أ.د. أحمد محمد وهبان

نكبة فلسطين.. إبادة الذاكرة

كاتب الموضوع الأصلي: سعد السهلي 20

النكبة .. ذكرى آلام وأوجاع
أيام قليلة تفصلنا عن حدث سنوي مهم في حياة شعبنا الفلسطيني وهو ذكرى نكبة شعب فلسطين وتعرضه لجرائم التطهير العرقي والإبادة الجماعية والتهجير القسري عن أرضه على يد العصابات “الإسرائيلية” الصهيونية، فقد خطط الصهاينة منذ المؤتمر الصهيوني الأول في سويسرا عام 1897م لاحتلال أرض فلسطين والسيطرة عليها وطرد سكانها والترويج لمقولة “نحن شعب بلا أرض لأرض بلا شعب”، حيث تعرض شعبنا الفلسطيني المجاهد على مدار 65 عامًا لمجازر يهودية ” إسرائيلية ” صهيونية، استهدفت اقتلاعه من أرضه وجذوره ونفيه إلى شتى بلاد العالم، وتشتته بها ليصبح هناك ملايين اللاجئين الفلسطينيين محرومين من حق العودة إلى ديارهم وأرضهم التي هجروا منها في عام 1948م.

النكبة .. أكبر جريمة تطهير عرقي
اعتبر الصهاينة نكبة فلسطين “حرب الاستقلال” التي راح ضحيتها أكثر من 800 ألف فلسطيني، فيما تم تهجير حوالي ربع مليون، كما تم تدمير أكثر من 500 قرية فلسطينية إضافة إلى تدمير 11 حيًّا مدنيًّا، وقد اعتبر عدد من المؤرخين الصهاينة أن نكبة فلسطين تمثل أكبر جريمة تطهير عرقي في التاريخ المعاصر، والتطهير العرقي كما عرفه العلماء والمختصون هو عملية طرد بالقوة من أجل إيجاد تجانس عرقي في إقليم أو أرض يقطنها سكان من أعراق متعددة، وهدف الطرد هو ترحيل أكبر عدد ممكن من السكان، بكل الوسائل المتاحة لمرتكب الترحيل، بما في ذلك وسائل غير عنيفة، حيث إن نكبة شعب فلسطين تقع تحت مفهوم إبادة الذاكرة (Memorycide) وهو قتل الجماعة ماديًّا أو معنويًّا، ومع إلحاق الضرر الخطير، الجسدي والعقلي بأعضائها، والأذى المتعمد بأوضاعها الحياتية بما يؤدي إلى تدميرها كليًّا أو جزئيًّا.

نكبة فلسطين .. مخطط صهيوني محكم
إن ما حدث من جرائم خلال حرب عام 1948م الصهيونية ضد الفلسطينيين وتدمير مدنهم وقراهم وتهجيرهم قسريًّا من أرضهم لم يكن مصادفة بل كان مخططًا له بالدقة المتناهية وعبر مراحل مختلفة، وقد بحث المؤرخون الصهاينة في سجلات وأرشيف المؤسسة العسكرية الصهيونية ليعثروا على الكثير من الأوراق والقرارات التي تدلل بالأدلة الدامغة على جريمة التطهير العرقي خلال أشهر نكبة فلسطين، حيث كشف المؤرخون “الإسرائيليون” عن خطة صهيونية اسمها الرمزي خطة “دالت” وهو رمز للحرف الرابع في اللغة العبرية (د) وهي عبارة عن النسخة الرابعة والنهائية من الخطط الإسرائيلية الصهيونية التي عكست حقيقة الحقد والعداء الكبير للشعب الفلسطيني، فيما كانت الخطط الثلاث التي سبقت هذه الخطة تعكس تفكير القيادة الصهيونية في كيفية التعامل مع الأعداد الكبيرة من أبناء الشعب الفلسطيني الذين سيتم تهجيرهم قسرًا عن أرضهم ومنازلهم، وقد شددت الخطة الرابعة على أن “الفلسطينيين يجب أن يرحلوا”، وقد كان مغزى هذه الخطة يتمثل في حملة عسكرية صهيونية كبيرة تعمل على غزو المناطق الفلسطينية الريفية والحضرية على السواء والعمل على تدميرها، وقد أعدت الخطة التدميرية وأشرفت عليها منظمة الهاغاناة الصهيونية بالتنسيق والتعاون مع العصابات الصهيونية الأخرى من أجل إحكام السيطرة على المناطق الفلسطينية وترحيل الفلسطينيين، وقد استغرقت الجريمة الصهيونية “التطهير العرقي” بحق الشعب الفلسطيني مدة ستة أشهر، ومع اكتمال التنفيذ كان أكثر من نصف سكان فلسطين الأصليين أي ما يقارب 800 ألف فلسطيني قد اقتُلعوا من أرضهم، وقد تم تدمير 531 قرية فلسطينية كما تم إخلاء 11 حيًّا مدنيًّا فلسطينيًّا، وقد تقرر تطبيق الخطة في 10 مارس 1948م، وتم تنفيذ الخطة بطريقة منهجية خلال ثلاثة شهور، وقد شكلت مثالا واضحًا لعملية تطهير عرقي اعتبرها بعض المؤرخين “الإسرائيليين” جريمة ضد الإنسانية.

وعلى الجانب الصهيوني عمل المؤرخون الصهاينة على الترويج لنكبة فلسطين بقولهم: “إن الفلسطينيين خرجوا من أرضهم وديارهم طوعًا، وإن حرب عام 1948م كانت أخلاقية ضد عالم عربي بدائي عدائي، فيما قام عدد من المؤرخين الصهاينة بنقد هذه الرواية وذلك بعد بحثهم في السجلات الصهيونية العسكرية والاطلاع على الأرشيف الصهيوني لأحداث حرب 1948م، وقد قام المؤرخ اليهودي بني موريس ” Benny Morris ” بجمع أرشيف المنظمات العسكرية الصهيونية، ودرس الخطط والقرارات لتنفيذ جريمة التطهير العرقي ضد الشعب الفلسطيني، وتؤكد مصادرنا التاريخية الفلسطينية أن القوات الصهيونية كانت نجحت قبل أشهر من دخول القوات العربية إلى أرض فلسطين في طرد ما يقارب من ربع مليون فلسطيني بقوة السلاح وتحت التهديد، في الوقت الذي كان البريطانيون مازالوا يحكمون فلسطين ومسئولين عن الأمن والنظام في هذا البلد، لكن البريطانيين مهدوا للصهاينة اليهود احتلال أرض فلسطين، وقاموا بفتح باب الهجرة لليهود إلى أرض فلسطين على مصراعيه، كما كانت حكومة ما يسمى “الانتداب” عناصرها من اليهود الصهاينة، كما ساعد البريطانيون اليهود في تنفيذ خطتهم المنهجية لاحتلال أرض فلسطين، وقام البريطانيون بتسليم مصانع السلاح والذخيرة للصهاينة اليهود، كما قام البريطانيون بالعمل على تدريب العصابات الصهيونية ودمجها داخل الجيش البريطاني وذلك من أجل تنفيذ مهماتهم وخططهم الإجرامية الخبيثة الرامية إلى قتل أبناء الشعب الفلسطيني وتهجيرهم عن أرضهم.

إذن نحن بحاجة إلى البحث أكثر في تاريخنا الفلسطيني، والبحث أكثر في أوراقنا وسجلاتنا والعودة إلى أجدادنا وأمهاتنا للحصول على الرواية التاريخية الفلسطينية لأحداث النكبة وكافة المجازر الصهيونية بحق شعبنا الفلسطيني الأصيل، وهذا ما يدفعنا إلى المزيد من الاهتمام بالتاريخ الشفوي والرواية الفلسطينية لأحداث النكبة والحروب والمجازر الصهيونية ضد شعبنا الفلسطيني الأبيِّ المرابط.

الزحف المغولي على العالم الإسلامي

كاتب الموضوع الأصلي: سعد السهلي 20

ابتلى العالم الإسلامي بموجات من الزحف المغولي الذي لم يرحم صغيرا ولا كبيرا وانطلق يدمر كل شيء في طريقه حتى انتشر الفزع والهلع في كل مكان (1)،فمن هؤلاء المغول الذين نشروا الرعب والفزع في العالم الإسلامي ؟ ومن أين أتوا ؟ وماذا فعلوا بالمسلمين ؟ ومن تصدى لهم من المسلمين واستطاع أن يوقف زحفهم ، وأن يحطم كبرياءهم ؟

يذكر كثير من المؤرخين والباحثين أن المغول هم عدة قبائل بدوية رعوية كان يشار إليهم غالبا باسم التتار أو التتر ، وهو اسم كان يطلق على إحدى مجموعاتهم وهي قبيلة التتر ، وكانت القبائل المغولية في مستهل القرن السابع الهجري ، الثالث عشر الميلادي تعيش في هضبة منغوليا الواقعة شمال صحراء جوبي بين بحيرة بايكال في الغرب وجبال خنجان (Khingan ) على حدود منشوريا في الشرق (2)
وكانت هذه القبائل تعيش على الصيد والقنص ويتغذون باللحم ولبن الخيل (3) ولم يكن لهم دور يذكرفي التاريخ قبل ظهورجنكيزخان ، بل كانوا ينقسمون إلى عدة قبائل كما يلي :

1 ــ قبيلة القيات الصغيرة ، التي ظهر منها جنكيزخان وكانوا يسكنون على شواطيء الشعب العليا الآمور وجبال قراقورم أي يابلونوي الحالية (Iablonoi ) (4)
2 ــ قبيلة الأويرات ، وكانوا يقيمون في المنطقة الواقعة مابين نهر أونن (Onan ) وبحيرة بايكال ، وكانوا كثيري العدد وقد انقسموا إلى عدة فرق ، إلا أنهم كانوا يأتمرون بأمر ملك واحد ولما جاء جنكيزخان استطاع أن يخضعهم لطاعته (5)
3 ــ قبيلة النايمان ، وهي من قبائل الأتراك الذين غلب عليهم الطابع المغولي وكانوا يقيمون في أقاصي الغرب بين أعالى نهر أرتش ونهر أرخون شمال جبال التاي وبسبب اقتراب هذه القبيلة من قبائل الأوغور في الجنوب فقد اعتنقوا الديانة المسيحية حسب الطقوس النسطورية(6)
4 ــ قبيلة الكراييت (Kerait ) وكانت تقطن الواحات الشرقية لصحراء جوبي (7) وجنوب بحيرة بايكال حتى سور الصين ، وكانت هذه القبيلة من أقوى قبائل المغول في القرنين الخامس والسادس الهجريين واستطاعت السيطرة على معظم القبائل حولها ، وقد اعتنق رئيس هذه القبيلة الديانة المسيحيةعام 398هـ/1008م (8)
5 ــ قبائل المركييت (Markit ) وهم من المغول وكانوا يسكنون المنطقة الواقعة شمالي بلاد الكراييت على مجرى نهر ” سلنجا ” وجنوبي بحيرة بايكال ، وكان لهم جيش قوي ذو بأس شديد ولهذا شنّ عليهم جنكيزخان حربا شعواء استعمل فيها القسوة والشدة حتى أباد معظمهم (9)
6 ــ قبائل التتار ، وكانوا يقطنون المنطقة التي تحد شمالا بنهري ” أرخون ” و “سيلنجا ” (Selenga ) ومملكة القرغيز ، وشرقا بإقليم الخطا ( الصين الشمالية ) وغربا قبائل الأويغور وجنوبا بإقليم التبت (10)
وقبائل التتار من أشد قبائل الجنس الأصفر بطشا وجبروتا في أقاليم آسيا الشمالية وكانوا يتمتعون باحترام زائد نتيجة قوتهم بالإضافة إلى أنهم كانوا أكثر القبائل رفاهية وتنعما (11).

وكانت قبائل التتار في صراع دائم وشديد مع قبائل المغول حتى ظهر جنكيز خان فقام ومعه جنوده بالإجهاز عليهم واستئصال شأفتهم وأصدر أمرا قاطعا بألايترك أحد منهم على قيد الحياة ، وعلى أثر انتصاره عليهم ، أطلق اسمهم عليه ، ربما لما كانوا يتمتعون به من القوة والشجاعة والثراء والنبل (12)
والحقيقة أن المغول في بدء هجومهم على العالم الإسلامي كانوا يعرفون بالتتار كما أطلق عليهم اسم “المغول ” و ” مغل ” واشتهروا في التاريخ بهذين الاسمين (13).

ولقد تمكن الزعيم المغولي جنكيز خان (14) من جمع شمل القبائل المغولية المتفرقة وأخضعها كلها لسلطانه ونصب نفسه عليها خاقانا (15) سنة 603هـ / 1206م وبعد أن تولى جنكيز خان عرش المغول سعى إلى التوسع في الأقاليم الجنوبية بهدف اقتطاع ما يمكن اقتطاعه من البلاد الصينية والتوسع في الأقاليم الغربية بقصد تعقب بعض القبائل المغولية التي فرت من وجهه وأبت الرضوخ لسلطانه ، وبينما هو يستعد لتوسيع ملكه قرر وضع دستور لشعبه كي يلتزم المغول به ويسيرون وفق قواعده في حياتهم ، وقد نظم هذا الدستور الحياة العامة المغولية لمدة طويلة بعد موته (16).

وبعد أن نظم جنكيزخان الأمور داخل دولته واطمأن إلى استقرارها زحف نحو البلاد الشمالية من بلاد الصين وتمكن من إخضاعها ، كما تمكن من الانتقام من أعدائه الذين فروا من وجهه تجاه الغرب ، ومن ثم اصطدم بالقوى الإسلامية ولاسيما الدولة الخوارزمية التي كانت قد وصلت إلى أقصى اتساع لها في عهد علاء الدين محمد خوارزم شاه ، وقد استطاع جنكيزخان تخريب أقاليم هذه الدولة والتنكيل بسلطانها وجيوشها وسكانها في مدة لاتزيد على أربع سنوات ، إذ بلغ حدودها سنة 616هـ/1219م وشرع في العودة إلى منغوليا سنة 620هـ/1223م(17).

وقد كان غزو جنكيز خان للشرق الإسلامي عنيفا وشديدا فقد خرَب ودمر كل ما صادفه من البلاد التي وطئتها أقدامه ، ونكل بالمسلمين وتفانى في تعذيبهم بشتى الوسائل والأساليب(18).

وفي أثناء هذه الفتوح الكبيرة مات جنكيزخان سنة 624هـ/1227معن اثنين وسبعين عاما وكانت البلاد التي فتحها هو واولاده تمتد من البحر الأصفر إلى البحر الأسود ، وكانت تضم بلادا وقبائل انفصلت عن حكم الصين والتانغوت والأفغان وإيران والترك (19).

لم يترك جنكيز خان قبل موته أية تعليمات بالنسبة لوحدة الامبراطورية المغولية لذا فقد اتفق على أن يجري اختيار من يخلفه من ابنائه عن طريق الانتخاب ، وفي سنة 626هـ/1229م تم عقد الجمعية الوطنية العامة ” القوريلتاي ” واتفق ابناء جنكيز خان على تنصيب أوكتاي خلفا لأبيه ودخل الجميع في طاعته (20) وامتاز عصر أوكتاي بتوسيع الممتلكات المغولية بشكل واضح حيث تم إخضاع دولة ” كين ” الواقعة في النصف الشمالي من الصين ، والتي كانت قد أخضعت جزئيا في أيام جنكيزخان (21) ثم شن المغول على أوربا حملة كبيرة فدخلوا موسكو ونوجرود وهاجموا بلاد المجر وأحرقوا كزاكاو وحاصروا بشته ، ولقد أنقذ أوربا من الخطر المغولي موت أوكتاي سنة 639هـ/1241م (22) وقد قبضت زوجته “توراكينا خان” على أزمة الأمور حتى استطاعت بذكائها وحسن دهائها أن تجعل السلاطين والأمراء الكبار يوافقون على اختيار ابنها “كيوك خان” في مؤتمر”القوريلتاي” الذي انعقد سنة644هـ/1246م (23) وأعاد كيوك خان الأمن الذي اختل في حكم أمه ثم أرسل جيوشه إلى إيران والصين (24) ولم يمكث كيوك خان في الحكم سوى عام وبعض العام حتى لقي حتفه (25).

وبوفاة كيوك خان انتقل زمام الدولة إلى شعبة أولاد تولوي فتولى منكو بن تولوي العرش سنة 648هـ/1250م (26)، وفي سنة 651هـ/ 1253 م أرسل القان منكو أخاه هولاكو ومعه أسرته على رأس جيش كبير إلى إيران ليحارب الاسماعيلية والعباسيين في بغداد (27).

وقد حرص منكو على إعداد أخيه هولاكو إعدادا دقيقا وباشر ذلك بنفسه فأمده بكثير من القوات التي مارست الطعن والنزال واقتحمت ميادين القتال ، وأمده بكثير من الجند الذين مهروا في استخدام أدوات الحرب مثل المنجنيق وقاذفات النفط ورمي السهام ووصل تعداد هذا الجيش إلى 120000 جندي من خيرة محاربي المغول (28)، وخرج هولاكو على رأس جيشه من عاصمة المغول ” قراقورم ” سنة 651هـ/1253م حتى وصل إلى إيران واستطاع أن يخضعها لسلطانه سنة 653هـ/1255م وفي العام التالي فتح قلعة ألموت وحطم المغول ماوجدوه من الأسلحة وأدوات القتال التي كانت لدى الاسماعيلية ، وبذلك زالت دولة الاسماعيلية الباطنية بعد أن استمرت 171 عاما تثير الرعب والفزع في بلاد العالم الإسلامي كافة (29) ليحل محلهم المغول الذين انتقلوا إلى همدان وعسكروا فيها ليكونوا بالقرب من العاصمة العباسية بغداد ليعدوا العدة لفتحها.

ويبدو أن هولاكو طمع في أن ينشيء لنفسه بوصفه تابعا لأخيه منكو إمبراطورية خاصة في الغرب أو أن يكون أخوه الخاقان قد أوعز له بذلك ليكون في بيتهم الملك والسلطان ، وحقق هولاكو هدفه الأول بالقضاء على طائفة الاسماعيلية وجعلها عبرة لمن يفكرون في مقاومته ثم سار إلى بغداد لتحقيق هدفه الثاني وهو القضاء على الخلافة العباسية وفتح بغداد (30) وفي التاسع من المحرم سنة 656هـ / السادس عشر من يناير سنة 1258م وصلت جيوش هولاكو إلى بغداد وأعمل السيف في أهلها لمدة أربعين يوما فقتل من المسلمين عدد كبير وقتل الخليفة العباسي المستعصم بالله وآل بيته ، ولم ينج من بين أيديهم إلا العدد القليل (31) .

وقضى هولاكو بذلك على الخلافة الإسلامية ثم تقدم نحو بلاد الشام ، وفي طريقه استولى على ميافارقين في ديار بكر وقتل صاحبها الملك الكامل محمد بن الملك المظفر شهاب الدين غازي بن الملك العادل أبي بكر بن أيوب ، وحمل التتار رأسه على رمح قصير وطيف به لأنه رفض الاستسلام للمغول (32) .

وفي سنة 658هـ/ 1259م دخل جيش المغول إلى حلب عنوة بعد أن رفض حاكمها الاستسلام وأعملوا في أهلها القتل والأسر (33) وسقطت دمشق في أيديهم واستمروا في إسقاط كافة البلدان بالشام حتى وصلوا إلى غزة والخليل فقتلوا الرجال وسبوا النساء والأطفال واستاقوا من الأسرى والأبقار والأغنام والمواشي شيئا كثيرا وأخذوا من الأسلاب والأثاث ما لايحصى عده (34) وصاروا على مقربة من الحدود المملوكية المصرية.

العدالة البيئية نظرة مقارنة بين الحضارة العربية الإسلامية و

كاتب الموضوع الأصلي: سعد السهلي 20

مقدمة
يقصد بالعدالة البيئية؛ أتخاذ الاجراءات القانونية للحيلولة دون نشؤء بؤر للثلوث البيئي في المناطق التي تسكنها الطبقات الفقيرة او المسحوقة في المجتمع. بحيث تكون المؤسسة البيئية مسؤولة عن ضمان المحورين الآتيين :
– محاربة بؤر التلوث و الحيلولة دون نشوءها من خلال منع تركز النشاطات الملوثة للبيئة في مناطق سكن الطبقات المسحوقة. ذلك ان تركيز النشاطات الملوثة في اماكن عيش الطبقات الفقيرة، او في اماكن عيش شريحة عريقة معينة، بشكل يبدو معه المجتمع- ممثلا بالمؤسسة البيئية- وكأنه يعاقب مجموعة من ابناءه على فقرهم، او انتماءهم لشريحة معينة، او حتى ايمانه بثقافة معينة، من خلال الموافقة على اقامة النشاطات الملوثة للبيئة في هذه المناطق تحديدا، بدلا عن اختيار مواقع بديلة بعيدا عن المناطق السكنية و بغض النظر عن العرق او مستوى دخل السكان. مما يحقق ركن الاستهداف و هو الركن الاول من اركان انعدام العدالة البيئية . بمعنى ان المجتمع – بشكل مباشر او غير مباشر- يستهدف ابناء طبقة معينة او شريحة معنية داخله؛ لتكون النتيجة ان المجتمع لا يبالِ بصحة وسلامة ابناء هذه الشريحة و بشكل يمكن اعتباره تمييزا ضدها[1].
– اعتماد مفهوم الاثر المضاعف للتلوثCumulative Impact Assessment اساسا قانونيا و بيئيا لعملية قياس الاثر البيئي للمشاريع المزمع اقامتها في هذه المناطق. فعندما تعمد المؤسسة البيئية الى منح شهادة تقييم الاثر البيئي لمشروع معين فلا يجب – استنادا لمفهوم العدالة البيئية- قياس الاثر البيئي لهذا المشروع منفردا، بمعنى النظر الى حجم ما يلقيه المشروع لوحده من عوادم وانبعاثات للبيئة، و التي بكل تاكيد سيسعى اصحاب المشروع الى التاكد من تحققها. و لكن يجب النظر الى الاثر المضاعف للتلوث الحاصل من خلال زيادة حجم عوادم و غازات التي تلقى الى بيئة هذه الشرائح. فاذا كانت هذه البيئة هي في الاصل تشكو من ارتفاع نسبة التلوث فيها، مما يضاعف اثر الملوثات و يجعلها اخطر على صحة سكاني هذه المناطق من ابناء الشرائح المستهدفة. مما ينجم عنه انحدار كبير نوعية الهواء مثلا او نوعية المصدر المائي الذي تعتمد المنطقة كليا عليه.
ورغم إن فلسفة العدالة البيئية تبدو منطقية بل بديهية؛ فهي تقوم على حق افراد المجتمع على اختلاف اعراقه أو اجناسه أو دخله بالتمتع بـ بيئة نظفية و صحية. و الحقيقة، ان هذا المفهوم ساهم و الى حد كبير في اعتبار الحق في بيئة نظفية الجيل الثالث لحقوق الانسان بعد الحقوق المدنية والسياسة باعتبارها الجيل الاول لتكون الحقوق الاجتماعية ، الاقتصادية و الثقافية الجيل الثاني.[2]

نشأة مفهوم العدالة البيئية
بدأت نشاة مفهوم العدالة البيئية – بشكلها الحديث- في الولايات المتحدة الامريكية في مطلع الثمانيات [3]. حيث بدأت الجمعيات البيئة تلاحظ ان المصافي و المعامل و غيرها من المنشات التي ينجم عنها القاء عوادم خطرة على صحة الانسان يتم بناءها في المناطق الفقيرة و التي يسكنها اغلبية ساحقة من الافارقة الامريكين. بحيث تنفث هذه المعامل والمحارقها سمومها و تطرح فضلات التصنيع في هذه المناطق بشكل ازدادت معه الاصابات بالتدرن الرئوي والربو و غيرها من الامراض بين افراد هذه الشريحة. لتتكرر هذه المحاولات في المناطق التي تقطنها شريحة المهاجرين ذوي الاصول الاسبانية .
تجدر الاشارة الى بناء و تشيد هذه المعامل كان يتم بشكل اصولي؛ بمعنى، ان المعمل المزمع تشيده ينجح في اجتياز اختبار تقييم الاثر البيئي. ذلك ان قياس الاثر البيئي، كان يتم من خلال اعتماد مبدأ الاثر الفردي للمشروع، بحيث تنظر هئية حماية البيئة الامريكية، الى مقدار العوادم التي يلقها هذا المشروع منفردا الى بيئة هذه المناطق دون ملاحظة الاثر المضاعف للتلوث. مما دفع الجمعيات البيئية الى تحدي اجازة هذه المشاريع امام القضاء، الا ان القليل من هذه القضايا حالفه النجاح. ويرجع السبب في ذلك الى نقص التشريع البيئي الامريكي عن معالجة هذه الحالة. فطبقا للقانون البيئي و التعليمات البيئية المعتمدة تم اجازة هذه المشاريع و حصولها على شهادة تقييم الاثر البيئي التي تتضمن ان انشاءها لا يؤثر سلبا على البيئة لان ما تلقيه من عوادم هو ضمن النطاق السموح به. مما دفع ادارة الرئيس كلتنون عام 1994 الى اصدار مرسوم برقم 12898 يخول هئية حماية البيئة الامريكية اتخاذ الاجراءات القانونية لضمان معاملة عادلة و منصفة لجميع افراد المجتمع بدون تمييز بسبب عرق او لون او جنس للتمتع بـ بيئة صحية و نظفية. و الزامها التاكد من عدم اتخاذ اي اجراء من شانه تاصيل عمل ذو طبيعة تمييزية يحمل افراد المجتمع عبء العيش في مناطق ملوثة بسبب لون او عرق او جنس او ثقافة دون تحول المناطق الى بؤر للتلوث.
ألا ان المشاركين في ورشة عمل العدالة البيئية في ديسمبرعام 2003 في وسط وشرق اوربا في بودابست اضافوا محورين اخرين لمفهوم العدالة البيئية
– التوزيع العادل للموارد الطبيعية بين ابناء المجتمع. بحيث تم التوسع بنطاق الموارد الطبيعية ليشمل عناصر البيئة من ماء وهواء وتربة. وبالتالي؛ يصبح لكل مواطن وبدون تمييز الحق في الحصول على مورد مائي نقي فضلا عن العيش في منطقة هوائها نقي وتربتها صالحة.[4]
– اشراك المواطنين كافة و بدون تمييز في اتخاذ القرار البيئي و اتاحة المعلومات اللازمة امامهم لاتخاذ القرار السليم. ذلك ان كثير من الفقهاء يعزو مشاكل انعدام العدالة البيئية الى عدم مشاركة هذه الطبقات في القرار السياسي مما يسهل استهدافهم.[5]

الجذور التاريخية التي ادت الى انعدام العدالة البيئية في امريكا : نظرة مقارنة مع الحضارة العربية الاسلامية.
تعود جذور تحديات العدالة البيئية في الولايات المتحدة الى نشأة الولايات المتحدة الامريكية ذاتها. حيث جرى استيراد الافارقة الامركيين كـ” عبيد” من القارة الافريقية. ليكون شكل المجتمع طبقيا. و يتم تجذير فكرة التمييز بين طبقات المجتمع فلم يكن يسمح قانونا للعبيد العيش في ذات المناطق التي يعيش فيها مخدومهم.[6] و بالنظر لقلة دخلهم فلم يستطيع العبيد الحصول على الخدمات الصحية و التعليمية مما جعل المناطق التي يعيشون فيها تفتقد للخدمات الاساسية و شروط ادارة الموارد البيئية فيها بشكل سليم. حيث تم تطبيق قوانين الفصل العنصري المعروفة باسم قوانين Jim Crow في الولايات المتحدة الامريكية وتحديدا الولايات الجنوبية من عام 1876 و حتى عام1964[7]. و كانت هذه القوانين تمنع الافارقة الامريكين من الوصول الى الموارد الطبيعية و تفرض عليهم العيش في مناطق محددة بعيدا عن مناطق التي يقطنها السكان البيض و كانت مناطقهم تخلو بحكم هذه القوانين من شروط الادارة البيئية السليمة مما ادى الى تحولها الى بؤر تلوث لاحقا ليدفع في النهاية المجتمع ككل في الثمن. لقد ساهمت هذه القوانين في اضعاف البنية الصحية للافارقة الامريكين، لانها كانت تحول بينهم و بين الوصول الى الخدمات الصحية و البيئية السليمة، مما خلق شعورا بينهم بعدم اهمية البيئة، فهم لم يعرفوها يوما فكيف يمكن لهم تقدير أهميتها، فضلا عن ندرة فرص التعليم المتاحة لهم . لقد كانت هذه القوانين تفرض على الافارقة الامريكين الشرب من اماكن مخصصة لهم تفتقر الى ابسط المقومات و الشروط الصحية، ليشرب البيض من اماكن تتميز بتوافر الشروط الصحية و حتى الماء البارد صيفا. بل وصل الامر الى تخصيص مرافق صحية للبيض و اخرى للافارقة، و غني عن البيان ان الاخيرة كانت تفتقر لكل المقومات الصحية . لقد كانت هذه القوانين تتعامل مع الافارقة على انهم عبيد او مواطنون من درجة ثانية، و بالتالي فهم لا يستحقون التمتتع بـبيئة صحية وسليمة؛ فلانهم مواطنون من الدرجة الثانية فلا يحق لهم شرب مياه صحية و لايحق لهم استعمال مرافق صحية نظيفة.
لتستمر معاناتهم حتى بعد الحرب العالمية الثانية؛ حيث كان الجنود الافارقة يأكلون في مطبخ القاعدة العسكرية ليجلس الاسرى الالمان في القاعة المخصصة للطعام. بل كانت الحافلات الخاصة بنقل الركاب لا تسمح بجلوس الافارقة و كانوا ملزميين بترك اماكنهم للركاب البيض. استمر ذلك حتى عام1955 عندما رفضت سيدة افريقية تدعى Rosa Parks مغادرة مكانها في الحافلة لصالح مواطن من عرق ابيض. لتشتعل ثورة المطالبة بالحقوق المدنية والسياسية للافارقة وككان على اثرها قيام مجموعة من المحاميين بالعمل على الغاء قوانين Jim Crow و لم يتحقق ذلك حتى عام 1964 الآ أن حرمانا دام 88 عاما – اي زهاء قرنٍ من الزمن- لابد ان ترك اثار سلبية على صحة الافارقة الامريكين كما رسخ شعورا عاما انهم مواطون من الدرجة الثانية . لتبدء بعدها معاناة من نوع اخر حيث تم بناء كافة المشاريع الصناعية الملوثة للبيئة في مناطقهم حيث استمر الافارقة بالعيش في مناطق خاصة بيهم؛ ذلك انهم لايمتلكون المكنة الاقتصادية اللازمة للعيش في مناطق سكنية تتميز بتوافرالخدمات الصحية و البيئية ذلك ان قوانين Jim Crow كانت تفرض قيودا على تشغيل الافارقة مما جعل دخلهم محدودا للغاية.
ليسود شعور عام لدى المسثمرين ان الافارقة “معتادون” على العيش في هذه المناطق. بعبارة اخرى ؛ معتادون على التلوث. و هكذا، اصبحت مناطقهم بؤرا للتلوث البيئي الناجمة عن بناء مشاريع صناعية اكثرمما تستطيع عناصر البيئة- من ماء وهواء وتربة – في تلك المناطق اسيتعاب ما يلقى اليها من ملوثات دون الاضرار بها. مما انعكس سلبا على صحة السكان لتظهر بينهم اصابات بامراض مزمنة كالربو والتدرن الريؤي و الامراض التي تنتقل عن طريق المياه ايضا.
ان هذا التلوث لم يترك اثره فقط على تلك المناطق؛ بل ساهم في خلق بؤر للتلوث في الولايات الامريكية و بالتالي الاضرار بفرص التنمية المستدامة بمعنى اذا لوثت الاجيال الحالية كل او معظم المياه فلن تتبقى مياه صالحة للاجيال القادمة.
و كان ان تصدت المنظمات البيئية و النشاطيين البيئين لهذه الظاهرة مطالبين بتطبيق العدالة البيئية . ليضاف الى العدالة البيئية محورا اخر الا وهو التمييز العنصري البيئي [8]Environmental Racism سواء ان تم عن وعي كامل بالسلوك العنصري؛ حيث يسعى المستثمرون متعمدين الى بناء انشطتهم الملوثة في مناطق الافارقة والاقليات، لان السكان بنظر المستثمرين هم مواطنون من الدرجة الثانية. أو ان المستمرين يعتقدون ان سكان هذه المناطق معتادون على التلوث، فيعمدون الى بناء مشاريعم الملوثة فيها عن غير عمد فهم مواطنون من الدرجة الاولى لكنهم معتادون على التلوث.
بمعنى انه في الحالة الاولى فان المستثمرين يؤمن بقوانين Jim Crow ويسعون لتطبيقها رغم الغاءها اما في الحالة الثانية فان المستثمرين يطبيقونها بدون قصد وا نما اهمالا . الآ انه في كلا الحالتيتن فان هذه القوانين طبقت.
ان انعدام الوعي وضعف تمثيل الطبقات المسحوقة، ساهم بشكل كبير في حرمانها من الوصول الى الموارد الطبيعية، و توفير ادارة بيئية سليمة في مناطق سكنهم، حيث كان الظن السائد لدى مجلس المحلي لادارة هذه المناطق، ان المشاريع الصناعية ستجلب الرخاء الاقتصادي الى هذه المناطق. الآ ان الواقع ان حجم التلوث الذي تلقيه الى البيئة، ساهم في خفض قيمية العقارات و هروب الاستثمار فضلا عن تفشي الامراض بين السكان.
بمعنى ان جذور المشكلة، ترجع الى تأصل فكرة التمييز بين افراد المجتمع، و ضرورة ان يعيش افراد معينين من ابناء المجتمع في امكان خاصة بهم. فكل طبقة او شريحة عريقة تستقر وتستوطن في مدنية معينة لتنعكس الاحوال المعيشية و الثقافية و الاقتصادية على ادارة موارد المدنية بيئيا. ليصدر بعد ذلك مرسوم العدالة البيئة المذكور اعلاه ليبدء المجتمع بمعالجة هذه الازمة.
و لعل هذا الاستنتاج، يمثل اساس المقارنة بين الحضارة العربية الاسلامية وتوجه هذه الحضارة في احتواء مفهوم العدالة البيئية. ذلك ان المجتمع العربي قبل الحضارة العربية الاسلامية و تحديدا قبل ظهور الاسلام باعتباره مؤسس تلك الحضارة كان مجتمعا طبقيا؛ يقوم على التمييز بين السادة و العبيد، و كان العبيد يعاملون معاملة سيئة و يعيشون ظروفا مزرية. فالعبيد الذين يرعون الغنم يعيشون في اماكن خاصة بيهم مما يعني احتمال تحولها الى بؤر تلوث، اما عبيد الخدمة المنزلية فهم يعيشون مع السادة الا انهم لا يصلون الى الموارد الطبيعية و لا يتمتعون بها. فلا ياكلون مما ياكل السادة و لا يشربون مما يشرب السادة و هم يعملون حتى ياذن لهم السادة بالراحة. فاذا اخذنا بنظر الاعتبار قسوة البيئة الصحراوية فان المجتمع العربي قبل الاسلام كان سيواجه كوارث بيئية ناجمة عن ظهور بؤر التلوث داخله. لقد حاول المجتمع العربي عند ظهور الاسلام قطع الموارد عن المسلمين بهدف القضاء عليهم مما يعدّ تطبيقا قاسيا لحالة من حالات انعدام العدالة البيئية ذلك عندما حوصر الرسول محمد (صلعم) في شعاب مكة حيث حرم المسلمون من الوصول الى الموارد الطبيعية من ماء وغذاء وكان استهدافهم بناءً على ايمانهم بعقيدة معينة. و بالتالي ممارسة اعمال التمييز ضد كل من اتمنى لهذه العقيدة، مما يدل على استعداد المجتمع لممارسة التمييز و الاضطهاد البيئي الذي وصل الى حد حرمانهم من الوصول الى الموارد الطبيعية.
أما توجه الحضارة العربية الاسلامية فكان على النقيض تماما بحيث ارتكزت هذه الحضارة على المساواة في الحقوق والواجبات بين السادة و العبيد مما اتاح الفرصة امام العبيد الى الوصول الى الموارد الطبيعية و بالتالي الحيلولة دون نشوء بور التلوث في بيئة صحراوية قاسية . و هكذا كان الاسلام و تبعا له الحضارة العربية الاسلام مستوعبا لبيئته او ان جاز التعبير ابن بيئته .[9] و لهذا كان الرسول الكريم( صلعم) يقول عن العبيد” انزلوهم حيث نزلتم و اطعموهم مما اكلتم ” لقد كان ذلك جحر الزاوية لانقاذ المجتمع العربي من نشوء بؤر للتلوث داخله حيث ان الوصول الى الموارد الطبيعية وبشكل متساوي ومتاح امام الجميع و بدون تمييز هو الاساس في عدم نشوء بؤر التلوث. وهكذا تطورت فكرة العدالة البيئية مع الحضارة الاسلامية ليشهد المجتمع العربي الاسلامي انشار مفهوم الصحة و البيئة العامة واتاحتها امام الجميع، بما في ذلك انشار المرافق الصحية العامة المتاحة للجميع و انتشار طرق وقنوات تصريف المياه في المدن العربية و بعكسه فقد كان مصير المجتمع العربي الى الزوال لانهم كان قائما على حرمان فئة من المجتمع من الوصول الى الموارد الطبيعية . و انعكس ذلك في الفتوحات الاسلامية فلم يعامل المسلمون سكان البلاد الاصلية على انهم عبيد او سبايا بل سعوا الى تعليمهم و تثقيفهم و قبل كل شيئ تسهيل وصولهم الى الموارد الطبيعية و جعل هذه البلاد حواضر اسلامية لا تقل شانا عن مركز الخلافة. في حين ان دول نظام الانتداب او الاستعمار في اعقاب كلا الحربين العالميتين الاولى والثانية، لم تعمل على ذلك لانها اصلا تؤمن بفكرة طبقية المجتمع سواء اكان طبقة نبلاء او برجوازية. فقد تركت الحضارة العربية الاسلامية خلفها الاف المفكرين و المبدعين ممن هم قادرون على ادارة الموارد البيئة ادارة بيئية سليمة. في حين ان فرنسا مثلا عندما غادرت الكونغو لم تترك فيه غير خمسة فقط ممن يحملون شهادة عليا!
كانت الدولة الإسلامية تعني بالمرافق الخدماتية والعامة بشكل ملحوظ. فكانت تقيم المساجد ويلحق بها المكتبات العامة المزودة بأحدث الإصدارات في عصرها بمعنى ان المسجد لم يكن مكانا للعبادة فقط بل كان اصبح مكانا للعلم و الثقافة المجانية و زيادة الوعي لدى المواطنين. بحيث يسهل على الفقراء وذوي الدخل المحدود الوصول الى العلم و الوعي اللازم لمعالجة مشاكلهم، والارتقاء بحالهم الى حال افضل. فالكثير من علماء المسلمين في مجال الطب ،الفلك ،الرضيات، الكيمياء ، الفيزياء و غيرها كانوا فقراء او من اعراق اخرى غير عربية و لم يحل ذلك دون وصولهم الى الموارد الطبيعية، و من ثم مراكز صنع القرار. في حين ان غياب الوعي لدى الكثير من الافارقة الامريكين حال دون وصولهم الى الموارد الطبيعية، و دون تقديرهم لحجم المخاطر البيئية. كما حال دون حصولهم على فرص عمل افضل، تمكنهم من تحسين دخلهم، و بالتالي امكانية انتقالهم للعيش مناطق تتمتع بادراة بيئية سليمة.

كما اهتمت الحضارة الاسلامية بتوفير المرافق الصحية العامة، و التي كانت متاحة امام الجميع و بدون تمييز. فضلا عن مطاعم الفقراء، حيث كانت تتميز بكل الشروط الصحية و البيئية من حيث الموقع و الخدمات، بمعنى؛ ان ذوي الدخل المحدود كانوا يعاملون معاملة افضل، تتمثل بتسهيل حصولهم على احتياجاتهم الاساسية من ماء و طعام وخدمات صحية، و لم يكن المجتمع يمارس اعمال التمييز ضدهم لان دخلهم محدود، بل كان يساعدهم وصولا لتحسين و ضعهم، و الاستفادة منهم كموارد بشرية قادرة على اغناء الحضارة العربية الاسلامية. كما اقيمت الأسبلة لتقدم المياه للشرب بالشوارع، اي ان المياه الصحية الصالحة للشرب كانت متاحة امام الجميع ودون تمييز . وكان إنشاء (المستشفيات الإسلامية ) سمة متبعة في كل مكان بالدولة الإسلامية يقدم بها الخدمة المجانية من العلاج والدواء والغذاء ومساعدة أسر المرضي الموعزين .و كان الهدف من إنشاء هذه المستشفيات غرضا طبيا وعلاجيا بمعنى ان المجتمع لم يكن يمييز ضد ابناءه لانهم من ذوي الدخول المحدودة، أو لانهم ضعاف البنية، من خلال معاملتهم معاملة ادنى، بل كان يدعمهم و يسهل امامهم فرص الوصول الموارد الطبيعية و العيش في بيئة سلمية تسهل امامهم سبل الارتقاء [10]. ان عدم تمييز الحضارة الاسلامية بين الاعراق و الجنسيات التي انظوت تحتها ادى الى عدم خلق بؤر للتلوث تنخرها من الداخل، و تضعف بنية ابناءها و تؤدي بالتالي الى نضوب مواردها[11]. كما اهل هذه الحضارة الى الاستفادة من كل الموارد البشرية المتاحة لها من مفكرين وعلماء و ادباء لاغناء هذه الحضارة.[12]

. وكان الهواء يبرد في المستشفيات بتوفير المياه او بالملاقف الهوائية، بمعنى؛ ان الحضارة الاسلامية كانت تعي اهمية نوعية الهواء، وبالذات للمرضى، لانهم في حالة صحية اضعف من غيرهم، و بالتالي لابد من حصولهم على عناية اكبر. ذلك ان المجتمع العربي الاسلامي، كان يساند الفئات الضعيفة داخله، بتسهيل وصولهم الى الموارد الطبيعية، و تهئية بيئة سلمية امامهم للاستفادة من مواردهم البشرية .

مقتضيات تطبيق العدالة البيئية
تفرض العدالة البيئية جملة من التطبيقات العملية التي تجعل من هذا المفهوم قاعدة قانونية تطبقها المؤسسة البيئية في عملها
– معادلة التمييز : فكما ان هذه الشريحة من المجتمع تحملت عبء التلوث لوحدها و حرمت من الموارد الطبيعية، فان العدالة البيئية؛ تقتضي توفير اقصى درجات العناية ممثلة باتخاذ كل ما من شانه وقف التدهور الحاصل في بيئة هذه المناطق. سواء ان تمثلت هذه الاجراءات بمنع و ايقاف التلوث الحاصل في بيئة هذه المناطق؛ وهذا ما يعرف بالنطاق السلبي لمفهوم العدالة البيئية، حيث يسند هذا النطاق في جوهره الى المنع. اما النطاق الايجابي؛ لمفهوم العدالة البيئية فهو اتخاذ كل اجراء يقوم على تحسين حالة البيئة في هذه المناطق سواء اكان اجراء معنويا، كالقيام بحملات توعية وارشاد بيئي تساعد السكان على التعامل مع البيئة المتضررة التي يعشون فيهاز او اجراء ماديا؛ كان تقوم المؤسسة البيئية بترحيل المشاريع الملوثة أ و اغلاقها.
– ضمان التمثيل : فكما ان هذه الشريحة حرمت من المساهمة في صنع القرار البيئي، الذي ادى الى اضطهدهاز فيجب على المؤسسة البيئية،ضمان حسن تمثيل هذه الشريحة عند اتخاذ القرار البيئي الخاص بمناطق عيشها. حيث يجب ات تكون هذه الشريحة ممثلة عند اتخاذ القرار، كما يجب ان تكون ممثلة عند تطبيقه، لتكون اعلى مراحل التمثيل، هي مساهمة هذه الشريحة في تنفيذ القرار البيئي مما ينجم عنه خلق قاعدة شعبية للمؤسسة البيئية تمكنها من تحقيق افضل حماية بيئية ممكنة . ذلك ان حماية البيئة، لا يمكن ان تحقق بدون مساهمة فاعلة من المجتمع، تتمثل في استعاب القرار البيئي و صولا لسلامة تطبيقه. حيث يتمييز القرار البيئي عن غيره من القرار بكونه يخاطب المجتمع – على اختلاف طبقاته- فلو افترضنا مثلا ان المؤسسة قررت عدم السماح باقامة مشروع معين لكونه مخالفا للشروط البيئية، فان المؤسسة البيئية تخاطب المجتمع بان هذه المشروع يؤثر سلبا على صحة المواطنين ككل في حين ان اي قرار اخر لا يتضمن مثل هذا المعنى او المضمون . [13]
و هكذا؛ فكلما تمكن افراد المجتمع من فهم القرار البيئي والتفاعل معه، كلما تمكنت المؤسسة البيئية من تحقيق ادارة افضل للموارد البيئية. ليتوصل المجتمع بعد ذلك الى تنمية موارده بشكل يمكن معه للاجيال القادمة الاستفادة من هذه الموارد و هذا ما يعرف بالتنمية المستدامة.
نتائج و توصيات لاعادة تبني مفهوم العدالة البيئية عربيا
اعتبار مفهوم العدالة البيئية اساسا للنهوض بالمناطق التي تقطنها الغالبية الفقيرة والمسحوقة : من الغني عن البيان ان المجتمع العربي يخلو من اي نظرة تمييزية تجاه ابناءه. الا ان التحدي الاكبر الذي تواجهه الكثير من المؤسسات البيئية العربية هو كيفية ايصال الخطاب البيئي و من ثم النهوض بالبيئية في المناطق التي تقطنها غالبية عظمى ممن يعيشون تحت خط الفقر. حيث يعاني هذه الشريحة من مشاكل مركبة تتمثل في قلة وعيها بالمخاطر البيئية، فضلا عن ضعف ان لم يكن انعدام مواردها المالية التي تمكنها من الارتقاء بوضعها.
في حين ان بقية شرائح المجتمع قادرة على مواجهة مشاكلها البيئية بشكل افضل، لكونها تمتلك المعرفة اللازمة، فضلا عن امتلاكها للمقدرة المالية اللازمة – و ان كان ذلك يتفاوت من شحص لاخر-
الا ان الشريحة التي تعيش تحت خط الفقر، تبدو بموقف ومركز الضعيف تجاه اية مشكلة بيئية خاصة مشاكل تغيير المناخ [14] . فهذه الشريحة لا يملك المعرفة و المكنة اللازمة لمواجهة المشاكل البيئية. ليقع على عاتق المؤسسة البيئية و باعتماد مفهوم العدالة البيئية تقدم اقصى درجات العناية و الدعم لهذه الشريحة؛ بدءا من برامج التوعية والتثقيف البيئي، بشكل يساعد هذه الشريحة على مواجهة مشاكلها البيئية وايجاد حلول لها. حيث تحول المعرفة والتثقيف البيئي دون ” توريث ” الجهل او عدم الوعي البيئي الى جيل اخر، فاذا كانت الاسرة لا تعِ اهمية و ضرورة الحفاظ على البيئة، فان هذا السلوك سنقل الى الجيل الثاني في هذه العائلة، لينشئ و على المدى الطويل جيلا غير واعي بضرورة وجود مياه صحية و ضرورة اتخاذ الاجراءات اللازمة للحفاظ على مصادر المياه .
لتبدء المؤسسة البيئية بعد ذلك ببرامج النهوض بهذه المدن و و الحيلولة دون تحولها الى بؤر للتلوث تستهلك موارد الدولة الطبيعية من خلال اعتماد المعايير البيئية التي تحدد من الاثر المضاعف للتلوث . فضلا عن جعل هذه المدن في مقدمة خطط التنمية و التحديث .
حيث لا يمكن المباشر بخطط التنمية بمعزل عن تعاون هذه الشريحة و اشراكها في عملية صنع القرار البيئي ووصلا للنهوض ببيئتها وألا فان بؤر التلوث ستغزو البيئة العربية.

معركة القسطل

كاتب الموضوع الأصلي: سعد السهلي 20

قرية القسطل
تقع قرية القسطل غربي القدس، وهي ترجمة لكلمة “”castle وتعني الحصن أو القلعة، وهي واحدة من أخطر الأماكن في فلسطين، وكان الاستيلاء عليها بداية خطة يهودية لاحتلال الجزء الأكبر من فلسطين.

احتلال الصهاينة قرية القسطل
في 2/4/1948م قامت قوات الهاجانا اليهودية بمهاجمة قرية “القسطل” غربي القدس، واستولت عليها وطردت كل سكانها منها وكانت القسطل تشكل في الحقيقة بداية لخطة يهودية لاحتلال الجزء الأكبر من فلسطين قبل إنهاء الانتداب البريطاني في 15/5/1948م.

جهاد عبد القادر الحسيني لتحرير القسطل
قام القائد عبد القادر الحسيني بمواجهة هذا الهجوم بقوات فلسطينية متفرقة ومجاهدين بأسلحة قليلة الفعالية في الحروب، ولم تتلق هذه الجماعات المقاومة أي دعم من البلدان العربية التي كان بعضها لايزال يعاني وطأة الاستعمار. لكن القائد عبد القادر الحسيني أخذ الأمور على عاتقه، وفي 5/4/1948م توجه بقواته البسيطة نحو القسطل، وليس معه سوى 56 مناضلا من المجاهدين، واستطاع فعلا أن يحاصر القسطل، لكن قبل أن يضرب حصاره على القسطل توجه إلى جامعة الدول العربية ليلتقي اللجنة العربية العسكرية العليا، وطالبهم بمساندته، وتتحدث كتب التاريخ عن هذا اللقاء بين عبد القادر الحسيني واللجنة العسكرية.

ثم إنه توجه نحو القسطل بقواته وأسلحته البسيطة، وقد صادف أن كان أحد الجيوش العربية بقيادة إنجليزية موجودًا ومتمركزًا في رام الله، فطلب عبد القادر من هذا الجيش مساندته، فاعتذر قادة الجيش وطلبوا تأجيل القتال حتى يحدث الانسحاب العسكري البريطاني في 15/5/1948م، ولم تكن الدول العربية تريد مواجهة مع بريطانيا، ورأت أن أي عمل عسكري وقتها يعني مواجهة حتمية مع بريطانيا، ولكن الحسيني بدأ يرسل إلى المتطوعين من الحركات الإسلامية في فلسطين ومصر وما حولها، ثم إنه طوَّق القسطل وبدأ يستنجد مرة أخرى بالقيادة العسكرية، وأرسل إليهم بأنه بمساعدتهم سينهي الوجود اليهودي فيها، بيد أن القيادة العسكرية للجامعة العربية أصرَّت على موقفها.

وأثار ذلك الترنح في مواقف الجامعة العربية حفيظة الحسيني، وثارت ثائرته فأطلق صيحته قائلا: “نحن أحق بالسلاح المخزَّن من المزابل، إن التاريخ سيتهمكم بإضاعة فلسطين، وإنني سأموت في القسطل قبل أن أرى تقصيركم وتواطؤكم”.

وقد ذكرت “جريدة المصري” أن اللجنة العسكرية العليا التابعة للجامعة العربية جعلت تسخر من عبد القادر الحسني وضعف قوته وعتاده اللذين يحملهما لمواجهة اليهود، وهزأ منه طه الهاشمي وأخبره أن لدى اللجنة العتاد والسلاح، ولكنها لن تعطيه لعبد القادر، ولكنها ستنظر في الأمر بعد 15/5/1948م فكان رد عبد القادر الحسيني عليه: “والله يا باشا إذا ترددتم وتقاعستم عن العمل فإنكم ستحتاجون بعد 15/5 إلى عشرة أضعاف ما أطلبه منكم الآن، ومع ذلك فإنكم لن تتمكنوا من هؤلاء اليهود، إني أشهد الله على ما أقول، وأحملكم سلفا مسئولية ضياع القدس ويافا وحيفا وطبرية، وأقسام أخرى من فلسطين”.ولكن أعضاء اللجنة لم يهتموا لقوله وسخروا من حماسه واندفاعه، فاستشاط عبد القادر غضبًا، ورمى بشيء كان في يده في وجوههم وقال: “إنكم تخونون فلسطين ..إنكم تريدون قتلنا وذبحنا !”.

أما صديقه ” قاسم الرمادي ” فقد قال:” ليسقط دمي على رأس عبد الرحمن عزام ( أمين الجامعة العربية )، وطه الهاشمي وإسماعيل صفوت (قادة القوات العسكرية التابعة للجامعة العربية ) الذين يريدون تسليمنا لأعدائنا لكي يذبحونا ذبح النعاج، لكننا سنقاتل بدمائنا وأجسادنا، وليبق السلاح مكدسا في عنابر اللجنة العربية، وفي مزابلها، سنرجع إلى فلسطين لنحقق أمنيتنا بالفوز بإحدى الحسنين إما النصر وإما الشهادة “.

وقرأ قوله تعالى: {فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 74].
ثم قَفَل عائدا إلى القسطل، وجعل يردد قول أخيه القائد الشاعر عبد الرحيم محمود الذي استشهد في معركة الشجرة:

بقلبي سأرمي وجوه العـداة *** فقلبي حديد وناري لظى
وأحمي حماي بحدِّ الحسـام *** فيعلم قومي بأني الفتى
أخوفًا وعندي تهون الحياة ؟! *** أذلاًّ وإني لـربي أبى ؟!

ثم جمع من المتطوعين مع عبد القادر الحسيني 500 رجل مجاهد انضموا إليه في حصار القسطل، في 29 جمادى الأولى 1367هـ / 8 أبريل 1948م بدأ الهجوم الشامل على القرية، وانتهت المعركة بمقتل 150 يهوديًّا وجرح 80 منهم، وتم تحرير القسطل، ولكن بعد استشهاد البطل العظيم عبد القادر الحسيني رحمه الله تعالى.

ولكن لم يتمتع المجاهدون بنصرهم سوى يوم واحد، إذ هجمت عصابات الهاجانا مدعومة بالطائرات والمدرعات على القرية واحتلتها في اليوم التالي والذي شهد أيضًا واحدة من المجازر البشعة في تاريخ فلسطين والمنطقة بأسرها.

القدس في العصر العثماني

كاتب الموضوع الأصلي: سعد السهلي 20

ربما كانت القدس من أكثر مدن العالم التي أمَّهَا الرحالةُ والمستكشفون والحجاج والفقهاء، وكذلك طلبَهَا العلماءُ والبحَّاثة من السويات كافة، فكانت نتائجُ حوارِهم مع المدينة مكتبةً ضخمة نوعية من المخطوطات وسلاسل من اللوحات التشكيلية ومجموعات من الصور والوثائق والخرائط ووجهات النظر القادمة من كل جهات الأرض.. ومن ذلك أنَّ القدسَ لاقَتْ خلال تاريخها أنواعاً من الاهتمام الخارجي، كان الأشد أهميةً فيه هو الاهتمام الاستشراقي التاريخي وتداعياته السياسية المتلاحقة.

تَشَكُّلُ القدس العثمانية
كانت تلك اللحظة التي حُسمَتْ فيها المعركة لصالح السلطان العثماني سليم الأول في شمالي حلب.. تلك اللحظة من سنة 922 هـ / 1516م.. في تلك البقعة الشامية القصية في مرج دابق.. كان بَدْءُ تاريخ جديد دخلتْ به غربُ آسيا جميعها بما فيها بلاد الشام بفلسطينها وقدسها في نطاق الإمبراطورية العثمانية واستمر ذلك حتى نهاية الحرب العالمية الأولى.. وكان الإعلانُ عن ذلك مجلجلاً حددته هذه المعركة المفصلية.. في السنة التالية دخل العثمانيون القدس.. وأخذَ السلطان سليمان القانوني (927 هـ / 1520م) يوجه اهتماماً مميزاً للمدينة.. وبالرغم من أنَّ مدينة القدس تحمل هويتها الثابتة بخصوصيات مدنية ونفسية نوعية، فيها الانفتاح والتعددية وذلك العِتْق الإيماني المرابط.. بالرغم من هذا البعد ذي الطبيعة الفلسطينية التاريخية المميزة والملفتة للانتباه.. فقد عَمَّقَتْ الإدارةُ العثمانية ومبكراً – ومثلما فعلت في باقي مدن بلاد الشام الرئيسات : دمشق وحلب- حضورَها وبصماتِها الثقافية بتركيز واضح على العمارة وإنشاء المجمعات الواسعة ورصد الأوقاف لها.

العمارة العثمانية في القدس
أُقيمتْ في بدء القرن الأول العثماني في مدينة القدس تكويناتٌ معمارية استراتيجية بقي كثير منها قائماً قرناً بعد قرن.. كان منها: سور القدس الذي دامت عمارته خمسة أعوام ولعله أهم أثر عثماني، وتكية خسكي سلطان، ومساجد وأسبلة. وكان هناك تجديد في قبة الصخرة.

السلطان العثماني سليمان القانوني
تميزَ الانتشارُ المعماري في القدس في العصور العثمانية بظهور العمارة المرتبطة بالتصوف (التكايا والزوايا ومؤسسات الصوفية الأخرى)..وهكذا بدأتْ بذلك البصماتُ العثمانية تنطبع في قلب ووجه القدس منذ السلطان العثماني سليمان القانوني (1520 – 1566م) الذي أعاد بناء سور جديد للمدينة لاسيما في المواقع المهمة في الشمال والجنوب مدعماً بعدد من الأبراج والأبواب التي ما زالت مفتوحة حتى الآن (باب العمود أو باب دمشق، وباب الساهرة وباب ستي مريم، وباب الخليل وباب يافا وباب النبي داود وباب المغاربة).

وقد بقي الاهتمامُ المعماري بمنطقة الحرم القدسي أمراً واضحاً في جميع العهود الإسلامية، غير أنه تميز في العهد العثماني بالاتساع والديمومة وارتباطه العميق بالحاجات الإنسانية الأساسية.. ففي عهد السلطان سليمان القانوني تَجَلَّتْ وتَجَسَّدَتْ عمارةُ (سُبلان الحرم القدسي) كتكوينات وظيفية لتأمين الماء، وكتكوينات جمالية وبيئية تمنحُ المكانَ سحرَ الماء وعذوبتَهُ مما أضفى على الحرم جاذبيةً انضافتْ إلى سحر قدسيته.. فقد بُنيت عدةُ سبلان في الطرق الرئيسية المؤدية إلى المسجد الأقصى بالقرب من مداخله..فهناك سبيل عند باب السلسلة المدخل الرئيس لساحة الحرم، وسبيل قرب باب الناظر المؤدي إلى الحرم، وسبيل (ستي مريم) القريب من مدخل الحرم المعروف بباب الأسباط عند الزاوية الشمالية الشرقية من ساحة الحرم، وسبيل بركة السلطان في جانبها الجنوبي.. وغيرها.

خسكي سلطان – زوجة السلطان سليمان القانوني
وكان كذلك الوقف الذي خصصته خسكي سلطان – زوجة السلطان سليمان القانوني والمفضلة لديه – من أكثر العمارات العثمانية التي امتازتْ بالاستراتيجية وبالأداء الإنساني بآن معاً. أُقيم هذا الوقفُ سنة 1552م حين أُنشِئَ مجمعٌ للفقراء والضعفاء والمحزونين:ضَمَّ تكيةً لها خمسة وخمسون باباً ونزلاً ومطبخاً عاماً ومخبزاً وإسطبلات ومخازن. ونَصَّتْ حُجَّةُ الوقف على عدد الموظفين المطلوبين لإدارة هذا المجمع من خدم وكتبة وطهاة ومتدربين ومفتشي أطعمة وغسالي صحون وطحانين وعمال وجامعي قمامة.. وجاء في حجة الوقف تحديد نوع الطعام الذي يقدم والعناصر الغذائية المستخدمة. وأما الأوقاف المرصودة لصيانة المبنى فتأتي من ثلاث وعشرين قرية فلسطينية، وعوائد تجلب من قرية في شمال لبنان وعوائد من متاجر ومصانع صابون في طرابلس) وقد بقي (مطبخ خسكي سلطان) يعمل طوال فترة الانتداب البريطاني.

أما قبة الصخرة فجرى في عهد السلطان سليمان القانوني استبدال زخرفتها الفسيفسائية التي شكلت الكسوة الخارجية للجدران العلوية لـ (قبة الصخرة) ورقبتها، وكان الخراب والتلف قد بدأ يعمل بها.. استُبْدِلَتْ هذه الكسوةُ الزخرفية بالقيشاني الذي مازال قائماً إلى اليوم.

تراثٌ مخطوط موضوعه مدينة القدس
غير أنَّ ثمة اهتماماً داخلياً خلق إنتاجاً ثقافياً ضخماً في تاريخ المدينة ولحظاتها المختلفة، فكَثُرَتْ المؤلفاتُ العربية التي وُضِعَتْ في تاريخ بيت المقدس وخصوصياته بدءاً من القرن الثالث الهجري وحتى القرن الرابع عشر، أي أنَّ تراثاً مخطوطاً كان موضوعه مدينة القدس تشكل طوال هذا الزمن وهو ما يحتاج إلى عملية استراتيجية عميقة وطويلة هي عمليةُ تحقيقه ونشره ومن ثم إتاحته لعمليات بحثية نوعية وحداثية.

بدءاً من القرن الثاني عشر الهجري / الثامن عشر الميلادي اقتصرت الكتاباتُ الجغرافية على الأماكن المقدسة في فلسطين.

من أشهر ما كُتبِ في هذه الفترة:

الحضرة الأنسية في الرحلة القدسية
كتابُ (الحضرة الأنسية في الرحلة القدسية) للشيخ عبد الغني بن إسماعيل النابلسي (1050 هـ – 1143هـ ). الذي أودع فيه ما شاهده في مدن عكا والناصرة ونابلس والقدس والرملة ويافا وعسقلان وغزة وخان يونس في رحلته التي قام بها إلى فلسطين سنة (1101 هـ).

سوانح الأنس برحلتي لوادي القدس
والمخطوط الثاني (الرحلة الثانية) كان (سوانح الأنس برحلتي لوادي القدس) للشيخ مصطفى أسعد اللقيمي الدمياطي (1105 – 1187 هـ / 1693- 1773م). سُجلت مشاهدات رحلة الشيخ اللقيمي المقدسية في أواسط الفترة العثمانية (منتصف القرن الثامن عشر) وذلك مع بدء التمدد الأوروبي نحو فلسطين وتشكيله مقدمة لنواة عملية صهيونية عالمية سرعان ما أسفرت عن وجهها.

تعتبرُ مخطوطةُ (سوانح الأنس) من أكثر المخطوطات التاريخية أهمية فقد تناولتْ مدينةَ القدس ومحيطها من البلدات والأماكن المقدسة.. وكذلك المدن والبلدات الفلسطينية التي عَبَرَها الشيخ اللقيمي في طريقه إلى مدينة القدس.. وهو خلال ذلك لا يسرد تاريخها كمدن (الطريقة الكلاسيكية) بل ينتقل إلى التوثيق لمشاهداته الحية عبر هذا الكتاب، خارجاً من سوية لغوية وأدبية راقية ستمنح هذا الكتاب الأهميتين معاً: التوثيقية التأريخية ويكون الجانب المعماري بعداً منها، والأهمية الثانية هي البعد الأدبي والشعري بوجود القصائد والأبيات التي كتبها الشيخ المؤرخ الشاعر نفسُهُ وذلك خلال عبوره المدن والبلدات الفلسطينية.

يمكن تصنيف المخطوط أيضاً في (أدب الرحلة) لكونه يمتلك أسلوباً أدبياً جلياً يتمثل في التشكيل البلاغي للجمل، ونستطيع من خلال القراءة الأولى في هذا المخطوط أن نلاحظ الحضور الكثيف للشعر في كتابه وكونه يشكل إحدى القواعد الرئيسة التي يستند إليها في كتابة وتوثيق رحلته. وشكلت المرجعيةُ التاريخية قاعدةً أخرى، فكان من مصادره: المقريزي والهروي والحنبلي والشيخ النابلسي أيضاً..

ففي الورقة (3و) من المخطوط (نسخة دار الكتب المصرية) [1] يحدد اللقيمي اليوم الذي بدأت فيه رحلته والمكان الذي انطلقت منه: يوم الثلاثاء ( 1143 هـ) من دمياط.
وهكذا يقدم لمحة تاريخية وتوصيفاً لبعض تكويناتها المعمارية، مثلاً في دمياط يذكر الجامع الفاتحي.. ويسجل في الورقات التاليات وصوله إلى العريش وخان يونس ودخوله إلى غزة.. ثم مشاهداته في مدينة الرملة. وفي الورقة (23ظ) يسجل وصولَهُ إلى وادي القدس وإنشاده قصيدة طويلة بذلك مطلعها :

بشراك بشراك وادي القدس قد لاحا وطـي نشر الشذا في دوحـه فـاحا

وفي الورقات التاليات (24و) و (26و) وما بعدها: يسجل مشاهداته وتوصيفاته لسور المدينة وأبوابها وأسمائها..ثم يتابع مشاهداته في الحرم القدسي.. فيقدم وصفاً معمارياً وأبعادياً للمسجد الأقصى.. للرواق الغربي.. وللصهاريج السبعة والأربعين والبركة الكبيرة والكأس.. ومقبرة الرحمة الإسلامية ووادي جهنم ودلالته لدى اليهود..ويصف كنيسة (الجثمانية) ويسجل مشاهداته لعين سلوان وبئر أيوب.

ولا يقتصر في تسجيلاته الدقيقة على مدينة القدس فقط بل يتابع توصيفاً مماثلاً بنفس المنهج لمدينة دمشق فيسجل مشاهداته في دمشق لجميع تكويناتها المعمارية والمائية.
كذلك فإنَّ هذه المخطوطة تؤرخُ لمدينة القدس وأوضاعها قبل حوالي 100سنة من بدء التحرك اليهودي السياسي تجاه فلسطين.. هذا التحرك الذي يعتبر مؤتمر بال في سويسرا 1897م البدايةَ المُعْلَنَة له.

خصوصياتٌ مجتمعية وإدارية
مدينةُ القدس لمَّا تزلْ مركزاً أزلياً للخضم السياسي في قلب العالم، وفي الوقت الحالي دخلتْ في عواصفَ ذاتِ مستوياتٍ متباينة من المؤثرات السياسية..

ولكنْ، قبل الحضور الغربي الرسمي إليها قبل 1917م امتلكتْ الدولةُ العثمانية الساحةَ السياسية للقدس.. وكان لهذا الأداء خصوصياتٌ:

خصوصيةُ التوازن مع أوروبا والانفتاح المديني
واصل العثمانيون بحرص شديد يجمع ما بين تطبيق الأساليب الإسلامية في التسامح والاعتدال وبين تحقيق توازن في التعامل السياسي مع أوروبا.. واصلوا تطبيق نهج من الاعتدال في التعامل مع المصالح الدينية المسيحية فتم الاعتراف ببطريريكية فلسطين للروم الأرثوذكس في القدس في القرن السادس عشر باعتبارها القَيِّمَة على الأماكن المقدسة. وأصبحت فرنسا في الوقت نفسه تقريباً راعية الرهبان الكاثوليك.

وفتحت الإمبراطورية العثمانية أبوابها – شأنها في ذلك شأن سائر أنظمة الحكم الإسلامية السابقة عليها – أمام مئات الآلاف من اللاجئين اليهود الذين فروا من الاضطهاد الديني المسيحي في اسبانيا وغيرها من دول العالم المسيحي. لكن الأغلبية العظمى من هؤلاء اليهود سلكت مسلك أسلافها في القرون الماضية بعد الحروب الصليبية، وفضلت ألا تعيش في فلسطين ذاتها، ومن هنا هبط عدد اليهود في القرن الأول للحكم العثماني إلى أقل من ألف شخص في جميع أنحاء مدينة القدس، وحتى القرن الثالث للحكم العثماني[2] -منتصف القرن الثامن عشر الميلادي- بلغ عدد اليهود 115 شخصاً فقط.

وضع العثمانيون مجموعة من الأحكام واللوائح، تضمنت حقوق اليهود والمسيحيين وواجباتهم في ممارسة شعائرهم الدينية في مزاراتهم واستندت هذه الأحكام إلى: العُرف وإلى الحقوق التي أقر بها الحكام المسلمون منذ العهدة العمرية، بالإضافة إلى أن المدن الفلسطينية الساحلية تميزت باستقطاب نشاط تجاري أوروبي لم تمانعه الدولة العثمانية.. واستمرت طرق التجارة مفتوحة بين سورية ومصر عن طريق فلسطين، والتقت كذلك طرق الحج المتوجهة إلى مكة سواء القادمة من دمشق أو القاهرة أو غيرها في بلدة العقبة الفلسطينية. وبحلول منتصف القرن التاسع عشر كانت دول أوروبية كثيرة قد افتتحت قنصليات لها في فلسطين. وقد أسفر ذلك عن عدة نشاطات أوروبية ذات أبعاد استراتيجية كان لها بالتأكيد تأثير لاحق:

فخلال النصف الثاني من القرن التاسع الهجري بدأت البعثات التبشيرية المسيحية (كاثوليكية – بروتستانتية – رومية أرثوذكسية) تتغلغل بمدارسها ومستشفياتها ومطابعها. وفي سنة 1892م أكملت شركة فرنسية بناء خط حديدي يصل بين يافا والقدس، وبقيتْ فلسطين قياساً بجميع الولايات العربية في الإمبراطورية العثمانية – باستثناء بعض القطاعات من جبل لبنان- من أكثر المناطق انفتاحاً على أوروبا المسيحية.

سنجق القدس في التقييم العثماني/ نهاية القرن 19م
في عام (1887- 1888م) قسمت المنطقة التي عرفت فيما بعد بـ (فلسطين تحت الانتداب) إلى ثلاث وحدات إدارية: سنجق القدس، وسنجقا نابلس وعكا في الشمال.
أمَّا سنجق القدس فكان يتألف من نصف أراضي البلاد في الجنوب وقد حُكم من قبل الآستانة مباشرة نظراً لأهميته بالنسبة للعثمانيين.

في ذلك الوقت (نهاية القرن التاسع عشر) كان عدد سكان السناجق الفلسطينية الثلاثة: 600000 نسمة لا يتجاوز عدد اليهود فيهم 2500 (أي نسبة 4 بالألف). وحتى هذا الوقت كانت الأمور السكانية بل الاجتماعية طبيعية للغاية ولم يكن في وضع اليهود أدنى حضور سياسي.. كان نصف هذا العدد من اليهود من المتدينين الذين يكرسون حياتهم للعبادة والصلاة ويتعمدون الابتعاد عن الحياة العامة، أما القسم الباقي من اليهود فلم يكونوا من المواطنين العثمانيين بل من حملة جنسيات أجنبية تتمتع بحماية نظام الامتيازات..

خصوصيةُ الاعتدال والاتساع الإسلامي
وحتى هذا الوقت تقريباً لم تكن الصهيونية قد أطلتْ برؤوسها بعد.. وكانت علاقات طبيعية تاريخية مديدة تحكم بين الفلسطينيين “مسلمين ومسيحيين” واليهود.. علاقات مستقرة مسالمة تحمل أكثر من ألف سنة من التعايش الطبيعي البعيد عن الإلصاق والتطرف وهما من المواليد الشرعية للصهيونية.

عرفت فلسطين مناخاً من الاعتدال والتسامح الديني، فالمسلمون الفلسطينيون كانوا يوقرون الأنبياء كافة، وهو شعور تأصل في فلسطين بسبب تقاليد الحج إلى المقامات الدينية. وكان المسلمون الفلسطينيون أكثر من غيرهم شعوراً بذلك.. وذلك بسبب وقوع المواقع المقترنة بالأنبياء في أرضهم.. فكانت المساجد والمزارات الإسلامية التي تكرم الأنبياء العبرانيين وتحمل أسماءهم باللغة العربية.. وهي من السمات العامة في يوميات الحياة الفلسطينية.. ولعل من الأمور الفريدة وسط المسلمين مسلك الفلسطينيين في الاحتفال بالأعياد الدينية التي تكرم الأنبياء العبرانيين (موسم النبي موسى – موسم النبي روبين – أربعاء النبي أيوب).. وكذلك موقفهم من إخوتهم المسيحيين، وهي علاقات خلت من التوتر بصورة ملفتة. وليس غريباً أن تعهد مختلف الطوائف الدينية المسيحية في القدس بمفاتيح كنيسة القيامة إلى أسرة فلسطينية مسلمة.

أخيراً
تَشَكَّلَ في ملامحِ القدس طابعٌ عثماني جَلِي.. لم يتشكلْ في البنية المعمارية فقط، بل كان في التراث الثقافي العريض ومنه التراث المخطوط، وامتد كذلك إلى التركيبة المجتمعية والإدارية.. مما أكد أداءً عثمانياً استغرقَ قروناً طِوالاً أضافَ إلى كتابِ التاريخ المقدسي تاريخاً نوعياً.

معركة المصارة

كاتب الموضوع الأصلي: سعد السهلي 20

لكل شيءٍ إذا ما تم نقصان فلا يُغرُّ بطيب العيش إنسانُ
هي الأيامُ كما شاهدتها دُولٌ مَن سَرَّهُ زَمنٌ ساءَتهُ أزمانُ

هذه الكلمات المكلومة وإن قالها أبو البقاء الرندي في رثاء نهاية دولة الإسلام في الأندلس إلا أننا يمكن أن نسقطها على بدايتها في الأندلس.

فها هي جيوش العباسيين تخوض البلاد ثورة على دولة بني أمية والتي كانت فيها نهايتها بعد معركة الزاب جمادى الآخرة عام 132 هـ، ولم ننتظر من قلوب العباسيين رحمة، بل كانت الدماء والأشلاء في كل مكان في أحياء دمشق، ولم يترك العباسيون أحدًا من بني أمية صغيرا كان أو كبيرا إلا نالته السيوف الثائرة، ولم يفلت من الموت إلا شاب صغير في ريعان شبابه وفتوته، وقد كان مرشحًا للخلافة في دمشق، لذلك كانت سيوف العباسيين أكثر تربصا له، إلا أن الله تعالى كتب له عمرا جديدًا، ليبني دولة آبائه في المغرب بعد أن طمس نورها العباسيون في المشرق.

إنه صقر قريش عبد الرحمن الداخل بن معاوية بن سليمان بن عبد الملك بن مروان.

عبد الرحمن بن معاوية .. في الطريق إلى الأندلس
كانت قصة هروب عبد الرحمن الداخل من سيوف العباسيين مثيرة وعجيبة، يحكيها المقري التلمساني فيقول: ” خرج مستتراً إلى مصر، فاشتد الطلب على مثله، فاحتال حتى وصل برقة، ثم لم يزل متوغلاً في سيره إلى أن بلغ المغرب الأقصى، ونزل بنفزة، وهم أخواله، فأقام عندهم أياماً ثم ارتحل إلى مغيلة بالساحل، وقيل: بمكناسة، وقيل: بقوم من زناتة، فأحسنوا قبوله، واطمأن فيهم، ثم لحق بمليلة، فأرسل مولاه بدراً بكتابه إلى مواليهم بالأندلس عبيد الله بن عثمان وعبد الله بن خالد وتمام بن علقمة وغيرهم، فأجابوه واشتروا مركباً وجهزوه بما يحتاج إليه، وكان الذي اشتراه عبيد الله بن عثمان، وأركب فيه بدراً، وأعطاه خمسمائة دينار برسم النفقة، وركب معه تمام بن علقمة، وبينما هو يتوضأ لصلاة المغرب على الساحل إذ نظر إلى المركب في لجة البحر مقبلاً حتى أرسى أمامه، فخرج إليه بدر سابحاً، فبشره بما تم له بالأندلس، وبما اجتمع عليه الأمويون والموالي، ثم خرج إليه تمام ومن معه في المركب فقال له: ما اسمك وما كنيتك فقال: اسمي تمام، وكنيتي أبو غالب، فقال: ثم أمرنا وغلبنا غدوّنا إن شاء الله، ثم ركبوا المركب معه فنزل بالمنكب، وذلك غرّة ربيع الأول سنة 138هـ” [1].

عبد الرحمن الداخل .. في بلاد الأندلس
نزل عبد الرحمن الداخل رحمه الله على ساحل الأندلس بمفرده، واستقبله هناك مولاه بدر، وكان يحكم الأندلس في ذلك الوقت يوسف بن عبد الرحمن الفهري، وكالعادة كان في الشمال يقمع ثورةً من الثورات وبمجرَّد أن دخل عبد الرحمن بن معاوية الأندلس بدأ يُجَمِّع الناس من حوله؛ محبِّي الدولة الأموية، وابربر، وبعض القبائل المعارضة ليوسف بن عبد الرحمن الفهري، كما كان قد وصلت إلى الأندلس فلول من الأمويين الهاربين، إلى جانب التحالف المأخوذ مع اليمنية.

كان على رأس اليمنيين في ذلك الوقت أبو الصباح اليحصبي، وكان المقرُّ الرئيس لهم في إِشْبِيلِيَة، وهي المدينة الكبيرة التي كانت تُعَدُّ حاضرة من حواضر الإسلام في ذلك الوقت، فذهب عبد الرحمن بن معاوية بنفسه إلى إِشْبِيلِيَة، واجتمع طويلاً مع أبي الصباح اليحصبي، فبايعه أبو الصباح وقبل القتال أرسل عبد الرحمن بن معاوية عدَّة رسائل إلى يوسف بن عبد الرحمن الفهري يطلب وُدَّه، وأن يُسَلِّم له الإمارة، ويكون الفهري رجلاً من رجاله في بلاد الأندلس، بحُكْمِ أنه حفيد هشام بن عبد الملك، لكن يوسف الفهري رفض ذلك، وجهَّز جيشًا وجاء ليحارب عبد الرحمن بن معاوية ومَنْ معه [2].

معركة المصارة
كان عبد الرحمن الداخل شابًا ذا نجابة وذكاء وفطنة، وقد علم بعيونه بتحركات يوسف الفهري، فجهَّز جيشه وكان قرابة الثلاثة آلاف فارس وعسكر بقرية المصارة على نهر قرطبة يوم الاثنين لست خلون من ذي الحجة 138هـ/ 9 مايو 756م، وفي المقابل عسكر جيش الفهري على الجانب الآخر للنهر، وأقاما ثلاثة أيام متناطرين، والنهر حاجز بينهما بحمله. وفي اليوم الرابع وهو يوم الخميس تاسع ذى الحجة، هبط ماء النهر وانحسر في بعض المواضع، فتأهب الفريقان للحرب.

لم يغب عن عبد الرحمن الداخل ما تمثله هذه المعركة من خطورة وما سيعقبها من نتائج، لذلك عمل لها كل ما يملك من حيلة ودهاء، وقد عرض يوسف الفهري على عبد الرحمن الداخل الصلح، لاقتراب أيام عيد الأضحى، فأظهر عبد الرحمن قبول الصلح، فبات الناس على ذلك ليلة العيد، وكان قد أسر خلاف ما أظهر، واستعد للحرب.

وكان لعبد الرحمن الداخل خيلًا أشهب يسميه الكوكب، فقالت اليمنية: “هذا فتىً حديث السن تحته جواد وما نأمن أول ردعةٍ يردعها أن يطير منهزماً على جواده ويدعنا”، فوصلت المقالة إلى عبد الرحمن الداخل من أحد مواليه فذهب بنفسه إلى أبي الصباح اليحصبي زعيم اليمنية،وقال له: ” إن فرسي هذا قلق تحتي، لا يمكنني من الرمي، فقدم إلي بغلك المحمود أركبه”، فلما رأى اليمنية ما فعله عبد الرحمن اطمأنت نفوسهم، وعلموا أنه لا يريد هربا بل يرد قتالا.

ثم قال عبد الرحمن لأصحابه: “أي يوم هذا؟ قالوا: الخميس يوم عرفة، فقال: فالأضحى غداً يوم الجمعة، والمتزاحفان أموي وفهري، والجندان قيس ويمن، قد تقابل الأشكال جداً، وأرجو أنه أخو يوم مرج راهط، فأبشروا وجدوا”.

وهنا تبرز صفات القائد الناجح الذي يعرف كيف يقذف بالحماسة في قلوب جنده. كما يعرف كيف يتعامل مع المشاكل التي تنتشر من بعض المغرضين في جيشه.

وفي المقابل في جيش يوسف الفهري كان اليأس قد تملك القلوب والمعنوايات القتالية قد انخفضت، فقد مشى العلاء بن جابر العقيلي إلى الصميل بن حاتم وكلاهما من وجوه قيس؛ فقال له: (يا أبا جوشن اتق الله! فوالله! ما أشبه هذا اليوم إلا بيوم المرج! وإن عاره لباق علينا إلى اليوم؛ فإن الأمور يهتدي لها بالأقران والأمثال: أموي وفهري وقيس واليمن! وهذا يوم عيد، ويوم جمعة؛ ويم المرج أيضا يوم جمعة! والأمر، والله! علينا، لا شك في ذلك! فاتق الله، واغتنم لنا الأمر لنكون فيه أعزاء لا أتباعا!).

وما هي إلا لحظات وقد أشرق صباح يوم الجمعة وهو يوم عيد الأضحى 10 ذي الحجة 138 هـ/ 13 مايو 756م، دفع عبد الرحمن الداخل قواته لاقتحام النهر، وكان أول من اقتحمه منهم جند بني أمية، وكان يوسف الفهري يتفوق على خصومه بكثرة فرسانه، ولكن التفرق كان يسود جنده، وكانت جموع عبد الرحمن تضطرم على قلتها عزماً وحماسة، فنشبت بين الفريقين معركة من أشرس المعارك التي لم يشهدها المسلمون من قبل في الأندلس، وللأسف لم تكن سيوف المسلمين تحصد رقاب القوى الصليبية المتربصة بالشمال، بل كان المسلمون يحصدون رقاب بعضهم البعض.

ولما اشتد الكرب بين يدي عبد الرحمن الداخل، ورأى شدة مقاساة أصحابه، قال لهم محفزا: “هذا اليوم هو أُس ما يبنى عليه، إما ذل الدهر وإما عز الدهر، فاصبروا ساعة فيما لا تشتهون تربحوا بها بقية أعماركم فيما تشتهون”.

ومع أن معركة المصارة كانت معركة عنيفة ولكنها كانت قصيرة، فلم يأت الضحى حتى مزقت خيل يوسف، وهزم جيشه هزيمة شديدة، ونهبت أسلابه، وقتل كثير من وجوه القيسية والفهرية. وفر يوسف صوب طليطلة، حيث كان ولده عبد الرحمن، وفر الصميل صوب جيان[3].

نتائج معركة المصارة
كانت معركة المصارة هي معركة الظفر بالنسبة لعبد الرحمن الداخل، فقد دخل قرطبة وصلى الجمعة في الجامع، ثم نزل بالقصر في قرطبة، وبويع في الحال بالإمارة [4].

وإن من أعظم نتائجه هذه المعركة أن عرف الناس مدى ما كان يتمتع به عبد الرحمن الداخل من كريم النبل وعظيم المنّ وكرم الأخلاق الرفيعة التي لم يرها الأندلسيون منذ زمن، فمع أن عبد الرحمن الداخل قد انتصر على أعدائه وكسر شوكتهم، وإن من عادة المنتصرين أن يتتبعوا فلول المنهزمين، إلا أن عبد الرحمن الناصر حمل جنده ما استطاع على الاعتدال والقناعة، وحمى أسر خصومه وحريمهم وأموالهم من العيث، فقال لهم: “لا تستأصلوا شأفة أعداءٍ ترجون صداقتهم، واستبقوهم لأشد عداوةً منهم، يشير إلى استبقائهم ليستعان بهم على أعداء الدين” [

الصهيونية

كاتب الموضوع الأصلي: سعد السهلي 20

الصهيونية حركة سياسية عنصرية متطرفة، ترمي إلى إقامة دولة لليهود في فلسطين تحكم من خلالها العالم كله. واشتقت الصهيونية من اسم (جبل صهيون) في القدس حيث ابتنى داود قصره بعد انتقاله من حبرون (الخليل) إلى بيت المقدس في القرن الحادي عشر قبل الميلاد. وهذا الاسم يرمز إلى مملكة داود وإعادة تشييد هيكل سليمان من جديد بحيث تكون القدس عاصمة لها.

وقد ارتبطت الحركة الصهيونية الحديثة بشخصية اليهودي النمساوي هرتزل الذي يعد الداعية الأول للفكر الصهيوني الحديث والمعاصرة الذي تقوم على آرائه الحركة الصهيونية في العالم.

التأسيس وأبرز الشخصيات الصهيونية
• للصهيونية العالمية جذور تاريخية فكرية وسياسية تجعل من الواجب الوقوف عند الأدوار التالية:
ـ وردت لفظة صهيون لأول مرة في العهد القديم عندما تعرض للملك داود الذي أسس مملكته 1000ـ 960 ق.م.
ـ حركة المكابيين التي أعقبت العودة من السبي البابلي 586 ـ 538م قبل الميلاد، وأول أهدافها العودة إلى صهيون وبناء هيكل سليمان.
ـ حركة باركوخيا 118ـ 138م وقد أثار هذا اليهودي الحماسة في نفوس اليهود وحثهم على التجمع في فلسطين وتأسيس دولة يهودية فيها.
ـ حركة موزس الكريتي وكانت شبيهة بحركة باركوخيا.
ـ مرحلة الركود في النشاط اليهودي بسبب اضطهاد اليهود وتشتتهم. ومع ذلك فقد ظل الشعور القومي عند اليهود عنيفاً لم يضعف.
ـ حركة دافيد روبين وتلميذه سولومون مولوخ 1501ـ 1532م وقد حث اليهود على ضرورة العودة لتأسيس ملك إسرائيل في فلسطين.
ـ حركة منشه بن إسرائيل 1604ـ 1657م وهي النواة الأولى التي وجهت خطط الصهيونية وركزتها على أساس استخدام بريطانيا في تحقيق أهداف الصهيونية.
ـ حركة سبتاي زيفي 1626ـ 1676م الذي ادعى أنه مسيح اليهود المخلص فأخذ اليهود في ظله يستعدون للعودة إلى فلسطين ولكن مخلصهم مات.
ـ حركة رجال المال التي تزعمها روتشيلد وموسى مونتفيوري وكانت تهدف إلى إنشاء مستعمرات يهودية في فلسطين كخطوة لامتلاك الأرض ثم إقامة دولة اليهود.
ـ الحركة الفكرية الاستعمارية التي دعت إلى إقامة دولة يهودية في فلسطين في بداية القرن التاسع عشر.
ـ الحركة الصهيونية العنيفة التي قامت إثر مذابح اليهود في روسيا سنة 1882م، وفي هذه الفترة ألف هيكلر الجرماني كتاب بعنوان إرجاع اليهود إلى فلسطين حسب أقوال الأنبياء.
ـ ظهور مصطلح الصهيونية Zionism لأول مرة على يد الكاتب الألماني ناثان برنباوم سنة 1893م.
ـ في عام 1882م ظهرت في روسيا لأول مرة حركة عرفت باسم (حب صهيون) وكان أنصارها يتجمعون في حلقات اسمها (أحباء صهيون)، وقد تم الاعتراف بهذه الجماعات في عام 1890م تحت اسم “جمعية مساعدة الصناع والمزارعين اليهود في سوريا وفلسطين”، وترأسها ليون بنسكر واستهدفت الجماعة تشجيع الهجرة إلى فلسطين وإحياء اللغة العبرية.
ـ الصهيونية الحديثة: وهي الحركة المنسوبة إلى تيودور هرتزل الصحفي اليهودي المجري، ولد في بودابست في 2/5/1860م حصل على شهادة الحقوق من جامعة فينا 1878م، وهدفها الأساسي الواضح قيادة اليهود إلى حكم العالم بدءً بإقامة دولة لهم في فلسطين. وقد فاوض السلطان عبد الحميد الثاني بهذا الخصوص في محاولتين، لكنه أخفق، عند ذلك عملت اليهودية العالمية على إزاحة السلطان وإلغاء الخلافة الإسلامية.
ـ وقد أقام هرتزل أول مؤتمر صهيوني عالمي سنة 1897م، مستغلاً محاكمة الضابط اليهودي الفرنسي دريفوس الذي اتهم بالخيانة 1894م لنقله أسراراً عسكرية من فرنسا إلى ألمانيا، لكن ثبتت براءته فيما بعد، ونجح هرتزل من تصوير المأساة اليهودية في زعمه من خلال هذه الواقعة الفردية وأصدر كتابه الشهير الدولة اليهودية الذي أكسبه أنصاراً لا بأس بعددهم مما شجعه على إقامة أول مؤتمر صهيوني في بال بسويسرا 29ـ 31/8/1897م، وقد علق عليه بقوله: ” لو طلب إليّ تلخيص أعمال المؤتمر فإني أقول بل أنادي على مسمع من الجميع إنني قد أسست الدولة اليهودية “، ونجح في تجميع يهود العالم حوله كما نجح في جمع دهاة اليهود الذين صدرت عنهم أخطر مقررات في تاريخ العالم وهي بروتوكولات حكماء صهيون المستمدة من تعاليم كتب اليهود المحرفة التي يقدسونها، ومن ذلك الوقت أحكم اليهود تنظيماتهم وأصبحوا يتحركون بدقة ودهاء وخفاء لتحقيق أهدافهم التدميرية التي أصبحت نتائجها واضحة للعيان في زماننا هذا.

الأفكار والمعتقدات الصهيونية
• تستمد الصهيونية فكرها ومعتقداتها من الكتب المقدسة التي حرفها اليهود، وقد صاغت الصهيونية فكرها في بروتوكولات حكماء صهيون.
• تعتبر الصهيونية جميع يهود العالم أعضاء في جنسية واحدة هي الجنسية الإسرائيلية.
• تهدف الصهيونية إلى السيطرة اليهودية على العالم كما وعدهم إلههم يهوه، وتعتبر المنطلق لذلك هو إقامة حكومتهم على أرض الميعاد التي تمتد من نهر النيل إلى نهر الفرات.
• يعتقدون أن اليهود هم العنصر الممتاز الذي يجب أن يسود وكل الشعوب الأخرى خدم لهم.
• يرون أن أقوم السبل لحكم العالم هو إقامة الحكم على أساس التخويف والعنف.
• يدعون إلى تسخير الحرية السياسية من أجل السيطرة على الجماهير ويقولون: يجب أن نعرف كيف نقدم لهم الطعم الذي يوقعهم في شباكنا.
• يقولون: لقد انتهى العهد الذي كانت فيه السلطة للدين، والسلطة اليوم للذهب وحده فلابد من تجميعه في قبضتنا بكل وسيلة لتسهل سيطرتنا على العالم.
• يرون أن السياسة نقيض للأخلاق ولا بد فيها من المكر والرياء أما الفضائل والصدق فهي رذائل في عرف السياسة.
• يقولون: لا بد من إغراق الأمميين في الرذائل بتدبيرنا عن طريق من نهيئهم لذلك من أساتذة وخدم وحاضنات ونساء الملاهي.
• يقولون: يجب أن نستخدم الرشوة والخديعة والخيانة دون تردد ما دامت تحقق مآربنا.
• يقولون: يجب أن نعمل على بث الفزع الذي يضمن لنا الطاعة العمياء ويكفي أن يشتهر عنا أننا أهل بأس شديد ليذوب كل تمرد وعصيان.
• يقولون: تنادي بشعارات الحرية والمساواة والإخاء لينخدع بها الناس ويهتفوا وينساقوا وراء ما نريد لهم.
• يقولون: لا بد من تشييد أرستقراطية تقوم على المال الذي هو في يدنا والعلم الذي اختص به علماؤنا.
• يقولون: سنعمل على دفع الزعماء إلى قبضتنا وسيكون تعيينهم في أيدينا واختيارهم يكون حسب وفرة أنصبتهم من الأخلاق الدنيئة وحب الزعامة وقلة الخبرة.
• يقولون: سنسيطر على الصحافة تلك القوة الفعالة التي توجه العالم نحو ما نريد.
• يقولون: لا بد من توسيع الشقة بين الحكام والشعوب وبالعكس ليصبح السلطان كالأعمى الذي فقد عصاه ويلجأ إلينا لتثبيت كرسيه.
• يقولون: لا بد من إشعال نار الخصومة الحاقدة بين كل القوى لتتصارع وجعل السلطة هدفاً مقدساً تتنافس كل القوى للوصول إليه، ولابد من إشعال نار الحرب بين الدول بل داخل كل دولة عند ذلك تضمحل القوى وتسقط الحكومات وتقوم حكومتنا العالمية على أنقاضها.
• يقولون: سنتقدم إلى الشعوب الفقيرة المظلومة في زي محرريها ومنقذيها من الظلم وندعوها إلى الانضمام إلى صفوف جنودنا من الاشتراكيين والفوضويين والشيوعيين والماسونيين وبسبب الجوع سنتحكم في الجماهير ونستخدم سواعدهم لسحق كل من يعترض سيبلنا.
• يقولون: لا بد أن نفتعل الأزمات الاقتصادية لكي يخضع لنا الجميع بفضل الذهب الذي احتكرناه.
• يقولون: إننا الآن بفضل وسائلنا الخفية في وضع منيع بحيث إذا هاجمتنا دولة نهضت أخرى للدفاع عنا.
• يقولون: إن كلمة الحرية تدفع الجماهير إلى الصراع مع الله ومقاومة سنته فلنشغلها هي وأمثالها إلى أن تصبح السلطة في أيدينا.
• يقولون:لنا قوة خفية لا يستطيع أحد تدميرها تعمل في صمت وخفاء وجبروت ويتغير أعضاؤها على الدوام وهي الكفيلة بتوجيه حكام الأمميين كما نريد.
• يقولون: لا بد أن نهدم دولة الإيمان في قلوب الشعوب وننزع من عقولهم فكرة وجود الله ونحل محلها قوانين رياضية مادية لأن الشعب يحيا سعيداً هانئاً تحت رعاية دولة الإيمان. ولكي لا ندع للناس فرصة المراجعة يجب أن نشغلهم بشتى الوسائل وبذلك لا يفطنوا لعدوهم العام في الصراع العالمي.
• يقولون: لا بد أن نتبع كل الوسائل التي تتولى نقل أموال الأمميين من خزائنهم إلى صناديقنا.
• يقولون: سنعمل على إنشاء مجتمعات مجردة من الإنسانية والأخلاق، متحجرة المشاعر، ناقمة أشد النقمة على الدين والسياسة، ليصبح رجاؤها الوحيد تحقيق الملاذ المادية، وحينئذ يصبحون عاجزين عن أي مقاومة فيقعون تحت أيدينا صاغرين.
• يقولون: سنقبض بأيدينا على كل مقاليد القوى ونسيطر على جميع الوظائف وتكون السياسة بأيدي رعايانا وبذلك نستطيع في كل وقت بقوتنا محو كل معارضة مع أصحابها من الأمميين.
• يقولون: لقد بثثنا بذور الشقاق في كل مكان بحيث لا يمكن اجتثاثه، وأوجدنا التنافر بين مصالح الأمميين المادية والقومية وأشعلنا نار النعرات الدينية والعنصرية في مجتمعاتهم ولم ننفك عن بذل جهودنا في إشعالها منذ 20 قرناً ولذلك من المستحيل على أي حكومة أن تجد عوناً من أخرى لضربنا وأن الدول لن تقدم على إبرام أي اتفاق مهما كان ضئيلاً دون موافقتنا لأن محرك الدول في قبضتنا.
• يقولون: لقد هيأنا الله لحكم العالم وزودنا بخصائص ومميزات لا توجد عند الأمميين ولو كان في صفوفهم عباقرة لاستطاعوا مقاومتنا.
• يقولون: لا بد من الانتفاع بالعواطف المتأججة لخدمة أغراضنا عوض إخمادها ولا بد من الاستيلاء على أفكار الآخرين وترجمتها بما يتفق مع مصالحنا بدل قتلها.
• يقولون: سنولي عناية كبرى بالرأي العام إلى أن نفقده القدرة على التفكير السليم ونشغله حتى نجعله يعتقد أن شائعاتنا حقائق ثابتة ونجعله غير قادر على التمييز بين الوعود الممكن إنجازها والوعود الكاذبة فلا بد أن نكوّن هيئات يشتغل أعضاؤها بإلقاء الخطب الرنانة التي تغدق الوعود ولا بد أن نبث في الشعوب فكرة عدم فهمهم للسياسة وخير لهم أن يدعوها لأهلها.
• يقولون: سنكثر من إشاعة المتناقضات ونلهب الشهوات ونؤجج العواطف.
• يقولون: سننشئ ” إدارة الحكومة العليا ” ذات الأيدي الكثيرة الممتدة إلى كل أقطار الأرض والتي يخضع لها كل الحكام.
• يقولون: يجب أن نسيطر على الصناعة والتجارة ونعود الناس على البذخ والترف والانحلال ونعمل على رفع الأجور وتيسير القروض ومضاعفة فوائدها عند ذلك سيخر الأمميون ساجدين بين أيدينا.
• يقولون: في الرسميات يجب علينا أن نتظاهر بنقيض ما نضمر فنستنكر الظلم وننادي بالحريات ونندد بالطغيان.
• يقولون: إن الصحافة جميعها بأيدينا إلا صحفاً قليلة غير محتفل بها، وسنستعملها لبث الشائعات حتى تصبح حقائق وسنشغل بها الأمميين عما ينفعهم ونجعلهم يجرون وراء الشهوة والمتعة.
• يقولون: الحكام أعجز من أن يعصوا أوامرنا لأنهم يدركون أن السجن أو الاختفاء من الوجود مصير المتمرد منهم فيكونوا طاعة لنا وأشد حرصاً ورعاية لمصالحنا.
• يقولون: سنعمل على ألا يكشف مخططنا قبل وقته ولا نهدم قوة الأمميين قبل الأوان.
• يقولون: نحن الذين وضعنا طريقة التصويت ونظام الأغلبية المطلقة ليصل إلى الحكم كل من نريد بعد أن نكون قد هيأنا الرأي العام للتصويت عليهم.
• يقولون: سنفكك الأسرة وننفخ روح الذاتية في كل فرد ليتمرد ونحول دون وصول ذوي الامتياز إلى الرتب العالية.
• يقولون: لا يصل إلى الحكم إلا أصحاب الصحائف السود غير المكشوفة وهؤلاء سيكونون أمناء على تنفيذ أوامرنا خشية الفضيحة والتشهير. كما نقوم بصنع الزعامات وإضفاء العظمة والبطولة عليها.
• يقولون: سنستعين بالانقلابات والثورات كلما رأينا فائدة لذلك.
• يقولون: لقد أنشأنا قوانا الخفية لتحقيق أهدافنا ولكن البهائم من الأمميين يجهلون أسرارها فوثقوا بها وانتسبوا إلى محافلها فسيطرنا عليهم وسخرناهم لخدمتنا.
• يقولون: إن تشتيت شعب الله المختار نعمة وليست ضعفاً وهو الذي أفضى بنا إلى السيادة العالمية.
• يقولون: ستكون كل دور النشر بأيدينا وستكون سجلات التعبير عن الفكر الإنساني بيد حكومتنا وكل دار تخالف فكرنا سنعمل على إغلاقها باسم القانون.
• يقولون: ستكون لنا مجلات وصحف كثيرة مختلفة النزعات والمبادئ وكلها تخدم أهدافنا.
• يقولون: لا بد أن نشغل غيرنا بألوان خلابة من الملاهي والألعاب والمنتديات العامة والفنون والجنس والمخدرات لنلهيهم عن مخالفتنا أو التعرض لمخططاتنا.
• يقولون: سنمحو كل ما هو جماعي وسنبدأ المرحلة بتغيير الجامعات وسنعيد تأسيسها حسب خططنا الخاصة.
• يقولون: سنتصرف مع كل من يقف في طريقنا بكل عنف وقسوة.
• يقولون: سنكثر من المحافل الماسونية وننشرها في كل وسط لتوسيع نطاق سيطرتنا.
• يقولون: عندما تصبح السلطة في أيدينا لن نسمح بوجود دين غير ديننا على الأرض.

الجذور الفكرية والعقائدية لـ الصهيونية
• الصهيونية قديمة قدم التوراة نفسها، وهي التي أججت الروح القومية عند اليهود منذ أيامها الأولى. وحركة هرتزل إنما هي تجديد وتنظيم للصهيونية القديمة.
• تقوم الصهيونية على تعاليم التوراة المحرفة والتلمود. ولكن لا بد من الإشارة إلى أن عدداً من زعماء الصهيونية هم من الملاحدة، واليهودية عندهم ليست سوى ستار لتحقيق المطامع السياسية والاقتصادية.
• تعتبر أكثرية من اليهود ما يعرف بالتلمود دستوراً دينيًّا لهم، وهو مؤلف من بحوث أحبار اليهود وفقهائهم، وقد رسموا فيه الحدود لكل جوانب الحياة الخاصة والعامة وقد دون فيه من الأحكام والتعليمات ما يبرر وضعهم الاجتماعي والسياسي وما يغرس في نفوسهم ونفوس أجيالهم اللاحقة احتقار المجتمع البشري وحب الانتقام منه وأكل أموال الناس بالباطل والسطو على أرواحهم وأعراضهم وأموالهم واستنـزاف دماء غير اليهود لاستعمالها في بعض المناسبات الدينية حيث يستعمل الدم البشري بوضع نقط منه على فطير الفصح أو غيره.

الانتشار ومواقع النفوذ الصهيونية
• الصهيونية هي الواجهة السياسية لليهودية العالمية، وهي كما وصفها اليهود أنفسهم: (مثل الإله الهندي فشنو الذي له مائة يد)، فهي لها في جل الأجهزة الحكومية في العالم يد مسيطرة موجهة تعمل لمصلحتها.
• هي التي تقود الكيان الوصهيوني وتخطط له.
• الماسونية تتحرك بتعاليم الصهيونية وتوجيهاتها وتخضع لها زعماء العالم ومفكريه.
• للصهيونية مئات الجمعيات في أوروبا وأمريكا في مختلف المجالات التي تبدو متناقضة في الظاهر لكنها كلها في الواقع تعمل لمصلحة اليهودية العالمية.
• هناك من يبالغ في قوتها مبالغة كبيرة جداً، وهناك من يهون من شأنها، والرأيان فيهما خطأ، على أن استقراء الواقع يدل على أن اليهود الآن يحيون فترة علو استثنائية.

يتضح مما سبق
أن الصهيونية حركة سياسية عنصرية متطرفة ترمي لحكم العالم كله من خلال دولة اليهود في فلسطين، واسمها مشتق من اسم جبل صهيون في فلسطين، وقد قامت على تحريف تعاليم التوراة والتلمود التي تدعو إلى احتقار المجتمع البشري وتحض على الانتقام من غير اليهود. وقد قنن اليهود مبادئهم الهدامة فيما عرف ببروتوكولات حكماء صهيون التي تحوي بحق أخطر مقررات في تاريخ العالم.

عين جالوت.. الواقعة والمغزى

كاتب الموضوع الأصلي: سعد السهلي 20

في منتصف عام 758 هـ (1260 م) بعث هولاكو من الشام برسله يحملون رسالته المشهورة إلى سلطان مصر المملوكي: سيف الدين قطز..
كان هولاكو في قمة انتصاراته.. وكان المغول قد اكتسحوا القوى الإسلامية واحدة بعد الأخرى، وهدموا متاريسها وجدرانها، وسووا الطريق أمام جحافلهم المتقدمة غربًا.. ما من قيادة إسلامية، من أواسط آسيا وحتى أطراف سيناء، إلا وأذعنت لهم طوعًا أو كرهًا.. وكان السيف الوثني المغولي يعلو على السيوف، وكان الرأس الذي لا ينحني له يُطاح به في التوّ واللحظة.. وحتى أولئك الذين اختاروا السلامة ولووا رءوسهم عجزًا عن المجابهة وهروبًا من الموت.. وقعوا في مصيدة الموت التي كان المغول يتفننون في نصبها وفي تعذيب خصومهم وهم يتقلبون في شباكها.

والذي حدث في بغداد معروف.. ومعروف أيضًا المصير المفجع الذي آلت إليه أكبر قوتين إسلاميتين في المشرق: الخوارزميون في بلاد فارس وما وراء النهر، والعباسيون في العراق..

سنوات عديدة والمطاردات الرهيبة لا تفتر بين المغول وبين السلطان الخوارزمي الأخير جلال الدين منكبرتي.. وصراع الحياة والموت يعرض مشاهده الدامية في مساحات واسعة من الأرض، شهدت جهات ما وراء النهر وشمالي الهند وبحر قزوين وشمالي العراق والجزيرة الفراتية والأناضول بعضًا منها..

وعبثًا حاول السلطان أن يتصل بالأمراء المحليين من إخوانه المسلمين في سبيل تشكيل جبهة إسلامية موحدة لمقاومة السيل الزاحف، لأنه –هو- عبر سنوات حكمه الطويلة قد مارس خطيئة التمزيق والتفتيت وإشعال نار الخصومة والعداء بين القيادات الإسلامية بعضها ضد بعض.. وأخيرًا استسلم لليأس وتخلف عنه كثير من أنصاره، ووجد نفسه في قلة من أصحابه وحيدًا غريبًا، مطارَدًا في جبال ديار بكر.. ويذكر معاصروه كيف أن البكاء كان يغلب عليه في الليل والنهار، وكيف أنه هرب إلى الخمر يختبئ وراء غيبوبتها من شبح النهاية القريب.. وما لبث أحد سكان المنطقة أن طعنه بسكين وقضى عليه.

وأما العباسيون فأمرهم معروف.. وما شهدته بغداد حاضرة المسلمين الكبرى، غدا مثلاً يضرب على مداولة الأيام بين الناس.

ولكن ما شأن الإمارات المحلية؟
لم يكن مصيرها –بطبيعة الحال- بأحسن من مصير دول الإسلام الكبرى.. بعضها هادن ونافق ودعا إلى السلم وهو في مواقع الضعف والهوان، فلم ينجه ذلك من سيوف المغول، وبعضها الآخر وقف الوقفة التي تقتضيها كرامة المسلم ولقي من صنوف الأذى ما يشير إلى بشاعة الطرائق التي اعتمدها المغول لإلقاء الرعب في قلوب الخصوم..

قُتِلَ الكاملُ الأيوبي أميرُ ميافارقين في ديار بكر شرّ قتلة، إذ كان المغول يقطعون لحمه قطعًا ويدفعون بها إلى فمه حتى مات، ثم قطعوا رأسه وحملوه على رمح وطافوا به في بلاد الشام. وكان يتقدم الموكب مغنون وطبّالون، وأخيرًا علِّق في شبكة بسور أحد أبواب دمشق، ويقال إنه بقي هناك حتى تحرير المدينة من قبضة الغزاة.

ووضع الملك الصالح أمير الموصل في دهن ولباد وألقي في الشمس حتى تحول الدهن إلى ديدان بعد أسبوع، فشرعت الديدان تأكل جسده حتى مات على تلك الصورة البشعة بعد شهر.. أما ابنه الذي كان طفلا في الثالثة من عمره فشقوه نصفين على ساحل نهر دجلة على مرأى من الناس.. وغير هؤلاء كثيرون لقوا مصارع لا تقل شناعة وبؤسًا.. وما جرى في مدن الجزيرة الفراتية وشمالي الشام يعد واحدًا مما شهدته الكثير من المدن والإمارات على مدى المشرق الإسلامي كله..
فمن الذي يسهل عليه أن يكتب نعي الإسلام؟

والمؤرخ ابن الأثير المتوفى عام 630 هـ، وهو يستعرض وقائع عام 617 هـ ويسطر بدايات خروج المغول على بلاد الإسلام، يتحدث عن الهول الذي ألمَّ بمعالم الإسلام، وقد كان في مطالعه يومها.. فماذا لو طال العمر بالمؤرخ المذكور وشهد أحداث العقود التالية.. ومآسيها؟

يقول الرجل: «لقد بقيت عدة سنين معرضًا عن ذكر هذه الحادثة استعظامًا لها، كارهًا لذكرها، فأنا أقدّم إليه رجلاً وأؤخر أخرى، فمن الذي يسهل عليه أن يكتب نعي الإسلام والمسلمين؟ ومن الذي يهون عليه ذكر ذلك؟ فياليتَ أمي لم تلدني، وياليتني مت قبل حدوثها وكنتُ نسيًا منسيًا. إلا أني حدّثني جماعة من الأصدقاء على تسطيرها وأنا متوقف، ثم رأيت أن ترك ذلك لا يجدي نفعًا. فنقول: هذا الفعل يتضمن ذكر الحادثة العظمى والمصيبة الكبرى التي عقمت الأيام والليالي عن مثلها، عمّت الخلائق وخصّت المسلمين، فلو قال قائل: إن العالم منذ خلق اللهُ سبحانه وتعالى آدم وإلى الآن، لم يبتلوا بمثلها، لكان صادقًا، فإن التواريخ لم تتضمن ما يقاربها ولا ما يدانيها. ومن أعظم ما يذكرون من الحوادث ما فعله بخت نصر ببني إسرائيل من القتل، وتخريب البيت المقدس بالنسبة إلى ما خرب هؤلاء الملاعين من البلاد التي كل مدينة منها أضعاف البيت المقدس.. وما بنو إسرائيل بالنسبة إلى من قُتِلوا؟ فإن أهل مدينة واحدة ممن قتلوا أكثر من بني إسرائيل، ولعل الخلق لا يرون مثل هذه الحادثة إلى أن ينقرض العالم وتفنى الدنيا.. إنهم لم يبقوا على أحد، بل قتلوا الرجال والنساء والأطفال، وشقوا بطون الحوامل وقتلوا الأجنة، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم».

الانكسار من الداخل
كان الهجوم المغولي السريع الكاسح قد منح هؤلاء المغيرين سلاحًا نفسيًّا خطيرًا: الرعب الذي كان ينقض على خصومهم من الداخل فيهزمهم قبل أن تلتمع السيوف أمام عيونهم.. إنه السيف الأكثر حدة والذي كان يذبح فيه القدرة على الحركة.. لقد كان المسلمون يومها يعانون من شلل تام أو نصفي أفقدهم الأرجل التي يسيرون عليها والأيدي التي يضربون بها.. وهذه الوقائع التي يرويها ابن الأثير تكاد تكون تجسيدًا «كاريكاتوريًا» مضحكًا محزنًا للأمر الذي آل إليه الكثيرون من أبناء عالم الإسلام.

يقول الرجل: « لقد حُكي لي عن حكايات يكاد سامعها يكذب بها من الخوف الذي ألقى الله سبحانه وتعالى في قلوب الناس منهم، حتى قيل إن الرجل الواحد منهم كان يدخل القرية أو الدرب وبه جمع كثير من الناس، فلا يزال يقتلهم واحدًا بعد واحدٍ لا يتجاسر أحد أن يمد يده إلى ذلك الفارس. ولقد بلغني أن إنسانًا منهم أخذ رجلاً، ولم يكن مع التتري ما يقتله به، فقال له: ضع رأسك على الأرض ولا تبرح، فوضع رأسه على الأرض ومضى التتري فأحضر سيفًا وقتله به! وحكى لي رجل قال: كنت أنا ومعي سبعة عشر رجلاً في طريق، فجاءنا فارس من التتر وقال لنا حتى يكتف بعضنا بعضًا، فشرع أصحابي يفعلون ما أمرهم، فقلت لهم: هذا واحد فلم لا نقتله ونهرب؟ فقالوا: نخاف أمرهم. فقلت لهم: هذا يريد قتلكم الساعة فنحن نقتله فلعل الله يخلصنا، فوالله ما جسر أحد أن يفعل، فأخذت سكينًا وقتلته، وهربنا فنجونا»!!

التحدي
في هذه الظروف السياسية والنفسية، ومن خلال وهج السيوف التي تقطر دمًا وأصداء المعارك التي أثار نقعها سيلا لا أول له ولا آخر من خيول الغزاة بعث هولاكو برسالته تلك إلى سلطان مصر المملوكي: سيف الدين قطز.. وكان الطاغية يعرف جيدًا خلفية الرعب والانهزام التي رسمتها العقود الأخيرة على مدى خارطة عالم الإسلام وفي أعماق نفوس أبنائه، فعرف كيف ينتقي كلماتها.. قال: «مِن ملك الملوك شرقًا وغربًا، الخان الأعظم، باسمك اللهم باسط الأرض ورافع السماء.. يعلم الملك المظفر قطز وسائر أمراء دولته وأهل مملكته بالديار المصرية وما حولها ومن الأعمال، إنا نحن جند الله في أرضه، خلقنا من سخطه وسلّطنا على من حل به غضبه، فلكم بجميع البلاد معتَبَر، وعن عزمنا مزدجر، فاتعظوا بغيركم، وأسلموا إلينا أمركم قبل أن ينكشف الغطاء فتندموا ويعود عليكم الخطأ.. وقد سمعتم أننا قد فتحنا البلاد وطهرنا الأرض من الفساد وقتلنا معظم العباد، فعليكم بالهرب وعلينا الطلب. فأي أرض تؤويكم؟ وأي طريق تنجيكم؟ وأي بلاد تحميكم؟ فما لكم من سيوفنا خلاص، ولا من مهابتنا مناص، فخيولنا سوابق، وسهامنا خوارق، وسيوفنا صواعق، وقلوبنا كالجبال، وعددنا كالرمال، فالحصون لدينا لا تمنع، والعساكر لقتالنا لا تنفع، ودعاؤكم علينا لا يُسمع.. فمن طلب حربنا ندم، ومن قصد أماننا سلم، فإن أنتم لشرطنا ولأمرنا أطعتم، فلكم ما لنا وعليكم ما علينا، وإن خالفتم هلكتم. فلا تهلكوا نفوسكم بأيديكم، فقد حذر من أنذر.. فلا تطيلوا الخطاب، وأسرعوا برد الجواب قبل أن تضرب الحرب نارها، وترمي نحوكم شرارها، فلا تجدون منا جاهًا ولا عزًا ولا كافيًا ولا حرزًا، وتدهون منا بأعظم داهية، وتصبح بلادكم منكم خالية، فقد أنصفناكم إذ راسلناكم، وأيقظناكم إذ حذّرناكم، فما بقي لنا مقصد سواكم».

فمن اختار الجهاد يصحبني!
كانت الرسالة بمثابة التحدي النهائي لآخر قيادة إسلامية، وعلى ضوء الموقف الذي ستقرر هذه القيادة اتخاذه سيتوقف مصير عالم الإسلام وحضارته التي صنعها كدح القرون الطوال.

كل المؤشرات كانت تقود إلى الاستسلام للتحدي والإذعان لضروراته..
ولكن الإيمان له منطق آخر.. إنه لا يمنح القدرة على الحركة في ظروف الشلل التام فحسب، ولكنه يهب بصيرة نافذة تخترق حجب العمى والظلام لكي تطل على الأفق الذي يشع ضياء..

وبالحركة القديرة والرؤية الصائبة تجابه القيادات الفذة تحديات التاريخ ومحنه وويلاته فتخرج منها ظافرة وتحقق بالاستجابة قفزة نوعية في مجرى الفعل والتحقق.

قرأ سيف الدين قطز الرسالة واستدعى أمراءه ليعرض الأمر عليهم.. وجرى هذا الحوار.

قطز: ماذا ترتئون؟
ناصر الدين قيمري: إن هولاكو، فضلاً عن أنه حفيد جنكيزخان، فإن شهرته وهيبته في غنى عن الشرح والبيان، وإن البلاد الممتدة من تخوم الصين إلى باب مصر كلها في قبضته الآن، فلو ذهبنا إليه نطلب الأمان فليس في ذلك عيب وعار! ولكن تناول السم بخداع النفس واستقبال الموت أمران بعيدان عن حكم العقل! إنه ليس الإنسان الذي يطمأن إليه، فهو لا يتورع عن احتزاز الرءوس وهو لا يفي بعهده وميثاقه، فإنه قتل فجأة الخليفة وعددًا من الأمراء بعد أن أعطاهم العهد والميثاق، فإذا ما سرنا إليه فسيكون مصيرنا هذا السبيل!

قطز: والحالة هذه، فإن كافة بلاد ديار بكر وربيعة والشام ممتلئة بالمناحات والفجائع، وأضحت البلاد من بغداد حتى الروم خرابًا يبابًا، وقضي على جميع من فيها من حرث ونسل.. فلو أننا تقدمنا لقتالهم وقمنا بمقاومتهم فسوف تخرب مصر خرابًا تامًا كغيرها من البلاد، وينبغي أن نختار مع هذه الجماعة التي تريد بلادنا واحدًا من ثلاثة: الصلح أو القتال أو الجلاء عن الوطن. أما الجلاء عن الوطن فأمر متعذر، ذلك لأنه لا يمكن أن نجد لنا مفرًّا إلا المغرب، وبيننا وبينه مسافات بعيدة..

قيمري: وليس هناك مصلحة أيضًا في مصالحتهم إذ إنه لا يوثق بعهودهم!

عدد من الأمراء: ليس لنا طاقة ولا قدرة على مقاومتهم، فمر بما يقتضيه رأيك..

قطز: إن الرأي عندي هو أن نتوجه جميعًا إلى القتال، فإذا ظفرنا فهو المراد، وإلا فلن نكون ملومين أمام الخلق.

الظاهر بيبرس: أرى أن نقتل الرسل ونقصد كتبغا – قائد المغول – متضامنين، فإن انتصرنا أو هُزِمنا فسنكون في كلتا الحالتين معذورين.

أيد الأمراء كافة هذا الرأي.. وكان على قطز أن يتخذ قراره.. وقد اتخذه فعلاً.. قتل الرسل وعلق رءوسهم على باب زويلة أيامًا.. ورفع رأسه متحديًا بمواجهة الطاغية، وأصدر أوامر بالتجهز للقتال «جهادًا في سبيل الله ونصرة لدين رسول الله صلى الله عليه وسلم».

وإذ رأى ترددًا وجبنًا ونكوصًا من عدد من الأمراء ألقى كلمته المؤثرة: «يا أمراء المسلمين! لكم زمان تأكلون أموال بيت المال، وأنتم للغزاة كارهون، وأنا متوجه، فمن اختار الجهاد يصحبني، ومن لم يختر ذلك يرجع إلى بيته، فإن الله مطلع عليه، وخطيئة حريم المسلمين في رقاب المتأخرين».

وما كان للأمراء جميعًا، إزاء قيادة مؤمنة كهذه، إلا أن يخلعوا رداء العجز والوهن ومحبة الدنيا.. ويقفوا متحدين بمواجهة الفتنة التي إن لم تدفع بالدم فإنها لن تكتفي لضرب الذين ظلموا منهم خاصة!

اليوم الفصل
انطلقت القوات الإسلامية بقيادة سيف الدين قطز واجتازت سيناء باتجاه غزة سالكةً الطريق المحاذي للبحر، وتولى الظاهر بيبرس قيادة المقدمة. ولم يكن في غزة سوى قوة صغيرة من المغول بقيادة بايدر الذي أرسل إلى القائد المغولي كتبغا الذي أنابه هولاكو لإتمام الغزو غربًا، يخطره بحركة الجيش الإسلامي، غير أن المسلمين اكتسحوا عساكره قبل أن تصل إليه النجدة.

كان كتبغا في بعلبك، فتجهز على الفور للمسير إلى وادي نهر الأردن بعد أن يتجاوز بحر الجليل، غير أن منعه اشتعال ثورة المسلمين في دمشق ضد السلطة المغولية وأنصارها من النصارى المحليين حيث حطمت دورهم وكنائسهم، واشتدت الحاجة إلى العساكر المغولية لإعادة الأمن إلى نصابه. وفي تلك الأثناء كان قطز يواصل السير على الساحل الفلسطيني ثم انعطف إلى الداخل ومضى شمالا لتهديد مواصلات كتبغا إذا حدث وتقدم إلى فلسطين.

عبر كتبغا نهر الأردن وتوجه صوب الجليل الشرقي، فبادر قطز على الفور بالانعطاف بقواته باتجاه الجنوب الشرقي مجتازًا الناصرة حيث وصل في الرابع عشر من رمضان (المصادف الثاني من سبتمبر/ أيلول عام 1260م) إلى عين جالوت. وفي صبيحة اليوم التالي قدم الجيش المغولي تعززه كتائب كرجية وأرمنية، دون أن يعلم أن جيش المماليك أضحى قريبًا منه. وكان قطز يعرف جيدًا تفوق جيشه في العدد على العدو ولذا أخفى قواته الرئيسية في التلال القريبة ولم يعرض للعدو إلا المقدمة التي قادها بيبرس. وما لبث كتبغا أن وقع في الفخ إذ حمل بكل رجاله على القوات الإسلامية التي شهدها أمامه، فأسرع بيبرس في تقهقره إلى التلال بعد أن اشتدت مطاردة كتبغا له، فلم يلبث الجيش المغولي بأسره أن جرى تطويقه فجأة، وجرت بين الطرفين معركة طاحنة، واضطربت قوات المماليك بعض الوقت، فدخل قطز المعركة لجمعهم، ولم تنقضِ سوى بضع ساعات حتى بدأ تفوق المسلمين في الميدان، وسحقت زهرة القوات المغولية ووقع قائدهم نفسه أسيرًا. وبأسره انتهت المعركة، إذ جرى حمله مقيدًا بالأغلال إلى السلطان حيث احتزّ رأسه!

توجه السلطان قطز إلى دمشق بعد أيام قلائل من المعركة حيث استقبل استقبال الأبطال وهرب نواب المغول منها بعد أكثر من سبعة أشهر من خضوعها لسيطرتهم، وقام قائده الظاهر بيبرس بملاحقة فلول العدو شمالاً وتطهير البلاد منهم، حيث قتل وأسر عددًا كبيرًا، وتمكن خلال شهر واحد من دخول حلب، المعقل الشمالي، وتخليصها من قبضة الغزاة. وهكذا تم تحرير بلاد الشام وفلسطين من أقصاها إلى أقصاها. ومع أن هولاكو أرسل العساكر لاسترداد حلب فإنهم اضطروا للانسحاب بعد أربعين يومًا أجروا أثناءها المذابح في عدد كبير من المسلمين انتقامًا لمصرع كتبغا، غير أن ذلك كان كل ما استطاع هولاكو أن يفعله للانتقام لقائده الشهير.

لقطات من المعركة
– تقدم الملك المظفر إلى سائر الولاة بإزعاج الأجناد في الخروج للسفر ومن وجد منهم قد اختفى يضرب بالمقارع! فلما كان الليل ركب السلطان وحرك أعلامه وقال: أنا ألقى التتار بنفسي. فلما رأى الأمراء مسير السلطان ساروا على كره!

– أقسم المظفر لقادة الصليبيين في فلسطين أنه متى تبعه منهم فارس أو راجل يريد أذى عسكر المسلمين رجع وقاتلهم قبل أن يلقى التتر!

– أمر الملك المظفر بالأمراء فجمِعوا، وحضهم على قتال التتار وذكرهم بما وقع بأهل الأقاليم من القتل والسبي والحريق، وخوّفهم من وقوع مثل ذلك، وحثّهم على استنقاذ الشام من التتر ونصرة الإسلام والمسلمين، وحذّرهم عقوبة الله، فضجوا بالبكاء وتحالفوا على الاجتهاد في قتال التتر ودفعهم عن البلاد.

– عندما اصطدم العسكران اضطرب جناح عسكر السلطان وانتقض طرف منه فألقى الملك المظفر عند ذلك خوذته عن رأسه إلى الأرض وصرخ بأعلى صوته: «واإسلاماه!» وحمل بنفسه وبمن معه حملة صادقة، فأيّده الله بنصره..

– مرّ العسكر في أثر التتر إلى قرب بيسان فرجع التتر والتقوا بالمسلمين لقاء ثانيًا أعظم من الأول فهزمهم الله وقتل أكابرهم وعدة منهم، وكان قد تزلزل المسلمون زلزالاً شديدًا فصرخ السلطان صرخة عظيمة سمعه معظم المعسكر وهو يقول: «واإسلاماه!» ثلاث مرات: «يا الله انصر عبدك قطز على التتار!» فلما انكسر التتار الكسرة الثانية نزل السلطان عن فرسه ومرغ وجهه على الأرض وقبلها، وصلى ركعتين شكرًا لله تعالى ثم ركب، فأقبل العساكر وقد امتلأت أيديهم بالمغانم!

– كتب السلطان إلى دمشق يبشر الناس بفتح الله وخذلانه التتر، وهو أول كتاب ورد منه إلى دمشق. فلما ورد الكتاب سرّ الناس به سرورًا كثيرًا وبادروا إلى دور النصارى الذين كانوا من أعوان التتار فنهبوها وخربوا ما قدروا على تخريبه، وقتلوا عدة من النصارى واستتر باقيهم، وذلك أنهم في مدة استيلاء التتر هموا مرارًا بالثورة على المسلمين وخربوا مساجد ومآذن كانت بجوار كنائسهم، وأعلنوا بضرب الناقوس وركبوا بالصليب وشربوا الخمر في الطرقات ورشّوه على المسلمين!

– لما بلغ هولاكو كسرة عسكره وقتل نائبه كتبغا، عظم عليه فإنه لم يكسر له عسكر قبل ذلك..

-.. وأتم الملك المظفر السير بالعسكر حتى دخل دمشق، وتضاعف شكر المسلمين لله تعالى على هذا النصر العظيم، فإن القلوب كانت قد يئست من النصرة على التتر لاستيلائهم على معظم بلاد الإسلام، فابتهجت الرعايا بالنصرة عليهم وبقدوم الملك المظفر إلى الشام. وفي يوم دخوله إلى دمشق أمر بشنق جماعة من المنتسبين إلى التتر فشنقوا.. وأنشد بعض الشعراء:

هلك الكفرُ في الشآم جميعًا واستجدّ الإسلامُ بعد دحوضِهِ
بالمليك المظفر الملك الأو رع سيف الإسلامِ عند نهوضِهِ
ملك جاءنا بعزم وحزم فاعتززنا بسحــره وببيضهِ
أوجب الله شكر ذاك علينا دائما ً مثل واجبات فروضِهِ

الأرقام التي يريدها الله ورسوله

فليس من المبالغة القول بأن عين جالوت شهدت معركة حاسمة على المستويات العسكرية والسياسية والعقيدية والحضارية عمومًا..

هاهنا، في قلب فلسطين، وبعد ما يقرب من مضي قرن على معركة حطين الفاصلة، أجرى التاريخ نزالاً لا يقل حسمًا بين قوتين متقابلتين: الإسلام والوثنية، التحضر والجاهلية، والالتزام بالقيم والانفلات منها.. وكان انتصار المسلمين يعني انتصارا على الوثنية، والتحضر على الجاهلية، والقيم على الانفلات..

ومؤشرات الثقة بالنفس والإيمان بالنصر والقدرة على تجاوز الهزائم والنكسات والتي كادت تصل بالمسلمين إلى نقطة الصفر.. جاءت هذه المعركة المباركة لكي ترتفع بها ثانية صوب الأرقام التي تليق بمكانة المسلمين في العالم.

وهاهنا –أيضًا- نشهد المعادلة الواضحة التي لا تمنح جوابها العادل إلا إذا تجمع طرفاها في تكافؤ متقابل: الأخذ بالأسباب، والإيمان الواثق العميق بالله وبعدالة القضية التي يجاهد المسلمون من أجلها.. وبدون تحقق هذا التقابل فلن يكون هناك نصر أو توفيق.. ولن يحتاج الأمر إلى مزيد شواهد أو نقاش، فإن مجرى التاريخ الإسلامي الطويل يعرض علينا عشرات بل مئات وألوفًا من الشواهد على هذا الذي تعرضه علينا واقعة عين جالوت..

وهذه شهادة المؤرخ الإنجليزي المعاصر ستيفن رنسيمان في كتابه الحروب الصليبية يقول: «تعتبر معركة عين جالوت من أهم المعارك الحاسمة في التاريخ.. ومن المحقق لو أن المغول عجلوا بإرسال جيش كبير عقب وقوع الكارثة لتيسر تعويض الهزيمة، غير أن أحكام التاريخ حالت دون نقض ما اتخذ في عين جالوت من قرار. فما أحرزه المماليك من انتصار أنقذ الإسلام من أخطر تهديد تعرض له. فلو أن المغول توغلوا إلى داخل مصر لما بقي للمسلمين في العالم دولة كبيرة شرقي بلاد المغرب، ومع أن المسلمين في آسيا كانوا من وفرة العدد ما يمنع من استئصال شأفتهم، فإنهم لم يعودوا يؤلفون العنصر الحاكم. ولو انتصر كتبغا النصراني، لازداد عطف المغول على النصارى ولأصبح للنصارى السلطة لأول مرة منذ سيادة النحل الكبيرة في العصر السابق على الإسلام. على أنه من العبث أن نفكر في الأمور التي قد تحدث وقتئذ، فليس للمؤرخ إلا أن يروي ما حدث فعلاً إذ إن معركة عين جالوت جعلت سلطة المماليك بمصر القوة الأساسية في الشرق الأدنى في القرنين التاليين، إلى أن قامت الدولة العثمانية.. فما حدث من ازدياد قوة العنصر الإسلامي وإضعاف العنصر النصراني لم يلبث أن أغوى المغول الذين بقوا في غرب آسيا على اعتناق الإسلام. وعجلت هذه المعركة بزوال الإمارات الصليبية، لأن المسلمين المظفرين، حسبما تنبأ مقدم طائفة فرسان التيوتون، أضحوا حريصين على أن يتخلصوا نهائيًا من أعداء الدين».

ولم يشأ رنسيمان أن يشير إلى أن انتماء مغول غربي آسيا إلى الإسلام لم يكن بسبب وجودهم في قلب أكثرية إسلامية فحسب، بل وهذا هو الأهم، لما يمتلكه الإسلام نفسه من قدرة ذاتية على الجذب والتأثير، وفاعلية دائمة في التغلب على العناصر المناوئة الغريبة واحتوائها.

ومهما يكن من أمر فإن المعركة الفاصلة حققت وحدة بين مصر والشام كانت ذات قيمة استراتيجية كبيرة في صراع الإسلام ضد خصومه التاريخيين.. إذ أصبحت الدرع التي تقي المسلمين هجمات المغول الشرسة، ويمكن – في الوقت نفسه- من مجابهة التحدي الصليبي ومحاولة استئصال وجوده من الأرض الإسلامية.

وليس ثمة غير الوحدة من طريق
إنها الوحدة نفسها التي سهر عماد الدين زنكي وابنه نور الدين محمود على إقامتها، وجاء الناصر صلاح الدين من بعدهما لكي يبني عليها انتصاراته الحاسمة ضد الصليبيين الغزاة ويحرر القدس.. وهاهي معركة عين جالوت تشد الآصرة مرة أخرى وتمنح المسلمين الأرضية التي سيتحركون عليها عبر العقود القادمة لمجابهة الخصوم ودفعهم إلى إحدى اثنتين: الإذعان لكلمة الإسلام أو العودة من حيث جاءوا.. لقد ملأت المعركة الفراغ المخيف الذي كان يمكن أن يتمخض عن سقوط الخلافة العباسية وتفتت السلاجقة من قبل، فأتاحت للقيادة المملوكية الشابة أن تعوض عالم الإسلام عما فقدَ هناك..

.. وهناك البعد الحضاري
وثمة من يقول بأن المعركة خدمت أوروبا نفسها وحفظت مدنيتها، كما يرى بروان وغيره، وهذا حق.. فإن المغول كانوا يطمحون لغزوها وتخريبها، ولكن تقليم أظافرهم في عين جالوت فضلاً عن عوامل أخرى صدّهم عن المضي في الطريق إلى نهايته.

هذا إلى أن المعركة حققت للحركة الحضارية الإسلامية القدرة على مواصلة المسير، وعلى أن تتجاوز محنة الدمار والتخريب الذي شهدته بغداد.. فهاهي ذي في مصر والشام والمغرب تنجز المزيد من العطاء وتتحقق بالإبداع في جوانب عديدة وساحات شتى.. وليس كما يقال من أن عالم الإسلام دخل عصر الظلمة بعد سقوط بغداد.. وليس ابن خلدون وابن كثير وابن تيمية وأبو الفدا والسيوطي والسخاوي وابن القيم وابن الجزري.. وغيرهم كثيرون، سوى إشارات على طريق هذا التحقق المبدع الذي شهدته حضارة الإسلام يومَها..

آن الأوان لكي نتعلم من التاريخ
لقد شهد تاريخ الإسلام سلسلة متطاولة من المعارك الفاصلة، منذ وقعة بدر التي فرق الله بها بين الحق والباطل، ومكّن لدعوته الناشئة في الأرض.. وإلى أن يشاء الله.. ولكن يبقى لمعركة عين جالوت ثقلها وأهميتها وخصوصيتها.. ذلك أنها جاءت وظلام الإعصار الوثني المتحالف مع الصليبية يكاد يطبق على نور التوحيد ويطمس على ألقه.. فردّت على القوة بالقوة، وقارعت سيف الشيطان بسيف الله، وعلمت الناس عمومًا والناس خاصة، بالانتصار الباهر الذي حققته، كيف يكون الإيمان الجاد المعزز بالرؤية الواعية والتخطيط المدروس، قديرًا على تحقيق المعجزات..

واليوم وقوى الضلال، المادية والصهيونية والاستعمارية الجديدة، تتجمع مرة أخرى في محاولة شرسة للإطباق على الإسلام عقيدة وشريعة وأمة وحضارة ودولاً..

فإن لم نتعلم من (عين جالوت) سوى حقيقة أنه بالإيمان والثقة والعزم والتصميم، يمكن أن نجابه المحنة ونتفوق عليها.. فكفى بذلك من كسب تمنحنا إياه مطالعاتنا الجادة في التاريخ.. وإنه قد آن الأوان لكي نتعلم من التاريخ..

النهضة العربية

كاتب الموضوع الأصلي: محمد المطلق 20

اليقظة العربية أو النهضة العربية مصطلح تاريخي يعود إلى حركة عمت البلاد العربية بين سنة 1820 و1914. وحسب تعريف الحركة هي تنبه العرب إلى ماضيهم، وإدراكهم واقعهم المتخلف، وسعيهم لإحياء الماضي بما فيه من أصالة وتراث عربي إسلامي، والعمل على تجاوز التخلف من أجل بناء مستقبل أفضل.[1] بدأت النهضة كانت النهضة الثقافية التي بدأت في أواخر القرن التاسع عشر والقرن العشرين في وقت مبكر في مصر والشام خصوصًا في لبنان وسوريا، ثم انتقل بعد ذلك إلى كافة أنحاء الوطن العربي، وتعتبر في كثير من الأحيان على أنها فترة من التحديث الفكري والإصلاح.
وينظر إلى بداية النهضة بعدما حدثت الصدمة الثقافية التي نجمت عن غزو نابليون لمصر عام 1798، وحملة الإصلاحيين من الحكام اللاحقين مثل محمد علي.

عوامل اليقظة العربية:
تظافرت عدة عوامل ساعدت على ظهور اليقظة العربية في منتصف القرن الثامن عشر، واتساع ينابيعها وتنوعها خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، وهي عوامل داخلية وخارجية:
العوامل الداخلية
حركات الإصلاح الإسلامي
الجمعيات والأحزاب السياسية
سياسة التتريك
العوامل الخارجية
انفتاح الوطن العربي على الفكر الأوروبي
الحملة الفرنسية على مصر وبلاد الشام
إصلاحات محمد علي
البعثات التبشيرية التي ساهمت في تنشيط الحركة التعليمية والثقافية

مظاهر اليقظة العربية:
حركات الإصلاح الإسلامي[عدل]
قامت في الوطن العربي حركات إسلامية عدة للنهوض بالعرب والمسلمين بإزالة عوامل التخلف التي لحقت بها، من جراء انتشار البدع والخرافات التي التصقت بالإسلام. وقد ركزت هذه الحركات في دعواتها الإصلاحية على ما يلي:
ضرورة العودة إلى القرآن والسنة كأساس لوحدة المسلمين
تنقية الدين الإسلامي من الشوائب التي علقت به عبر العصور
فتح باب الجهاد
الجهاد ضد الاستعمار
وقد ساهمت هذه الحركة في إحداث اليقظة الفكرية عند العرب.
الاتجاه الوطني[عدل]
من معاني الوطنية حب الوطن والتمسك به والانتماء إليه. وقد ساعدت مجموعة من العوامل على ظهور هذا الاتجاه منها:
انتشار التعليم.
إرسال البعثات العلمية إلى أوروبا.
نشاط حركة الترجمة والتأليف.
نادى بعض دعاة الإصلاح بالانفتاح على الحضارة الغربية والاستفادة من تفوق الغرب في العلم والاقتصاد، وقد شكل دعاة هذا الاتجاه عددا من الجمعيات الثقافية والعلمية، حاول أعضاؤها عن طريق الخطب والمحاضرات إبراز فضل العرب في الآداب والعلوم، ووجوب عمل العرب على استعادة أمجادهم. وأبرز من مثل هذا الاتجاه:
الشيخ رفاعه الطهطاوي الذي أسس مدرسة الألسن في مصر،
وبطرس البستاني الذي طرح شعارحب الوطن من الإيمان .
الاتجاه العربي الإسلامي[عدل]
شهد الربع الأخير من القرن التاسع عشر مرحلة من أخطر المراحل، ذلك أن الدولة العثمانية التي كانت سائرة في طريق التدهور والانحدار، تعرضت لما لم تتعرض له في الماضي من تجزئه، ومن انفصال بعض ولاياتها. كما ازداد تدخل الدول الأجنبية الكبرى بها، فلجأ السلطان إلى التشديد في الرقابة ولا سيما على الولايات الغربية.
اضطر السلطان عبد الحميد في بداية حُكمه إلى قبول دستور مدحت باشا الذي لقب (بأبي الدستور) وأصبح لفترة من الوقت حاكما دستوريا، لكنه ما لبث أن اصدر الأمر بحل البرلمان، وتعليق الدستور إلى أجل غير مسمى. طلب من النواب المستنيرين (وكان من بينهم عدد من النواب العرب) مغادرة الآستانة.
حاول السلطان عبد الحميد تثبيت دعائم حكمه بتبني حركة الجامعة الإسلامية التي نادى بها جمال الدين الأفغاني، مستهدفا بذلك تقوية مركزه من الداخل والخارج.
داخليا: ليلتف حوله المسلمون كرئيس روحي لهم ذو سلطة عليا عليهم.
خارجيا: لتهديد الدول الاستعمارية بإثارة الشعوب الإسلامية الخاضعة لها فيما إذا استمرت في سياستها المعادية للدولة العثمانية.
إن خوف العرب من الأخطار الاستعمارية جعلهم يلتفون حول دولة الخلافة، ويؤيدون السلطان عبد الحميد، لكنهم لم يقبلوا بسياسته. لذا فقد استمرت الدعوة إلى الإصلاح واللامركزية. وكان من أشهر من سار في هذا الاتجاه عبد الرحمن الكواكبي الذي انتقد الحكم الاستبدادي في كتابه طبائع الاستبداد أما رشيد رضا فدعا إلى محاربة الاستبداد؟ وإعادة العمل بالدستور. وربط بين العروبة والإسلام؟ وجسد أفكاره في مجلة المنار

دور المسيحيين:
النهضة الثقافية العربية في القرن التاسع عشر بدأت في أعقاب خروج محمد علي باشا من بلاد الشام عام 1840 وتسارعت وتيرتها أواخر القرن التاسع عشر، وكانت بيروت والقاهرة ودمشق وحلب مراكزها الأساسية، وتمخض عنها تأسيس المدارس والجامعات العربية والمسرح والصحافة العربيين وتجديد أدبي ولغوي وشعري مميز ونشوء حركة سياسية نشطة عرفت باسم “الجمعيات” رافقها ميلاد فكرة القومية العربية والمطالبة بإصلاح الدولة العثمانية ثم بروز فكرة الاستقلال عنها مع تعذر الإصلاح والمطالبة بتأسيس دول حديثة على الطراز الأوروبي؛ كذلك وخلال النهضة تم تأسيس أول مجمع للغة العربية وإدخال المطابع بالحرف العربي، وفي الموسيقى والنحت والتأريخ والعلوم الإنسانية عامة فضلاً عن الاقتصاد وحقوق الإنسان، وملخص الحال أنّ النهضة الثقافية التي قام بها العرب أواخر الحكم العثماني كانت نقلة نوعية لهم نحو حقبة ما بعد الثورة الصناعية،[2] ولا يمكن حصر ميادين النهضة الثقافية العربية في القرن التاسع عشر بهذه التصنيفات فقط إذ إنها امتدت لتشمل أطياف المجتمع وميادينه برمته،[3] ويكاد يعمّ الاتفاق بين المؤرخين على الدور الذي لعبه المسيحيون العرب في هذه النهضة سواءً في جبل لبنان أو مصر أو فلسطين أو سوريا، ودورهم في ازدهارها من خلال المشاركة ليس فقط من الوطن بل في المهجر أيضًا.[4] إذ كون المسيحيون في العصر الحديث النخبة المثقفة والطبقة البرجوازية مما جعل مساهمتهم في النهضة الاقتصادية ذات أثر كبير، على نحو ما كانوا أصحاب أثر كبير في النهضة الثقافية، وفي الثورة على الاستعمار بفكرهم ومؤلفاتهم، وعملهم.[5] يذكر على سبيل المثال في الصحافة سليم العنجوي مؤسس «مرآة الشرق» عام 1879 وأمين السعيل مؤسس مجلة الحقوق وجرجس ميخائيل فارس مؤسس «الجريدة المصرية» عام 1888 واسكندر شلهوب مؤسس مجلة السلطنة عام 1897 وسليم تقلا وشقيقه بشارة تقلا مؤسسا جريدة الأهرام،[6] وفي فقه اللغة العربية يذكر إبراهيم اليازجي وناصيف اليازجي وبطرس البستاني. وفي الوقت ذاته دخلت إلى حلب على يد المطران ملاتيوس نعمة المطبعة الأولى بأحرف عربية إلى بلاد الشام واستمرت في الطباعة حتى 1899. من جهة أخرى، ساهم المسيحيون العرب في مقارعة سياسة التتريك التي انتهجتها جمعية الاتحاد والترقي وبرز في حلب على وجه الخصوص المطران جرمانوس فرحات والخوري بطرس التلاوي، وتأسست المدرسة البطريركية في غزير التي خرجت عددًا وافرًا من أعلام العربية في تلك المرحلة،[7] ولعبت الجامعات المسيحية كجامعة القديس يوسف والجامعة الأميركية في بيروت وجامعة الحكمة في بغداد وغيرها دورًا رياديًا في تطوير الحضارة والثقافة العربية.[8] وفي العراق نشط الأب أنستاس ماري الكرملي، وفي الأدب يذكر جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة ومي زيادة وأمين الريحاني وشفيق معلوف وإلياس فرحات. وفي السياسة يذكر نجيب العازوري وشكري غانم ويعقوب الصروف وفارس نمر وبطرس غالي في لبنان ومصر. ونظرًا لهذا الدور المسيحي المتزايد في السياسة والثقافة، بدأت الحكومات العثمانية تحوي تباعًا وزراءً من المسيحيين العرب ومنهم آل ملحمة في لبنان. وفي المجال الاقتصادي، برز عدد من العائلات المسيحية ومنهم آل سرسق وآل خازن وآل بسترس في الشام وآل السكاكيني، وآل غالي وآل ثابت في مصر،[9] وهكذا فإن الشرق العربي قاد بمسلميه ومسيحييه نهضة ثقافية وقومية بوجه الاستبداد الذي شكلت ركيزته جمعية الاتحاد والترقي وسياسة التتريك، ورسخت هذه النهضة كما يرى بولس نعمان “المسيحيين العرب كأحد أعمدة المنطقة وليس كأقلية على هامشها.

بين تركيا أتاتورك وأردوغان

كاتب الموضوع الأصلي: محمد المطلق 20

قام أتاتورك بمعاونة من شياطين العالم، وخاصة الصهاينة، بسلخ تركيا عن دينها وتاريخها وحضارتها وقيادتها سنة 1923م، حتى وصلت إلى مستنقع اقتصادي دنيء جعلها تستجدي وتستدين من دول العالم، وتعيش عالة على القروض والمساعدات، فاستلمها أردوغان وعليها 23 مليارًا من الدولارات، ودخْل الفرد لم يزد في العام عن ثلاثة آلاف دولار، فصعد بها أردوغان لكي تكون الدولة الثامنة في العالم اقتصاديًا، وتخلص تمامًا من ديونها المرهقة المذلة، فالدين هم في الليل وذل في النهار، وجعلها في الصدارة الثامنة من دول العالم اقتصاديًا، حيث زاد الرصيد الاحتياطي في البنك المركزي عن 130 مليارًا، بعد أن كان 27 مليارًا فقط عام 2002م، ووصل دخل الفرد في المتوسط إلى أحد عشر ألف دولار، وانتقل حجم التجارة من 250 مليارًا سنة 2002م إلى 900 مليار دولار الآن؛ في مشوار من الإرادة والتحدي والعمل الدءوب من أجل تركيا المسلمة.

لقد أنهى كمال أتاتورك الخلافة العثمانية التي رفض قائدها السلطان عبد الحميد وعد بلفور وضغوط الصهاينة أن يسمح بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين قائلا: “إن أرض فلسطين أرض وقف لا يجوز لأحد أن يتنازل عن شبر منها”، فلما هُدد قال: “لن أتنازل عن شبر من أرض فلسطين حتى لو خسرت كرسي الخلافة وقطعت إربًا”.

واستُعمل أتاتورك لهدم الخلافة، وتحطيم التاريخ، وتحول المسار من الحضارة الإسلامية إلى الحضارة الطورانية، ومن عبادة الله إلى عبادة الدب الأبيض، ومن ساحات المساجد إلى خانات الخمور، فسعى إلى تغيير الشكل والمضمون لتركيا، حيث مَنع الأذان والقرآن والسنة والمدارس الدينية وألغى المحاكم الشرعية، ومَنع لبس الطربوش والعمامة، وروَّج للباس الغربي، وألغى الألقاب الدينية، وتبنى التقويم الدولي، وكتب قوانين مستوحاة من الدستور السويسري، وفي عام 1928م ألغى استخدام الحرف العربي في الكتابة، وأمر باستخدام الحرف اللاتيني في محاولة لقطع ارتباط تركيا بالشرق والعالم الإسلامي.

وقد سار في هذا المشوار من الضلال إلى الدرجة التي سمعت فيها أذناي ورأت عيناي لأول مرة رجب الطيب أردوغان في سنة 1992م في مدينة إسطنبول، وكان يومئذ يسعى أن يكون عمدة إسطنبول، حيث قال الطيب أردوغان: “عندما نصل إلى الحكم لن نطبق الشريعة الإسلامية” فأثار اندهاش كل الحاضرين في المؤتمر، وكانت الإجابة أكثر اندهاشًا، وأوسع نظرًا، وأعمق حكمة، حيث قال يومها: “إن النظام العلماني قد خلف في إسطنبول وحدها 300 ألف امرأة مسلمة عندها ترخيص رسمي من الحكومة بممارسة الدعارة والزنا، ولها ملف في هيئة الضرائب”، ثم قال: “لقد أعددنا عددًا كبيرًا من الداعيات المسلمات لإقناعهن بترك الرذيلة، وأقنعنا رجال الأعمال بقبولهن في الوظائف حتى لا يضطرهن الفقر إلى الزنا”.

وألقى قنبلة أخرى فقال: “عندما قام حزبنا بدأنا باستبيان على مُصلِي الجمعة وليس لمرتادي الفنادق، هل تريدون إعادة تطبيق الشريعة الإسلامية في تركيا، فكانت الإجابة من مصلي الجمعة بنسبة 95% لا نريد تطبيق الشريعة بسبب التشويه الإعلامي والتعليمي لتاريخ وأصالة تركيا الإسلامية”.

ثم أردف قائلاً: “عندما نحكم سنجعل الناس يطالبوننا بتطبيق الشريعة، ولن نفرضها عليهم”.

لقد صارت تركيا في منهج أتاتورك أن من تتجرد من ثيابها وعفتها مكرمة، وممن تتشبث بحجابها وعفتها مجرمة، فسجنت وفصلت طالبات ومدرسات من المدارس والجامعات فقط لارتداء الحجاب، حتى جاء أردوغان يناقش الأمر من باب الحرية الشخصية، فعاد الشعب التركي فيما يزيد عن 65% الآن إلى الحجاب، ونظفت المدن التركية من كثير من هذا العهر الذي أدخلته علمانية أتاتورك، وَمَحته إسلامية أردوغان وحزبه.

لقد زرت تركيا أكثر من عشرين مرة، وكانت في ظل علمنة أتاتورك قذرة بالقمامة التي تفاجئك أحجامها في أفخم الأماكن السياحية فضلاً عن غيرها، وكانت المياه والكهرباء تنقطع في أفخم الفنادق، فضلاً عن البيوتات، ولم يكن أحد يجرؤ في ظل النظام العسكري الأتاتوركي أن ينبس ببنت شفة، ولا أن يتكلم بكلمة، على حين إذا أراد أردوغان أن يستعيد ما هدمه أتاتورك من معالم إسلامية ومساجد ربانية، فإذا بفلول العلمانيين وأصابع الصهيوأمريكان بنفس الأسلوب الذي يحركون به أذنابهم ضد الثورات العربية فيجمعون الناس، ولا حرج في المظاهرات السلمية، لكن إذا لبس بعضهم الأقنعة تمامًا مثل البلاك بلوك والبلطجية في مصر، والشبيحة في سوريا، والبلاطجة في اليمن، والعصابات المسلحة في ليبيا وتونس، فلابد من القوة في مواجهة إرهابهم لا مظاهراتهم، ولا توجد دولة في العالم ترى الحناجر قد تحولت إلى خناجر، والكلمات إلى رصاصات، والزئير إلى النيران والنفير، ثم تقف تتفرج على الخراب والدمار والقتل والإرهاب، إنه مصنع واحد من عدو لدود يسعى إلى تفخيخ المجتمعات إذا فكرت أن يكون الإسلام هو النظام العام وهؤلاء يتناسون أنه من يغالب الله يُغلب، وأن الله تعالى كما قال سبحانه: {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [يوسف:21]، وأنه تعالى كما قال: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة:257]، أما الذين يخافون ويشيعون الذعر والخوف من أسلمة تركيا – عودة إلى الأصل – فأقول ما قاله تعالى: {إنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران:175]، وقد ازداد يقيني بأن تركيا سوف تكون مع مصر عملاقين في قيادة الأمة الإسلامية بعد الزيارة التي تمت إلى أنقرة وإسطنبول منذ عشرة أيام بدعوة من نائب رئيس الوزراء التركي أ. بكير دوزداغ، والمدير العام للمديرية العامة للمؤسسات الوقفية أ.د. محمد أكوس، و د.سيردار كام رئيس الوكالة التركية للتعاون والتنسيق التابعة لرئاسة مجلس الوزراء، وزرنا مؤسسة وقف الخيرات، والمؤسسة التي أدارت قافلة الحرية “مرمرة”، والمعهد الثقافي للتاريخ والفنون، ومكتبات ومؤسسات تحقيق المخطوطات وبعض الجامعات، ووجدت أكبر إنجاز حصل في تركيا ليس فقط في البنيان وإنما في الإنسان، حيث وجدت شبابًا يقودون الدولة ومؤسساتها الكبرى بقلوب امتلأت بالإيمان بالله، واليقين بنصر الله، والعزم على نفع عباد الله في تركيا، وفي أكثر من 200 دولة في العالم تمتد المشاريع الوقفية الإسلامية الإغاثية ليس للمسلمين فقط، وإنما للمحتاجين في العالم من أي لون أو دين أوجنس، في نظام دقيق، وفكر عميق، وإرادة قوية، وإدارة سوية، وانطلاقة فتية نحو بناء تركيا الإسلامية، ومد اليد لكل إنسان في العالم بأنوار الهداية الربانية، والحضارة الإسلامية، فأيقنت بأن هؤلاء الرجال والشباب سوف يقودون العالم، ومن هنا نفهم سر التحريش والتحريك للمخربين كي يعطلوا المسار الإسلامي الحضاري في مواجهة المسار الأتاتوركي العلماني.