أ.د. أحمد محمد وهبان

المجمع الانتخابي في امريكا

كاتب الموضوع الأصلي: سعيدالغامدي20

أصوات المجمع الانتخابي لكل ولاية على حدة. الألوان تبين الفرق في عدد الأصوات بين التعداد السكاني لعامي 2000 و2010. أزرق:ولايات كسبت أصوات. أصفر:ولايات خسرت أصوات. رصاصي:ولايات لم تكسب ولم تخسر.يتألف المجمع الانتخابي Electoral votes منذ عام 1964 من 538 ممثل للشعب الذين يقومون رسميا باختيار الرئيس ونائب الرئيس للولايات المتحدة. المجمع الانتخابي هو مثال للانتخابات غير المباشرة Indirect election.

في نظام المجمع الانتخابي بدلا من التصويت مباشرة لصالح الرئيس ونائب الرئيس من قِبل مواطني الولايات المتحدة يتم التصويت لصالح ناخبين المجمع الانتخابي والذي يقوم بدوره بانتخاب الرئيس ونائبه كما ينص الدستور الأمريكي.

يحدد الدستور الأمريكي لكل ولاية من الولايات الخمسين -إضافة إلى واشنطن العاصمة- عدد من الناخبين Electoral مساوي لعدد أعضاء ممثليها في مجلس الشيوخ والنواب في الكونغرس في الولايات المتحدة. لكل ناخب من المجمع الانتخابي أحقية صوت واحد للرئيس وصوت واحد لنائب الرئيس.

من أجل فوز مرشح لمنصب الرئيس ونائب الرئيس يجب أن يحصل على أغلبية (على الأقل 270) من الأصوات الانتخابية للمجمع الانتخابي لهذا المنصب.

قد يحدث أن يفوز مرشح بالرئاسة كما حدث لجورج دبليو بوش عام 2000، لأنه فاز بأصوات المجمع الانتخابي، رغم أنه خسر التصويت الشعبي لصالح آل جور.

فرانسيس بيكون

كاتب الموضوع الأصلي: عمر الشايع 20

فرانسيس بيكون
[email protected]

( يجب أن نقذف بجميع نظريات القرون الوسطى بعيداً، كذلك الجدل والحوار والنظريات، التي تحتاج إلى إقامة البرهان وننساها.

ويجب على الفلسفة كي تجدد نفسها، أن تبدأ مرة ثانية بقلم جديد ولوح نظيف وعقل مغسول مطهر ..

لذلك تكون الخطوة الأولى هي تطهير العقل وتنقيته، وكأننا عدنا أطفالاً صغارا أبرياء من الأفكار والأحكام المسبقة….

ومشكلة المنطق الأولى هي تتبع مصادر هذه الأخطاء وسدها).

هذه الأقوال هي لفيلسوف بريطاني عاش 65 سنة، بين 1561 و 1626 م، ولكن بصماته مازال لها الأثر على الفكر الإنساني حتى اليوم، هو فرانسيس بيكون ويعلق المؤرخ الأمريكي ديورانت على أثره في الفكر، أنه شق طريقاً جديداً في الفلسفة، بعد أرسطو، تعتمد الجانب العملي التجريبي.

وتشبه قصة هذا الفيلسوف البريطاني، حياة ابن خلدون فقد جمع بين الفلسفة والسياسة، وهي خلطة صعبة إلا على من يسرها الله عليه.

وارتقى في المناصب الحكومية، حتى أصبح رئيس وزراء، في عهد جيمس الأول، ولكن السياسة حصان جموح غير قابل للترويض؛ فقد جلبت لنفسه المتاعب والحساد؛ فكادوا له كيدا ورموه في غيابة السجن.

وفي نهاية حياته، ذاق الفقر بعد نعمة الغنى، ولكنه عكف على إنتاج أفضل شيء للبشر، أي الخلاصات الفكرية، في عدة كتب أهمها: (البحث الجديد ـ أورغانون نوفا Organon Nova الذي وصف فيه أوهام العقل.

واختصرها في أربعة: (أوهام القبيلة) و(الكهف) و(السوق) و(المسرح).

فأما أوهام (القبيلة) فهي مشكلة عقل الإنسان، أنه مرآة مقعرة، على نحو ما، بمعنى أنه يرى الأشياء في ضوء الهوى والتقاليد التي نشأ فيها.

أما أوهام (الكهف) فهي شخصية، كما وصفها (أفلاطون)، أن أحدنا يسكن في كهف من التصورات، وأن النور الذي يأتي من الخارج يترك ظلاله على جدران الكهف؛ فلا نرى الحقيقة الا بعمل عقلي مجرد، وهيهات أن نصل إلى الحقيقة.

وتحت ضغط هذه الفكرة وصل الفيلسوف (بيركلي) إلى اعتبار أن العالم وهم؛ لأن ما نراه لا يمثل العالم، بقدر الكاميرا العقلية التي نحملها داخل رؤوسنا.

أما أوهام (السوق) فهي التي تنشأ من عالم المال والأعمال، واجتماع الناس وتأثيرهم بعضهم في بعض، ومن هنا اعتبر القرآن أن أكثر الناس لا يعقلون، لأن الميديا تعلب دورها في إنشاء هذيان الجماهير.

والواقع أن الديمقراطية جيدة، عندما يوجد الوعي، وإلا أصبحت مهزلة؟! ومجالس الشعب في جمهوريات الخوف والبطالة، لا تزيد على مجالس قرود، ورصيد الديمقراطية يبقى وعي الأمة قبل الصناديق.

وأما أوهام (المسرح) فهي التي انتقلت إلينا من الفلاسفة والمفكرين، أي تلك الأفكار التي نتلقاها بدون تمحيص.

ولذلك فإن بيكون اقترح علينا، أن نتحلى بالعقل النقدي أكثر من النقلي، كي نؤسس لمعرفة سليمة.

والقرآن نعى جدا إلى اتباع الآباء (أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون).

بقي بيكون نشيطاً إلى أيامه الأخيرة، وعندما كان في طريقه لزيارة أحدهم خطرت له فكرة عن حفظ الدجاج أو اللحم عموما؛ فكم من الوقت يحتفظ الثلج بلحم الدجاج بدون فساد؟؟

وعندما سارع إلى تطبيق التجربة انتابته عرواء ومرض ومات، غالبا من التهاب رئوي حاد، في وقت لم تكن الصادات الحيوية موجودة، ولم يكن يعمر إلا القليلون النادرون.

هكذا مات سبينوزا عن عمر 42 سنة بالتهاب صدر، وجن نيتشه بالتهاب الدماغ الصمغي في عمر الخمسين، وقضى صلاح الدين وهو كهل بالتهاب الطريق الصفراوي، وأما الإمام الشافعي فمات من البواسير، وهي اليوم تحل بعملية بسيطة..

وأوصى بيكون أن يكتب على قبره:

(أترك روحي إلى الله، وأما جسدي فأمره إلى المجهول، وأما اسمي فأبقيه للأجيال القادمة والإنسانية جميعاً).

نابليون الثالث ودروس للشعوب

كاتب الموضوع الأصلي: عمر الشايع 20

نابليون الثالث ودروس للشعوب

د. محمد عبد الستار البدري *

لقد ظلت البشرية على مدار آلاف السنين لا تعرف وسيلة للانتقال السلمي للسلطة إلا من خلال الوراثة وبدرجات أقل الانقلاب أو الاحتلال، وحتى وسيلة الوراثة كانت تعتريها في مناسبات كثيرة صدامات داخل الأسرة الواحدة حتى يسيطر جناح أو فرد من الأسرة ويحسم الأمر لصالحه، غالبا من خلال الإطاحة برؤوس أفراد من عائلته، ولكن هذه التركة قد تكون في مناسبات أخرى عبئا على صاحبها، والأمثلة التاريخية عديدة للتدليل على هذه الحالات.
ولعل من أبرز هذه النماذج سيرة «لووي نابليون»، والمعروف باسم «نابليون الثالث» إمبراطور فرنسا من 1852 – 1870، فالرجل كان ابن أخي نابليون بونابرت إمبراطور فرنسا العظيم من أخيه جوزيف، إلا أنه لم يمتلك قدراته العسكرية أو السياسية، ولكنه كان مدفوعا بالطموح السياسي الجارف، فانتظر حتى آلت إليه عمادة أسرة بونابرت، فتحرك على الفور صوب محاولة انقلاب عسكري في «ستراسبورغ» ولكنه فشل فأعاد الكرة مرة أخرى في فرنسا في «بولوني» ولكنه فشل أيضا وفي هذه المرة ألقي القبض عليه وسجن لسنوات عديدة إلى أن هرب وعاش في بريطانيا، ولكنه عاد لبلاده مرة أخرى بمساعدة بريطانية وفرنسية في 1848 بعد أن اندلعت الثورة في البلاد ووضع نفسه على اعتباره المخلص السياسي لفرنسا فغازل أغلبية القوى الفرنسية والتي ضجت من الأوضاع المتردية في البلاد والحكم الملكي وبدأت تتطلع لشخصية تعيد لفرنسا مجدها وقيمتها الثقافية مرة أخرى فلم يكن هناك أفضل من هذا الرجل لتولي هذه المهمة لأنه ابن أخي بطل ومعبود فرنسا فرأى الشعب فيه امتدادا لعمه، ولكنه لم ير فيه ضعفه المقارن.

أصبح لووي نابليون عضوا في البرلمان الجديد ثم رشح نفسه لرئاسة الجمهورية ونجح بفضل دعم طبقة العمال والكنيسة وأبناء الشعب المتطلعين لمستقبل أفضل لفرنسا، ولكن طموح الرجل كان أكبر من ذلك فسرعان ما دبر انقلابا سياسيا سلميا وديمقراطيا على حد سواء، ففي صراعه مع البرلمان والذي كانت فيه أغلبية ملكية قدم الرجل بعض تشريعات ليبرالية وعندما رفضت اتخذ الرفض ذريعة لحل البرلمان أعقبه عقد استفتاء حصل فيه على قرابة 90% من الأصوات ليخول لنفسه حق وضع الدستور والذي منحه سلطات واسعة لا تقل عن أي ملك، وفي 1852 وبموافقة الشعب أيضا توج نفسه إمبراطورا على فرنسا في ذكرى انتصار عمه في معركة «أوسترلتز» الشهيرة على النمسا.

لقد كانت السنوات الأولى لحكمه سنوات رغد وإنجازات، فسرعان ما وضع خططا لتطوير الصناعات في البلاد وشجع الاستثمار ونظم الضرائب ووضع خطة لتنمية اقتصادية واسعة النطاق، وينسب له أنه وضع البعد الجمالي لمدينة باريس وأعاد بناءها بشكل حضاري وراق، كذلك كان مشروعه الثقافي عظيما حيث شجع الفنون بأشكالها ورفع القيمة الفرنسية على المستوى الدولي في هذا الإطار؛ ولكنه انحرف على مسار السياسة الداخلية، فاتبع سياسة انكماشية في مجال الحريات، فبدأت بالرقابة على الصحف والكتب تدرجيا ثم تحولت إلى رقابة لصيقة على المعارضين السياسيين إلى أن أصبح نظاما ديكتاتوريا بكل ما تعنيه الكلمة، فضجت السجون بالمعارضين والرقابة على التجمعات والفكر والإعلام والرأي.

ونظرا لأن نابليون الثالث وضع شرعيته في إعادة إحياء الحلم البونابرتي، فقد سعى لسياسة خارجية عنيفة وقوية ولكنها لم تكن تتناسب والقدرات الفرنسية بطبيعة الحال، فكانت سببا أساسيا في سقوطه ومعه الجمهورية الثانية التي مثلها، فقد سعى الرجل لسياسة إمبريالية عنيفة ضم من خلالها الجزائر لفرنسا ثم توسع في الاستعمار في الهند الصينية ثم أدخل بلاده في حرب القرم مع روسيا لرفع البرستيج الفرنسي على المستوى الدولي وهي الحرب التي وضعت ضغوطا على الخزانة الفرنسية وراح ضحيتها قرابة 75 ألف جندي فرنسي في معارك لا ناقة لفرنسا فيها ولا جمل، وكانت مغامرته الأخرى هي محاولة مد نفوذ بلاده إلى أميركا من خلال إرسال جيش فرنسي لدعم شخصية نمساوية تدعى «ماكسيمليان» والذي توجه ملكا على المكسيك، وبمجرد أن استفاقت الولايات المتحدة من حربها الأهلية عملت جاهدة على تطبيق «مبدأ مونرو» الشهير لتقليص النفوذ الأجنبي من القارة الأميركية، فانهزمت القوات الفرنسية هناك وقتل الثوار المكسيكيون ماكسيمليان.

وفي بداية عام 1860 بدأت الآثار السلبية للحكم الفردي الممزوج بسياسة خارجية لا تتناسب وإمكانات الدولة تظهر، فبدأت المعارضة الداخلية تدرك أنها أعطت صوتها لديكتاتور بديلا عن ديكتاتور آخر، وأن الإنجازات المختلفة لم تكن لتكفي لاستمرار الرجل، ولكن نهاية الرجل السياسية جاءت إثر فشل في السياسة الخارجية بعد أن تقلصت شعبيته بسبب سياساته السلطوية. وفي خطوة نمطية تلجأ بعض الديكتاتوريات إلى نفس النهج الذي اتبعه نابليون في حربه مع بروسيا الصاعدة كوسيلة لجمع شمل الكلمة الفرنسية وإعادة هيبته بانتصار قوي ليعضد شرعيته المتآكلة، وفي سعيه لصيد الثعلب الألماني «بسمارك» صاده الأخير صيدا سهلا باستدراجه لحرب معتمدا على قوته، فلم يدرك الرجل أن الآلة العسكرية الألمانية كانت أقوى من آلته فكانت الهزيمة النكراء لفرنسا في معركة «سيدان» الشهيرة والتي أُسر فيها نابليون الثالث، وهو ما فتح المجال أمام نجاح الانقلاب الذي أطاح بحكمه في الداخل، وفي يوم واحد أسر نابليون الثالث وخلع من إمبراطوريته وانهار حلمه ومعه الجمهورية الفرنسية الثانية، كما احتلت بلاده وفرض عليها أن تدفع تعويضات وصلت لمليار دولار ناهيك عن عدد القتلى والدمار بسبب مغامرته الأخيرة.

حقيقة الأمر أن سيرة نابليون الثالث تمثل درسا هاما للشعوب أكثر منها للديكتاتوريات أو أنصاف الديمقراطيين المتطلعين للسلطة المطلقة، واعتقادي أن أهم هذه الدروس هي:

أولا: أن اختيار الشخصية الحاكمة لارتباطها باسم تاريخي هي أكبر خطيئة يمكن أن يقع فيها شعب عند اختياره لقياداته، فالحقيقة الثابتة أن نابليون الثالث تميز بقدرات سياسية لا يمكن إنكارها خاصة التخطيط السياسي واستخدام اسم عمه لاجتذاب الشرعية وانتزاع الحكم المطلق، ولكن هذه التركة المعنوية وضعت عليه ثقلا عظيما وجعلته يلهث ومعه الشعب الفرنسي لتحقيقها من خلال سياسة خارجية لا تتوازن والقدرات الداخلية للشعب أو الدولة الفرنسية، فانهارت الدولة في إحدى هذه المغامرات وانكسر الحلم على الواقع المر، فالاسم تركة قد تكون سلبية وليس بالضرورة إيجابية.

ثانيا: أن الوسيلة الديمقراطية لاختيار القيادات ليست بالضرورة ضمانا لاستمرار الديمقراطية في المجتمعات، ومثال نابليون الثالث أكبر دليل على خطورة استخدام الديمقراطية كوسيلة لوطأة السلطة للإبقاء عليها بلا رجعة، فالديمقراطية عملية ديناميكية لا تنام بإعطاء الشرعية لشخص وتركه بلا رقابة، ومن ثم أهمية الدساتير لتشمل القيود والحدود لفترات الحكم، فالديمقراطية ليست ضمانا في حد ذاتها والتاريخ مليء بهذه الأمثلة، فيوليوس قيصر أصبح بالديمقراطية ديكتاتورا، وهتلر انتخبه الشعب الألماني ليصبح ديكتاتورا والأمثلة متعددة.

ثالثا: لقد أثبت التاريخ أن مغامرات السياسة الخارجية يمكن أن تطيح بالديكتاتوريات تماما مثل الفساد والاستبداد في الداخل، وهنا تدفع الشعوب ثمنا غاليا من أبنائها وأموالها بل وأراضيها وكبريائها، فتكون نهاية الظالم طابورا طويلا من الضحايا ودمارا لبلاده، وبكل أسف فإن التاريخ عبرة ولكنها لا تمثل لقاحا للشعوب يقيها مخاطر مغامرات السياسة الخارجية لديكتاتورييها، فقديما قال كليمنصو رئيس الوزراء الفرنسي الشهير «إن الحرب أمر هام لا يمكن تركه للجنرالات وحدهم» ولكنها المقولة التي يجب تعديلها لتصبح «إن الحرب أمر هام لا يمكن تركه للقرار الفردي لنفر أو مؤسسة فردية».

* كاتب مصري

الحق السياسي عند جان جاك روسو

كاتب الموضوع الأصلي: عمر الشايع 20

الحق السياسي عند جان جاك روسو
الأحد 11 يوليو-تموز 2010 القراءات: 1449
توفيق المديني

يشترك جان جاك روسو (1712- 1778)، مع هوبز وسبينوزا، من أن “حالة الطبيعة والعقد الاجتماعي “ليست سوى أصل المجتمع. ولكن روسو يختلف مع هوبز بوصف الإنسان في حالة الطبيعة، بالذئب لأخيه الإنسان، أي معنى آخر بالشر. وتتجسد نقطة الخلاف هنا، حسب وجهة نظر روسو في أن هوبز ينظر للإنسان في حالة الطبيعة بنفس المنظار الموجود عليه اليوم في حالة المجتمع.
يقول روسو: “اكتشف هوبز عيب كل التعريفات الحديثة للحق الطبيعي، بيد أن النتائج التي يستخلصها من التعريف الذي يعطيه هو تظهر لنا أنه يأخذها في معنى ليس بأقل خطأ (…) لقد تعين على هذا المؤلف أن يقول أن حالة الطبيعة هي الحالة التي يكون فيها الاهتمام بحفظ وجودنا الخاص أقل إلحاقاً للغير بالضرر وبأن هذه الحالة هي بالتالي الحالة الأكثر موافقة للسلام والأكثر ملائمة للنوع البشري، ولكنه يقول بالضبط عكس ذلك لأنه يدخل خطأ رغبات هي من صنع المجتمع ويدرجها في عداد ما يسعى إليه الإنسان من أجل حفظ حياته”.
ففي حالة الطبيعة نجد في السلوك الخاص للإنسان، تتحكم فيه غريزة البقاء والرأفة، حسب روسو. وانطلاقاً من هذين المبدأين الأساسيين تنحدر قوانين الحق الطبيعي كافة.
فالرأفة تلعب دوراً مهماً في حالة الطبيعة، وهي بمنزلة القوانين، والأخلاق، والفضيلة. ويستطرد روسو قائلاً، أن البشر في حالة الطبيعة لا صالحين ولا أشراراً، إذ لا تجمع بينهم أية علاقة أخلاقية أو واجبات مشتركة.
وبما أن العمل هو قانون التطور الإنسان، فضلاً عن أن الإنسان الفاعل المنتج، يستنير بعقله، لتحسين شروط الإنتاج المادي، فإن البشر يتعذر عليهم أن يبقوا في ديمومة ثابتة في حالة الطبيعة، لأن البشر ابتدعوا حاجات مصطنعة، أورثتها الأجيال السابقة وزرها الثقيل، وبخاصة مع بروز الملكية العقارية، حيث حصل التحول الحقيقي للجنس البشري باتجاه الانحطاط، والنزوع إلى الشر، وإلى حب الامتلاك. وكما يقول روسو: “إن أول من سيج أرضاً وقال هذا ملك لي، ووجد أناساً سذجاً بما فيه الكفاية ليصدقوا قوله، هو المؤسس الحقيقي للمجتمع المدني”. ويضيف روسو قائلاً: “لم تتكون فكرة الملكية هذه دفعة واحدة في العقل البشري، فقد احتاج الإنسان إلى الكثير من التقدم، وإلى اكتساب قدر لابأس فيه من المهارات العملية والمعارف… حتى يصل إلى هذه النهاية الأخيرة للحالة الطبيعية.
في حالة الطبيعة تبدو اللامساواة شكلية وتافهة، ولا تكاد تكون محسوسة، أما في المجتمع حيث تسود الملكية، وما تفرزه من ظواهر سيادة الجشع، والطموح، والمنافسة، وصراع المصالح، فإن اللامساواة بين البشر تكون شديدة الوطأة. ولقد شكل بروز الملكية العقارية مرحلة حاسمة في تعميق الفوارق، واللامساواة بين البشر.
في مؤلفه: المقال في اللامساواة، احتل تعريف الحالة الطبيعية حيزاً كبيراً، ولكن في هذا المؤلف نجد روسو ينحني جانباً في مفهوم الإنسان الطبيعي، الطليق من مكتسباته التاريخية كافة، ويتبنى بدلاً منه مفهوم الإنسان التاريخي، الذي يحمل السمات النوعية للعصر الذي خلقه.
ويخلي مبدأ القانون الطبيعي كنظام من القيم القابلة للتطبيق في كل مكان وزمان مكانه عنده لصالح مبدأ النسبية التاريخية. فالطبيعة البشرية بحسب وصف روسو لها تتغير، وتتبدل، حتى ليعزو تعرف قسماتها الأولى، في مجرد تطور الجنس البشري. فما قد يكون ممتازاً في عصر من العصور، قد يقدر غير مناسب في عصر آخر».
إن قيمة المقال في اللامساواة، تكمن في نقد روسو الجذري للعلاقات الاجتماعية القائمة، وفي التعبير عن آرائه ومواقفه السياسية الصريحة بصدد تعاطفه مع النظام الجمهوري، والديمقراطية. فهو يقول “لكم تمنيت أن أرى النور في ظل حكم ديمقراطي… كل بودي أن أعيش حراً وأن أموت حراً.
أما في كتابه «العقد الاجتماعي»، الذي حدد روسو لنفسه فيه، مهمة البحث عن مبادئ الحق السياسي وجلائها، فهو يشكل ركيزة نظرية لأفكار روسو حول الجمهورية، والديمقراطية، حيث تحول فيما بعد إلى «إنجيل سياسي للديمقراطيين الثوريين»، في الثورة الفرنسية 1789، أي إن العقد الاجتماعي، الذي يقدمه روسو للجميع، يعبر عن حقيقة المساواة في الحالة المدنية، التي ينتقل إليها الإنسان من حالة الطبيعة. إنه يضع مساواة خلقية وشرعية» محل ما أمكن أن تضعه الطبيعة من لا مساواة فيزيائية بين البشر، والبشر، مع إمكان كونهم غير متساويين في القوة أو في القريحة، يصبحون جميعاً متساوين بالاتفاق وبالحق».
إن العقد الاجتماعي شرط ملازم لكل سلطة شرعية، وبالتالي شرط ضروري لكل نظام سياسي طبيعي.
فالعقد الاجتماعي يشكل مرحلة تاريخية نوعية في عملية الانتقال من الحالة الطبيعية إلى حالة المجتمع المدني. وهنا يربط روسو رباطاً جدلياً بين تكون المجتمع المدني، وبين تأييده للعقد الاجتماعي. فهو يقول: “ما يجسده الإنسان من جراء العقد هو حريته الطبيعية والحق اللامحدود في كل ما يغريه، وكل ما يستطيع أن يبلغه ويطوله، وما يربحه بالمقابل هو الحرية المدنية وحق تملكه لكل ما ملكته يده”، وفي هذا القول الصريح، يؤكد روسو على أهمية المجتمع المدني، “يقلد الميثاق الاجتماعي الجسم السياسي سلطة مطلقة على أعضائه كافة. وتشمل هذه السلطة حياة المواطن بالذات فليست الحياة في المجتمع المدني من حسن صنيع الطبيعة ومعروفها، وإنما هي هبة مشروطة من الدولة. إن غاية العقد الاجتماعي الحفاظ بلا ريب على حياة المتعاقدين.
ويتكون بفعل الأصل التعاقدي، أي العقد الاجتماعي مالك السيادة، أي سلطة الشعب، التي تتطابق مع الإرادة العامة، التي يعبر عنها القانون، الذي يعول له وحده الفصل في الحرية والعدل وتتمتع هذه السيادة بسمات معينة، كونها لا تخلع، وغير قابلة للتصرف، ومعصومة عن الخطأ، ومطلقة. إن السيادة عند روسو، حسب نظرة جان جاك شفالييه، هي:«سيادة مجردة تماماً، محل سيادة لويس الرابع عشر العيانية المغصوبة على سيادة الله سيادة تعارض الدولة أنا للمونارك المطلق بالدولة نحن للمحكومين في جسم».
إن نظرية الإرادة العامة تخص السيادة فيها إلى الشعب، باعتباره شخصية مشتركة، بينما تكون الحكومة مجرد وسيط «لسلطات مفوضة يمكن سحبها وتعديلها وفقاً لما تمليه إرادة الشعب» وتشكل نظرية التعاقد الاجتماعي نقطة الالتقاء بين الفيلسوفين السياسيين، الكبيرين، هوبز و روسو، وإن اختلفت طرائقهما في التحليل للوصول إليها.
وهكذا، نصل إلى تطور المفاهيم حول السيادة، والإرادة العامة عند روسو، والملكية الخاصة، والحرية الفردية عند لوك، والمواطن عند سبينوزا، والقانون، والديمقراطية، لكي تتفاعل هذه المفاهيم مجتمعة، وتتمفصل بعضها عن بعض، لتشكل أساساً راسخاً للمجتمع المدني الحديث.
ليس من شك، أن نظرية العقد الاجتماعي أسهمت إسهاما حقيقياً في دك سلطة النظام الإقطاعي حتى وإن كانت من وحي برجوازي.
وبالفعل فإن فكرة كون البشر هم صانعو مجتمعهم في حلف أصلي يمكن أن يزدوج أحياناً إلى حلف مشترك (مدني) وحلف سيطرة (سياسي) هي حينئذ فكرة ثورية، مرددة ضمن النظرية البحتة، النزاعات الاجتماعية والسياسية لعالم في طور الولادة. وإن هذه الفكرة هي في آن معاً احتجاج ضد الظلم القديم، وبرنامج من أجل نظام جديد في هذه النظرية حول حالة الطبيعة والعقد الاجتماعي، التي تبدو مجرد تأمل، نشهد نظاماً اجتماعياً وسياسياً يسقط، وأناساً يشيدون النظام الجديد الذي يريدون الدفاع عنه أو بناءه على أسس ومبادىء مبتكرة».

مفهوم العقد الاجتماعي عند روسو

كاتب الموضوع الأصلي: عمر الشايع 20

2012-04-17
مفهوم العقد الاجتماعي عند روسو
محمد جيلالي

تقديم
إن مساءلة الفكر الحداثي انطلاقا من استحضار مختلف المساهمات الفلسفية التي أثثت سياق ومجال اشتغاله يفرض علينا بالضرورة الوقوف على محطة أساسية من تاريخ الفلسفة السياسية الحديثة، يتعلق الأمر بالجديد الذي أدخله جون جاك روسو في مجال على المجال النظري في البحث السياسي.
يعتبر جتن جاك روسو من أبرز ممثلي عصر الأنوار والاتجاه المساواتي إلى جانب مجموعة من الباحثين والفلاسفة أمثال فولتير، مونتيسكيو، ديدرو ودالامبير…إذ يجسد جان جاك روسو من خلال أعماله الرائدة الفيلسوف المهموم المشغول بمشاكل عصره والمنخرط انخراطا فعالا في النقاشات السياسية المتجددة الرهانات والانتظارات التي تسعى الحكومات الحديثة إلى تحقيقها ؛ حيث وجه النقد اللاذع الى مختلف الظروف التي كانت تعيشها فرنسا وأوروبا قبل الثورة الفرنسية، الأمر الذي أكسب كتاباته صفة الراهنية بحيث تحضر الروح الفكرية لجون جاك روسو في التحليل السياسي للفلسفة المعاصرة مع جون راولز وإيمانويل كانط هذا الأخير الذي اعترف في مناسبات عديدة بفضل جون جاك روسو على تفكيره السياسي بحيث يقول:” مضى زمن كنت أعتبر البحث عن الحقيقة وحده كاف لأن يكون شرف الإنسانية؛ وكنت أحتقر الإنسان العادي الذي لا يعرف شيئا؛ وقد دفعني روسو على الطريق المستقيم؛ لقد تلاشى هذا الحكم الأعمى وتعلمت احترام الطبيعة الإنسانية، ولقد اعتبرت نفسي أقل فائدة بكثير من العامل البسيط، إذ لم أعتبر أن فلسفتي من الممكن أن تساعد البشر على إثبات حقوقه الإنسانية” .
وإذا علمنا كذلك بأن انطلاقة التنوير هي فرنسية استطعنا مسك خيوط مقدار التأثير الذي مارسه روسو إلى جانب العديد من المفكرين من خلال العمل على نشر الأفكار التي تساير قيم الحرية والتقدم والمساواة والإخاء محدثين بذلك شرارة تجسدت واقعيا وعمليا في حدث الثورة الفرنسية التي عبرت في جوهرها عن دعوات الإنسانية المناهضة لسلطة القهر والاستبداد.
موضوع هذه الورقة هو الحداثة السياسية عند جون جاك روسو، وهذا الجانب يهتم بالطريقة التي بلور بها روسو أطروحته حول العقد الإجتماعي الذي يشكل الصيغة المثلى لبناء المجتمع الحديث، الأطروحة التي ساقها روسو في كل كتاباته. سنعمل من خلال هذه الورقة المتواضعة كشف الخيوط الناظمة لأطروحة جان جاك روسو، وموقفه من الحداثة السياسية من خلال محاولة الإجابة على العديد من الأسئلة من قبيل: ما هي ملامح الحداثة السياسية عند جان جاك روسو؟ وما هو الجديد الذي جاءت به نظرية جان جاك روسو حول العقد الاجتماعي بالمقارنة مع ما كان سائدا في عصره؟ وما هو التأثير الذي أحدثته نظربته السياسية في المجتمع الغربي على الكتابات السياسية؟
وعلى أمل الإنفتاح على مقاربات أخرى لهذا الموضوع نتقدم بالشكر الجزيل للدكتور مصطفى حنفي على سعيه لإنارة دروبنا نحو البحث العلمي الجاد وعلى مجهوده المتواصل من أجل ترسيخ قيم البحث العلمي في صفوف الطلبة.
I- نبذة تاريخية عن حياة جان جاك روسو(1712-1778).
هناك رأي يقول بأن فلسفة أي فيلسوف ما هي إلا انعكاس لحياته وبيئته ونوع ثقافته، وإذا كان من غير الحكم التسليم بهذا الرأي دون مناقشة، إلأ أنه لدينا على الأقل في جان جاك روسو وفلسفته دليلا واضحا يؤكد هذا الرأي إلى حد كبير، حيث أن دراسة الظروف والملابسات التي اكتنفت حياة هذا الفيلسوف وطبيعة البيئة التي نشأ فيها وأنواع الفلسفات والعلوم التي شكلت ثقافته، توضح بلا شك الكثير من المهمة في فلسفته وتكشف النقاب عن حقيقة موقفه من الفكر السياسي الحديث.
ولد جان جاك روسو أبرز ممثلي الاتجاه المساواتي وفلاسفة الأنوار من أسرة يهودية برجوازية ذات أصول فرنسية في مدينة جنيف، انخرط في مشاكل الحياة منذ طفولته المبكرة، حيث توجه تحت إكراه أبيه إلى تعلم الصناعة منذ الثللثة عشرة من عمره لدى رب عمل قاس وشديد، فغادر روسو المدينة هربا منه وهو في السادسة عشرة من عمره، فأخذ يمنهن شتى الحرف في سويسرا وإيطاليا، وبعد ثمان سنوات تعرف في (سافوي) على سيدة ثرية يسرت له شيئا من الاستقرار المادي، فاستطاع تكوين نفسه، حيث تعلم الموسيقى والألسنة وقرأ كتب الفلاسفة وبعد خمس سنين قصد باريس ثم غادرها إلى البندقية، وعاد إلى باريس وهو في الثالثة والثلاثين؛ وأخذ يتردد على العديد من المفكرين خاصة ديدرو .
وخلال رحلته الفكرية الخالدة أعطى جان جاك روسو للبشرية عديدا من المؤلفات، كان أولها مقالته(إميل Emile) وهي المقالة التي أهلته للفوز بالجائزة الأولى لأكاديمية دينجون وكانت المسابقة حول عنوان:” هل أدى تقدم العلوم والفنون إلى فساد الأخلاق أو إلى إفسادها ؟”؛ ونشر بعد ذلك كتاب تحت عنوان مقال في أصل التفاوت بين البشر discours sur l’origine de l’ inégalités parmi les hommesوكتب مجموعة من المقالات الأخرى التي كانت تعبر عن أفكار فرد من الشعب عرف طفولة بئيسة وشباب ضائع حتى أن أفكاره ظهرت وكأنها ثورة ضد قيم مجتمع متبرج لا يهتم إلا بملذاته، وربما كان هذا هو السبب في أنه أصبح مفكر ثورة

II- منزلة جون جاك روسو في فلسفة الأنوار.
إن فلسفة جان جاك روسو ومواقفه السياسية لا تنفصل عن السياق التاريخي للقرن الثامن عشر؛ فقد شكل إلى جانب مجموعة من المفكرين تيارا فلسفيا يعنى بإحلال المساواة والحرية والعدالة الاجتماعية أمام جبروت الحكم المطلق وأما الوصاية التي تفرضها الكنيسة على الإنسان ؛ إذ أن الخيط الرابط الذي يجمع الأدبيات الأنوارية هو التنظير للفكر البرجوازي ولنظامه الذي بدأ يتبلور شيئا فشيئا، إذ أن معظم فلاسفة الأنوار قد وضعوا صوب اهتماماتهم نقد وتقويض دعائم النظام الفيودالي الذي سيطر على الحياة العامة في جميع المستويات الاقتصادية والسياسية .
وتبرز هذه الملاحظة في طبيعة الأبحاث التي أنجزها مفكرو الأنوار، وكذا المقالات التي نشروها في هذا الإطار، والتي تؤكد بأن البراديغم الذي تحكم في الإنتاجات الفكرية والأدبية لعصر الأنوار؛ هو نقد النظام الفيودالي وما يرتبط به من تنظيمات سياسية ودينية واقتصادية.
إذ أن جان جاك روسو عندما يعلن في كتاباته بأن الحالة الطبيعية هي مرحلة ذهبية في حياة الإنسان بما تمثله من رغبة في الحياة، والحرية وبساطة العيش، إنما يعكس موقفه الرافض والمتشاءم إزاء الأوضاع السياسية والاجتماعية والثقافية التي تميز المجتمع الفرنسي خلال القرن 18.
ساهمت الأوضاع المتدهورة إذن والموجهة بتأثير جبروت الحكم المطلق وسيطرة الفكر الكنسي الدوغمائي في حدوث ردود فعل عدة دفعت فلاسفة الأنوار على اختلاف مشاربهم، إلى النقد الجذري للأوضاع القائمة التي تتميز بالركود والرتابة؛ الأمر الذي سيجد التعبير الأساس عنه في اخر المطاف مع اندلاع الثورة الفرنسية سنة1789. .
تكمن أهمية النظرية السياسية عند روسو كونها نظرية منفتحة نابضة بأوضاع المجتمع وأزماته على الرغم من أن العديد من الباحثين يعتبرون نظريته السياسية تعتبر نظرية “يوتوبية” إلا أنها على المستوى الفلسفي تعتبر نظرية حبلى بالمشاريع والمواقف السياسية مثل الديموقراطية، والاقتراع العام…حيث شكل كتاب العقد الاجتماعي بإجماع الباحثين المثل السياسي الأعلى في تسويغ بنود الإعلان عن حقوق الإنسان والمواطن غداة قيام الثورة الفرنسية .
ومن نالفل القول أن فلسفة الأنوار تختلف باختلاف الفلاسفة والمفكرين، إلا أنها مع ذلك تتكامل على المستوى التطبيقي العملي، ولعل حدث الثورة الفرنسية أبرز مثال معبر على ذلك.

III- الإرهاصات الأولى لفكرة المجتمع المدني عند جون جاك روسو.
يمثل مقال جون جاك روسو “أصل التفاوت بين البشر” المفتاح الأساسي لفهم نظريته الاجتماعية والسياسية؛ ذلك أنه لا يمكن أن نناقش أفكار العقد الاجتماعي إلا إذا استوعبنا الأفكار الواردة في المقال السابق الذر، ذلك أن الأفكار الواردة فيه هي وحدها الكفيلة بكشف الخيوط الناظمة للنظرية الروسوية في السياسة والاجتماع.
ينطلق جون جاك روسو في فلسفته من أطروحة الحالة الطبيعية السابقة لظهور القوانين والدولة، وهو يؤكد منذ البداية على أن مرحلة الطبيعة هي مرحلة افتراضية فقط؛ على اعتبار أنها لا يمكن أن تصبح واقعية أو خيالية لأن الشواهد والوثائق التاريخية، لم تكشف عن وجو مرحلة تاريخية بهذه التسمية ” حالة الطبيعة”؛ لكن على الرغم من ذلك فإن الانطلاق من هذه المرحلة يبقى ضروريا لإبراز كيفية الانتقال من حالة إلى أخرى.
يقول جون جاك روسو” إن البشر في حالة ليسوا لا صالحين ولا أشرارا، إذ لا تجمع بينهم أية علاقة أخلاقية أو واجبات مشتركة”، وهنا يتعارض مع هوبس الذي يعتقد بأن الإنسان الطبيعي شرير بطبعه لأنه لا يمتلك أي فكرة عن الخير والشر مفطور على تحقيق رغباته وتلبية شهواته .
لكن في المقابل يرى جون جاك روسو أن الإنسان بطبيعته بسيط يحب ذاته ويدافع عن مصالحه، وفي نفس الوقت يتعاطف مع الآخرين، فالإنسان شعوريا ووجدانيا، يسعى للاجتماع بغيره من الناس، لأن الناس في حالة الطبيعة خيرون لا يوجد فيهم المكر والخداع وروح العدوان والغدر الذي تحدث عنه هوبس، حيث كان الناس في حياة الطبيعة محكومين بالطبيعة البشرية التي هي ضد الشرور وضد تسلط أحد على أحد، أما الشرور والمفاسد فهي لا تنتمي إلى الطبيعة البشرية بل هي من فعل المدنية والتقدم، وبفضل الملكية الخاصة .
كان الإنسان في مرحلة الطبيعة يتميز بالحرية التي تسمح له بتحقيق كل أهدافه بدون قيد أو شرط يكبل إرادته، حيث يؤكد روسو في كتابه أصل التفاوت بين البشر على ” أن أفراد المجتمع قد عاشوا أحرارا وصالحين طالما قنعوا بكوخهم البسيط، واكتفوا بلباس الجلود ثيابا وبالريش زينة ؛ أي طالما لم ينشغلوا إلا بالأعمال التي في مقدور فرد واحد القيام بها، لكن ما أن راودت الإنسان حاجة إلى أن يؤازره أخر حتى اختفت المساواة وظهرت الملكية وغدا العمل ضروريا”.
يعصف الاجتماع البشري إذن في نظر روسو بالحياة الخيرة للإنسان ويدخلها في دواليب التدهور والانحطاط ، وفي هذه المرحلة يبدأ التفاوت والاستغلال على اعتبار أن المجتمع والاجتماع يتأسس على المصلحة الخاصة وليس على المصلحة العامة، وبالتالي فإن تضارب المصالح من شأنه أن يِؤدي إلى الصراعات ويسبب في التناقضات.
أدى ظهور الملكية إذن إلى نزوع الجنس البشري نحو التدهور، يقول روسو: ” إن أول من سيج أرضا وقال هذا ملك لي، ووجد أناسا يصدقونه كان المؤسس الحقيقي للمجتمع المدني” لكن ليس المجتمع المدني بالمعنى الذي نتداوله حاليا لكن التجمع الإنساني.
يذهب روسو إلى اعتبارا الملكية عامل سلبي في تاريخ الإنسانية إذ أن ملكية الأرض تولد اللامساواة ويؤدي إلى صراع المصالح والاستغلال والعبودية .
والحقيقة أن هذا المقال ” أصل التفاوت بين البشر” قد ألهم مجموعة من الباحثين والمفكرين الماركسين للبحث في أصل التفاوت والتمايز الطبقي ذلك أن روسو يدعو ضمني إلى نوع من الملكية الجماعية للأرض وعدم تقسيمها على شكل ملكيات ،ذلك أن التقسيم هو السبب الأساسي في حدوث التفاوت بين البشر .
مما يؤدي إلى حدوث نوع من التلاقي بين روسو والماركسية على مستوى المبادئ العامة ، وذلك في سياق النظر إلى الملكية لوسائل الإنتاج من منظور سياسي تاريخي له تأثير كبير على نوعية العلاقات الاجتماعية داخل المجتمع الواحد.
ولعل أبرز تعبير عن الأفكار السياسية لجون جاك روسو هو كتابه ” في العقد الاجتماعي du contrat social ” الذي يعنى فيه بالبحث عن مبادئ الحق السياسي ويوضحها على ضوء المعلومات المتوفرة والتي تصب أساسا في التنظير لمجتمع متماسك سياسيا عن طريق القيام بنوع من التعاقد، إذ لم يكن جان جاك روسو يهدف إلى تفكيك الأشكال والتنظيمات السياسية التي أفرزها التاريخ لكن ما يؤطر توجهه العام هو البحث في ما يجب أن يوجد فعلا؛ من هنا اتسم فكره السياسي بالبناء المتواصل حيث يقول” إنني أستهل كلامي في موضوعي دون البرهان على أهميته. وإذا ما سألني أحدهم أأنا أمير أم مشرع حتى أكتب في السياسة؟ لأجبت بأنني لا هذا ولا ذاك ومن أجل ذلكأكتب في السياسة. ولو كنت أميرا أو مشرعا لما أضعت وقتي في قول ما يجب فعله. كنت أفعله أو كنت أسكت”
ولقد تمت الإشارة إلى أن روسو قد وجه انتقادات لاذعة للعلاقات الاجتماعية القائمة في مقالته في اللامساواة,لكن يمكن القول إن موقفه السياسي بقي في النهاية واحدا,فهو يقول في مطلع كتابه في اللامساواة:”لقد ولد الإنسان حرا,لكنه كبل بالأصفاد في كل مكان “وينهي هذا الكتاب بإقامة معارضة بين العقد الاجتماعي وقوانين اللامساواة القائمة فعلا.
إن الحق أساسا مصدره هو الحرية,وحيث أن النظام الاجتماعي ليس هبة الطبيعة للإنسان-كما يرى روسو-لذلك فالحرية المنبثقة من الطبيعة البشرية لابد وان تصبح من سمات الحالة الاجتماعية,لذلك لا يمكن لأي حكم أن يقوم على حق الأقوى,إذ أن القوة طاقة جسدية لا تؤدي إلى الحق,لذلك فالأساس الذي يقوم عليه الحق هو الاتفاق والميثاق فعن هذا الاتفاق ينشا المجتمع.لذلك فان العقد الاجتماعي-بالنسبة لروسو-هو الشرط الأساسي لكل سلطة تريد أن تكون شرعية,وهذا يدل على انتقال التطور التاريخي من حالة الطبيعة إلى المجتمع المدني” إن ما يخسره الإنسان من جراء العقد الاجتماعي,هو الحرية التي كان يتمتع بها في الطبيعة والحق اللامحدود…وما يربحه بالمقابل هو الحرية المدنية, فيكتسب بذلك الحرية الأخلاقية ,ذلك إن الخضوع للشهوة عبودية,والانصياع للقانون الذي الزمنا أنفسنا به حرية” فكيف يتم الانتقال من مرحلة الطبيعة إلى مرحلة المدنية؟
يتلخص جوهر العقد الاجتماعي على النحو التالي” يضع طل واحد منا شخصه وكامل طاقاته تحت الإمرة العليا للإرادة العامة، ويعامل كل عضو على أنه جزء لا يتجزأ من الكل”؛ إذ يجد الفرد نفسه ملزما على أن يتنازل عن حريته الطبيعية، وأن يتفق مع باقي أفراد المجتمع، حيث يستبدل حريته الطبيعية بالحرية المدنية ؛ ذلك أن غاية العقد الاجتماعي هو السهر على الحفاظ على حياة المتعاقدين والدفاع عن حقوقهم أمام بطش الغير,يقول روسو:”إن كل قانون لم يصادق عليه الشعب شخصيا هو بحكم اللاغي وما هو بقانون”فالقانون هو تعبير عن الإرادة العامة للأفراد.ومن ثمة فكل قانون لا يأخد هذه الحقيقة ,فهو قانون استعبادي واستبدادي.فالإرادة العامة –حسب روسو-مستقيمة ولا تنزع إلا إلى المنفعة العامة والصالح العام11.وبالتالي فالإرادة العامة هي تلك الهيئة التي يتنازل الفرد بموجبها على جزء من حقوقه المكتسبة في حالة الطبيعة ليحفظ الجزء الأكبر منها في مرحلة المجتمع المدني,لدلك فهي نتاج للاتفاق بين أفراد المجتمع.
إن جون.جاك.روسو وبنزعته الفردية يرفض نظام الأحزاب,ذلك ان صراع المصالح الخاصة لا يشكل في رأيه القوة التي تحدد الإرادة العامة,فالأحزاب كهيئة تمثيلية لا تساهم في بلورة الإرادة العامة,وانما على العكس,تعمل دون تجليتها12 والملاحظ إن هذه المحاكمة التي يبديها روسو تقوم على تصور طوباوي للحياة السياسية.أما السلطة السيادية-في نظر روسو-فهي واحدة لا تتجزا وهي ملك للشعب الذي لا سيادة لأحد سواه,والحرية والمساواة هما المبدآن الموجهان للإرادة العامة.وفي هذا الإطار ينتقد روسو نظرية مونتسكيو في تقسيم السلطات,فالإرادة العامة هي التي تتخذ القرارات ذات الأثر العام,أي القوانين.ويتجلى عمل السلطة التنفيذية في كونها المتصرفة بالقوة العامة ,وهي التي تتكفل بتنفيذ القوانين,إذ أن كل عقد يحد من سلطة الشعب المطلقة يقوض أساس الميثاق الاجتماعي.فروسو يضع ثقته الكاملة في الأفراد الذين لا تحركهم سوى المصلحة المشتركة,وواضح هنا أن روسو يتحدث عن دولة مثالية لا أساس لها في الواقع العيني.لقد بنا روسو منهجه العقلاني الصرف حول النظام السياسي بشكل مثالي,وهذا يتعارض-كما اشرنا-مع النظام السياسي القائم .ولقد لقيت اراء روسو السياسية انتقادات من طرف مجموعة من المفكرين تتمحور حول هدا الجانب بالذات-الجانب المثالي-بالإضافة إلى جوانب أخرى متعددة كمدى مشروعية هذه النظرية في تحقيق دولة الحق والقانون,أي هل يمكن نظرية للحق من خلال مبدأ الإرادة العامة التي لا تحمل في طياتها أية ضمانات قانونية.
إن المجتمع الذي يهدف روسو إلى بلورته هو مجتمع عديم الشكل,فهو لا يعرف أي تنظيم اجتماعي ولا يعدو كونه مجموعة من الأفراد أو تجمعا إنسانيا فارغ المحتوى,وبدون إطار سياسي يضبط العلاقات بين الأفراد.
وتبرز قيمة وراهنيه أعمال جون جاك روسو في كونها فتحت أفقا جديدا للتفكير في الشؤون السياسية للمجتمعات المعاصرة التي تسعى إلى الاستفادة من البنود الإيجابية التي يحققها العقد الاجتماعي على مستوى الاجتماع و الأخلاق والسياسة، ولعل هذا الاعتبار هو ما جعل الفكر الكانطي في جوانب كثيرة منه حبيس بالروح الروسوية إذ يحدد في كتابه أسس ميتافيزيقا الأخلاق مجموعة من القواعد الأخلاقية المؤسسة للفعل السياسي والقانوني يمكن أن نجملها في ثلاثة صيغ:
– ” اعمل دائما بحيث يكون في استطاعتك أن تجعل من قاعدة فعلك قانونا كليا للطبيعة”
– ” اعمل دائما بحيث تعامل الإنسانية في شخصك وفي شخص الآخرين كغاية لا كمجرد وسيلة”
– ” اعمل دائما بحيث تكون إرادتك باعتبارك كائنا ناطقا هي الإرادة المشرعة الكلية”
هذه القواعد إذن هي بمثابة قانون لتحقيق الاستقلالية على مستويات متعددة تضفي نوعا من الشرعية على الأخلاق الإنسانية لكن سواء كانت هذه الأخلاق مستقلة عن ظروف التطبيق أو وفق ما يعبر عنه كانط ذات بعد كلي صالح للجميع، فإنه مما لا شك فيه أن تقرير هذا القانون على مقتضى قاعدة الكلية يبدو وثيقا بهذا المبدأ، وكأنه تطبيق للفكرة التي دافع عنها روسو في الاستدلال على مبدأ العدالة في العقد الاجتماعي ؛ وذلك بالمعنى الذي تكون فيه الحرية هي نفسها” طاعة القانون الذي يعينه الإنسان لنفسه” .
نفس الموقف يؤكده جون راولز في حديثه عن نظرية العدالة، بحيث ينطلق هذا الأخير من أن هدف العدالة هو ما ينبغي أن تحققه ائتلاف مؤسسات المجتمع الإنساني؛ فالناس لا يمكن إلا أن يجتمعوا لأن في اجتماعهم تحقيق النفع الفردي والعمومي، وراولز يفترض في هذا الصدد حالة مثالية وفطرية قصوى ينعتها بالوضعية الأصلية حيث يتوجه فاعلون مفترضون حياديون ونزيهون من أجل تأسيس مجتمع يسعى الى الجمع بين أفراد يقبلون شرط العيش الجماعي، وهذا القبول هو الحالة التي سيكون عليهاالمجتمع.

لائحة المراجع
-إبراهيم أبراش؛ تاريخ الفكر السياسي من حكم ملوك الألهة إلى نهاية عصر النهضة؛ شركة بابل للطباعة والنشر الطبعة الثانية 1998.
– محمد عبد الله عنان؛ المذاهب الاجتماعية الحديثة، عناصرها السياسية والاقتصادية والدستورية، مطبعة لجنة التأليف للترجمة والنشر القاهرة1959 الطبعة الرابعة
-مصطفى حنفي؛ النزعة الإنسانية وإرث الأنوار .
-كرين برينتون؛ تشكيل العقل الحديث، ترجمة شوقي جلال مراجعة صدقي حطاب، عالم المعرفة المجلس الوطني للثقافة والفنون الكويت1984
– يوسف كرم؛ تاريخ الفلسفة الحديثة، دار العلم بيروت،لبنان.
-les textes fondamentaux de la pensée politiques ; plusieurs écrivains ;le point hors-série ; n 19 septembre-octobre2008.
-Daniel roche » la grande révolutions du XIII eme siècle est routière et postale » ; in les textes fondamentaux de la pensée de lumières ;le point hors-série ;n mars-avril 2010.
-jean jacques rousseau ;du contrat social ; livre de poche librairie française1996 .

جون لوك (1632 ــ 1704) السياسة والأخلاق

كاتب الموضوع الأصلي: عمر الشايع 20

المصدر: الديمقراطية
بقلم: نبيل فرج

نشأ مبدأ التسامح في الفكر الإنساني مع التسليم بالحقوق الطبيعية للإنسان، ونسبية المعرفة، وهذا يعني أن المعرفة والحقوق الطبيعية للإنسان ليست ملك أحد يستأثر بها وحده دون غيره، وليست أيضاً حكراً لأحد، ولا ينبغي أن تكون أصلا محل خلاف أحد، وإنما تعني احترام العلم والعقل، والعلم والعقل يقبلان النقد.
ويرتبط هذا كله بالدولة المدنية التي تفصل الدين عن الدولة، وتقوم علي مبدأ المواطنة والديمقراطية والحرية التي تتفق عليها كل المواثيق الحديثة فيما يعرف بمصطلح “التسامح”. ومبدأ التسامح يشمل علاقة الدولة والمؤسسات الدينية بالأفراد وليس فقط الأفراد فيما بينهم. وعلي هذا الأساس يتساوي الناس، ويحق لكل فرد إبداء رأيه الخاص المخالف لرأي الآخر، ولا يتعرض للإدانة من أحد بأي شكل من الأشكال. وليس خافيا علي أحد أنه لولا نقص البشر لما احتاجت الإنسانية في مسيرتها المتواصلة إلي هذا المبدأ حتي تصل به، أو علي الأقل تقترب به من الكمال.
وبين أعلام عصر التنوير الذين صاغوا هذه الرؤية، وخاضوا المناقشات للدفاع عنها، يعد جون لوك (1632- 1704) أنضج من عبر عن هذه الفلسفة، ووضع عنها الرسائل ضد الحكم الديني المطلق الذي تمسكت به الكنيسة، ومنح الدولة حق استخدام القوة في تحطيم كل القيود التي فرضها البابوات، كما رفض أن يشغل الملك منصبه بالتفويض الإلهي الذي لا تملك المجالس النيابية معه حق سؤاله عما يتخذ من قرارات، علي نحو ما لا يستطيع الأبناء سؤال الأب أو مراجعته، بحكم العلاقة الأخلاقية القائمة بينهما.
ذلك أن الملك يتولي منصبه بعهد وميثاق بينه وبين الشعب، في علاقة سياسية وليست أخلاقية. وبالعلاقة السياسية هذه يشرف الملك علي حفظ الحقوق الطبيعية، ممثلة في الأمن، والملكية الخاصة، والمعتقدات، والمساواة، والحرية، باعتبارها حقوقا مقدسة يكفلها القانون الوضعي. أما إذا تولي الملك الحكم بغير إرادة الناس، فإنه يكون في الحكم المدني مغتصباً، استولي علي ما هو حق للآخرين، بل ويعتبر طاغية خرج علي القانون.
وليس هناك حكم أو حكومة إلا برضاء الشعب. فإذا لم يتحقق هذا الشرط، أو هذا التراضي بين الحكومة والشعب، يكون من حق الشعب عزل هذه الحكومة، كما يحق له عزل الملك الطاغية، لأن العلاقة التي يحكمون بها علاقة سياسية بحتة، تخالف علاقة الأبناء بالآباء التي لايحق فيها للأبناء عزل الأب أوالتمرد عليه، حيث إن علاقة الأبناء بالآباء كما سبق، علاقة أخلاقية، وإن سمح جون لوك للأبناء، إذا بلغوا سن الرشد، أن ينفصلوا ويستقلوا عن الأب. وجوهر هذه المعاني أن من يأخذ في الحياة شيئا بالقوة، فإنه يصبح مرغما علي إعادته إلي صاحبه فوراً. والإنسان ملزم أيضا بالمحافظة علي البشر، وليس المحافظة فقط علي نفسه. ولأن الإنسان مملوك لله الذي خلقه، فإن الانتحار في نظر جون لوك مرفوض ومحرم.
والملكية الخاصة أول الملكية الفردية، عند جون لوك، هي كل ما يختلط به أو يضاف إليه جهد الإنسان، أو جهد الذات وإرادتها، مثل الثمار التي تقتطف من الأشجار، والأسماك التي تصطاد من البحار والمحيطات، والمياه التي تعب في الجرار من الأنهار، والأرض المستزرعة وغيرها. إنها ملك خاص لمن قام به، لا يسأل عنه أو ينازع في ملكيته أحد آخر من الشر. ولم يفرق جون لوك في مجال هذه الحقوق بين الحياة الطبيعية والحياة المدنية.
طرح جون لوك هذه الأفكار وغيرها حماية لحقوق الإنسان، قبل أن تتسع آفاق فكرة التسامح والعقد الإجتماعي وحكم الشعب علي يد الفلاسفة والثوار الذين أتوا بعده، وأشهرهم: فولتير (1694- 1778)، وديفيد هيوم (1711- 1776)، وجان جاك روسو (1712- 1778)، وجون ستيوارت مل (1806- 1873).
وقبل جون لوك، وعلي مدي العصور الوسطي التي انتشرت فيها العرافة والسحر بصورة بالغة، فقد كانت القاعدة السائدة حتي منتصف القرن الخامس عشر هي التعصب للمعتقدات الدينية، وعدم التسامح مع المذاهب والأديان الأخري.
وكان لمارتن لوثر (1483- 1546 ) دوره في التمهيد للتعامل الحر مع الآخرين بالإقناع لا بالقوة، مقدراً للآخرين حقهم في الإيمان بما يؤمنون به، فهم أحرار في اعتناق أي عقيدة لأن الله، كما يقول جون لوك، لم يفوض أحداِ لفرض دين معين علي غيره، أو بمنحه السلطة لهذا الغرض.
وبكلمات شديدة الوضوح طالب مارتن لوثر بالكف عن إدانة الملحدين، رغم إدراكه لخطورة هؤلاء الملحدين بالنسبة للدولة، متأثرا بلا شك بدعوة السيد المسيح للمحبة بين البشر، ودعوة الفلاسفة للعقلانية. وطالب مارتن لوثر أيضا بإلغاء محاكم التفتيش.
ولأن جون لوك درس في المراحل المبكرة من حياته العلمية اللغات القديمة، وقرأ بها المؤلفات اليونانية واللاتينية، فقد كتب مؤلفه “رسالة في التسامح” باللغة اللاتينية. في هولندا، بعيدا عن وطنه انجلترا، في عام 1689 .
وعندما هوجم علي قوله في هذه الرسالة أن الدين لا يمنح صاحبه حق إدانة الآخر، داعيا إلي استخدام العقل، عكف من جديد في عام 1690علي تأليف رسالة ثانية عن نفس موضوع التسامح عنوانها “رسالتان في الحكم”. وبعد نحو سنتين في عام 1692وضع رسالة ثالثة عنوانها “مقال عن العقل البشري”، وكانت هناك رسالة رابعة شرع في كتابتها، ولكنه رحل قبل أن يتمها. وإذا أضفنا إلي هذه الكتب كتاب “التربية”، وآخر عن “معقولية المسيحية” اكتملت أمامنا مؤلفات جون لوك.
ولاشك أن الظروف السياسية التي عاصرها جون لوك، وأعني بها الحرب الأهلية بين الملك شارل الأول والبرلمان، والتي انتهت بإعدام الملك في عام 1649، هي التي أدت من جهة إلي اتخاذ موقفه التاريخي عن التسامح وان لم يستند إلي التاريخ، ومن جهة مقابلة إلي الدفاع عن الحرية، وسيادة الشعب والحياة النيابية التي تقلص سلطة الملك، وتقيد حكمه المطلق، وهي أساس التنظيم السياسي الديمقراطي الذي ينبع من مصلحة المواطنين، ولا يجحف حقوقهم الطبيعية الملازمة للذات البشرية.
والفصل أو التفريق بين السياسة والأخلاق التي نادي بها جون لوك تتخطي المفاهيم التقليدية لفلاسفة اليونان، كما أنها تتخطي الفلسفة الإسلامية التي نطالعها، علي سبيل المثال، في كتاب “سراج الملوك” لأبي بكر الطرطوشي، أو في كتاب “الذهب المسبوك في نصيحة الملوك” للغزالي في القرن الحادي عشر، وغيرهما كثير ربطوا السياسة بالأخلاق.
والحق أن ليس جون لوك وحده الذي فصل بين السياسة والدين، وإنما اتفق علي هذا الفصل كل فلاسفة عصر النهضة والعصر الحديث، الذين نظروا للسياسة بعيدا عن الأخلاق. ويرد إلي الذهن مباشرة ميكيافيللي (1469- 1527) وذلك في إطار الثورة علي القديم. وعلي الرغم من أن مجموع الأفكار التي عبر عنها جون لوك أفكار إنسانية متقدمة، فلم يكن نظره للمرأة علي مستوي هذه الأفكار، أو كما نجد عند فيلسوف آخر مثل جون استيوارت مل، لم يفرق في حديثه عن الحرية بين الرجل والمرأة.
كان نظرة جون لوك إلي المرأة، كنظره إلي الرقيق، نظرة دونية، تساير أو تتطابق مع نظر فلاسفة اليونان والرومان القدماء، ومع فلاسفة المسيحية في العصور الوسطي وعصور الإقطاع، التي اعتبرت المرأة تابعة للرجل، تفتقد ملكاته، ومن ثم يتعين ألا تتمتع، مثلما لا يتمتع الرقيق، بحقوق سياسية. ويقتصر دور المرأة عند جون لوك في الزواج والإنجاب حفظا للجنس البشري.
وحياة جون لوك تنقسم إلي مراحل، تبدأ المرحلة الأولي من ميلاده في قرية سومرست حتي سن الرابعة عشرة في عام 1646، تليها مرحلة ثانية انتقل فيها إلي لندن لاستكمال دراسته في مدرسة وستمنستر في سن العشرين في عام 1652، انتقل بعدها إلي اكسفود لدراسة الطب بمنحة من كلية المسيح. غير أن دراسة الطب لم تستغرقه استغراقا كاملا، بسبب شغفه بدراسة الفلسفة التي بدأت في عام 1662، وهو علي مشارف الثلاثين.
وتحت تأثير هذا الشغف رفض جون لوك، بعد تخرجه، الوظائف التي عرضت عليه سواء في مجال الطب أو الدبلوماسية، حتي لا تصرفه عن الفلسفة التي أدرك حاجة الجيل المعاصر إلي معرفة موضوعاتها أو مشكلاتها الأساسية المتصلة بالحياة المدنية التي أجاد جون لوك قراءتها في ضوء مطالعات واسعة في التراث الإنساني القديم والحديث، وإن كان تأثره بالحديث أكبر من تأثره بالتراث القديم.
وعلي رأس هذا التراث الحديث ديكارت (1596- 1650) الذي يذكر جون لوك أنه حرره من الغموض الذي كان يلازم كتاباته، وجعله بفلسفته الواضحة يقبل بشهية مفتوحة علي المسائل الفلسفية.
ولكتاب جون لوك “رسالة في التسامح” أكثر من ترجمة عربية، أهمها بلاشك ترجمة عبد الرحمن بدوي عن اللاتينية، وصدرت عن دار الغرب في 1988، وترجمة مني أبو سنة عن الانجليزية وصدرت في المشروع القومي للترجمة والمجلس الأعلي للثقافة في 1997. ومن أهم الكتب العربية المؤلفة عن جون لوك كتاب عزمي سلام الذي صدر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب في سلسلة المئويات في 2006.

توماس هوبز فيلسوف الليبرالية الكلاسيكية

كاتب الموضوع الأصلي: عمر الشايع 20

منذ فترة ليست بالبعيدة، صدر عن مشروع كلمة في أبو ظبي، الترجمة العربية لأهم كتب أحد أهم فلاسفة القرن السابع عشر الأوروبيين، الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز (5 أبريل 1588 – 4 ديسمبر 1679) ألا وهو كتاب التنين (leviathan ) وهذا الكتاب الضخم فيه جلُّ فلسفة هذا الرجل، وتوضيحٌ لخطه الذي سار عليه.
وفي العام الماضي صدر عن دار جداول كتابٌ للأستاذ صالح مصباح، بفكرة جديدة، فالشائع بين الناس أن الليبرالية نشأت في إنجلترا مع الفيلسوف جون لوك (1632 – 1704) إلا أن الأستاذ مصباح، خالف هذا الرأي الذي استقر، وقرر هنا أن لتوماس هوبز دوراً تأسيسياً في التكوين، لأنه استبعد الدين فيما يتعلق بنظام الحكم، وأكد مركزية الفرد بوصفه مبدأ الدولة، وأصل المجتمع، ومرجعية الحق. وأن هوبز، هو أول من قدم نظريةً في «الفردانية».
وميز بين ليبرالية هوبز الاستبدادية التي تجعل كل حقوق الله حقاً لشخص الملِك، الذي لا معقب لحكمه، ولا يسأل عما يفعل، وبين ليبرالية جون الديمقراطية بصورتها المعروفة اليوم.
لكي نتصور فكر هذا الرجل، لا بد أن نرى موقعه في تاريخ الفلسفة، فقد سبق أن تحدثت عن دور مبدأ السببية في تطور هذه الأفكار، وأن كل فيلسوف يكتب، إنما هو امتداد أو نتيجة لفيلسوف قبله أعجبه، أو ردة فعلٍ واعتراض على أفكار فيلسوف سبقه، لم يستمزجه.
توماس هوبز، ابن القرن السابع عشر، يجيء في الترتيب بعد فرانسيس بيكون (1561 – 1626) مؤسس المنهج الاستقرائي الحديث، ومُعلن الانتفاضة على فكر القرون الوسطى بصورة أوضح مما كان يجري في عصر النهضة. مع بيكون، دخلت أوروبا عصر تمرد العقل. وإن كان تأثير بيكون، على هوبز ضئيلاً.
فلسفة توماس هوبز، تدور في فلك القانون والسياسة في أغلب مقولاتها، إلا أن هذا لم يمنعه من التصريح بأنه مادي النزعة بشكل كامل، حيث كان يرى أن كل شيء موجود هو مادة، وأن كل شيء يتغير هو حركة، وأن كل حركة في الكون هي آلية اصطناعية، وأن المبدأ الأول والأساسي والنهائي لكل شيء هو المادة والحركة، أو بعبارة أخرى: مادة في حركة دائمة.
والفلسفة من وراء كل ذلك ليست سوى معرفة الظواهر وأسبابها عن طريق التعقل الذي يبدأ من معرفتنا أسباب هذه الظاهرة أو تلك.
والدين ليس من مواضيع الفلسفة لأن الله ليس له علّة وجود، والوحي لا يستفاد بالتعقل، وبالتالي لا بد من استبعاد دراسة اللاهوت.
والأخلاق والسياسة إنما هي تطبيقات للميكانيكا (دراسة الحركة) على نوع خاص من الأجسام، الإنسان والدولة.
والنظام السياسي هو أمر اصطلاحي لأن الإنسان هو من يوجده ويحتكم لأنظمته، وهو أيضاً أمر طبيعي لأن الإنسان يضعه وفقاً لميوله الطبيعية. ولكي يخرج هوبز، من نزاعات البشر، واضطراب الدول، فقد اختار مخاصمة النظام الجمهوري، ومال إلى الملكية المطلقة، كما أشرت، برغم أن الملوك الإنجليز كانوا يرون أن لهم الحق في مشاركة الورثة في ميراث ميتهم. وقد كان يرى أن فصل السلطات يسبب الحروب الأهلية.
رأيي في فلسفة هوبز، هو أن المسيحية عقيدة وأخلاق، إلا أنها كانت بلا شريعة تنظّم حياة الناس، فكان من المتوقع أن يكتب القساوسة شريعة من عندياتهم يحكمون بها الناس بالحديد والنار. لقد اختار توما الإكويني الفلسفة الإغريقية ليسد بها فجوات في دينه، رآها بذكائه، فوقع في مشكلة أخرى وقعت بعده. لقد أصبحت آراء الإغريق بما فيها من حق وباطل وبما فيها من وثنيات صرفة وأفكار غبية ظالمة جزءا لا يتجزأ من المسيحية، ومن يعارضها فقد اعترض على حكم الله.
وكان من المتوقع أيضاً أن يكون تطور الفكر، وحاجات الإنسان، وتوقه إلى العدالة والمساواة أسباباً في أن توجد الثورة على شريعة هؤلاء القساوسة وما فيها من أغلاط البشر، التي كتبوا عليها اسم الله كذباً. وهكذا نشأت وتطورت الليبرالية جدلياً.
برغم أن علي مصباح، من دعاة الليبرالية الديمقراطية، إلا أن كتابه يبين للمتأمل المستوقف أن الليبرالية نشأت مستبدة.
بل صرح هو أنها هوبزية من البداية إلى النهاية، ولم يقم جون لوك وإيمانويل كانط إلا ببعض التعديلات على الأصل.
وهذا يوضح أيضاً أن ما نصبو إليه جميعاً من تحقيق العدالة الاجتماعية والسلم والحق لكل فرد لا يشترط فيه أن يكون ليبرالياً، بل إن الله أبدلنا ما هو خير منها، من دين حق، إن طبقناه حقا تحققت كل هذه الحقوق.

الكاتب
خالد الغنامي
صحيفة الشرق

الميتافيزيقا

كاتب الموضوع الأصلي: عمر الشايع 20

الميتافيزيقا

تُعرّف الموسوعات والمعاجم[1] كلمة ميتافيزيقا انطلاقًا من المعنى الاصطلاحي للكلمة اليونانية Meta ta physika وهو الاسم الذي أطلقه أندرونيكوس الرودسي Andronicos de Rhodes في القرن الأول قبل الميلاد، على مقالات[2] أرسطو (ت: 322 ق.م) المصنفة في المرتبة التالية بعد كتاباته المسماة فيزيقا، والتي تركها بدون تصنيف، وقد تمت تسميتها ميتافيزيقا تصنيفًا لها في مرتبة تأتي “ما بعد” الكتابات المسماة فيزيقا[3]، وهذا حادث عرضي حدث اتفاقًا Arbitraire [4].

نشير إلى أن هذه التسمية، في أصلها الاصطلاحي، لا علاقة لها بمضمون أو موضوع هذا العلم، فلم يكن هذا الاصطلاح، عند أول وضع له، يدل على مادة “علم” بل هو اصطلاح ترتيبي تصنيفي. إن البحث الذي يحمل الآن هذا الاسم لم يكن في عهد أرسطو يحمله أصلاً. فمن الأكيد، أن أرسطو ليس هو الذي سمى كتابه ميتافيزيقا.

أما اصطلاحًا فإن كلمة ميتافيزيقا، أصبح لها فيما بعد دلالات متعددة، وهذا وفق تعدد وتنوع قراءات وتأويلات الباحثين لكلمة ميتا. وبعد فحص مضمون هذه الكلمة يتبين أنها تتوزع بين اعتبار ميتا محاولة تصنيفية لمجموعة من الكتابات، التي خصصها أرسطو لموضوع الميتافيزيقا تارة، وتارة أخرى اعتبارها علمًا يبحث في نوع من الوجود لا تطلبه سائر العلوم الأخرى، ولا ترتفع إليه، فتكون الميتافيزيقا، بهذا المعنى، إما:

– العلم بموجودات لا تدرك بواسطة الحواس، حيث تقع في عالم ما فوق التجربة وما وراء الطبيعة، مثل الله و النفس والعالم Le Monde، وهذا ما يذهب إليه ديكارت Déscartes (ت: 1650) في قوله إن:

غرض علم ما بعد الطبيعة أو الفلسفة الأولىPhilosophie) Première ) هو معرفة الله والنفس[5]

واعتبرها توما الإكويني Thomas d’aquin (ت: 1274) بمنزلة علم كل ما يكشف ما فوق الطبيعي، وهو يفهّم هذا الفارق، ما فوق الطبيعي، بالمعنى المسيحي بحيث أن صورته الكبرى هي الإلهي وكل ما يتعلق به: الله، المحرك الأول، الغاية الأخيرة، النفس بوصفها خالدة..إلخ[6].

– أو أن تكون هي البحث في الوجود من حيث الوجود توصلاً إلى إدراك الجوهر الثابت وراء الأعراض المتغيرة[7].

– أو أن تكون علمًا يبحث فيما يجب أن يكون، أي في الوجود المثالي، لا لأن هذا النمط من الوجود أعلى من الوجود الواقعي فحسب، بل لأنه يفسره و يبين أسبابه[8].

إن العلم الذي أصبح شُرّاح أرسطو يسمونه ميتافيزيقا، قال عنه هذا الأخير في مقالته الرابعة المرسوم عليها بحرف الجيم مما بعد الطبيعة:

إن لعلم واحد من العلوم النظر في الهوية على كنهها، والنظر في الأشياء التي هي الهوية لذاتها، وليس هذا لعلم واحد من العلوم التي يقال إنها جزئية، لأنه ليس لعلم من العلوم الجزئية النظر في كلية الهوية على كننها، بل إنما للعلوم الجزئية النظر في الغرض الذي يعرض لجزء من أجزاء الهوية منفصلاً منها، مثل الذي تفعل العلوم التعاليمية (الرياضية)، فإذا كان طلبنا الأوائل والعلل القصوى، فمعلوم أنه باضطرار تكون هذه الأوائل، كأوائل طبيعة، من الطبائع مفردة بذاتها[9].

فهذا هو المعنى الأصلي لكلمة ميتافيزيقا، التي تدل على هذا العلم، والذي يهتم بالوجود من حيث هو موجود، سواءًا كان المقصود به الموجود الأول، الذي هو أصل كل موجود، أو الموجود من حيث هو صفة مشتركة في جميع الأشياء.

إن هذه التعاريف للميتافيزيقا، تعني من بين ما تعني، أن الميتافيزيقا تبحث في مواضيع لا تستطيع معطيات العلم أن ترد عليها، وذلك لسبب بسيط وهو أنها لا تدخل في طلب اهتماماتها المباشرة، ولا تملك لها إجابات أو حلولاً حاسمة بالتالي. ويتبين أن المشكلة القائمة في الميتافيزيقا، هي تلك التي ترتبط بمسألة “الوجود”، فهي لا تبحث في أي شيء، كائنًا ما كان، إلاّ إذا كان متضمنًا لصفة الوجود كجوهر، سواءًا كان هذا الشيء مادي أو غير مادي؛ هذا الوجود المجرد Abstrait هو موضوع الميتافيزيقا، وهذه الصفة (الوجود)، هي أساس كل معاني الوجود الممكنة.

لقد ظلت الميتافيزيقا، طوال تاريخها، تعد بحثًا تساؤليًا يحاول الكشف عن ماهية الوجود Essence de l’être))، بحيث كانت هذه المسألة أول مسألة أثارت واجتذبت أنظار واهتمام الفلاسفة، ومثلت بالنسبة لهم أكثر الأشياء إثارة للدهشة L’étonnement – أوليست الدهشة هي بداية الفلسفة-. يقول أفلاطون، في محاورة تييتانوس Théététe من 55 أ إلى 55 د:

إنه أمر متعلق حقًا بفيلسوف، هذا الذي نسميه باثوس، أي هذا الذي نسميه دهشة، إذ ليس هناك ابتداء départ يهيمن على الفلسفة غير الدهشة[10].

يؤكد مارتن هيدغر Heidegger (ت: 1976) هذا الأمر في محاضرته ما الفلسفة؟، التي ألقاها سنة 1955 بفرنسا، حيث قال:

الموجود كله في الوجود، مثل هذا القول، يرن في أسماعنا كأنه قول مبتذل، إن لم يكن مهينًا، لأنه ما من أحد بحاجة إلى أن يهتم بأن الموجود يرجع إلى الموجود […] ومع ذلك، فهذه الحقيقة التي تقول بأن الموجود يبقى مجمعًا في الوجود، وأن الموجود يظهر في ضوء الوجود، هي التي أوقعت اليونانيين – وهم وحدهم وقبل غيرهم- في الاندهاش، الموجود في الوجود، هذه هي الحقيقة التي أصبحت بالنسبة لليونانيين أكثر الأشياء إثارة للدهشة[11].

إن فلاسفة اليونان بحثوا في أمر الوجود المادي وفي أصله وفي حقيقته وهل هو واحد أم متعدد؟ وانقسموا في ذلك فرقًا؛ فأوائلهم مثل “طاليس” و”أنكسيمندر” و”أنكسيمانس” كانوا من الماديين، وكان معنى الوجود محصورًا عندهم في العالم المادي أو الطبيعي، فتصوروا الموجود الأول الحقيقي الذي يعد أصل كل شيء، ومنه نبع كل موجود، شيئًا ماديًا، إذ يرى “طاليس” Thales (631 ق.م – 550 ق.م تقريبًا)، مثلاً، أن الأشياء كلها تصدر عن أصل واحد هو “الماء”، فهي رغم اختلافاتها الظاهرة واحدة[12]؛ أما المادة التي تكونت منها سائر الموجودات، عند “انكسيمانس” Anaximens (588 ق.م – 524 ق.م تقريبًا) فهي “الهواء”، وهي مادة لانهائية متحركة، هي علة الحياة في العوالم، وفي جميع الأشياء المتحركة[13]؛ ثم ظهر فيلسوف سماه اليونانيون- الغامض- ذلك هو “هيرقليط الأفيزي” Héraclite، (ت: 530 ق.م. – 475 ق.م تقريبًا) حيث اعتبر أن النار هي المبدأ الأول الذي تصدر عنه الأشياء، وترجع إليه، ليست النار التي ندركها بالحواس، بل هي نار إلهية لطيفة، أثيرية، حارة حية، عاقلة وأزلية، هي حياة العالم وقانونه (لوغوس) Logos، “إن النار هي التجميع (اللوغوس)[14].”

وفي مقابل التغير الهيرقليطي، نجد في شعر “بارميند” Parménide (450 ق.م) ما يؤكد وضع أساس ميتافيزيقا الوجود، فليس عنده في العالم المادي إلا الوجود، يقول هيدغر في محاضرته ما الفلسفة؟:

إن هيرقليط وبارميند ما كانا بعد فيلسوفين، ولم لا؟ لأنهما كانا أعظم المفكرين، و”أعظم” هنا لا تعني تقويمًا لعمل ما، بل تدل على بعد آخر للتفكير، فهيرقليط وبارمنيد كانا أعظم المفكرين، بمعنى أنهما كانا على الدوام في وانسجام Harmonie مع “اللوغوس”، أي مع “الواحد (هو) الكل[15].

وهكذا نرى أن فكرة “الوجود” L’être شغلت المفكرين الأوائل، ومثلث القضية الأساس في فلسفتهم، ولم تكن الميتافيزيقا منذ أن ظهرت في لحظتها الأولى، تبحث في الموجودات الجزئية، في هذا الشيء المشار إليه كهذه الورقة التي أكتب عليها الآن، أو هذه الشجرة التي أراها أمامي، ولكنها كانت ولازالت بحث في الوجود، بحث يتجاوز الموجود الحسي إلى الموجود الكلي مجردًا عن صفاته التي يتعلق بها، وعن أشكاله التي تُحمل عليه، فـالميتافيزيقا منذ بدايتها بحث في المطلق، وفي الحقيقة، التي تقوم وراء الموجودات المحسوسة والتي تعد أصلها.

لقد بحث أفلاطون Platon (ت: 348 ق.م) في مسألة “الوجود”، لكنه وعلى خلاف سابقيه من مفكري مرحلة ما قبل سقراط Les présocratiques، عمل لأول مرة على التمييز بين الوجود والموجود، وحصر الاختلاف بينهما على مستوى الحيز، الذي يقطنه كل واحد منهما، فالوجود يقطن حيزًا أعلى، أما الموجود فيقطن الحيز الأسفل؛ وبدءًا بهذه اللحظة تشكلت أول ثنائية ميتافزيقية: الوجود/الموجود، وترتب عن ذلك التمييز بين مجموعة من الأزواج الماهية Essence /المظهر، المعقول /المحسوس، النموذج /النسخة؛ وأصبحت الميتافيزيقا منذ هذه اللحظة تفصل بينهما، وتعتبر الوجود، كمفهوم أنطولوجي Ontologique، يفرض نظامه وأسبقيته على الموجود، ليتجسد هذا الأخير كعالم يحمل معنى بالنسبة للإنسان[16].

لقد أصبحت اللحظة الأفلاطونية تعتبر الوجود “إيروس” هو ما يحدد صور الأشياء ويدفعها إلى الظهور، ومن ثم أصبحت حقيقة الأشياء لا تتحدد إلا بارتباطها بعالم ما فوق الأشياء الذي يُمثل عالم الوجود الحق.

بهذا الحكم ، يكون أفلاطون قد أرسى أسس جديدة لمعنى الوجود الحق بوصفه الواحد الكلي، الثابت الذي يمكن للإنسان بصفته ذاتًا عاقلة لأن بتأمله ويحصره ويمسك به إذا ما راعى شروط التفلسف، واستبعد وقاوم بشدة كل معرفة تؤسس على الانفعال والخيال والمحاكاة والحس..، ذلك أن المعرفة المؤسسة على الخيال والحس هي في مرتبة أدنى من المعرفة المؤسسة على العقل.

غير أن الفصل بين المعقول والمحسوس، وعدم القدرة على تفسير نشأة المحسوسات من المثل المعقولة ما دامت مفارقة للوجود المحسوس، شكًل النقد الأساسي الذي وجهه أرسطو لأستاذه أفلاطون، مما اضطر المعلم الأول، وصاحب المنطق إلى إنزال المثل من عالم السماء، وأدمجها في المحسوسات.

تعنى الميتافيزيقا بدراسة الموجودات المحسوسة والتي أطلق عليها أرسطو اسم الجوهر الأول، وهي لا تعنى بها إلا من جهة واحدة هي وجودها. فإذا كانت العلوم النظرية الأخرى لا تدرس الوجود بل تدرس صفات الوجود وأعراضه، فإن الميتافيزيقا تهتم بالموجودات من حيث وجودها أي الوجود بما هو موجود.

ولما كانت الميتافيزيقا تهتم بالعلل الأولى للوجود، ولما كان الجوهر Ousia هو الموجود بالمعنى الأتم، فإن الميتافيزيقا تعنى بتفسير علل وجوده، فإذا كان سقراط يعد جوهرًا فإن له علة مفسرة لحقيقته وهذه العلة هي الماهية Essence.[17]

إذا تأملنا طبيعية الميتافيزيقا، من خلال تاريخها، وما قاله فلاسفة الاغريق، فإننا سنكشف أن الميتافيزيقا ظلت دائمًا قائمة على سؤال الوجود.

أعد المادة: محمد كرد

قسم الفلسفة، معسكر، الجزائر

*** *** ***

[1] نذكر منها: 1 – المعجم الفلسفي، جميل صليبا، دار الكتاب اللبناني 1982، ص 300. 2 – الموسوعة الفلسفية، عبد الرحمن بدوي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط1، 1984. وأيضًا:

-Andre Lalande, Vocabulaire technique et critique de la philosophie ,puf, paris, 1992, ivos, 1, p. 611. Encyclopedie universalis, Vol 10, france. P:984

[2] وهي أربعة عشرة كتابًا، أو أربعة عشر مقالة، مرتبة حسب الحروف الأبجدية اليونانية. وتبدأ من حرف الألف وتنتهي بحرف الكاف مع إضافة مقالة تسمى اللف الصغرى في أول الكتاب.

[3] Heidegger (M): Kant et le problème de la Métaphysique, TEL Gallimard, 1953,p:66.

[4] Élie During: la Métaphysique, Flamarion, Paris, 1998, p:27.

[5] جميل صليبا، المعجم الفلسفي، دار الكتاب اللبناني، 1982، ص 301.

[6] لالاند، الموسوعة الفلسفية، تعريب خليل أحمد خليل، منشورات عويدات بيروت، المجلد الثاني، الطبعة الأولى، 1996، ص 790.

[7] عبدو الحلو، معجم المصطلحات الفلسفية، المركز التربوي للبحوث والإنماء، الطبعة الأولى، 1994، ص 104.

[8] جميل صليبا، المعجم الفلسفي، ص 301.

[9] ابن رشد، تفسير ما بعد الطبيعة، دار المشرق، بيروت، 1967، ص 296 و297.

[10] Martin Heidegger: Questions II ,nrf,Gallimard,1968, p:32.

[11] مارتن هيدغر، ما الفلسفة؟ ما الميتافيزيقا؟ هيلدرلين وماهية الشعر، ترجمة فؤاد كامل ومحمود رجب، ص 119.

[12] محمد ثابت الفندي، مع الفيلسوف، دار النهضة العربية، بيروت، 1980، ص 96.

[13] محمد الخطيب، الفكر الإغريقي، دار علاء الدين، الطبعة الأولى، 1999، ص 99.

[14] مارتن هيدغر، نداء الحقيقة، ترجمة وتقديم ودراسة عبد الغفار مكاوي، دار الثقافة للطباعة والنشر، القاهرة، 1977، ص 401.

[15] مارتن هيدغر، ما الفلسفة؟ ما الميتافيزيقا؟ هيلدرلن وماهية الشعر، ص 60 و61.

[16] Heidegger (M): Qu’appelle-T-on-penser? PUF, 1973, P:261.

[17] اميرة حلمي مطر، الفلسفة عند اليونان، دار النهضة العربية، الطبعة الثانية، 1968، ص 272-273.

أفلاطون

كاتب الموضوع الأصلي: عمر الشايع 20

افلاطون

Plato

فيلسوف اغريقي يعتبر اعظم الفلاسفة الاقدمين دون منازع ، وكانت اعماله هي الشرارة الأولى التي اشعلت جميع المسائل والأفكار الفلسفية في العالم الغربي حتى اليوم ، وكانت أيضا الحافز الأول لظهور علم النفس والمنطق والسياسة ، و قد خلفت تلك الأعمال تأثيرات عميقة على الحياة العلمية في مختلف عصور التاريخ.َ

ولد افلاطون في اثينا عام 428 قبل الميلاد ، وكانت عائلته من صفوة أهالي أثينا في ذلك الوقت ، كما كان زوج أمه، بعد وفاة أبيه ، من مساعدي حاكم أثينا ( بركليس ) المشاركين في السياسة والزراعة . ولكن افلاطون بدا منذ صغره مبتعدا عن الحياة السياسية ، ومنعدم الطموح في الحصول على المراكز الادارية المرموقة . وقد كان لأعدام استاذه سقراط من قبل السلطة أثر كبير في نفسه ، خصوصا وأن سقراط كان من اصدقاء عائلته ، وقد انعكس ذلك الأثر بشكل واضح في كتاباته . بعد موت سقراط اعتزل افلاطون الحياة العامة في أثينا ، وخرج منها مرتحلا لعدة سنوات ، وفي عام 388 قبل الميلاد سافر الى ايطاليا وصقلية وتصادق مع حاكمها ، ثم عاد بعد عام الى أثينا وأسس فيها مدرسته التي أسماها ( الأكاديمية ) ، وهي معهد كرس لأعمال البحث العلمي ، وتدريس الفلسفة والعلوم . وقد قضى افلاطون معظم حياته في هذا المعهد مدرسا ، ومشرفا على نشاطاته حتى توفي عام 348 قبل الميلاد وهو في الثمانين من عمره . َ

وجميع أعمال افلاطون المكتوبة ، لحسن الحظ ، حفظت ووصلت الينا ، وهي تتألف من 26 عملا على شكل حوارات درامية حول الفلسفة وما يتعلق بها من أفكار . وقد سميت بالحوارات لأنها تأتي على شكل حوار أو مناقشة بين شخصين كما هو الحوار المتبع في القصص والمسرحيات كما في المثال التالي من كتابه ( السفسطائي ) : َ

(( ثيودورس : هانحن هنا الآن يا سقراط كما اتفقنا بالأمس ، ومعنا هذا الغريب من ايليا وهو فيلسوف حقيقي من تلامذة بارميندس و زينو . َ

سقراط : أرجو ألا يكون إله يا ثيودورس أتى إلينا متنكرا في هيئة غريب ، وكما قال هوميروس فإن جميع الآلهة ، وخصوصا آلهة الغرباء هم رفاق في الحلم والعدل ، ويزورون الأخيار والأشرار من البشر ، وعسى ألا يكون رفيقك هذا أحد أولئك المتسلطين الذي أتى لاختبارنا وتقييم مدى ضعفنا في الجدال . َ

ثيودورس : أبدا يا سقراط ، إنه ليس من ذاك النوع ، بل هو أنبل من أن يكون منهم ، وهو ليس إله على الاطلاق ، ولكنه إنسان مقدس ، وهذه هي الصفة التي سوف أطلقها على جميع الفلاسفة )) . َ

و شخصية سقراط هي الشخصية الرئيسية في جميع تلك الحوارات ما عدا القليل منها . ويجمع النقاد على أن حوارات افلاطون هي من الروائع الأدبية التي تضع افلاطون في مرتبة سيد الأدباء الاغريق . َ

ومن الصعب وضع ترتيب زمني لحوارات افلاطون ، ولكن اختلاف الأسلوب والافكار فيها جعل من الممكن تقسيمها الى ثلاثة أقسام هي : الحوارات المتقدمة ، والحوارات الوسطى ، والحوارات المتأخرة .َ

1 – الحوارات المتقدمة : وهي باكورة انتاجه وقد وضعها بعد عام 399 قبل الميلاد ، وهي عبارة عن ملاحظاته التي سجلها عن حياة وتعاليم أستاذه سقراط . ففي الحوارات الثلاثة الأولى يصف افلاطون محنة سقراط مباشرة قبل وأثناء وبعد المحاكمة . وفي حوارات أخرى قصيرة من هذه الفترة هناك سلسلة من المسائل لا تنتهي بحلول قاطعة . وتتميز تلك الحوارات بأسئلة يطرحها سقراط مثل : (( ما هو المجهول ( س) )) ، ويصر على الا يكون الجواب مثالا وأنما تحديد ماهية المجهول (س) وشكله وجوهره . فلو كان السؤال مثلا (( ما هي الحمرة ؟ )) فإن كان الجواب بأنها لون من الألوان ، لن يكون مقبولا ، لأن ( الزرقة ) أيضا لون من الألوان ، فهل الحمرة تساوي الزرقة ؟. ولو كان الجواب بأن الحمرة هي لون الدم ، فهذا أيضا ليس جوابا مقبولا لأن الحمرة أيضا هي لون الوردة ، فهل الدم والوردة شيء واحد ؟ . كما طرح أيضا أسئلة أخرى مثل : (( ما هي الشجاعة ؟ )) ، (( ما هي الحرارة ؟ )) ، (( ما هي القداسة ؟ )) . أما السؤال الأهم الذي طرحه والذي أسس عليه عمله الشهير ( الجمهورية ) فكان (( ما هي العدالة ؟ )) . وعلى الرغم من أن الحوارات تنتهي دون التوصل الى إجابة قاطعة على تلك الأسئلة ، إلا أن الأسلوب الجدلي الذي اعتمد في الاجابات يبين الفكرة المقصودة بشكل شديد الوضوح . َ

2 -الحوارات المتوسطة : وهي التي بدأت مع تأسيس أفلاطون لأكاديميته ، وفيها نرى ظهور افكار ايجابية في الأحاديث الواردة على لسان سقراط . وتتضمن حوارات هذه الفترة ما يمكن اعتباره اعظم اعمال افلاطون وهي ( الجمهورية ) . وتبدأ ( الجمهورية ) بمناقشة عامة حول طبيعة العدالة ، وبوضع صيغة للمجتمع السياسي المثالي ، والتعليم المناسب لحكام هذا المجتمع . والعدالة عند افلاطون هي مبدأ لكل شيء يؤدي العمل المناسب لطبيعته ، وهي مبدأ الحكم الأنسب لكل التصرفات . وبالمعنى السياسي ، فإن هذا المبدأ يجب ان يحتضن من قبل المجتمع الذي يؤدي فيه المواطنون الأعمال المهيئين لأدائها ، ففي نفس كل فرد من هذا المجتمع يكمن هذا المبدأ ولا يمكن اكتشافه إلا إذا أدى كل فرد الوظيفة التي تتناسب مع طبيعته . وفي المجتمع ، وعند كل فرد يجب أن يكون الحكم للعقل بشرط أن يكون مقرونا بالعدالة التي ستحقق الانسجام بين الافعال و الأحكام . وإن حكم العقل ليس طغيانا ولكنه انسجام بين افراد المجتمع السعداء والمجتمع نفسه . َ

وفي حوارات هذه الفترة طور افلاطون نظرية ( الشكل ) أو ( الهيئة ) المتعلقة بالأمور الطبيعية . ويفسر افلاطون الشكل بأنه المبدأ الذي يشرح كون الشيء شيئا ، وكيف يكون الشيء شيئا ، وما هي المتطلبات التي يجب أن تتوفر لكي تتضح معالم الأشياء . و الشكل الخير أو الصحيح يتمتع بميزة فريدة تجعل منه مسؤولا عن الوجود وعن فهم العالم بشكل واضح . كما تتناول أعمال هذه الفترة تفسير ( الفهم ) نفسه بأنه الحكم على وجود الشيء بشكل حقيقي وواقعي وليس بأخذ فكرة عابرة عنه . وتتناول هذه الأعمال أيضا الحب والموت ، فالحب هو انجذاب خلاق نحو الجمال والخير ، والموت هو انفصال الروح عن الجسد . َ

3 – الحوارات المتأخرة : وهي التي كتبها بعد عودته من سراقوزا ( صقلية ) ، ونرى فيها شخصية سقراط تتراجع الى الخلف ، لتظهر شخصيات أخرى جديدة كما في كتاب ( السوفسطائي والسياسي ) حيث تظهر شخصية زائر مجهول الاسم من مدينة ( إيليا ) . ويبين السوفسطائي ، أي المنظر ، كيف أن الفهم المناسب لمظهر الشيء يعتمد على كون الشيء موجودا أو غير موجود ، وعلى العلاقة بين الجزئيات والأشكال الكاملة . وتتضمن حوارات هذه الفترة أيضا كتابا عن أصل وطبيعة الكون ، وكتابا عن موقع المتعة في الحياة السعيدة ، كما تتضمن أيضا كتاب ( الشرائع ) الذي يعتبر أطول وآخر اعمال افلاطون ، وفيه يضع أسس إنشاء المدينة الفاضلة . َ

وتتركز عقيدة افلاطون بشكل عام حول فكرة ( العقل ) بأنه القوة القادرة على كشف المفهوم والنظام اللذان يحكمان العالم المتغير المظاهر ، وعلى خلق الحياة المنسجمة السعيدة بين الحكومة والشعب . وبينما كانت نظرة سقراط بأن الفضيلة هي شكل من أشكال الفهم ، وأن المعرفة هي السبيل الى الحياة السعيدة ، فإن نظرة افلاطون هي أن التعليم الفلسفي يجب أن يهدف الى خلق الانسجام بين العقل والعاطفة ، وان الحياة السعيدة هي التي يكون فيها الانسان سيد نفسه والتي يحكم العقل فيها ارادته لا كشيء دخيل عليها وإنما كدليل ومصدر طبيعي يهدي ويغذي تلك الارداة .َ

وبعد وفاة افلاطون استمرت تعاليمه سائدة لعدة قرون . وبعد اغلاق الاكاديمية ظهرت الافلاطونية المحدثة التي لاقت رواجا في العهد البيزنطي والاسلامي كما انها كانت العامل الفكري المسيطر في الفلسفة اللاتينية خلال العصور الوسطى ، ولا شك كان لها أثر كبير على الفلسفة الحديثة . كما شهد القرنين 19 و20 ظهور نزعات اوربية – امريكية قوية نحو الفلسفة الافلاطونية. َ

فلسفة التاريخ عند هيجل

كاتب الموضوع الأصلي: عمر الشايع 20

فلسفة التاريخ عند هيجل
يوسف أبا الخيل

تعد فلسفة التاريخ عند الفيلسوف الألماني هيجل المولود في شتوتجارت في العام 1770م أكثرأجزاء فلسفته شيوعاً وأميزها شهرة وثراءً معرفياً، ذلك أنه أقامها على أساس دقيق فصل القول فيه من خلال تعريفه للتاريخ نفسه بأنه ليس ذلك المدونات النظرية التي يقوم خلالها المؤرخ بسرد الأحداث والوقائع وتبويبها وتقديمها للقارئ بصورة خطية مستقيمة، كما أنه ليس ذلك النمط الذي يتعرض للوقائع التاريخية الماضية بهدف استخلاص العبروالدروس من ذلك الماضي واقتراح حلول معاصرة اتكاءً على أحداث الماضي باعتبارأن التاريخ شاهد ومهمين على العقل الكلي، وبالتالي فإن أحداثه الماضية التي أدارمن خلالها العقل لتصريف الوقائع التاريخية الماضية صالحة لاستخلاص الآلية المناسبة منها لإدارة الوقائع الحالية، فهذا كله وأمثاله لايعد في نظرهيجل تاريخاً بالمعنى الفلسفي لكلمة التاريخ إلابمقدارتقديمه للأحداث التي وقعت كناحية وصفية ليس إلا.

أما التاريخ الحقيقي وفق الفلسفة الهيجلية فهوذلك التاريخ الذي يهيمن على الوقائع ويصوغها ضمن منطقها الداخلى من خلال تفاعل الشخصيات التاريخية نفسها مع المقصد الخفي الذي يبلوره المنطق الباطني للتاريخ، حيث يقوم التاريخ وفقاً لهذه الفلسفة بتفسيرالوقائع واستخراج القوانين والتنبؤات لما سيجرى من غيرالتقيد بزمن معين يراد له أن يبسط قوانين وآلية جريان أحداثه على زمن آخر، والسبب في ذلك أن العقل كما يراه هيجل هوجوهرالتاريخ، ومن ثم فهذا العقل هوالذي يتحكم في أحداث العالم عن طريق التاريخ نفسه، وبالتالي فكل حدث من أحداث التاريخ إنما جرى وفقاً لمقتضيات العقل الذي يموضع الأحداث العالمية لتخدم قصداً معيناً أوهدفاً محدداً ولكن من تحت مظلة التاريخ.

هذه الفلسفة في النظرة للعقل باعتباره جوهرالتاريخ تقتضي نظرة معاكسة للنظرة التقليدية السائدة عن التاريخ التي تعتمد على جعله مهميناً على العقل بتوقع سيناريوللأحداث الجارية أوالتي ستجري بأنها ستكون على سيناريومشابه لأحداث تاريخية سابقة مشابهة، أما فلسفة التاريخ الهيجلية فعلى العكس منها بحيث تعتبرالعقل نفسه هو من يسيرالتاريخ بحيث يرتب أحداثه على نحوٍيجعلها سائرة نحو هدف أومقصد بعيدالمدى.

على هذا النحوفالتاريخ لدى هيجل عبارة عن منظومة تطورونموخاضعة لمنطق باطن كامن في الشخصيات التاريخية التي لم تكن وفق هذه الفلسفة إلاأدوات لتحقيق فلسفة أوهدف التاريخ السائربشكل حتمي نحوتحقيق مقصد كلي بحيث لم تكن تلك الشخصيات التاريخية تشعرأساساً بأنها ستحققه ولم يكن يشكل في الأساس مقصداً لها وإنما تصرفت على نحوجعلها تضبط وقائع التاريخ نحوذلك الهدف، هؤلاء الأشخاص أوالأدوات التنفيذية كما يرمزلهم هيجل ليسوا استثناءً من فلسفة المصلحة أوالمنفعة الشخصية فهم يسيرون حسب أهوائهم وتحكم تصرفاتهم مصالحهم الشخصية ويرومون تحقيق مآربهم الخاصة دون إرادة أي شيء آخر، ولكن منطق التاريخ الداخلي يؤكد أن غاية بعيدة المدى ستتحقق من سعيهم لمصالحهم رغم أنهم لم يكونوا هم في الأساس على علم بها ولم تكن على أجندة مصالحهم وهومايسميه هيجل (مكرأوخبث العقل الكلي المسيطرعلى التاريخ) حيث يتبدى خبث هذا العقل بأنه يستعين بهذه الشخصيات التاريخية لتحقيق مقاصده دون أن يكون لهم علم بها، والذي يجعل هؤلاء أقوياء وجادين على السيرنحوالطريق إلى الهدف، هو أن أهدافهم الجزئية ومصالحهم الضيقة تحتوي في باطنها على المحتوى الجوهري الذي هوإرادة الروح الكلية أوالعقل الكلي، وهذا المحتوى موجود في الأساس في الغريزة الكلية غيرالمشعوربها لدى الناس بمن فيهم أدوات التنفيذ التاريخية.

في المراحل الحاسمة على الطريق نحوتحقيق مقصد أوهدف التاريخ الكلي كما يقول هيجل، تحدث اصطدامات عظمى بين الأنظمة القائمة (أنظمة فكرية معينة مسيطرة على لحظات معينة من لحظات التاريخ) وبين تيارات مضادة لهذه الأنظمة مما يؤدي إلى زعزعتها بحيث تبدوهذه الاصطدامات وكأنها شر لابد منه لإتمام عملية التحول بنجاح، ويسمي هيجل تلك الشخصيات التاريخية التي يتحقق على أيديها الزلزال التغييري عظماء التاريخ وهم حين يحققون مطامعهم أويسيرون في طريقها وإن لم تتحقق في النهاية، فإنهم يحققون في نفس الوقت الغاية الأسمى التي تتفق مع التصورالأعلى للروح الكلية المسيطرة على التاريخ .

في هذا الاتجاه الهيجلي يمكن اعتبار معطيات وثمار عصرالأنوارالأوروبي الذي تحقق على أيدي فلاسفة التنوير بمثابة تطبيق لتلك الفلسفة الجديدة للتاريخ، فعندما كان العقل الكلي الأوروبي سائراً نحوالتحررالكامل والتقدم في اتجاه الأنسنة الشاملة كان لابد لمنطق التاريخ من أن يعمل على إشعال نارالاصطدام بين النظام الفكري الكنسي المتزمت السائد في أوروبا وبين التيارات الفكرية التنويرية الجديدة، وكان لذلك ثمنه الباهظ الذي تمثل في الاضطهاد الكنسي للمفكرين والأدباء والفلاسفة الأوروبيين الذي جاء على خلفية محاولات الكنيسة الحفاظ على موقعها المتميزالقائم على وهم حقها الوحيد في الإمساك بزمام الخلاص الروحي والتفسيرالوحيد للدين، ولم يكن يدوربخلد أولئك المنفذين من أباطرة الكنيسة وقساوستها وهم يقيمون محاكم التفتيش ويحرقون العلماء ويسحلون الفلاسفة أنهم إنما يؤدون دوراً رسمه لهم التاريخ بواسطة العقل الكلي المسيطرمسبقاً، هذا الدور أدى حين بلوغه مرحلته الحاسمة إلى انتهاء دورالكنيسة الأوروبية في ما يخص هيمنتها على الأفراد والحياة وتحررالعقل الأوروبي نهائياً من قبضتها وتحولت إلى مؤسسة دينية تحكمها لوائح وأنظمة المؤسسات الأخرى في المجتمع، هذا الوضع دعا بعضاً من المفكرين العرب والأجانب إلى أن يعتبروا ما يجري حالياً من قبل الأصوليات المتشددة في العالم الإسلامي من انفجارداخلي وضيق بمعطيات الحداثة ومؤسساتها وقيامها على العنف والتفجيروالتفخيخ وقتل الناس على الهوية الدينية ما هوإلا مقدمة لذلك الاصطدام الكبيرالذي تحدث عنه هيجل أوربما هوالاصطدام نفسه الذي سيعقبه اندحارتلك الأصوليات وانتصارمبادئ الحضارة الإنسانية على أنقاضها وستكون شخوصها إذ ذاك مجرد أدوات تنفيذية أدت من دون أن تقصد إلى الهدف الكبيرالذي ينشده التاريخ وهوتحقيق الانتصارالتام لقيم الحداثة ومبادئ الإنسانية ومفردات التنويروتحقيق العدل والحرية والمساواة وبسطها في المجتمعات الإسلامية والاستفادة من التراثات الإنسانية القائمة على مبادئ التنويربدون عقد مسبقة أواحتشاء أوتمحورنحوتراث معين أنتجه قوم غابرون في مجاهل التاريخ لظروف عصرهم التي لم يكن بالإمكان التعامل معها بغيرتلك الآليات التي يضمها ذلك التراث، ولكن والظروف المعاصرة تضغط باتجاة كونية سريعة وعولمة ضاغطة فلا بدّ لتلك المجتمعات من السيرباتجاه اكتشاف آليات معاصرة لواقع معاصريتطلب روحاً جديدة قائمة على الاستفادة من أي تراث إنساني ينشد قيمة الإنسان ويحققها.

هل تتحقق نبوءة فلسفة التاريخ لهيجل في واقع المجتمعات الإسلامية وهي تكابد مواجهة ظلامية المشاريع الأصولية القائمة على تصنيف البشروفق أديانهم أوأعراقهم أومذاهبهم وما شابهها من مفردات تصنيفية ظلت عائقاً أمام تلك المجتمعات نحو الالتحاق بركب الحضارة العالمية؟ التاريخ وحده مرة أخرى كفيل بالإجابة.

[email protected]