أ.د. أحمد محمد وهبان

الثورة الروسية وأزمة الديمقراطيات

كاتب الموضوع الأصلي: أحمد الخربوش

إشكالية الوحدة : تعتبر الثورة الروسية وما رافقها من تصدع في الديمقراطيات الليبرالية من أهم الأحداث التاريخية التي عرفتها أوربا فيما بين الحربين. فما هي الأسباب العميقة للثورة الروسية؟ وما هي أهم مراحلها، وما هي مميزات كل مرحلة؟ وما هي مراحل بناء النظام الاشتراكي على يد كل من لينين وستالين؟ وما هي وضعية الديمقراطيات الليبرالية بعد الحرب العالمية الأولى (نموذجا فرنسا+إيطاليا)؟.

1) العوامل التي مهدت لاندلاع الثورة الروسية.
تأزمت الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية:•
– في البوادي: كانت الفلاحة عماد الاقتصاد الروسي، عرفت تحولات بإلغاء القيصر الكسندر الثاني (1855-1881) نظام القنانة سنة 1861، وبيع بعض الأراضي للجماعات القروية قصد الانتفاع بها دون أن يكون لها الحق في البيع أو التفويت في إطار نظام الميرMir(المشاعيات)،غيرأن تدهور وضعية البوادي واستمرار انتفاضات الفلاحين جعل الدولة تلغي نظام المير، وسمحت سنة 1906 ببيع الأراضي للنبلاء، وأدى إلغاء نظام المير إلى هجرة عدد هام من الفلاحين الفقراء (الموجيك) إلىالمدن.
– في المدن: عرفت الصناعة خلالالقرن19تطورا بفضل تشجيع الدولة(استخلاص الضرائب من الفلاحين،مد السكك الحديدية) وهجرة سكان البوادي إلى المدن، والانفتاح على الاستثمارات والقروض الأجنبية، وبرزت مدن صناعية كبرى كسانبيترسبورغ (بتروغراد) وموسكو وأوديسا، وظهرت طبقة عاملة محدودة العدد(3 مليون سنة1913) لكن مطالبها من أجل تحسين وضعيتها الاجتماعية كانت كثيرة.
حدثت الثورة لوجود نظام حكم فردي استبدادي وظهور أحزاب معارضة و بسبب المشاركة في الحرب:•
– نظام الحكم: خضعت روسيا لحكم قياصرة آل رومانوفRomanov ،الذين مارسوا حكما فرديا استبداديا(أوتوقراطيا)، مدعمين من طرف النبلاء ورجال الدين الأرثوذكس والجيش، ونتج عن ذلك حدوث انتفاضات أبرزها انتفاضة 1905 (بعد هزيمة روسيا أمام اليابان) بسبب كثرة الضرائب وارتفاع الأسعار، ورغم فشلها فقد جعلت القيصر نيقولا الثاني يدعو إلى انتخاب مجلس الدوما Douma الذي تم حله بعد ذلك.
– الأحزاب المعارضة: شهدت روسيا ظهور تنظيمات سياسية ذات توجهات متباينة أبرزها:
• الحزب الاشتراكي الثوري:تأسس سنة 1890، يمثل الفلاحين وكان هدفه الإطاحة بالقيصر وتحقيق اشتراكية فلاحية، ويرفض تصنيع البلاد.
• الحزب الدستوري الديمقراطي (الكاديت): تأسس سنة1905 يمثل البرجوازية،تزعمه المؤرخ ميليوكوف Milioukov، وهدفه إقامة نظام برلماني وإقرار الحريات العامة.
• الحزب الاشتراكي الديمقراطي: تأسس سنة 1898الذي انقسم بسبب الاختلاف حول سبل تطبيق الاشتراكية في مؤتمر بروكسل سنة 1903 إلى:
-المناشفة ( Mencheviksالأقلية) تزعمه مارتوف Martov ، وهو حزب اشتراكي يرى إقامة نظام اشتراكي تدريجيا عبر ثورة ديمقراطية بتحالف مع البورجوازية.
-البلاشفة Bolcheviks (الأغلبية) تزعمه لينين Lénine، وهو حزب ثوري يرى إقامة نظام اشتراكي باستيلاء الطبقة العاملة (البروليتاريا) بالقوة على السلطة بتحالف مع الفلاحين والبرجوازية الصغرى، نشر أفكاره من خلال إصدار صحف سرية : إيسكرا(الشرارة)والبرافدا(الحقيقة).
= واجه القيصر الأحزاب المعارضة بالقمع (الاعتقال والنفي)، فلجأ بعضها إلى العمل السري.
– المشاركة في الحرب: كان لمشاركة روسيا في الحرب العالميةI دور كبير في تأزم الأوضاع الداخلية بسبب تعبئة 13 مليون مجند، وتراجع الإنتاج الفلاحي والصناعي، وحصول عجز في المواد الغذائية، وفي سنة 1916 تزايد عدد القتلى والجرحى، وكان الجنود يفرون من جبهات القتال.
2) مراحل الثورة الروسية
المرحلة الأولى: أدت ثورة فبراير 1917 إلى الإطاحة بالنظام القيصري.•
– بدأت الثورة في23 فبراير=8 مارس1917 بتظاهر نساء بتروغراد(الاحتفال باليوم العالمي للمرأة ) بسبب ارتفاع الأسعار وقلة المواد الغذائية، ثم تظاهر في يوم24 ازيد من 200 عامل في بتروغراد، ثم حدث إضراب عام، واحتل المتظاهرون الشوارع بمشاركة الجنود، وفي يوم 27: تم تكوين السوفييتات (المجالس الثورية)، وتشكلت حكومة بورجوازية مؤقتة (برئاسة لفوف Lvov ثم كيرنسكي Kerenski في7يوليو) من الكاديت والاشتراكيين الثوريين والمناشفة، وفي 2 مارس اضطر القيصر إلى التنازل عن الحكم. وعارض البلاشفة هذه الحكومة (معظم زعمائهم في السجن أوالمنفى)، خاصة وأنها لم تعلن الانسحاب من الحرب العالمية الأولى.
المرحلة الثانية: نجح البلاشفة بعد ثورة أكتوبر1917 في إقامة نظام اشتراكي.•
– استغل البلاشفة فشل الحكومة المؤقتة في تحقيق مطالب الشعب، ورغبتها في الحفاظ على مصالح البورجوازية، والاستمرار في المشاركة في الحرب عI، فسيطروا على السوفييتات المحلية، وأعلنوا انتفاضة مسلحة في 24 أكتوبر 1917 وسيطروا على مقر الحكومة المؤقتة (قصر الشتاء)، وكونوا حكومة بولشفية برئاسة لينين الذي عاد من المنفى. وتم إصدار مرسوم حول تأميم المعامل والأبناك، ومرسوم حول مصادرة الأراضي الفلاحية، ومرسوم حول القوميات بمنح شعوب روسيا حق تقرير المصير، ومرسوم حول السلام، ولذلك تم توقيع معاهدة بريست ليتوفسك Brest Litovsk مع ألمانيا يوم3 مارس1918 للانسحاب من الحرب العالمية الأولى.
-الحرب الأهلية (الثورة المضادة): واجهت الحكومة الجديدة معارضة الملاكين الكبار والبورجوازية وضباط الجيش،وتحولت المواجهة إلى حرب أهلية(1921-1918)بين أنصارالثورة (الجيش الأحمر) والمعارضين (الجيش الأبيض)مساندين من طرف الدول الرأسمالية،التي احتلت مناطق من روسيا.
3) التدابير المستعجلة التي اتخذها لينين لإنجاح تجربة حكومة مفوضي الشعب

قرر لينين اتخاذ مجموعة من التدابير أهمها: مراقبة العمال لعملية الإنتاج + ضمان إيصال الحبوب إلى المدن + والسلع الضرورية إلى الأرياف+ وضع أراضي الملاكين العقاريين و أراضي الأسر القيصرية و أراضي الأديرة تحت تصرف لجان الفلاحين + ضمان حقوق الجنود+ نقل السلطة إلى سوفييتات نواب العمال والجنود والفلاحين + تأمين الجيش الثوري وتجنيده من أجل مصادرة أموال الطبقات المالكة وفرض الضرائب عليها……
4) المشاكل التي واجهتها الثورة الروسية أي حكومة مفوضي الشعب:
انتفاضة بحارة كرونستاد فبراير- مارس1921: حيث قدموا مطالب سياسية ونقابية وأمنية وعسكرية انظر خطاطة ص 26-أثر الحرب الأهلية: (1918|1921) إقدام البولشفيين على وقف الحرب وتأميم أهم الممتلكات وضعها تحت تصرف الدولة مما اغضب البورجوازية والكولاك وبعض العناصر من الجيش وساهم دلك في اندلاع الحرب الأهلية.•
مساندة الحلفاء للجيش الأبيض (المعارض للثورة البلشفية بهدف إجهاض الثورة خصوصا بعد إبرام القيادة الثورية الروسية معاهدة السلم (بريستليتوفسك) التي انسحبت بموجبها روسيا من الحرب العالمية الأولى. (علما ان روسيا كانت تحارب إلى جانب الحلفاء بحيث أن انسحاب روسيا من الحرب يعني ضعف الجبهة الشرقية مما شكل تهديدا للحلفاء تدخلت جيوش الحلفاء الرأسمالية العالمية فرنسا وانجلترا…. في التراب الروسي.•
تأثر وضعية المجتمع الروسي: بفعل انتشار أعمال السرقة + انتشار المجاعات بفعل ندرة المواد الغذائية + انتشار البطالة، حدوث نقص في المحروقات.•

5) الإجراءات التي اتخذها كل من لينين و ستالين لإنقاذ الثورة البلشفية وبناء النظام الاشتراكي
نهج لينين سياسة شيوعية الحرب والسياسة الاقتصادية الجديدة:•
– سياسة شيوعية الحرب: طبق لينين خلال الحرب الأهلية سياسة شيوعية الحرب(1918-1921) بتأميم وسائل الإنتاج ومصادرة فائض الإنتاج الفلاحي من الكولاك (كبار ملاكي الأراضي الفلاحية) لضمان تموين الجيش بالمواد الغذائية. وأقر دستور1918 نظام الحزب الوحيد(الحزب الشيوعي). وتمكن الجيش الأحمر بقيادة تروتسكي من القضاء على الجيش الأبيض، وانسحبت الدول الرأسمالية من الأراضي الروسية، غير أن تطبيق سياسة شيوعية الحرب ساهم في تأزم الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.
-السياسة الاقتصاديةالجديدة NEP: قام لينين بنهج السياسة الاقتصادية الجديدة ابتداء من1921التي مثلت تراجعا عن تطبيق الاشتراكية بتشجيع المبادرة الحرة والانفتاح على الرأسمال الأجنبي والتراجع عن مصادرة فائض الإنتاج الفلاحي، وتم تأسيس الاتحاد السوفياتي كاتحاد فيدرالي سنة 1922يضم مختلف القوميات. وبفضل هذه السياسة ارتفع حجم الإنتاج الاقتصادي، واستفادت فئة الكولاك والبورجوازية.
نهج ستالين سياسة التخطيط لبناء دولة اشتراكية:•
– سياسة التخطيط: بوفاة لينين في يناير1924 تسلم الحكم جوزيف ستالين بعد القضاء على معارضيه وخاصة تروسكي (الذي نادى بتصدير الثورة خارج روسيا وتطبيق الاشتراكية) مستخدما الاعتقال والنفي والاغتيال. انفرد ستالين بالسلطة، وركز نفوذه في أجهزة الحزب الشيوعي والدولة. واستمر في تطبيق السياسة الاقتصادية الجديدة إلى غاية 1928حيث نهج سياسة التخطيط بوضع تصاميم خماسية تهم الميدان الاقتصادي والاجتماعي، وتكوين الكولخوزات Kolkhozes تجميع أراضي الفلاحين في تعاونيات ويتقاضى الفلاح أجره ونسبة من الأرباح والسوفخوزات Sovkhoze أراضي الدولة ويعتبر الفلاح العامل فيها أجيرا) وتأميم الصناعة والتجارة، وإعطاء الأولوية للصناعة الثقيلة، واستغلال مكثف للثروات الطبيعية، وتطوير شبكة المواصلات، والاهتمام بصناعة الأسلحة انطلاقا من التصميم الخماسي الثاني.
– نتائج سياسة التخطيط: بفضل سياسة التخطيط ارتفع الإنتاج الفلاحي والصناعي، وتمكن ستالين من القضاء على الكولاك، وبرزت أهمية الطبقة العاملة، وارتفعت نسبة سكان المدن، وتكونت طبقة مستفيدة (الأباراتشيك Apparatchiks من أطرالحزب والدولة والأطر العليا.
6) مميزات أوضاع الديمقراطيات الليبرالية فيما بين الحربين من خلال نموذجي ” إيطاليا وفرنسا.

الاوضاع العامة بإيطاليا عقب الحرب العالمية الاولى

كاتب الموضوع الأصلي: أحمد الخربوش

شاركت إيطاليا في الحرب وهي تأمل الحصول على أراضي ومكاسب جديدة ومكانة رفيعة بين الدول الكبرى وتحقيق الرفاه الاجتماعي، غير أن معارضة دول الحلفاء للمطامع الاستعمارية لإيطاليا حال دون ذلك..وهكذا، فتدمر إيطاليا من مؤتمر الصلح ومعاهدة فرساي أدى إلى تحولات داخلية مختلفة. على المستوى السياسي : محدودية سلطة الملك فيكتور إيمانويل الثالث + تعدد الأحزاب و تفكك أحزاب اليمين التقليدية مقابل وجود حزب اشتراكي قوي إلا انه غير قادر على أخذ السلطة = غياب الاستقرار الحكومي+الصراع بين قوى المعارضة في البرلمان = العنف السياسي.
على المستوى الإجتماعي: تدمر السكان من الحرب + تدهور أوضاع الفلاحين والعمال+ تزايد الحركات العمالية المتشبعة بالفكر الاشتراكي وخوضها عدة إضرابات ومظاهرات واحتلال العمال للمصانع أدى اضطرابات اجتماعية على المستوى الاقتصادي: انخفاض المواد الأولية ومصادر الطاقة + انخفاض الإنتاج الفلاحي + ندرة المواد الغذائية +ارتفاع الأسعار+ تفشي البطالة+ ركود المبادلات التجارية في ظل هذه الأزمة ظهر الحزب الحزب الفاشي سنة 1921 بزعامة بيتو موسوليني; يمكن تلخيص أهم توجهات ومبادئ هذا الحزب في: تفضيله الحرب والمواجهة والصراع والتضحية وعدم إيمانه بالسلم + التفرد بالحكم واعتماده على القمع . استفاد الحزب الشيوعي من انخراط المثقفين فيه إلى جانب الأثرياء (اكتسابه لأطر عليا) .
تمكن موسوليني من تطوير الفاشية من جماعة معادية للشيوعية والإشتراكية إلى حزب ديكتاتوري قوي وصل إلى سدة الحكم بإيطاليا.
الأوضاع العامة بفرنسا عقب الحرب العالميةالأولى:•
– اقتصاديا: سقوط فرنسا في أزمة مالية خانقة دفعها إلى رفع قيمة الضرائب (خاصة على فئة رجال الصناعة + التجار..مما ساهم في إفلاسهم وتفاقمت معاناة فرنسا من الخسائر المادية والبشرية الناتجة عن الحرب ع1.
ارتفاع قيمة العملة ادى الى إضعاف الصادرات وغزو السلع الأجنبية السوق الفرنسية نتج عنه عجز الميزان التجاري الفرنسي وتدهور الاقتصاد الفرنسي.
– اجتماعيا: تغيير البنية العمرية للسكان (ارتفاع عدد الشيوخ) والجنسية (ارتفاع عدد النساء) بفعل الحرب ع1 +تضرر المجتمع من الحرب + البطالة + غلاء المعيشة خصوصا خلال أزمة 1920 بفرنسا.+ تخوف المجتمع من المستقبل.
سياسيا: تعدد الأحزاب المتصارعة على الحكم وتحميل الرأي العام مسؤولية الأزمات للمؤسسات والأحزاب+ ظهور جماعات متطرفة (جماعة الصليب النازي+ حركة فرنسا ) + تشكيل كتلة وطنية ( 1919) وعجزها عن حل الأزمة+ تأسيس الحزب الشيوعي الفرنسي + تحالف اليسار واليمين واعتماد خطة بوانكاي من أجل حل الأزمة .

نستنتج مما سبق أن الثورة الروسية كانت ورائها عوامل مختلفة ومرت بمراحل واتخذت سياسات متنوعة لبناء النظام الاشتراكي، كما أن الديمقراطيات اللبيرالية دخلت في أزمة اقتصادية واجتماعية وسياسية عقب الحرب العالمية الأولى.

أسباب سقوط الدوله العثمانيه

كاتب الموضوع الأصلي: أحمد الخربوش

لماذا اختيار هذا الموضوع ؟ أهمية البحث في مثل هذه المواضيع ؟
لقد دعا القرآن الكريم إلى دراسة شؤون الأمم الغابرة وبين كيف أنها سقطت وتلاشت حينما ظلمت { ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون }
{ و إذا أردناأن نهلك قريةأمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا } فالشرط في تصاعد الخط البياني هو عدم الانحراف عن منهج الله وقد أشار ابن خلدون على الرغم من آرائه الأخرى حول موضوع الدولة إلى ضرورة حمل الكافة – أي كافة الناس – على شريعة الله إذا ما أردنا تجنب مساوئ الملك الطبيعي والسياسي . وكان الانحراف عن منهج الله يزداد والخط البياني ينزل هابطاً ولكن كانت هناك طفرات في التاريخ الإسلامي يرتفع بها ذلك الخط قليلاً فهناك المجددون .
وهى كما ذكر ابن خلدون عندما جعل للدولة أعمارًا طبيعة كالأشخاص، فهو لم ينس أن يربط عمر الدولة هذه بطبيعة الملك ،إذ يقول : إذا استحكمت طبيعة الملك من الانفراد بالمجد وحصول الترف والدعة أقبلت الدولة على الهرم…
وفي عهود العثمانيين الأوائل ارتفع الخط ولكنه عاد للهبوط بعد انقضاء عهد السلاطين العشرة الذين أرسوا كيان الدولة وعزروا قوتها ومدوا فتوحاتها وكان دائماً الالتزام بمنهج الله هو الأساس ـ وسيمر معنا مواقف خالدة لبعض هؤلاء السلاطين تبين بوضوح هذه النقطة
و بدأ الانحراف عن منهج الله صغيراً ثم ازداد الانفراج واتسع تدريجيا ثم تحول إلى ملك عضوض بالقوة أو بالإكراه حتى أصبحت الهرقلية أمراً متعارفاً عليه

الدولة العثمانية : 699 ـ 1343 هـ ( لمحة موجزة)
العثمانيون من شعب الغز التركي ، وأصلهم من بلاد التركستان ، نزحوا أمام اكتساح جنكيز خان لدولة خوارزم الإسلامية ، بزعامة سليمان الذي غرق أثناء عبوره نهر الفرات سنة 628 هـ فتزعم القبيلة ابنه أرطغرل الذي ساعد علاء الدين السلجوقي في حرب البيزنطيين فأقطعه وقبيلته بقعة من الأرض في محاذاة بلاد الروم غربي دولة سلاجقة الروم. وهذه الحادثة حادثة جليلة تدل على ما في أخلاقهم من الشهامة والبطولة.
ويعتبر عثمان بن أرطغرل هو المؤسس الأول للدولة العثمانية،وبه سميت ،عندما استقل بإمارته سنة 699 هـ وأخذت هذه الإمارة على عاتقها حماية العالم الإسلامي،وتولت قيادة الجهاد،وأصبحت المتنفس الوحيد للجهاد ،فجاءها كل راغب فيه…
وفي عام 923 هـ انتقلت الخلافة الشرعية لسليم الأول بعد تنازل المتوكل على الله أخر خليفة عباسي في القاهرة…
وبهذه العاطفة الإسلامية المتأججة في نفوسهم ممتزجة بالروح العسكرية المتأصلة في كيانهم ، حملوا راية الإسلام ، وأقاموا أكبر دولة إسلامية عرفها التاريخ في قرونه المتأخرة… وبقيت الحارس الأمين للعالم الإسلامي أربعة قرون،وأطلقت على دولتهم اسم (بلاد الإسلام) وعلى حاكمها اسم (سلطان) وكان أعز ألقابه إليه (الغازي) أي:المجاهد..واللفظان العثماني والتركي فهما من المصطلحات الحديثة…وحكمت بالعدل بالعمل بالشرع الإسلامي في القرون الثلاثة الأولى لتكوين هذه الدولة…
نعم : إن العثمانيين الذين تبوأوا منصباً في عهد سلاطينهم الفاتحين ووسعوا رقعة بلاد الإسلام شرقاً وغرباً واندحرت الأطماع الصليبية أمامهم وحقق الله على أيديهم هزيمة قادة الكفر والتآمر على بلاد المسلمين وارتجفت أوروبا خوفاً وفزعاً من بعض قادتهم أولئك كانت الروح الإسلامية عندهم عالية . . وكانت روح الانضباط التي يتحلى بها الجندي عاملاً من عوامل انتصاراتهم وهي التي شجعت محمد الثاني على القيام بفتوحاته .
وكانت غيرتهم على الإسلام شديدة وكثر حماسهم له لقد بدأوا حياتهم الإسلامية بروح طيبة وساعدتهم الحيوية التي لا تنضب إذ أنهم شعب شاب جديد لم تفتنه مباهج الحياة المادية والثراء ولم ينغمس في مفاسد الحضارات المضمحلة التي كانت سائدة في البلاد التي فتحوها ولكنهم استفادوا منها فأخذوا ما أفادهم وكانت عندهم القدرة على التحكم والفتح والانتصار وقد أتقنوا نظام الحكم وخاصة في عصر الفاتح ، إذ كان هناك نظام وضع لاختيار المرشحين لتولى أمور الدولة بالانتقاء والاختيار والتدريب والثقافة كما كانوا يشدد ون في اختيار من تؤهله صفاته العقلية والحسية ومواهبه الأخرى المناسبة لشغل الوظائف وكان السلطان رأس الحكم ومركزه وقوته الدافعة وأداة توحيده وتسييره وهو الذي يصدر الأوامر المهمة والتي لها صبغة دينية وكان يحرص على كسب رضاء الله وعلى احترام الشرع الإسلامي المطهر فكان العثمانيون يحبون سلاطينهم مخلصين لهم متعلقين بهم فلم يفكروا لمدة سبعة قرون في تحويل السلطة من آل عثمان إلى غيرهم .ولكن الأمور لم تستمر على المنهج نفسه والأسلوب الذي اتبعوه منذ بزوغ نجمهم في صفحات التاريخ المضيء فقد بدأ الوهن والضعف يزحف إلى كيانهم .
وبعد ذكر أسباب السقوط والانحطاط …لا بد أن نذكر شيئاً عن إيجابيات الدولة العثمانية
لا شك أن الدولة العثمانية لم تسلم من أخطاء بل أخطاء فادحة،كانت سببًا في زوال الدولة: وإن من يدرس ، بإنعام نظر ، كل سبب من هذه الأسباب التي سوف تذكر.. لا يعجب من انهيار هذه الدولة العظيمة تحت سياط هذه الضربات بل يعجب كيف استطاعت أن تعيش ستمائة سنة وهي تتحمل هذه الضربات القاسية ….
وترجع هذه الأسباب في نظري إلى :
1/ مخالفة منهج الله .فالدولة العثمانية منذ أن قامت كانت العاطفة الإسلامية جياشة قوية ، فلما تبعها التربية الإسلامية والتدريب السليم للنظام العسكري الجديد كانت القوة وكان الفتح وكان التوسع ، فلما ضعفت التربية الإسلامية زادات أعمال السلب والنهب والفسق والفجور واستمر الانحراف وظهرت حركات العصيان وفقدت الدولة هيبتها بسبب انصراف السلاطين إلى ملاذاتهم
2/ تشجيع الصوفية:
3/ عدم اتخاذ الإسلام مصدرًا أساسيًا للتشريعات والقوانين والأنظمة التي تسير عليها الدولة،فكثرت إصدار التشريعات والقوانين الوضعية فيما سمي بالتجديدات وذلك بسبب الضغوط الأوروبية…
4/الحروب الصليبية التي شنت على الدولة والتي لم تنقطع منذ ظهورها إلى يوم انهيارها والكلام هنا يطول ويكفي التلميح إلى الحملة الفرنسية على مصر والحملة الفرنسية على الجزائر والتوسع الروسي في بلاد قفقاسيا وتهجير سكانها من داغستان وشاشان وشراكس عام 1282 هـ . والحملة الإنكليزية على مصر وعدن واستيلاء الطليان على طرابلس الغرب .
أما المناوشات والغزوات العسكرية والحركات الانفصالية التي أشعلتها الصليبية العالمية في ممتلكات العثمانيين في أوروبا فهي من الأهمية بمكان إذ لم يخل عهد سلطان منها
5/ توسع رقعة الدولة :
شغلت الدولة في أوج قوتها وتوسعها مساحة من الأرض تزيد عن أربعة عشر مليونا من الكيلومترات والأمر يختلف عما هو علية في وقتنا الحاضر إذ أن سياسة دفة الحكم في عهد كانت مواصلاته وسائلها الدواب والعربات وبريدها يستغرق الشهور الطويلة والسنين ، وقد تحصنت بالحواجز الطبيعية من أنهار وبحار وجبال وغيرها . والظن أن إعلان الحركات المتمردة والعصابات المتكررة فيها ربما يكون في غاية السهولة كما أن إخمادها أيضاً في غاية الصعوبة . ولم تحتفظ الدولة بتماسكها على الرغم مما أصابها من زلازل ونكبات طيلة ستة قرون إلا بفضل عامل الدين ورابطة العقيدة على الرغم من ظهور من استهان بها ورفع رأسة هنا وهنالك ولكن لم يتجرأ على إعلان بترها أو إلغائها إذ أن رابطة العقيدة أهم عامل حاسم في كيان الأمم وقد استطاعت تلك الرابطة أن تجمع بين الترك والعرب والكرد والشركس والشاشان والداغستان وغيرهم لقرون طويلة حتى قام أعداء هذا الدين وفرقوا شتات الأمة الواحدة بإثارة العصبية الإقليمية التي وصفها الرسول e بأنها منتنة .
يقول العلامة ( عبد الرحمن بن خلدون ) والمتوفى في عام 808 هـ . في مقدمته العظيمة التي أسماها ( كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر ) : أن الدول القديمة المستقرة يفنيها شيئان : أولهما أن تنشأ مطالبة من الأطراف ، وهذه الولايات التي تطالب بالاستقلال لا تبدأ بمطالبها إلا إذا تقلص ظل الدولة عنهم وانحسر تيارها ، واما السبب الثاني لانقضاء الدولة المستقرة فيأتي من دعاة وخوارج في داخل هذه الدولة المستقرة ، فيبدوان بالمطالبة ( أولا ) بمطالب صغيرة وليست ذات بال ، ويكون لهؤلاء الدعاة السلاح النفسي الوهمي والمطاولة في طلب الحقوق التي تبدأ صغيرة ثم تنتهي إلى مقصد هيبة الدولة ونظامها ، ولعل أكثر ما يساعد هؤلاء الخارجين على نظام الدولة هو ما يحصل من فتور في همم اتباع هذه الدولة المستقرة ، وفي لحظة من اللحظات وعندما تتضح هرم الدولة المستقرة وتضمحل عقائد التسليم لها من قبل قومها مع انبعاث همم المطالبين بأشياء وأشياء في داخلها ، عندئذ تكتب سنة الله في العباد سطرها الأخير في كتاب العلم الإلهي ، وهذا السطر يفيد بزوال الدولة المستقرة وفناء عمرها ، لأن خللا وافر أقد غزا جميع جهاتها ، ويتضح ذلك للمطالبين من الأطراف ، أو في داخل هذا الخلل الذي اسمه الدولة ، عندها ينكشف ما خفي من هرمها واقتراب تلاشيها ، وفي تلك الاوقات من حياة الأمة المعنية ، يبدأ المرحلة الأخيرة من المناحرة والتي نتيجتها تكون مؤكدة : نشوء دول جديدة مستحدثة وأنظمة على أنقاض الدولة الفانية التي ( كانت ) مستقرة . وكلام العلامة ( أبن خلدون ) هذا ينطبق اكثر ما ينطبق على الدولة العثمانية ، ففي اتساعها وضم أقاليم عديدة تحت لوائها وحكمها ، كان المقتل وكان الخلل من حيث كان يعتقد أن في هذا منتهى القوة والمنعة ،خاصة أن نحن علمنا أن هذه الأقاليم والأمصار تضم قوميات عديدة
6/التخلف العلمي :
وهو الذي لا يزال قائماً حتى اليوم وعلى الرغم من مرور أكثر من نصف قرن على الحركة العلمانية الكمالية التي عزته إلى التمسك بالدين . عن العثمانيين قد جاءوا إلى بلاد الأناضول بدواً ولم يتحضروا بل شغلتهم الحروب ولم ينصرفوا إلى العلم بسبب الانشغال بالفتوحات والحروب المستمرة في كل الجبهات ، ولم يسمح لهم الأوروبيون بالاتفات إلى العلم ولا إلى التخطيط لذا استمروا في طبيعة البداوة فأبدوا انتصارات وقدموا خدمات ، والفرق بينهم وبين الاستعمار أن الاستعمار يحرص على تقدم بلاده على حين يبذل جهده في بقاء سكان المناطق التي يحتلها على حالة من الجهل والتخلف أما هم فكانوا وغيرهم من هذه الناحية على حد سواء . وحينما انهزمت الدولة عام 1188 هـ . الموافق 1774 م انتبهت قليلاً وبدأ سليم الثالث بالإصلاح وإنشاء المدارس الجديدة وكان هو نفسه يعلّم في مدرسة الهندسة وألف جيشاً حديثاً حتى ثار عليه الجيش القديم وأغتاله . وقد مكن ذلك التخلف الغرب من التفوق المادي فاخترع الأسلحة الحديثة ووسائل الصناعة وبدأ عصر الآلة والبخار والكهرباء وانطبق قول الله عز وجل : ] كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلاًّ ولا ذمة [ . فظهروا على المسلمين بعد أن كانت لهم الغلبة ولم يتورعوا في استخدام ما توصلوا إليه من أسلحه الدمار والخراب ضدهم وحاولوا التشكيك في عقيدتهم وتاريخهم ، ولو أن صلابة الروح بقيت كما كانت سابقاً لما تمكن أعداء هذا الدين من أهله كما يتمكنون منهم اليوم فقد كانت حروبهم الصليبية تباعاً ولم تتوقف أبدا ولكنهم تصطدم بصخرته المنيعة الصلبة فتتحطم حملاتهم وتتبعثر جيوشهم وتذهب مكائدهم أدراج الرياح . وقد عبأ الإسلام هذه الأمة مادياً ومعنوياً فقال تعالى : ] وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل .. [ . وقد حذّرنا القرآن منهم فقال جلّ وعلا : ] ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردّوكم عن دينكم إن استطاعوا [ . ولكن الصليبيين تمكنوا من بث أفكارهم بدل العلوم والصناعة …
7 / كان العثمانيون يكتفون من البلاد المفتوحة بالخراج ، ويتركون السكان على وضعهم القائم من العقيدة واللغة والعبادات ، إذ يهملون الدعوة والعمل على نشر الإسلام وإظهار مزايا الإسلام من المساواة والعدل والأمن وانسجامه مع الفطرة البشرية
8/ ضعف الدولة العثمانية في أواخر عهدها جعل الدول الأوروبية تتآمر عليها فأثاروا ضدها الحركات الانفصالية السياسية والدينية ، كما استغل دعاة القومية والصهيونية هذا الضعف مما جعلهم يقومون بحركات لتقويض هذه الدولة .
9/ الحركات الانفصالية والتمردات المحلية :
نتيجة للتفوق الصليبي قام أوروبا بحبك المؤامرات ضد المسلمين ودفعوا الدمى المصطنعة من طلاب الزعامة وغذوا أوكار الحاقدين والجهلة وشجعوا على العصيان .
أصبح سفراء الدول الغربية يتدخلون في الشؤون الداخلية والسياسية الخارجية للدولة…حتى وصل الأمر بهم أن هددوا الدولة العثمانية بقطع العلاقات لدولهم إذا قامت الدولة بأي إجراء انتقامي ..خاصة لدول البلقان..
أما في جهات الشرق فكان خصوم العثمانيين التقليديين يشعلون الثورات بين الحين والآخر ، ولعل أهم الحركات الانفصالية التي أضعفت الدولة كانت حركة محمد علي باشا في مصر .
وأخيراً تأتي دعوة الإمام محمد بن عبدالوهاب ـ أو كما يطلق عليها أغلب كتاب التاريخ الحديث الحركة الوهابية ـ التي قامت في الجزيرة العربية ! ويضعها بعض الكتاب ضمن أسباب ضعف الدول العثمانية…وهي كذلك ولكن ليس من الوجه التي يقصدونها..وإنما بسبب قضائهم على الدولة السعودية الأولى التي قامت على التوحيد..وكانوا سببًا في القضاء عليها..فقد يكون عقابًا من الله تعالى وانتقامًا لها بسقوط هذه الدولة العثمانية
10/ الامتيازات التي كانت تمنح للأجانب اعتباطاً بسخاء وكرم لا مبرر لهما بل كانت تمثل التفريط بحق الوطن في اقبح صورة ، فقد منحت الدولة العثمانية ، وهي في أوج عظمتها وسلطانها ، امتيازات لدول أجنبية جعلتها شبة شريكة معها في حكم البلاد . ولا أرى سبباً لهذا الاستهتار ألا الجهل وعدم تقدير الأمور قدرها الحقيقي وتقدير قوة ودهاء الدول التي منحت هذه الامتيازات والعاقل لا يستهين بعدوه مهما كان صغيراً وضعيفاً .
وهي من التساهلات التي يمكن أن تعد أخطاء نظراً لنتائجها التي ظهرت بعد حين وقد منحت تلك الحقوق للأجانب أولاً ثم لبعض السكان المحليين فيما بعد وقد أراد السلطان سليمان القانوني أن يعيد الطريق التجاري إلى البحر المتوسط بعد أن تحولت إلى رأس الرجاء الصالح وذلك بإعطاء امتيازات وعقد معاهدات مع الإيطاليين ثم الفرنسيين والإنكليز ليشجعهم على الإبحار عن هذه الطريق ولكن أولئك النصارى جميعاً كانوا يبدون للسلطان رغبتهم في التحول ويعملون على الكيد له في الخفاء . هذه الاتفاقيات ظنها السلطان سليمان لا قيمة لها ما دامت القوة بيده حيث يلغيها متى شاء ويمنحها متى أراد والواقع أن الضعف الذي أصاب الدولة قد جعل من هذه الاتفاقيات قوة لهؤلاء الأجانب أولاً ولرعاياهم النصارى من سكان ومواطني الدولة العثمانية ثانياً . وكانت الامتيازات في البدء بسيطة ولكن نجم عنها تعقيدات كثيرة فيما بعد .
( منظمة التجارة العالمية الآن بقوانييها التي سوف تحكم العالم تجعل من حق الشركات أن تقيم مصانعها في أية بقعة من العالم،وأن تأتي بالعمالة الرخيصة من أيه بقعة من العالم،وأن تخرج عوائدها إلى البلد الذي تريد ومن البلد الذي تريد…
وقد حولت الامتيازات إلى اتفاقات ثنائية فأصبح بإمكان السفن الفرنسية دخول الموانئ العثمانية تحت حماية العلم الفرنسي ومنح الزوار حرية زيارة الأماكن المقدسة والإشراف عليها وحرية ممارسة الطقوس الدينية هناك . ثم أصبح مع مرور الزمن وكأنها حقوق مكتسبة ثم توسعت وشملت بعض السكان المحليين كالإعفاء من الضرائب والاستثناء من سلطة المحاكم الشرعية العثمانية والتقاضي في محاكم خاصة سموها المحاكم المختلطة وقد لعبت دورا كبيرا فيما بعد . وأصبح لروسيا مثلاً بموجب معاهدة كينارجي حق بناء كنيسة باستانبول وحق حماية النصارى التابعين لمذهبها الأرثوذكسي من رعايا الدولة ، وفي عهد السلطان عبد المجيد تقرر منح أهالي لبنان حكومة مستقلة تحت سيادة الدولة العثمانية يكون حاكمها نصراني ويكون للباب العالي حماية مؤلفة من 300 جندي فقط ترابط على الطريق الموصل بين دمشق وبيروت ، وبذلك تشجعت أقليات أخرى ، وطالب النصارى في البوسنة بتحريض أجنبي الحصول على امتيازات فقاومتهم الدولة ولكنهم لم يركنوا للهدوء وازدادوا من عصيانهم بدعم أوروبا لهم . لقد ساعدت الامتيازات على إشعال بؤر الفتن وأربكت الدولة وشغلتها عهوداً طويلة واتخذت ذريعة لتدخل الدول بحجة حماية الرعايا وبالتالي الاحتلال والعدوان .
11/ الغرور الذي أصاب سلاطين بني عثمان الذين فتحت لهم الأرض أبوابها على مصراعيها يلجونها كما يشاءون . وإن من يقرأ كتاب الملك سليمان القانوني إلى ملك فرنساء لايجد فيه ما يشبه كتاب ملك إلى ملك أو إمبراطور عظيم إلى ملك صغير او حتى إلى أمير ، بل يجده وكأنة كتاب سيد الى مسود ومن يطالع صيغ المعاهدات ، في أوج عظمة الدولة ، وما كان يضفى فيها على سلاطين بني عثمان من ألقاب يكادون يشاركون بها الله تعالى في صفاته بينما تكون ألقاب الأباطرة والملوك عادية ، أقول إن من يطالع صيغ هذه المعاهدات يدرك إلى أي حد بلغ بهؤلاء السلاطين الجهل والغرور
12/الجيش الإنكشاري :
هو الجيش الذي أنشأه السلطان أو رخان باختيار أفراد ه من أبناء البلاد الأوروبية المفتوحة وتلقينهم مبادئ الدين الإسلامي ووضعهم في ثكنات عسكرية خاصة وتدريبهم على فنون الحرب والقتال . ولقد أبلى ذلك الجيش بلاء حسنا في كافة المعارك التي خاضها العثمانيون إبان قوتهم فكانوا يندفعون كالأسود في ساحات القتال وكان لهم الفضل في ترجيح كفة النصر في المعركة الحاسمة يوم فتح القسطنطينية وغيرها من المعارك الشهيرة . ثم مع مرور الزمن بدأ الوهن يتسرب إلى صفوفهم عندما عاشوا بين المدنيين وكثرت تعدياتهم بصفتهم العسكر المختص بهم السلطان.
فما اختلط الجند بأهل المدن إلا وقد فسدت طبيعتهم وتغيرت أخلاقهم وتبدلت مهمتهم وأصبح البلاء في وجه الحكم منهم والعداء للسكان من أعمالهم وصاروا يتدخلون في شؤون الدولة وتعلقت أفئدتهم بشهوة السلطة وانغمسوا في الملذات والمحرمات وشق عليهم أن ينفروا في أوقات البرد الشديد ونظروا إلى العطايا السلطانية ومالوا إلى النهب والسلب حين غزو البلاد . فأثاروا الاضطرابات يريدون الحروب ولو كان جحيمها يصب فوق رؤوسهم ليواصلوا نهب البلاد المفتوحة، وأصبحوا ينقضون العهود ويخرقون الهدنة للذين تمت معهم عن طريق السلطان..
وبذلك نسوا الغاية التي وجدوا من أجلها . لقد كانت فاتحة أعمال السلطان مراد الثالث عام 982هـ . هي إصدار أمر بمنع شرب الخمور فهاجوا وماجوا حتى اضطروه لإباحته ضمن شروط لخوفه من نقمتهم .
وهكذا فإن الجيوش لا تهزم إلا حينما تترك عقيدتها ولا تلتزم بمبادئها .
إن وثوب الانكشارية إلى مركز القيادة في الدولة العثمانية جعلها في حالة خطيرة من الفوضى فصاروا هم الأمرون والناهون والسلطان ألعوبة بأيديهم فظهر الفساد وضاعت البلاد . ثاروا في استانبول والقاهرة وبودا ،يطالبون بإشعال الحروب حينما اقتضت المصلحة ألا تكون هناك حروباً . وقد أشار سنان باشا عام 997 هـ . إلى إشعالها بمحاربة المجرمين تحت إلحاح شديد من قبلهم وكانت النتيجة انهزام والي بودا العثماني ومقتل حسن باشا والي الهرسك وسقوط عدة قلاع عثمانية بأيدي النمسا . وفي عام 1027 هـ . حاول السلطان عثمان إبادتهم بإعداد العدة لحشد جيوش جديدة في ولايات آسيا الصغرى وتدريبها وتنظيمها ولما حاول ذلك خلعوه وقتلوه وأعادوا مصطفى الأول الذي خلعوه عام 1032 هـ .
أيضاً وهذه هي نهاية كثير من المصلحين حينما يتاح للجيوش الفاسدة أن تكتب أقدار الأمم .
واستمر الانكشارية في عهد السلطان مراد الرابع سنوات عشر سائرين في طريق الضلال سادرين في غيهم وطغيانهم فهم الذين نصبوه فالأمر والنهى يجب أن يكون لهم ما دام رأس الدولة بأيديهم . وهم الذين قاموا بقتل السلطان إبراهيم الأول خنقاً حينما حاول التخلص منهم ، وهم الذين اربكوا الدولة إذ وضعوها في حالة من الفوضى بقتلهم السلاطين وتولية أولادهم الصغار السن من بعدهم كالسلطان محمد الرابع ، فقام الإفرنج باحتلال أجزاء من البلاد فاضطر الصدر الأعظم والعلماء إلى عزله . ثم ثار الانكشارية في عهد السلطان سليمان الثاني ودخلت جيوش الأعداء بعضاً من أراضي الدولة واحتلتها . وخلع الانكشارية السلاطين مصطفى الثاني ، أحمد الثالث ، مصطفى الرابع ، إلى أن قيض الله للسلطان محمود الثاني عام 1241 هـ . التخلص منهم فقد هيأ لذلك وسلط عليهم المدفعية فدمرتهم وانتهى أمرهم .
13/ كما ان السلاطين العثمانيين تعوّد أغلبهم بعد عهود المجد والقوة أن لا يقودوا الجيوش بأنفسهم وتركوا الأمر لقواد قد يكون بعضهم غير كفء فانهزموا في مواقع كثيرة وتضاءل الحماس والحمية الدينية لغياب السلطان عن مركز قيادة الجيش كما كان يحدث سابقاً .
14/ احتجاب السلاطين وعدم ممارستهم السلطة بأنفسهم والاتكال على وزراء جهال . فقد كان سلاطين آل عثمان حتى السلطان سليم الأول يتولون قيادة الجيش بأنفسهم ، فيبعثون الحماسة والحمية في صدور الجنود ، ثم صار السلاطين يعهدون بالقيادة إلى ضباط فصار الجنود يتقاعسون ويتهاونون تبعاً للمثل القائل ’’ الناس على دين ملوكهم ‘‘
15/ وتسليم أمور الدولة إلى غير الأكفاء من الناس إذ كان طباخ القصر وبستانية وحاطبة والخصي والخادم يصلون إلى رتبة رئاسة الوزارة أو القيادة العامة للجيش . فماذا ينتظر من جاهل أن يفعل ؟
16/ زواج السلاطين بالأجنبيات وتسلط هؤلاء الأجنبيات على عواطف أزواجهن وتصريفهم في سياسة بلادهن الأصلية وتحكمهن بمقدرات الدولة . فكم من الملوك قتلوا أولادهم أو إخوانهم بدسائس زوجاتهم وارتكبوا أعمالاً تضر بمصلحتهم إرضاءً لزوجاتهم .هذا علاوة على زواج بعض السلاطين من الأوروبيات فيه إساءة للأمة.
17/ تعدد الزوجات والمحظيات اللواتي كان الأجانب والحكام يقدمونهن هدية للسلطان كأنهن السلع أو التحف واللواتي كان السلاطين إذا رأوا كثرتهن في قصورهم يهدونهن أحيانا إلى قادتهم أو خواصهم على سبيل التكريم . وكان من البديهي أن يحصل بين أولاد الأمهات وأمهات الأولاد ، سواءً أكانت الأمهات زوجات أو محظيات ، تحاسد وتباغض يؤديان إلى قتل السلاطين أولادهم وإخوانهم والى أمور غير معقولة ومقبولة عقلاً وشرعاً .(وسوف نوضح ذلك أكثر في النقطة التالية)
18/ تفكك روابط الأسرة السلطانية بسبب كثرة النساء حتى أصبحت عادة قتل السلطان إخوانه أو أولاده ، يوم يتولى العرش ، أمراً معروفاً ومألوفاً . وكأنه يضحي بخراف احتفاء بهذا اليوم من غير أن يشعر بوخز ضمير أو لسعة ألم .
قانون (قتل الأخوة)
أما العادة السيئة الأليمة وهي عادة قتل السلاطين لابنائهم وإخوانهم وهي المنافية للإنسانية وإن وجدت لها مبررات واهنة فقد أودت بأرواح الأطفال والأبرياء بلا ذنب ، سوى خوف المنازعة في الملك فيما بعد وحرمت الأمة من رجال قد يكون منهم أفذاذا وعباقرة ، فحل محلهم رجال احتلوا مناصب رفيعة في الدولة وفي قيادة الجيوش من بلاد أوروبا العثمانية تظاهر بعضهم الإسلام و أبطن الكفر وعاد بالدمار والهزيمة إلى البلاد
تمثل هذا الإجراء العرفي الذي اختطفه بايزيد الأول،وتحول على يد محمد الفاتح إلى قانون ثابت،ومفاد هذا القانون الإجازة للسلطان المتولي للعرش أن يقدم على تصفية الأمراء المنافسين وذلك بالاتفاق مع هيئة العلماء… وهذه سياسة قوامها تغليب المصلحة السياسية العليا للدولة المتمثلة بحفظ وحدة كيانها السياسي في مواجهة ما يترتب على اعتماد مبدأ وراثة الملك من إختلالات تكوينية توفر المناخ المناسب لا تجاه تفكيك كيان الدولة عند انتقال السلطة من الأب إلى الأبناء.
وبعد قرن من الزمان جرى استبداله بقانون آخر قضى بالتخلي عن سياسة التصفية الجسدية والاكتفاء بسياسة سجن جميع الأمراء ـ عداء أبناء السلطان الحاكم ـ في مقاصير خاصة ومنعهم من كل اتصال بالعالم الخارجي.
ثن تعرض هذا القانون لتعديل..حيث أوجب قانون جديد:إلزامية انتقال العرش حين خلوه إلى أكبر الأحياء من الذكور من الأسرة العثمانية. لقد ترتب على تنفيذ هذا القانون وخلال قرن ونيف إلى اعتلاء الأخوة والأعمام وأولاد العم منصب السلطان وهم غالبتهم من سجناء الأقفاص،وبالتالي فقد تبوأ مركز السلطان أفراد يفتقدون أبسسط شروط هذا المركز…
ولذا فقد كان أفراد الأسرة السلطانية يعيشون في خوف مستمر ويتربص بعضهم بالبعض الآخر الدوائر ولا يبالون بأن يشقوا عصا الطاعة في وجه السلطان سواءً أكان أخاً أم أباً أم ابناً وذلك ليس حباً بالسيطرة فقط بل لإنقاذ أعناقهم أحياناً من الغدر .
السلطان سليمان أثرت فيه زوجته (روكسلانا)
= تدخل نساء القصر بالسياسة وشفاعتهن لدى أزواجهن السلاطين برفع الخدم إلى منصب الوزراء أو إيصال المتزلفين إلى مراتب الحل والعقد ، كرئاسة الوزارة وقيادة الجيش . وفي كثير من الأحيان لا يكون لهؤلاء الرجال من ميزة يمتازون ألا تجسسهم لحسابهن .
يمكن أن نعد ما مر معنا أهم العوامل التي آلت بالدولة العثمانية إلى الزوجات الأجنبية التي تزوج بها بعض السلاطين كالسلطان سليمان وغيره إذ قامت تلك بحبك المؤامرات في الخفاء بغية تنفيذ أغراضها . والانغماس في الترف والشهوات . وفي عهد السلطان أحمد الثالث عام 1115 هـ. عندما حاصرت الجيوش العثمانية قيصر روسيا بطرس الأكبر وخليلته كاترينا من قبل بلطه جي محمد باشا حدث ان قامت كاترينا بإغراء القائد العثماني بالجواهر واستمالته إليها فرفع الحصار عنهما فأضاع فرصة ثمينة للقضاء على رأس الدولة التي كادت للعثمانيين ولعبت دورا كبيراً جداً في إضعاف وزوال دولتهم .
19/ بقاء أولياء العهد مسجونين في دور الحريم فلا يرون من الدنيا شيئاً ولا يعلمون شيئاً ، وكثيراً ما كانوا لا يتعلمون شيئاً أيضا لأنهم لم يكونوا يدرون إلى ما سيصيرون فإما أنهم سيذهبون ضحية مؤامرة قبل أن يصلوا إلى العرش وإما أنهم يصلون لى العرش لكي يجدوا فئة من الناس تسيطر عليهم وتتحكم بهم أو يسحبون عن العرش ويقتلون أو تسيرهم نساء القصر أو يسيرهم جهلهم .
= الاختلاط بالجواري والغلمان لم تكن تربية عسكرية .
= سياسة القفص لا شك أنها مدمرة …
20/ خيانة الوزراء ، إذ أن كثيرًا من الأجانب المسيحيين كانوا يتظاهرون بالإسلام ويدخلون في خدمة السلطان ويرتقون بالدسائس والتجسس حتى يصلون إلى أعلى المراتب ، وقد أبدى السلطان عبد الحميد استغرابه من وفرة الأجانب الذين تقدموا إلى القصر يطلبون عملاً فيه حتى ولو بصفة خصيان وقال : لقد وصلني في أسبوع واحد ثلاث رسائل بلغة رقيقة يطلب أصحابها عملاً في القصر حتى ولو حراساً للحريم ، وكانت الأولى من موسيقى فرنسي والثانية من كيميائي ألماني والثالثة من تاجر سكسوني . وعلق السلطان على ذلك بقولة : من العجب أن يتخلى هؤلاء عن دينهم وعن رجولتهم في سبيل خدمة الحريم . فهؤلاء وأمثالهم كانوا يصلون إلى رئاسة الوزراة ، ولذا فقد قال خالد بك مبعوث أنقرة في المجلس العثماني بهذا الصدد : لو رجعنا إلى البحث عن أصول الذين تولوا الحكم في الدولة العثمانية وارتكبوا السيئات والمظالم بأسم الشعب التركي لوجدنا تسعين في المائة منهم ليسوا اتراكاً .
21/ وكذلك وصل هذا الحال إلى المؤسسات الدينية: فبعد انخراط شيخ الإسلام داخل منطق السلطة غدا باستطاعته أن يستثمر ما تتيحه السلطة من إمكانيات ووسائل فعالة بغية حيازة الثروات،وتوريث المناصب…لقد أدّت هذه الوضعية إلى ضمور شرعية هذا المركز سواء في نظر مراكز القوى الأخرى أو في نظر قوى المجتمع المختلفة.ففي مطلع القرن الثامن عشر 1703 م حصلت انتفاضة شعبية في استانبول ضد شيخ الإسلام لاحتكاره الوظائئف العليا لعائلته وقد أدّت الانتفاضة إلى عزل شيخ الإسلام ومن ثم إعدامه…
فتسرب الفساد إلى طبقة العلماء،حيث كانوا يأتون في الرتبة الثانية في الدولة بعد السلطان. …وكان القضاء لا يسير إلا بالرشوة.
ما حصل من تفكك وتفسخ للهئيات الإسلامية أصبح موضوعًا ينبغي إصلاحه والتصدي لسلبياته المختلفة،فقد جاء في الرسالة الإصلاحية لقوجي بيك الموجهة إلى السلطان مراد الرابع عام 1630 م جملة من التنبيهات الكاشفة لوضعية هذه المؤسسة وما يخترقها من نقاط اختلال متعددة الأوجه. فقد جاء في هذه الرسالة:
… حسب القوانين القديمة في زمن السلاطين الأسلاف،كان الشخص الذي يحتل منصب المفتي أولاً ومنصب قاضي عسكر الرومللي أو الأناضول يتم اختياره من بين الأشخاص الأكثر علمًا والأشد إيمانًا بالله. وطالما كان المفتي يقوم بواجباته لم يكن ليخلع من منصبه أبدًا ؛ لأن هذه الدرجة هي الأعلى في العلوم،والاحترام الواجب تجاهها مختلف عن سواه.وقديمًا كان المفتون ،عداء عن كونهم مصدر العلم،لا يخفون الحقيقة أبدًا عن السلاطين…ولكن العلم انطفأ حاليًا.والقوانين قلبت… ومؤخرًا فإن منصب المفتي قد أعطي لأناس ليست لهم الكفاءة بالتضاد مع القوانين والأعراف التي كانت متبعة سسابقًا،وكذلك الأمر بالنسبة لقضاة العسكر.وبيع المناصب انتقلت عدواة إلى الملازمين الذين ليسوا إلا كتاب بسطاء وإلى غيرهم من الأشخاص الذين يصيرون بواسطة المال مدرسين وقضاة …
22/ تبذير الملوك حتى بلغت نفقات القصور الملكية في بعض الأحيان ثلث واردات الدولة
( ويرى بعض الكتاب أن قصور العثمانين رغم فخامتها إلا أنها كانت أقل من قصور أمراء أوروبا…)
23/ مشكلة الديون :التي أقرضتها الدول الأوروبية للدولة العثمانية بسبب كثرة الانفاقات على الإصلاحيات.وفائدتها التي أصبحت أضخم من قيمة القروض.
وفخ الديون منهج أنتهجه الأوروبيون لنصبه ضد الدول الإسلامية منذ القرن التاسع عشرم .
وفخ الاقتراض من الدول الأوروبية (اقتراض ربوي طبعًا) وما يسببه الربا من دمار لهذه الدول الإسلامية.
هذه الأسباب هي التي قضت على الدولة العثمانية أنزلتها من شامخ عزها إلى حضيض المذلة والهوان . وإن من يدرس ، بإنعام نظر ، كل سبب من هذه الأسباب المذكورة آنفاً ويرى مدى تأثيره الواسع في المحيط الدولي لا يعجب من انهيار هذه الدولة العظيمة تحت سياط هذه الضربات بل يعجب كيف استطاعت أن تعيش ستمائة سنة وهي تتحمل هذه الضربات القاسية …. ، ولكنها عاشت بفضل اختلاف أعدائها على تقسيمها فيما بينهم وبفضل إيمان أهلها وتمسكهم …………

سقوط الخلافة وبداية العلمانيين
يعد عام 1908 م / 1326 هـ عامًا حزينًا في ضمير كل مسلم غيور ؛لأنه عام تهدمت فيه حقيقة الخلافة الإسلامية المتمثلة بالخلافة العثمانية،نحن لا ننكر أن ثمة جهلاً وبدعًا وأخطاء وغباء في أواخر عهد هذه الخلافة ـ كما مرّ معنا في النقاط السابقة ـ التي أصبحوا يسمونها بالرجل المريض،ولكن هذا شيء وتغيير النظام الإسلامي وجلب النظام الغربي الوضعي شيء آخر،وقد كانت الصهيونية وراء هذا الهدم وذلك لأن السلطان (عبدالحميد)رفض أن يحقق أطماعها في فلسطين وقد وصل يهود الدونمة إلى مناصب عالية في دولة الخلافة،وكان هؤلاء يظهرون الإسلام ويبطنون اليهودية ومنهم (مدحت باشا)الصدر الأعظم وهو ابن حاخام مجري !! كما كان منهم جمهرة الصحفيين الذين كانوا يغطون تطور الأحداث بقلم مزيف الوقائع،ويظهر للناس أن عبدالحميد مستبد ظالم زيرنساء،وقد تابعهم للأسف كثير من المؤرخين المسلمين.

مقدمات إلغاء الخلافة: فصل الدين عن الدولة:
= / الجمعيات والأحزاب السّرية : (وتعد من أسباب سقوط الدولة العثمانية)
ونذكر منها على سبيل المثال جماعة يهود الدونمة الذين التجئوا للبلاد العثمانية بعد الاضطهاد في الأندلس ونظموا أنفسهم محتفظين بعقائدهم متكيفين مع الوضع الجديد بإعلانهم الإسلام ظاهرياً ، فكانوا عوناً للصليبية على المسلمين وأداة تدمير في الأخلاق والدين وكانوا وراء حركات التمرد والثورات المسلحة ضد الدولة حتى انتهى بهم المطاف إلى قلب نظام الحكم في عهد السلطان عبد الحميد الثاني وفرض أحكام الكفر والابتعاد بالدولة شيئاً عن جادة الإسلام الصحيح .
قامت بعض الجمعيات بحركات ضد السلطان عبدالحميد،تحت أسماء مختلفة أهمها حركة تركيا الفتاة،وحركت حزب الاتحاد والترقي… فقد تكونت جمعية سرية في كلية الطب العسكري في استابول،وعرفت باسم جمعية الاتحاد والترقي…واكتسبت هذه الجمعية السرية كثيرًا من الأنصار،وانضم إليها أعضاء جمعية تركيا الفتاة،واتخذوا من جنيف مركزًا لقيادة الجمعية،وأنشأوا في باريس جريدة تمثل أراء الجمعية أسموها الميزان.
وهذا الحزب : حزب الاتحاد والترقي الذي شمل بعض اليهود في عضويته فقد ورط البلاد في حروب ونزاعات وأرغم قادته المسيطرون عليه الدولة على الانخراط في الحرب العالمية الأولى بعد أن قضوا على حكم عبد الحميد الذي أراد تقويم الانحراف ، وتبنوا الأفكار التي فرقت بين أبناء الدولة المسلمين وكانت الماسونية بالطبع من وراء تلك الجمعيات السّرية تحيك الدسائس والمؤامرات وتقيل عثراتها وتدعم قادتها .
.كما لا يخفى أخيراً الأزمة الاقتصادية الأوروبية ودورها في القرنين العاشر والحادي عشر والتي نجمت عن تزايد السكان الكبير الحاصل آنذاك .
ومع بداية القرن العشرين انتشرت جمعيات سرية كثيرة،وخاصة في سالونيك،باسم الوطن والحرية، تتعاون مع جمعية الاتحاد والترقي، لمعارضة الحكومة العثمانية، وتمكنت هذه الجمعيات أخيرًا من الثورة سنة 1326 هـ وإسقاط السلطان عبدالحميد 1327 هـ
( وكانت البداية لهذا الاقتراح من مصطفى كمال، فقد بدأ بتهديد ووعيد…
وبهدم الخلافة انفصلت الدولة وتنظيماتها وأشكالها ومسارها عن الدين لأول مرة في تاريخ الإسلام… فوقف أتاتورك يقول وهو يفتتح جلسة البرلمان التركي عام 1923 م:نحن الآن في القرن العشرين لا نستطيع أن نسير وراء كتاب تشريع يبحث عن التين والزيتون)
ـ وما أشبه الليلة بالبارحة، وما أكثر ذيول أتاتورك في بني جلدتنا.وسرت في العالم الإسلامي الكبير فكرة مشوشة باهتة عن صلة الإسلام بالحياة وأصبحنا نلتقي ونسمع يوميًا بكثير من المثقفين المسلمين يُقرِّون هذا الفعل أو يشككون في بعض معطيات الإسلام،أو يعتقدون أن بعضها لا يناسب مدينة القرن العشرين ـ
كما كان للماسونية دور كبير في الترتيب لهدم الخلافة،تقول دائرة المعارف الماسونية(إن الانقلاب التركي الذي قام به الأخ العظيم مصطفى كمال أتاتورك أفاد الأمة فقد أبطل السلطنة وألغى الخلافة وأبطل المحاكم الشرعية وألغى دين الدولة الإسلام.أليس هذا الإصلاح هو ما تبتغيه الماسونية في كل أمة ناهضة فمن يماثل أتاتورك من رجالات الماسون سابقا ولا حقا؟
بداية العلمانيين ونهاية الخلافة
فقد قام الاتحاديون بتوجيه الدولة وجهة قومية لادينية ، ولما احتل الإنجليز استانبول ( الآستانة ) وأصبح المندوب السامي البريطاني والجنرال هارنجتون ( القائد العام لقوات الحلفاء في استانبول ) هما أصحاب السيادة الفعلية ظهر مصطفى كمال باشا بمظهر المنقذ لشرف الدولة . ولد عام 1299هـ كان والدة كما يقول ( مصطفى كمال ) : رجلا ضائع الفكر يقاوم علماء الدين ويؤيد الأفكار التي تتسرب من الغرب وتشبث بها . فنشأ انبه على ذلك وتأثر بأفكار نامق كمال ذو الآراء الملتزمة ، وطالع العديد من الكتب عن الثورة الفرنسية وازداد إعجابه بنابليون قام بتأليف جمعية سرية . الوطن في دمشق . ففشلت .فانضم إلى جماعة الاتحاد والترقي في سالونيك . اكتسب الكثير من طبائع الغرب وبهرت أنظاره وافتتن بحضارة ومعاييرها الفنية والاجتماعية . واهتم بحرية الجنس والعلاقات بين الرجل والمرأة . وفي عام 1377هـ /عين قائداً لأحد الجيوش في فلسطين حيث قام بإنهاء القتال مع الإنجليز فوراً وبصورة تامة وسمح للعدو بالتقدم شمالاً دون مقاومة وسحب قواته شمالاً بعد حلب حسب مخطط متفق عليه .
لقد قام مصطفى كمال باستثارة روح الجهاد في الأتراك ، ورفع القرآن ، ورد اليونانيين على أعقابهم ، في موقعة سقاريا عام 1921م ، وتراجعت أمامه قوات الحلفاء بدون أن يستعمل أسلحته ، وأخلت أمامه المواقع ولعلها كانت بداية الطعم لإظهار شخصية مصطفى كمال ، وجعلها تطفو على السطح تدريجياً فقد ابتهج العالم الإسلامي وأطلق عليه لقب الغازي الذي كان ينفرد به سلاطين آل عثمان الأول ، ومدحه الشعراء وأشاد به الخطباء . فأحمد شوقي قرنه بخالد بن الوليد في أول بيت من قصيدة مشهورة :
الله أكبر كم في الفتح من عجب يا خالد الترك جدد خالد العرب
فكان الناس إذا قارنوا كفاح مصطفى كمال المظفر ، باستسلام الخليفة القابع في الآستانة ، مستكينا لما يجري عليه من ذل ، كبر في نظرهم الأول ، بمقدار ما يهون الثاني . وزاد سخطهم على الخليفة ما تناقلته الصحف بإهدار ه دم مصطفى كمال واعتباره عاصياً متمرداً . ولم يكن مصطفى كمال في نظرهم إلا بطلا مكافحا يغامر بنفسه لا ستعادة مجد الخلافة ، الذي خيل إليهم أن الخليفة يمرغه في التراب تحت أقدام الجيوش المحتلة. ولكنه لم يلبث غير قليل حتى ظهر على حقيقته ، صنيعه لأعداء الإسلام من اليهود والنصارى وخاصة إنجلترا ، التي رأت أن إلغاء الخلافة ليس بالأمر الهين ، وإن ذلك لايمكن أن يتم دون اصطناع بطل .
وفي عام 1341هـ / 1923م أعلنت الجمعية الوطنية التركية قيام الجمهورية في تركيا ، وانتخبت مصطفى كمال أول رئيس لها وفصل بذلك بين السلطة والخلافة ، وتظاهر بالاحتفاظ مؤقتا بالخلافة . فاختير عبد المجيد بن السلطان عبد العزيز خليفة ، بدلا من محمد السادس الذي غادر البلاد على بارجة بريطانية إلى مالطة ، ولم يمارس السلطان عبد المجيد أي سلطات للحكم . وفي عام 1342هـ / 1924م قدم مصطفى كمال أعظم هدية للغرب ، وهي إلغاء الخلافة ، التي كانت في اعتبار المسلمين جميعا عقدة الصلة والرابطة الوثيقة ، بحسبانها قوة خاصة لهم في مواجهة الغزو الغربي ، والصهيوني ثم الشيوعي . وأخراج السلطان عبد المجيد من البلاد ، وأعلن دستور ا جديدا لتركيا ، وبدأ حكم كمال أتاتورك كرئيس للجمهورية التركية رسميا . فأثار بذلك موجة من الاستياء الشديد عمت العالم الإسلامي . فشوقي الذي مدحه سابقا بكى الخلافة ، وهاجم مصطفى كمال في عنف ، لا يعدله إلا تحمسه له بالأمس ، فيقول :
بكت الصلاة وتلك فتنة عابث بالشرع عربيد القضاء وقاح
أفتى خز عبلة وقال ضلالة وأتى بكفر في البلاد بواح
وبسقوط الخلافة بدأت تركيا تنقل بقوة على يد أتاتورك إلى الأنسلاخ من العالم الاسلامي بإعلان علمانية الدولة ،وتغير كل الرموز الاسلامية ،مثل إلغاء الشريعة الاسلامية وإحلال القنون السويسري محلها ،وإعلان سفور المرأة بدلاًعن الحجاب ،وإلغاءالأوقاف الاسلامية،وكتابة اللغة التركية بالحروف اللاتنية بدلاًمن الحروف العربية ،وبالتالي فقد تم مسخ الروح الإسلامية في تركيا ،ويسعى أتاتورك إلي الحاق بذيل الحضارة الغربية.
ولقد أثر سقوط الخلاقة الإسلامية في مارس1924م،ومنقبلة فصل الخلافة عن السلطة العام 1922م جدلاًواسعاً في الأوساط الفكرية،مابين مؤدي لسقوط الخلافة ،ومعارض لها،فالتوجه العلماني يرى ان سبيل التقدم يتحقق في سقوط الخلافة ،في حين ان التيارالأصلاحي يرى النهضة الامة الأسلامية لايمكن أن يتحقق في سقوط الخلافة

وبعد أن ذُكرت أسباب السقوط والسلبيات ،فلا بد من ذكر الايجابيات
إيجابيات الدولة العثمانية وصور مشرقة
1. توسيع رقعة الأرض الإسلامية ، إذ فتح العثمانيون القسطنطينية وتقدموا في أوروبا مما عجز المسلمون من قبلهم منذ أيام معاوية t وساروا فيها شوطاً بعيداً حتى وقفوا على أبواب فيينا وحاصروها أكثر من مرة دون جدوى .
2. الوقوف في وجه الصليبيين على مختلف الجبهات فقد تقدموا في شرقي أوروبا ليخففوا الضغط عن المسلمين في الأندلس كما انطلقوا إلى شمال البحر الأسود ودعموا التتار ضد الصليبيين من الروس هذا فضلاً عن التصدي للإسبان في البحر المتوسط والبرتقاليين في شرق إفريقيا والخليج ، ولم يوفقوا في حملاتهم وذلك يرجع لعدم تكاتف المسلمين والتفافهم حولهم .
3. عمل العثمانيون على نشر الإسلام ، وشجعوا على الدخول به ، وقدموا الكثير في سبيل ذلك وعملوا على نشر في أوروبا وعملوا على التأثير في المجتمعات التي يعيشون بينها .
4. إن دخول العثمانيين إلى بعض الأقطار الإسلامية قد حماها من بلاء الاستعمار الذي ابتلت به غيرها في حين أن المناطق التي لم يدخلوها قد وقعت فريسة للاستعمار باستثناء دولة المغرب .
5. كانت الدولة العثمانية تمثل الأقطار الإسلامية ، فهي مركز الخلافة ، لذا كان المسلمون في كل مكان ينظرون إلى الخلافة وإلى الخليفة نظرة احترام وتقدير ، ويعدون أنفسهم من أتباعه ورعاياه ، وبالتالي كانت نظرتهم إلى مركز الخلافة ومقرها المحبة والعطف وكلما وجد المسلمون أنفسهم في ضائقة طلبوا الدعم من مركز الخلافة كما كان الخلفاء .
6. وكانت الخلافة العثمانية تضم أكثر من أجزاء البلاد الإسلامية فهي تشمل البلاد العربية كلها باستثناء المغرب إضافة إلى شرقي إفريقيا وتشاد وتركيا وبلاد القفقاس وبلاد التتار وقبرص وأوروبا بحيث وصلت مساحتها حوالي 20 مليون كيلومتر مربع .
7. كانت أوروبا تقابل العثمانيين على أنهم مسلمون لا بصفتهم أتراكاً ، وتقف في وجههم بحقد صليبي وترى فيهم أنهم قد أحيوا الروح الإسلامية القتالية من جديد ، أو أنهم أثاروا الجهاد بعد أن خمد في النفوس مدة من الزمن ، وترى فيهم مداً إسلامياً جديداً بعد أن ضعف المسلمون ضعفاً جدياً وتنتظر أوروبا قليلاً لتدمرهم ، والأتراك العثمانيون حالوا بينهم وبين المد الصليبي في الشرق والغرب الإسلامي ، الأمر الذي جعل أوروبا تحقد على العثمانيين وتكرههم .
8. كانت للعثمانيين بعض الأعمال الجيدة تدل على صدق عاطفتهم وإخلاصهم
مثل عدم قبول النصارى مع الجيش وإعفاء طلبه العلم الشرعي من الجندية الإلزامية ، وكذلك إصدار المجلة الشرعية التي تضم فتاوى العلماء في القضايا كافة وكذلك احترام العلماء وانقياد الخلفاء للشرع الشريف والجهاد به وإكرام أهل القرآن وخدمة الحرمين الشريفين والمسجد الأقصى .
9. وكان للعثمانيين دورهم في أوروبا إذ قضوا على نظام الإقطاع ، وأنهوا مرحلة العبودية التي كانت تعيشها في أوروبا حيث يولد الفلاح عبداً وينشأ كذلك ويقضي حياته في عبودية لسيده مالك الأرض وأهتم السلاطين بتقديم الصدقات والعطايا للموطنين .
10. أن العثمانيين هم الذين أزالوا من خريطة العالم أعتى أمبراطورية صليبية . هى الأمبراطورية البيزنطية،وفتحوا عاصمتها سنة 857 هـ.
11. موقف رائعة مشرقة:
أ / أول صلاة في جامع (بايزيد)
عندما أكتمل بناء جامع بايزيد وتم فرشه،جاء يوم افتتاحه بالصلاة فيه، ولكن من سبقوم بإمامة المصلين في هذه الصلاة؟أيؤم الناس الإمام المعين لهذا الجامع؟أم شيخ الإسلام؟أم أحد العلماء المعروفين؟لم يكن أحد يعلم ذلك،وكان الجميع في انتظار من يتقدم إلى الإمامة. فوقف إمام الجامع وتوجه إلى المصلين قائلاً لهم:ليتقدم للإمامة من لم يضطر طوال حياته لقضاء صلاة فرض.(أي: من صلّى صلوات الفرض في أوقاتها طوال حياته.وبعد انتظار بسيط شاهد المصلون السلطان (بايزيد الثاني) وهو يتقدم للإمامة بكل هدوء،ثم يكبر لصلاة الجماعة… أجل: كان السلطان هو الشخص الوحيد من بين الحاضرين الذي لم تفته صلاة من صلوات الفرض…
ب/ أمر السلطان محمد الفاتح ببناء أحد الجوامع وكلف أحد المعمارين الرومين ، وكان بارعًا،وكان من بين أوامر السلطان :أن تكون أعمدة هذا الجامع من المرمر وأن تكون مرتفعة…وحدد هذا الارتفاع..ولكن هذا المعماري لسبب من الأسباب أمر بقص هذه الأعمدة وتققصير طولها دون أن يخبر السلطان،وعندما سمع السلطان بذلك استشاط غضبًا،فأمر بقطع يد هذا المعماري…
لم يسكت هذا المعماري عن الظلم الذي لحقه برغم ندم السلطان ! فراجع قاضي اسطنبول ـ الذي كان صيت عدالته انتشر وذاع…وشكى إليه ما لحقه من ظلم…لم يتردد القاضي في قبول هذه الشكوى،فاسستدعى السلطان..وأوقفه أمام خصمه في المحكمة،الذي شرح مظلمته للقاضي،وأيد السلطان ما قاله. فقال القاضي حكمه وهو: حسب الأوامر الشرعية،يجب قطع يدك أيها السلطان قصاصًا لك!!
ذُهل (الرومي) مما سمع ولم يكن يدر بخلده ولا بخياله..فكان أقصى ما يتوقع التعويض المالي..وبعبارات متعثرة قال الرومي للقاضي:أن ما يرجوه منه هو الحكم له بتعويض مالي فقط؛لأن قطع يد السلطان لن يفيده شيئًا،فحكم له القاضي بعشر قطع نقدية لكل يوم طوال حياته،تعويضًا له عن الضرر البالغ الذي لحق به. وقرر السلطان أن يعطيه عشرين قطعة نقدية ..تعبيرًا عن ندمه كذلك.
ج/ السلطان عبدالحميد من المطامع الصهيونية في فلسطين ، حيث رفض رفضًا قاطعًا السماح لليهود بالهجرة إلى فلسطين.

أزمة العالم الرأسمالي الكبرى

كاتب الموضوع الأصلي: أحمد الخربوش

بناء الإشكالية : ماهي الأسباب العميقة للأزمة الاقتصادية لسنة 1929 ؟ ما هي مظاهرها؟ وما هي انعكاساتها على المستوى الاجتماعي و الاقتصادي؟ ما هي أساليب مواجهة الولايات المتحدة الأمريكية للأزمة؟
1) الوضعية الاقتصادية و الاجتماعية للولايات المتحدة الأمريكية قبل اندلاع الأزمة.
– تضاعف الإنتاج الصناعي ب.و.م.أ ما بين 1921 و 1929 رافق ذلك ارتفاع في الدخل الفردي.
– ارتفاع مؤشر الإنتاجية وكذا مؤشر القدرة الشرائية إلى حدود 1929 .
– انهيار مؤشر القدرة الشرائية و كذا مؤشر الإنتاجية ابتداء من سنة 1929
– تدهور الوضع الاقتصادي بالولايات .م.أ ابتداء من خريف 1929 + تراجع مصادر الثروات + تدمر الفلاحين + تدهور قطاع النسيج + ارتفاع فائض الإنتاج: السيارات البضائع…ارتفاع أسعار الأسهم) تزايد حدة المضاربة بالبورصة…
2) عرف العالم الرأسمالي أزمة اقتصادية انطلاقا من بورصة وول ستريت سنة1929 بالولايات المتحدة الأمريكية انطلقت الأزمة من بورصة وولستريت Wall Street يوم الخميس الأسود 24/101929 حيث عرض13 مليون سهما مقابل تراجع الطلب، وتزايد العرض في الأيام الموالية، فانخفضت قيمة الأسهم، وعجز المضاربون ورجال الصناعة عن تسديد ديونهم للبنوك فانتقلت الأزمة إلى البنوك (إغلاق 40 ألف بنك مابين1929-1932 وتراجع الاستهلاك، وتزايد فائض الإنتاج، وتم توقف عدد من المصانع وتعرض العمال للبطالة، وانتقلت الأزمة إلى الميدان الفلاحي. وحدثت الأزمة في دول أوربا فرنسا وانجلترا وألمانيا وغيرها….بسبب سحب البنوك الأمريكية لأموالها من البنوك الأوربية، وبسبب العلاقات التجارية، وتفاوتت حدة الأزمة إذ كانت أقوى في النمسا وألمانيا. وانتقلت الأزمة إلى المستعمرات بسبب تراجع طلب المواد الأولية. وظل الاتحاد السوفياتي بعيدا عن تأثير الأزمة بسبب نهج سياسة التخطيط من طرف ستالين لتحقيق التنمية الداخلية، وعدم ارتباطه في ذلك بالدول الرأسمالية.
3) مظاهر أزمة 1929 بدول العالم الرأسمالي على المستويين الاقتصادي والاجتماعي.
• مظاهر الأزمة على المستوى الاقتصادي: انخفاض الإنتاج الصناعي مابين 1929 و 1932 خاصة بكل من و.م.أ + ألمانيا + فرنسا + بريطانيا…+ انخفاض المبادلات التجارية الخارجية ارتفاع نسبة البطالة + انخفاض كبير في أسعار المواد الفلاحية (الكاكاو + الجلود + البن..) إتلاف الفلاحين لجزء كبير من الإنتاج (البن بالبرازيل نموذجا).
• مظاهر الأزمة على المستوى الاجتماعي: ارتفاع نسبة البطالة ما بين 1929 و 1932 خاصة بكل من و.م.أ +ألمانيا + بريطانيا – مساهمة إتلاف المحاصيل الفلاحية في حدوث نقص في الموارد الغذائية (خاصة بالدول التي هي في أمس الحاجة إليها.
4) التدابير التي اعتمدت لمواجهة الأزمة العالمية .الخطة الجديدة NEW DEAL بالولايات المتحدة الأمريكية نموذجا.
• مبدع الخطة: يعتبر الرئيس فرانكلين روزفلت صاحب الخطة الجديدة. ولد سنة 1882 وتوفي سنة 1945.انتخب رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية ما بين سنة 1933و1945. الانتخابات، واستعان الرئيس بفئة من الباحثين الجامعيين (تروست الأدمغة) وبتبني آراء الليبراليين الجدد (نظرية كينز) ووضع الخطة الجديدة1938-1934New Deal التي نقلت البلاد إلى الرأسمالية الموجهة، وترتكز على مراقبة الدولة لعملية الإنتاج والتسويق، وتقديم المساعدة للقطاعات الاقتصادية المتضررة كتقديم مساعدات للفلاحين، وتنظيم البنوك والبورصة والمؤسسات الصناعية، وتخفيض ساعات العمل لفتح المجال للتشغيل، وتخفيض قيمة الدولار لتشجيع الصادرات وإنجاز الدولة للأشغال الكبرى لمواجهة البطالة، ونتج عنها نمو الإنتاج وارتفاع الأسعار وتزايد الصادرات وتراجع عدد العاطلين.
• أسس و أهداف الخطة: توسيع وظائف الدولة عن طريق التدخل في توجيه الاقتصاد بإتباع السياسة الليبرالية الموجهة بهدف حماية المؤسسات الاقتصادية من الخراب + توفير الشغل للشعب بإنجاز الأشغال الضرورية بهدف إنعاش استعمال الموارد الطبيعية + رفع الأسعار وكذا الرفع من القدرة الشرائية بهدف تشجيع الإنتاج – مراقبة النقل والموصلات والعمليات المالية و الاستثمارية للأبناك + وضع حد للمضاربين.
• مراحل تنفيذ الخطة: امتد تطبيق الخطة على مرحلتين، المرحلة الأولى بين 1934-1935 سنت فيها مجموعة من القوانين وهي: قانون الإنقاذ البنكي: تخفيض قيمة الدولار + إغلاق البنوك بشكل مؤقت + سحب الودائع المالية من الابناك الأوربية. قانون التوازن الفلاحي: تخفيض الإنتاج للرفع من الأسعار+ قانون إصلاح الصناعة الوطنية: ودلك بمنع تشغيل الأطفال و تحديد ساعات العمل والحد الأدنى للأجور.القانون التجاري: تم تخفيض الرسوم على الصادرات ونهج السياسة الحمائية ضد الواردات.قانون الرعاية الاجتماعية: تم تقديم الدعم للأطفال دوي الاحتياجات الخاصة + إقرار التامين على البطالة والعجز والشيخوخة.
المرحلة الثانية بين 1935-1938: تم احدث المكتب الوطني للشغل + انجاز الأشغال العمومية الكبرى لتوفير فرص العمل كتشييد السدود وبناء الطرق والجسور وترميم المدن والتشجير………
• نتائج الخطة: تتمثل في النتائج الاقتصادية: وتتجلى في ارتفاع الإنتاج الفلاحي والصناعي + ارتفاع حجم المبادلات التجارية الأمريكية + توفير مداخيل لميزانية الدولة وإعادة التوازن إليها.
النتائج الاجتماعية: وتتجلى في توفير مناصب التشغيل وتخفيض نسبة البطالة + تحسن الدخل الفردي وتزايد القدرة الشرائية ونمو الاستهلاك.

استنتاج عام: وضعت الأزمة الاقتصادية حدا لازدهار الاقتصاد الرأسمالي الليبيرالي السائد منذ القرن 19 وأحيت الصراعات الدولية ممهدة لحرب عالمية ثانية

هتلر

كاتب الموضوع الأصلي: أحمد الخربوش

اســـــمـــــــــه : أدولـف ألـــويــس هــتــلــــر
تـاريخ ولادتـه : العشريـن مـن أبريـل 1889
مكــان ولادتـه : برونـو آم إن فــي النمســـــا
جـنــســيـــتــه : ألمـانـي من أصـول نمساويـة
وظـيــفــتـــــه : رئيــس لـدولـة ألـــمـانيـــــــا
فتـرة رئاستـه : مــن 1934 إلــــــى 1945
وفاته : 30 أبـــــــــريـــــل 1945

سنــواتــه الأولـــى:-
وضعت كلارا هتلر وليدها أدولف الذي غير وجه الكرة الأرضيـة عندما اشتد عظمه عـام 1889.
وقـد كـان ابـوه مـوظـف جمـارك صغـير وقـد كـان لأدولـف(هتلـر) 5 أشقـاء وشقيقـات.
كـان متعلقـا بـوالدتـه وشـديد الخـلاف مع والده لأن والده كان يعارض دخوله مدرسـة الفنون.
وقـد مـات ابـوه عـام 1903 و والدتـه رحلـت بعـد 4 سنـين من رحيل والدهـ

مـواهبـــــه :-
كـان أدولـف(هتلر) يحـب فـن الـرسـم فـسجـل ليـدخل امتحـان القبـول في مـدرسـة الفنـون الجميلـة.
وكـانـت أولـى خطـواتـه لتحقيق أحلامه.لكنهـا سحقـت وتطايرت هباء لأنـه لـم يقبـل
ولكنـه عـاود الكـرة وكـانـت رسـومـاتـه تافهـة إلـى حـد إنها لـم تـؤهلـه للمشاركـة في الامتحانات.
فكـانـت ضربـة قاصمـة لطمـوحـه الفنـي
فدخـل احـد الأقسـام التـي لا يريدها
وتمتـع أدولف بالذكـاء في صبـاه
وقـد تـأثر كثيرا بالمحاضـرات التـي كـان يلقيهـا البـروفيسـور الممجـدة للقـوميـة الألمـانـيـة

بـدايـاتــه :-
غـدا أدولف أبـن الثمانيـة عشر ربيعـا بـلا معيل بعـد أن رحلا أبـويـه
فقـرر الـرحـيل إلـى فيينـا آمـلا ان يصبـح رسامـا
عكـف أدولـف على رسم المنـاظر الطبيعيـة والبيـوت مقابـل اجـر يسيـر
وقـد تـوقفـت إعـانتـه من الحكـومـة بعـد ان كانـت تصـرف لـه من بعـد رحيل والـديـه.
وقـد تـأثر أدولـف بالفكـر المعادي للسامـيـة , وقد دون في مذكّراته مقدار مقـتـه وامتعاضه
من التواجد اليهودي واليهود بشكل عام.
وفـي عـام 1913 انتقـل أدولـف إلـى ميونـخ لتفـادي التجنـيد الألـزامـي
وقـدكـان يتـوق للعـيش في ألمـانيـا لعـدم وجـود أعـراق متعـدده كمـا هو الحال في النمسـا.

الحـرب العالميـة الأولـى :-
تطـوع أدولـف للجيـش الألمـانـي وعمـل كساعـي بريد عسكـري
بينمـا كـان الكـل يتهـرب مـن العمل كساعـي لخطورة المهنـة
وبالرغم من أداء أدولف المتميز والشجاع في العسكرية، إلا أنه لم يرتق المراتب العلا في الجيش.
كـوَن هتلر إحساسا وطنيا تجاه ألمانيا رغم أصوله النمساوية
وصعـق عنـدمـا استسلـم الجيش الألمـانـي في الحـرب لاعتقاد هتلر باستحالة هزيمة هذا الجيش
وألقى باللائمة على الساسة المدنيين في تكبد الهزيمة.

الحـزب النـازي :-
بعـد نهايـة الحرب العالمـيـة الأولـى , استمر هتلر في الجيش والذي اقتصر عمله
على قمع الثورات الاشتراكية في ألمانيا. ولمقدرة هتلر الكلامية،
فقد تم اختياره للقيام بعملية الخطابة بين الجنود ومحاولة استمالتهم لرأيه الداعي لبغض اليهود.
وفـي عـام 1919 التحق هتلر بحزب “العمال الألمان الوطني” وفي مذكرة كتبها لرئيسه في الحزب
يقول فيها “يجب أن نقضي على الحقوق المتاحة لليهود بصورة قانونية مما سيؤدّي إلى إزالتهم من حولنا بلا رجعة”.
وفـي عام 1920 سٌـرح هتلـر من الجيـش وتفـرغ إلـى الحـزب .
وتـزعـم هتلر الحـزب وغـير اسمـه إلـى حزب “العمال الألمان الاشتراكي الوطني”
أو “نازي” بصورة مختصرة.
واتخذ الحزب الصليب المعقوف شعاراً له.
وتبنّى التحية الرومانية التي تتمثل في مد الذراع إلى الأمام.

الحـزب الحـاكـم :-
بتبوّأ هتلر أعلى المراتب السياسية في ألمانيا بلا دعم شعبي عارم، عمل الرجل على كسب الود الشعبي الألماني
من خلال وسائل الإعلام التي كانت تحت السيطرة المباشرة للحزب النازي الحاكم
فقد روّجت الأجهزة الإعلامية لهتلر على انه المنقذ لألمانيا من الكساد الاقتصادي و الحركات الشيوعية إضافة إلى الخطر اليهودي.
وبتنامي الأصوات المعارضة لأفكار هتلر السياسية، عمد هتلر على التصفيات السياسية للأصــوات التـي تـخـالـفـه الـرأي.
وبموت رئيس الدولة “هـيـدين بيـرغ ” في عـام 1934، دمج هتلر مهامّه السياسية كمستشار لألمانيا ورئيس الدولة
وتمت المصادقة عليه من برلمان الجمهورية.
ونـدم اليهود أيما ندم لعدم مغادرتهم ألمانيا قبل 1935 عندما صدر قانون يحرم أي يهودي ألماني
حق المواطنة الألمانية عوضاً عن فصلهم من أعمالهم الحكومية ومحالّهم التجارية.
وتحتّم على كل يهودي ارتداء نجمة صفراء على ملابسه وغادر 180,000 يهودي ألمانيا جرّاء هذه الإجراءات.
وشهدت فترة حكم الحزب النازي لألمانيا انتعاشاً اقتصادياً مقطوع النظير، و
انتعشت الصناعة الألمانية انتعاشاً لم يترك مواطناً ألمانيا بلا عمل
مما جعـل شعبية هتلر ترتفـع.
وفـي مارس عام 1935 نقـض هتلر “معاهـدة فيرساي” التـي انهـت الحرب العالمـية الأولـى عنـدما عمـل على
إحياء التجنـيد الإلزامي وعنـدمـا احتـل المنطقـة المنـزوعـة السـلاح “أرض الـرايـن” ولـم تتحـرك اي دولـة تجـاه انتهاكـات هتلـر
ولعـل الحـرب الأهلية الأسبـانيـة كـانـت المحـك للآلـة الألمـانيـة عنـدما قـام هتلر بإرسـال قوات ألمانيـة لأسبانيـا
لمناصـرة “فرانسيسكو فرانكو” الثائر علـى الحكـومـة الأسبـانيـة.
وفي اكتـوبـر من عـام 1936، تحالف هتلر مع الفاشي موسوليني الزعيم الإيطـالـي
وفي نوفمبـر من عام 1937 عقد هتلر اجتماعاً سريّاً مـع مستشـارية وأفصح عن خطّته السرية
في توسيع رقعة الأمة الألمانية الجغرافيـة .
عمل هتلر على تصعيد الأمور بصدد مقاطعة “ساديتلاند” التشيكية والتي كان أهلها ينطقون بالألمانية
ورضخ الإنجليز والفرنسيين لمطالبه لتجنب افتعال حرب. واستطاع هتلر أن يصل إلى العاصمة التشيكية براغ 10 مارس 1939.
وبعـدهـا غـزا هتلر بـولنـدا فـأعلـن الإنجليز والفرنسييـن إعـلان الحـرب على ألمـانيـا

الحـرب العالميـة الثانيـة :-

في السنوات الأربع اللاحقة للغزو البولندي ، كانت الآلة العسكرية الألمانية لا تقهر.
ففي ابريل1940، غزت ألمانيا الدنمارك والنرويج وفي مايو من نفس العام، هاجم
الألمان كل من هولندا، بلجيكا، لوكسمبورغ، وفرنسا وانهارت الأخيرة في غضون 6 أسابيع.
وفي ابريل 1941، غزا الألمان يوغسلافيا واليونان وفي نفس الوقت، كانت القوات الألمانية
في طريقها إلى شمالا أفريقيا وتحديداً مصر. تحوّل مفاجئ، اتجهت القوات الألمانية صوب الغرب
وغزت روسيا واحتلت ثلث الأراضي الروسية
من القارة الأوروبية وبدأت تشكّل تهديداً قوياً للعاصمة الروسية موسكو.
وبتدنّي درجات الحرارة في فصل الشتاء، توقفت القوات الألمانية من القيام بعمليات عسكرية في الأراضي الروسية
ومعاودة العمليات العسكرية في فصل الصيف في موقعة “ستالينغراد” التي كانت
أول هزيمة يتكبدها الألمان في الحرب العالمية الثانية.

بـدايـة النهايـة :-
إلانتصارات الخاطفة التي حصدها هتلر في بداية الحرب العالمية الثانية وبالتحديد،
الفترة الممتدة من 1939 إلـى1942، جعلت منه رجل الاستراتيجية الأوحد في ألمانيا
وأصابته بداء الغرور وعـدم تـقبـّل الأخبار السّيئة وان كانت صحيحة. فخسارة ألمانيا في معركة ستالينغراد
والعلمين وتردّي الأوضاع الاقتصادية الألمانية وإعلانه الحرب على الولايات المتحدة في 11 ديسمبر 1941
وضعت النقاط على الحروف ولم تترك مجالا للشك من بداية النهاية لألمانيا هتلر.
فمجابهة أعظم إمبراطورية (الإمبراطورية البريطانية) واكبر أمّة (الإتحاد السوفييتي)
وأضخم آلة صناعية واقتصادية (الولايات المتحدة) لاشك تأتي من قرار فردي لا يعبأ بلغة العقل والخرائط السياسية.
وفـي عام 1943 تمـت الإطاحـه بحليف هتلر الأوروبـي (موسولينـي)
واشتدت شراسة الروس في تحرير أراضيهم المغتصبة وراهن هتلر على بقاء أوروبا الغربية في قبضته
ولم يعبأ بالتقدم الروسي الشرقي وتمكـن الحلفـاء من الوصول إلـى الشواطـيء الشمالية الفرنسيـة
وبحلـول ديسمبـر تمكـن الحلفـاء من وصـول نهر الـرايـن وإخـلاء الأراضـي الـروسيـة من أخر جنـدي ألمـانـي.
عناد هتلر أطال من أمد الحرب لرغبته في خوضها لآخر جندي ألماني. وفي نزاعه الأخير،
رفض هتلر لغة العقل وإصرار معاونيه على الفرار إلى بافاريا أو النمسا
وأصر على الموت في العاصمة برلين وفي 19 مارس 1945
أمـر هتلر أن تدمّر المصانع والمنشآت العسكرية وخطوط المواصلات والاتصالات
وتـم تعييـن هينريك هيملـر مستشارا لألمانيـا في وصيتـه .
كما قام هتلـر بإغراق أنفاق مدينة برلين حيث كان يختبأ المدنيون ذلك
لاعتبارهم خونة لعدم وقوفهم في وجه العدو الروسي على أبواب برلين.

مـوتـــه :-
وبقدوم القوات الروسية على بوابة برلين، أقدم هتلر على الانتحار
وانتحرت معه عشيقته ايفا براون في 30 أبريل 1945 وقـد كـانـت نهايـة هتلــر

شـاهـد علـى مـوتـه
ما زال عامل الاتصالات الهاتفية السابق روشوس ميش يذكر تلك اللحظة قبل ستين سنة
وتحديدا في 30 نيسان/ابريل 1945، حين فتح باب الغرفة في الموقع المحصن حيث
كان ادولف هتلر انتحر للتو مع زوجته ايفا براون.
وميش البالغ من العمر اليوم 88 عاما، هو آخر من بقي على قيد الحياة من المجموعة الصغيرة
التي رأت الديكتاتور النازي ميتا في الموقع المحصن تحت الأرض في وسط برلين المهدمة قبيل سقوطها امام الجيش الاحمر.
وروى ميش “كان هتلر جالسا في مقعد وقد انهار على الطاولة فيما كانت ايفا براون ممددة الى جانبه. رأيته بام عيني.
ويذكر ميش الذي كان مكلفا بالاتصالات الهاتفية في معقل هتلر الشخصي “كنا نتوقع ذلك. الامر لم يحصل من باب الصدفة. كنا نستعد للنهاية”.
ويقول ميش الذي كان في الثامنة والعشرين آنذاك “الغرفة حيث كنت اعمل كانت في الطرف المقابل للمدخل المؤدي الى جناح هتلر.
ومع اقتراب القوات الروسية التي لم تعد سوى على مسافة بضع مئات الامتار من الموقع المحصن
“ودع (هتلر) في الممر” الموظفين العاملين في خدمته “وطلب الا يدخل عليه احد.
كذلك اعطى تعليمات الى سكرتيره وذراعه الايمن مارتن بورمان الذي وقف في اليوم السابق
شاهدا على زواجه “باحراق” جثته حتى لا تلقى مصير حليفه بينيتو موسوليني
الذي اعدم وبقيت جثته معروضة على الحشود في ساحة عامة.
ويتابع ميش ان هتلر وايفا براون “دخلا بعد ذلك” الى شقتهما “واغلقا الباب.
لا اعرف كم من الوقت مضى، ربما ساعة او ساعتين.
ويقول “لم اسمع الطلقة النارية بنفسي لانني كنت اعمل على اجهزة الهاتف، لكنني سمعت احدا ما يصيح لينغي، لينغي،
اعتقد ان الامر وقع”، مناديا هاينز لينغي خادم هتلر الشخصي.
“انتظروا بعد ذلك عشرين دقيقة، ثم دفعوا الباب والقيت نظرة.
كان الرجل الذي اغرق اوروبا في اعنف نزاع في تاريخها ، منهارا
فوق طاولة وفي رأسه رصاصة، فيما ايفا براون ممددة ارضا جثة هامدة.
وبحسب المؤرخين، فان هتلر اعطى سماً لزوجته قبل ان يطلق رصاصة في رأسه،
ثم احرقت الجثتان في فناء الموقع المحصن فيما ادى المقربون التحية النازية.
ويذكر عامل الهاتف السابق ان “القادة ارادوا جميعا اجلاء هتلر جوا، لكنه رفض
مؤكدا عزمه على البقاء في برلين”، موضحا ان هتلر ظل حتى النهاية
يتوقع ان يخرج البريطانيون عن تحالفهم مع روسيا الشيوعية

مع زوجته ايفا براون ، كانت صديقته لفترة طويلة قبل أن يتزوجها في 1945 قبل شهر من انتحارهم

الطاويه

كاتب الموضوع الأصلي: رشيد باكرمان 2013

الطاوية مجموعة مبادئ، تنقسم لفلسفة وعقيدة دينية، مشتقة من المعتقدات الصينية الراسخة القدم. من بين كل المدارس العقلية التي عرفتها بلاد الصين، تعتبر الطاوية الثانية من حيث تأثيرها على المجتمع الصيني بعد الكونفشيوسية.

تعريب الكلمة، الهدي، الطريقة أو الطريق، الذي يسلكه أتباع الديانة، اسمهم المهديون أتباع الهدي، وديانتهم الهداية.

تقديم
الطاوية، بالمعنى المتداول اليوم، تشمل تيارين أو مدرستين متباينتين: مدرسة فلسفية، نشأت أثناء الفترة الكلاسيكية لحكم سلالة “تشو” في الصين، المدرسة الثانية عبارة عن مجموعة من معتقدات الدينية، طورت خمسمائة سنة بعد المدرسة الأولى، وفي ظل حكم سلالة “هان”.

يطلق اليوم على هاتين المدرستين الطاوية الفلسفية والطاوية الدينية على التوالي.

نشأت المدرسة الأخيرة بعد ظهور أحد الحكماء واسمه “لاو تسي”، قام الأخير بإملاء تعاليمه على أحد المنتسبين إلى المدرسة الطاوية الأولى وهو “تشانغ داولنغ”، وقعت هذه الأحداث في جبال السيشوان، ويؤرخ البعض أحداثها سنة 142 بعد الميلاد. على الرغم من التأثيرات ذات الطابع الديني والمأخوذة من المعتقدات القديمة للأهالي، الديانة الشامانية، الكهانة أو الشعوذة، على رغم كل هذه التأثيرات استطاعت المدرسة الطاوية الفلسفية الحفاظ على نفسها، في نفس الوقت شقت الديانة الطاوية لنفسها طريقا وسطا، ويتجلى تأثيرها أكثر في الثقافية الشعبية الصينية.

مصطلحات: قد تلاحظ أن التسمية العربية للفلاسفة الصينيين لها نفس مشاكل التسمية في لغات أخرى، فتشوانغ تسو مثلا، هو شوان زي، حين يسمى بالانجليزي Chuang tzu أو Zunag zi وبالفرنسي Tchouang Tseu.

النشأة
ظهرت وتطورت المدرسة الطاوية الفلسفية أثناء الانتعاش الفكري الذي صاحب فترة حكم سلالة “تشو”، عرفت الفترة ظهور العديد من المدارس الفلسفية، كانت تتنافس مع بعضها حتى تحظى بشرف تقديم النصائح للحكام (في المقاطعات)، حول الكيفية الأمثل حتى يحيوا حياة أفضل وحتى يحسنوا تسيير الأمور في عالم تتسارع فيه وتيرة التغيرات السياسية والاجتماعية.

تدعو هذه المدرسة إلى احترام الذات والانعزال عن الحياة العامة، تفرعت هذه المبادئ عن التقاليد الصينية القديمة للتصوف والعبادة التأملية والتي ارتبطت باليوغا. قام الفيلسوف “تشوانغ تسو” بتطوير هذه المبادئ في نهاية القرن الـ4 قبل الميلاد.

الفلسفة
يمكن العثور على تعاليم ومبادئ المدرسة الطاوية الفلسفية بيت دفتي اثنين من أهم المصنفات: الأول وهو الـ”داوديجنغ” (道德經)، ألفه “لاوتسو” (老子) في القرن الـ3 ق.م.، المصنف الثاني أو الـ”تشوانغ تسو”، ويضم مجموعة من الأمثال والمواعظ، صنفه “تشوانغ تسو” (莊子) في نفس القترة السابقة تقريبا (القرن الـ3 ق.م.).
حتى يكون الإنسان في حالة تناغم مع الـ”طاو “، وجب عليه أن يمارس الـ”لافعل” (وو واي)، أو على الأقل اجتناب كل الأفعال الناتجة عن الغصب (الإجبار)، الاصطناع أو الغير خاضعة للطبيعية.
عن طريق التناغم التلقائي مع نزوات طبيعته الذاتية الأساسية، وترك كل المعارف العلمية المكتسبة، يتحد الإنسان مع “الطاو” ويستخلص منه قوة غامضة (دي). بفضل هذه القوة يستطيع الإنسان تجاوز كل المستحيلات على ذوي البشر العاديين، على غرار الموت والحياة.
اعتبرت المدرسة الطاوية المبكرة هذه القوى بأنها سحرية، فيما اعتبرها كل من “لاوتسو” (老子) و”تشوانغ تسو” (莊子) قوى ناتجة عن أهلية الشخص (اِسْتِحْقاق)، وعوامل الطبيعية والتلقائية.
انتقد “تشوانغ سو” (莊子) ما كان يذهب إليه كل من “كونفيشيوس” وأتباع مدرسة “موتسه”، من أن الحكمة الإنسانية وحدها يمكن أن تقود إلى استكشاف الـ”طاو”، كان يعتقد أن التمييز (الذاتي، التلقائي) للأفكار التصورية هو المسئول عن انفصال الإنسان عن الـ”طاو”.
على الصعيد السياسي، دعا أتباع الطاوية إلى العودة لنمط الحياة الفلاحية البدائي. في كتاب الـ”داوديجنغ” (道德經)، ينطبق مبدأ الـ’لافعل” على الحُكام أيضا على غرار محكومِيهم، فلا يترتب عليهم أي فعل حتى يضمنوا أنهم ورعيتهم يعود كل طرف بالمنفعة على الآخر. إلا أن “لاو-تسه” (老子) كانت له مآخذ على بعض الآراء السطحية لـ”تشانغتسي” (莊子)، كان الأول ينصح الحكام بأن يعملوا حتى تكون بطون الرعية ملآنة فيما تكون عقولهم خاوية، كان يرى أن الجهل يؤدي إلى نزع الرغبة في نفوس الناس.
كان “لاوتسو” (老子) يقارن الأفراد من أبناء الشعب بكلاب القش التي تستعمل في مراسيم الأضاحي، كان يتم مراعاتهم قبل موعد الطقوس، ثم يتم رميهم والتخلص منهم بمجرد انتهاء هذه المراسيم. كان النظام المثالي في رأي “لاو-تسه” (老子) هو النظام الشمولي الذي يقوده ملك-فيلسوف، أما الرعية فيجب أن تكون مسالمة ومطاوعة لأقصى درجة لهذا الحاكم.
ترك هذا الأخير أثرا بالغا في إحدى المدارس الفلسفية ذات التوجهات الشمولية، والتي أنشأها “هان فاي تسي”.
على عكس الكونفشيوسية والتي كانت تدعو الفرد إلى الانصياع إلى النظام التقليدي، كانت مبادئ الطاوية تقوم على أنه يجب على الإنسان أن يهمل متطلبات المجتمع المحيط، وأن يبحث فقط على الأشياء التي تمكنه من أن يتناغم مع المبادئ المؤسسِة للكون، أو “طاو” (طريق).
يقول “مينغ-تسي” (من أتباع المدرسة الكونفشيوسية) وهو يصف أتباع لاوتسو، “لن يضحوا ولو بشعرة إذا توجب ذلك لإنقاذ العالم”.

تطور فلسفة الطاو مع ظهور الكونفوشيوسية
عرفت الصين خلال تاريخها (تاريخ الصين) اضطرابات عديدة وشديدة (الممالك المتحاربة، انقلابات على أنظمة)، جعل فلاسفة تلك المرحلة في عودة إلى الماضي، مستلهمة البساطة، السكينة، من سذاجة الناس، راجية الابقاء على الأمور في حالة سكون، تفاديا للفوضى.
نقرأ كيف أن لاو تزي وجوانغ تزى انتقدا في كتاباتهما، نهم الإنسان نحو العلم والتطور، آخذين عليه اهماله للسكينة ووداعة العيش. هذه النظرة لامت أيضا كونفوشيوس وأتباعه في سيرهما نحو نزع الأمية من المجتمع الصيني، وسعيه الحثيث في تغيير السياسيات المطبقة.
مع هذا، اعترف كونفوشيوس نفسه بأنه على هدْي الطاوية القديمة، هذا ما دفع شوِن تزي (Xunzi) أحد أتباع كونفوشيوس، للمزج بين الطاو في الطريقة الأولى، وبين الكونفوشية (كونفشيوسية) التي تدعوا للتطور.
قال شوِن تزي، في كتاباته: كل شيء يتغير، تماما مثل الطاو، الذي هو في تغير دائم. وأعطى مثالا، حيث يطالَب أتباع الطاو بالمحافظة على الصحة الجسمية والعقلية، وقارنها بالطبيب الطاوي الذي يسعى حثيثا في البحث عن أنجع الأدوية تفاديا للأمراض.
ظهر بعدها أن الكونفوشية، مجرد مننهج في طريق الطاو، وأن الطاو هو أساس الفلسفة.

دخول البوذية إلى الصين
دخلت الديانة البوذية إلى بلاد الصين 3 قبل الميلاد.

الكونفوشية

كاتب الموضوع الأصلي: رشيد باكرمان 2013

الكونفوشية: هي مجموعة من المعتقدات والمبادئ في الفلسفة الصينية، طُورت عن طريق تعاليم كونفيشيوس (孔夫子) وأتباعه، تتمحور في مجملها حول الأخلاق والآداب، طريقة إدارة الحكم والعلاقات الاجتماعية. أثرت الكونفشيوسية في منهج حياة الصينيين، حددت لهم أنماط الحياة وسُلم القِيم الاجتماعية، كما وفرت المبادئ الأساسية التي قامت عليها النظريات والمؤسسات السياسية في الصين. انطلاقا من الصين، انتشرت هذه المدرسة إلى كوريا، ثم إلى اليابان وفيتنام، أصبحت ركيزة ثابتة في ثقافة شعوب شرق آسيا. عندما تم ادخالها إلى المجتمعات الغربية، جلبت الكونفشيوسية انتباه العديد من الفلاسفة الغربيين.

مقدمة
رغم أن الكونفشيوسية أصبحت المذهب الرسمي للدولة الصينية، لم تشق هذه طريقها حتى تصبح ديانة بالمعنى المعروف، كان يعوزها وجود هياكل أساسية، وطبقة من الكهنوتية (رجال الدين). حظيَّ كونفيشيوس (孔夫子) بمكانة رفيعة لدى رجال أهل العلم في الصين، كانوا يطلقون عليه ألقاب الـ”معلِم” والـ”حكيم”، إلا أن تبجيلهم إياه لم يرقى أبدا إلى درجة التأليه (من الألوهية). يبدو أن بعض المؤرخين في الغرب أساء فهم هذا التصور، نظرا لملازمة مفهوم عبادة الأسلاف للديانة الصينية. لم يكن كونفيشيوس (孔夫子) نفسه يدعي أنه إله. عكس الديانات الأخرى، لم تكن المعابد التي شُيدت على شرف كونفيشيوس أماكن لتجميع طوائفَ من الأتباع المنتمين، ولكن مبانٍ عمومية مخصصة لمراسيم سنوية وبالأخص يوم عيد ميلاد كونفيشيوس. بسبب الطبيعية الأساسية الدُنيوية (لادينية) لهذه الفلسفة، فشلت كل المحاولات التي كانت تهدف لأن تجعل من الكونفيشيوسية عقيدة دينية.

الكتابات وتدوين التعاليم
دُونت مبادئ المدرسة الكونفشيوسية في تسع من الكتابات الصينية القديمية والتي تم توارثها عن كونفشيوس وأتباعه، تمت كتابتها أثناء فترة حكم سلالة “تشو” (周朝)، عرفت تلك الفترة نشاطا مكثفا للمدارس الفلسفية. يمكن تقسيم هذه الكتابت إلى قسمين رئيسين:

الكتابات الخمس التقليدية (وو-جينغ)؛
الكتابات الأربع (سيشو).
تم تَنَاقل تعاليم كونفشيوس بالطريقة الشفوية، لاحقا تم تدوين هذه التعاليم في مؤلَف الـ”لون-يو”. يبدو المُعلِم (كونفشيوس) كما لو أنه يريد أن يُظهر نفسه بمظهر الأخلاقيّ (الذي يكتب في الأخلاقيات) المحافظ، في وقت عرفت فيه البلاد اضطرابات كبرى ميزها حالة الانفلات السياسية، والتحولات الاجتماعية التي تلت انحلال مملكة “تشو” إلى ممالك اقطاعية متحاربة. حملت حالة الهيجان التي عرفتها البلاد كونفشيوس ومفكريين آخرين، على تَدبُر الطريقة المثلى لاسترجاع وحدة المملكة، أصبحوا ورغما عنهم فلاسفة ومبدعين (من باب أنهم أوجدو أو سَنُوا أفكارا جديدة) في آن واحد.

نادى كونفوشبوس بمبدأ سيادة الشعب. فهو يقول أم الأمة هي صاحبة السيادة ومصدر السلطة. وعلى الرغم من اعتناقه للمذهب التيوقراطي واعترافه بالحق الالهي للأباطرة. لم يرتب على هذه الفكرو نتائجها الطبيعية اذ حارب السلطان المطلق للأباطرة. وعدّ سلطة الملك غير مشروعه مالم تقترن برضى الشعب حتى انه حبذ الثورة على الحاكم الذي يستبد بالسلطة او يسيء استخدامها.

و تميزت فلسفته باتجاهات اشتراكيه واضحه. وجعل من أهداف الحكومه التي يسميها “الهيئة العادله المستقيمه” العنايه بالإنتاج القومي حتى توفر للشعب الحاجات الضروريه. كما دعى إلى اقامة عداله اجتماعية واعانة المرضى والعاجزين عن العمل.

كما دعا إلى اتحاد شعوب العالم جميعا في “جمهورية عالمية واحده”

مفهوم الـ”لي”
يرى كونفشيوس أن النظامين السياسي والاجتماعي يشكلان وحدة متكاملة. الفضائل والمناقب الشخصية للحكام ورجال البلاط (الأرسطقراطيين) وحدهما كفيلان بأن يضمنا عافية الدولة. يتم استتباب النظام عن طريق نشر شعائر الـ”لي” (禮) والموسيقى، كانت الموسيقى الصينية المعاصرة للفترة من أهم العناصر في الشعائر والممارسات الدينية. أقرَ “كونفشيوس” بتفوق الموسيقى، عند استعمالها بوظيفتها الروحانية وسلطانها على أفئدة الناس. كان كونفشيوس يستحب القصائد الصينية القديمة، والتي كانت تنظم عادة في صيغة موسيقية، كان يشيد بقيمتها الحضارية. كان يرى أن الدولة التي تمتلك موسيقى وشعائر خاصة بها، يتم اختيارهم من بين الأعراف والتقاليد الموجودة، يمكن أن تنتج مواطنين سعداء ويتمتعون بقدر كاف من الفضيلة، يجعل الدولة في غنى عن تشريع القوانين حتى تضمن حسن انضباطهم. سيعم البلاد الأمان وتصبح القوانين بلا فائدة. جاب كونفشيوس بلاد الصين بحثا عن الحاكم المثالي الذي يريد (ويستطيع) تبني هذه التعاليم، ولكن عبثا كان يحاول.

مفهوم الـ”رن”
تتمحور الفكرة العامة للأخلاقيات الكونفشيوسية في مفهوم الـ”رِن” (仁)، والتي يمكن ترجمتها بـ”إنسانية” أو”طِيبَةُ القَلْب”. “رن” هي الفضيلة السامية والتي تمثل أفضل ما في النفس البشرية. في عصر كونفشيوس كان مفهوم الـ”رن” مقرونا برجال الطبقة الحاكمة، مع الزمن تحول مدلوله وأصبح يعني طبقة “النبلاء”، على أن هذا المفهوم أصبح أشمل فيما بعد. في العلاقات الإنسانية على غرار تلك التي تجمع بين شخصين، يتجلى الـ”رن” (仁) عبر عدد من المفاهيم الأخرى:

الـ”تشونغ” (忠)، أو الإخلاص تجاه الذات وتجاه الآخرين،
الـ”شياو” (孝)، أو “الإيثار” (إيثار الغير على النفس)، والذي يعبر عنه كونفشيوس في قاعدته الذهبية :”لا تفعل بالآخرين مالاتحب أن يفعله الآخرون بك”.
الـ”جونتسه” (君子)، يمكن ترجمتها بالرجل الشريف (بفضائله وليس بنسبه)، ويطلق على الشخص الذي تجتمع فيه عدة فضائل، على غرار الاستقامة، اللباقة، التأدب، النزاهة بالإضافة إلى التقوى والورع.
سياسيا كان كونفشيوس يدعو إلى حكومة أَبَوية (تسلطية) يقودها حاكم يحظى بالاحترام ومطاع بين رعيته. يجب على الحاكم أن ينمي أخلاقه لتبلغ الكمال، حتى يكون مثالا يحتذي به شعبه. في الميدان التربوي كانت لـ”كونفشيوس” آراء تقدمية، كان يدعو إلى تعميم التعليم بين كل أبناء الشعب بغض النظر عن انتماءاتهم الطبقية

جان بودان

كاتب الموضوع الأصلي: سعيدالغامدي20

جان بودان (بالفرنسية: Jean Bodin) من مواليد (1530 في أنجيه ووفيات 1596) ، هو فيلسوف فرنسي يعتبر صاحب نظرية السيادة ومن فلاسفة المذهب التجاري. جان بودين (1530 – 1596)، ولد في آنجر، هو قانوني وفيلسوف سياسي فرنسي، عضو برلمان باريس، وأستاذ القانون في تولوز. واشتهر لنظريته عن السيادة.
كان بودين من أنصار التسامح الديني، وكان مستشاراً لهنري الرابع ومن المعجبين به).
فهرست [إخفاء] 1 حياته 2 أعماله 2.1 منهج لتيسير فهم التاريخ 2.2 الجمهورية 2.3 الردة علة تناقضات مالستروا 3 أفكار سياسية 4 أفكار اقتصادية 5 وفاته 6 المصادر 7 وصلات خارجية حياته
ولد جان بودان في آنجر، وربما كانت أمه أسبانية يهودية وجاء إلى باريس 1560، واشتغل بالقانون، ولكنه لم يدر عليه ربحاً. وانصرف في لهفة شديدة على دراسة الفلسفة والتاريخ. ودرس في نهم العبرية واليونانية والألمانية والإيطالية، وكتابات ليڤي وتاكيتوس والعهد القديم، وشيشرون، ودساتير دول غرب أوروبا. وآمن بأن دراسة التاريخ هي بداية الحكمة السياسية.
أعماله
منهج لتيسير فهم التاريخ
وكان أول ما قدم للطبعة “منهج لتيسير فهم التاريخ” (1566). وهو كتاب يجده الطالب تافهاً لا قيمة له ولا متعة فيه محشوا بالتنميقات البلاغية، والأطناب الممل. إن العقل الفلسفي لا يتم نضجه مبكراً. لقد اعتقد بودين وهو في السادسة والثلاثين أن التاريخ يوحي إلينا بالفضيلة عن طريق الكشف عن هزائم الأشرار وانتصارات الأخيار(59)، ومع ذلك فإن الكتاب يعتبر بعد- “مقالات مكياڤلي”- أول كتاب هام في فلسفة التاريخ.

الجمهورية
وفي كتاب الجمهورية الذي جاء بعده- وقبل قرن ونصف قرن من ظهور فيكو ومونتسكيو- نجد تفكيراً منهجياً منتظماً في المناخ والسلاسة باعتبارهما عاملين من عوامل التاريخ. فالتاريخ من وظائف الجغرافيا- الحرارة، المطر، التربة، سمات السطح… أن الجغرافيا تحدد الخلق، والخلق يحدد التاريخ. وأن الناس لتتباين أخلاقهم وسلوكهم، تبعاً لحياتهم على الجبال أو الأودية، أو على شواطئ البحار. ويتميز أهل الشمال بقوة الجسم والنشاط العضلي. على حين يتميز أهل الجنوب بالحساسية العصبية وحدة الذهن. أما سكان المنطقة المعتدلة، مثل شعوب البحر المتوسط وفرنسا فإنهم يجمعون بين خصائص الشمال والجنوب، وهم عمليون أكثر من أهل الجنوب، ومفكرون أكثر من أهل الشمال، وينبغي أن تتكيف حكومة أي شعب مع خلقه الذي حددته الجغرافيا والسلاسة، والذي لا يكاد يتغير بمرور الزمن. وعلى هذا الأساس يجب أن يحكم شعوب الشمال بالقوة، وشعوب الجنوب بالدين.

وقد استعمل بودان هذه اللفظة بمعناها الروماني: أي الدولة. وفرق بين الدولة والمجتمع. فالمجتمع قائم على الأسرة، التي لها أساس طبيعي في العلاقة بين الجنسين وبين الأجيال. أما الدولة فتقوم على قوة مصطنعة. وكانت الأسرة في شكلها الطبيعي، أبوية- أي أن للأب سلطة مطلقة على أزواجه وبنيه وممتلكات الأسرة، وربما أنقصت المدينة بشكل خطير من حقوق الأب. ويجب أن تخضع المرأة دوماً للرجل لأنها أضعف منه عقلاً، وفي وضعها معه على قدم المساواة إغفال خطير “للطبيعة”. وينبغي أن يكون للزوج على الدوام حق الطلاق، كما ورد في التوراة. وذهب بودين إلى القول بأن انهيار سلطان الأب وتخلخل انضباط الأسرة كانا بالفعل يقوضان الأسس الطبيعية للنظام الاجتماعي. لأن الأسرة، وليست الدولة، هي وحدة النظام والأخلاق ومصدرها، فإذا انهارت وحدة الأسرة والانضباط، فلن يملأ فراغها أية قوانين مهما بلغ عددها(61). والملكية الخاصة أمر لا غنى عنه لكيان الأسرة وبقائها. والشيوعية مستحيلة لأن كل الناس ولدوا غير متساوين(62).
الردة علة تناقضات مالستروا
وفي كتاب أقل شأناً “الرد علة تناقضات مالستروا”، أسس بودان “الاقتصاد السياسي” تقريباً(60) فحلل أسباب ارتفاع الأسعار في أوروبا، وناقش مساوئ خفض قيمة العملة، ودافع عن حرية التجارة، في عصر الحماية الطبيعية والإقليمية، وأكد العلاقة بين الواقع الاقتصادي والسياسة الحكومية.

السياسة المقارنة:

كاتب الموضوع الأصلي: رشيد باكرمان 2013

‌أ- تعريف السياسة المقارنة: هي أحد فروع علم السياسة الذي يهتم بدراسة أنماط الحكومات في عصرنا الحاضر، إلا أن تحديد المجال للحكومات المقارنة على وجه الدقة تعترضه صعوبتان أساسيتنا:
الصعوبة الأولى: تتصل بصعوبة الدراسة وماهية الأعمال التي تشكل جوهر النشاط الحكومي.
الصعوبة الثانية: هي الأهم فإنها تتصل بعلاقة بين القيم من ناحية وبين النشاط الحكومي من ناحية أخرى، وذلك باعتبار أن لكل حكومة من واقع ميراثها التاريخي شيئا من الخصوصية يجعل تنميط الحكومات وتصنيفها محلا للتساؤل.

ومن واقع هذا الاختلاف في تحديد معنى المصطلح ودلالته يمكن التمييز بين مستويين تحليلين أساسيين في نطاق السياسات المقارنة:
المستوى الأول الأفقي: مقارنة نشاط الحكومة داخل المجتمع بنشاطات مجموعة وحدات الحكم المحلي وربما ببعض الوحدات الأصغر مثل اتحادات التجار والكنائس والشركات التي تتفق مع الحكومة في مضمون وليس في حجم النشاط.
المستوى الثاني الرأسي: وهذا المستوى يعتمد على أسلوبين:-
1- مقارنة تطور نفس الحكومة عبر فترات تاريخية مختلفة، وقد سيطر هذا النوع من التحليل بالفعل على دراسة السياسات المقارنة زمنا طويلا يكشف عن أوزان المتغيرات المختلفة في تأثير على النشاط الحكومي ودرجة استمرارية هذا التأثير.
2- مقارنة مختلف حكومات العالم المعاصر، وفي هذا استخدمت معايير شديدة الاختلاف.

ولئن كانت تلك هي أبرز نماذج تصنيف الحكومات على مستوى العالم، إلا أنها ليست الوحيدة، حيث تعددت محاولات التصنيف والنمذجة باختلاف المعايير المستخدمة وهي شديدة التنوع، لكن الملاحظ أن هذا الأسلوب في الدراسة المقارنة تواجهه الصعوبة نفسها الخاصة بجمع المعلومات المتعمقة.
‌ب- ماهية وتطور السياسة المقارنة.
هناك مصطلحات أربعة يستخدمونها العلماء بالسياسة كمفردات: الحكومات المقارنة، والسياسة المقارنة، والتحليل المقارن، والمنهج المقارن.
فالمقررات الدراسية والمصنفات العلمية والتصنيفات المكتبية تستعمل أي منها دون أبداء السبب.
وبالتحليل المقارن جزء هاما من أية دراسة عملية في أي علم من العلوم، وبالتالي فهو علم السياسة بمثابة جوهر التفسير السياسي.
وهكذا يتضح أن مفهوم السياسة المقارنة يستوعب المفاهيم الثلاثة الأخرى فضلا عن أنه أكثرها دلالة في التعبير عن حقل النظم السياسية المقارنة.
ويختلف الرأي حول حدود علم السياسة المقارنة. فهناك من يعتبره قلب علم السياسة المعاصرة ويطالب بتوسيع نطاقه ليشمل أكبر عدد من الدول، وبالتالي من المؤسسات والتفاعلات السياسية التي تخضع للمقارنة.
فذهبوا يسلكون معها النظم السياسية في الدول الاسكندينافية وشرق أوروبا وبلدان العالم الثالث.
فإذا كانت البرلمانات، فلماذا لا تكون الأحزاب؟ وإذا كانت الأحزاب فلماذا لا تكون القيادة وأساليب التجنيد السياسي؟.
كذلك فقد زعموا أن قصر نطاق العلم مقدما على المؤسسات بذاتها في دول معينة يضيق نطاق المقارنة بل ويحد من إمكانية التفسير، فمثلا قد يكون الحزب في دولة ما متغيرا مستقلا، وفي أخرى متغيرا تابع.
على أن هناك فريقا آخر يحذر من توسيع نطاق السياسة المقارنة لحد شموله علم السياسة ذاته، ويطالب بوضع حدود لعلم السياسة المقارنة. وهذا الانقسام يتحصل بموقفين:
الأول: أنه لا يجوز التوسع في فهم محتوى السياسة المقارنة إلى الحد الذي تختفي معه الفواصل بينهما وبين علم السياسة، ثم بينهما وبين فروعه الأخرى كالعلاقات الدولية والنظرية السياسية.
الثاني: وجوب التوسع في محتوى السياسة المقارنة بوصفها تحليلا مقارنا للنظم السياسية وذلك بزيادة كم ونوعية النظم السياسية الرئيسية والفرعية موضع الدراسة توخيا لفهم أعمق وأشمل للمؤسسات السياسية وأنماط التفاعل السياسي في مختلف الدول.

ج- تطور السياسة المقارنة

أن التحليل المقارن لنظم الحكم قد زامل رحلة الفكر السياسي منذ مطلعها.
على أنه يمكن عموما التمييز بين مرحلتين في تطور الدراسة السياسة المقارنة: مرحلة ما قبل الحرب العالمية الثانية وأخرى لاحقه لها.

المرحلة الأولى: يعتبر أرسطو، الذي عاش في القرن الرابع قبل الميلاد، أبو المنهجية السياسية المقارنة، إذ استخدم الأسلوب المقارن في دراسة أشكال وأساليب الحكم.
وسلك بهذا الخصوص منهاجيه مقارنة تحصلت خطوطها العريضة في تحديد المشكلة ( مصادر الاستقرار وعدم الاستقرار )، جمع معلومات عن 158 دستورا من دساتير دول المدينة، تصنيف المعلومات بمعنى تصنيف الدساتير وفقا لعدة محكات أهمها عدد الحكام، وطريقة الحكم والبقاء الطبقي، وأخيرا تحديد أي أنماط الحكم أكثر أو أقل استقرارا وتفسير ذلك.
وذكر أرسطو أن النظام السياسي المستقر هو الذي يتركز على حكم الطبقة الوسطى التي تجمع بين الكثرة العددية نسبيا، والتوسط في المستوى الاقتصادي والقدر المعقول من التعليم والثقافة.
كذلك قارن بوليبياس الذي عاش بعد أرسطو بقرن ونص تقريبا بين امبرطورية الفرس وممالك اسبرطة ومقدونيا وبين الجمهورية الرومانية وهو بسبيل البحث عن أكمل الدساتير.
وفي عصر النهضة، نجد مكافيللي يستخدم تقريبا نفس المنهاجية الأرسطو طاليسية وخلال القرن السادس عشر، درس المفكر الفرنسي جان بودان حكومات الدول الأوروبية وعقدمقارنات بينها تناولت خصائصها ومظاهر القوة فيها.
وفي القرن التاسع عشر، انحرف التحليل المقارن عن الأسلوب الذي اتبعه العلماء السابقين، فقد اهتمت الدراسات المقارنة بتفسير التطورات السياسية في ضوء الأفكار الخاصة بالتقدم المستمر، والسمو العرقي والتفاؤل الديمقراطي.
وبنهاية القرن المذكور، اتخذت دراسات نظم الحكم طابعا نظريا وقانونيا لا علاقة له بالواقع الفعلي لهذه النظم، فقت اتجهت بعض الدراسات إلى تمجيد أو نقد المذاهب الديمقراطية والارستقراطية والاشتراكية والفوضوية دون اهتمام بالنظم التي تتبنى هذه المذاهب.
وبعد الحرب العالمية الأولى، أصبحت الدراسات المقارنة أكثر تعقيدا.
ويلاحظ أن ظهور النظم الشمولية بعد الحرب وجه الأنظار إلى دراسة النظم السوفيتية والفاشية والنازية من حيث خصائصها ومدى تعارضها مع النموذج الديمقراطي الغربي.
وفي هذه الفترة، ظهرت بعض الكتابات السياسية المقارنة، من ذلك: هيرمان فاينر: الحكومة الحديثة بين النظرية والتطبيق 1932، كارل فردريك: الحكم الدستوري والسياسة 1937، ادوارد سايت: المؤسسات السياسية 1938، إلا أن هذه المؤلفات اقتصرت على النظم السياسة الغربية، وظلت ملخصة للنهج القانوني – الشكلي إلى حد كبير. على أية حال، يمكن تحديد الخصائص العامة للدراسة المقارنة لنظم الحكم قبل الحرب العالمية الثانية في النقاط التالية:

1- سيادة الطابع الغربي: فالنظم السياسية الغربية بالذات كانت محط البحث المقارن.
2- غلبة الطابع القانوني – الشكلي: ذلك أن الدراسة ركزت على المؤسسات الحكومية، أيعلى السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية في النظم موضع المقارنة من منظور دستوري دون اهتمام يذكر بالمؤسسات غير الحكومية كالأحزاب والجماعات الضاغطة.
3- الاتجاه نحو الوصف وليس التحليل: فالدراسة بوجه عام لم تكن تتجاوز الوصف إلى التفسير.
4- غلبة الاتجاه المحافظ: نزعت السياسة المقارنة إلى الاهتمام بما هو ثابت وغير متغير في نظم الحكم، أي وصف التطور الذي مرت فيه المؤسسات السياسية وانتهى فيها إلى وضعها الحاضر.
5- غياب الاهتمامات النظرية: إذ لم يهتم دارسوا السياسة المقارنة ببناء نظرية امبيريقية لنظم الحكم، ولم يعرف عن أحدهم أنه حال صياغة فروض أو تعميمات تقبل الاختبار.
6- الجمود المنهجي: فقد تميز مجال السياسة المقارنة بقصور منهجي شديد.
هذه الحالة يمكن فهمها في أمرين:
الأول: أن السياسة ذاتها لم تكن تعتبر آنذاك علما تجريبيا وإنما علما انطباعيا.
ثانيا: إن الدراسة الوصفية والقانونية لمؤسسات الحكم لم تكن تتطلب تكنيكات بحثية معقدة.
تلك هي السمات التي ميزت ميدان السياسة المقارنة قبل الحرب العالمية الثانية.
المرحلة الثانية:
خلال هذه المرحلة شهد ميدان السياسة المقارنة تطورا هائلا استحق أن ينعت بالثورة أو الانفجار كما ذهبت إلى ذلك مجلة السياسة المقارنة في أول عدد لها صدر عام 1968م.
ففي عام 1925 كان معدل مقررات السياسة المقارنة إلى جملة المقررات السياسية في مرحلة البكالوريوس هو 1 : 10 أصبح 1 : 5 في عام 1945، 1 : 3 في عام 1965.
رافق ذلك احتجاج على المنهج التقليدي في تناول نظم الحكم وهو احتجاج تعود جذوره إلى العشرينات والثلاثينات من هذا القرن حيث نجد في الكتابات الرائدة لكل من جورج كاتلن، تشارلز ميريام، هارولد لاسوبل تحذيرا من الدراسة المؤسسية – القانونية ودعوة إلى التحليل المقارن لعلاقات القوة والسلطة.

ما هي العوامل التي أدت إلى هذا التطور وما هي مظاهرة؟

للأجابة على الشق الأول من السؤال، يمكن أن نشير إلى عاملين أساسيين:
1- نالت دول كثيرة استقلالها السياسي وتزايدت أهميتها على المسرح الدولي بحيث لم يعد ممكنناتجاهلها في الدراسات السياسية.
2- تعرض علم السياسة ذاته لثورة منهجية كان من شأنها أضعاف شوكة المناهج والأدوات التقليدية وتبني مناهج وأدوات جديدة، هذه الثورة أملتها جملة اعتبارات:

الاعتبار الأول: يتعلق بالحركة السلوكية التي أثرت بشكل واضح في العلوم الاجتماعية ومن ضمنها علم السياسة.
الاعتبار الثاني: يتعلق بانفتاح علم السياسة بفروعه المختلفة على العلوم الأخرى كما يظهر في استخدام النماذج الاقتصادية والأساليب الانثروبولوجية للتعرف على علاقات القوة والسلطة غير الرسمية، فضلا عن اقترابات البحث السوسيولوجي كالتحليل البنائي الوظيفي والتحليل الطبقي والنخبوي.
الاعتبار الثالث: بظهور دراسة المناطق التي تنهض على تعاون أكثر من علم اجتماعي في سبيل التحليل الرصين الجاد لأوضاع منطقة بعينها.

أما الإجابة على الشق الثاني من السؤال:

1- يفضل اسهامات دافيد ايستون وجابرئيل الموند، أصبح مفهوم النظام وحدة مكروكزمية للتحليل المقارن.
2- بفضل جهود الموند ولوشيان باي وفريد رجز وليونارد بايندر ودانكورات روستو ودافيد ابتر وغيرهم، باتت قضايا التنمية والتغير السياسي تدخل ضمن الاهتمامات الرئيسية لعلم السياسة المقارنة، وأصبحت أدبيات هذا العلم حافلة بكلمات التحديث والتنمية والتغير والاصلاح والثورة والصراع والعنف.
3- استخدام المنهجيات المقارنة في دراسات المشكلات والسياسات الحكومية في دولتين أو أكثر: السلوك التصويتي، أسلوب الاختيار والتعيين في الجهاز الإداري، سياسة الرعاية الاجتماعية، صنع السياسة الخارجية، السياسة الاقتصادية، وضع المؤسسات العسكرية.
4- بروز مفاهيم جديدة أثرت بالتحليل السياسي المقارن.
5- تعدد وتنويع المناهج والأطر النظرية وأدوات جمع المعلومات المستخدمة في الدراسات السياسية المقارنة.

‌أ معنى وقواعد ومستويات وأهداف الدراسة المقارنة.
يقصد بالمقارنة إبراز وتفسير أوجه الشبة والاختلافات بين المتغيرات موضع الدراسة.
فإن التحليل السياسي المقارن يعني بأظهار وتعليق الفروق وأوجه التشابه بين مختلف المؤسسات السياسية وأنماط السلوك السياسي.

تخضع لمجموعة من القواعد:
1- لا موضع للمقارنة بين أشياء متماثلة تماما أو متميزة تماما.
2- لا يصح إجراء مقارنات مصطنعه تعتمد على تشويه للظواهر أو الحالات محل المقارنة.
3- ضرورة خضوع الظواهر موضع المقارنة لمناهج بحث واحد توخيا للدقة العلمية في إظهار جوانب الاتفاق والاختلاف.

وتتخذ المقارنة أكثر من شكل أو مستوى:

1- مقارنة واحدة أو الظاهرة في مرحلتين تاريخيتين مختلفتين في تطورها التاريخي في مجتمع معين: دراسة النظام السياسي المصري أو إحدى مؤسساته أو السلوك التصويتي أو نمط القيادة أو السياسات العامة قبل وبعد الثورة 1952 أو عهد عبد الناصر وعهد السادات.
2- مقارنة المظاهر أو وحدة عبر المكان، أي في دولتين أو أكثر: الدراسة المقارنة للنظام السياسي ككل أو لأحد عناصره أو العلاقة بين متغيرين (التعليم والمشاركة السياسية) أو ظاهرة الثورة أو المعارضة السياسية في أكثر من دولة.

وينبغي الإشارة إلى أن القيام ببحوث مقارنة حول ظاهرة أو أكثر في مجتمعات عديدة أمر ضروري لبناء، كما يقول جبرائيل الموند، نظرية احتمالية للنظام السياسي أي الوصول إلى تعميمات أكثر صدقا.
هذه المنهجية المقارنة تمثل بديلا عن التجريب المعملي، فعن طريقها يستطيع الباحث الاجتماعي ضبط المتغيرات على نحو غير مباشر من حيث يستحيل عليه الضبط المباشر الذي يتيحه التجريب المعملي للباحث الكيميائي أو للفيزيائي.
لقد أدرك ضرورة أجراء دراسات مقارنة ماكس فيبر لبيان العلاقة السببية بين الأخلاق البروتستانتية وبين ظهور الرأسمالية.

ويرمي التحليل المقارن إلى تحقيق أغراض عديدة أهمها:

1- إثراء المعارف النظرية والواقعية بأنظمة الحكم والسياسة في العالم الذي نعيش فيه.
2- تقييم الخبرات والمؤسسات والتفاعلات وأنماط السلوك السياسي.
3- التنبؤ بالأحداث والاتجاهات والنتائج.
4- تحديد أي أنظمة الحكم أكثر كفاءة، وطرح حلول أفضل لعديد من المشكلات السياسية، فالدراسات الراهنة عن النظم السياسية في دول العالم الثالث تدفع إليها، جزئيا، رغبة في معرفة أكثر صيغ الحكم ملائمة وقدرة على النهوض بهذه الدول.

و- مشاكل الدراسة المقارنة:

يواجه التحليل المقارن للنظم السياسية عددا من المشكلات ومن أبرزها:
1- عدم دقة المصطلحات.
2- مشكلة تحديد المتغيرات أو العناصر الأولى بالبحث المقارن:

أ- الموند وباول: البنية والثقافة السياسية، التعبير عن المصالح تجميع المصالح، الأبنية والوظائف الحكومية، الاتصال، قدرات النظام، أنماط السياسة، والتنمية السياسية.
ب- روي مكريدس: صنع القرار، القوة، الأيديولجية.
ج- بلوندل: الأبنية، السلوك، القانون.
د- ميركل: التنشئة والمشاركة والتجنيد السياسي، الثقافات السياسية، المركز والحواف.
هـ- كيرتس: المجتمع والدولة، تصنيف النظم السياسية، التمثيل والتصويت.
و- ايكشتين وابتر: الحكم التمثيلي والدستوري، النظم الانتخابية، جماعات الضغط، الأحزاب.
د- استخدام أحد المناهج (منهج النظم، أو المنهج البنائي الوظيفي أو منهج الاتصال أو منهج الصفوة، أو التحليل الطبقي أو التحليل النفسي)

3- مشكلة تحديد وحدة المقارنة، فالبعض يرى أن النظام السياسي ككل أكثر الوحدات السياسية ملائمة للتحليل المقارن، وهناك من يركز على الحكومة ويرها الآخرون في الدولة.
4- كيفية معالجة الظاهرة السياسية: هنا يمكن أن تخضع الظواهر السياسية للبحث المقارن بوصفها غايات، أي نتيجة عوامل يندر أن تكون من طبيعة سياسية.
5- بناء المؤشرات: لقد مر بنا أنه قلما يتفق الدارسون على مجموعة مؤشرات تدل بوضوح ودقة على الظاهرة السياسية قيد البحث المقارن ونضيف أن المؤشرات الخاصة بمتغير أو ظاهرة ما ربما كانت دالة بالنسبة لمجتمع وغير ذلك بالنسبة لمجتمع آخر.
6- مدى وفرة المعلومات، فأحيانا قد لا يجد الباحث الحقائق أو المعلومات التي تسمح له بالمقارنة

العلوم السياسية و تطورها

كاتب الموضوع الأصلي: رشيد باكرمان 2013

العلوم السياسية هي إحدى تخصصات العلوم الاجتماعية التي تدرس نظرية السياسة وتطبيقاتها ووصف وتحليل النظم السياسية وسلوكها السياسي. هذه الدراسات تكون غالبا ذات طابع أكاديمي التوجه، نظري وبحثي.

الحقول الفرعية التي تتناولها العلوم السياسية تتضمن: النظرية السياسية، والفلسفة السياسية، والمدنيات civics وعلم السياسة المقارن (comparative politics)، والأنظمة القومية وتحليل سياسات بين الأمم (cross-national political analysis) والتطور السياسي والقانون الدولي والسياسة.

تطور علم السياسة
أصبحت الجامعات تعترف بعلم السياسة كعلم أو فرع من العلوم الاجتماعية والإنسانية منذ نهاية القرن التاسع عشر، وترسخ هذا الاعتراف بإنشاء كل من المدرسة الحرة للعلوم السياسية في باريس عام 1872 Ecole Libre des Sciences Politiques, ومدرسة لندن لعلم الاقتصاد والسياسية London School of Economic & Political Science وقد تأكدت أهمية هذا العلم باعتماده كمادة للتدريس في الجامعات الأوروبية بصفة عامة والجامعات الأميركية بصفة خاصة.

وقد أدى وجود عوامل عديدة للأهتمام بعلم السياسة وقد اقترن ذلك الاهتمام بالمزيد من الاتجاه نحو الدراسة الاستقرائية لمختلف الظواهر السياسية كالأحزاب السياسية والرأي العام وجماعات الضغط والمصالح وغيرها خاصة في الولايات المتحدة حيث غلبت فيها النزعة المنهجية لدراسة الوقائع والجزئيات إلى درجة أحدثت تطوراً منهجياً جديداً جعل علماء السياسة فيها يتبنون نظريات جديدة.

و قد ظلت دراسة النظريات السياسية التقليدية غالبة في أوروبا إلى أن تأثر العلماء والمفكرين السياسيين في أوروبا بالمناهج الاستقرائية والتحليلية الأمريكية مما احدث تحول تدريجي لصالح هذا الاتجاه.

وقد ظلت النظرة السائدة إلى علم السياسة إلى ما قبل الحرب العالمية الثانية على أنه فرع من العلوم الاجتماعية أو الإنسانية التي تهتم على وجه ما بالحياة السياسية وأنه ليس هناك ميدان خاص للمعرفة ينفرد به علم السياسة انطلاقاً من أن جميع العلوم الاجتماعية والإنسانية تتناول السياسة، أي أن النظرة لعلم السياسة أو العلوم السياسية كانت تؤكد العلاقة بين علم السياسة والعلوم الاجتماعية دون أن نعترف له بموضوع خاص ينفرد به دون سائر العلوم الاجتماعية.

إلا أنه عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية وما نتج عن تلك الحرب من ظواهر سياسية لم تكن موجودة من قبل وانقسام العالم إلى كتلتين وقيام كيانات دولية جديدة – كل هذه العوامل أكسبت أهمية لعلم السياسة وفتحت الباب للبحوث السياسية والدراسات المستقلة، وأعطت لعلم السياسة أبعاداً جديدة تبرزه عن العلوم الاجتماعية الأخرى