أ.د. أحمد محمد وهبان

العلمانية والخطة الممنهجة لإفساد أخلاق الأمة

كاتب الموضوع الأصلي: محمد المطلق 20

ربما لم تعرف الأمة المسلمة مصطلح العلمانية إلا منذ عهد قريب، ولكنها عرفت وتعاملت مع مجموعة خارجة عن الدين وتتعمد إفساد أخلاقيات المسلمين منذ قرون، فظلت الأمة المسلمة محافظة على أخلاقياتها التي استمدتها من دينها فترات طويلة حتى صارت أعراف المجتمعات تصطبغ بصبغة أخلاقية متينة، وكان المخالف لهذه الأخلاقيات لا يجرؤ على المجاهرة بها بل ظل يمارس أي نوع من الفجور الأخلاقي في طي الكتمان.

وكان التشهير وإعلام الناس بأمر المخالف نوعًا من العقوبة التي كان يطلق عليها في كثير من البلاد الإسلامية “التجريس “فكان يُطاف به في الأسواق والتجمعات على ظهر دابة ويُخبر الناس بفعلته، فربما كان التجريس عليه عقوبة أشد من أي عقوبة أخرى نظرًا لما يلحقه بها من المهانة والصغار.

وبدا الإفساد الخلقي الجماعي والمنظم في حياة الأمة الإسلامية إبّان الاحتلال الغربي لكثير من البلاد الإسلامية، إذ شعر المحتلون أنّ الأمة الإسلامية تتميز بحائط قوي ومتين من الأخلاقيات المجتمعية العامة التي يصعب من خلالها استمرار احتلالهم ونهب خيراتهم وقمع اثر الدين فيهم، فعمدوا بداية إلى إحداث حالة من الإفساد الخلقي المنظم والمتتابع والمستمر للوصول بالمجتمع المسلم لحالة من قبول الخلق السيئ والتعامل معه ومع صاحبه دون إنكار ليسهل بعد ذلك قيادهم.

ولقد كانت رسالة نابليون بونابرت -إبان الحملة الفرنسية على مصر- واضحة جدًّا لخليفته كليبر في هذا الخصوص؛ حيث أدرك نابليون أن سبب فشله الأول في مصر هو وجود هذا السياج القوي من الأخلاق التي دفعت المصريين إلى عدم تقبل وجود الفرنسيين الغزاة على أرضهم وخاصة أن المحتلين -رجالاً ونساء- متهتكون ومنحلون أخلاقيًّا، فكان هناك رفض شعبي تبلور بعد ذلك في عدة مظاهرات واحتجاجات وحروب تمخضت في النهاية عن جلاء الفرنسيين عن مصر بعد أقل من ثلاث سنوات فقط.

وتعتبر هذه الرسالة من الوثائق شديدة الأهمية في بيان رحلة المروق من الأخلاقيات التي خاضتها -قسرًا- المجتمعات المسلمة؛ إذ تكررت تقريبًا مع كل المجتمعات نفس هذه السياسة بدرجات متفاوتة وبأساليب متغيرة للوصول لنفس الهدف، وهو إخراج الناس من الخلق الإسلامي القويم ومحاولة جرهم إلى اعتياد رؤية المنكرات دون أن تثير فيهم نفس الرغبة في الإنكار والتغيير.

ونصّت هذه الرسالة على الخطة التي ستمكن الدول الغربية من احتلال بلاد المسلمين عسكريًّا وثقافيًّا، والتي تبدأ أولاً بالعبث بالمنظومة الأخلاقية للبلاد، فتقول الرسالة “قال: ستظهر السفن الحربية الفرنسية بلا ريب في هذا الشتاء أمام الإسكندرية أو البرلس أو دمياط، اجتهد في جمع خمسمائة أو ستمائة شخص من المماليك حتى متى لاحت السفن الفرنسية تقبض عليهم في القاهرة أو الأرياف ونسفرهم إلى فرنسا وإذا لم تجد عددًا كافيًا من المماليك فاستعض عنهم برهائن من العرب ومشايخ البلدان، فإذا ما وصل هؤلاء إلى فرنسا يُحجزون مدة سنة أو سنتين يشاهدون في أثنائها عظمة الأمة الفرنسية ويعتادون على تقاليدنا ولغتنا، ولما يعودون إلى مصر يكون لنا منهم حزب يُضم إليه غيرهم، وسأهتم اهتمامًا كبيرًا بإرسال فرقة تمثيلية لأنّها ضرورة للجيش وللبدء في تغيير تقاليد البلاد”(1).

وذهبت البعثات المسلمة لأكثر الطلاب نجابة وذكاء، فاعتادت أعينهم رؤية المنكرات في أوروبا، وانبهروا بالتقدم الحادث فيها وتغذوا على فكرة حاولوا نشرها عندما عادوا وهي أنّ التقدم الاقتصادي والعلمي مرهون بالتخلّي عن كل ما ورثناه سواء كان دينيًّا أو اجتماعيًّا، فكان منهم بعد ذلك من قال: “إن أردنا التحضّر والتقدّم فلنأخذ من الغرب كل شيء حلوه ومرّه، وخيره وشره”، معتبرًا أنّ المسلمين لم يحققوا إنجازًا في تاريخهم، فيجب عليهم أن يكونوا أتباعًا غير مخيرين، فلا يرقى المسلم -في نظره- أن يصل لمستوى يستطيع التمييز فيه بين خير الغرب وشره، فعليه إن أراد الرقيَّ والتقدم والحضارة أن يأخذ كل ما لديهم ويقلدهم في كافة النواحي وخاصة في الناحيتين الثقافية والسلوكية.

ولهذا جاءت الليبرالية كفكرة تستعلي بالغرب وتحتقر بلاد الإسلام، ترفع قيم الغرب وتمتدح تصرفاته في الوقت الذي تذم قيم بلاد الإسلام وتستنكر تصرفاتهم وأخلاقياتهم، وأصبح مروق أحدهم من الخلق القويم أسرع من مروق السهم من الرمية، وادَّعوا أنّ ما يصلحنا هو أن تتمكن منا مفاهيم الليبرالية التي تعني في نظرهم حرية الإنسان من أي قيد سماوي أو أرضي، إلهي أو بشري، وأنّ التقدم والتطور مرهون فقط بتلك الفكرة، فعادوا الدين بداية وتصادموا مع الأخلاق بالتبعية.

ولم يكن همهم الأول أن تفسد أخلاقهم وحدهم، فتلك قضية منتهية، فلن يكون أحدهم ليبراليًّا حق الليبرالية، ولن يرضى عنه أشياعه ومن هم على شاكلته إلا إذا تخلص من الأخلاق خلقًا خلقًا، بل أصبح همهم الأكبر وشغلهم الشاغل هو كيفية تغيير الضابط الخلقي المجتمعي لينخلع أكبر عدد من الناس من أخلاق.

العلمانية ودورة الإفساد الخلقي

وكانت أكبر وأهم وسائلهم؛ وسيلة رأوها أكثر الوسائل نجاعة، وهي يظهر أحدهم المخالفة الخلقية المستهجنة من الناس، فتتجه سهام الناس إليه، فينبري الباقون منهم دفاعًا عنه وتأييدًا وتثبيتًا له وتبريرًا لفعلته وتصوير منعه اعتداء على حريته والاستعانة بأربابهم وربائبهم في الخارج ليوفروا لهم حماية ودعما، ثم عندما تهدأ الأمور بعض الشيء يكررها ثان ثم ثالث فرابع وهكذا يتقبل الناس رؤيتها وسماعها، ويتجرأ عليها من كان متهيبَا من فعلها، حتى تصير سلوكًا متكررًا يصعب تخليص الناس منه أو مقاومته، ومن ثم ينتقلون إلى مرحلة تالية أشد وأخطر وأقوى.

ويعتمدون على نشر أفكارهم المستهجنة في الشعوب العربية والمسلمة على الإسلاميين أنفسهم إذ يتصدى أحيانًا الغيورون من المسلمين ويقومون بالرد الضعيف ويتولون بأنفسهم نشر هذا الخبث تحت مسمى التحذير، فكان من الأولى بهم عدم نشره وترك أمر الرد للعلماء {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء: 83].

والأمثلة على هذه السياسة كثيرة جدا وفي كل شأن من الشئون، فمن ينظر لواقع دولة عربية مثل مصر في الستينات والسبعينات في القرن الماضي ليدرك كم تغيرت نظرة المجتمع للحجاب وكم تغير حجم الإنكار الشعبي لعدم وجوده، وخاصة إذا علم أنه حتى عام 1920 لم تكن في مصر كاملة امرأة تستطيع أو تجرؤ على كشف وجهها في الطريق العام، ويدرك أن خمسين عاما فقط من العمل التغريبي من الليبراليين قد غيروا نظرة ملايين المسلمين نحو إنكار قضية يعلم الجميع مدى فرضيتها.

وتعتبر المرأة كقضية محورًا هامًّا من محاور عملهم؛ إذ أنها بالنسبة لهم هدف ووسيلة على حد سواء، فإغواؤها كنصف للمجتمع هدفهم الأكبر، والمرأة ككيان فردي وسيلة مهمة جدًّا من وسائلهم، إذ يعتمدون على من سارت سيرهم في إفساد غيرها من الفتيات بالتلقين والتقليد وإفساد الشباب بالإغراء والإغواء.

ويحرص العلمانيون على السيطرة على وسائل التأثير في المجتمعات ليضمنوا وصول فكرتهم لأكبر قطاع ممكن من الناس، فميدان الإعلام المقروء والمسموع والمرئي يعتبر من أهم الميادين ويحتلونه بكثرة ويحاول كبارهم دس صغارهم بكل كثافة ممكنة حتى يضمنوا استمرارًا لفكرتهم بعد رحيلهم، وكذلك ميدان التعليم الخاص والعام يكثر وجودهم فيه وبغزارة لكي يعبثوا بتربية النشء الجديد، ومحاولة السيطرة على عقله وتغيير أنماط تفكيره وتشكيل نظرته للقضايا فيسهل عليهم قياد الشعب كله.

وبعدما سارت المجتمعات ذلك السير الحثيث يسوقها فيه العلمانيون للهاوية؛ لا نتعجب إذ رأيناهم يكررون نفس دورة الإفساد الخلقي ويزيدون في كل مرة حجم الخرق الذي يحدثونه في أخلاق الأمة، فكان التعري وقبول المخرج العلماني أن تزني أخته، وقبول المخرج العلماني الآخر أن يقبل الناس ابنته أو زوجته، وأن يطرح كاتب سياسي علماني الزواج المدني كخيار لتتزوج فيه المسلمة بالنصراني، وكذلك تطرح كاتبة علمانية نفس الفكرة ليكرروا الدورة التي لا تنتهي ولن تنتهي إلا بوقفة حازمة مدركة وواعية للخطر ثم لمقاومته ومنعه.

إنّ هذه الخطة الممنهجة لم تطبق في مصر وحدها؛ بل طبقت في كل أنحاء العالم الإسلامي باختلافات بسيطة، فما نراه من حال المسلمين في شمال إفريقيا وحال المسلمين في الشام والخليج لدليل على أن الخطة تسير متوازية، وما مسألة قيادة المرأة للسيارة في المملكة إلا سير في نفس الاتجاه.

وحاليًّا تستغل وسائل النشر الحديثة ومن أهمها مواقع التواصل الاجتماعي كالفيسبوك وتويتر في طرح الفكرة التغريبية العلمانية بنفس الدورة السابقة مثلما حدث من حمزة كشغري أو تركي الحمد وغيرهما.

محمد بن القاسم الثقفي .. أصغر فاتح في الإسلام

كاتب الموضوع الأصلي: محمد المطلق 20

سنطالع اليوم سيرة بطل شاب من أعظم الأبطال في التاريخ الإسلامي، هو فاتح بلاد السند والبنجاب، وقد أودع الله بين جنبيه نفسًا بعيدة المطامح لخدمة الإسلام، وبلاد السند والبنجاب (بلاد باكستان الحالية) – هو محمد بن القاسم الثقفي مؤسس أول دولة إسلامية في الهند؛ ولذلك يبقى اسمه شامخًا في سجل الفاتحين الأبطال.

محمد بن القاسم الثقفي .. مولده ونشأته
ولد محمد بن القاسم الثقفي سنة 72هـ بمدينة الطائف في أسرة معروفة، فقد كان جدّه محمد بن الحكم من كبار ثقيف. وفي سنة 75هـ صار الحجاج بن يوسف الثقفي واليًا عامًّا على العراق والولايات الشرقية التابعة للدولة الأموية في عهد الخليفة عبد الملك بن مروان، فعيّن الحجاج عمّه القاسم واليًا على مدينة البصرة، فانتقل الطفل محمد بن القاسم إلى البصرة. ولما شيد الحجاج مدينة واسط وصارت معسكرًا لجنده الذين يعتمد عليهم في الحروب، وامتلأت بسكانها الجدد، وفيها نشأ وترعرع محمد بن القاسم الثقفي وتدرب على الجندية والفروسية، فلُقّن فنون الحرب وأساليب القتال حتى أصبح من القادة المعروفين وهو لم يتجاوز بعد 17 عامًا من العمر.

صفات محمد بن القاسم الثقفي
بدت على محمد بن القاسم الثقفي أمارات النجابة والشجاعة وحسن التدبير في الحرب منذ نعومة أظفاره؛ مما جعل الحجاج بن يوسف الثقفي يعينه أميرًا على ثغر السند وهو لم يتجاوز 17 عامًا، وكان محمد بن القاسم راجح الميزان في التفكير والتدبير، وفي العدل والكرم، إذا قورن بكثير من الأبطال، وهم لا يكادون يبلغون مداه في الفروسية والبطولة، ولقد شهد له بذلك الأصدقاء والأعداء، وقد سحر الهنود بعدالته وسماحته، فتعلقوا به تعلقًا شديدًا.

وكان من دأب محمد بن القاسم الثقفي أن يجنح إلى الصلح والسلم ما وسعه ذلك، وقد أوصاه بذلك الحجاج بن يوسف الثقفي: “إذا أردت أن تحتفظ بالبلاد فكن رحيمًا بالناس، ولتكن سخيًّا في معاملة من أحسنوا إليك، وحاول أن تفهم عدوك، وكن شفوقًا مع من يعارضك، وأفضل ما أوصيك به أن يعرف الناس شجاعتك، وأنك لا تخاف الحرب والقتال”.

وكان محمد بن القاسم يتصف بالتواضع الرفيع، فكان في جيشه من يكبر أباه سنًّا وقدرًا، فلم تجنح نفسه معهم إلى الزهو والمباهاة، ولكنه لم يكن يقطع أمرًا إلا بمشورتهم، بَنَى المساجد في كل مكان يغزوه، وعمل على نشر الثقافة الإسلامية مبسطة ميسرة.

محمد بن القاسم الثقفي وفتح بلاد السند
استولى قراصنة السند من الديبل بعلم من ملكهم “داهر” في عام 90هـ على ثماني عشرة سفينة بكل ما فيها من الهدايا والبحارة والنساء المسلمات، اللائي عمل آباؤهم بالتجارة وماتوا في سرنديب وسيلان، وصرخت مسلمة من بني يربوع “وا حجاج، وا حجاج”، وطار الخبر للحجاج باستغاثتها، فنادى من وراء الجبال والبحار “لبيك لبيك”.

وحاول الحجاج بن يوسف الثقفي استرداد النساء والبحارة بالطرق السلمية، ولكن “داهر” اعتذر بأنه لا سلطان له على القراصنة، فثارت ثائرة الحجاج، فأعد الحجاج جيشًا تلو الآخر، الأول بقيادة “عبد الله بن نهبان” فاستشهد، ثم أرسل الحجاج “بديل بن طهفة البجلي” ففاز بالشهادة دون أن يصل إلى أمر حاسم.

فاستشاط الحجاج غضبًا بعد أن رأى قوّاده يتساقطون شهيدًا وراء شهيد، فأقسم ليفتحن هذه البلاد، وينشر الإسلام في ربوعها، وقرّر القيام بحملة منظمة، ووافق الخليفة الوليد بن عبد الملك، وبعد أن تعهد له الحجاج أن يرد إلى خزينة الدولة ضعف ما ينفقه على فتح بلاد السند.

وقد وقع اختيار الحجاج على محمد بن القاسم الثقفي ليقود الجيش الإسلامي؛ لما رآه فيه من حزم وبسالة وفدائية، فجهّزه بكل ما يحتاج إليه في ميدان القتال من عتاد، وتحرك البطل محمد بن القاسم الثقفي بجيشه المكون من عشرين ألف مقاتل من خيرة الأبطال وصفوة الجنود، واجتاز الجيش حدود إيران سنة 90هـ إلى الهند، وبرزت مواهب محمد بن القاسم الفذة في القيادة وإدارة المعارك، فحفر الخنادق ورفع الرايات والأعلام ونصب المنجنيقات، ومن بينها منجنيق يقال له: العروس كان يقوم بتشغيله خمسمائة، تقذف منه الصخور إلى داخل الحصون فيدكها دكًّا.

وبعد ذلك اتجه نحو بلاد السند، فبدأ بفتح مدينة بعد مدينة لمدة سنتين، ثم زحف إلى الديبل، فخندق الجيش بخيوله وأعلامه واستعد لمقاتلة الجيش السندي بقيادة الملك “الراجة داهر” حاكم الإقليم، في معركة مصيرية سنة 92هـ، وكان النصر للحق على الباطل، فقد انتصر المسلمون، وقُتل ملك السند في الميدان، وسقطت العاصمة السندية في أيدي المسلمين. واستمر محمد بن القاسم الثقفي في فتوحاته لبقية أجزاء بلاد السند ليطهرها من الوثنية المشركة، فنجح في بسط سلطانه على إقليم السند، وفتح مدينة الديبل في باكستان، وامتدت فتوحاته إلى ملتان في جنوب إقليم البنجاب، وانتهت فتوحاته سنة 96هـ عند الملقان، وهي أقصى ما وصل إليه محمد بن القاسم من ناحية الشمال، فرفرف عليها علم الإسلام وخرجت من الظلمات إلى النور، وبذلك قامت أول دولة إسلامية في بلاد السند والبنجاب (باكستان حاليًّا).

قالوا عنه
قال حمزة الحنفي فيه:

إن المروءة والسماحة والنـدى *** لمحمد بن القاسـم بن محمـد
ساس الجيوش لسبع عشرة حجّة *** يا قرب ذلك سؤددًا من مولد

وفاة محمد بن القاسم الثقفي
إن العين لتدمع دمعات حزينة حين تُفاجأ بنهاية محمد بن القاسم الثقفي الأليمة، فلو كان البطل الشهيد قد لاقى مصيره في معترك السيوف، لكان مصرعه مدعاة ارتياح لمن يقدرون البطولة، ولكنه يذهب ضحية للحقد، فتختلق الأكاذيب ضده لتلطخ بسوادها المنكر صحيفة بيضاء ساطعة بنور الفضيلة والكرامة والإباء، ويمضي الشهيد إلى ربه صابرًا محتسبًا، فلم يكن للبطل محمد بن يوسف الثقفي من ذنب لدى الخليفة سليمان بن عبد الملك إلا أنه ابن عم غريمه الحجاج بن يوسف الثقفي، فانتقم الخليفة سليمان من الحجاج الذي عزله من قبلُ عن الخلافة في شخص محمد بن القاسم.

ووصل محمد بن القاسم الثقفي إلى العراق، بعد أن ادعت ابنة داهر ملك السند الذي قتله محمد بن القاسم أن محمد راودها عن نفسها ونالها قسرًا، فأرسله والي العراق صالح بن عبد الرحمن مقيدًا بالسلاسل إلى سجن مدينة واسط، وهناك عذبه شهورًا بشتى أنواع التعذيب حتى مات البطل الفاتح في سنة 95هـ، فخرجت الجموع الحاشدة لتوديعه باكية حزينة، لم يكن العرب وحدهم يبكون على مصيره، بل أهل السند من المسلمين، وحتى البرهميين والبوذيين، كانون يذرفون الدموع الغزيرة، وصوَّره الهنود بالحصى على جدرانهم ليبقى شخصه ماثلاً للعيون، وجذعوا لفراقه جزعًا شديدًا.

مات محمد بن القاسم الثقفي ولم يبلغ الرابعة والعشرين من عمره بعد أن فتح الفتوح وقاد الجيوش وضم الباكستان العظيمة إلى رقعة الإسلام، فاستضاء بجهاده وبمن جاء بعده مائة مليون مسلم.

عثمان بن أرطغرل مؤسس الدولة العثمانية

كاتب الموضوع الأصلي: محمد المطلق 20

كثيرون هم من استطاعوا أن يرقوا لسلم المجد في حياتهم، ولكن قليلا من بين هؤلاء من استطاع أن يورث هذا المجد لأبنائه، وأقل القليل من جعل هذا المجد ميراثا في ذريته على مدى قرون عدة، ومن بين هؤلاء عثمان بن أرطغرل مؤسس الدولة العثمانية، فمن عثمان هذا؟

إنه عثمان بن سليمان شاه التركماني المعروف بعثمان الأول يرجع نسبه إلى التركمان النزالة الرحالة من طائفة التتار [1].

ولد يوم الخميس الرابع من شهر جمادى الأولى، الموافق التاسع من شهر مايو سنة ست وخمسين وستمائة هـ، وهو العام الذي سقطت فيه بغداد في أيدي التتار، وكأن الله سبحانه وتعالى قدر أن يولد في نفس اليوم الذي قُتل فيه آخر الخلفاء العباسيين من يعيد الخلافة شابة فتية بعد أن هرمت وضعفت، وكان ميلاده في بلدة “صوغود” Sogud، أو في “باسين” Pasin…

وكان سبب ظهور أسرته على الساحة وصعودهم للملك أن السلاجقة لما تركوا وطنهم من فتنة جنكيز خان ملك التتار، ومالوا إلى جانب بلاد الروم جاء معهم أرطغرل، وكان رجلا شجاعاً، وبصحبته نحو ثلاثمائة وأربعين رجلاً من بني جنسه، فعمل في خدمة السلطان علاء الدين كيقباد بن كيخسرو بن قلج أرسلان بن طغرل السلجوقي -سلطان بلاد قرمان- فأعجب به لشجاعته، وقربه إليه، ثم زاد في عطائه ومِنَحه بعد أن فتحت على يديه كثير من البلاد “[2].

وقيل: إن أرطغرل هذا كان راجعًا إلى بلاد العجم -أي فارس وما حولها- بعد موت أبيه غرقا عند اجتيازه أحد الأنهر فارا من أمام التتار فشاهد جيشين مشتبكين، فوقف على مرتفع من الأرض ليمتع نظره بهذا المنظر المألوف لدى الرحل من القبائل الحربية، ولما آنس الضعف من أحد الجيشين وتحقق انكساره وخذلانه دبت فيه النخوة الحربية، ونزل هو وفرسانه مسرعين لنجدة هذا الجيش المهزوم، وهاجم الجيش الآخر بقوة وشجاعة عظيمتين، حتى وقع الرعب في قلوب الذين كادوا يفوزون بالنصر، وأعمل فيهم السيف والرمح ضربا ووخزا، حتى هزمهم شر هزيمة..

وكان قائد هذا الجيش الذي قام بمساعدته هو الأمير علاء الدين كيقباد، وقد قام بمكافأته على هذا الفعل النبيل بإقطاعه عدة أقاليم ومدن، وصار بعد ذلك لا يعتمد في حروبه مع مجاوريه إلا عليه وعلى رجاله، وكان عقب كل انتصار يقطعه أراضي جديدة، ويمنحه أموالا جزيلة، ثم لقب قبيلته بمقدمة السلطان لوجودها دائما في مقدمة الجيوش.

وأمضى أرطغرل بعد ذلك باقي عمره في الجهاد والرباط؛ حتى سمي في المصادر التاريخية بـ”غازي الثغور” وبعد وفاته -سنة سبع وتسعين وستمائة تقريبا- كتب السلطان علاء الدين لابنه عثمان بالإمارة من بعده، وأرسل إليه خلعة وسيفا كعادته عند تثبيت الأمراء [3].

وكان عثمان خير خلف لأبيه، إذ قاد قبيلته وواصل بها غزواته حتى فتح الله له قلعة ” قره ” سنة 688 هجرية الموافقة سنة 1289 ميلادية، وبعدها منحه السلطان علاء الدين لقب بك، وأقطعه جميع الأراضي التي فتحها، وأجاز له ضرب العملة باسمه، وأن يذكر اسمه في خطبة الجمعة، وبذلك صار عثمان ملكا بالفعل لا ينقصه إلا اللقب.

وتابع فتوحاته، ففتح مدن “اينه كولي” و”يني شهر” و”كوبري حصار” و”بلجك” وغيرها.

ثم هيأت له المقادير أن يتسلطن على مملكة علاء الدين كلها، فقد حصل أن هاجم التتار في عام 1300 م تقريبا الموافق سنة 699 هـ مدينة قونية، وقتل أثناء تلك الهجمة علاء الدين وابنه غياث الدين، ولم يكن على الساحة من يخلفه غير عثمان لقدرته وكفاءته، فانفتح بذلك المجال أمامه، واستأثر بجميع الأراضي التي كان يستحوذ عليها علاء الدين من قبل، ولقب نفسه بادي شاه آل عثمان، وجعل مقر ملكه مدينة “يكى شهر” أي المدينة الجديدة، وأخذ في تحصينها وتحسينها.

وقيل: إنه لما مات السلطان علاء الدين السلجوقي في قونية، ولم يكن له ذرية، اجتمع الوزراء والأعيان وقرروا أنه لا يليق للسلطنة سوى عثمان الغازي، فعرضوا عليه هذا الأمر فأجاب طلبهم، وصار سلطاناً من هذا التاريخ، وجعل مقر سلطنته “يكي شهر”.

وبعد جلوسه على تخت السلطنة أمر بصلاة الجمعة، وخطب باسمه فقيه من أهل العلم اسمه “طورسن”، ثم أتاه باقي الأمراء ودخلوا تحت حمايته.. فسعى لتوثيق علاقته بهم وأكرمهم، وزوج ولده أورخان من ابنة أحدهم، وهو أمير قلعة ” يار حصار ” المسماة “نيلوفر خان”.

ثم واصل توسيع دائرة أملاكه، وحاول فتح قلعتي ” ازميد ” و ” ازنيك ” ولما لم يتمكن من فتحهما عاد إلى عاصمته.
ثم اشتغل فترة بتنظيم أمور بلاده, حتى إذا أمن اضطرابها تجهز مرة أخرى للقتال، وأرسل إلى جميع أمراء الروم غير المسلمين ببلاد آسيا الصغرى يخيرهم بين ثلاثة أمور، الإسلام أو الجزية أو الحرب، فأسلم بعضهم وانضم إليه، وقبل بعضهم بدفع الجزية له..
وحاول الباقون أن يستعينوا عليه بالتتار؛ ليفعلوا به ما فعلوه بعلاء الدين قبله، لكنه لم يعبأ بهم، بل هيأ لمحاربتهم جيشا جرارا تحت إمرة ابنه أورخان، فسار إليهم هذا الشبل، ومعه عدد ليس بقليل من أمراء الروم، ومن ضمنهم “كوسه ميخائيل” صديق عثمان الذي اختار الإسلام دينا..
واستطاع أورخان بمن معه أن يشتت شمل جموع التتار التي حشدت له، وقد شجعه هذا النصر السريع على المبادرة بفتح مدينة “بورصة” فقصدها سنة 717 هـ الموافقة سنة 1317م، وحاصرها نحو عشر سنوات حتى استسلمت له من غير ما حرب ولا قتال، وذلك بعد أن فتح كل ما حولها من القلاع والحصون، ولم يتعرض لأهلها بسوء.

ولما رأى حاكمها “افرينوس” حسن المعاملة ونبل الخلق من الفاتحين الجدد أعلن إسلامه، فمنحه عثمان لقب بك، وصار من مشاهير قواد دولته الفتية[4].

ثم واصل أورخان بأمر أبيه التوغل بجيوشه في ممتلكات الإمبراطورية البيزنطية، وساعده على ذلك رغبته في الجهاد من جهة، ومن جهة أخرى أنه كان ملمّاً بالأوضاع العامة بها.

وكان توغله فيها من خلال البحرين: البحر الأسود وبحر مرمرة، ثم سعى إلى فصل أراضيها بعضها عن بعض، وقطع الصلة بين مناطقها ليضعف من مقاومتها، ويسهل عليه افتتاحها.

وكانت سياسة عثمان في توغله داخل الدولة البيزنطية قائمة على: مواجهة كل إقليم على حدة، واتباع أسلوب الحصار طويل المدى، ثم إقامة الحاميات العسكرية في المناطق التي يتم فتحها ليضمن عدم تمردها عليه، ثم نشر الإسلام بين أفرادها، فضلا عن المعاملة الحسنة التي كان يعامل بها أهل كل منطقة بعد أن تسقط في يده..

وكانت فتوحاته السريعة غالبا ما تلجئ أعداءه إلى التحالف ضده، فبعد حصار قواته لمدينة “كبري حصار” واستسلام حاكمها له، ثم تضييقه الخناق على قلعة “أزنيق” اتفق حاكم “بروسه” مع حكام “أطره نوس أوادربانوس” و”كستل وكته” على مهاجمة مدينة “يكي شهر” عاصمة ملكه الجديدة؛ ليقضوا على دولته قضاء مبرما، ولكن يقظته جعلته يستعد لغزوهم قبل أن يغزوه، وخرج إليهم بنفسه على رأس جيشه، والتقى بهم عند قلعة ” قيون حصار ” ولم يكتف بهزيمتهم، وإنما تتبع أثرهم حتى التقى بهم ثانية عند مكان يسمى “ديمبوز” وأوقع بهم هزيمة نكراء قتل فيها أمير مدينة “كستل” بينما فر أمير “أطره نوس” وأمير “بروسه” لينجوا من قتل محقق.

وبعد هذا النصر المبين التفت عثمان إلى دولته، واستراح من الغزو قليلا، فشيد في سنة717 هـ بالقرب من مدينة بروسه قلعتين، جعل على إحداهما ابن أخيه آق تيمور أميرا، وعلى الأخرى أحد مماليكه.

وبعدها استخلف أورخان ليرعى أمور دولته، ثم سار هو بنفسه قاصدا قلعة لبلبنجي ولفكه جادرلق فاستولى عليها بلا حرب، وأخضع بعد ذلك من “يكيجه حصار” و”آق حصار” و”تكفور بكاري” بلا حرب أيضاً، وضم الجميع لأملاكه..
وعاد سريعا إلى عاصمته، وبعث ابنه أورخان وبعض قواده إلى قلعة “قره جيش” فحاصروها حتى استولوا عليها، وأسروا حاكمها، ثم تابعوا غزوهم ففتحوا الجهات المجاورة لها، واستولوا على مدينة طوز بازاري وقلعة “قره تكبه” كما فتحوا عدة جهات في أطراف أزميد، وختموا أعمالهم بفتح مدينة “أزنيق”.

وبينما هم يواصلون فتوحاتهم وتقدمهم مرض عثمان، وجاء خبر مرضه إلى أورخان فعاد إليه مسرعًا، ولما صار بين يديه نصحه بالمحافظة على ملكه، والإحسان إلى الرعية، والحرص على العدل والإنصاف بينهم، ومن جملة ما جاء في وصيته قوله: “يا بني ! إياك أن تشتغل بشيء لم يأمر به الله رب العالمين، وإذا واجهتك في الحكم معضلة فاتخذ من مشورة علماء الدين موئلاً، يا بني ! أحط من أطاعك بالإعزاز، وأنعم على الجنود، ولا يغرنك الشيطان بجندك وبمالك، وإياك أن تبتعد عن أهل الشريعة، يا بني: إنك تعلم أن غايتنا هي أرضاء الله رب العالمين، وأن بالجهاد يعم نور ديننا كل الآفاق، فتحدث مرضات الله جل جلاله، يا بني لسنا من هؤلاء الذين يقيمون الحروب لشهوة حكم أو سيطرة أفراد، فنحن بالإسلام نحيا وللإسلام نموت، وهذا يا ولدي ما أنت له أهل”[5].

ومات رحمه الله بعد حياة عامرة بالغزو والجهاد، حيث قضى في السلطنة ما بين 26 و27 سنة.

وانتقل بدولته من مجرد إمارة صغيرة إلى دولة قوية فتية، قدر لها بعد وفاته أن تصير حامية الإسلام، ومحط آمال الموحدين، ولذلك صار يعتز به كل سلاطين الدولة العثمانية، وآثروا أن ينسبوا إليه دولتهم.

كما ترك سيرة حسنة لكل حاكم يطمح للجمع بين حظ الدنيا وحظ الآخرة، فكان مثلا للعدل حتى قيل: إن أباه أرطغرل عهد إليه في حياته بولاية القضاء في مدينة “قره جه حصار” بعد الاستيلاء عليها من البيزنطيين في عام 684هـ/1285م فاحتكم إليه رجلان، أحدهما مسلم تركي والآخر بيزنطي نصراني، فحكم للبيزنطي ضد التركي، فاستغرب البيزنطي وسأله: كيف تحكم لصالحي وأنا على غير دينك، فأجابه عثمان: بل كيف لا أحكم لصالحك، والله الذي نعبده، يقول لنا: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ}[النساء: 58] فتأثر البيزنطي من هذا الموقف وأعلن إسلامه.

كما كان محسنا للفقراء والمساكين، حتى قيل: إنه كان يجمع أنواع الطعام وأصناف الحلوى لهم، ويطبخ لهم بعد كل ثلاثة أيام سماطا عظيما يأكل منه الخاص والعام ممن ذكر وغيرهم[5].
وبلغ من حبه للإنفاق أنه ما ترك عند موته سوى فرس وسيف ودرع ونحو ذلك من اللباس والفراش [6] كما بقيت أوقافه من الخيل والغنم تتناسل قرونا طويلة، أبقتها ذريته تيمنا وتبركا.

نظرية العمران عند ابن خلدون

كاتب الموضوع الأصلي: محمد المطلق 20

نظرية العمران كما تصورها ابن خلدون تبدو متشبعة النواحي متزاحمة الموضوعات، عسيرة الهضم إلا إذا قرأت مع الصبر والتزام الأناة ودقة المتابعة بين فصول كتاب العمران والمقدمة، ذلك لأن ابن خلدون عميق الفكر، متدفق الإنتاج.

ويمكن تلخيص نظرية ابن خلدون في العمران في العناصر الآتية:

التاريخ خبر:
التاريخ خبر عن الاجتماع الإنساني الذي هو العمران البشري ومن ثم فإن تنقيته من الزيف، وتصويب أحداثه يشكلان المنطلق الأول لتصور العمران البشري، ولذلك فقد وضع ابن خلدون منهجًا لكتابة التاريخ ولتصحيح أحداث التاريخ وأخباره، يقوم على الجرح والتعديل والتحليل واستنطاق الأحداث للوصول إلى صواب الاستنتاج.

الإنسان مدني:
الإنسان مدني بالطبع، ومن ثم كان لا بد من أن يصنع مجتمعًا يجري في نطاقه التعاون على إنتاج القوت الذي يهيئ له العيش والأدوات التي تهيئ له أسباب الدفاع عن حياته، وإلا انتفى وجوده وما أراد الله من اعتمار العالم، واستخلافه فيه.

أصل العمران:
العمران البدوي أصل العمران الحضري، ولكل من المجتمعين ألوان من العادات والسلوك وأنماط في الحياة تفرضها طبيعية كل منهما، وهي في المجتمع الحضري أكثر قابلية للتطور الذي يؤدي إلى قمة العمران ثم ما يتبع ذلك من تقلص وانحسار في أحقاب زمنية متلاحقة متكررة تكاد تكون قانونًا ثابتًا.

العمران والصنائع:
لا يتم العمران، ويرقى إلا بوجود الصنائع متمثلة في الفلاحة والصناعة والتجارة، فعليها جميعًا يتوقف رخاء المجتمع ورفاهيته. وكلما ارتقت الصناعة، وراجت التجارة، وعم الرخاء وانتعش الاقتصاد كان لذلك أثره في رفاهية المجتمع البشري ورقيه وبلوغه مراحل الترف والنعيم.

العلم والتعليم:
العلم والتعليم أمران أساسيان في العمران مرتبطان به إيجابًا وسلبًا، فحيث يزدهر العمران تكاد تكون سوق العلم نافقة، فإذا لم يتوفر العلم في المجتمع صارت الرحلة في طلبه أمرًا ضروريًا، ومن ثم فحيث يزدهر العلم يرقى العمران، والعكس صحيح.

مواقع المدن:
حسن اختيار مواقع المدن والأمصار ضروري لاستدامة العمران؛ وذلك من حيث المنعة، وسهولة الدفاع عنها، ومن حيث توفر الخيرات وكثرة الأرزاق كالقرب من الماء العذب، وضمان المراعي للسائمة ومراعاة وجود المزارع حولها لتزويدها بأنواع الطعام.

ضرورة العمران:
الملك المنظم ضرورة العمران للحفاظ على المجتمع وتنظيم شؤونه وحماية الثغور، وبعث البعوث، وجباية الأموال، ودفع الظلم، ونشر العدل، وعمران الأرض، وإسعاد الناس في دنياهم، وتهيئة ما يسعد آخرتهم، وذلك بحملهم على اتباع الشريعة.

الحكم إسلامي:
نظام الحكم في العمران الخلدوني إسلامي يقوم بشئونه خليفة أو إمام يحكم بمقتضى الشريعة التي يصفها ابن خلدون، بعد أن رفض أساليب الحكم الأخرى، بقوله: ( وإذا كانت -أي الشريعة- مفروضة من الله بشارع يقررها ويشرعها، كانت سياسية دينية نافعة في الحياة الدنيا، والآخرة، وذلك أن الخلق ليس المقصود بهم دنياهم فقط فالمقصود بهم إنما هو دينهم المفضي بهم إلى السعادة في آخرتهم، صراط الله الذي له السماوات وما في الأرض، فجاءت الشرائع بحملهم على ذلك في جميع أحوالهم من عبادة ومعاملة حتى في الملك الذي هو طبيعي للاجتماع الإنساني، فأجرته على منهاج الدين ليكون الكل محوطًا بنظر الشارع ).

الملك والعصبية:
العصبية تؤدي إلى المنعة، والغلبة تسمو إلى الرياسة، والرياسة تبعث على التطلع إلى الملك، ومن ثم فإن الملك لا يقوم أصلاً بغير العصبية، ويظل قويًا بقوتها، ويضعف بضعها.

أعمار الدول:
للدول أعمار كأعمار الأشخاص، تبدأ قوية تحت قيادة منشئيها، ولا يكاد ينتهي الجيل الثالث حتى تكون قد أشرفت على الزوال. وللعمران في نطاق الدولة مرحلة تألق وازدهار تكون قمته في الجيل الثاني، ومن ثم يكون العمران البشري بكل مكوناته الأساسية والجزئية مرتبطًا بحركة الكائن الحي الذي هو الإنسان، في تطوره من حيث المولد والنمو والارتقاء والضعف والانحلال والزوال.

إن ابن خلدون يلخص هذه النقطة الأخيرة التي تشكل وحدها نظرية عنده، وتشكل قانونًا عند المعنيين بفكره في هذه الكلمات: إن أحوال العالم والأمم وعوائدهم ونحلهم لا تدوم على وتيرة واحدة ومنهاج مستقر، وإنما هو اختلاف على الأيام والأزمنة وانتقال من حال إلى حال، وكما يكون ذلك في الأشخاص والأوقات والأمصار، فكذلك يقع في الآفاق والأقطار والأزمنة والدول.

لقد لقيت نظرية العمران وغيرها من أفكار ابن خلدون الكثير من العناية من قبل مئات الدارسين على مستوى العالم المتحضر خلال القرنين الأخيرين سواء نطاق القبول أو المعارضة، ولكن الحقيقة التي لا شك فيها أن أحدًا قبل ابن خلدون سواء من علماء المسلمين أو غير المسلمين لم يعرض لدراسة الظواهر الاجتماعية دراسة تحليلية أدت إلى نتائج ومقررات مثل التي أدت إليها دراسة ابن خلدون.

ابن خلدون في مرآة الغرب:
لقد تابع كثير من علماء الغرب من مفكرين ومستشرقين ومؤرخين أعمال ابن خلدون ودرسوا أفكاره بإعجاب كبير، ولكن عددًا كبيرًا منهم نزع عنه صفته الإسلامية، وبعضهم الآخر جرده من هويته العربية، مستكثرين على العرب والمسلمين أن يكون منهم عالم ومفكر مثل ابن خلدون، مع وجود مئات العلماء والمسلمين أمثال ابن خلدون كل في ميدانه مثل: ابن النفيس وابن الهيثم، والبيروني، والرازي، والكي، وابن سينا، والفارابي، وغيرهم كثير.

فيلسوف التاريخ:
وقد أطلق الفيلسوف الأسباني (خوسيه أورتيجا أي جاست) على ابن خلدون لقب فيلسوف التاريخ الإفريقي، كما تعتبر المقدمة من حيث الزمن أول كتاب يؤلف في فلسفة التاريخ.

أما المستشرق الأسباني بونس بويجس Pons Bigues يؤكد أن ابن خلدون من أعظم الشخصيات تمثيلاً للتاريخ الفلسفي البعيد المدى، وينسبه إلى أصل أسباني، ويذهب المستشرق الأسباني (ريبيرا) في الفخر به قائلاً: (إن الوطن الأسباني يستطيع بحق أن ينسب إليه أعظم إنتاج تاريخي في العلوم الإسلامية).

نظرية للحضارة:
وهناك مؤرخ إسباني آخر هو رافائيل ألتاميرا Rafael Altamira يجري تعقيبات على آراء ابن خلدون في افتتاحية المقدمة ووصفه لعلم التاريخ، والشروط التي ينبغي توفرها في المؤرخ، ثم يقول: إن المقدمة هي نظرية للحضارة حقيقية وكاملة، ثم يجري بعض التحفظات على المغالاة في تقدير قيمة ما أسماه بابتكارات ابن خلدون، ولكنه يصف ابن خلدون بأنه قوة عقلية جبارة، ومخترع عبقري، يبني فوق سوابق ضئيلة عمل هو في معظمه جديد.

ويضع (استيفان كلزيو) ابن خلدون في مقدمة فلاسفة التاريخ والاقتصاد والاجتماع على حد سواء، يقول: (إذا كانت نظريات ابن خلدون عن حياة المجتمع المعقدة تضعه في مقدمة فلاسفة التاريخ، فإن فهمه الدور الذي يؤديه العمل والملكية والأجور يضعه في مقدمة علماء الاقتصاد المحدثين، كما استطاع في العصور الوسطى أن يكتشف مبادئ العدالة الاجتماعية والاقتصاد السياسي قبل كونسيدران الفرنسي الاشتراكي (1808-1893) وكارل ماركس الألماني (1818-1883) وباكونين الاقتصادي الاجتماعي الروسي (1814- 1876)

مكتشف ميدان التاريخ:
ويفرد ناتانيل شميث N.Schmid الأستاذ السابق بجامعة كورنل بأمريكا دراسة عن ابن خلدون كمؤرخ اجتماعي وفيلسوف، ويرى إمكان وضعه في صف مؤرخين عالميين مثل تيودور الصقلي ونقولا الدمشقي، وتروجويومبيو من مؤرخي القرن الأول الميلادي، أو جاتيرر وشلستر من مؤرخي القرن الثامن عشر.

كما يقرر شميت أيضًا أن ابن خلدون هو الذي اكتشف ميدان التاريخ الحقيقي وطبيعته، وهو أول من استطاع أن ينظر إلى التاريخ كعلم خاص يبحث الحقائق التي تقع في دائرته، بل إن أحدًا غير ابن خلدون لم يقل إن التاريخ علم خاص موضوعه بحث جميع الظواهر الاجتماعية في حياة الإنسان، ثم يستطرد قائلاً: إن ابن خلدون برغم طابعه الإسلامي، فهو فيلسوف مثل أوجست كونت وتوماس بكل، وهربرت سبنسر.

ويكتب المؤرخ الألماني ( فون فيسيندونك Von Wesendonk بحثًا عن ابن خلدون في مجلة دويتشه رونتشاور بعنوان: ( ابن خلدون مؤرخ الحضارة العربي في القرن الرابع عشر) يقرر فيه أن أبن خلدون من أصل عربي نزح إلى الأندلس، ويشيد بالمبادئ التي توصل إليها، والتي يرى أنها تدعو إلى التأمل الصادق الدقيق، ثم يقول: ( يقف مؤرخ الحضارة الإسلامي العظيم وحيدًا في المشرق لم يعقبه خلف، ولم ينسج على منواله ناسج، ويستطرد قائلاً: وتدوي ميول المفكر السياسي الإفريقي في معترك الحوادث مهما كانت وجهتها دويًا يتردد صداه في عالم عصرنا).

عمل الحياة:
ويتحدث المؤرخ البريطاني الشهير المعاصر آرنولد توينبي Arnold Toynbee عن ابن خلدون حديث الثناء والإعجاب بشخصه وريادته العلمية، يقول توينبي عن ابن خلدون: ( إنه آخر عضو من نجومنا المؤرخين)، وأطلق عن المقدمة، باعتبارها العمل الجليل الذي قام به ابن خلدون (عمل الحياة)، وكما يبدو أن آرنولد توينبي الذي شن حملة شعواء على الحضارة الإسلامية قال بحتمية التاريخ متأثرًا بقانون السببية عند ابن خلدون، ولكنه لم يشر إلى ذلك.

وتقف باحثة روسية معاصرة هي (سيفيتلانا باتسييفا) من ابن خلدون وفكره موقف الإعجاب والانبهار من حيث منهجه التاريخي، وهدفه منه، وتبدي رأيها على هذا النحو: هدف ابن خلدون أن يجعل من التاريخ وعاء ضخمًا يستوعب سائر ما يحدث في العمران، وهو ما تسعي إليه المحاولات الحديثة في كتابة التاريخ، تلك النزعة التي تجلت في المؤتمر الدولي للتاريخ الذي عقد في باريس سنة 1950م، وبها التزمت المجلة التاريخية الفرنسية. وتمضي الباحثة الروسية قائلة: ( ويكفي ابن خلدون فخرًا أن يكون حدسه ألهمه هذا التصور العريض للتاريخ، وهداه إلى رسمه كفاية عبر عنها بدقة مدهشة سابقة لعصره وإمكاناته).

ومن علماء الغرب الذين درسوا ابن خلدون من فطن إلى أثر الإسلام في فكره، وربط بين شخصه وعقيدته الدينية ربطًا واضحًا مباشرًا، ومن هؤلاء الباحثين العالم الاجتماعي المرموق ( لفيج جمبلوفتش) الذي يعلي من قدر ابن خلدون ويسجل له قصب السبق في ابتكار علم الاجتماع على شخصيات كبيرة من أمثال ( كونت وفيكو) يقول جمبلوفتش: ( لقد أردنا أن ندلل على أنه قبل أوجست كونت، بل قبل فيكو الذي أراد الإيطاليون أن يجعلوا منه أول اجتماعي أوربي، جاء مسلم تقي، فدرس الظواهر الاجتماعية بعقل متزن وأتى في هذا الموضوع بآراء عميقة، وإن ما كتبه هو ما نسميه اليوم علم الاجتماع ).

أما المستشرق البريطاني هاملتون جيب يقرر أن ابن خلدون أنه كان من كبار علماء المسلمين، ومن الشخصيات المرموقة في مذهب الإمام مالك، وأنه على سعة أفقه لم يصدر رأيًا وحدًا يجافي تعاليم الإسلام بل إن مفاهيمه المتطورة كانت تطويعًا للمجتمع من منطلق روح المبادئ الإسلامية.

وهكذا نجد كيف استطاع ابن خلدون بفكره الفذ ونظرياته العبقرية أن ينال كل هذا الاعتراف من كبار مؤرخي العالم وباحثيه على عبقريته وابتكاراته وسبقه لعلماء الغرب فيما ابتكره في التاريخ والسياسة والاقتصاد والاجتماع.

الحضارة العربية في صقلية النورمانية

كاتب الموضوع الأصلي: محمد المطلق 20

تعدُّ الحضارة العربية التي قامت في جزيرة صقلية حلقةً بالغة الأهمية في تاريخ الحضارات التي شهدتها هذه الجزيرة، مثل الحضارة الفينيقية والإغريقية والرومانية. ولا تأتي هذه الأهمية من أن هذه الحضارة استمرت قائمة ومزدهرة في صقلية بعد زوال الحكم العربي منها على يد النورمان فحسب وإنما لأنها كانت أيضًا عاملًا مهمًا أسهم في النهضة الأوربية الحديثة.

الفتح العربي
تمَّ الفتح العربي لجزيرة صقلية -التي كانت تحت الحكم البيزنطي- على يد الأغالبة، وذلك في عهد الأمير زيادة الأغلبي عام 827م. وكان بطل هذا الفتح الفقيه أسد بن الفرات (ت828م). وأقام العرب، خلال حكمهم للجزيرة والذي دام نحو قرنين ونصف من الزمن (827- 1091م) حضارة ازدهرت تدريجيًا في الميادين الثقافية والإدارية والاقتصادية والفنية. وكانت في حقيقتها مزيجًا من حضارة العرب في المشرق والمغرب من ناحية ومن إنجازات عرب صقلية وإبداعاتهم من ناحية ثانية وما كان موروثًا من الحضارات التي تعاقبت على الجزيرة من ناحية ثالثة.

ومن العوامل الأساسية التي مكنت عرب صقلية من إقامة هذه الحضارة كانت سياسة التسامح التي مارسوها في حكم شعوب ذات أعراق وثقافات وديانات مختلفة، حيث سمح العرب لها بممارسة حريتها الدينية وعاداتها وقوانينها الخاصة بها. ويقول أحد رؤساء دير “سانت كاترين”، في العاصمة الصقلية “بالرمو”، إن رجال الدين المسيحيين كانوا أيام العرب أحرارًا في ممارسة واجباتهم الدينية ولم تُمس كنائسهم بسوء.

الفتح النورماني
انتزع النورمان صقلية من أيدي العرب، وساعدهم في ذلك ما كان يدور في الجزيرة من انقسامات وصراعاتٍ بين الأمراء العرب، حتى أن بعضهم، مثل ابن الثمنة، لم يتردد في طلب العون من النورمان ضد بني جلدته.

ودخل النورمان بالرمو عام 1072م، ولكن لم يكتمل فتحهم للجزيرة إلا عام 1091م. وتعاقب على حكم صقلية أربعة من الحكام النورمان الأقوياء وهم: روجر الأول (ت1101م) وروجر الثاني (ت1154م) ووليام الأول (ت1166م) ووليام الثاني (ت1189م).

واللافت للنظر أنه ما كاد يستقر النورمان في صقلية حتى أعجبوا بالحضارة التي خلفها أسلافهم العرب فيها وأعلنوا حمايتهم لها وأظهروا رغبتهم في الإفادة منها. أي وقف النورمان المنتصرون باحترام وتقدير أمام حضارة العرب المغلوبين.

وهذا يذكرنا كيف خضع الرومان المنتصرون لحضارة أسلافهم الإغريق المغلوبين.
والسؤال الذي ينبغي الإجابة عنه هو: ما العوامل التي جعلت الفاتحين النورمان يتخذون هذا الموقف الإيجابي من حضارة أسلافهم العرب في صقلية؟

يبدو أن الإجابة تكمن في العوامل التالية:
أولًا: سياسة التسامح الديني التي تبناها النورمان في حكمهم للجزيرة. فقد كان يسكن صقلية عندما فتحها النورمان: العرب والإغريق واللاتين وغيرهم. وأدرك النورمان أن قيادة هذه الشعوب بنجاح وتحقيق التوازن بين مصالحها وتأمين سلامة الدولة، يقتضي تبني سياسة التسامح الديني ومراعاة عادات هذه الشعوب وتقاليدها. وكان أول من وضع أسس هذه السياسة هو روجر الأول، وسار أبناؤه وأحفاده على نهجه. فقد حذرَّ روجر هذا من إكراه رعاياه المسلمين على اعتناق المسيحية، كما منع الأساقفة من تنصير جنده المسلمين. وأكدَّ الإدريسي (ت1166م) هذه السياسة عندما تحدث عن عهد روجر الأول بقوله: “ولما صار أمرها إليه واستقر بها سرير ملكه نشر سيرة العدل في أهلها وأقرهم على أديانهم وشرائعهم وأمنهم في أنفسهم وأموالهم وأهلهم وذراريهم”. إن نهج التسامح هذا ساعد النورمان على تقبل حضارة العرب واستيعابها والإفادة منها.

ثانيًا: تشجيع العلم والعلماء، حيث شغف الملوك النورمان بالعلم والمعرفة، وحظي العلماء باحترامهم وتشجيعهم . فهذا الإدريسي يقول عن روجر الثاني إنه “اخترع من المخترعات العجيبة… ما لم يسبقه أحدٌ من الملوك”. كما كان محبًا لأهل العلم ويميل إلى مجالستهم، فكان الإدريسي يأتي إليه راكبًا بغلةً فإذا صار عنده تنحى له عن مجلسه فيأبى فيجلسان معًا. كما كان وليام الثاني شغوفًا بصحبة رجال العلم ولاسيما الأطباء والمنجمين منهم، حتى إنه متى ذكر له أن طبيبًا أو منجمًا اجتاز ببلده أمرَ بإمساكه ومنحه أموالًا وأرزاقًا حتى يسليه عن وطنه.
إن هذا الشغف بالعلم وأهله جعلهم يقدرون الحضارة العربية حق قدرها ويقبلون على إنجازاتها.

ثالثًا: إن تفوق الحضارة العربية التي ورثها النورمان عن أسلافهم عرب صقلية من ناحية وضعف حضارة النورمان أنفسهم من ناحية أخرى شكل بدوره عاملًا مهمًا شجع النورمان على احتضان حضارة العرب، فمن طبيعة الحضارة الأقوى أنها تفرض إنجازاتها، وبشكلٍ عفوي، على أصحاب الحضارة الأضعف. فحينما هاجر النورمان من نورمانديا إلى إيطالية الجنوبية في أوائل القرن الحادي عشر، كانوا مجرد مرتزقة يخدمون بسيوفهم لمن يدفع لهم أكثر من القوى السياسية والدينية المتنازعة فيها. ولكن عندما فتحوا صقلية كان أمامهم إما الإبقاء على عقلية العصابات أو بناء دولة متحضرة، فأخذوا في الخيار الثاني وتبنوا منجزات الحضارة الأكثر ازدهارًا وتقدمًا في الجزيرة وهي الحضارة العربية.

رابعًا: لم يخضع البلاط النورماني في صقلية لتحريض البابوية والأساقفة ومحاكم التفتيش ضد العرب والإسلام، كما كان الحال آنذاك في إيطاليا وإسبانيا وغيرهما من البلاد الأوربية. فالعلاقات بين النورمان والبابوية بدأت عدائية، بل قاد البابا ليو التاسع عام 1053م جيشًا ضد النورمان، ولكنه هزم ووقع البابا نفسه في الأسر النورماني. ولذلك فإن انعدام التحريض الديني في البلاط النورماني ضد العرب المسلمين أسهم في إقبال النورمان على الحضارة العربية دون تيارات دينية مضادة.

خامسًا: إن العلاقات الودية التي قامت بين الملوك النورمان وجماهير العرب المسلمين في صقلية سهلت انتقال الكثير من مظاهر الحضارة العربية إلى أوساط النورمان، فالتسامح والعدل واحترام عادات العرب وتقاليدهم.. خلق لملوك النورمان الاحترام والمحبة بين عرب صقلية، فهذا ابن الأثير يقول عن الملك روجر الثاني إنه “أكرم المسلمين وقربهم ومنع عنهم الفرنج وأحبوه”. وكذلك لا نستغرب عندما نقرأ أن عرب صقلية أظهروا الحزن على وفاة أكبر أبناء روجر الثاني ورثاه شعراؤهم، بل إن النساء المسلمات في بالرمو لبسن السواد وتركن شعورهن حزنًا عليه والتففن حول القصر الملكي ناحباتٍ وسارت خادماتهن في الشوارع ترتلن مقطوعات الرثاء.

كما يظهر ابن جبير إعجابه الشديد بشهامة الملك وليام الثاني عندما دفع أجور المسلمين الفقراء لأصحاب السفن التي كانت تقلهم في ميناء مسينا.

إن هذه العلاقات الإنسانية بين الطرفين كانت إحدى القنوات المهمة في انتقال حضارة العرب إلى نورمان صقلية.

إن العوامل السابقة مجتمعة، وغيرها، أسهمت في صياغة الموقف الإيجابي الذي اتخذه النورمان تجاه الحضارة التي ورثوها عن أسلافهم العرب. وبناءً على ما تقدم فإنه يمكن أن نرصد بعضًا من مظاهر الحضارة العربية التي ظلت فاعلة في صقلية النورمانية في عدد من الميادين منها:

أولًا: في البلاط النورماني:
لقد اصطبغ البلاط النورماني في صقلية بالصبغة العربية الإسلامية، فقد أسند النورمان الكثير من المناصب الرفيعة في البلاط إلى ذوي المواهب من العرب المسلمين، وأكد هذه الحقيقة ابن الأثير في حديثه عن بلاط الملك روجر الثاني الذي “سلك طريق ملوك المسلمين من الجنائب والسلاحية والجاندرية وغيرها..”، كما أكد ذلك أيضًا، الرحالة ابن جبير، الذي زار صقلية أيام الملك وليام الثاني، عندما قال: “وشأن ملكهم هذا عجيب في حسن السيرة واستعمال المسلمين واتخاذ الفتيان المجابيب، وهو كثير الثقة بالمسلمين وساكن إليهم في أحواله والمهم من أشغاله حتى أن الناظر في مطبخه رجلٌ من المسلمين”.

وكان الحرس الخاص بالملك النورماني يضم عددًا كبيرًا من العرب المسلمين إلى جانب حرسه من الفرسان النورمان. كما أن القوانين والقرارات التي كان يصدرها البلاط النورماني كانت باللغات الثلاث: العربية واللاتينية والإغريقية، وكانت تحمل علامة الملك النورماني بالعربية، فمثلاُ كانت علامة روجر الثاني وابنه وليام الأول “الحمد لله شكرًا لأنعمه” وعلامة وليام الثاني “الحمد لله حق حمده” وكذلك اتخذ ثلاثة من ملوك النورمان ألقابًا عربية، فكان لقب روجر الثاني “المعتز بالله” ولقب وليام الأول “الهادي بأمر الله” ولقب وليام الثاني “المستعز بالله”.

كما أن الكثير من المصطلحات العربية ظلت قيد الاستخدام في الإدارة النورمانية مثل: الأمير والديوان والقاضي والدفتر، بل كانت الأديرة اللاتينية تقبل أن يقسم التابع الإقطاعي يمين الولاء على القرآن الكريم.

والخلاصة فإن الملوك النورمان كانوا يتشبهون بملوك المسلمين في كل المظاهر التي تتعلق بإظهار أبهة الملك وهيبته ولذلك لم يبالغ أحد المؤرخين عندما قال عن روجر الثاني مثلًا إنه كان “ملكًا لاتينيًا في بلاط شرقي” أو كما قال مؤرخ آخر عن هذا الملك نفسه إنه كان “سلطانًا معمدًا”.

ثانيًا: في الجيش والبحرية:
بدأ تجنيد العرب المسلمين في الجيش النورماني منذ أيام روجر الأول، ولكن سرعان ما غدت كتائب الجيش الأساسية تتألف من الجنود العرب المسلمين تحت قيادة عربية، كما اقتبس النورمان من العرب الكثير من فنون القتال وأساليبه. وكذلك فقد ضمَّ الجيش النورماني مهندسين عسكريين عربًا مسلمين، حيث قام هؤلاء بصنع المجانيق وأبراج الحصار المتحركة وبناء تحصينات المدن. ومن ناحية أخرى فقد نجح النورمان في بناء أسطول بحري حقق لهم انتصارات كبيرة ولاسيما في الشمال الإفريقي. وكان أول من تولى منصب الأدميرال رجلاً عربيًا وهو عبدالرحمن النصراني، الذي اتخذ اسمًا إغريقيًا وهو: كريستودولوس، ثم خلفه في هذا المنصب عربي آخر هو جورج الأنطاكي الذي قام بتنظيم البحرية النورمانية أيام روجر الثاني. وبعد وفاته تولى قيادة الأسطول النورماني عربي ثالث وهو فيليب. كما كان عدد كبير من جنود البحرية النورمانية من العرب المسلمين أيضًا.

ثالثًا: في ميدان الإدارة:
احتفظ روجر الأول بالنظام الإداري والمالي الذي كان قائمًا في الجزيرة أيام العرب، فقد أبقى على معظم الموظفين العرب، ذوي الخبرة والنزاهة، في الإدارة النورمانية. ومن المؤكد أن النورمان اقتبسوا ثلاثة دواوين ذات أصول عربية، وهي:
1 – ديوان المظالم: الذي يرفع إليه المظلومون شكاويهم وكان يرأسه الملك النورماني نفسه. ويقول ابن الأثير عن روجر الثاني “وجعل له ديوان المظالم ترفع إليه شكوى المظلومين فينصفهم ولو من ولده”.
2 – ديوان الطراز: الذي كان يشرف على المعامل التي تصنع الملابس الملكية وتطرزها بالذهب.
3 – ديوان التحقيق: الذي كان مسئولًا عن الإدارة المالية في الدولة النورمانية ويحتفظ بسجلات الأرض والإقطاعات والأرقاء العاملين بها. وكانت سجلاته تدون بالعربية.

رابعًا: في ميدان الحياة الاقتصادية:
تتحدث المراجع التاريخية عن أن الكثير من الصناعات العربية ظلت قائمة ومزدهرة في العصر النورماني. فمثلًا كان هناك مصنع للحرير ومعهد للتطريز بالقرب من القصر الملكي في بالرمو. وكان هذا المصنع يقوم بإعداد ملابس الملوك النورمان وتطريزها، ولاسيما الثياب الفاخرة التي توشى بالنقوش العربية واللاتينية. ومن الملابس التي لازالت باقية إلى الآن من هذا المصنع عباءة الملك النورماني روجر الثاني التي ارتداها في حفل تتويجه ملكًا في بالرمو عام 1130م. وكان قد صنعها نساج عربي اسمه عبدالله، وهي مصنوعة من الحرير الثقيل القرمزي رسمت عليها شجرة نخيل تحمل ثمارًا ذهبية، وعلى كل من جانبيها صورة أسد يضرب بمخلبه جملًا. وكانت الرسوم مطرزة بالذهب يحيط بها آلاف من اللآلئ وثلاث ياقوتات كبيرة. وقد كتب النساج باللغة العربية على حافة العباءة عبارات تتضمن الدعاء للملك روجر الثاني أن يكون محبوبًا ويعيش في عزٍ ومجد وأن تتحقق آماله وتغمره السعادة طوال أيام حياته. كما كتب مكان وزمان صنع العباءة على النحو التالي: “صنع في عاصمة صقلية في سنة 528هجرية”.

أما بالنسبة إلى الزراعة فمع إن الحروب التي دارت بين النورمان وعرب صقلية قد ألحقت أبلغ الأضرار بالزراعة والفلاحين ووسائل الري، ولكن الزراعة استمرت في نهضتها التي شهدتها أيام الحكم العربي للجزيرة. فمن المعروف أن العرب أدخلوا إليها الكثير من المزروعات مثل: زراعة القطن وقصب السكر والزيتون والنخيل والبرتقال والفستق والموز والزعفران…إلخ. كما أقام العرب شبكة واسعة من الترع والقنوات التي لاتزال آثارها إلى اليوم. كما ظلت معظم التجارة، أيام النورمان، بأيدي العرب.

ورغم أن تجار المدن الإيطالية، قد حصلوا على امتيازات تجارية في الجزيرة من قبل الملوك النورمان، إلا أن ذلك لم يقلل من نشاط التجار العرب في صقلية وعالم البحر المتوسط. وأكد ابن جبير ذلك بقوله إن “الأسواق معمورة بهم وهم التجار فيها..”. وتجدر الإشارة إلى أن العملة التي أصدرها الملوك النورمان في صقلية كانت متأثرة بالعملة الفاطمية في شكلها وقيمتها، واشتملت على كتابات عربية ولاتينية وإغريقية وحملت رموزًا إسلامية ومسيحية.

خامسًا: في ميدان العمارة:
ظل الفن المعماري في صقلية النورمانية يحمل الطابع العربي الإسلامي، فقد أقام الملوك النورمان في صقلية قصورًا بناها أسلافهم العرب، مثل قصر “البحر العذب” في بالرمو. كما شيدوا قصورًا جديدة شيدها لهم المهندسون المعماريون العرب في بالرمو على هدي الطراز العربي الإسلامي مثل قصر “العزيزة” الذي شيد في عهد وليام الأول وقصر “القبة” الذي شيد في عهد وليام الثاني. وعندما زار ابن جبير صقلية رأى قصرين من قصور العرب، التي لاتزال قائمة، بالقرب من العاصمة، وهما قصر سعد وقصر جعفر. كما استمرت المدن الصقلية تحوي المساجد والحمامات والفنادق والمباني الفخمة التي شيدت على الطراز العربي وزينت بالرخام الثمين والفسيفساء الزاهرة. بل أسهم المعماريون العرب المسلمون في تشييد الكنائس والأديرة وزينوها بالفسيفساء العربية.

سادسًا: المرأة العربية في العهد النورماني:
لعبت المرأة العربية دورًا حضاريًا في المجتمع النورماني، فأزياؤها انتشرت بين نساء النورمان، ويؤكد هذه الحقيقة ابن جبير بقوله “وزي النصرانيات في هذه المدينة (بالرمو) زي نساء المسلمين، فصيحات الألسن ملتحفات منتقبات، خرجن في هذا العيد المذكور (وكان ذلك عيد ميلاد السيد المسيح) وقد لبسن ثياب الحرير المذهب والتحفن اللحف الرائعة وانتقبن بالنقب الملونة وانتعلن الأخفاف المذهبة وبرزن لكنائسهن حاملات جميع زينة المسلمين من التحلي والتخضب والتعطر”. كما أن الكثير من النساء المسيحيات في البلاط النورماني اعتنقن الإسلام بتأثير من المسلمات اللواتي يعملن في البلاط”.

سابعًا: في الميادين الثقافية والعلمية:
وعلى الرغم من أن ابن الأثير يؤكد على أن عددًا كبيرًا من العلماء والأدباء والشعراء العرب المسلمين قد غادروا صقلية، بعد استيلاء النورمان عليها، إلى الأندلس وإفريقية ومصر أمثال: ابن القطاع (ت1121م) وابن الفحام (ت1122م) وابن حمديس (ت1133م) إلا أن ثقافة العرب وعلومهم استمرت في صقلية أيام النورمان، حيث ظل المسجد يقوم بدورٍ بالغ الأهمية في الدراسات الدينية واللغوية والأدبية. كما أن اللغة العربية استمرت سائدة في الجزيرة في العهد النورماني إلى جانب اللاتينية والإغريقية، بل إن عددًا من الملوك النورمان، أمثال وليام الأول والثاني، كانوا يجيدون القراءة والكتابة والتحدث بالعربية. وكذلك ازدهرت حركة الترجمة من العربية إلى اللاتينية في صقلية النورمانية، وكان من أبرز المترجمين يوجين الأمير الذي ترجم من العربية إلى اللاتينية بعض المؤلفات مثل كتاب “البصريات” لمؤلفه “بطليموس” كما أسهم في ترجمة كتاب “كليلة ودمنة”. ودخلت صقلية في العصر النورماني كتب عربية كثيرة فمثلًا استحضر الملك روجر الثاني عددًا كبيرًا من مؤلفات الجغرافيين العرب أمثال المسعودي وابن خرداذبة وابن العذري وابن حوقل واليعقوبي وغيرهم.

أما العلماء والشعراء العرب المسلمون الذين ظلوا في صقلية النورمانية، وغدا لهم شأن كبير لدى الملوك النورمان، فنذكر منهم: ابن ظفر الذي كان عالمًا في النحو واللغة والدين وشغل منصبًا رفيعًا في الدولة النورمانية، ومحمد بن عيسى، الذي كان عالمًا بالهندسة والنجوم، وابن المعلم الذي كان عالمًا باللغة وماهرًا بالطب وغيرهم. أما الشعراء الذين عاشوا في ظل النورمان ونظموا قصائد المديح لهم فنذكر منهم: عبدالرحمن الأطرابنشي وعبدالرحمن البثيري، وعمر بن حسن وسراج بن أحمد وابن بشرون وغيرهم. وتجدر الإشارة إلى أن الشعر الغنائي الذي ساد صقلية في العصر النورماني كان ممزوجًا بالأغاني العربية المنتشرة بين العرب المسلمين في بالرمو.

ولا شك فقد كان علم الجغرافيا من أبرز العلوم التي ازدهرت على أيدي العرب في صقلية النورمانية. فمن المعروف أن روجر الثاني كان قد دعا إلى بلاطه الجغرافي المغربي الشريف الإدريسي، وشمله بكل مظاهر التكريم. وأنجز الإدريسي برعاية هذا الملك وتشجيعه ثلاثة إنجازات علمية وهي:
1 – صنع قرصًا (لوحًا) دائريًا من الفضة الخالصة ونقش عليه خريطة العالم المعروف آنذاك بأقاليمه وخلجانه وبحاره وأنهاره…إلخ.
2 – رسم مجموعة من الخرائط للعالم على الورق تفوق في دقتها ووضوحها خريطة بطليموس الشهيرة.
3 – ألَّف كتابًا بعنوان “نزهة المشتاق في اختراق الآفاق” وهو الذي عرف بالكتاب الروجاري، وهو شرح لما ورد في المجسم الفضي الذي نحتت عليه خريطة العالم. كما وضع الإدريسي كتابًا آخر في الجغرافيا للملك وليام الأول بعنوان “روض الأنس ونزهة النفس” والواقع أن ما أنجزه الإدريسي، في ظل رعاية الملوك النورمان، كان نقطة تحول في تطور علم الجغرافيا وجعل من الإدريسي أعظم الجغرافيين في العصور الوسطى.

كما حدث تطور كبير في تنظيم مهنة الطب في صقلية النورمانية بتأثير مباشر من الحضارة العربية. فتشير المراجع إلى أن معظم أطباء الملوك النورمان كانوا من الأطباء العرب المشهورين ببراعتهم العلمية والتنظيمية. ومن المؤكد أن هؤلاء أبلغوا الملك روجر الثاني بالإصلاح الذي سبق أن أدخله الخليفة العباسي المقتدر بالله في مهنة الطب . فقد أصدر هذا الخليفة عام 931م قانونًا بتحريم ممارسة مهنة الطب على أي طبيب ما لم يخضع لامتحانٍ في الطب أمام لجنة من الأطباء برئاسة طبيبه الخاص سنان بن ثابت بن قرة، وكان من ينجح في هذا الامتحان يّزود بترخيص أو إذن خطي يسمح له بممارسة المهنة. والسبب في ذلك أن طبيبًا كان قد أخطأ في معالجة أحد المرضى في بغداد فمات المريض. وبعد ذلك بقرنين أدخل روجر الثاني هذا النظام إلى بلاده حيث أصدر أمرًا يلزم فيه جميع الأطباء في المملكة بالحصول على إذن أو ترخيص خاص من موظف مختص وإلا تفرض عليهم عقوبات قاسية كالحبس ومصادرة الأموال. وقد أٌدخل هذا النظام من صقلية إلى الغرب الأوربي. وكان أساسًا صالحًا لإعداد طبقة من الأطباء الأكفاء.

الخاتمة:
وبناءً على ما تقدم فقد شكلت الحضارة العربية في صقلية أساسًا متينًا للحضارة النورمانية التي قامت على أرضها، بل إن الموقف الإيجابي للنورمان من الحضارة العربية وتفاعلهم العميق معها، جعل صقلية من أعظم بلدان أوربا حضارةً في القرن الثاني عشر. ومن نافلة القول أن نذكِّر بأن انطلاق الشرارة الأول، للنهضة الأوربية الحديثة، من إيطاليا بالذات، وقبل أي بلدٍ آخر، كان بتأثيرٍ مباشر من حضارة العرب في صقلية.

هـل أسلم بابا روما زمن هرقل؟

كاتب الموضوع الأصلي: محمد المطلق 20

هذا الجسد الضخم الذي يتقلب في الفراش.. ما باله؟ ما حاله؟
ألا يأتيه النوم فيرتاح..؟
لا.. لا.. فالنوم أبعد ما يكون عن جفنيه.. لقد سمع اليوم شيئًا لم يسمعه من قبل:
“أسلمْ تسلمْ.. أسلمْ تسلم..” ويتردد صدى هذه الكلمات في أذنيه.. “أسلم تسلم..”

يا إلهي.. هل محمد رسول الله حقًا؟

ويعاود النداء يردد صداه في أذنيه: “أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين..”

واستسلم الجسم المنهوك للنوم وصدى الأحداث يتردد في أعماقه.

وفي الصباح يصحو هرقل عظيم الروم من نومه وقد أنهكه التفكير.. لقد أتى إلى إيلياء حاجًّا شاكرًا لله على نصره ضد الفرس وملكهم.. فقد أقسم لئن نصره الله عليهم ليحجّنّ إلى إيلياء ماشيًا، وقد فعل. وما إن وصلها حتى أتاه كتاب رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، حيث دفعه دحية بن خليفة رسولُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم إلى عظيم بصرى، ودفعه هذا بدوره إلى هرقل:

“بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم: سلام على من اتبع الهدى. أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، أسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليتَ فإن عليك إثم الأريسيين {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران:64]”.

ماذا يفعل بهذا الكتاب.. وكيف يسأل عن مرسله؟

في هذه الأثناء كان أبو سفيان في ركب من قريش تجارًا في الشام فعلم بهم هرقل فدعاهم في مجلسه وحوله عظماء الروم، ثم دعا بترجمانه –وكان أبو سفيان متكلم القوم- فقال:
-أيكم أقرب نسبًا بهذا الرجل الذي يزعم أن نبي؟
-أنا أقربهم نسبًا.
-أدنوه مني، وقربوا أصحابه فاجعلوهم عند ظهره، وإني سائل هذا الرجل، فإن كذَبني فكذّبوه.
وأبو سفيان يقول في نفسه: فوالله لولا الحياء من أن يأثروا علي كذبًا لكذبت عنه.

ويبدأ الحوار:
-كيف نسبه فيكم؟
-هو فينا ذو نسب.
-فهل قال هذا القول منكم أحد قط قبله؟
-لا!
-فهل كان من آبائه من ملك؟
-لا!
-فأشراف الناس يتبعونه أو ضعفاؤهم؟
-بل ضعفاؤهم.
-أيزيدون أم ينقصون؟
-بل يزيدون.
-فهل يرتد أحد منهم سخطًا لدينه بعد أن يدخل فيه؟
-لا!
-فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟
-لا!
-فهل يغدر؟
-لا، ونحن في مدة لا ندري ما هو فاعل فيها.
-وهل قاتلتموه؟
-نعم.
-فكيف كان قتالكم إياه؟
-الحرب بيننا وبينه سجال، ينال منا وننال منه.
-ماذا يأمركم؟
-يقول: اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئًا، واتركوا ما يقول آباؤكم. ويأمرنا الصلاة والصدق والعفاف والصلة.
-سألتك عن نسبه فذكرتَ أنه فيكم ذو نسب، فكذلك الرسل تبعَث في نسب قومها.
وسألتك هل قال أحد منكم هذا القول، فذكرت أن لا، فقلتُ لو كان أحد قال هذا القول لقلتُ رجل يأتسي بقول قبل قبله.
وسألتك هل كان من آبائه من ملك؟ فذكرتَ أن لا، قلتُ: فلو كان من آبائه من ملك قلتُ: رجل يطلب مُلك أبيه.
وسألتك: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فذكرتَ أنْ لا، فقد أعرف أن لم يكن لِيَذرَ الكذب على الناس ويكذب على الله.
وسألتك: أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم، فذكرتَ: أن ضعفاءهم اتّبعوه، وهم أتباع الرسل. وسألتك: أيزيدون أم ينقصون؟ فذكرتَ: أنهم يزيدون، وكذلك أمر الإيمان حين تخالط بشاشتُه القلوب.

وسألتك: هل يغدر؟ فذكرتَ: أنْ لا، وكذلك الرسل لا تغدر.

وسألتك: بما يأمركم؟ فذكرتَ: أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، وينهاكم عن عبادة الأوثان، ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف، فإن كان ما تقول حقًّا فسيملك موضع قدميّ هاتين. وقد كنت أعلم أنه خارج لم أكن أظن أنه منكم، فلو أني أعلم أني أخلصُ إليه لتجشّمتُ لقاءه، ولو كنتُ عنده لغسلتُ عن قدمه.
ثم دعا هرقل بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأه. فلما قال ما قال وفرغ من قراءة الكتاب، كثر عنده الصخب، وارتفعت الأصوات، وأخرج أبو سفيان ومن معه [1].

لكن هل توقف هرقل عند هذا الحد، أم استمر في بحثه عن الحقيقة..؟

* * *

لم يحرك كتابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ضمير هرقل فحسب، بل حرك ضمائر وقلوب كثير من علماء النصرانية. منهم سرجيوس بطريق الكنيسة الشرقية في القسطنطينية، وأونوريوس بابا رومية.

لقد كان العالم المسيحي في ذلك الوقت منقسمًا على نفسه، ما بين موحد لله، ومشرك به، ومختلف في طبيعة المسيح، عليه السلام، هل هو الله، أم ابن الله، أم ثالث ثلاثة؟ وإذا كان أحد هذه الافتراضات صحيحًا -وتعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا- فهل للمسيح طبيعة ناسوتية وأخرى لاهوتية، أم هي طبيعة لاهوتية تجسدت في شخصه؟ وهل له إرادة واحدة أم إرادتان؟ وهل إرادته توافق أم تخالف إرادة الله؟ أسئلة بلا أجوبة تدور في أذهان علماء النصرانية فضلا عن عامتهم!

كان فكرة “الطبيعة الواحدة” و”الإرادة الواحدة” قد انتشرت مبكرًا في العالم المسيحي، وعقدت مجامع كثيرة للعن وطرد من يخالف عقيدة التثليث، حيث كان أولها مجمع نيقية عام 325م، وفيه لُعِن أريوس وغيره من البطارقة الذين رفضوا هذه العقيدة الغريبة. وكان الإمبراطور قسطنطين الثاني –وهو أول من تنصر من ملوك الروم- وراء هذا المجمع، والذي فيه أيضًا اعتُمِدت الأناجيل الأربعة المعروفة ورفض غيرها.

وكان سرجيوس، بطريق القسطنطينية، يؤمن بأن المسيح له طبيعة بشرية، وليس فيه من الإلهية شيء، وكذلك هرقل، وكثير من بطارقة المشرق، بما فيهم بطريق القدس صفرونيوس. لكن هل كان بطارقة رومية على هذا الاعتقاد؟ الجواب: لا..! بل كانوا يتهمون كل من اعتقد هذا الاعتقاد بالهرطقة ويلعنونه ويحكمون بطرده من رحمة الرب!

* * *

كان بين سرجيوس وأونوريوس بابا رومية في ذلك الوقت مراسلات، نوقشت فيها قضايا متعددة ومن أبرزها قضية “الإرادة الواحدة”. واستطاع سرجيوس أخيرًا أن يقنع بابا رومية بعقيدته هذه، حيث وافقه الأخير عليها، وبذلك خالف من جاء قبله وبعده من البابوات، وأثبت للعالم المسيحي، وإلى يومنا هذا، أن البابا ليس مقدسًا وأنه يخطئ ويصيب!

بقي هرقل في إيلياء –للحج- فترة من الزمن ثم أذن بالرحيل إلى القسطنطينية، لكن خلال وجوده في إيلياء أرسل كتابًا إلى بابا رومية المذكور آنفًا شارحًا له أمر النبي صلى الله عليه وسلم وما ورد في كتابه إليه، فجاءه الرد من البابا وهو في طريقه إلى القسطنطينية مارًّا بحمص يوافق رأي هرقل على خروج النبي صلى الله عليه وسلم وأنه نبي. فأذن هرقل لعظماء الروم في دسكرة له بحمص، ثم أمر بأبوابها فغلِّقت، ثم اطّلع فقال: يا معشر الروم، هل لكم في الفلاح والرشد وأن يثبت ملككم فتبايعوا هذا النبي؟ فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب فوجدوها قد غلِّقت، فلمّا رأى هرقلُ نفرتَهم وأيسَ من الإيمان قال: ردُّوهم عليّ. وقال: إني قلت مقالتي آنفًا أختبر بها شدّتكم على دينكم، فقد رأيتُ. فسجدوا له ورضوا عنه.. فكان ذلك آخر شأن هرقل..” [2].

* * *

ولِد أونوريوس Honorius في كامبانا Campagna، إيطاليا، لوالدين نبيلين، وكان اسم أبيه بترونيوس Petronius .

كان أونوريوس الطالب الأول للبابا غريغوري الأول (590-604م). ولم يصبح أونوريوس بابا لروما إلا بعد خمسة من البابوات أتوا بعد غريغوري الأول، وهم:

Sabinian سابينيان (604-606م)

Boniface III بونيفيس الثالث (607م)

Boniface IV بونيفيس الرابع (608-615م)

Deusdedit ديوسديديت (أديوداتوس الأول) (615-618م)

Boniface V وَبونيفيس الخامس (619-625م)

وقد بقي أونوريوس بابا لروما مدة 13 سنة، من 625 وحتى وفاته عام 638م.

يصف المؤرخون أونوريوس بأنه شخصية إصلاحية خيّرة، سعى إلى إعمار الكنائس وترميمها وزين كنيسة القديس بطرس. ومن أعماله الخيرية أنه أجرى الماء إلى روما من بحيرة ساباتين التي تبعد 35 ميلا عن المدينة بعد أن أصلح قناة تاراجان وبنى عليها الطواحين. وكانت له اليد الطولى في بداية انتشار النصرانية في الجزر البريطانية وإيرلندا.

خلال تولى أونوريوس البابوية في رومية كانت هناك أحداث تغير مستقبل البشرية تأخذ طريقها في المشرق. كان الزحف الإسلامي قد بدأ بالانتشار من المدينة المنورة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم عام 632م وبعد أن أعاد أبو بكر -رضي الله عنه- المرتدين إلى حظيرة الإسلام. وما أن استخلف عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- حتى تكاثف زحف جيوش المسلمين نحو أراضي الدولتين الفارسية والرومية.

وعندما فتح المسلمون إيلياء، أي: بيت المقدس عام 637م كان أسقفها يومئذ صفرونيوس (633-638م)، وكان يؤمن بعقيدة “الإرادة الواحدة” وكذلك خلفُه بيروس Pyrrhus كان على نفس الاعتقاد. فهذه العقيدة –كما ترى- ليست غريبة بين علماء النصارى، بخلاف ما هم عليه الآن.

استمر الصراع بين المسلمين والروم في بلاد الشام والأناضول ومصر وشمالي أفريقيا وانتقل إلى الأندلس. وقد حاول المسلمون فتح القسطنطينية مرات كثيرة، أُولاها كانت في سنة 52هـ زمن معاوية بن أبي سفيان، وتكررت المحاولات مرات عديدة، لكن المدينة صمدت حتى أذن الله بفتحها على يد المجاهد العثماني محمد الفاتح رحمه الله عام 1452م.

السؤال الآن هو: هل أسلم أونوريوس أم لا؟ قبل الإجابة عن هذا السؤال نقول ما يلي:

في عام 681م عُقِدَ في القسطنطينية نفسها مجمع سُمِّيَ فيما بعد بمجمع القسطنطينية، حيث أدين فيه معتقد سرجيوس ومن اعتنقه من البطارقة، ومن ضمنهم كان البابا أونوريوس.

علمنا سابقًا أن أونوريوس أرسل ردًّا على رسالة هرقل والتي كان يسأله فيها عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد ورد في هذا الرد –كما جاء في صحيح البخاري (كتاب التوحيد، حديث رقم 6)- ما “يوافق رأي هرقل على خروج النبي صلى الله عليه وسلم وأنه نبي”.

فهل يعقل من رجل كأونوريوس صاحب علم بالكتاب ومحب للخير ومعتقد ببشرية المسيح، وقد رأى بأم عينيه قبل أن يموت بسنة دخول المسلمين إلى بيت المقدس وهزيمتهم لفارس والروم في كل معركة خاضوها، وعلمه أن النبي المنتظر سيظهر على كل الأمم، وبعد أن وصله كتابُ هرقل في وصف النبي صلى الله عليه وسلم وردّه عليه؛ فهل يعقل من رجل كهذا ألا يكون قد أسلم؟

لكن الجواب النهائي والقطعي عن إسلام أونوريوس سيبقى هكذا معلقًا، وإن كنتُ شخصيًا أرجح أنه أسلم، وأن البابوات الذين جاءوا بعده لعنوه وطردوه لهذا السبب، وقد أخفوا حقيقة أمره على بقية النصارى كعادتهم في تحريفهم وتزييفهم للحقائق.

ولعل يومًا من الأيام تفتح مكتبة الفاتيكان أبوابها للباحثين حتى يطلعوا على ما فيها من الكتب والمخطوطات القديمة.. فصفة خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم وأمته –بلا شك- موجودة في كتبهم.. ولعل هذا اليوم لن يأتي حتى يفتح المسلمون رومية كما بشَّر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك في الحديث الصحيح: عن عمران بن حصين قال: “بينما نحن حول رسول الله صلى الله عليه وسلم نكتب إذ سُئِلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي المدينتين تفتح أولاً: أقسطنطينية أو رومية؟ فقال: مدينة هرقل تفتح أولاً. يعني القسطنطينية” [3].

يقول الله تعالى: {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [آل عمران: 199].

سقوط غرناطة .. الأندلس المفقود

كاتب الموضوع الأصلي: محمد المطلق 20

سقوط غرناطة آخر معاقل الإسلام في الأندلس، والتي بسقوطها سقطت دولة الإسلام العريقة في الأندلس، وذلك بعد أكثر من ثمانية قرون كاملة من الحكم الإسلامي لهذه البلاد والوهاد الواسعة، وهي بذلك أطول دول الإسلام حكمًا وعمرًا في تاريخ الدول والممالك الإسلامية.

فتح المسلمون بقيادة موسى بن نصير وطارق بن زياد بلاد الأندلس سنة 92هـ، وكانت تحت حكم قبائل القوط، ومن يومها أقام المسلمون حضارة مزدهرة ودولة قوية أصبحت منارة للعلم والدين في قلب أوربا، وقد مرت هذه الدولة العريقة بعدة أدوار، كان لكل دور خصائصه وسماته التي تكشف عن مدى قوته أو ضعفه، وهذه الأدوار كالآتي:

أولاً: عصر الولاة (92هـ- 138هـ):
وهو ممتد منذ الفتح الإسلامي حتى سقوط الدولة الأموية، وكانت الأندلس خلالها ولاية تابعة للخلافة الأموية، وتعاقب في هذه الفترة الزمنية على الأندلس ثلاثة وعشرون واليًا؛ أي بمعدل سنتين للوالي، وقد استشهد العديد من هؤلاء الولاة أثناء مدّ المسلمين للفتوحات في قلب أوربا، وقد اتسمت هذه الفترة بالعديد من السمات:

1- هياج الفتنة العصبية والقبلية بين جند الفتح من عرب وبربر، ومن قبائل عربية قيسية ويمانية من ناحية أخرى. وهذه الفتنة ستئول لقتال عنيف سُفك فيه الكثير من الدماء، وضاعت المناطق الشمالية من الأندلس خلال هذا الصراع، وهذه الفتنة من أهم وأكبر أسباب سقوط دولة الإسلام في الأندلس، وستظل صراعًا مزمنًا وداءً عضالاً في جسد هذه الدولة، سيقتلها آخر المطاف.

2- شيوع فكر الخوارج الذين فروا من المشرق إلى المغرب والأندلس تحت تأثير الضربات القوية للخلافة الأموية، وسيعتنق الكثير من البربر هذا الفكر الشاذ.

3- محاولة المسلمين المتكررة لفتح بلاد فرنسا التوغل لقلب أوربا، وكانت معركة بلاط الشهداء سنة 114هـ من أعظم المعارك التي خاضها المسلمون في هذا العصر.

ثانيًا: عصر الدولة الأموية الأول (138هـ- 238هـ):
وهو العصر الذي يبدأ بدخول عبد الرحمن الأموي الملقب بالداخل وصقر قريش لبلاد الأندلس وسيطرته على مقاليد الأمور بعد الكثير من الاضطرابات والاقتتال انتهت بانتصاره يوم المصارة سنة 138هـ، وخلال هذا العصر الذي امتد قرنًا من الزمان حكم الأندلس أربعة رجال: عبد الرحمن الداخل وولده هشام، ثم حفيده الحكم، ثم ولد حفيده عبد الرحمن. وقد امتاز هذا العصر المعروف بعصر الازدهار الأول بعدة أمور:

1- الثورات المتكررة التي قام بها زعماء القبائل العربية الذين رفضوا الانقياد لحكومة قرطبة المركزية، سواء في ذلك القبائل المضرية التي هي في الأصل ينتمي إليها عبد الرحمن الداخل، والقبائل اليمانية، وقد قضى عبد الرحمن على هذه الثورات بمنتهى الحزم والشدة.

2- محاولة الخلافة العباسية التي قامت على أنقاض الدولة الأموية، تقويض الحكم الأموي بالأندلس، ولكنها محاولات باءت جميعها بالفشل.

3- بداية تبلور الممالك الإسبانية في الشمال، وظهور مملكة أراجون وليون في أقصى الشمال، ومحاولة هذه الممالك التحرش بالمسلمين واستعادة ملكها القديم، ولكنها كانت ما زالت وليدة وضعيفة.

4- استقرار دولة الإسلام وازدهارها بعد توطيد عبد الرحمن الأموي للأمور، فورث أولاده من بعده حكمًا ثابتًا مستقرًّا قويًّا، فأنشأ الأسطول الأندلسي، وثكنات الجيش الثابتة.

5- انتشار مظاهر الترف والرفاهية في أواخر هذا العهد، وانشغل الناس بالتمدد العمراني وبناء القصور الفخمة والمتنزهات، وبدأت مجالس اللهو والغناء والمجون في الظهور.

6- بداية ثورة المستعربين العاتية في أواخر هذا العهد، وما ستجلبه من متاعب جمّة فيما بعد.

ثالثًا: عصر الدولة الأموية الثاني (238هـ- 300هـ):
وهو المعروف بعهد التدهور الأول للأندلس، وفيه حكم البلاد ثلاثة رجال كلهم من بني أمية، وفي هذا العصر اجتاحت الثورات العنيفة أنحاء الأندلس، وألقت بظلالها القاتمة على دولة الإسلام بالأندلس، ومن أهم سمات هذا العصر:

1- استقلال الكثير من الولايات خاصة الشمالية والجنوبية عن سلطة الحكومة المركزية في قرطبة.

2- عودة النعرة القبلية للظهور مرة أخرى خاصة بين العرب والبربر بعد أن خفت أيام الداخل وخلفائه، واستقل البربر بمدن وكور أندلسية كبيرة خاصة في الجنوب.

3- اشتعال ثورة المستعربين وهم أبناء الأسبان الذين لحقهم تغيير كبير بعد أن انتشر الإسلام واللغة العربية بينهم وخالطوا العرب والبربر، فنشأ جيل مشترك في الدم والنسب، وهؤلاء عُرفوا بالمولدين. أما من لم يعتنق الإسلام وبقي على نصرانيته أو يهوديته ولكنه تعلم العربية وأخذ بأسلوب العرب في الحياة فهؤلاء عُرفوا بالمستعربين، وهؤلاء سيكونون خنجرًا ماضيًا في ظهر الأندلس، وطابورًا خامسًا لأعداء الدولة عبر العصور.

رابعًا: عصر الدولة الأموية الثالث (300هـ- 368هـ):
وهو العصر الذي يطلق عليه عصر إعلان الخلافة الإسلامية الأموية في الأندلس، وقد حكمه رجلان فقط هما: عبد الرحمن الناصر وولده الحكم المستنصر، وفيه عادت القوة والازدهار للأندلس بعد أن تضعضعت مكانته بفعل الثورات المتكررة، كما عادت الوحدة لدولة الإسلام التي تمزقت تحت أطماع ولاة الأقاليم من العرب والبربر، وفيه أعلن عبد الرحمن الناصر عن قيام الخلافة، وكان حكام الأندلس من قبله يلقّبون بالأمراء ويتجنبون وصف الخلافة لأسباب شرعية، وكان للناصر مبرراته لهذا الوصف. وكان التقدم والازدهار والتوسع العمراني وانتشار مجالس العلم، وكذلك القوة الخارجية والداخلية هي سمة هذا العصر اللامع.

خامسًا: عصر الحاجب المنصور (368هـ- 399هـ):
وهو أزهر عصور الأندلس على الإطلاق، وهو العصر الذي يطلق عليه عصر سيطرة الوزراء، وفيه أصبح الحاجب المنصور بن أبي عامر هو الحاكم الفعلي للبلاد والخليفة هشام المؤيد مجرَّد صورة؛ إذ تولى الخلافة وهو صبي في العاشرة بعد وفاة أبيه “الحكم المستنصر”، وكان المنصور -بحق- هو أعظم وأقوى من حكم الأندلس ولم يبلغه في ذلك ولا حتى عبد الرحمن الداخل، وذلك كله برسم الوزارة، وكان الجهاد في سبيل الله عز وجل هو السمة الغالبة على هذا العصر؛ إذ قام المنصور بغزو إسبانيا النصرانية بخمسين غزوة، لم يُهزم فيها مرة واحدة، وفتح شانت ياقب كعبة إسبانيا النصرانية، وفتح برشلونة، وأحكم قبضته على الأندلس كلها لأوَّل مرة منذ الفتح..

وتصدى المنصور للمؤامرات الكثيرة التي حيكت ضده، ثم مات سنة 392هـ فخلفه ابنه عبد الملك، فسار على نهج أبيه حتى سنة 399هـ، وبعدها دخلت الأندلس النفق المظلم الطويل.

سادسًا: عصر الفوضى وسقوط الخلافة الأموية (399هـ- 422هـ):
وخلال هذا العصر تعاقب على حكم الأندلس العديد من الخلفاء الضعفاء يزيد عددهم على عدد من تولوا طيلة القرون الثلاثة السابقة، وضاعت هيبة الدولة الأموية، وظهرت فكرة الاستعانة بنصارى الشمال في الاقتتال على الملك، وقويت شوكة البربر واستقلوا بالعدد من ولايات الأندلس خاصة في الجنوب، بل قامت لهم دولة قوية عُرفت باسم دولة بني حمود.

وكانت أهم سمة لهذا العصر هي عودة العصبية القبلية المقيتة بين العرب والبربر، وظهر لاعب جديد في سير الأحداث وهم الصقالبة الذين استكثر الحاجب المنصور من استعمالهم؛ ليعادل بهم نفوذ العرب والبربر، وقد استقل هؤلاء الصقالبة بحكم جزائر الأندلس الشرقية.

سابعًا: عصر ملوك الطوائف (422هـ- 483هـ):
وهو العصر المشئوم، الذي تمزقت فيه دولة الإسلام في الأندلس لدويلات صغيرة أغلبها ضعيف، يحكم هذه الدويلات كل طامع وطامح ومستقوٍ بأسرة أو عشيرة أو عصبية، وقد بلغ تعداد هذه الدويلات اثنتين وعشرين دويلة، فالبربر في الجنوب، والصقالبة بالشرق، وأما البقيَّة الباقية فقد ذهبت إلى أيدي محدثي النعم أو بعض الأسر القديمة.

سمات عصر ملوك الطوائف
أما عن أهم سمات عصر ملوك الطوائف المشئوم فهي:
1- انتشار المفاسد والانحراف الأخلاقي في طبقة ملوك الطوائف، وانعكاس ذلك سلبًا على الرعايا؛ حيث انتشرت هذه المفاسد بين المسلمين، وعمت النعومة والرفاهية بين المسلمين؛ مما أورثهم ضعفًا وجبنًا وغفلة عما يحيكه نصارى الشمال.

2- اندلاع حروب داخلية مدمرة بين ملوك الطوائف؛ وذلك من أجل توسيع رقعة كل دويلة على حساب الأخرى، واقتتل المسلمون فيما بينهم بصورة واسعة، واستعان كل فريق متحارب مع جاره المسلم بنصارى الشمال، وكان رذيلة الاستعانة بالكفار على المسلمين من أسوأ سمات هذا العهد المشئوم؛ مما أدى لضياع عقيدة الولاء والبراء عند مسلمي هذا العهد إلاّ من رحم الله عز وجل.

3- تنامي قوة نصارى الشمال وتوحد رايتهم تحت قيادة رجل شديد البأس هو ألفونسو السادس الذي حقق نصرًا كبيرًا ومعنويًّا على مسلمي الأندلس، عندما استولى على مدينة طليطلة العريقة سنة 476هـ وهي عاصمة إسبانيا القديمة، ودشَّن بذلك حرب الاسترداد المشهورة، والتي استمرت رحاها تدور حتى سقوط الأندلس.

4- تنامي الشعور بالقومية الأندلسية عند أهل الأندلس، ورغبتهم في الاستقلال تحت قومية خاصة بهم، بعيدًا عن أي ارتباط مع العالم الإسلامي.

ثامنًا: عصر المرابطين (484هـ- 539هـ):
وهو العصر الذي استردت فيه دولة الإسلام في الأندلس شيئًا من قوتها، وذلك بعد استنجاد ملوك الطوائف بالدولة المرابطية التي تحكم الشمال الإفريقي حتى قلب الصحراء الكبرى وتمر بها، وعاهلها الأمير يوسف بن تاشفين الذي استجاب لصريخ مسلمي الأندلس، فعبر بجيوشه الجرَّارة البحر وانتصر على صليبيي إسبانيا في الزلاقة سنة 479هـ، وردع النصارى وقمع خطرهم، ثم عاد إلى المغرب.

ثم ما لبث أن عاد بعد أن استغاث به أهل الأندلس للقضاء على حكم ملوك الطوائف، وأيَّده العلماء والفقهاء في وجوب ذلك، وبالفعل أسقط حكم ملوك الطوائف سنة 484هـ.

كان المرابطون يتميزون بخشونة العيش وبساطة الحياة، فلقد كانوا على فطرتهم البدوية وحياة الصحراء؛ مما حدا بقلة من وجهاء الأندلس الذين اعتادوا حياة الترف والدعة لأنْ يتذمروا على حكم المرابطين.

ولم يطل عهد المرابطين بسبب الثورة الجامحة التي قام بها أتباع مدعي المهدية ابن تومرت الملقبين بالموحدين في بلاد المغرب، والذين شنوا حربًا ضارية ضد المرابطين منذ سنة 515هـ، حتى أسقطوهم سنة 539هـ.

تاسعًا: عصر الموحدين (539هـ- 630هـ):
والموحدون هم أتباع مدعي المهدية محمد بن تومرت، وهم الذين حاربوا المرابطين لأكثر من 25 سنة حتى أسقطوا دولتهم العريقة سنة 539هـ، وورثوا مملكتهم الواسعة التي تشمل بلاد المغرب والأندلس، وكانوا يجبرون الناس على اتباع عقيدتهم التي هي خليط من الاعتزال والتجهم والتعطيل والأشعرية، ولكنهم ساروا على نهج المرابطين في محاربة الممالك الإسبانية، وحققوا عليهم انتصارات كبيرة، أهمها نصر معركة الأرك سنة 591هـ، وكان يماثل نصر الزلاقة وأقليش وإفراغة..

ولكن عاد الصليبيون وحققوا انتصارًا ساحقًا على الموحدين في معركة العقاب سنة 609هـ، هددوا به قوة الموحدين، وعجّلوا بسقوط دولتهم. وكانت ثورات الأندلسيين المتتالية على حكم الموحدين هي سمة هذا العصر، ولعلّ فساد عقيدة هذه الدولة كان السبب الرئيسي لسقوط هذه الدولة.

عاشرًا: عصر ملوك بني الأحمر في غرناطة (630هـ- 897هـ):
والذي يبدأ بعد سقوط دولة الموحدين في المغرب والأندلس، حيث انفرط عقد دولة الإسلام في الأندلس، وأصبحت كل ولاية مستقلة عن باقي الولايات؛ مما سهَّل مهمة نصارى إسبانيا في الاستيلاء على معظم مدن الأندلس الكبرى، فقد سقطت بلنسية وقرطبة ومرسية وإشبيلية خلال فترة وجيزة؛ مما أدى لأن ينحاز معظم مسلمي الأندلس إلى مملكة غرناطة في جنوب الأندلس، والتي أسسها محمد بن يوسف النصري الملقب بابن الأحمر، والتي ظل بنوه ونسله يحكمونها حتى السقوط المروع سنة 897هـ.

والعجيب أن غرناطة بقت وحدها صامدة في وجه أعدائها، وذلك لانحياز خلاصة المسلمين إليها وهم موتورون حانقون على الصليبيين، وكانوا أهل فلاحة وتجارة وصناعة، فقويت بهم مملكة غرناطة.

ومما ساعد على بقاء غرناطة لفترة طويلة مساعدة بني مرين أمراء المغرب، الذين كانوا يمدون غرناطة بالجنود والسلاح لمواجهة تحديات الأسبان، وقد وصلت غرناطة لأوج قوتها ومجدها في عهد محمد الخامس من بني الأحمر سنة 763هـ.

ثم أخذ الترف والدعة والاقتتال الداخلي وانتشار المفاسد يسري في جسد هذه المملكة، وفي نفس الوقت تتحد كل الممالك الإسبانية تحت راية فريناند وإيزابيلا ضد آخر وجود للإسلام في غرناطة، وفي المقابل وصل الصراع الداخلي بين أمراء بني الأحمر إلى ذروته، خاصة بين مولاي علي أبو الحسن وولده أبي عبد الله.

وابتداءً من سنة 895هـ شنَّ الأسبان حربًا متواصلة لا هوادة فيها، انتهت بسقوط غرناطة وتوقيع وثيقة الاستسلام والسقوط في 21 محرم سنة 897هـ، لتبدأ بعد ذلك فصول مأساة هي الأفظع والأبشع في تاريخ أوربا، حيث قُتل عدة ملايين من المسلمين تحت وطأة التعذيب في محاكم التفتيش، وأُجبر الباقون على التنصُّر، وطويت صفحة أعرق دول الإسلام في التاريخ الإسلامي كله.

الحصارالاقتصادي والحروب الصليبية

كاتب الموضوع الأصلي: محمد المطلق 20

مثلت الحروب الصليبية ذروة الصراع الدامي بين الغرب المسيحي والشرق المسلم في العصور الوسطى، وعلى الرغم من قسوة الحرب واستمرارها قرابة قرنين من الزمان إلا أنها لم تنجح في حسم الصراع لصالح الغرب الذي حاول استخدام كل أنواع الضغط على الدولة الإسلامية ومن بينها فرض حصار اقتصادي عليها بغية إنهاء الصراع لصالحه.

ومع بدايات الحرب أعلنت الباباوية عن تطبيقها حصارًا اقتصاديًا على الدولة الإسلامية في مصر والشام لتكون عاملا مساعدًا في الحرب، وبمرور الوقت تحول هذا الحصار وما استتبعه من فرض مقاطعة شاملة للدولة الإسلامية وكل من يتعامل معها تجاريًّا ليصبح الملمح الأبرز للحروب الصليبية وذلك بعد انقضاء العمليات العسكرية باقتلاع الصليبيين من جيوبهم الاستيطانية في الشام أواخر القرن الثالث عشر. وكان من المفهوم أن الغرب يستهدف من وراء حصاره أن ينقل ساحة المواجهة من الميدان العسكري إلى الميدان الاقتصادي ليحقق عن طريق الاقتصاد ما لم يستطع تحقيقه عن طريق الحرب العسكرية.

وينبغي الإشارة إلى أن المراسيم الباباوية بإيقاف التعامل مع مصر وفرض الحظر التجاري عليها قد تعددت خلال فترة الحروب الصليبية، وذلك نظرًا للخروقات الكثيرة التي تعرضت لها هذه المراسيم من جانب التجار الأوروبيين، وكان الحديث يتجدد في الغرب عن ضروريات فرض الحصار والتشدد في تطبيقه مع كل هزيمة تلحق بالصليببين في الشام، مما يحملنا على الاعتقاد أن الحصار الاقتصادي أصبح ورقة الضغط الوحيدة أمام الباباوية والغرب ككل لمعاقبة مصر على حربها ضد الصليبيين.

خلفية تاريخية
قبل الشروع في استعراض المحطات الأساسية للحصار الأوروبي علينا أن نوضح أولا الدور الذي مثلته التجارة بالنسبة للدولتين الأيوبية ثم المملوكية – وهما الدولتان اللتان تعاقبتا على حكم مصر والشام إبان هذه الفترة – فالمعروف أن الأهمية التجارية لمصر قد ازدادت بشكل ملحوظ نتيجة حركة توسع المغول التي نتج عنها توقف طرق التجارة العالمية بين الشرق والغرب والتي كانت تمر بالخليج العربي أو البحر الأسود ثم فارس ولم يعد آمنًا من هذه الطرق سوى طريق البحر الأحمر ومصر وهو ما جنى منه سلاطين مصر الربح الوفير ومكنهم من توفير الاعتمادات المالية الكفيلة بتمويل حربهم ضد الصليبيين، وقد نتج عن ذلك أن تحكمت مصر في طريق التجارة العالمي، باعتبارها البوابة التي تمر من خلالها البضائع الشرقية إلى الغرب كما تمر بها أيضا البضائع الغربية للشرق.

وكان التبادل التجاري بين الشرق والغرب قد شهد زيادة ملحوظة خلال هذه الفترة على عكس المتوقع؛ فقد أسهمت إقامة الصليبيين في الشام في التعرف عن قرب على السلع الشرقية المميزة – وبخاصة التوابل – وتطلع أبناء الغرب الأوروبي للحصول على هذه السلع ولعل هذا يفسر لنا مشاركة المدن التجارية الغربية مثل جنوة وبيزا والبندقية في الحرب، وقد حقق أبناء هذه المدن مكاسب طائلة نظير قيامهم بالتوسط بين الشرق والغرب، كما قاموا بعقد الكثير من الصفقات التجارية الرابحة مع التجار الشرقيين.

الباباوية والقرصنة باسم الدين
غداة قيام الحروب الصليبية سارعت الباباوية بإعلانها عن مقاطعة تجارية شاملة لمصر وكل من يتعامل تجاريًّا معها، ونجحت في إقناع المدن التجارية الإيطالية الشريك التجاري الرئيسي لمصر بتطبيق هذه المقاطعة، غير أن هذه المدن تضررت تضررًا اقتصاديًّا واضحًا من جراء ذلك وهو ما دفعها للضرب بتعليمات الباباوية عرض الحائط وإعادة إرسال السفن الإيطالية إلى الموانئ المصرية، وجدير بالذكر أن سلاطين مصر بصفة عامة قد تسامحوا مع التجار الأوروبيين، وعلى سبيل المثال أبدى صلاح الدين الأيوبي “سلطان مصر” سعة صدر في التعامل معهم، وبرغم استمرار الحرب وتجريد الصليبيين الحملات العسكرية في الشام إلا أنه لم يشأ معاقبتهم لاشتراك مدنهم في القتال لجانب الصليبيين، بل على العكس أظهر قدرًا غير قليل من الترحاب بهم وبسفنهم في الموانئ المصرية، الأمر الذي شجعهم على تحدي قرارات الباباوية الخاصة بمقاطعة مصر، وإعادة العلاقات التجارية إلى سابق عهدها وتوقيع عدة معاهدات تجارية بين الطرفين.

عادت الباباوية وجددت الإعلان عن فرض حظر اقتصادي شامل على مصر وتشددت في تطبيقه بسبب النجاحات العسكرية المتوالية التي حققتها الدولة المملوكية في مصر ضد الصليبيين والتي انتهت بتصفية آخر الجيوب الاستيطانية الصليبية في الشام بإسقاط عكا عام 1291 ميلادية، وعلى الفور أصدر البابا نيقولا الرابع مرسومًا حرم فيه على العالم المسيحي التجارة مع مصر مع توقيع قرار الحرمان الكنسي على كل من يخالف هذا القرار فضلا عن مصادرة جميع أمواله وممتلكاته، والمعلوم أن القرار كان موجهًا بالأساس ضد التجار الأوروبيين المتعاملين مع الدولة المملوكية والذين أمدوها ببعض المواد الحربية الأساسية مثل الحديد والأخشاب والقار والكبريت.

ويبدو أن هذه القرارات لم تردع التجار وتحملهم على إيقاف تعاملهم مع مصر، الأمر الذي ألجأ البابا إلى اتخاذ أسلوب أكثر حزمًا فأمر بتجهيز عشر سفن حربية تجول في البحر المتوسط وآسيا الصغرى ومصر، وهي التي صارت تعرف باسم “فرسان القديس يوحنا” وقد ازداد عددها حتى وصلت إلى خمس وثلاثين سفينة في نهاية فترة الحظر، وقد قامت هذه السفن بمهمة إرهاب السفن المسيحية التي تخرق الحظر التجاري على مصر، وكذلك مهاجمة السفن المسلمة التي تجوب البحر المتوسط وسرقة ونهب محتوياتها، وقد اتسع نشاط هذه السفن مع نهايات الحروب الصليبية وتكررت اعتداءاتها على الموانئ المصرية وخصوصا ميناءي الإسكندرية ودمياط، وكانت تقوم بالسطو على السفن الراسية فيهما واقتيادها في بعض الأحيان إلى قبرص مقر قوات “فرسان القديس يوحنا”.

ولا شك أن موقف الباباوية المتشدد تجاه التعامل التجاري مع مصر بحاجة إلى بعض التوضيح فالمعروف أن إخفاق الصليبيين في تكوين بؤر استيطانية تستوطن فلسطين، والفشل في هزيمة المماليك عسكريًّا قد جعل الباباوية تؤمن بأن النجاح الذي تؤمله لن يتحقق بالحرب وإنما يتحقق عن طريق تطويق مصر اقتصاديًّا في البحر المتوسط، وقد أفصحت الباباوية عن خطتها في رسالة تحت عنوان “أسرار حماة الصليب” وهي الرسالة التي أعدها أحد الفرسان الصليبيين وتبناها البابا ونشرت على العالم المسيحي عام 1321 ميلادية، وقد جاء بها أن الحملة الصليبية الناجحة لابد أن تمر بثلاث مراحل: أولاها إضعاف قوة مصر الاقتصادية عن طريق فرض حصار بحري كامل لمدة ثلاث سنوات، والثانية مرحلة إرسال الحملة العامة، والثالثة مرحلة الصمود في الأرض المفتوحة والاحتفاظ بالأرض المقدسة في أيدي الصليبيين.

وكما أن الحرب التي أعلنت على الإسلام واتخذت من الصليب شعارًا لها بعيدة كل البعد أن تكون ذات منطلق ديني فكذلك القرارات الباباوية المتعلقة بالحظر الاقتصادي وفرض المقاطعة على الدولة الإسلامية في مصر، فقد أراد بعض الباباوات من وراء إصدار هذه القرارات أن يحصلوا على بعض المكاسب المادية، إذ إن المدن الإيطالية والتجار الأوروبيين في سبيل رفع الحصار التجاري عن مصر، والذي عصف باقتصادياتهم وكبدهم خسائر فادحة اضطروا للجوء إلى دفع الأموال للباباوية نظير الحصول على بعض التراخيص التي تجيز لهم التعامل مع مصر. وكانت مدينة البندقية الإيطالية قد دفعت أموالا طائلة نظير الحصول على هذه التراخيص، وذلك بعد أن تقدمت بعدة شكاوي توضح فيها أنها قد تضررت أبلغ الضرر من جراء فرض الحصار على مصر، وأن لها الحق في أن تحمل إلى مصر البضائع التي لا تدعم قوة المماليك الحربية، غير أن الباباوية تمسكت بموقفها في حظر كافة أشكال التعامل حتى وإن كانت السلع المراد تصديرها لا تخدم قوة المماليك العسكرية، وقد ظلت الباباوية تتشدد في هذه المقاطعة والحظر ما يربو على العشرين عامًا (1323 -1344م) ولم يحملها على تغيير موقفها إلا ما بذلته البندقية من أموال طائلة – وبعبارة أدق رشاوٍ- فقامت بإصدار بعض التراخيص التي تجيز التعامل التجاري مع مصر، مع استمرار حظر تصدير المواد التي يمكن أن تدعم قوتها العسكرية.

التحالف ضد مصر
إذا كانت المدن الإيطالية قد تعارضت مصالحها مع الباباوية فإن الأخيرة لم تعدم وجود مؤيدين لسياستها من الدول المسيحية؛ فقد دخلت في تحالف طويل الأمد مع مملكة قبرص المسيحية والتي كانت خاضعة آنذاك لأسرة آل لوزجنان والتي جمعت لفترة من الوقت بين تاجي قبرص وإمارة بيت المقدس الصليبية في عكا، وهو الأمر الذي جعلها تضطلع بدور هام في محاولة تأديب الدولة المملوكية وخنق اقتصادها. وكان بطرس الأول ملك قبرص قد دعا الدول الأوروبية في عام 1365 ميلادية للمشاركة في تجريد حملة صليبية إلى الإسكندرية بقصد الاستيلاء على المدينة وتهديد طريق التجارة العالمي الذي يمر بها، وقد فطن النويري- أحد مؤرخي ذلك العصر- إلى هذا البعد الاقتصادي الكامن وراء هذه الحملة حين ذكر أن غايتها قطع الطريق على المراكب الآتية إلى الإسكندرية على الرغم من تسترها بستار الصليب، وقد بارك هذه الحملة البابا أوربان الثاني الذي قام بجمع أموال الأديرة والكنائس للاستعانة بها في تجهيزها ووعد القساوسة بأنه سيردها لهم من غنيمته لأموال المسلمين. وما إن وصلت الحملة إلى الإسكندرية حتى قامت بنهب محتويات السفن الراسية في البحر، ولم تكتف بهذا بل هاجمت منازل الأهالي والتجار وقامت بنهب محتوياتها هي الأخرى بعد أن أشاعت الروع في قلوب المصريين.

وهكذا نهضت قبرص بالعبء الأكبر في الحملة الاقتصادية الموجهة ضد المماليك وشن ملوكها حربًا شعواء ضد التجار الأوروبيين الذين ظلوا يتاجرون مع مصر، كما مارس القبارصة أعمال القرصنة في البحر المتوسط وقطعوا الطرق على المراكب الآتية إلى دمياط والإسكندرية، واستطاعوا تجنيد عدد من التجار الأوروبيين المتعاملين مع مصر، وذلك بقصد الحصول على معلومات عن التحصينات بالسواحل والموانئ المصرية، ومواعيد وصول سفن التجار المسلمين. وقد دفعت تلك الأعمال العدائية المتكررة الدولة المملوكية إلى محاولة غزو قبرص ونجحت في الاستيلاء عليها عام 1426 ميلادية.

مشروعات استعمارية لتحويل مجرى النيل
لا شك أن خروج قبرص من حلبة الصراع قد أضعف كثيرًا من إمكانيات نجاح الحظر الاقتصادي عبر البحر المتوسط شمالا، لذا حاول الصليبيون أن يمدوا الحصار إلى البحر الأحمر في الجنوب حتى تكتمل محاولات تطويق مصر اقتصاديًّا، ولم تجد الباباوية أفضل من مملكة الحبشة المسيحية لتؤازرها في مخططاتها لذلك أرسل البابا عدة رهبان ومبشرين إلى الحبشة من أجل إقناع ملكها بفرض حصار اقتصادي على مصر من الجنوب، وقد نجح رسل البابا في إقناع ملك الحبشة بالانضمام إلى الشركاء الأوروبيين الذين يفرضون حصارًا حول مصر، كما اقترحوا أن تقوم الحبشة باستغلال موقعها المتحكم في منابع النيل وتعمل على تحويل مجرى نهر النيل، إلا أن الاقتراح لم يلق قبولا من الحبشيين خشية رد الفعل المصري.

وقد ظلت فكرة تحويل منابع مجرى نهر النيل تراود عقول الدعاة الصليبيين فقد أرسل ملك أراجون – والتي توحدت مع قشتالة فيما بعد وصارت تعرف باسم مملكة إسبانيا – إلى ملك الحبشة عام 1450 ميلادية يطلب منه العمل على تحويل مجرى النيل ومهاجمة مصر من الجنوب. كما لاقت الفكرة قبولا من البرتغاليين الذين كانوا قد شرعوا في الالتفاف حول أفريقيا في محاولة لاكتشاف طريق بديل لطريق مصر التجاري.

وقد عقد البرتغاليون تحالفًا مع الحبشة التي توافدت عليها البعثات الأوروبية والدعاة الصليبيون من كل حدب وصوب، وعقب اكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح 1498 ميلادية طلب قائد الأسطول البرتغالي من ملك البرتغال إمداده بعدد من العمال المدربين على قطع الصخور وحفر الأرض للعمل على تحويل مجرى النيل، وعلى الرغم من أن هذه المشروعات لم يكتب لها النجاح إلا أنها تظهر مدى تصميم الأوروبيين الصليبيين على القضاء على اقتصاديات الدولة المملوكية قضاءً مبرمًا، وهو ما يؤكد استمرار الحروب الصليبية واستقرارها في شكل اقتصادي.

ويمكن القول إن فكرة الحصار الاقتصادي التي تم تطبيقها من جانب الغرب لم تنجح في خنق الاقتصاد المصري تمامًا إلا بعد اكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح، فقد استطاع البرتغاليون باكتشافهم هذا الطريق تحقيق أهداف الحرب الاقتصادية، وعلى الرغم من طول الطريق وكثرة تكاليفه مقارنة بطريق مصر القصير فقد أقبل الغرب على ارتياده وعزف عن المرور بمصر، واستطاع الحصول على الحاصلات الشرقية وبخاصة التوابل من الهند وإيران مباشرة دون الاحتياج إلى وساطة مصر، الأمر الذي ألحق أفدح الخسائر باقتصاد مصر وترتب عليه إضعافها عسكريًا. وباكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح يكون الستار قد أسدل بصورة نهائية على هذه الحروب التي اتخذت من الدين شعارًا لها لتخفي وراءه دوافعها المادية البحتة.

انقلاب الثامن من آذار

كاتب الموضوع الأصلي: محمد المطلق 20

ثورة الثامن من آذار، هو الاسم الرسمي الذي يطلق على الانقلاب العسكري الذي جرى في سوريا بقيادة حزب البعث العربي الاشتراكي في 8 آذار 1963 ضد الرئيس ناظم القدسي والحكومة المنتخبة برئاسة خالد العظم، وذلك بسبب الرجعية والانفصال عن مصر. كان من نتائج الثورة، إلغاء التعددية السياسية والاقتصاديّة وقيام دولة الحزب الواحد في سوريا وإنفاذ قانون الطوارئ منذ عام 1963 وحتى 2011 بعيد الانتفاضة الشعبية ضد نظام الأسد، كما فرضت الثورة تبني شعارات البعث وسياسته كشعارات عاملة للدولة السورية.[1]
تعتبر المناسبة عطلة رسمية في البلاد، تجرى فيه الاحتفالات الرسميّة باعتبارها “ثورة العامل والفلاح”.

خلفية:
شارك حزب البعث العربي الاشتراكي في الحياة السياسية في سوريا منذ تأسيسه عام 1947، وأحرز في الانتخابات النيابية لعامي 1954 و1961 المركز الثالث بعد حزب الشعب والكتلة الوطنية، وشارك في عدد من الحكومات خلال عهد الرئيس شكري القوتلي ووافق على الوحدة مع مصر عام 1958 رغم أنها أدت إلى توقيف نشاط الحزب داخل سوريا بشكل علني، إذ كانت من شروط عبد الناصر للوحدة حل كافة الأحزاب السورية، ونقل البعث مقرّه خلال تلك الفترة إلى بيروت.[2]
راكمت حكومة الجمهورية العربية المتحدة “أخطاءً كثيرة” في السياسة الاقتصادية وقمع المعارضة وتهميش السوريين ما دفع الجيش بقيادة عبد الكريم النحلاوي لفك ارتباط سوريا بالجمهورية العربية المتحدة، وأعاد العمل بدستور 1950 بعد إدخال تعديلات عليه أقرّت في استفتاء شعبي، ثم أجريت انتخابات نيابيّة حقق فيها حزب الشعب المركز الأول وانتخب ناظم القدسي رئيسًا للجمهورية في حين شكل خالد العظم الحكومة. وقد أعادت الحكومة نهج التعددية السياسية والاقتصادية، وأعاد بقانون صادق عليه المجلس النيابي قانون الإصلاح الزراعي، كما أعادت الحكومة المصارف الخاصة وسائر الشركات التي استحوذت عليها الدولة خلال عهد الوحدة؛ وقد أدى هذا التراجع عن السياسة الاشتراكية لحصول أول صدام بين الحكومة والأحزاب الاشتراكية وكان أولها في شباط 1962، ثم أصدر الحزب بيانًا دعا فيه لعودة الوحدة مع مصر.
وفي 28 آذار 1962 حدثت محاولة انقلاب عسكري، فشلت نتيجة الخلافات بين قادتها من الضباط، وفي 25 أيار 1962 وجه البعث نداءً للحكومة لإعادة المفاوضات حول الوحدة مع مصر، ومنذ أواخر 1962 تفجر خلاف بين رئيس الحكومة خالد العظم وحزب البعث. في 8 شباط 1963 قام البعث انقلابه في العراق وبعد شهر وقع انقلاب البعث في سوريا.

مجريات الأحداث:
نتيجة التوتر في العلاقات بين الحكومة وحزب البعث قرر مجموعة من الضباط البعثيين في الجيش السوري الانقلاب على الحكومة واستلام السلطة، شارك في التخطيط أشخاص من خارج الجيش أمثال ميشيل عفلق المنظر الأساسي للحزب؛ واتفق قبل الشروع بتنفيذ الانقلاب حول طريقة تقاسم السلطة بعد نجاحه، على أن يكون لؤي الأتاسي رئيسًا لمجلس قيادة الثورة ورئيسًا للوزراء في اليوم ذاته. في صباح الثامن من آذار، تحركت الفصائل المنقلبة من الجيش في دمشق وحاصرت المقرات الهامة في العاصمة واعتقلت رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة وأغلب الوزراء، وحدثت مناوشات عسكريّة غير أن فصائل الجيش في المحافظات اعترفت بسلطة الانقلاب بعد نجاحه، كما درجت عادتها منذ 1949.[4] ثم أخذت الدول الاعتراف بالحكومة الجديدة كان على رأسها العراق البعثي ومصر الناصريّة وتولى الاتحاد السوفياتي إقناع المجتمع الدولي الاعتراف بالنظام الجديد، وقبل انتصاف النهار تألف مجلس قيادة الثورة برئاسة لؤي الأتاسي وجاءت تركيبته من عشرة ضباط.[5]
في اليوم نفسه، دعا حزب البعث حلفاؤه من الأحزاب اليسارية إلى اجتماع في مقر وزارة الدفاع بهدف تشكيل حكومة مدنيّة انتقالية ولدت في صباح اليوم التالي برئاسة صلاح الدين البيطار، وكانت حكومة مدنيّة غير أن وزيري الدفاع والداخلية كانا من الضباط. يذكر أن مجلس قيادة الثورة، ومع استلامه السلطة أعلن حالة الطوارئ في البلاد وهي الحالة التي ظلت سارية المفعول لسبع وأربعين سنة لاحقة، كما عطل العمل بالدستور السوري ولم يتم وضع دستور جديد حتى 1973، كما صدر قرار بحل جميع الأحزاب المناوئة لحزب البعث مع الإبقاء على الحزب الناصري والشيوعي، ونفيت أغلب الطبقة السياسية السورية على رأسهم الرئيس القدسي ورئيس الحكومة العظم إلى الخارج سيّما لبنان، وشهد الجيش عمليات تسريح جماعية لضباط غير بعثيين، كما خرجت بنتيجة الانقلاب رؤوس أموال ضخمة إلى الخارج خوفًا من استيلاء الدولة عليها وفق السياسة الاشتراكية، بكل الأحوال، فقد شهدت البلاد عدة مظاهرات من بعثيين وناصريين مؤيدة للثورة.[6]

ما بعد الأحداث:
حكم البعث بسلطة مباشرة دون انتخابات لفترة طويلة لم يحقق خلالها الوحدة مع مصر السبب الرئيس الذي دفعه للانقلاب على الحكومة، رغم توقيعه عدة بيانات مع العراق ومصر بهذا الخصوص غير أنها بالمجمل فشلت. في عام 1966 حدث انقلاب ثاني داخل قيادة الحزب نفسه أقصت عفلق وأمين الحافظ رئيس الجمهورية المعيّن وعينت صلاح جديد بدلاً منه، ثم خسرت سوريا الجولان في حرب 1967 وتفاقمت انشقاقات وخلافات الحزب الداخلية فجرى انقلاب ثالث عرف باسم الحركة التصحيحية بقيادة حافظ الأسد وزير الدفاع إلى السلطة؛ عيّن الأسد أحمد الحسن الخطيب رئيسًا لفترة انتقالية ثم أجرى استفتاءً على شخصه أصبح بموجبه حافظ الأسد رئيسًا.
في عام 1973 وضع أول دستور في ظل البعث كرّس الحزب قائدًا للدولة والمجتمع وعيّن أهداف الدولة بالوحدة والحرية والاشتراكية، وألغى التعددية السياسية والاقتصادية واحتكر الإعلام والتعليم وغيرها من المجالات الفكرية.

مجموعة الثماني

كاتب الموضوع الأصلي: محمد المطلق 20

مجموعة الثمانية أو مجموعة الدول الصناعية الثمانية تضم الدول الصناعية الكبرى في العالم. أعضائها هم: الولايات المتحدة الأمريكية، اليابان، ألمانيا، روسيا الاتحادية، إيطاليا، المملكة المتحدة، فرنسا، وكندا. يمثل مجموع اقتصاد هذه الدول الثمانية 65% من اقتصاد العالم وأغلبية القوة العسكرية (تحتل 7 من 8 مراكز الأكثر أنفاقاً على التسلح وتقريباً كل الأسلحة النووية عالمياً). أنشطة المجموعة تتضمن مؤتمرات على مدار السنة ومراكز بحث سياسية مخرجاتها تتجمع في القمة السنوية التي يحضرها زعماء الدول الأعضاء. أيضاً، يتم تمثيل الاتحاد الأوربي في هذه القمم.
كل سنة، الدول الأعضاء في مجموعة الثمانية تتناوب على رئاسة المجموعة. تضع الدولة الحائزة على الرئاسة الأجندة السنوية للمجموعة وتستضيف القمة لتلك السنة.

خلفية تاريخية:
بعد الأزمة النفطية في عام 1973 وفترة الركود الاقتصادية التي تبعتها. ظهر مفهوم تجمع للدول الأكثر تصنيعاً. وفي عام 1974، أنشئت الولايات المتحدة المجموعة، في تجمع غير رسمي للمسئولين الاقتصاديين من الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة وألمانيا الغربية واليابان وفرنسا. أما في عام 1975، دعا الرئيس الفرنسي فاليري جيسكار ديستان زعماء حكومات ألمانيا الغربية وإيطاليا واليابان والمملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية إلى قمة في رامبوليت. أين أتفق الزعماء الستة على تنظيم اجتماع سنوي تحت رئاسة متناوبة، مشكلين بذلك مجموعة الستة. وفي السنة المقبلة، انضمت كندا إلى المجموعة بناء على توصية الرئيس الأمريكي جيرالد فورد، وأصبحت تعرف بمجموعة السبعة. ويمثل الإتحاد الأوربي من قبل رئيس الاتحاد الأوربي وزعيم الدولة التي تتولى رئاسة مجلس الإتحاد الأوربي وحضر كل الاجتماعات منذ أن تمت دعوته من قبل المملكة المتحدة في عام 1977.
بعد انتهاء الحرب الباردة بتفكك الاتحاد السوفيتي في عام 1991، أصبحت روسيا الدولة الوريثة الشرعية لهذا الاتحاد. وبداية بقمة نابولي عام 1994، دعي المسئولون الروس لحضور هذا التجمع بصفة مراقب مع زعماء مجموعة السبعة بعد انتهاء القمة الرئيسية. عرفت هذه المجموعة بمجموعة السبعة زائد واحد. وبمبادرة رئيس الولايات المتحدة بيل كلينتون، انضمت روسيا بشكل رسمي إلى المجموعة في عام 1997، وأصبحت تدعى بمجموعة الثمانية (G8).

الهيكل والأنشطة:
الغرض من مجموعة الثمانية ملتقى غير رسمي ولذلك يفتقد إلى الهيكل التنظيمي الشبيه بالمنظمات الدولية، مثل الأمم المتحدة والبنك الدولي. لا يوجد للمجموعة سكرتارية ثابتة، أو مكاتب لأعضائها. تدور رئاسة المجموعة سنوياً بين الدول الأعضاء، وتبدأ فترة الرئاسة من 1 يناير من كل سنة. الدولة الحائزة على الرئاسة مسئولة عن التخطيط واستضافة مجموعة من الاجتماعات الوزارية، استعدادا للقمة النصف السنوية التي يحضرها زعماء الدول الأعضاء.
تجمع الاجتماعات الوزارية الوزراء مسئولين عن حقائب مختلفة من أجل مناقشة قضايا مشتركة أو ذو بعد عالمي. يتضمن مجال المواضيع الصحة وتطبيق القانون والعمالة والتنمية الاقتصادية والاجتماعية والطاقة والبيئة والعلاقات الخارجية والقضاء والقضايا الداخلية والإرهاب والتجارة. وهناك مجموعة من الاجتماعات المنفصلة تعرف بمجموعة الثمانية زائد خمسة “G8 + 5”، أنشئت في قمة عام 2005 في جلينديلز، أسكتلندا التي حضرها وزراء الاقتصاد والطاقة من الدول الثمانية الأعضاء بالإضافة إلى الخمس دول الامتداد : الصين والمكسيك والهند والبرازيل وجنوب أفريقيا. في يونيو 2005، أتفق وزراء العدل والداخلية من دول مجموعة الثمانية على وضع قاعدة بيانات دولية في بيدوفيلس. كما أتفق زعماء مجموعة الثمانية على تجميع المعلومات عن الأنشطة الإرهابية، عرضه لقيود قانون الخصوصية والأمن لكل دولة على حدة.

القمة السنوية:
يحضر القمة السنوية لمجموعة الثمانية ثمانية من أكثر زعماء الدول نفوذاً في العالم. لذلك، هو حدث دولي الذي يتم مراقبته ونقل الأخبار عنه من قبل الأعلام. الدولة العضو الحائزة على زعامة مجموعة الثمانية مسئولة عن تنظيم واستضافة القمة السنوية، تعقد لمدة ثلاثة أيام في منتصف السنة.

القوة الاقتصادية:
تمثل الدول الثمانية التي تشكل مجموعة الثمانية تقريباً 14% من سكان العالم، ومع ذلك تمثل ثلثي الاقتصاد العالمي قياساً بالناتج القومي.
في عام 2005، كان مجموع الأنفاق الحربي لمجموعة الثمانية 707 مليار دولار أمريكي. ويشكل هذا 71% من مجموع الأنفاق الحربي العالمي. وتشكل أربعة دول أعضاء في مجموعة الثمانية الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا وفرنسا والمملكة المتحدة مجتمعة 98% من الأسلحة النووية عالمياً.

الانتقادات والمظاهرات:
كما القمم السنوية تحظى بتغطية إعلامية واسعة، تتعرض لضغوطات من قبل جماعات الضغط ومظاهرات الشوارع, الانتقادات الشائعة عن أن أعضاء مجموعة الثمانية هم المسئولين عن القضايا العالمية مثل الفقر في أفريقيا والدول النامية بسبب الدين الخارجي والسياسة التجارية، والاحتباس الحراري بسبب أنبعاثات ثاني أكسيد الكربون، ومشكلة الايدز بسبب السياسة المتشددة في ترخيص الأدوية والمشاكل الأخرى المتعلقة بالعولمة. يتم الضغط على زعماء الدول الثمانية لمحاربة المشاكل المتهمين بإنشائها. مثلاُ، لايف أيت، مجموعة من الحفلات في يوليو 2005 متزامنة مع القمة الـ31 لمجموعة الثمانية، كان الهدف منها خلق وعي عالمي وتشجيع زعماء الدول الثمانية على جعل الفقر تاريخاً “Make Poverty History”. وأقترح أيضاً منظوموا لايف أيت بان تخصص الدول الأعضاء في مجموعة الثمانية من ميزانيتها القومية 0.7% للمساعدة الخارجية تماشياً مع الأجندة رقم 21 من قمة الأرض في ريو دي جانيرو عام 1992.
انتقاد أخر يتمحور حول عضوية الدول الثمانية. باستثناء جمهورية الصين الشعبية، ثاني أكبر اقتصاد في العالم، لا تمثل مجموعة الثمانية تمركز القوة الاقتصادية كما كانت عند إنشائها. ولعدم تمثيل الجنوب العالمي يؤدي ذلك إلى تصنيف الكثير من النقاد لمجموعة الثمانية كمؤسسة للمحافظة على الهيمنة الاقتصادية الغربية.
ومن مظاهرات المناهضة للعولمة، كان أكبرها في القمة السابعة العشرون في جنوة 2001. منذ تلك القمة، تم استضافة القمم خارج المدن الرئيسية. واليوم الافتتاحي لقمة 2005 في اسكتلندا تزامن مع هجمات إرهابية متتابعة في لندن.