملحمة المجيدة الجارية- وكان بعض الناس يمجد “الأمن” في ظل الأسد!
كنا في فراغ
قبل موسم الربيع، كنا في العالم العربي ننظر لما يدور في البلدان الأخرى على أنه محوري وهام ويمكن أن ينقذنا. هل تذكرون كيف تابع العرب انتخاب أوباما وكيف عول عليه سذجهم باعتبار انتخابه طريقا لاحباً لتغير السياسة الأميركية في المنطقة مما قد يساهم في حل القضية الفلسطينية؟ هل تذكرون خطابه في القاهرة وكيف ملأ حياة كانت فارغة يومها؟
تصوروا الآن لو أن رئيسا أميركيا انتخب وأعلن أنه سيلقي خطابا عن قضية الشرق الأوسط في القاهرة… من سيهتم؟
هل تذكرون كيف كنا نرنو إلى الأتراك باعتبارهم مخلصين وتستخفنا أشعار رجب طيب أردغان لأننا نعيش في صحراء لا تنبس فيها شفةٌ وينِدُّ فيها جمل ولا يخفق فيها برق؟
هل تذكرون مركزية الحادي عشر من سبتمبر في تفكيرنا قبل ربيع العرب؟
كان أي تحليل يكتب ينطلق من تلك الحادثة. وكأن الليالي لا تلد إلا ما له صلة بالحادي عشر من سبتمبر.. أين هو الآن؟
فلا أحد الآن يحلل الأحداث ويربطها بناء على الحادي عشر من سبتمبر، ولا أحد يجلس ينتظر أوباما ليأتيه في بيته وليحرره من المستبد الجاثم، ولا أحد يهتم كثيرا بمجاملات أردغان.
لقد كان الدهر ساكنا في بلادنا العربية، فلا أحداث ولا تغيير ولا أمل ولا حلم. أما اليوم فإن كل يوم يحمل صراعا وقراعا ولغطا وشغبا وتضحية وخيانة، والحمد لله.
أنا مولع بهذا الزمن شاكر له، يستخفني سعيه، فقد كان زمننا قبلُ ساكنا خاملا ميت الروح…
عجبتُ لسعيِ الدهر بيني وبينها… فلما انقضى ما بيننا سكن الدهرُ!
ولعل من الأدلة على أن دنيانا تغيرت، السقف العالي الذي أصبح الجميع يتبناه.
ارتفع السقف
ألا تلحظون أن الناس أصبحوا –لما اجترحت أيديهم من معجزات- يتصورون أن كل شيء يمكن إنجازه وجهَ يوم؟ يظنون في تونس أن الحكومة تستطيع أن تمحو البطالة بقرار، ويحسبون في مصر أن خمسين عاما من حكم عساكرهم – المتخلفين عسكريا وعقليا- يمكن أن تمحى في يوم. هل تدرون ما السبب؟
السبب هو أن العقل الباطني للعرب رأى المعجزات تتحقق بفعل يمينه في يوم وليلة منذ سمع الصيحة الخالدة تدوي في جنبات القيروان: “الشعب يريد إسقاط النظام”.
ثم سمعت الأمة الصرخة المباركة لأول دكتاتوريين يُغرغران بضغط الدهماء المعصومة: “لا رئاسة مدى الحياة” (بن علي) “لم أكن أنتوي الترشح” (مبارك)…
ثم ارتفع السقف لأن الأمة سمعت مبارك –رغم جهاد العسكر- يناديه القاضي:
– المتهم: محمد حسني السيد مبارك!
– حاضر يافندم!
لأنهم رأوا علي صالح مشويا يعالجه أربابه ويبحثون له عن مخرج ومأوى…
تغير ما بالأنفس..
لا أتأمل تغيير ما بالأنفس الذي جاء به الربيع العربي حتى أجدني أنشد أبيات البحتري وكأنها تتكلم عن ربيعنا هذا…
أتاك الربيع الطلق يختال ضاحكا * من الحسن حتى كاد أن يتكلما…
لم يكد يتلكم بل تكلم…
تكلم بكلام فصيح قال من خلاله إن الخوف تجارة إذا بارت لا يمكن أن تستعيد بريقها من جديد..
وتكلم ثم قال فيما قال إن الأمة أصبحت “تريد”… هي ذاتها..
لا تنتظر عسكريا أغبر يطل مصطنعا إنقاذها…. لا. لقد… عرفت الطريق وستلزمه حتى يسقط أقبح جيل قاد الأمة منذ برزت على مسرح التاريخ حتى اليوم.
وربك أعلم…

مكانة الحضارة الإسلامية و خصائصها

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالإله المقبل13

أجمع العلماء علي أن الحضارة الإسلامية تحتل مكانة رفيعة بين الحضارات الكبرى التي ظهرت في تاريخ البشرية، كما أنها من أطول الحضارات العالمية عمراً، وأعظمها أثراً في الحضارة العالمية، من خصائص الحضارة الإسلامية أنها إنسانية النزعة والهدف، عالمية الأفق والرسالة، فالقرآن الكريم أعلن وحدة النوع الإنساني رغم تنوع أعراقه ومنابته ومواطنه فى قوله تعالى: (يا أيها الناس إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم).
إن القرآن حين أعلن هذه الوحدة الإنسانية العالمية على صعيد الحق والخير والكرامة جعل حضارته عقدًا تنتظم فيه جميع العبقريات للشعوب والأمم التى خفقت فوقها راية الفتوحات الإسلامية؛ ولذلك كانت كل حضارة تستطيع أن تفاخر بالعباقرة من أبناء جنس واحد وأمة واحدة إلا الحضارة الإسلامية فإنها تفاخر بالعباقرة الذين أقاموا صرحها من جميع الأمم والشعوب، فأبوحنيفة ومالك والشافعى وأحمد والخليل وسيبويه والكندى والغزالى والفارابى وابن رشد….. وأمثالهم ممن اختلفت أصولهم وتباينت أوطانهم، ليسوا إلا عباقرة قدمت فيهم الحضارة الإسلامية إلى الإنسانية أروع نتاج الفكر الإنسانى السليم.
وإذا كانت الحضارة الرومانية قد اشتهرت بالطرق التى تربط بين أرجاء الإمبراطورية، فإنها قد عرفت كذلك بالحواجز التى أقامتها بين الفئات المختلفة من رعاياها، إذ فرّقت فى الحقوق بين سكان روما وسكان سائر إيطاليا ثم بين الرومان وسائر رعايا البلاد المفتوحة، وبين الذين خضعوا للإمبراطورية ومن كانوا خارجها الذين أطلقت عليهم “برابرة”.
أما حضارة الإسلام فقد أزالت الحواجز والمسافات بين البشر وأمامهم على الأرض سواءً بسواء، وكانت مراكز البريد تعين على التنقل فى أرجاء دار الإسلام المترامية، ووجدت “الأربطة” أو”الرباطات” بفعل الجماعة ذاتها فيما بعد تستضيف العابرين وتقدم لهم ولدوابهم الطعام والمأوى، ويذكر الإصطخرى -الجغرافى المسلم- مثلاً عن مسلمى ما وراء النهر: “وأما سماحتهم فإن الناس فى أكثر ما وراء النهر كأنهم فى دار واحدة ما ينزل أحد بأحد إلا كأنه داخل دار نفسه…”، وهكذا أزالت الحضارة الإسلامية الحواجز النفسية والمكانية بين أبنائها فى مختلف أنحاء العالم فكانت بحق إنسانية عالمية.
وهي حضارة إنسانية:
تقرر العدل والمساواة بين الناس دون النظر إلى ألوانهم أوأجناسهم، فبعد أن أعلن القرآن مبدأ المساواة (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) أصبحت عدالة الإسلام وحضارته للإنسان بإطلاق أيا كان أصله العرقى، أواللغوى، أوطبقته، أوعقيدته..
وقد وقف الرسول (صلى الله عليه وسلم) فى حجة الوداع ليعلن فى خطابه الخالد: (الناس من آدم وآدم من تراب، لا فضل لعربىّ على أعجمىّ ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى). ولم تكن هذه المساواة لتقف عند حدود المبادئ التى تعلن فى مناسبات متعددة كما يقع من زعماء الحضارة الحديثة اليوم بل كانت مساواة مطبقة تنفذ كأمر عادى لا يلفت نظرًا، ولا يحتاج إلى تصنع أوعناد، فقد نُفذت فى المساجد حيث كان يلتقى فيها الأبيض والأسود على صعيد واحد من العبودية لله عز وجل والخشوع بين يديه، ونفذت فى الحج حيث تلتقى العناصر البشرية كلها من بيضاء وملونة على صعيد واحد وبثياب واحدة من غير تمييز بين أبيض وأسود أواستعلاء من البيض على السود، بل إننا لنجد ما هو أسمى من هذا، فلقد أمر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بلالا الحبشىّ يوم فتح مكة أن يصعد فوق الكعبة ليؤذن من فوقها ويعلن كلمة الحق، والكعبة هى الحرم المقدس عند العرب فى الجاهلية وهى القبلة المعظمة فى الإسلام. ولم يرض رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لأبى ذر وهومن أكرم صحابته أن يسب آخر فيقول له يا ابن السوداء بل قرَّعه وقال له: (أعيَّرته بسواد أمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية!) وهذا حد فاصل بين العلم والجهل، بين الحضارة الإنسانية والحضارة الجاهلية. ولقد كان فى الحضارة الإسلامية المتميزون فى كل ميادين العلم والأدب وهم سود البشرة لم يمنعهم سوادهم أن يكونوا أدباء ينادمون الخلفاء كالشاعر نصيب أوعلماء أجلاء يتخرج على يديهم الألوف من البيض كالفقيه الجليل عطاء بن أبى رباح. وفى تاريخنا عشرات المواقف والأمثلة للمساواة العنصرية فى ظل الحضارة الإسلامية.
وهي حضارة اقتصادية:
كما نعرف أن دين الإسلام بدعوة خاتمة لكل الرسالات والدعوات, ونزل القرآن مصدقًا لما بين يديه من الكتب السابقة ومهيمنًا عليها, وجاء الرسول صلى الله عليه وسلم كخاتم المرسلين بالرسالة العالمية الجديدة للبشر كافة والعالمين أجمعين، لذلك فقد اقتضت عالمية الرسالة الخاتمة أن تكون جامعة مانعة جامعة لها خير يحتاج إليه الإنسان في دنياه وأخراه, ومانعة لها ما يؤذيه ويكدر صفو حياته ويعطل سيره لأخراه, فجاء الإسلام بدعوة دين ودولة ودعوة حياة اجتماعية وسياسية واقتصادية وفكرية ووضع أسس العقيدة النقية ونظم العلاقات على كل المستويات لتنتج لنا في النهاية مجتمعًا مسلمًا متميزًا في كل شئ عقديًا وسلوكيًا وأخلاقيًا واجتماعيًا واقتصاديًا وفكريًا وحضاريًا.
ومن أبرز ما تميزت به الحضارة الإسلامية والتي تمثل تفاعل كافة القيم والتعاليم الإسلامية مع المجتمع البشري هي تلك النظم التي قامت عليها تلك الحضارة الإسلامية والتي شملت أمور الحكم والإدارة والسلام والحب والاجتماع والاقتصاد وكل ما يتصل بتنظيم أمور الدولة المسلمة التي هي المحتوي العلمي لقيم الحضارة الإسلامية, وحديثنا في هذا المقام عن النظام الاقتصادي في الحضارة الإسلامية.
* بيت المال ‘وزارة المالية’:
تعتبر الحضارة الإسلامية الرائدة في مجال تنظيم الأموال الاقتصادية والموارد المالية للأمة الإسلامية وعرفت البشرية أول وزارة للمالية على نفس النمط الذي يسود الآن في أرقى الدول المتحضرة وهذه الوزارة الرائدة كانت ‘بيت المال’, ويعتبر الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه أول من أنشأ بيت المال بسبب الفتوحات العظيمة التي تمت في عهده والخيرات التي تدفقت على الدولة المسلمة, فقد روى ابن سعد في طبقاته أن أبا هريرة قدم على عمر من البحرين فلقيه في صلاة العشاء الآخرة فسلم عليه ثم سأله عن الناس ثم قال لأبي هريرة: ماذا جئت به؟ قلت: جئت بخمسمائة ألف درهم, قال: ماذا تقول؟ قلت: مائة ألف، مائة ألف، مائة ألف حتى عددت خمسًا، فقال عمر، إنك ناعس فارجع إلى أهلك فنم, فإذا أصبحت فأتني، قال أبو هريرة: فغدوت إليه فقال: ماذا جئت به؟ قلت: جئت بخمسمائة ألف درهم, قال عمر: ‘أطيب’ قلت: نعم لا أعلم إلا ذلك، فقال عمر للناس: إنه قد قدم علينا مال كثير, فإن شئتم أن نعده لكم عدًا وإن شئتم أن نكيله لكم كيلاً، ونشأت من يومها فكرة بيت المال.
ولقد أنشأ عمر بيت المال الفرعي في كل ولاية يكون خاصًا بموارد ومصارف تلك الولاية وما يزيد يرد على بيت المال العام أو المركز الرئيس بالمدينة, وجعل له أمينًا مستقلاً في عمله عن الوالي وعن القاضي وهو ما عرفه العالم بعد ذلك باسم ‘مبدأ فصل السلطات’.
وتعالوا سويًا نقترب من بيت مال المسلمين لنتعرف على موارد ومصارف هذا البيت والذي يمثل للنظام الاقتصادي للدولة الإسلامية، وما يوضح عظمة الحضارة الإسلامية وريادتها في هذا المجال وغيره.
موارد بيت المال:
تنقسم موارد بيت المال في الدولة المسلمة إلى عدة موارد ومصادر تحت القاعدة الأصولية العامة [إن الأصل في الأموال الحرمة وما أبيح أخذه يكون بنص].
وهي القاعدة المستفادة من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطبة الوداع [[إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام …]] وهذه الموارد كما يلي:
[1] أولاً: الزكاة: وهي ركن من أركان الإسلام وفريضة محكمة وثابتة إلى قيام الساعة وهي مقدار معلوم من مال الأغنياء يرد إلى إخوانهم الفقراء وهي أرقى صور التكافل والتراحم الاجتماعي والذي لا يعرف نظيره في أي مجتمع من المجتمعات السابقة أو اللاحقة، والمال الواجب فيه الزكاة، أربعة أقسام، [1] زكاة النقد [2] زكاة السوائم والأنعام والماشية [3] زكاة الزروع والثمار [4] زكاة الركاز والمعادن.
وهذا المورد من موارد بيت مال الدولة المسلمة يتميز عن باقي الموارد بتحديد مصارفه وأوجه إنفاقه وهي المذكورة في الآية رقم 60 من سورة التوبة.
[2] ثانيًا: الخراج: لما فتح المسلمون بلاد العراق وأزالوا دولة الفرس المجوس منها وأيضا فتحوا الشام والجزيرة وطردوا الروم منها طلب كثير من كبار الصحابة من الخليفة عمر بن الخطاب أن يقسم الأرض المفتوحة على الفاتحين والمجاهدين كما قسم عليها الغنائم المنقولة من سلاح ومتاع ولكن عمر رأى أن تكون الأرض المفتوحة فيئًا لعموم المسلمين على مر العصور, واستند في رأيه على آيات الفيء الموجودة في سورة الحشر, وأية الفيء هذه لعموم المسلمين حتى في العصور القادمة، وألح عليه الصحابة في تقسيم الأرض ولكنه أبى وأيده في رأيه عبد الرحمن بن عوف وشرح الله عز وجل صدر الفاروق لهذا الرأي الذي كان فيه الفلاح والصلاح للأمة المسلمة، وجعل عمر هذا الأرض عليها مقدار معين من المال تدفعه كل عام وهو ما عرف بالخراج، والأرض الخراجية تنقسم إلى نوعين هما:
1ـ الأراضي التي فتحت عنوة وبقى عليها أهلها دون أن يدخلوا في الإسلام، يفلحونها لحاجة الدولة لخبراتهم على أن يدفعوا خراجها وينتفعوا بالباقي مقابل عملهم في الأرض.
2ـ الأراضي التي فتحت صلحًا واتفق المسلمون مع أهلها على أداء خراجها مقابل أن تبقي في أيديهم يتوارثونها طالما يدفعون خراجها ولا يستطيع أحد أن يأخذها.
وكان الخراج أحيانًا في صورة مال أو حاصلات زراعية وكان يجبى بعد الحصاد, وحولُه شمسي لا قمري لارتباط الزراعة بالنظام الشمسي والفصول الأربعة.
مع ملاحظة حقيقة هامة تضمن استمرارية الخراج كمصدر هام من مصادر الأموال في الدولة المسلمة وهي أن الخراج لا يسقط عن الأرض أبدًا حتى ولو أسلم أصحابها، ويعتبر كتاب الخراج للقاضي أبي يوسف صاحب أبي حنيفة من أفضل وأول ما كتب في مصادر بيت مال الدولة ومصارفه كتبه بناءً على طلب الخليفة العباسي هارون الرشيد الذي أراد ضبط الأمور المالية في خلافته.
كيف تعامل عمر مع أرض الخراج؟
لما اتضح لعمر رأيه في الأرض المغنومة أرسل من قبله رجالاً لمسح أرض السواد ‘بالعراق’ فبلغت مساحتها 26 مليون جريب، والجريب مساحته تقدر بألف ومائتان متر، أي أن كل 3,5 جريب يوازي فدان زراعي الآن، وجعل عمر على كل جريب مقدارًا معينًا من الدراهم يختلف من جريب لآخر حسب طبيعة الزراعة أو الثمار والزروع, فالكرم والنخل تختلف عن القمح, والشعير عن القطن عن القصب وهكذا, وبلغت قيمة خراج أرض السواد قبل وفاة عمر بعام واحد مائة مليون درهم.

بين النكبة الفلسطينية والنكبة الأندلسية

كاتب الموضوع الأصلي: سعد السهلي 20

النكبة الأندلسية
في يوم الرابع من أبريل 1609م، أصدر الملك فليبي الثالث قراره القاضي بطرد المورسكيين من إسبانيا. هكذا أُجبِر الأندلسيون، الذين دانوا قبل قرون بالدين الإسلامي، على المغادرة حاملين معهم ما تسعه أيديهم وتتحمله ظهورهم. مسلسل الإبادة ضد هذا الشعب بدأ مع تسليم غرناطة سنة 1492م، و استغرق 120 سنة للوصول إلى “الحل النهائي”.

يؤكد البعض أن حوالي 300 ألف مورسكي قد طُردوا، بينما يقول آخرون إن العدد محصور بين 500 ألف و 3 ملايين. وإذا أخذنا الوثائق الموجودة كمرجع، نجد أنه في وادي المنصورة بألمرية مثلا، طُرد 13 ألف شخص من أصل 18 ألفًا الذي هو عدد سكانها الإجمالي، أي 81 % تم نبذهم حرفيًّا في البحر: لقد حُمُِلوا في السفن وطُردوا، بل و عذِّبوا ، استُعبدوا وقُتِلوا، أغلبهم مات إما من المجاعة أو من المرض أو الحزن. هكذا أصبح من الضروري توطين أناس قادمين من باقي شبه الجزيرة أو من أوربا.

طرْد المورسكيين سبقته 100 سنة من الإعدامات، التهجيرات الداخلية، النزوحات الجماعية، اجتياحات للقرى، التعذيب، الاسترقاق، مصادرة الممتلكات، فرض ضرائب إضافية، وأعظم إذلال قد يتعرض له شعب مُنع من إبداء أدنى مظاهر وجوده.

لقد مُنِع المورسكيون من طريقة لبسهم الحرير الملون، ومن التحدث بلُغَتهم العربية، من الكتابة بالأعجمية الخميادو، من أكل الخضر والفواكه، من التطهر في الحمامات العربية وغسل اليدين قبل الطعام، من التسمي بأسمائهم، من حيازة السكاكين، من التنقل، من حيازة الكتب العربية، من الرقص رقصة السمُرة…، لقد مُنِع، بقوة القانون، كل تعبير يُذكِّر بثقافتهم الأندلسية وحَدُّوا منه بفرض أكثر العقوبات قسوة.

لقد تمت هذه الإجراءات بالاعتماد على شبكة مكونة من المباني، القلاع، الجواسيس، الأساقفة والجيش، وكانوا يُصدرون باسم محكمة التفتيش المقدسة المراسيم وينفذون أفظع الأحكام، وعمليات التعذيب والجرائم. لقد شكل المورسكيون تهديدًا لأمن “دولة إسبانيا الكاثوليكية”، فكان من الضروري معاقبتهم حتى القضاء عليهم.

لقد بلغ العنف مبلغا لم تعرف له جرائم إسبانيا ضد الإنسانية مثيلا. الإمبراطورية الإسبانية نفسها عانت من تبعات هذه المجزرة التي ألحقت خسائر كبيرة كانت بداية اضمحلال سلطانها. لكن الإبادة كانت قد ارتُكبت، و16 % من ساكني إسبانيا قد قُتِلوا. واليوم، بعد 4 قرون، لم يُعِر مقترفو تلك الجريمة إلا اهتمامًا قليلا لاستحضارها أو دراستها؛ إنها جريمة ارتُكِبت ضد الثقافة الأندلسية وعظمتها وغناها، وضد كل من عاش منذ الأزل فوق أرضها.

النكبة الفلسطينية
يوم الخامس عشر من مايو 1948م تم إعلان قيام دولة الكيان الصهيوني، ومعه قرار طرد الفلسطينيين الذين كانوا يعيشون هناك. أكثر من 700 ألف طُردوا من أرضهم و قُتِل الآلاف.

إنها النكبة الفلسطينية، حيث 85 % من السكان اضطروا للمغادرة حاملين معهم ما تسعه أيديهم وتتحمله ظهورهم. أكثر من خمسمائة قرية عربية دمّرت عن بكرة أبيها؛ واليوم، نتيجة هذا النزوح الجماعي وهو أكثر من 5 ملايين فلسطيني يعيشون مشتتين في جميع أرجاء العالم. لقد أُنشِئت مستوطنات جديدة على أنقاض القرى العربية وخُطّت أسماؤها بالعبرية مُزِيلةً من الذاكرة اسمها العربي الأصلي، وعُمِّرت بأشخاص “دمهم يهودي” جاءوا من أوربا الوسطى، والولايات المتحدة ومن جميع أصقاع العالم. والغالبية الساحقة من الفلسطينيين اليوم لاجئون ما فتئوا يطالبون بحقوقهم والعودة إلى أرضهم التي طردوا منها.

أما أولئك الذين استطاعوا البقاء، فإن دولة الكيان الصهيوني (المسماة إسرائيل) كانت ومازالت تصدر القرارات المبنية على كونها دولة “يهودية” وحصرية لليهود. لقد حُدّ تحركهم في مناطق محددة، صودِروا، قُتِلوا، استُعبِدوا، أُهينوا، ضُرِبوا، حُبسوا خلف جدار فاصل في مراكز إبادة بكل ما تحمل الكلمة من معنى، مُنع عنهم الماء والدواء والتعليم، وقُصِفوا بأسلحة الدمار الشامل. إن الفلسطينيين يتعرضون للتمييز بسبب دينهم، لغتهم، أسمائهم، بسبب كتابتهم، ألقابهم، عاداتهم، وكل تعبير لثقافتهم الفلسطينية.

إن توجيهات الصهيونية معروفة وليست في حاجة للذكر. لقد وضعوا جهازًا كاملا للمراقبة وللاحتلال، مشرعين التعذيب، الاختطافات، التصفيات، الطرد، المصادرات…إنهم يتوفرون على نظام مكون من القوانين، المباني، السجون، الحيطان الفاصلة، الجواسيس، إضافة لجيش يقوم بأبشع العقوبات ضد الفلسطينيين. إن وجود الفلسطينيين يُعرِّض أمن دولة إسرائيل اليهودية للخطر، ومن الضروري القضاء عليهم، ولو عبر إلقاء القنابل، التي تزن الأطنان، على منازل تلجأ إليها العائلات.

لقد بلغ العنف مبلغًا لم يعُد يُعرف معه دولة نكثت مثل هذا العدد من القرارات الأممية وارتكبت هذا الكم الهائل من الجرائم ضد شعب أعزل. إن الإبادة تُرتكب الآن، ومرتكبوها لا يعيرون أدنى اهتمام لعلم الآخرين بها أو لبقاء أدلة على تصفيتهم؛ إنها جريمة ضد الثقافة الفلسطينية وثرائها، وضد من عاشوا منذ الأزل فوق أرضها.

النكبة الفلسطينية والنكبة الأندلسية
إن محاكم التفتيش والصهيونية يمثلان أيديولوجية تستعمل أكثر الأسلحة فتكًا لإبادة شعب أعياه التعذيب، الرق، الفقر و الذل؛ بصريح العبارة ينفذون مخططًا للإبادة، باسم الكاثوليكية واليهودية، وبأمر من محكمة التفتيش المقدسة والمنظمة العالمية الصهيونية؛ إنها نفس الاستراتيجيات، نفس الهدف ونفس الذريعة: أمن الدولة، المبنية والمؤسسة وفق قوانين طائفية دينية معتمدة على مبدأ “نقاء الدم”، وفي كلتا الحالتين في مواجهة شعب عربي الثقافة.

قبل 400 سنة أُبيد المورسكيون، واليوم جاء الدور على الفلسطينيين؛ شعبانِ يتقاسمان نفس اللغة، نفس الكتابة، نفس التقاليد ونمط العيش، وللأسف نفس المعاناة الكبيرة من الإبادة، وهذا لأنهم وُلدوا وتواجدوا على أرضهم. شعبانِ كلاهما ضحة عنصرية الدولة التي لا يدينها إلا القليل رغم وضوحها وضوح الشمس.

في ظلال النكبة

كاتب الموضوع الأصلي: سعد السهلي 20

دأبت المؤسسات والمنظمات الفلسطينية المهتمة بحق العودة على تنظيم الفعاليات والأنشطة، وإجراء الدراسات وإصدار التقارير والنشرات، وإعداد الكتب والمؤلفات وعقد المؤتمرات، ولاسيما في الفترة الأخيرة التي اتسم العمل الرسمي الفلسطيني فيها بالضعف إزاء موضوع اللاجئين والعمل على تحقيق حق العودة.

فخلال مرحلة ما قبل أوسلو كان تعريف القضية الفلسطينية يقترن بحق العودة لكثيرين حول العالم، إلا أن الأمر بعد ذلك أصبح مختلفًا؛ فتعريف القضية بدأ يأخذ المنحى الدَّوْلاني، وبالتالي أصبح الفلسطينيون من حقهم أن تكون لهم دولة ومن حقهم أن يعيشوا جنبًا إلى جنب بأمن وسلام مع جيرانهم على أرضهم التاريخية!!

إلا أن ذكر حق العودة واللاجئين ومأساة الاقتلاع والأرض المسلوبة والمال المنهوب عبر كل هذه الحقبة الاحتلالية الاستعمارية غدا ضعيفًا، ولا يكاد يذكر على ألسنة الفاعلين في القضية وحتى المتعاطفين معها في العالم، وإذا ذُكر انحدر الحديث فيه إلى ضرورة وجود حل عادل لقضية اللاجئين الفلسطينيين!! وليس حق عودتهم إلى ديارهم وأرضهم التي اقتلعوا منها، أليست هذه هي الواقعية؟!

حقيقة القضية الفلسطينية
الحقيقة أن الوطن هو أصل القضية قبل الدولة، والأرض كذلك أصلها قبل السلطة، وما كان ينبغي أن ينحدر خطابنا الرسمي إلى درجة الحديث عن الدولة قبل العودة وقبل الأرض، وإلا فقد كانت الدولة أمرًا متاحًا بين عامي 1948م و1967م عندما كانت الضفة والقطاع بأيدٍ عربية لا صهيونية.

إن هذا الانحدار شكّل تمهيدًا لدعوات ومشاريع تسويات فلسطينية صهيونية رسمية وغير رسمية ضيعت حتى هذا الحق ودفعت الرئيس الأمريكي نفسه لنفيه وطيِّه، فالعودة تعني نهاية دولة الكيان الصهيوني، كما أنها تتنافى مع يهوديتها، وهو ما أكده البيت الأبيض وتجاهله الآخرون بدعوى الواقعية والممكن، وما رسالة التطمينات الأمريكية لشارون وتصريحات بوش الأخيرة في رام الله إلا دفنًا حتى للقرارات الدولية، وعلى رأسها القرار 194 الصادر عن الجمعية العمومية للأمم المتحدة بدعوى عدم فعالية هذه القرارات في إنهاء الصراع، مؤكدًا في الوقت ذاته ضرورة اعتماد رؤيته وخريطة الطريق كمرجعيات بديلة تشكل أساسًا للحلّ بين الشعبين.

وفي الوقت الذي يقف على رأس الهرم الرسمي الفلسطيني أشخاص لهم رؤيتهم في حل الصراع، وحتى أدواتهم التي لا يخفى أنهم اختلفوا بها حتى مع الرئيس الراحل ياسر عرفات أثناء مفاوضات كامب ديفيد عام 2000م، فضلًا عن اختلافهم مع فصائل وطنية وإسلامية أخرى فإن الوضع يغدو مقلقًا.

وفي ظل علاقة مميزة تربط هؤلاء باللاعبين على الساحة الدولية، مقرونًا ذلك بوضع انقسام فلسطيني عميق، وضعف مؤسساتي يعتري منظمة التحرير، وترهل خطير في بنى الفصائل الوطنية وهيكلياتها، فإن استئناف المفاوضات مع الصهاينة واللقاءات المحمومة معهم والتصريحات التي تصدر من الجانبين تشي بوجود حركة مريبة في العتمة. وليس آخر تلك التصريحات ما صدر عن الرئيس عباس أثناء لقاء صحفي عقده في عمان بعد مؤتمر قمة مع وزيرة الخارجية الأمريكية، والذي عبر فيه عن ثقته التامة وقناعته بأن اتفاق سلام شامل ونهائي سيعقد قبل نهاية عام 2008م، فعلى الرغم من محاولته تعديل هذا التصريح بتصريح آخر أعلنه في القاهرة يشكك في ما ذهب إليه آنفًا، إلا أن بعض التسريبات الصحفية التي تعزى إلى شخصيات مجهولة ومصادر عليمة، تؤكد أن هناك ما يجري بعيدًا عن وسائل الإعلام يجعل من أمر وجود صفقة كبيرة تشمل اللاجئين شيئًا معقولًا.

ومن معرفتنا بالعقلية الرسمية الفلسطينية وميكانيزم التفكير الفلسطيني فإن الإقدام على مشروع صفقة تكون على حساب اللاجئين وحق العودة، ولا سيما في هذه الظروف المعقدة والسيئة لن يكون مفاجئًا كما كانت أوسلو، فمصالح كل الفاعلين الدوليين تتقاطع في ضرورة اقتناص الفرصة والانقضاض على الحقوق الوطنية الفلسطينية بدوافع مختلفة وربما متباينة.

إعادة نظر
أمام هذا السيناريو فإن إعادة النظر في طرائق العمل التقليدية التي انتهجها النخبويون العاملون في إطار مؤسسات حق العودة ومؤسسات المجتمع الأهلي المهتمة تغدو ضرورية في هذه المرحلة على جلال ما يقومون به، فلم يعد مقبولًا أن يكون اللاجئون موضوعًا للفعل بقدر ما هو ضروري أن يكونوا مصدرًا له والفاعل الرئيسيَّ فيه.

فما معنى أن يظل اللاجئون غائبين عن الرأي العام بصورة أحزانهم وأتراحهم ومآسيهم المتجددة؟
وما معنى أن يحال دون تفعيل أدواتهم الضاغطة على صناع القرار وكل ذي صلة؟!
ما معنى أن يحصر الضغط في أيدٍ نخبوية لا يمكن التشكيك بنيّاتها الطيبة وصدق انتمائها للقضية؟
ما معنى أن يتحدث المتحدثون بالنيابة ويهدد المهددون بالنيابة، وتظل العضلات اللاجئة ساكنة والحناجر اللاجئة متفرزة؟!

إن قوة الأصوات النخبوية تبقى محدودة أمام من يملك القوة والمال والنفوذ والدعم الدولي، كما أن بالإمكان عزل تلك النخب في أطرها الأكاديمية لتظل تغرد فيها إلى يوم الدين على قاعدة «أنتم تقولون ما تريدون ونحن نفعل ما نريد».

صحيح أن هذا ما ينبغي أن تتحمله منظماتنا الفلسطينية دون استثناء، إلا أن المؤسسات العاملة لحق العودة ينبغي أن تتضافر جهودها مع تنظيماتنا وفصائلنا للعمل مع اللاجئين من تحت، وتفعيل طاقاتهم الكامنة للدفاع بجموعهم الغفيرة عن حقهم المقدس بأنفسهم. فمن غير المستبعد أمام التعاسة التي وضع فيها اللاجئ أن يمرَّر ما يتم رسمه والتخطيط له بعيدًا عن ثوابت القضية. فقد وضع اللاجئ في مستوى معيشي وحياتي وعضوي في الحضيض حتى يسهل تركيعه وربما تبصيمه، وهذا إن تمّ فسيكون بمثابة النكبة الجديدة التي ستؤبدنا في هذا الوضع المتردي. لذلك كان لا بد من العمل من الأسفل باللاجئين ومعهم، من أمامهم ومن خلفهم كي تتحول قواهم الكامنة إلى فواعل على الأرض تثبت وتبطل، تأمر وتنهى.

إنَّ قوة اللاجئين أنفسهم بما يكتنزونه من غضب وجبروت كفيلة بأن تصد كل المشاريع التي تعبر عن شعور الهزيمة الساكنة في نفوس صانعيها، وإن هذا الجبروت الساكن بإمكانه أن يقف أمام كل من يحاول التجرؤ عليه فهو عنصر قوة للمقاوم إن أراد المقاومة كما هو عنصر قوة للمفاوض إن خلصت نيته كذلك.
فلماذا تظل المؤسسات تتحدث عن اللاجئين بشتى صور التعبير، بينما لا نشهد حركة وهدير هؤلاء على الأرض؟! لماذا لا يقرعون الجدران بقبضات أيديهم؟! لماذا لا ندعهم يتحركون في مشاهد درامية عظمى بين الحين والآخر كي يوصلوا رسالتهم قوية صارمة وواضحة إلى كل ذي صلة؟! لماذا لا تتحرك الجموع في أيام زحف يتقدم فيها الصغار والكبار شيبًا وشبانًا أطفالًا ونساءً نحو بوابات الوطن في تعبير جبار عن رفضهم التوطين أو التعويض إلا في ديارهم؟ ولماذا لا تكون ذكرى النكبة مناسبة لمثل هذه الفعالية المميزة التي يتجيش فيها الرأي العام اللاجئ للقتال دون قضيته، بدلًا من أن تمر الذكرى بفعاليات تقليدية دارجة على الأغلب؟!

من السهل على أصحاب القرار أن يتجاوزوا النخب، حتى وإن كانت تمثل الحق وتدافع عنه، أما أن يتم تجاوز أصحاب الحق بجموعهم الجمعاء فهو عسير قطعًا؛ إذ إن قوة النخبة تبقى محدودة بحدود الزمان والمكان، أما قوة العامة فلا يمكن كبتها مهما تَجبَّر أصحاب القرار، ومن هنا كان لزامًا على النخب أن تتقدم الصفوف لا أن تخاطبها من علٍ، وأن تعمل معها من تحت لا أن يظل اللاجئون موضوعًا لفعلها.

أرقام في النكبة
1.4 مليون فلسطيني أقاموا في فلسطين التاريخية قبل النكبة في عام 48.
605 آلاف يهودي أقاموا في الفترة نفسها وشكلوا 30% من مجمل سكان فلسطين.
90% من مساحة فلسطين التاريخية تبعت للفلسطينيين مع بداية حقبة الانتداب البريطاني.
7% من مساحة فلسطين التاريخية خضعت لليهود عند صدور قرار التقسيم في تشرين ثاني 1947م.
56% من مساحة فلسطين التاريخية منحت للدولة اليهودية بموجب قرار التقسيم في تشرين الثاني 1947م.
50% تقريبًا من سكان «الدولة اليهودية» المقترحة كانوا من العرب الفلسطينيين (497 ألفًا).
90% تقريبًا من ملكية الأراضي في «الدولة اليهودية» المقترحة كانت تتبع للفلسطينيين.
725 ألف فلسطيني مقابل 10 آلاف يهودي من سكان (الدولة العربية) المقترحة بموجب قرار التقسيم.
531 قرية ومدينة فلسطينية هجرت خلال نكبة فلسطين وتم تدميرها.
85% من سكان المناطق الفلسطينية التي قامت عليها «إسرائيل» هُجِّروا خلال النكبة (أكثر من 840 ألف نسمة).
92% من مجمل مساحة فلسطين المحتلة تعود إلى اللاجئين الفلسطينيين.
78% من مجمل مساحة فلسطين التاريخية قامت عليها «إسرائيل» في العام 1948م.
(17.178.000) دونم صادرتها «إسرائيل» من الفلسطينيين في العام 1948م.
150 ألف فلسطيني فقط بقوا في المناطق التي قامت عليها «إسرائيل».
بين 30 ألفًا و40 ألفًا من الفلسطينين هجّروا داخليًّا خلال نكبة فلسطين.
400 ألف فلسطيني أو ثلث تعداد الشعب الفلسطيني هُجِّر من دياره حتى ربيع 1948م.
199 قرية فلسطينية ممتدة على 3,363,964 دونمًا هجرت حتى ربيع 1948م.
15 ألف فلسطيني قتل خلال النكبة.
أكثر من 30 مذبحة (موثقة) وقعت بحق الفلسطينيين في العام 1948م.
700 ألف دونم صادرتها «إسرائيل» من الفلسطينيين بين أعوام 1948م – 1967م.
70% من الأراضي التابعة للسكان الفلسطينيين تحولت للأيدي الصهيونية بين 1948م وأوائل الخمسينات.
50% من الأراضي التابعة للفلسطينيين الذين بقوا في أراضيهم تحولت للأيدي الصهيونية بين الأعوام 1948م – 2000م.
75% تقريبًا من مجمل الفلسطينيين اليوم هم لاجئون ومهجرون.
50% تقريبًا من مجمل تعداد الفلسطينيين يقيمون قسرًا خارج حدود فلسطين التاريخية.
10% تقريبًا من مجمل أراضي فلسطين التاريخية تتبع اليوم للفلسطينيين.

الثورة الفلسطينية الكبرى (1936- 1939م)

كاتب الموضوع الأصلي: سعد السهلي 20

تعد الثورة الفلسطينية الكبرى ( التي انطلقت في 20 أبريل 1936م) من أضخم الثورات الشعبية التي قام بها الشعب الفلسطيني ضد المستعمرين الإنجليز واليهود المهاجرين إلى فلسطين في زمن الاحتلال البريطاني لفلسطين، واستمرت ثلاث سنين متواصلة ابتداءً من عام 1936م – 1939م، توافرت لها شروط الثورة هدفاً وأداةً وأسلوباً، وكانت الأطول عمراً قياساً بالثورات والانتفاضات التي سبقتها حيث وقعت معارك ضارية وعنيفة بين مقاتلي الثورة والجيش البريطاني والعصابات اليهودية.

والثورة الفلسطينية الكبرى تمثل محطة بارزة في حركة النضال الفلسطيني ضد الصهيونية والاستعمار البريطاني منذ أواخر القرن التاسع عشر، مرت الثورة بمراحل عدة نوضحها في هذه التقرير ابتداء بإعلان الإضراب العام الكبير، والذي استمر ستة أشهر.
ما قبل الثورة الفلسطينية
بعد استشهاد الشيخ عز الدين القسام أواخر عام 1935م اشتد اضطراب الجو السياسي في فلسطين لقرب نيل بعض الأقطار العربية استقلالها وخاصة مصر وسوريا ولبنان ، وكان أمل الجماهير الفلسطينية وكفاحها لنيل الاستقلال ومناهضة إنشاء وطن قومي يهودي في فلسطين ولم تكن هذه الأماني لتتحقق إلا عن طريق النضال الجماهيري الموحد والوقوف في وجه السلطة البريطانية. تهيأت الظروف المواتية لإعلان الثورة نتيجة لإدراك الشعب الفلسطيني المخططات الصهيونية الرامية إلى إنشاء الوطن القومي اليهودي ، وازدياد حجم الهجرة الصهيونية منذ سنة 1933م وسيطرة الصهاينة على الشؤون الاقتصادية وعلى المزيد من الأراضي الفلسطينية.

أسباب وعوامل اندلاع الثورة الفلسطينية
كانت هناك أسباب ممهدة لانفجار الثورة وهي كالتالي : –
1- الهجرة اليهودية المتدفقة على أبواب فلسطين تحت عيون الإنجليز وبتشجيع منهم , بلغ عددهم سنة 1935م (61.541 ألفًا) مهاجرًا.
2- بسط اليهود يدهم على أراضي فلسطينية سواء عن طريق انتقال الأراضي الفلسطينية لليهود.
3- رفض الفلسطينيين لفكرة إقامة وطن قومي لليهود وتخوفهم على مصيرهم ومكانتهم وتاريخهم وكيانهم .
4- عدم المساواة بين اليهود والعرب أمام الحكومة البريطانية وقوة اليهود في الحكومة البريطانية مما يقوض آمال العرب القومية.
5- عدم وضوح نوايا الانتداب البريطاني.
6- ازدياد الوعي القومي والفلسطيني وخاصة في ظل حركات التحرر العالمية والشرق أوسطية.

انطلاق الثورة الفلسطينية وأعمالها
في 20 من أبريل أعلن في مدينة نابلس عن تأليف لجنة قومية دعت إلى الإضراب العام ، وفي 25 أبريل اجتمعت الأحزاب برئاسة الحاج أمين الحسيني الذي ساند الأحزاب، انتشر هذا الإضراب في جميع القرى والمدن الفلسطينية كانتشار النار في الهشيم. وكان الشيخ فرحان السعدي الشرارة التي أطلقت ثورة عام 1936م، ففي 17/4/1936م قام هو ومجموعة صغيرة من رجاله (لا يتجاوزون الثلاثة) بنصب حاجز على طريق عنبتا طولكرم، وقاموا بتفتيش السيارات المارة بحثاً عن مستوطنين يهود، وقاموا بإعدام اثنين منهم، فيما كانوا يجمعون التبرعات من المواطنين العرب، ويقولون لهم نحن رجال القسام.
أعمال الثوار
الإضراب العام – استمر ستة أشهر.
مهاجمة المستعمرات .
مهاجمة مراكز الشرطة الإنجليزية .
تدمير خطوط سكة الحديد والجسور .
الاشتباك مع الجنود وأفراد الشرطة الإنجليز ووقوع معارك طاحنة أسفرت عن خسائر من الجانبين .
مقاطعة لجان التحقيق البريطانية .
استرجاع مناطق كاملة من أيدي الإنجليز.

الإرهاب الإنجليزي ورد فعله على الثورة الفلسطينية
1- إقامة الحواجز والتفتيش .
2- العقاب الجماعي للقرى .
3- السجن .
4- التعذيب الشديد الذي لم يشهد التاريخ البشري أبشع منه.
5- استعمال الشباب الفلسطيني كدرع واق من الثوار .
6- تخريب الأملاك والبيوت والمؤن .
7- إعدام كل من يملك البارود أو الرصاص .
8- النفي .
9- هدم البيوت .
10- هدم أحياء كاملة , كما حدث في يافا القديمة وذلك بحجة أن الحي قلعة لا تجرؤ القوات على دخولها، مما أدى إلى تشريد عشرات العائلات.

نهاية الثورة الفلسطينية
امتدت نهاية الثورة من خريف سنة 1938م حتى صيف سنة 1939م، وبدا أن البريطانيين كانوا يتحركون، في تلك الفترة، في اتجاهين: ففي مطلع نيسان / أبريل 1938م، أوفدت بريطانيا لجنة تحقيق، برئاسة السير جون وودهيد، لدراسة الجوانب الفنية لتنفيذ فكرة التقسيم ـ كما قيل وقتها.
وقد نشرت اللجنة تقريرها في تشرين الثاني/ نوفمبر من السنة نفسها، وتوصلت فيه إلى أن التقسيم لم يكن عمليا.

ومع هذا دبر البريطانيون هجوما شاملا لسحق الثورة نهائيا. فقد جلبوا تعزيزات هائلة جديدة بعد أن تمت التعبئة الجزئية للقوات البريطانية المسلحة الرئيسية في بريطانيا لهذا الغرض واستقدمت فرقتين عسكريتين من الهند والتي كانت مستعمرة بريطانية، وسلموا إدارة شؤون فلسطين إلى قادة عسكريين. وكانت الاشتباكات التي عقبت ذلك من اشد وأعنف ما حدث.

ومع نشر تقرير وودهيد، أعلنت الحكومة البريطانية أيضا نيتها عقد مؤتمر عام في لندن يحضره زعماء صهاينة وفلسطينيون، ومندوبون عن الدول العربية المجاورة . على أن بريطانيا كانت من قصر النظر بحيث اعترضت على اشتراك الزعيم الفلسطيني البارز الحاج أمين الحسيني، رئيس اللجنة العربية العليا المحظورة، في هذا المؤتمر. وكان الحاج أمين الحسيني -إثر تفاديه الاعتقال في أيلول / سبتمبر 1937م- يتولى قيادة الثورة من منفاه في لبنان. ودام مؤتمر لندن من 7 شباط / فبراير إلى 27 آذار / مارس 1939م، لكنه لم يتوصل إلى تسوية ترضي الصهاينة والفلسطينيين.

نتائج الثورة الفلسطينية
1- استشهاد 5000 مقاتل وجرح 15,000 واعتقل 108 من قوات الثورة الفلسطينية.
2- مقتل 262 جندي بريطاني وجرح 550.
3- مقتل 300 وجرح 469 وأسر 4 من العصابات الصهيونية.
4- المقترحات السياسية الإنجليزية كانت تحاول إجهاض الثورة والفتّ في ساعدها – وزرع الشقاق بين الأشقاء الفلسطينيين .
5- ظهور شخصيات فلسطينية وعربية شاركت في الثورة كرموز بطولية مثل عبد الرحيم الحاج محمد، والشيخ فرحان السعدي، ويوسف أبو درة، وعبد الرحيم محمود، وعبد القادر الحسيني. .
6- وقعت الدول العربية تحت الضغوط البريطانية لإطفاء لهيب الثورة مثل الأردن, العراق, السعودية.
7- ملاحقة الفرنسيين للثوار الذين التجئوا إلى لبنان وسوريا وقطع خطوط الإمداد للثوار .
8- بداية الحرب العالمية الثانية ساهم في نهاية الثورة.

أسباب فشل الثورة الفلسطينية
فشلت الثورة الكبرى لعدة أسباب أهمها:
1- الفارق الكبير في ميزان القوى حيث كانت الإمبراطورية البريطانية قوة عظمى في ذلك الوقت تملك قوة جوية ضاربة، واستدعت فرق إضافية وجندت المستوطنين اليهود، وفي المقابل كانت إمكانيات الثوار المادية والتسليحية والعددية متواضعة.

وإن كان استمرار الثورة ممكناً رغم اختلال ميزان القوى، إلا أن ذلك كان مشروطاً بالقدرة على إعادة تعويض الخسائر التي تلحق بالثوار، فكان افتقارهم لقيادة قادرة على إعادة إنتاج نفسها، من خلال استقطاب عناصر جديدة لتعويض النقص البشري،

2- بالإضافة إلى انفصال الأحزاب السياسية عن الثوار، سبباً قاد إلى تلاشي الثورة ونهايتها بمجرد اعتقال قادة الثورة وتصفيتهم.

3- كما لعبت أخطاء الثوار دوراً في فشل الثورة، وخاصة كثرة الاغتيالات السياسية بحق الشخصيات السياسية العربية المتواطئة مع بريطانيا وغيرهم ممن اعتبروا خونة ومتواطئين والتوسع في اتهام الناس بالخيانة ولأمور لا تستحق مثل العمل في الإدارات الحكومية، فأورثت هذه الاغتيالات أحقاداً لدى أقارب من قتلوا على يد الثوار، ودخل الثوار في دوامة ثأر وثأر مضاد مع أهل من اغتيلوا مما أنهك قوتهم وشتت جهودهم.

مجزرة الطنطورة

كاتب الموضوع الأصلي: سعد السهلي 20

قرية الطنطورة
الطنطورة قرية فلسطينية تقع إلي الجنوب من مدينة حيفا، وتبعد عنها 24كم، وتقوم القرية علي بقايا قرية (دور) الكنعانية وتعني المسكن. وتبلغ مساحة أراضيها 14520 دونمًا وتحيط بها قري كفر لام والفريديس وعين غزال وجسر الزرقاء وكبارة. قدر عدد سكانها سنة 1929م بحوالي 750 نسمة وفي عام 1945م بحوالي 1490 نسمة.

مجزرة الطنطورة
أكد عدد من المؤرخين العرب واليهود أن مجزرة الطنطورة تعتبر أبشع المجازر التي ارتكبتها الصهيونية في فلسطين والبالغة نحو ثمانين مجزرة. كانت وحدة ألكسندر وني في الجيش الصهيوني قد اقترفت المجزرة بحق أهالي قرية الطنطورة قضاء حيفا غداة احتلالها ، وقامت بتهجير السكان إلى الضفة الغربية والأردن وسوريا والعراق.

ويشير المؤرخ مصطفى كبها إلى أن الجيش الصهيوني اختار الهجوم على قرية الطنطورة -التي بلغ عدد سكانها 1500 نسمة – كونها الخاصرة الأضعف ضمن المنطقة الجنوبية لحيفا، بسبب موقعها على ساحل البحر المتوسط ولكونها سهلة الاحتلال بعكس سائر القرى المجاورة على قمم جبل الكرمل.

وفي المقابل أكد المؤرخ الصهيوني تيدي كاتس -الذي تعرض لدعوى تشهير من قبل وحدة ألكسندر وني بعد كشفه عن ملابسات المجزرة في الطنطورة بدراسة ماجستير في جامعة حيفا عام 1998م- أن الشهادات التي حصل عليها تشير لسقوط 230 فلسطينيًّا في المجزرة.

وأوضح كاتس -الذي سحبت جامعة حيفا اعترافها برسالته الأكاديمية بعد الضجة الإعلامية التي أثارها الكشف عنها وقتذاك – أن موتي سوكلر حارس الحقول اليهودي في تلك الفترة قد كلف من الجيش الصهيوني بتولي دفن الموتى موضحا أنه كان قد أحصى الضحايا بعد قتلهم على شاطئ البحر وداخل المقبرة.

وتكمن خطورة مجزرة الطنطورة واختلافها عن سائر المذابح في فلسطين ليس فقط في حجم ضحاياها بل لارتكابها على يد جيش الكيان الصهيوني بعد أسبوع من إعلان قيام الدولة الصهيونية.
وأنها وقعت بعد نحو شهر من مجزرة دير ياسين واستهدفت تحقيق الهدف الصهيوني المركزي المتمثل في تطهير البلاد عرقيا بقوة السلاح وترهيب المدنيين وتهجيرهم.

شهادات أحد الناجين من مجزرة الطنطورة
ويؤكد الحاج فوزي محمود أحمد طنجي، أحد الناجين من المجزرة والمقيم حاليا في مخيم طولكرم أن قشعريرة تجتاحه كلما تذكر كيف ذُبح أبناء عائلته وأصدقاؤه أمام ناظريه. وروى طنجي، الذي دخل عقده الثامن، أن أبناء القرية دافعوا بشرف عنها منذ منتصف الليل حتى نفدت ذخيرتهم في الصباح.

وروى طنجي أن الجيش فصل بين الرجال ممن أجبروا على الركوع وبين النساء والأطفال والشيوخ، مشيرا إلى أن أحد الجنود حاول الاعتداء على فتاة من عائلة الجابي، فنهض أبوها لنجدتها فقتلوه طعنا بالحراب، بينما واصل الجنود تفتيش النساء وسرقة ما لديهن من حلي ومجوهرات.

ويستذكر طنجي أنه في الطريق للبيت بحثًا عن السلاح أطلق الجنود المرافقون له النار على سليم أبو الشكر “75 عاما”.

وقال: “عندما وصلنا البيت كان الباب مقفلا، والدماء تسيل من تحت الباب، فخلت أنهم قتلوا أمي فدخلت ودموعي على خدي فوجدت كلبي مقتولا، ولم أجد أمي فقلت لهم لا أعلم أين أخفت أمي السلاح، فدفعني أحد الجنود وأرجعوني نحو الشاطئ وفي الطريق أطلقوا الرصاص على السيدتين عزة الحاج ووضحه الحاج”.

ويؤكد الناجي من المجزرة أن الجنود صفوا ما يتراوح بين عشرين وثلاثين شابًّا بالقرب من بيت آل اليحيى على شاطئ البحر وقتلوهم، ويوضح كيف أمروه وآخرين بحفر خندق بطول أربعين مترًا، وبعرض ثلاثة أمتار، وعلى عمق متر واحد، ثم بدأوا بأخذ ما بين ثمانية وعشرة رجال لنقل الجثث ورميها بالخندق، وعندما حاول فيصل أبو هنا، مقاومتهم، قتلوه بحراب البنادق. وقال “لو عشت ألف سنة فلن أنسى ملامح وجوه الجنود فقد بدوا لي كهيئة الموت، وأنا أنتظر دوري متيقنا أنها لحظاتي الأخيرة”.

قرية الطنطورة اليوم
لم يبق من القرية إلا مقام وقلعة وبئر قديمة وبضعة منازل. أحد المنازل الباقية “منزل آل اليحيى” بني في سنة 1882م. مثلما يتبين من نقش ظاهر عليه. وينتشر كثير من شجر النخيل وبعض نبات الصبار في أنحاء الموقع. الذي تحول إلى منتزه إسرائيلي يضم بعض المسابح.

مجزرة دير ياسين.. أشهر مجازر النكبة وأكثرها تأثيرا

كاتب الموضوع الأصلي: سعد السهلي 20

دير ياسين.. الموقع الجغرافي
تقع قرية دير ياسين على بعد كيلومتر واحد إلى الغرب من مدينة القدس، وترتبط معها بطريق معبدة من الدرجة الثالثة، تحيط بها قرى القسطل ولفتا وقالونيا وعين كارم والمالحة. وتحيط بها المستعمرات اليهودية من ثلاث جهات من الشرق (بيت فيغانو مونتفيوري) ومن الشمال إلى الشرق (غفعات شاءول) ومن الجنوب مستعمرة (يفتوف) ومن الغرب أراضي (موتسا وارزا).

كانت القرية تقع على المنحدرات الشرقية لتلة يبلغ ارتفاعها نحو 780م، وقد انتشرت بيوتها على السفوح وأحاطت بها الأشجار المثمرة وأشجار الصنوبر.

كانت مساحة أراضي دير ياسين عام 1945 تبلغ (2857 دونمًا) أقيمت القرية على اثني عشر دونمًا منها.

دير ياسين ذلك الجرح النازف
دير ياسين ذلك التاريخ الفارق في القضية الفلسطينية، وأتساءل لماذا التركيز وتسليط الضوء على هذه المجزرة أكثر من غيرها من المجازر؟ فهناك ما يساويها في عدد الضحايا كمجزرة الطنطورة، بل هناك من المجازر ما يفوقها في عدد الضحايا مثل مجازر اللدّ والرملة والدوايمة. وقد زاد عدد ضحايا كل منها عن 450 ضحية، ولكن عندما اطلعت على تفاصيل تلك المجزرة ومن الشهادات العربية والصهيونية ذاتها أدركت لماذا دير ياسين.

مجزرة دير ياسين
صباح يوم الجمعة فيه 9 أبريل/ نيسان عام 1948م، بعد الهجوم على قرية القسطل المجاورة واستشهاد القائد عبد القادر الحسيني، قامت قوات من عصابات الأرغون وشتيرن بتفخيخ بيوت قرية دير ياسين بالديناميت، وهكذا استولوا عليها عن طريق تفجيرها بيتًا بيتًا. وبعد أن انتهت المتفجرات لديهم قاموا بتمشيط المكان من آخر عناصر المقاومة عن طريق القنابل والمدافع الرشاشة، حيث كانوا يطلقون النيران على كل ما يتحرك داخل المنزل من رجال ونساء وأطفال وشيوخ، بعد ذلك أخذوا يطرقون أبواب البيوت ويخرجون من بداخلها، واتبع اليهود في ذلك أسلوب الخداع. فقد كانوا يرتدون الملابس العربية والكوفيات التي يجدونها في أثناء تفتيشهم للبيوت، لكي يتسللوا إلى مواقع المقاتلين دون أن يشك فيهم أحد واقتادوا فريقًا من رجال القرية ونسائها وأطلقوا عليهم النار فقُتلوا على الفور، كما استخدموا السلاح الأبيض في اعتداءاتهم، وقد كان معظم الضحايا من الأطفال والنساء، وقد مثّل المجرمون بجثث الضحايا تمثيلاً شنيعًا بعد نزع الملابس عنهم، وانتزعوا الحلي من أيدي النساء، وتمكن بعض السكان من الإفلات ولجأوا إلى القرى العربية المجاورة.

أما من بقي من النساء والأطفال فقد ساقهم المجرمون واستعملوا معهم الفظاظة المتناهية ووضعوهم في عدد من سيارات الشحن وبينهم الجرحى وقد نزعوا الملابس عن النساء وطافوا بهن في السيارات في الأحياء اليهودية حيث اعتُدي عليهن من قبل المستوطنين. ومن ثم أُنزلن عند مدخل (حي مئاشعاريم) ويقدر عددهن بمائتين كانت حالتهن يرثى لها.

شهادات على مجزرة دير ياسين

مائير باعيل
أكد مائير باعيل قائد الوحدات الخاصة في الهاغاناه، ليديعوت أحرونوت أنه بعد مغادرة رجال البلماح بدأ رجال الأرغون وشتيرن المجزرة، رجال ونساء وأطفال قتلوا دون تردد مصفوفين على الجدران وفي زوايا المنازل.

جاك دي رينيه
جاك دي رينيه مندوب الصليب الأحمر الدولي في القدس شاهد نساء من بين أفراد العصابات وهن يحملن سكاكين ملطخة بالدماء يخرجن من القرية بعد يومين من وقوع المجزرة، حيث قال بالنص الحرفي: «كان جلّ أفراد العصابة، سواء الرجال منهم أو النساء، من الأحداث، وبعضهم في سن المراهقة. كانوا جميعًا مدججين بالسلاح، يحملون المسدسات والرشاشات والقنابل والسكاكين الطويلة. وكان معظم السكاكين ملطخًا بالدماء. واقتربت مني شابة وسيمة ذات عينين مجرمتين وأرتني، بتباهٍ، سكينتها التي كانت مازالت تقطر دمًا، وكان واضحًا أن هذا هو فريق التطهير (أي الإجهاز على الجرحى)، وأنه كان يقوم بمهمته خير قيام».

القنصل الأمريكي روبرت مكات
القنصل الأمريكي روبرت مكات: يقول في تقريره للخارجية الأمريكية: إن الأطفال كانت تُبتر أطرافهم وتكسر ضلوعهم، وإن شارون ارتكب من المجازر ما يفوق ما ارتكبه هتلر بشاعة، بل وجميع الدكتاتوريين الذين عرفتهم الإنسانية، إنه كان يجمع الأعضاء التناسلية للأطفال في جعبته وكان يباهي بها قيادات تنظيم الهاغانا.

شهادات من قلب مجزرة دير ياسين

شهادة المواطنة حليمة عيد
أخرج الإرهابيون عروسًا من القرية مع عريسها وثلاثين شخصًا آخرين من منازلهم وأطلقوا عليهم الرصاص، وشاهدت جنديًّا وهو يمسك شقيقتي صالحة الحامل في شهرها التاسع ويصوِّب رشاشه إلى عنقها ثم يفرغ رصاصه في جسدها ثم يتحول بعد ذلك إلى جزار فيمسك سكينًا ويشق بطنها ويخرج الطفل ويذبحه بسكينه.

شهادة المواطن محمد عارف سمور
أمسك الجنود الصهاينة بصبي في السادسة من عمره اسمه فؤاد فضمت الأم ابنها إلى صدرها فطعنوه، وبقيت تلك الأم في ما بقي من عمرها مجنونة.

شهادة المواطنة صافية عطية
لقد شاهدت بعيني حالات اغتصاب متعددة وكانوا يطعنونهن بعد ذلك ويذبحون الأطفال أيضًا، وقد قام الجنود بانتزاع الأقراط من آذاننا وشاهدت كيف كانوا يلقون بعض الضحايا في آبار القرية.

شهادة المواطنة زينب سمّور
وتروي زينب سمّور أن أختها الأسيرة رأت خالها وزوجته وزوجة ابنه وأطفال العائلة جميعًا قتلى يسبحون في بركة من الدماء ووجدت طفلة رضيعة ممسكة بثدي أمها باكية، فما كان من الحارس إلا أن صوّب الرشاش إلى الطفلة وقتلها…

شهادة المواطنة أم صفية
وتروي فاطمة (أم صفية) أنه عندما أسروا الشيخ يوسف أحمد حميدة (70 عامًا) جذبوه من لحيته وشتموه قبل إعدامه.

هذه ليست الصور الكاملة عن المجزرة المروِّعة في دير ياسين، هذا جزء بسيط من تلك الأهوال التي اقترفها الصهاينة والتي أقاموا كيانهم على أنقاضها.
إن هذه العمليات الإجرامية التي مارستها عصابات ليحي وشتيرن والأرغون والهاغانا مع أبناء قرانا الفلسطينية عام 1948 هي نفسها الأعمال الإجرامية التي تمارسها اليوم عصابات (العمل والليكود وكاديما) ضد أطفال ونساء وشيوخ الأهل في غزة..