أ.د. أحمد محمد وهبان

هل تستخدم دول الخليج كمنصة لضرب إيران؟

كاتب الموضوع الأصلي: راكان الركف13

دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN) — تكاد لا تخلو وسيلة إعلام في العالم من التطرق للتوتر القائم بين الولايات المتحدة وإيران، لاسيما التهديدات المتبادلة بين كبار المسؤولين، الأمر الذي تتفاوت فيه التوقعات من ترجمة الكلمات إلى واقع، أم إبقاء الحال على ما هو عليه الآن!!

فعقب زيارة نائب الرئيس الأمريكي، ديك تشيني، لعدد من دول المنطقة في مايو/ أيار 2007، بهدف “تعزيز الجبهة ضد إيران، لمنعها من امتلاك السلاح النووي والهيمنة على المنطقة،” وتهديده إيران من على متن إحدى حاملات الطائرات الأمريكية في مياه الخليج، صدرت تصريحات متزامنة لمسؤولين إيرانيين تلوح بضرب القواعد العسكرية الأمريكية في منطقة الخليج، وأهداف إستراتيجية لدول الخليج العربية، في حال قامت الولايات المتحدة بأي هجوم على المنشآت النووية الإيرانية.

تقارير نقلت عن الأدميرال علي شمخاني، وزير الدفاع الإيراني الأسبق وكبير المستشارين العسكريين للمرشد الأعلى علي خامنئي، تهديداته بضرب المنشآت النفطية لدول الخليج، إذا ما هاجمت الولايات المتحدة بلاده، بحسب ما ذكرته صحيفة “صنداي تايمز” البريطانية في 10 يونيو/حزيران الماضي.

ورغم أن شمخاني أنكر ذلك التصريح في لقاء مع قناة “العربية” الفضائية في اليوم التالي، فإن كثيراً من المحللين والمراقبين لا ينفون احتمال لجوء إيران إلى هذا الخيار.

وثمة تصريحات أخرى لمسؤولين إيرانيين تسند هذا التوجه. فرئيس مجلس الشورى الإسلامي الإيراني، غلام حداد عادل، كان قد أشار خلال زيارة لدولة الكويت، إلى أنه “في حال استخدام أمريكا قواعد دول المنطقة لضرب إيران، من الطبيعي أن نقوم بالدفاع عن أنفسنا والرد على مصدر الهجوم.” (كما أوردت صحيفة “القبس” الكويتية، 11/6/2007).

وفي المقابل، حرص كثير من القادة والمسؤولين الخليجيين على تأكيد موقف بلادهم المعارض للحل العسكري لأزمة الملف النووي الإيراني، والرافض لاستخدام أراضيها للقيام بأي عمل عسكري ضد إيران.

فالنائب الأول لرئيس مجلس الوزراء الكويتي، وزير الدفاع الشيخ جابر المبارك الصباح، صرح في الحادي عشر من يونيو/حزيران، رداً على سؤال للصحفيين عما إذا كانت الولايات المتحدة طلبت من الكويت استخدام أراضيها لضرب إيران، قائلاً إن “أمريكا لم تطلب مثل هذا الطلب… وحتى لو طلبت فإننا لن نسمح به أبداً.” (نقلاً عن صحيفة “السياسة” الكويتية، 12/6/2007).

كما أن وزير الداخلية السعودي، الأمير نايف بن عبدالعزيز، صرح في السابع عشر من الشهر نفسه أن “دول الخليج العربية لن تكون منصة لأي هجوم عسكري على إيران.” (وفقاً لصحيفة “الشرق الأوسط” اللندنية، 18/6/2007).

وقبل ذلك، كان الشيخ خليفة بن زايد، رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، قد أوضح في حديث مع صحيفة “الحياة” اللندنية في 26 إبريل/نيسان، أن بلاده “ليست طرفاً في النزاع بين إيران والولايات المتحدة، و(أننا) لن نسمح باستخدام أراضينا لأي أعمال عسكرية أو أمنية أو تجسسية ضدها (إيران).”

فهل حقاً لن تدعم دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية أي ضربة عسكرية ضد إيران، وأنها لن تسمح للولايات المتحدة استخدام القواعد العسكرية، والتسهيلات الممنوحة لها على أراضيها وفي أجوائها، من أجل توجيه مثل هذه الضربة؟!

قبل الإجابة عن هذا السؤال، واستشراف السيناريو الأمريكي في حال اللجوء إلى الخيار العسكري، ينبغي التعرف على طبيعة الوجود العسكري الأمريكي في دول الخليج العربية الست.

الروابط الدفاعية الأمريكية – الخليجية

يعود التعاون العسكري والأمني بين الولايات المتحدة ودول الخليج العربية إلى القرن الماضي، والمملكة العربية السعودية هي التي دشنت الروابط الدفاعية المشتركة.
ففي العام 1945 أبرمت السعودية اتفاقية تسمح للولايات المتحدة ببناء قاعدة جوية في الظهران، واستخدامها وتشغيلها، واستهلت بذلك عصراً بارزاً من التعاون العسكري الأمريكي- السعودي.

ولحقت البحرين بالسعودية في هذا الشأن، فوقعت – بعد الانسحاب البريطاني منها في العام 1971 – اتفاقية مع الولايات المتحدة تقوم بموجبها بتوفير تسهيلات للبحرية الأمريكية.

وفي العام 1991 وقع البلدان اتفاقية أشمل للتعاون الدفاعي لمدة عشر سنوات، تنص على تقديم تسهيلات للقوات الأمريكية، ومنحها الحق في التموضع المسبق لمعداتها وعتادها، فضلاً عن إجراء تدريبات ومناورات مشتركة بين قوات البلدين.

وتعد البحرين مقراً للأسطول البحري الخامس الأمريكي، الذي تشمل منطقة عملياته منطقة الخليج وخليج عُمان وبحر العرب وخليج عدن والبحر الأحمر، وأجزاء من المحيط الهندي.

أما سلطنة عُمان فقدمت للقوات الأمريكية تسهيلات عسكرية، باستخدام المرافئ والمطارات العُمانية، حسب الاتفاقية التي أبرمتها مع الولايات المتحدة عام 1980.
كما أن الاتفاقية أتاحت إقامة منشآت في جزيرة مصيرة والثمريات والسيب لاستخدام سلاح الجو الأمريكي، فضلاً عن منشآت أخرى لقوات البحرية الأمريكية.

وعقدت الكويت اتفاقاً مع الولايات المتحدة في العام 1987 تقوم بموجبه الثانية بحماية إحدى عشرة ناقلة نفط كويتية تعرضت للتهديد من طرف قوات البحرية الإيرانية إبان ما سمي بـ”حرب الناقلات”، خلال الحرب العراقية – الإيرانية، في الفترة 1986-1988.

وفي العام 1991 وقع البلدان اتفاقية للتعاون الدفاعي، تقدم الكويت بمقتضاها تسهيلات واسعة للقوات الأمريكية، كما توفر لها قواعد تمركز جوية وبرية، ومستودعات تخزين للمعدات والعتاد، فضلاً عن استضافة الآلاف من القوات (الأمريكية) بغرض حماية الأراضي الكويتية من أي تهديدات عراقية.

وأبرمت قطر اتفاقية في العام 1992 وفرت تسهيلات للقوات الجوية والبحرية الأمريكية، وتخزين المعدات والعتاد للجيش والقوات الجوية على أراضيها. وفي نهاية العام 1996 بدأت الولايات المتحدة تشييد “معسكر السيلية”، وفي 2001 منحت قطر للولايات المتحدة حق استغلال “قاعدة العديد الجوية”، التي تعد من أكبر القواعد العسكرية الأمريكية في الخارج، إذ يذكر “تقرير مجلة جينز الدفاعي” لعام 2006 أن تكلفة بناء هذه القاعدة بلغت نحو 1.4 مليار دولار.

ووقعت دولة الإمارات العربية المتحدة أيضاً اتفاقية للتعاون الدفاعي مع الولايات المتحدة عام 1994، تسمح لها استخدام منشآتها الجوية، وكذلك موانيها لرسو القطع البحرية الأمريكية، وتزويدها بالخدمات اللوجستية.

وواقع الأمر أن الروابط العسكرية بين الولايات المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي الست، كانت تتركز في توفير التسهيلات العسكرية المحدودة والمؤقتة، إلا أن الغزو العراقي للكويت، واندلاع حرب الخليج الأولى 1990-1991 شكل تحولاً نوعياً في هذه الروابط، فتخلى الطرفان عن مفهوم الوجود العسكري “المستتر”، وتم نشر القوات الأمريكية على أراضي دول الخليج على نطاق واسع، وإقامة قواعد عسكرية وتجهيزات شبه دائمة.

وحدث تحول آخر في الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001، إذ غدا ذلك الوجود أكثر عدداً وأوسع انتشاراً.

ولما شرعت الولايات المتحدة في الحرب ضد نظام طالبان في أفغانستان عام 2001، ضمن ما يسمى بـ “عملية الحرية الدائمة”، قدمت كل دول الخليج التسهيلات اللازمة للعمليات الأمريكية، وخصوصاً سلطنة عُُمان وقطر والبحرين. كما كان مركز العمليات الجوية المشتركة في “قاعدة الأمير سلطان الجوية” بالسعودية هو الذي يقوم بتنسيق الحرب الجوية في سماء أفغانستان.

وفي سياق الاستعدادات الأمريكية لشن الحرب على العراق عام 2003، ضمن عملية “حرية العراق”، لعبت الكويت دوراً رئيسياً في خطة الحرب، إذ تمركز فيها نحو 150 ألفاً من جنود التحالف، وانطلقت منها هذه القوات في الهجوم على العراق.

وحالياً، تعد الكويت المحطة الرئيسية لتناوب القوات الأمريكية في العراق، كما أنها (إلى جانب قطر) تعد أهم مستودع للمعدات والأسلحة الأمريكية في المنطقة.

ونظراً إلى أن البحرين مقر الأسطول البحري الخامس، فقد كانت مركز العمليات البحرية الرئيسية، بينما كانت قطر مقراً للقيادة الوسطى الأمريكية، التي تولت القيادة المباشرة للحرب ضد العراق، في حين كانت طائرات القصف الأمريكية “بي” و”بي 1″ تنطلق من القواعد الجوية العُمانية.

أما الإمارات العربية المتحدة فقد سمحت لطائرات الاستطلاع الأمريكية من طراز “يو 2″، وطائرات تزويد الوقود من طراز “كي سي 10” بالعمل انطلاقاً من “قاعدة الظفرة الجوية”.

ومع أن المملكة العربية السعودية رفضت استخدام أراضيها أو أجوائها لضرب العراق، إلا أن مركز العمليات الجوية المشتركة في “قاعدة الأمير سلطان الجوية” هو الذي كان ينسق الحرب الجوية ضد العراق، كما كان الحال في الحرب على أفغانستان.

الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة

لا تخلو دولة خليجية من القوات الأمريكية، إذ تضم دول الخليج الست مجتمعة نحو 40 ألف عسكري أمريكي.

فحسب تقرير “التوازن العسكري 2005-2006″، الصادر عن المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية IISS، يوجد في الكويت نحو 25 ألف عسكري أمريكي من فروع الأسلحة الأربعة (الجيش والقوات البحرية وسلاح الجو ومشاة البحرية “مارينز”)، وإن كان تقرير مجلة “جينز” الدفاعي” لعام 2006، يشير إلى أن عدد الجنود الأمريكيين يقارب 18 ألفاً.

وهؤلاء يتوزعون على “قاعدة علي السالم الجوية”، التي تتمركز فيها قوة جوية رئيسية، و”قاعدة عبدالله المبارك الجوية” قرب مطار الكويت الدولي، و”معسكر عرفجان” (الجنوب) الذي تتمركز فيه قوة برية رئيسية، ويضم قيادة قوات التحالف البرية التي انتقلت إليه من معسكر الدوحة، وجزيرة فيلكا، وميناء الأحمدي.

أما في البحرين فيتمركز نحو 3000 عسكري أمريكي ما بين قوات بحرية ومشاة بحرية وجيش، في “قاعدة الجفير العسكرية” القريبة من المنامة، والتي تضم مركز قيادة الأسطول الخامس، وميناء سلمان، و”قاعدة الشيخ عيسى الجوية”، ومطار المحرق. علماً أن الأسطول الخامس يضم بالوضع العادي نحو 15 قطعة بحرية، تشمل حاملة طائرات.

وفي دولة قطر يبلغ عدد العسكريين الأمريكيين نحو 6540 عسكري، ما بين جيش وقوات بحرية وجوية ومشاة بحرية، يتوزعون على “قاعدة العديد الجوية”، التي تضم مركز العمليات الجوية المشتركة، و”معسكر السيلية” الذي يعد مقر القيادة الوسطى الأمريكية.

ولاشك في أن انتقال القوات الأمريكية من السعودية إلى قطر، عقب الحرب على العراق، قد عزز أهمية الدوحة في الوجود العسكري الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط، كما يقول “تقرير جينز الدفاعي.”

وفي المملكة العربية السعودية يوجد حالياً ما بين 300 و500 عسكري أمريكي فقط، يقومون بمهام التدريب. وكان عدد القوات الأمريكية المنتشرة في السعودية حتى انتهاء العمليات الرئيسية للحرب على العراق نحو 8500 عسكري.

أما في الإمارات العربية المتحدة، فيصل عدد الأفراد الأمريكيين إلى 1300 تابعين للقوات الجوية، ويتمركز هؤلاء الجنود وعدد من طائرات الاستطلاع الأمريكية في “قاعدة الظفرة الجوية” بأبوظبي. فضلاً عن استخدام القطع البحرية الأمريكية لميناء الفجيرة، وميناء جبل علي بدبي، الذي يعد أكثر الموانئ خارج الولايات المتحدة زيارة من طرف السفن الأمريكية، للتزود بالوقود والمؤن، واستجمام الجنود، وغيرها.

بينما يصل العدد في سلطنة عُمان إلى أكثر من 270 جندياً ما بين قوات بحرية وجوية، وهؤلاء يتمركزون بشكل دائم في “قاعدة الثمريات الجوية”، و”قاعدة مصيرة الجوية”، ومطار السيب الدولي، بهدف تنسيق النشاطات وصيانة التسهيلات. وقد يرتفع في الأزمات عدد هذه القوات، إذ تعد عُمان إحدى أهم المحطات لاستقبال القوات والمعدات الأمريكية.

مخاوف الدول الخليجية من الانتقام الإيراني

أشرنا إلى أن هناك سابقة تاريخية في مشاركة دول الخليج في عمليات عسكرية تم شنها ضد إحدى الدول الجارة لها. فمنذ العام 1991 شاركت كل دول الخليج، بصورة متفاوتة، في العمليات العسكرية التي قامت بها الولايات المتحدة ضد العراق.

إلا أن هذا الأمر يختلف في حالة إيران، لعدة أسباب:

– الأول، أن كل دول الخليج أعلنت صراحة عن موقفها الرافض لخيار الحسم العسكري للملف النووي الإيراني، وما فتئت تشدد على تفضيلها التسوية السياسية للأزمة.

– والسبب الثاني، أن دول الخليج أعلنت صراحة أيضاً أنها لن تكون منطلقاً لأي عملية عسكرية تستهدف إيران.

ويمكن إحالة الموقف الموحد لدول الخليج إزاء هذه المسألة، إلى أنها تخشى من أن يؤدي أي هجوم عسكري على إيران إلى تعرضها لهجمات انتقامية إيرانية، بحسب ما يراه بعض المراقبين.

فدول الخليج تخشى أولا من أن يقوم الإيرانيون بضرب المنشآت النفطية والحيوية، مثل محطات توليد الطاقة الكهربائية، وتحلية المياه المنتشرة على الساحل العربي من الخليج. كما أنها تخشى من أن تحرك إيران “عملائها” في داخل الدول الخليجية، بهدف نشر الفوضى وتقويض الأمن والاستقرار، أو على الأقل أن تثير أي مشاركة لدول الخليج في ضرب إيران التجمعات الشيعية فيها.

ومما يؤكد هذه المخاوف ما نقلته صحيفة “صنداي تايمز” البريطانية، في التقرير الذي نشرته في 10 يونيو/حزيران الماضي، عن مسؤول إيراني قوله إن الصواريخ البالستية التي ستطلقها إيران على أهداف استراتيجية في منطقة الخليج في الساعة الأولى من الهجوم الأمريكي “ستترافق مع دعم لجماعات موالية لإيران.”

والراجح أن هذه الجماعات ستتحرك في أعمالها العدائية والتخريبية داخل دول الخليج، وهو ما يؤيد ما كان صرح به القنصل الإيراني الأسبق في دبي، عادل السعدانية، لصحيفة “ديلي تلغراف” الإنجليزية في الرابع من مارس/آذار، من أن إيران جندت “خلايا نائمة” في دول الخليج لشن هجمات ضد المصالح الغربية، ونشر الفوضى في حال تعرضت لضربة عسكرية.

وأكد المنشق الإيراني أيضاً أن المخابرات الإيرانية تعمل على تجنيد الشيعة في هذه الدول.

السيناريو العسكري المرجح

يستبعد المحللون والخبراء قيام الولايات المتحدة بغزو بري لإيران، ويرجحون أن تعتمد بشكل رئيسي على القصف الجوي المكثف (بواسطة الطائرات وصواريخ “توما هوك”) للمنشآت النووية والعسكرية الإيرانية.

ونظراً لوجود قواعد عسكرية أمريكية رئيسية في دول الخليج، فضلاً عن تسهيلات الدعم والإسناد بمختلف أنواعها في هذه الدول، يرى مراقبون أن الأنسب انطلاق أي ضربة جوية باتجاه إيران من هذه الدول.

وهذا ما يضع دول الخليج في حرج شديد، لأن كل دولة ملتزمة باتفاقية دفاعية ثنائية مع الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه ترتبط مع إيران بعلاقات حسن جوار.

ولكن كيف يمكن لدول الخليج العربي أن توفق بين هذين المتطلبين المتناقضين؟

رغم تصريحات المسؤولين الخليجيين، من أنها لن تسمح للطائرات والصواريخ الأمريكية بالانطلاق من أراضيها، إلا أن لا غنى للولايات المتحدة عن استخدام المعدات المتقدمة والتسهيلات المختلفة القائمة في منطقة الخليج، لتنفيذ مثل هذه العملية، إن تطلب الأمر.

ومن ثم، فقد ترفض دول الخليج السماح للولايات المتحدة باستخدام أراضيها وأجوائها منطلقاً لأي أعمال “عدائية” ضد إيران، ولكنها في الوقت نفسه قد تتيح لهذه القوات استخدام التسهيلات المختلفة في تنفيذ مثل هذه الأعمال.

ويذكر أن هذا التصرف كانت له أمثلة سابقة عدة.. فالبحرين لم تسمح للطائرات الأمريكية بالانطلاق من الأراضي البحرينية لضرب العراق في أثناء عملية “ثعلب الصحراء” عام 1998، وإن كانت لم تمانع من استخدام الولايات المتحدة التسهيلات الأخرى في هذه العملية.

وكذلك السعودية، التي لم تأذن للطائرات الأمريكية المرابطة في “قاعدة الأمير سلطان الجوية” بالمشاركة في ضرب العراق عام 2003، لكنها لم تعارض قيام مركز العمليات الجوية المشتركة في القاعدة، بتنسيق الحرب الجوية.

والأمر نفسه ينطبق على الإمارات العربية المتحدة، التي رفضت استخدام قواعدها أو أجوائها لتوجيه ضربات لأفغانستان خلال الحرب عام 2001، لكنها لم تمانع من أن تستخدم الولايات المتحدة طائرات الاستطلاع والتزود بالوقود المرابطة في “قاعدة الطفرة” في تنفيذ العمليات.

ولكن يبقى السؤال المطروح هو: إذا ما رفضت دول الخليج استخدام أراضيها منطلقاً لأي أعمال عدائية ضد إيران، وسمحت للقوات الأمريكية باستخدام التسهيلات المساندة واللوجستية، فهل سينظر الإيرانيون إلى هذا الفعل على أنه مشاركة في استهدافه، ومن ثم يكون لهذه الدول نصيب من ردود “الثأر” الإيرانية؟

وفي هذا السياق، كان لافتاً قيام الولايات المتحدة في يناير/كانون الثاني الماضي، بالبدء في نشر فوج من الدفاع الجوي، مجهز بمنظومة “باتريوت” المضادة للصواريخ، في مختلف أنحاء الخليج “لطمأنة أصدقائنا وحلفائنا”، على حد قول الرئيس جورج بوش.

ولرفع الحرج عن “حلفائها” في منطقة الخليج، قد تستند الولايات المتحدة في توجيه الضربات الجوية إلى الأسطول الخامس، المنتشر في مياه الخليج وبحر العرب، فضلاً عن “قاعدة دييغو غارسيا” الإستراتيجية في المحيط الهندي، ولاسيما أنها تحتوي على القدرات العسكرية اللازمة لتوجيه الضربات الجوية.

ومن هنا قامت الولايات المتحدة في الفترة الأخيرة بتعزيز مجموعاتها الحربية في مياه الخليج، فأرسلت في مايو/أيار الماضي حاملة الطائرات “يو إس إس نيميتز” ومجموعتها القتالية، لتنضم إلى نظيرتها “يو إس إس جون سي ستينيس”، وتضم حاملتا الطائرات معاً أكثر من 20 قطعة بحرية، ونحو 140 طائرة.

كما أعلن متحدث باسم الأسطول الخامس الأمريكي في البحرين في العاشر من يوليو/تموز، بأن حاملة الطائرات النووية “يو إس إس إنتربرايز” تحركت من قاعدتها في نورفلك، بولاية فرجينيا، في طريقها إلى منطقة الخليج، وأن مجموعتها المقاتلة ستنضم إلى القيادة المركزية الوسطى، من دون أن يشير إلى ما إذا كانت ستتولى مهام أي من حاملتي الطائرات “ستينيس” و”نيميتز”.

ويأتي نشر الولايات المتحدة الحاملة الثالثة في منطقة الخليج بهدف تعزيز قدرة البحرية الأمريكية على “مواجهة التصرفات المثيرة للاضطراب والفوضى التي تقوم بها بعض الدول (أي إيران)،” وفق البيان الصادر عن قائد الأسطول الخامس، الأميرال كيفن كوسغريف في اليوم نفسه.

ويعد إرسال الحاملة الثالثة إلى مياه الخليج عملية الانتشار الأكبر في الأسطول الخامس منذ غزو العراق عام 2003.

ومن جهة أخرى، قد تستعين القوات الأمريكية بالقواعد العسكرية في كل من أوروبا وفي أراضيها، وربما تستخدم الأراضي العراقية التي ينتشر فيها نحو 160 ألف جندي أمريكي، إضافة إلى الأراضي الأفغانية التي ينتشر فيها نحو 25 ألف جندي.

مراقبون شددوا على ضرورة أن عدم إغفال دور إسرائيل في مثل هذه العملية، إذ تشير التحليلات إلى أن الضربة قد تكون أمريكية- إسرائيلية مشتركة، ولاسيما أن سلاحي الجو الإسرائيلي والأمريكي باشرا في العاشر من يونيو/حزيران الماضي مناورات ضخمة جنوب إسرائيل، تحسباً لاحتمال شن عملية عسكرية مشتركة ضد المنشآت النووية الإيرانية، كما أفادت إذاعة الجيش الإسرائيلي (نقلاً عن صحيفة “الشرق الأوسط”، 11/6/2007).

وعلى أي حال، فإن المحللين والمراقبين مازالوا يستبعدون أن تلجأ الولايات المتحدة إلى خيار الحسم العسكري لأزمة الملف النووي الإيراني، في الوقت الحالي، حتى استنفاد خيار التسوية السياسية الذي قد تدفع إليه العقوبات الدولية، ولاسيما أن تقارير الخبراء الدوليين (مثل تقرير الباحثين ديفيد أولبرايت وكوري هندرشتاين، المنشور في نهاية مارس/آذار 2006) تميل إلى أن إيران لن تمتلك – مهما كانت الطرق التي ستسلكها – قنبلة نووية قبل العام 2009.

المصادر
• مركز الخليج للأبحاث، “الخليج في عام 2003،” دبي، 2004.

• “Jane’s Sentinel: Security Assessment- The Gulf States”, Issue 19, 2006.

• International Institute for Strategic Studies (IISS), “The Military Balance 2005-2006,” London, 2006.

• موقع الأسطول الأمريكي الخامس على الإنترنت (http://www.cusnc.navy.mil).

الثورة المجيدة .. ثورة 1688 .

كاتب الموضوع الأصلي: راكان الركف13

كانت ثورة قام بها البرلمانيون الإنجليز بالتحالف مع ويليام الثالث الحاكم الأعلى لجمهورية هولندا. وقد تمثّل نجاحها في عزل الملك جيمس الثاني، وتنصيب ابنته ماري وزوجها وليم اورانج ملكين على إنجلترا. كما تمثّل ذلك النجاح بشكل واضح في “إعلان الحقوق” الذي أصدره البرلمان الإنجليزي عام 1689، وقد استعرض إعلان الحقوق المظالم التي ارتكبها الملك جيمس الثاني في حقِّ الشعب، واشترط على الملك الجديد عدم القيام بأي عمل يؤدي إلى الانتقاص من حقوق الشعب.

إعلان الحقوق

كان من أهم ما تضمّنه إعلان الحقوق (قانون الحقوق الإنجليزي) بالإضافة إلى ذلك:
حقِّ الملك في التاج مستمد من الشعب الممثل في البرلمان، وليس من الله.
ليس للملك إلغاء القوانين أو وقف تنفيذها أو إصدار قوانين جديدة، إلا بموافقة البرلمان.
لا تُفرض ضرائب جديدة، ولا يُشكّل جيش جديد إلا بموافقة البرلمان.
حرية الرأي والتعبير في البرلمان مكفولة ومُصانة.

أثر الثورة

كان لهذه الثورة أثر كبير في الحياة في إنجلترا، حيث أنها قضت نظرياً وعملياً على فكرة حقّ الملوك الإلهي، كما أصبح البرلمان هو صاحب الكلمة العليا في شئون الحكم، كما كان لها أثر كبير خارج إنجلترا، حيث تطلّعت الشعوب في أوروبا إلى تحقيق نظام الحكم البرلماني كما شاهدوه في النموذج الإنجليزي.الثورة الإنجليزية في عام 1688 نتج عنها سيادة البرلمان على التاج وفوق كل شيء حق التطور.

احكام وامثال عن الصبر

كاتب الموضوع الأصلي: فهد القحطاني13

لا كرامة لنبيّ في وطنه

إذا أنت لم تشرب مرارا على القذى ظمئت وأي الناس تصفو مشاربه

إذا كان الصبر مُرًّا فعاقبته حلوة

استَعِينُواْ بِالصَّبرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (قرآن كريم البقرة 153)

اصبر تنل

اصبر قليلا فبعد العسر تيسير وكل أمر له وقت وتدبير

اصبر لكل مُصِيبةٍ وتجلًّدِ واعلم بأن الدهر غير مُخَلَّدِ

الأيام دول

التأني من الرحمن والعجلة من الشيطان

الجزع عند المصيبة مصيبة

الرمد أهون من العمى

الصبر صبران: صبر على ما تكره وصبر على ما تحب

الصبر عند الصدمة الأولى

الصبر مفتاح الفرج

إن السماء تُرْجَى حين تحتجب

إن الله يمهل ولا يهمل

إن غدا لناظره قريب

إِنَّ مَعَ العُسرِ يُسرًا (قرآن كريم الشرح 6)

إن مع اليوم غدا يا مسعدة

أنا الغريق فما خوفي من البلل

بالتأني تُدْرَكُ الفُرَصُ

دع الأيام تفعل ما تشاء وطب نفسا بما حكم القضاء

دواء الدهر الصبر عليه

شدة وتزول

صبرك عن محارم الله أيسر من صبرك على عذاب الله

صبري على نفسي ولا صبر الناس عليّ

طول البال يهدم الجبال

عش رجبا ترى عجبا

في التأني السلامة وفي العجلة الندامة

قد يدرك المتأني بعض حاجته وقد يكون مع المستعجل الزلل

كل آت قريب

كل هم إلى فرج

لا يبقى شيء على حال

لا يضيع حق وراءه مطالب

لست أول من غره السراب

لكل جَوَادٍ كَبْوَةٌ

مصائب قوم عند قوم فوائد

من تأني أدرك ما تمنى

من رأى مصائب غيره هانت مصائبه

من صبر ظفر

من لم يصبر على كلمة سمع كلمات

وأفضل أخلاق الرجال التَّصَبُّرُ

وعاقبة الصبر الجميل جميلة

يمشي رويدا ويكون أولا

من أقوال أفلاطون و أرسطو

كاتب الموضوع الأصلي: فهد القحطاني13

أفلاطون (427 ق.م – 347ق.م) فيلسوف يوناني قديم، وأحد أعظم الفلاسفة الغربيين، حتى ان الفلسفة الغربية اعتبرت انها ما هي الا حواشي لأفلاطون.
من أقواله:
السعادة هي معرفة الخير و الشر.
الحياة أمل من فقد الأمل فقد الحياة.
كل انسان يصبح شاعراً إذا لامس قلبه الحب.
غاية الأدب ..أن يستحي المرء من نفسه أولاً.
أصعب أنواع الصداقة كافة هي صداقة المرء لنفسه.
الرجل الصالح هو الذي يحتمل الأذى، لكنه لا يرتكبه.
قليل من العلم مع العمل به أنفع من كثير من العلم مع قلة العمل به.
العفيف هو صاحب النفس التي انتصرت على رغباتها وغلبت حبها للملذات.
نحن مجانين اذا لم نستطع أن نفكر ومتعصبون اذا لم نرد أن نفكر وعبيد اذا لم نجرؤ أن نفكر.
لا تطلب سرعة العمل بل تجويده لأن الناس لا يسألونك في كم فرغت منه بل ينظرون إلى إتقانه وجودة صنعه

أرسطو (384 ق.م – 322 ق.م) فيلسوف يوناني قديم كان أحد تلاميذ أفلاطون و معلم الإسكندر الأكبر. كتب في مواضيع متعددة تشمل الفيزياء، و الشعر، و المنطق، و عبادة الحيوان، و الأحياء، و أشكال الحكم.

من أقواله:

ينبغي في العمل إتباع العقل الحكيم.
إن المرء هو أصل كل ما يفعل..
من لم يكن حكيما لم يزل سقيما.
الأفعال الفاضلة تسر من يحب الفضيلة .
الحكمة رأس العلوم والادب تلقيح الافهام ونتائج الاذهان.
الذين هم في ثورة الغضب يفقدون كل سلطان على أنفسهم.
شر الناس هو ذلك الذي بفسوقه يضر نفسه والناس.
من لم ينفعه العلم لم يأمن من ضرر الجهل.
إن المريض لن يستطيع أن يلبس ثوب العافية في الحال بمجرد رغبته.
للحكم على شيء خاص لا بد أن يكون الإنسان على علم خاص بذلك الشي

أهمية وجود الحكومة الإسلامية وتنفيذها للنظام الإسلامي

كاتب الموضوع الأصلي: فهد القحطاني13

إن الإسلام ليس أمرا اعتقاديا فحسب، فأمور الدنيا التي شرعها ووضعها ونظمها هذا الدين هي جزء منه أيضا. فليس لمسلم على سبيل المثال أن يلغي ما فرضه الله من المواريث، أو أن يلغي أو ان يعطل شيئا من الحدود، أو يحلل ما حرم الله ويحرم ما حلل.
ولتطبيق ذلك النظام والتشاريع الإسلامية كان ضروريا من وجود الحكومة الإسلامية لتطبيع شرع الله في الأرض. بحيث تتحمل هذه الحكومة مسؤولية كل من هو داخل الدولة من جماعات وأفراد وهذه المسؤولية ذات شقين هما :[1]
1-تقديم كل ما يخص الإسلام وتعاليمه وأي شيء متصل بالإسلام إلى المسلمين الجدد. 2-وجوب وجود هيئة تطبق أحكام الإسلام وتلزم المسلمين بتلك الأحكام وإنزال العقوبة بكل من يخالف تلك الأحكام بالحكم الذي حدده الشرع من العقوبات.
إن نظام الحكم جزء من دين الإسلام وقد أجمعت عليه مصادره وعلى سبيل المثال: قول الله: (الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ) سورة الحج الآية 41. وأيضا يقول تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنكُمْ) سورة النساء الآية : 59. وأيضا هناك إجماع من السنة أيضا : ففي الحديث : (من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية)[2]. ومن أقوال السلف الصالح في إطار الموضوع :
-قال أبو بكر عقب وفاة الرسول :… إن محمدا مضى بسبيله، ولا بد لهذا الدين من يقوم به. -وقول عمر بن الخطاب : لا إسلام إلا بجماعة ولا جماعة إلا بإمارة. ولا إمارة إلا بطاعة. -قول الماوردي في الأحكام السلطانية… عقد الإمامة لن يقوم بها في الأمة واجب بالإجماع. -ويقول ابن تميمة : (يجب أن يعرف أن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين، بل لا قيمة للدين إلا بها، فإن بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالإجماع لحاجة بعضهم إلى بعض، ولا بد لهم عند الاجتماع من رأس حين قال النبي : إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا احدهم، وجاء في مسند أحمد أن النبي قال : لا يحل لثلاثة يكونون في فلاة من الأرض إلا أمروا عليهم أحدا، فأوجب الرسول تأمير الواحد في الاجتماع القليل العارض في السفر تنبيها بذلك على سائر أنواع الاجتماع…)
قواعد النظام الإسلامي [عدل]

إن النظام الإسلامي في الحكم نظام متميز بكل المقاييس عن باقي الأنظمة الأخرى لوجود خصائص مميزة فيه تجعله فوق كل الأنظمة وتلك الخصائص نلخصها في قواعد النظام الإسلامي التالية:[3]
القاعدة الأولى : الحاكمية لله تعالى [عدل]
وهذه القاعدة تعني أن تكون شريعة الله هي المنفذة في كل الأقطار وليس أي شريعة أخرى، وتلك الشريعة تحكم الناس وتنظم حياتهم. قال تعالى : (إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ) سورة يوسف الآية : 40.
القاعدة الثانية: العدل والمساواة [عدل]
يقوم مفهوم العدل في الإسلام من خلال البعد عن الهوى. فالواقع أن الهوى والنزوات والشهوات أعدى أعداء إقامة العدل. وقد امتدح الله المؤمنين حقا وعد من صفاتهم العدل واتباع الحق والابتعاد عن الهوى فالعدل يحقق المساواة في المجتمع فالإسلام لا يقبل شيئا كالمحسوبية أو ما يسمى بالواسطة، والمحسوبية تحدث للأشخاص المهمين والكبار، مما يجعل الناس العاديين في المجتمع ضعفاء أمام الكبار منهم، فلولا وجود العدل لحدثت أضرار كبيرة في المجتمع، فبسبب عدم توفر العدل سوف تسود الجرائم في المجتمع وتفرق شمل المجتمع مما يؤدي إلى تخلف وتراجع في ذلك المجتمع وأيضا يعمل على توليد الكراهية فيه، فلأجل ذلك فرض الإسلام العدل والمساواة، وفرضه الإسلام في كل أمور الحياة، ويهدد الله كل حاكم ومسؤول من أن يظلم الناس ولا يعمل بالمساواة ودليل على ذلك قول الرسول : (أشد الناس عذابا يوم القيامة إمام جائر).
إن الإسلام ينظر إلى أن كل الناس على أنهم متساوون أمام القانون, لا فرق بين غني وفقير ولا حاكم ولا محكوم. والإسلام فرض على الأمة الإسلامية أن تقيم العدل فيها, في الأسرة والمجتمع والدولة. وقد فتح الإسلام الباب على مصراعيه لكل مظلوم ليرفع ظلامته إلى من ينصفه ويأخذ له بحقه، وألغى كل وسيلة من شأنها أن تعيق الناس عن الوصول إلى حقوقهم أو تمنعهم منها.
القاعدة الثالثة: الطاعة [عدل]
إن الإسلام يعتبر الطاعة من الرعية إلى ولاة الأمور فرضا من الفروض. وقاعدة من قواعد الحكم في الإسلام، لا تستقيم الحياة السياسية إلا بها. ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. قال تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنكُمْ) سورة النساء الآية : 59.
صحيح أن الإسلام فرض طاعة أولياء الأمور ولكن وضع للطاعة حدودا وشروطا يجب إتباعها وإذا تحققت الشروط فالإتباع هنا يكون مفروضا وإذا لم تتحقق سوف يصبح في الإتباع حرمة والشروط هي:
1-أن يكون ولي الأمر مطبقا للشريعة الإسلامية. 2-أن يحكم بالعدل بين الناس. 3-أن لا يأمر ولي الأمر بمعصية الله.
القاعدة الرابعة: الشورى [عدل]
إن للشورى أهمية كبرى في أي تنظيم كان, أو أي جماعة من الجماعات. وترتكز عليها كل دولة تنشد لرعاياها الأمن والاستقرار والتقدم والازدهار, وذلك لأنهها الطريق السليم الذي يتوصل بها إلى أحسن الآراء وأجودها لتحقيق مصالح الأفراد والجماعات والدول.
فلا عجب إذن أن نرى الإسلام قد اهتم كثيرا بمبدأ الشورى، فهناك سورة في القرآن اسمها الشورى، وتتحدث هذه السورة عن صفات المؤمنين، وهناك من بين تلك الصفات أن حياة المؤمنين كاملة معتمدة على الشورى بينهم، مما يدل على المعنى والفائدة العظيمة للمسلمين إذا نفذوا مبدأ الشورى. ومن أكبر الأمثلة على الشورى هو أن الرسول كان أكثر الناس عملا بهذا المبدأ، فقد كان يستشير أصحابه في الكثير من الأمور، فقد استشار في شأن القتال في بدر الكبرى بقوله :أشيروا علي أيها الناس، وكرر ذلك أكثر من مرة ويشير عليه الصحابي الحباب بن منذر في ذلك الموقف بتغيير موقع العسكر إلى آبار بدر لمنع الماء عن المشركين، وأيضا استشار الرسول أصحابه يوم الخندق وقد كان يوما صعبا جدا على المسلمين فقد كانت أعداد الكفار هائلة مقارنة بأعداد المسلمين القليلة فأشار الصحابي سلمان الفارسي بحفر الخندق وحفره الرسول مع أصحابه وساعد ذلك الخندق في فوز المسلمين يومها.
والشورى توزيع للمسؤولية، فلا تقع نتيجتها مهما كانت على كاهل واحد فقط بل يتقاسمها الجميع فلا يتلاوم الناس ويتنافرون ويتشاجرون إن كانت نتيجتها سيئة لأن الكل اشترك في اتخاذ القرار فيقع اللوم على الجميع ساعتها وليس على شخص واحد فقط. كما أن الشورى أفضل وسيلة للكشف عن الكفاءات والقدرات، وهي تدريب للمستشار في الحكم والإدارة.
والشورى من الأمور التي تكاد الأمة تجمع على وجوبها، وتمارس الشورى في المجتمع الإسلامي من خلال مجلسين :
1-مجلس منتخب انتخابا مباشرا من قبل الشعب. 2-مجلس آخر معين من قبل الحاكم, يضم العلماء والفنيين والمختصين ويكون عمل المجلس تقديم المشورة الفنية للمجلس الشعبي دون أن تكون له صفة الإلزام, أو التدخل في شؤون الدولة.
أهل الشورى هم أهل الحل والعقد، هم أصحاب الرأي وقادة الفكر، وأرباب السياسة وأمراء الجيوش، وهم أصحاب الاختصاص والخبرة في كل فن من الفنون، كالزراعة والصناعة والتجارة والاقتصاد وشؤون الحرب وتنحصر اختصاصات أهل الشورى فيما يلي :
1-اختيار رئيس الدولة وترشيحه : يقوم أهل الشورى في الدولة الإسلامية باختيار رئيس الدولة اختيارا أوليا، ويبايعونه البيعة الخاصة، ثم يعرض الأمر على الأمة فتبايعه البيعة العامة. 2-مساعدة رئيس الدولة في إدارة شؤون البلاد، وعلاج القضايا العامة، كإعلان الحرب وعقد المعاهدات وتقنين القوانين الاجتهادية وكيفية تنفيذ الأحكام الشرعية. 3-محاسبة رئيس الدولة وغيره من كبار الموظفين كالأمراء والوزراء والولاة. 4-عزل رئيس الدولة أو أي موظف يختاره مجلس الشورى. إذ أنه إذا أخل رئيس الدولة بواجباته، يتقدم أهل الشورى بإسداء نصيحة له، فإذا اتعظ بها ورجع إلى دوره ووظيفته وأدائه السليم يبقونه في موقعه، أما إذا لم يرد على النصيحة وتجاهلها واستمر في تقاعسه أزالوه من منصبه، ويعلنون ذلك للأمة.
رئاسة الدولة الإسلامية [عدل]

الدولة الإسلامية ضرورية لتطبيق شرع الله في الأرض, ولا بد لهذه الدولة من رئيس يتولى إدارة دفتها وتسيير أمورها وتنفيذ الواجبات الموكلة إليها. ورئيس الدولة الإسلامية هو أحد أفراد المسلمين لا يتمتع شخصيا بأي امتياز. وهو بحكم سلطته السياسية يعلن الجهاد عندما تدعو الحاجة للجهاد، ويري الحاكم أهل الشورى، وهو يدير شؤون الجند ويجمع الخراج ويقيم الحدود. وهو في كل هذا غير مستبد ولا يعبر عن نفسه بل عن رأي الأمة وينفذ ما يراه أهل الشورى.
الشروط التي يجب توفرها في رئيس الدولة[4] [عدل]
رئيس الدولة من المناصب المهمة جدا في الدولة الإسلامية فهو يؤثر على مسيرتها وعلى تقدمها وعلى سيادتها وهو منصب حساس جدا إذ لا ينبغي لأي أحد أن يأخذه، فالذي يجب أن يستلم هذا المنصب شخص يستحقه وللتأكد من أن الشخص يستحقه يجب توافر الشروط التالية فيه :[5]
1-التكليف : أي أن يكون مسلما بالغا عاقلا. 2-الحرية : فلا يجوز إعطاء المنصب إلى عبد. 3-الذكورة. 4-العدالة : أي أن يكون قائما بالفرائض والأركان، مجتنبا الكبائر من الآثام، غير مصر على صغيرة، لا يتحكم به هواه، فهو يؤتمن في كل وقت سواء راضيا أم غاضبا، وبعيد عن مواطن الريب…… 5-الكفاءة : أن يكون كفؤ لهذا المنصب، فيكون جريئا في إقامة الحدود واقتحام الحروب بصيرا بها، كفيلا بحمل الناس عليها. ويجب أن يكون لديه رأي سديد وحنكة سياسية ويقظة واعية بعيدا عن الغفلة. 6-أن لا يطلب المنصب لقوله : (إنا والله لا نولي هذا الأمر أحدا سال هذا الأمر ولا حرص عليه). 7-المواطنة : بمعنى أن يكون رئيس الدولة من سكان الدولة الإسلامية المستقرين فيها. 8-سلامة الحواس والأعضاء : والمقصود هو سلامة الحواس والأعضاء التي يؤثر فقدانها على قيام رئيس الدولة الإسلامية بالواجبات الموكلة إليه.
وليس هناك ثمة ما يمنع من اشتراط شروط أخرى إذ اقتضتها المصلحة العامة. فيجوز مثلا اشتراط أن يكون رئيس الدولة قد بلغ سنا معينا ويجوز الاشتراط فيه أن يكون حاصلا على درجات علمية معينة، ويجوز أن يشترط فيه أي شرط آخر دعت لذلك الشرط المصلحة العامة أو اقتضته ظروف الحياة.
واجبات رئيس الدولة وحقوقه [عدل]
الواجبات:[6]
1-حفظ الدين وإقامته على وجهه الصحيح. 2-إقامة العدل. 3-نشر الأمن في الداخل. 4-تنفيذ عقوبات جرائم الحدود والقصاص والتعزير. 5-حماية الأمن الخارجي بالاستعداد حتى لا يهاجم الأعداء في حين غرة. 6-جهاد أعداء الإسلام. 7-جباية الفيء والصدقات. 8-تقدير العطاء لمن يستحقه من بيت المال. 9-تعيين الموظفين والولاة. 10-أن يباشر بنفسه الأمور وتفقد الأحوال.
وله في مقابل ذلك حقان هما :[7]
1-حق على الناس بطاعته بالمعروف وفي حدود ما أنزل الله. 2-حق له في مال المسلمين نظرا لتفرغه.
السلطات في الدولة الإسلامية[8] [عدل]

كل دولة تحتاج إلى مجموعة من السلطات لإدارة شؤون البلاد لأنه لا يمكن لشخص أو جهة أو سلطة واحدة تولي أمر البلاد وحدها فكل سلطة تقوم بعملها الخاص وبذلك جزأنا الإدارة وسهلنا العمل فيها على الدولة الإسلامية, والسلطات في الدولة الإسلامية هي :
السلطة التنفيذية [عدل]
يقوم عليها رئيس الدولة، ويختص بها وحده. فمن واجبه القيام بكل الأعمال التنفيذية لإقامة الإسلام وإدارة شؤون الدولة في حدود الإسلام. وله بالاستعانة بالوزراء في القيام على شؤون الدولة وتوجيه أمورها.
السلطة التشريعية [عدل]
لم تأت التشريعات بنصوص تفصيلية تغطي كل احتياجات الحياة وإنما اكتفت بأغلب الأحوال بإيراد الأحكام الكلية والمبادئ العامة. ولقد تركت الشريعة لأولي الأمر والرأي في الأمة أن يتمموا بناء التشريع على هذه القواعد، على أن يكون ما يضعونه من التشريعات متفقا مع نصوص الشريعة ومبادئها العامة وروحها التشريعية. وينحصر حقهم في التشريع في النوعين التاليين :
1-تشريعات تنفيذية : وقصد بها ضمان تنفيذ نصوص الشريعة الإسلامية. 2-تشريعات تنظيمية : ويقصد بها تنظيم الأمة وحمايتها وسد حاجتها على أساس مبادئ الشريعة العامة.
السلطة القضائية [عدل]
مهمتها الحكم في المنازعات والخصومات والجرائم والمظالم وإرجاع الحقوق إلى أصحابها، وأيضا من مهماتها الولاية على فاقدي الأهلية والسفهاء والمفلسين، والنظر في الأوقاف أموالها إلى غير ذلك مما يعرض على القضاء.
السلطة المالية [عدل]
وتختص في الأموال التي تحصل من الصدقات والخراج والجزية والفيء والغنيمة, والقائمون على السلطة المالية مستقلون في عملهم ليس لأحد عليهم سلطان إلا ما جاء به القرآن والسنة.
سلطة المراقبة والتقويم [عدل]
وهذه هي سلطة الأمة جمعاء في مراقبة الحكام وتقويمهم وينوب عن الأمة في القيام بها أهل الشورى والعلماء والفقهاء. ولقد ولي أبو بكر الحكم بعد محمد فكان أول ما تفوه به هو اعترافه بسلطان الأمة وحقها في تقويم اعوجاجه. خطب أول خطبة له بعد المبايعة فقال فيها : (أيها الناس قد وليت عليكم ولست بخيركم إن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني).
وهذه السلطة مقررة للأمة من وجهين :
1-أن الأمة يجب عليها مراقبة الحكام وتقويمهم بما أوجب الله على الأمة من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال تعالى : (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) سورة آل عمران الآية : 110. 2-أن الأمة هي مصدر سلطان الحكام باعتبارهم نوابا عنها ويلز م الله الحكام بالرجوع إلى الأمة واستشارتها في كل أمور الحكم والتزام ما يراه ممثلوها وعلى ذلك فللأمة أن تراقب الحكام في أعمالهم وأن تردهم إلى الصواب كلما أخطأوا، ويقومهم كلما اعوجوا.

أهمية وجود الحكومة الإسلامية وتنفيذها للنظام الإسلامي

كاتب الموضوع الأصلي: فهد القحطاني13

إن الإسلام ليس أمرا اعتقاديا فحسب، فأمور الدنيا التي شرعها ووضعها ونظمها هذا الدين هي جزء منه أيضا. فليس لمسلم على سبيل المثال أن يلغي ما فرضه الله من المواريث، أو أن يلغي أو ان يعطل شيئا من الحدود، أو يحلل ما حرم الله ويحرم ما حلل.
ولتطبيق ذلك النظام والتشاريع الإسلامية كان ضروريا من وجود الحكومة الإسلامية لتطبيع شرع الله في الأرض. بحيث تتحمل هذه الحكومة مسؤولية كل من هو داخل الدولة من جماعات وأفراد وهذه المسؤولية ذات شقين هما :[1]
1-تقديم كل ما يخص الإسلام وتعاليمه وأي شيء متصل بالإسلام إلى المسلمين الجدد. 2-وجوب وجود هيئة تطبق أحكام الإسلام وتلزم المسلمين بتلك الأحكام وإنزال العقوبة بكل من يخالف تلك الأحكام بالحكم الذي حدده الشرع من العقوبات.
إن نظام الحكم جزء من دين الإسلام وقد أجمعت عليه مصادره وعلى سبيل المثال: قول الله: (الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ) سورة الحج الآية 41. وأيضا يقول تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنكُمْ) سورة النساء الآية : 59. وأيضا هناك إجماع من السنة أيضا : ففي الحديث : (من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية)[2]. ومن أقوال السلف الصالح في إطار الموضوع :
-قال أبو بكر عقب وفاة الرسول :… إن محمدا مضى بسبيله، ولا بد لهذا الدين من يقوم به. -وقول عمر بن الخطاب : لا إسلام إلا بجماعة ولا جماعة إلا بإمارة. ولا إمارة إلا بطاعة. -قول الماوردي في الأحكام السلطانية… عقد الإمامة لن يقوم بها في الأمة واجب بالإجماع. -ويقول ابن تميمة : (يجب أن يعرف أن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين، بل لا قيمة للدين إلا بها، فإن بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالإجماع لحاجة بعضهم إلى بعض، ولا بد لهم عند الاجتماع من رأس حين قال النبي : إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا احدهم، وجاء في مسند أحمد أن النبي قال : لا يحل لثلاثة يكونون في فلاة من الأرض إلا أمروا عليهم أحدا، فأوجب الرسول تأمير الواحد في الاجتماع القليل العارض في السفر تنبيها بذلك على سائر أنواع الاجتماع…)
قواعد النظام الإسلامي [عدل]

إن النظام الإسلامي في الحكم نظام متميز بكل المقاييس عن باقي الأنظمة الأخرى لوجود خصائص مميزة فيه تجعله فوق كل الأنظمة وتلك الخصائص نلخصها في قواعد النظام الإسلامي التالية:[3]
القاعدة الأولى : الحاكمية لله تعالى [عدل]
وهذه القاعدة تعني أن تكون شريعة الله هي المنفذة في كل الأقطار وليس أي شريعة أخرى، وتلك الشريعة تحكم الناس وتنظم حياتهم. قال تعالى : (إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ) سورة يوسف الآية : 40.
القاعدة الثانية: العدل والمساواة [عدل]
يقوم مفهوم العدل في الإسلام من خلال البعد عن الهوى. فالواقع أن الهوى والنزوات والشهوات أعدى أعداء إقامة العدل. وقد امتدح الله المؤمنين حقا وعد من صفاتهم العدل واتباع الحق والابتعاد عن الهوى فالعدل يحقق المساواة في المجتمع فالإسلام لا يقبل شيئا كالمحسوبية أو ما يسمى بالواسطة، والمحسوبية تحدث للأشخاص المهمين والكبار، مما يجعل الناس العاديين في المجتمع ضعفاء أمام الكبار منهم، فلولا وجود العدل لحدثت أضرار كبيرة في المجتمع، فبسبب عدم توفر العدل سوف تسود الجرائم في المجتمع وتفرق شمل المجتمع مما يؤدي إلى تخلف وتراجع في ذلك المجتمع وأيضا يعمل على توليد الكراهية فيه، فلأجل ذلك فرض الإسلام العدل والمساواة، وفرضه الإسلام في كل أمور الحياة، ويهدد الله كل حاكم ومسؤول من أن يظلم الناس ولا يعمل بالمساواة ودليل على ذلك قول الرسول : (أشد الناس عذابا يوم القيامة إمام جائر).
إن الإسلام ينظر إلى أن كل الناس على أنهم متساوون أمام القانون, لا فرق بين غني وفقير ولا حاكم ولا محكوم. والإسلام فرض على الأمة الإسلامية أن تقيم العدل فيها, في الأسرة والمجتمع والدولة. وقد فتح الإسلام الباب على مصراعيه لكل مظلوم ليرفع ظلامته إلى من ينصفه ويأخذ له بحقه، وألغى كل وسيلة من شأنها أن تعيق الناس عن الوصول إلى حقوقهم أو تمنعهم منها.
القاعدة الثالثة: الطاعة [عدل]
إن الإسلام يعتبر الطاعة من الرعية إلى ولاة الأمور فرضا من الفروض. وقاعدة من قواعد الحكم في الإسلام، لا تستقيم الحياة السياسية إلا بها. ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. قال تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنكُمْ) سورة النساء الآية : 59.
صحيح أن الإسلام فرض طاعة أولياء الأمور ولكن وضع للطاعة حدودا وشروطا يجب إتباعها وإذا تحققت الشروط فالإتباع هنا يكون مفروضا وإذا لم تتحقق سوف يصبح في الإتباع حرمة والشروط هي:
1-أن يكون ولي الأمر مطبقا للشريعة الإسلامية. 2-أن يحكم بالعدل بين الناس. 3-أن لا يأمر ولي الأمر بمعصية الله.
القاعدة الرابعة: الشورى [عدل]
إن للشورى أهمية كبرى في أي تنظيم كان, أو أي جماعة من الجماعات. وترتكز عليها كل دولة تنشد لرعاياها الأمن والاستقرار والتقدم والازدهار, وذلك لأنهها الطريق السليم الذي يتوصل بها إلى أحسن الآراء وأجودها لتحقيق مصالح الأفراد والجماعات والدول.
فلا عجب إذن أن نرى الإسلام قد اهتم كثيرا بمبدأ الشورى، فهناك سورة في القرآن اسمها الشورى، وتتحدث هذه السورة عن صفات المؤمنين، وهناك من بين تلك الصفات أن حياة المؤمنين كاملة معتمدة على الشورى بينهم، مما يدل على المعنى والفائدة العظيمة للمسلمين إذا نفذوا مبدأ الشورى. ومن أكبر الأمثلة على الشورى هو أن الرسول كان أكثر الناس عملا بهذا المبدأ، فقد كان يستشير أصحابه في الكثير من الأمور، فقد استشار في شأن القتال في بدر الكبرى بقوله :أشيروا علي أيها الناس، وكرر ذلك أكثر من مرة ويشير عليه الصحابي الحباب بن منذر في ذلك الموقف بتغيير موقع العسكر إلى آبار بدر لمنع الماء عن المشركين، وأيضا استشار الرسول أصحابه يوم الخندق وقد كان يوما صعبا جدا على المسلمين فقد كانت أعداد الكفار هائلة مقارنة بأعداد المسلمين القليلة فأشار الصحابي سلمان الفارسي بحفر الخندق وحفره الرسول مع أصحابه وساعد ذلك الخندق في فوز المسلمين يومها.
والشورى توزيع للمسؤولية، فلا تقع نتيجتها مهما كانت على كاهل واحد فقط بل يتقاسمها الجميع فلا يتلاوم الناس ويتنافرون ويتشاجرون إن كانت نتيجتها سيئة لأن الكل اشترك في اتخاذ القرار فيقع اللوم على الجميع ساعتها وليس على شخص واحد فقط. كما أن الشورى أفضل وسيلة للكشف عن الكفاءات والقدرات، وهي تدريب للمستشار في الحكم والإدارة.
والشورى من الأمور التي تكاد الأمة تجمع على وجوبها، وتمارس الشورى في المجتمع الإسلامي من خلال مجلسين :
1-مجلس منتخب انتخابا مباشرا من قبل الشعب. 2-مجلس آخر معين من قبل الحاكم, يضم العلماء والفنيين والمختصين ويكون عمل المجلس تقديم المشورة الفنية للمجلس الشعبي دون أن تكون له صفة الإلزام, أو التدخل في شؤون الدولة.
أهل الشورى هم أهل الحل والعقد، هم أصحاب الرأي وقادة الفكر، وأرباب السياسة وأمراء الجيوش، وهم أصحاب الاختصاص والخبرة في كل فن من الفنون، كالزراعة والصناعة والتجارة والاقتصاد وشؤون الحرب وتنحصر اختصاصات أهل الشورى فيما يلي :
1-اختيار رئيس الدولة وترشيحه : يقوم أهل الشورى في الدولة الإسلامية باختيار رئيس الدولة اختيارا أوليا، ويبايعونه البيعة الخاصة، ثم يعرض الأمر على الأمة فتبايعه البيعة العامة. 2-مساعدة رئيس الدولة في إدارة شؤون البلاد، وعلاج القضايا العامة، كإعلان الحرب وعقد المعاهدات وتقنين القوانين الاجتهادية وكيفية تنفيذ الأحكام الشرعية. 3-محاسبة رئيس الدولة وغيره من كبار الموظفين كالأمراء والوزراء والولاة. 4-عزل رئيس الدولة أو أي موظف يختاره مجلس الشورى. إذ أنه إذا أخل رئيس الدولة بواجباته، يتقدم أهل الشورى بإسداء نصيحة له، فإذا اتعظ بها ورجع إلى دوره ووظيفته وأدائه السليم يبقونه في موقعه، أما إذا لم يرد على النصيحة وتجاهلها واستمر في تقاعسه أزالوه من منصبه، ويعلنون ذلك للأمة.
رئاسة الدولة الإسلامية [عدل]

الدولة الإسلامية ضرورية لتطبيق شرع الله في الأرض, ولا بد لهذه الدولة من رئيس يتولى إدارة دفتها وتسيير أمورها وتنفيذ الواجبات الموكلة إليها. ورئيس الدولة الإسلامية هو أحد أفراد المسلمين لا يتمتع شخصيا بأي امتياز. وهو بحكم سلطته السياسية يعلن الجهاد عندما تدعو الحاجة للجهاد، ويري الحاكم أهل الشورى، وهو يدير شؤون الجند ويجمع الخراج ويقيم الحدود. وهو في كل هذا غير مستبد ولا يعبر عن نفسه بل عن رأي الأمة وينفذ ما يراه أهل الشورى.
الشروط التي يجب توفرها في رئيس الدولة[4] [عدل]
رئيس الدولة من المناصب المهمة جدا في الدولة الإسلامية فهو يؤثر على مسيرتها وعلى تقدمها وعلى سيادتها وهو منصب حساس جدا إذ لا ينبغي لأي أحد أن يأخذه، فالذي يجب أن يستلم هذا المنصب شخص يستحقه وللتأكد من أن الشخص يستحقه يجب توافر الشروط التالية فيه :[5]
1-التكليف : أي أن يكون مسلما بالغا عاقلا. 2-الحرية : فلا يجوز إعطاء المنصب إلى عبد. 3-الذكورة. 4-العدالة : أي أن يكون قائما بالفرائض والأركان، مجتنبا الكبائر من الآثام، غير مصر على صغيرة، لا يتحكم به هواه، فهو يؤتمن في كل وقت سواء راضيا أم غاضبا، وبعيد عن مواطن الريب…… 5-الكفاءة : أن يكون كفؤ لهذا المنصب، فيكون جريئا في إقامة الحدود واقتحام الحروب بصيرا بها، كفيلا بحمل الناس عليها. ويجب أن يكون لديه رأي سديد وحنكة سياسية ويقظة واعية بعيدا عن الغفلة. 6-أن لا يطلب المنصب لقوله : (إنا والله لا نولي هذا الأمر أحدا سال هذا الأمر ولا حرص عليه). 7-المواطنة : بمعنى أن يكون رئيس الدولة من سكان الدولة الإسلامية المستقرين فيها. 8-سلامة الحواس والأعضاء : والمقصود هو سلامة الحواس والأعضاء التي يؤثر فقدانها على قيام رئيس الدولة الإسلامية بالواجبات الموكلة إليه.
وليس هناك ثمة ما يمنع من اشتراط شروط أخرى إذ اقتضتها المصلحة العامة. فيجوز مثلا اشتراط أن يكون رئيس الدولة قد بلغ سنا معينا ويجوز الاشتراط فيه أن يكون حاصلا على درجات علمية معينة، ويجوز أن يشترط فيه أي شرط آخر دعت لذلك الشرط المصلحة العامة أو اقتضته ظروف الحياة.
واجبات رئيس الدولة وحقوقه [عدل]
الواجبات:[6]
1-حفظ الدين وإقامته على وجهه الصحيح. 2-إقامة العدل. 3-نشر الأمن في الداخل. 4-تنفيذ عقوبات جرائم الحدود والقصاص والتعزير. 5-حماية الأمن الخارجي بالاستعداد حتى لا يهاجم الأعداء في حين غرة. 6-جهاد أعداء الإسلام. 7-جباية الفيء والصدقات. 8-تقدير العطاء لمن يستحقه من بيت المال. 9-تعيين الموظفين والولاة. 10-أن يباشر بنفسه الأمور وتفقد الأحوال.
وله في مقابل ذلك حقان هما :[7]
1-حق على الناس بطاعته بالمعروف وفي حدود ما أنزل الله. 2-حق له في مال المسلمين نظرا لتفرغه.
السلطات في الدولة الإسلامية[8] [عدل]

كل دولة تحتاج إلى مجموعة من السلطات لإدارة شؤون البلاد لأنه لا يمكن لشخص أو جهة أو سلطة واحدة تولي أمر البلاد وحدها فكل سلطة تقوم بعملها الخاص وبذلك جزأنا الإدارة وسهلنا العمل فيها على الدولة الإسلامية, والسلطات في الدولة الإسلامية هي :
السلطة التنفيذية [عدل]
يقوم عليها رئيس الدولة، ويختص بها وحده. فمن واجبه القيام بكل الأعمال التنفيذية لإقامة الإسلام وإدارة شؤون الدولة في حدود الإسلام. وله بالاستعانة بالوزراء في القيام على شؤون الدولة وتوجيه أمورها.
السلطة التشريعية [عدل]
لم تأت التشريعات بنصوص تفصيلية تغطي كل احتياجات الحياة وإنما اكتفت بأغلب الأحوال بإيراد الأحكام الكلية والمبادئ العامة. ولقد تركت الشريعة لأولي الأمر والرأي في الأمة أن يتمموا بناء التشريع على هذه القواعد، على أن يكون ما يضعونه من التشريعات متفقا مع نصوص الشريعة ومبادئها العامة وروحها التشريعية. وينحصر حقهم في التشريع في النوعين التاليين :
1-تشريعات تنفيذية : وقصد بها ضمان تنفيذ نصوص الشريعة الإسلامية. 2-تشريعات تنظيمية : ويقصد بها تنظيم الأمة وحمايتها وسد حاجتها على أساس مبادئ الشريعة العامة.
السلطة القضائية [عدل]
مهمتها الحكم في المنازعات والخصومات والجرائم والمظالم وإرجاع الحقوق إلى أصحابها، وأيضا من مهماتها الولاية على فاقدي الأهلية والسفهاء والمفلسين، والنظر في الأوقاف أموالها إلى غير ذلك مما يعرض على القضاء.
السلطة المالية [عدل]
وتختص في الأموال التي تحصل من الصدقات والخراج والجزية والفيء والغنيمة, والقائمون على السلطة المالية مستقلون في عملهم ليس لأحد عليهم سلطان إلا ما جاء به القرآن والسنة.
سلطة المراقبة والتقويم [عدل]
وهذه هي سلطة الأمة جمعاء في مراقبة الحكام وتقويمهم وينوب عن الأمة في القيام بها أهل الشورى والعلماء والفقهاء. ولقد ولي أبو بكر الحكم بعد محمد فكان أول ما تفوه به هو اعترافه بسلطان الأمة وحقها في تقويم اعوجاجه. خطب أول خطبة له بعد المبايعة فقال فيها : (أيها الناس قد وليت عليكم ولست بخيركم إن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني).
وهذه السلطة مقررة للأمة من وجهين :
1-أن الأمة يجب عليها مراقبة الحكام وتقويمهم بما أوجب الله على الأمة من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال تعالى : (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) سورة آل عمران الآية : 110. 2-أن الأمة هي مصدر سلطان الحكام باعتبارهم نوابا عنها ويلز م الله الحكام بالرجوع إلى الأمة واستشارتها في كل أمور الحكم والتزام ما يراه ممثلوها وعلى ذلك فللأمة أن تراقب الحكام في أعمالهم وأن تردهم إلى الصواب كلما أخطأوا، ويقومهم كلما اعوجوا.

عمر بن عبدالعزيز

كاتب الموضوع الأصلي: إبراهيم العريفي20

عمر بن عبد العزيز الأموي القرشي (61 هـ / 681م -101 هـ / 720م) يكنى بأبي حفص. ثامن الخلفاءالأمويين،ولقب بخامس الخلفاء الراشدين، ويرجع نسبه من أمه إلى عمر بن الخطاب حيث كانت أمه هي أم عاصم ليلى بنت عاصم بن عمر بن الخطاب وبذلك يصبح الخليفة عمر بن الخطاب جد الخليفة عمر بن عبد العزيز. اختلف المؤرخونفي سنة مولده والراجح أنه ولد عام 61هـ بالمدينة وهو قول أكثر المؤرخين. وقد تلقى علومه وأصول الدين على يدصالح بن كيسان في المدينة المنورة واستفاد كثيراً من علماءها ثم استدعاه عمه الخليفة عبد الملك بن مروان إلىدمشق عاصمة الدولة الأموية وزوجه ابنته فاطمة بنت عبد الملك بن مروان (بنت عمه) وعينه أميراً على إمارة صغيرة بالقرب من حلب تسمى دير سمعان وظل والياً عليها حتى سنة 86 هـ.

معاهدة فرساي

كاتب الموضوع الأصلي: إبراهيم العريفي20

معاهدة فرساي هي المعاهدة التي أسدلت الستار بصورة رسمية على وقائع الحرب العالمية الأولى. وتم التوقيع على المعاهدة بعد مفاوضات استمرت 6 أشهر بعد مؤتمر باريس للسلام عام 1919. وقّع الحلفاء المنتصرون في الحرب العالمية الأولى من جانب اتفاقيات منفصلة مع القوى المركزية الخاسرة في الحرب (الإمبراطورية الألمانيةوالإمبراطورية النمساوية المجرية والدولة العثمانيةوبلغاريا). تم توقيع الاتفاقيات في 28 يونيو 1919. وتم تعديل المعاهدة فيما بعد في 10 يناير 1920 لتتضمّن الاعتراف الألماني بمسؤولية الحرب ويترتب على ألمانياتعويض الأطراف المتضرّرة مالياً. وسمّيت بمعاهدة فيرساي تيمناً بالمكان الجغرافي الذي تمّ فيه توقيع المعاهدة وهوقصر فرساي الفرنسي.تمخّضت الاتفاقية عن تأسيس عصبة الأمم التي يرجع الهدف إلى تأسيسها للحيلولة دون وقوع صراع مسلّح بين الدول كالذي حدث في الحرب العالمية الأولى ونزع فتيل الصراعات الدولية. أدت الاتفاقية إلى خسارة ألمانيا بعض أراضيها ومستعمراتها لصالح أطراف أخرى، ومن تلك الأراضي الألمانية مقاطعة “شاندونغ” الصينية التي آلت إلى اليابانعوضاً عن الصين مما تسببت بالقلاقل في الصين وتسيير المظاهرات الاحتجاجية. خسرت الدولة العثمانية أيضاً أراض واسعة في أوروبا وآسيا وانتهت كإمبراطورية.وفيما يتعلق بالقيود العسكرية على ألمانيا، فقد نصّت الاتفاقية أشد الضوابط والقيود على الآلة العسكرية الألمانية لكي لايتمكن الألمان من إشعال حرب ثانية كالحرب العالمية الأولى! فقد نصّت على احتواء الجيش الألماني على 100،000 جندي فقط وإلغاء نظام التجنيد الإلزامي الذي كان يعمل به في ألمانيا. ولا تستطيع ألمانيا إنشاء قوة جوية والتقيد بـ 15،000 جندي للبحرية بالإضافة إلى حفنة من السفن الحربية بدون غواصات حربية. ولا يحق للجنود البقاء في الجيش أكثر من 12 عاماً وفيما يتعلّق بالضبّاط، فأقصى مدّة يستطيعون قضاءها في الجيش هي 25 عاماً لكي يصبح الجيش الألماني خالياً من الكفاءات العسكرية المدرّبة ذات الخبرة.ونصّت الفقرة 232 من المعاهدة على تحمّل ألمانيا مسؤولية الحرب وتقديم التعويضات للأطراف المتضرّرة وحددت التعويضات بـ 269 مليار مارك ألماني وخفّض هذا المبلغ ليصبح 132 مليار مارك، ويفيد الاقتصاديون أنه بالرغم من تخفيض الرقم الكلي لتعويضات الأطراف المتضرّرة، إلا أنه يبقى مبالغاً فيه. أثقلت الديون الملقاة على عاتق ألمانيا من عجلة الاقتصاد الألماني مما سبب درجة عالية من الامتعاض الذي أدى إلى إشعال الحرب العالمية الثانيةعلى يد المستشار الألماني أدولف هتلر.

افلاطون (428 ـ 347 ق.م)

كاتب الموضوع الأصلي: منصور الزهراني 20

أفلاطون Plato أو Platon فيلسوف يوناني، ولد في أثينة وتوفي فيها عن عمر يناهز الثمانين عاماً، ينتمي إلى أسرة أرستقراطية، إذ يتحدر أبوه أرسطون من كودرس، آخر ملوك أثينة، وتنتسب أمه فريقتيونة إلى الحكيم سولون، وتضم أسرتها الأرستقراطية بعضاً من رجالات أثينة وأعيانها، منهم أخوها خرميدس Charmdes وابن عمها أقريطياس Critias، وهما من الأعضاء الثلاثين في حكومة الأقلية (الأوليغارشية) التي حكمت أثينة (404- 403ق.م) في شباب أفلاطون. ويعد أفلاطون من أشهر فلاسفة اليونان القديمة، إلى جانب معلمه سقراط[ر] وتلميذه أرسطو[ر]، وممن تركوا أثراً عميقاً في تاريخ الفلسفة وفي تاريخ الفكر السياسي.

وهو مؤسس القول الفلسفي أو الخطاب الفلسفي، الذي تناط به وظيفة سياسية وأخلاقية، فقد عمل على أن تتبوأ الفلسفة مكانتها في الحاضرة (المدينة) وأن تتكشف للعيان رسالتها الأخلاقية والاجتماعية، وذلك بإنشاء خطاب يستطيع أن يكون، من الناحية الشرعية الحكم الفصل بين جميع الخطابات المتنافرة التي يتبادلها المواطنون ويتداولها الخطباء؛ خطاب مؤسس على العقل أو على الفكر، الذي ميزه أفلاطون من الرأي، ويكشف انسياق هذا الأخير مع المصلحة الفردية الأنانية ومع الهوى. والوسيلة إلى إنشاء هذا الخطاب هي الحوار الذي يحيل ما انقلب من التناقض بين متحاورين إلى جدل ينشىء حقيقة أخرى ليست لأي منهما، بل لهما معاً، لأنها قائمة في كل منهما. فخطل الرأي ينبع من الانقياد للمصلحة الخاصة والنفع الشخصي، ومن الانغماس في عالم المحسوسات واللذائذ والشهوات، كما ينبع من التعليم الذي لا ينشد العدالة والفضيلة ولا يتعلق بالخير العام.

وأفلاطون هو مؤسس «الأكاديمية» التي ابتناها في أحد أطراف أثينة عام 387ق.م معبداً لربات الشعر، وقد عرفت بهذا الاسم لإطلالها على حديقة البطل أكاديموس. وأقام فيها أفلاطون يعلم الناس على طريقة أستاذه سقراط ولا يطلب من أحد أجراً. واصطفى من بين تلاميذه ثمانية وعشرين تلميذاً كان يذهب بهم في بعض الأحيان إلى منزله، وفيهم أرسطو. ومع أن «الليسية» الأرسطية نافست الأكاديمية، فقد ظلت الأكاديمية، مركزاً للتدريس والتأليف من دون انقطاع حتى أغلقها الامبراطور جوستنيان عام 529 للميلاد.

سيطر التيار الأفلاطوني على الفكر المسيحي، بدءاً من القديس أوغسطين[ر] الذي اعتنق المسيحية في القرن الخامس للميلاد بعد أن قرأ مؤلفات أفلاطون. واستمر هذا التيار الأفلاطوني، عبر حلقة كامبردج حتى القرن التاسع عشر من دون أن يتنكر للعقائد المسيحية. ذلك أن الطروحات الأساسية للفكر الأفلاطوني تؤكد روحانية النفس وتعالي القيم الأخلاقية. وقد صمدت هذه الأفكار حتى ظهور فلسفات ماركس ونيتشه وفرويد التي رأت أن في المفاهيم الأفلاطونية أوهاماً مضلِّلة.

حياته وعصره

كانت أثينة و«الدول ـ المدن» التي تجاورها في حال حروب وفوضى دائمة قادت أثينة إلى الانحطاط. إذ توالت هزائم أثينة في نزاعاتها مع إسبرطة وحلفائها. ويرجع بعض المؤرخين هذا الانحطاط إلى التضخم السكاني الذي تزامن مع الرخاء والديمقراطية لعصر بركلس Precles فقد تهافت على أثينة غرباء من كل مكان، وفيهم السفسطائيون (المعلمون)، وغيرهم، حتى تجاوز عدد سكان المدينة وضواحيها (الداخلة في قوام دولتها) نحو 200ألف نسمة. في حين أن أفلاطون وأرسطو كانا يقدران العدد المثالي لسكان هذه الدولة ـ المدينة بنحو 15ألف نسمة، ذلك أن المدينة وضواحيها تقع في منطقة جبلية محدودة الموارد، تعتمد على الحرف اليدوية والتجارة. وقد تعاظم دور العبيد في الخدمة المنزلية حتى صارت الأسر الأرستقراطية الحاكمة أقلية بالنسبة إلى الغرباء.

عاش أفلاطون انحطاط أثينة وانكسار شوكتها إثر هزيمتها البحرية في صقلية عام 413ق.م. ومع أنها حققت بعض الانتصارات البحرية العارضة فقد انتهت هذه الحرب باستسلام أثينة للقائد الإسبرطي ليساندر Lysandre الذي فرض عليها نظام حكم الأقلية (الأوليغارشي).

كان أفلاطون يميل في الفلسفة، قبل أن يصحب سقراط إلى رأي هيرقليطس. وأخذ في أول أمره يتعلم الشعر واللغة إلى أن حضر يوماً حديثاً لسقراط يقدح فيه صناعة الشعر، فأعجبه ما سمع منه ولزمه خمس سنين. ولما سقط حكم الأقلية وحل محله النظام الديمقراطي في أثينة تم توجيه تهمة إفساد الشبان إلى سقراط، وحوكم في جلسات عامة، وأصدر المحلفون حكمهم عليه بالإعدام سنة 399ق.م، فانسحب تلاميذ سقراط الذين أذهلهم الحكم إلى مدينة ميغاره Megare، جنوب أثينة، وابتعد أفلاطون عن وطنه مدة طويلة طلباً للعلم في أماكن أخرى، ويقال إنه زار مصر في أثناء ذلك. والأرجح أنه زار جنوبي إيطالية وصقلية. ومن المؤكد أن أفلاطون كان يبحث عن أصحاب فيثاغورس، وخاصة أرخيتاس التارنتي Archytas، وهو عالم رياضيات وقائد عسكري حظي بإعجاب أفلاطون الشديد، ومثّل لديه صورة الفيلسوف الملك. وقد تعرف بفضله إلى ديون Dion حليف الطاغية ديونيسوس Dionysos الأكبر، وبدأ من ثمّ بالتردد إلى بلاط هذا الحاكم الصقلي الشاب. إلا أن النفوذ الذي بدأ أفلاطون يمارسه على هذا الملك المستبد لم يرق له طويلاً. وطرد أفلاطون من سرقوسة (سرقسطة)؛ وبعد رحلة محفوفة بالأخطار في البحر وقع أفلاطون أسيراً وبيع مع العبيد، ولكن أبيقيرس وهو من أصدقائه حرره لقاء مبلغ من المال، واستطاع أفلاطون أن يعود إلى أثينة عام 387ق.م ليؤسس الأكاديمية؛ فكانت أول جامعة تضع برنامجاً لتأهيل رجال الدولة وتكوينهم تكويناً عقلياً منظماً. وقد حاول أفلاطون في أكاديميته أن يستدرك بالتربية ما فاته بالسياسة.

وبعد موت الطاغية ديونيسوس دعاه صديقه «ديون» لزيارة صقلية مرة ثانية، للإشراف على تربية ديونيسوس الأصغر آملاً أن يتبنى هذا الحاكم أفكار أفلاطون ويحقق حلمه في أن يكون الملك فيلسوفاً. غير أن عودته بعد عشرين سنة لم تثمر كثيراً. فقد نشأ خلاف بين الحاكم الجديد «ديون» اضطر الأخير بنتيجته إلى الهرب من صقلية. ورجع أفلاطون خائباً إلى أثينة، إلا أنه عاد إلى صقلية للمرة الثالثة بدعوة من ديونيسوس الأصغر نفسه نحو سنة 361ق.م. وظل سنة يتابع تدريس الأمير، ثم انقلب إلى أثينة بعد إخفاقه في التوفيق بين الأمير وصديقهما المشترك «ديون» وإخفاقه في تحقيق ما كان يصبو إليه. ومنذ عام 360ق.م وحتى وفاته ظل أفلاطون يدِّرس في الأكاديمية. وفي عام 357 نجح «ديون» في تولي السلطة في صقلية إلا أنه قتل عام 354ق.م وبموته فقد أفلاطون نهائياً الأمل بتحقيق حلمه في أن يكون الحاكم ملكاً وفيلسوفاً في آن معاً.

مؤلفاته

غلب على مؤلفات أفلاطون طابع «المحاورة» الذي ورثه عن أستاذه سقراط. ويسهل تعرف أسلوبه التربوي في محاوراته الزاخرة بجميع الآراء والمناقشات التي كانت تدور في أثناء الدروس. وقد زخرت هذه المؤلفات بصورة نابضة من جميع فروع المعرفة، واشتملت على الدروس الحية التي كان يحضرها تلاميذه من جميع الطبقات والأنحاء إضافة إلى عرض شامل للتراث الفكري اليوناني من هوميروس إلى سقراط.

يجمع مؤرخو الفلسفة على أن مؤلفات أفلاطون وصلت كاملة. وأسهمت بعض الكتب والرسائل المنحولة في تضخيم عددها. إلا أن النقاد والباحثين ميزوا الأصيل منها وصنفوها بحسب مراحل تأليفها. وسميت مصنفات الشباب بـ«المحاورات السقراطية»، لأنها تظهر آراء سقراط وتدافع عنها، وتطرح أسئلة حول مفاهيم أساسية وتتركها معلقة، ومن أشهرها «احتجاج سقراط» وهو دفاعه أمام المحكمة قبل موته، و«هيباس الأصغر» وهي حوار يدور حول العلاقة بين العلم والعمل، و«بروتاغوراس» أو السفسطائي وتدور حول الفضيلة. ومن أهم خصائص هذه المرحلة نقد آراء السفسطائيين خصوم سقراط ومعاصريه. أما «محاورات الكهولة» فتنسب إلى ما بعد عودته من جنوبي إيطالية وإنشاء الأكاديمية. وتتصف ببروز الأفكار الفيثاغورية. ومن أشهرها «المأدبة» وموضوعها الحب الذي كان أفلاطون سباقاً إلى تناوله تناولاً فلسفياً. ومحاورة «فيدون» التي تعالج موضوع خلود النفس بعد الموت. وقد أتم أفلاطون تأليف كتابه في «السياسة» (الجمهورية) الذي كتب في أوقات متباعدة في هذه المرحلة، وفيه تظهر معالم المدينة الفاضلة. أما محاورة «بارمنيدس» فيعرض فيها نظرية المُثُل. وأما «محاورات الشيخوخة» فيغلب عليها الطابع المستقل لأفكار أفلاطون، ويبرز تفوقه في الجدل، فهو يحاول تشخيص حالة السفسطائي ويميل إلى تصنيف المعاني في أنواع وأجناس، ويعرج على معنى الوجود. ومن أشهر محاورات هذه المرحلة «طيماوس» وفيها يتناول موضوع الطبيعة ونشأة الكون والخالق. وأما آخر ما كتب أفلاطون فهو «النواميس» أو «القوانين» ويتألف من اثنتي عشرة مقالة يشرّع فيها للمجتمع.

المعرفة

يعد أفلاطون فيلسوف المعرفة، فقد لخص آراء سقراط في رده على السفسطائيين.

وهذا يعني أنه تعلم من أستاذه الفروق الفلسفية الأولى بين المعرفة الآنية المتغيرة القائمة على الحس والمعرفة التي تستقر في العقل بعد تجريدها من صور المحسوسات. وأضاف أفلاطون إلى ما تعلمه من أستاذه أول صيغة مذهبية للمعرفة. فقد أكد أن الإحساس ليس كل المعرفة كما توهم أتباع هيراقليطس[ر] والسفسطائيون. وفي رأيه لو كان حكم بروتاغوراس القائل إن: «الإنسان مقياس الأشياء جميعاً» صحيحاً، لصدقت جميع الآراء المتناقضة، وامتنع الحكم على الأشياء والأخلاق والصناعات، فيستحيل العلم والعمل. وهذا يقود إلى التفرقة بين المعتقدات الشعبية والآراء المشهورة من جهة والأقوال العلمية من جهة أخرى. ويترتب على هذه التفرقة نتائج مهمة في مجال العلم القائم على البرهان والأخلاق العلمية.

صحيح أن هنالك أفكاراً تتغير بتغير الإدراك الحسي، إلا أن الأصح هو العلم المستند إلى القوانين الثابتة. فالنفس ترقى بدراسة الحساب والهندسة والفلك والموسيقى، وهي علوم تقوم على وقائع محسوسة إلا أن موضوعاتها تتمايز من المحسوسات. فليس الحساب عد الجزيئات كما يفعل التاجر، بل هو ما تفحص به الأعداد نفسها بصرف النظر عن المعدود. وليست الهندسة في قياس المساحات بل إنها تقوم على دراسة الأشكال. وقس على ذلك الفلك والموسيقى. إنها البحث عن الأصول الثابتة في كل علم على حدة. ويتدرج الفكر في سلم المعرفة من الإدراك الحسي إلى الظن أو الرأي، ثم يصعد إلى العلم الاستدلالي، وينتهي أخيراً إلى التعقل المحض بحثاً عن العلم الكامل الذي يكفي نفسه بنفسه ويصلح أساساً لغيره. ويطلق على هذا التدرج في الارتقاء الجدل الصاعد.

نظرية المُثُل

رأى أفلاطون أن المعرفة الجدلية هي المعرفة الفلسفية الحقة. وهي تساعد على الارتقاء من الأفراد المحسوسة إلى الأنواع، ومن الأنواع إلى الأجناس. ومن تبين الصفات المشتركة بين الأجناس يتم الوصول إلى الماهيات أو المُثُل. ويقوم العقل عن طريق الجدل الصاعد باستخلاص المعاني الضرورية للحكم على المحسوسات. وفوق العقل تقوم المعاني المجردة لكل الأشياء في عالم مستثقل هو عالم المُثُل. وكل جسم أو شيء يشارك في واحد من تلك الموجودات المجردة أو المثل فيتشبه به يحصل على شيء من كماله. فكما أن مجموع الأجسام يؤلف العالم المحسوس كذلك فإن مجموع المثل يؤلف العالم المعقول. وهو العالم الموجود حقاً، وما وجود الأشياء إلا ظلال وأشباح لهذا العالم العلوي. ولمعايشة النفس عالم المثل قبل نزولها إلى هذا العالم، فإن معرفتنا الحقيقية بالأشياء تعود إلى «تذكر» المثال من غير رؤية الأشياء الحسية.

يدعو أفلاطون من يريد أن يصبح فيلسوفاً أن يرتفع بالفكر إلى عالم المعقولات حيث تهيمن المثل. فالمرء إذا رغب في الوصول إلى «الجميل في ذاته ولذاته» أو إلى مثال الجمال، فإن عليه أن يرتفع من حب الجمال الذي تتصف به الوردة أو جسم الإنسان إلى حب كل الورود وكل الأجسام. وإذا أدرك أن الجمال إنما هو الانسجام فإنه يرتقي إلى اكتشاف جمال النفوس وإلى إدراك الجمال في الفن والموسيقى، ويظل يرتقي حتى يبلغ الجمال المطلق. وإذا عُكس هذا الجدل الصاعد نزولاً يعود المرء فيكتشف الجمال في الأشياء الجزئية ويفهمه فهماً أعلى من فهمه الأول. وقد رتب أفلاطون المُثُل ترتيباً هرمياً جعل في قمته مثال الخير ويليه في المرتبة الحق والجمال.

توفر المُثُل للفيلسوف الصورة الكاملة للعلم الحقيقي وللوجود الخالد، وهما حقيقتان متكاملتان. وقد رد أرسطو على نظرية المُثُل هذه رافضاً وجودها في عالم منفصل ومستقل عن المادة بربطه بين الصورة والمادة ربطاً يسقط المُثُل (أو الصور) من عالم مفارق إلى عالمنا الأرضي.

أسطورة الكهف:

وفي أسطورة الكهف يعرض أفلاطون في قصة رمزية، العلاقة بين العالم المحسوس الزائل والمتغير والعالم المعقول عالم الخلود والثبات. إن بلوغ «المُثُل» يحتاج إلى دربة ومران. على المرء أن يتدرج في تلقين العلوم إلى الشبان قبل تعليمهم الجدل أو «علم العلوم» على حد قول أفلاطون. ذلك أن الانتقال من الظلمة إلى النور فجأة والتحديق بأشعة الشمس يبهر العيون.

يروي أفلاطون في الفصل السابع من كتاب «السياسة» أو «الجمهورية» قصة جماعة من الناس عاشت مُكَبَّلَة بالأغلال في كهف تحت الأرض. وتمنعهم أغلالهم من النظر خلفهم لأن وجوههم تقابل جداراً تنعكس عليه صور التماثيل والأشخاص الذين يمرون خارج الكهف، وتنعكس أشباح هذه الأشياء بسبب النار الموجودة خارج الكهف على الجدار الذي تسمرت عيون الجماعة عليه، فهم لا يعرفون ولا يسمعون إلا أشباح الأشياء المتحركة على الجدار والأصوات التي يعتقدون أنها تبعث منهم. ثم تصور أن هذه الجماعة ولدت وعاشت على هذه الحالة، وهي تعتقد جازمة بأن كل ما تراه أمامها هو الحقيقة التي لا يداخلها شك. والفيلسوف وحده هو الذي يقدر على تخليص هذه الجماعة من أسر الأوهام التي اعتادوها زمناً طويلاً، وهو الذي يجرؤ على كسر أغلالهم وإخراجهم من الكهف المظلم إلى عالم النور والشمس. فالكهف رمز للعالم المحسوس وإدراك الأشباح هو المعرفة الحسية، والخلاص من الأسر يتم بالجدل، والشمس خارج الكهف هي مثال الخير. والفيلسوف هو الذي يرتقي بنفسه وبأقرانه من العالم الزائف إلى العالم الحقيقي. وعلى الفيلسوف أن يفكر في المُثُل الجوهرية التي تكمن وراء المظاهر الخارجية، وطبيعي أن لا يعرف الحقيقة بحواسه بل بتعقله ويميز العَرَض من الجوهر. وهو الذي يؤثر الحكمة ويفضلها على الثقة بالمحسوسات والآراء والظن، وهو الذي ينشد الخير والحق والجمال.

وقد حاول أفلاطون في أواخر حياته أن يلفت انتباه تلاميذه إلى الرياضيات، حتى اعتقد أرسطو بأنه تخلى عن سقراط وتوجه إلى الفيثاغورثية واستبدل بالأعداد المثل، وهذا ما عبر عنه أرسطو في كتاب «مابعد الطبيعة»: «لقد أصبحت الرياضيات عند فلاسفة العصر الحاضر كل الفلسفة، ولو أنهم يقولون: إنها إنما تدرس لأجل الباقي».

النفس الإنسانية

يرى أفلاطون في محاورة «طيماوس» أن الصانع خلق «النفس الكلية» من المتشابه واللامتشابه. ومن النفس الكلية صنع العناصر الأربعة: الماء والتراب والهواء والنار، ومنها نشأ الإنسان وكل ما هو موجود تحت مقعر فلك القمر من الكائنات. كذلك خلق من النفس الكلية الكواكب والزمان. وإذا كان الزمان حادثاًَ مخلوقاً فإن «المثل» لا تعرف الزمان والتغير. والعلاقة بين النفس الكلية والنفس الإنسانية هي علاقة الكلي بالجزئي. إن النفس الإنسانية الصادرة عن النفس الكلية شبيهة بها ولكنها تنطوي على معنى الفردية، ومع ذلك فإنها خالدة، لا تفنى بموت البدن. وهذه نقطة أساسية لالتقاء أفكار أفلاطون مع عقائد الديانات السماوية. وقد ساق أفلاطون براهين عدة على خلود النفس منها:

ـ أن النفس قبل أن تهبط إلى عالم الأرض، موجودة منذ القدم في عالم المُثُل، وفي هذا العالم كانت تعرف صور جميع الأشياء. وحين استقر بها المقام على الأرض أقامت علاقة مع الأشياء المحسوسة عن طريق «التذكر». فميزت هذه الأشياء من صورها الثابتة في عالم المُثُل ومن المواد التي تتشكل منها هذه الصور. وإذا كان وجودها قديماً في العالم العقلي، فإنها ستظل خالدة، بمعنى أنها لا تنحل ولا تفنى مثل المادة.

ـ أن التناوب بين الحياة والموت، الذي يُشاهد في العالم المحسوس يتيح للنفس ولادة جديدة ويخلصها من آثار المادة.

ـ لما كانت النفس بسيطة فإنها لا تنحل أبداً، كما هو حال الأشياء المادية التي تصير إلى الفناء بعد تحللها إلى العناصر التي تركبت منها. أما النفس فتظل خالدة لأن أصلها سماوي، وغير خاضع للفساد والتجزئة.

ـ النفس هي التي تمد الأجسام بالحياة، ولما كانت لها مشاركة مع «مثال» الحياة، فإنها لا تقبل الموت كالأجسام. ولا يمكن أن تتحول إلى نقيضها، فستظل موجودة إلى الأبد.

إن خلود النفس كما يتبين لدى أفلاطون يجمع بين الأزلية والأبدية. ولا يمكن أن تكون هذه البراهين مقنعة إلا إذا سبق للمرء الإيمان بوجود «عالم المُثُل» الذي يجعله أفلاطون أصلاً كلياً للوجود. ويكمن الخلاف الأساسي بين أفلاطون وأرسطو حول حقيقة عالم المُثُل الذي من دون وجوده الخارجي الموضوعي لا يمكن لفلسفة أفلاطون أن تستقيم. وقد نفذت موضوعية هذا العالم إلى الفكر العربي الإسلامي «المشرقي» (الإشراقي)، في حين رفضها ابن رشد حين أعاد إلى أرسطو صورته الواقعية والمادية عن طبيعة العالم على مستوى المادة والصورة. وحلت محل فكرة المُثُل فكرة العقول المثالية المفارقة للمادة التي قال بها الفارابي وابن سينا من تبعهما.

وإذا كانت المعرفة «تذكراً» لدى أفلاطون، فإنها عند أرسطو وأتباعه عملية تجريدية للإحساس الملازم لإدراكنا المباشر لموضوعات العالم الخارجي، ومن ثم فإن المعرفة مستمدة من هذا العالم الأرضي وليست قائمة في النفس قبل التصاقها بالبدن. مع أن أفلاطون ترك أثراً قوياً في الفلسفة العربية ـ الإسلامية في نظرية العقول، فإن هذه الفلسفة انحازت إلى أرسطو فيما يتصل بنظرية المعرفة المستندة إلى التجربة الحسية.

الأخلاق والسياسة

ترتبط الأخلاق بالسياسة ارتباطاً وثيقاً لدى أفلاطون، والخلاف بينهما يشبه الخلاف بين الجزئي والكلي، أو الفردي والجماعي: فالأخلاق غرضها استكمال فضائل النفس الإنسانية على مستوى الأفراد أما السياسة فإنها تدبير أحوال الناس المجتمعين في الدولة ـ المدينة. إلا أن الأخلاق والسياسة يجمعهما عند أفلاطون مثال الخير. وإن تطلع الإنسان إلى الخير يعني لدى أفلاطون التطلع إلى السعادة. وهذا الربط بين السعادة والخير ورثه أفلاطون عن أستاذه سقراط. لكن أفلاطون حاول في نظرية «المُثُل» إعطاء فكرة الخير بعداً ميتافيزيقياً. والمعروف أن الخير الأسمى لدى أفلاطون هو مثال الخير المطلق، وهو رأس المُثُل كافة، ويأتي تحته بالتدرج الهرمي مثال الحق ومثال الجمال. وإذا سلك المرء الطريق المعاكس النازل، يجد أن المادة والجسد كليهما من عالم الشر. من ثم فإن الفيلسوف هو الذي يرتفع بالعقل فوق مستوى المادة والجسد ويقترب أكثر فأكثر من الخير المطلق. فالخلاص الأخلاقي للفرد على قول أفلاطون هو إماتة العلائق الحسية بالزهد، والارتقاء إلى مستوى التأمل العقلاني الخالص. ويتجلى الخير لدى أفلاطون في أشكال شتى أعلاها صورة الخير المثالية في رأس الهرم؛ وثمة نوع آخر من الخير هو اكتشاف الانسجام الموجود في الصور الحسية، وهنالك مرتبة أدنى يتحقق فيها الخير هي اكتشاف المُثُل عن طريق العلم. أما المرتبة الأدنى للخير أو السعادة فهي الحصول على اللذة التي لا يعقبها ألم ولا يتبعها ندم.

وقد حاول أفلاطون إضافة إلى هذا الجانب النظري في الأخلاق أن يدرس الفضائل بوصفها الباعث على الانخراط في العمل الأخلاقي. وقسَّم الفضائل بحسب تقسيمه للنفس. فالنفس الإنسانية لديه تتألف من ثلاث قوى ترتبط فيزيولوجياً بالجسم الإنساني.

تقع القوة العاقلة التي يجب أن تسود في النفس على مستوى الرأس ويناسبها في المجتمع الفلاسفة والسياسيون الذين يدبرون شؤون المدينة. أما القوة الغضبية فإن مركزها الصدر والقلب، وهي توازي طبقة الجند في المجتمع وهم حراس المدينة والمدافعون عنها. في حين ترتبط القوة الشهوية بالبطن والفرج ويوازيها في المجتمع الطبقة الدنيا منه. ولكل قوة فضيلة، فالقوة العقلية فضيلتها التأمل وبلوغ الحكمة، والقوة الغضبية فضيلتها الشجاعة، أما القوة الشهوية ففضيلتها العفة. ولما كانت هذه الفضائل قائمة على قوى متنازعة فيما بينها فلابد من فضيلة رابعة تضبط ما ينشأ عنها من اختلاف، وهذه الفضيلة هي فضيلة العدالة.

ويلج المرء عالم السياسة عند أفلاطون من باب البحث في فكرة العدالة، وهو أمر ناقشه في كتابه «السياسة» أو «الجمهورية». ورأى أن تحقيق العدالة هو شأن عام يشارك فيه الجميع لبناء الدولة التي تقيم توازناً بين الأفراد، ويحصل كل فرد بموجبه على ما يستحق. ولأفلاطون باع طويل في السياسة وآراء مستجدة في تاريخ التطور السياسي لأثينة، كما أنه عاين عن كثب إخفاقات الدول وتجاوزات أنظمة الحكم المختلفة. ويعتقد أفلاطون في كتابه «السياسة» أن المجتمع الإنساني يتدهور، وأنه وجد زمان كان الناس فيه يديرون شؤونهم من دون حاجة إلى الدولة. ولما كان هذا العصر الذهبي قد ولى من غير رجعة فإن على الدولة أن تهتم بتربية الأفراد وتعليمهم ليقيموا فيما بينهم أسساً يتفقون عليها لإدارة شؤونهم.

وهنا يمكن فهم الدور الأساسي للفيلسوف، إنه المعلم الذي يوجه المواطنين نحو فضيلة التعلم والمعرفة، وإقناعهم بأن الفرد يجب أن يكون في خدمة الدولة. ولتحقيق الدولة المثالية أو «المدينة الفاضلة»، رأى أفلاطون تطبيق نوع من الاشتراكية للقضاء على الزواج والملكية بوصفهما مصدر النزاعات في المجتمع، فجعل النساء مشاعاً والأولاد أبناء للدولة التي تعدهم إعداداً عسكرياً وثقافياً وأخلاقياً ليصبحوا مواطنين قادرين على الدفاع عن دولتهم. ولكن أفلاطون، وبعد رحلاته إلى صقلية، وتقدمه في السن عدل عن آرائه السياسية هذه في كتاب يعد من أواخر مؤلفاته هو كتاب «النواميس» أو «القوانين». وفيه تتخذ الدولة طابعاً جديداً قائماً على احترام الدين، وعلى تحديد عدد السكان. كما تخلى أفلاطون عن فكرة الشيوعية في الملكية والزواج لكنه ترك للدولة سلطة كبيرة في وضع قيود تؤكد أن الزواج مؤسسة غايتها خدمة المجموع، كما وجه التربية في كتاب «النواميس» إلى فرض تعليم الرياضيات لأنها تعين على فهم الانسجام، والانسجام يقود إلى الخير. وفتح الباب واسعاً أمام المشرعين في الدولة، وأعطاهم المكان الذي شغله الفيلسوف في الدولة السابقة. وصار الشكل الذي يجب أن يتخذه الحكم مزيجاً من الارستقراطية والديمقراطية. فمنح المواطن الحق في الحرية، لكنه ترك شؤون السياسة للقادة من الأشراف.

أثر أفلاطون في الفلسفة العربية الإسلامية

لقد أثرت فكرة «المدينة الفاضلة» في الفكر العربي الإسلامي. وأول من كتب في هذا الموضوع أبو نصر الفارابي[ر] (339هـ/950م)، إلا أنه وظف المفهوم الأفلاطوني في سياق إسلامي بحت، قدم له في كتابه «آراء أهل المدينة الفاضلة»، بمقدمات كلامية مستفيضة، وميز المدينة الفاضلة من المدينة الفاسقة والمدينة الضالة والمدينة الجاهلة والمدينة المعتزلة متأثراً بالتوجهات الإسلامية. وتبعه في النهج نفسه ابن باجة الأندلسي في كتابه «تدبير المتوحد». وظلت المؤلفات السياسية الفلسفية بمنأىً عن التأثير المباشر في المجتمعات الإسلامية التي أفرزت دولاً قائمة على العصبية القبلية والدين كما فصلها ابن خلدون فيما بعد.

ولا يمكن في هذا الصدد الحديث عن أهمية الملخص الذي وضعه ابن رشد لكتاب أفلاطون «السياسة»، ويرى بعضهم أن ابن رشد قام بعمله هذا بناء على طلب أبي يحيى والي قرطبة وشقيق السلطان الموحدي أبي يوسف يعقوب المنصور. لقد كان غرض ابن رشد من تلخيص كتاب «الجمهورية» أو «السياسة» لأفلاطون هو التنديد بجميع أشكال التسلط والاستبداد وتعرية «وحدانية التسلط» أو الحكم الدكتاتوري.

ولم يكن تفضيل أفلاطون على أرسطو في التراث العربي الإسلامي ناتجاً عن اختيار بين أحد الفيلسوفين من دون الآخر. وإنما كان الفلاسفة العرب المسلمون، بحسب الأحوال، يلجؤون على السواء إلى أحدهما دون الآخر للدفاع عن فكرة إسلامية يؤمنون بها. وقد حاول الفارابي التوفيق بين الاتجاهين دفاعاً عن وحدة الحقيقة في كتابه «الجمع بين رأيي الحكيمين أرسطو وأفلاطون الإلهي». ولم يكن الفارابي يدري بأنه كان يوفق بين أفلاطون وأفلوطين[ر]. فكتاب الربوبية (أثولوجيا) المنحول لأرسطو ليس إلا أجزاء من كتاب «التاسوعات» لأفلوطين.

لم يدرس أثر أفلاطون في التصوف الإسلامي دراسة مستفيضة إلى اليوم. ولكن أثره في التصوف الفلسفي أكثر وضوحاً في واقع الأمر من التصوف الكلاسيكي. فقد أثر أفلاطون في الفارابي وإخوان الصفا والسهروردي المقتول أكثر من تأثيره في الجنيد والحلاج والقشيري.

كذلك لم يقتصر تأثير أفلاطون في الفكر الإنساني على السياسة، بل تجاوزها إلى مجال الأدب والفن. فالمعروف أن أفلاطون بدأ حياته شاعراً ثم تخلى عن كتابة الشعر. ورأى أن الفن عامة هو محاكاة وتقليد، يبتعد عن المُثُل مرتين، مرة حين يقلد الأشياء المادية ومرة حين يعرف أن هذه الأشياء ليست سوى أشباح زائلة للمثال الأصلي.

كذلك فتحت نظرية أفلاطون التي عرضها في محاورة «فيدون» الباب واسعاً أمام الجدل حول أصل الحب، الذي قرر أفلاطون أنه ناشيء عن علاقة بين ما هو سماوي وما هو أرضي. ومن هنا يحس المرء بالمفارقة والغموض في تحديد طبيعة الحب، لأنها في الواقع طبيعة مزدوجة.

أما أفكار أفلاطون عن الله والخلق فظلت تخضع لتأثير الأساطير البابلية والنظريات الفيثاغورية. وهو يعتقد بأن الله خالق الأرض والسماء بما فيها من نجوم وكواكب، وأنه خلق الأشياء من المادة على شاكلة الصور الهندسية. وقد تبنى الفلاسفة العرب المسلمون نظرية الخلق الأفلاطونية (علم النشأة) لفهمهم إياها على أنها خلق من عدم، في مقابل نظرية أرسطو التي تقول بقدم العالم.

فرانسيسكو فرانكو

كاتب الموضوع الأصلي: راكان الركف13

فرانسيسكو فرانكو (بالإسبانية: Francisco Franco)‏ (4 ديسمبر 1892 – 20 نوفمبر 1975)، قائد عسكري تولى رئاسة إسبانيا من أكتوبر 1936 وحتى وفاته في سنة 1975، وصل إلى السلطة بعد الحرب الأهلية الإسبانية (1936 – 1939).
ففي صيف سنة 1936 وتحديداً في 18 يوليو 1936 قام فرانكو بانقلاب عسكري ضد حكم الجبهة الشعبية الذي كانت إسبانيا تحت حكمه وكانت تتكون من حكم الديمقراطيين والاشتراكيين وقد قاومت الجمهورية الإسبانية الثانية هذا الانقلاب ومن هنا بدأت الحرب الأهلية الإسبانية، واستمرت الحرب لمدة ثلاث سنوات منذ سنة 1936 إلى سنة 1939 وبلغ عدد ضحاياها مليون من البشر. وانتهت هذه الحرب بانتصار الجنرال فرانسيكو فرانكو بمساعدة أساسية من هتلر وموسوليني. وقد إعتمد فرانكو في جيشه على قوه من الجنود المغاربه الريفيين (سكان الريف) يبلغ تعدادها خمسين ألف جندي بقياده ضابط اسمه المارشال محمد أمزيان، وقد ظل صديقا له ومقرباً إليه وحارساً له حتى النهايه وانتصاره النهائي في هذه الحرب في سنه 1939، وقد اتاحت له هذا الانتصار أن يحكم إسبانيا حكما ديكتاتورياً لمدة ستة وثلاثين عاماً متواصلة حتى وفاته سنة 1975 وقد كان عمره آنذاك 83 عامًا.

حزب الفالانج
حكم فرانسيسكو فرانكو إسبانيا عن طريق فلانخي الإسبانية أو حزب الكتائب (وهو نفسه الحزب الذي أراد الزعيم اللبناني بيار الجميّل تقليده فأنشا في لبنان حزبا باسم حزب الكتائب) وقد قلد فرانكو هتلر وموسوليني في إنه جعل نفسه زعيما وأبا لإسبانيا واسمى نفسه الكاوديو أي زعيم الأمة (كما اسمى هتلر نفسه الفوهرر وموسوليني لقب نفسه باسم الدوتشي وهي كلمة إيطالية لا تختلف عن معناها عن كلمة الفوهرر أو الكوديللو الإسبانية).
كان من المفترض ان ينهار نظامه مع انهيار أنظمة هتلر وموسوليني بعد الحرب العالمية الثانية ولكنه كان شديد الحذر فأعلن حياد إسبانيا أثناء الحرب، وأنقذه ذلك من مصير صديقيه وصاحبي الفضل عليه (هتلر وموسوليني) علي ان نظامه ارتبط تاريخيا بعدائه للفن والفكر الثقافة منذ اللحظة الأولى للانقلاب العسكري الذي قام به ضد الجمهورية الإسبانية في 18 يوليو 1936. وكانت جريمة القتل الأولى التي ارتكبها أنصاره هي قتل الشاعر الإسباني لوركا، وقد ظلت هذه الجريمة تطارد نظامه حتى النهاية منذ انتصاره النهائي على الجمهوريين الإسبان سنة 1939 وحتي وفاته سنة 1975.