أ.د. أحمد محمد وهبان

نظرية التبعية في التنمية السياسية

كاتب الموضوع الأصلي: رياض الغامدي

ظهرت نظرية التبعية بداية في أمريكا اللاتينية في ستينيات القرن العشرين، نتيجة عدم نجاح نموذج نظرية التحديث في تقديم تفسير حقيقي ومقنع لظاهرة التخلف في العالم الثالث، وكذلك نتيجة فشل خطط وعمليات التنمية في تلك البلدان في فترة الخمسينيات والستينيات. واعتبر منظري التبعية أن دراسات التنمية حاولت البرهنة على أن التخلف هو حالة متأصلة، ناتجة من طبيعة البنى الاجتماعية لبلدان العالم الثالث، ولم تنتج عن الاستعمار، بل هي موجودة قبله ([55] ). وتعتبر نظرية التبعية ردا على أسس وطروحات نظرية التحديث، وتنطلق من فرضية أن حالة التخلف وما ينتج عنها من مشاكل وأزمات هي ناتج من نواتج الحقبة الاستعمارية. وتفسر حالة التخلف الاقتصادي والسياسي من منطلق الظروف التاريخية التي مرت بها بلدان العالم الثالث، ووقوعها تحت السيطرة الاستعمارية للنظام الرأسمالي العالمي. كما أنها تعتبر أن هناك علاقة جدلية بين التنمية والتخلف، وبين الحداثة والتقليدية، وبين مختلف الظواهر بشكل عام ([56] ). وبمعنى آخر اعتبرت أن التنمية التي حدثت في العالم الرأسمالي المتقدم كانت على حساب الدول المستعمرة، وان الوجه الأخر لتلك التنمية هي تخلف دول العالم الثالث، ووقوعها في براثن التبعية والسيطرة الرأسمالية.
ظهرت في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات دراسات عديدة لنقض الفرضية التي تقول بان التخلف هو حالة متأصلة في دول العالم الثالث. وعملت الدراسات التي قدمها منظرو التبعية مثل “اندريه جندر فرانك” وسمير أمين وغيرهما على تحليل واثبات أن السيطرة الرأسمالية هي المسئولة عن تخلف بلدان العالم الثالث حيث حللت الجوانب التاريخية للتخلف المرتبط بالاستعمار. وكان هذا التركيز على الجوانب التاريخية، إلى جانب الأسلوب الثوري لنظرية التبعية، من أسباب تسميتها بالنظرية الماركسية، أو الماركسية الجديدة، عند البعض، رغم أن رواد هذه المدرسة هم من علماء الاقتصاد الراديكاليين من اللجنة الاقتصادية لدول أمريكا اللاتينية ( أكلا) ([57] ). وكان انتشار نظرية التبعية عائد أساسا إلى علماء اقتصاديات التنمية من مفكري العالم الثالث، الذين اهتموا بالنواحي العالمية للاستغلال الاقتصادي، ولا يعود إلى الكتاب الماركسيين الذين اهتموا بظاهرة الامبريالية ([58] ). ويرى يوسف صايغ أن المفكرين الاجتماعيين في أمريكا اللاتينية الذين أصبحوا منظرو التبعية وصاغوا وطوروا مقولاتها، هم مجموعة تضم ماركسيين – محدثين، وبنيويين، ووطنيين تقدميين، أكدوا جميعا، عدا البنيويين، على دور التبعية المفروضة من الدول الرأسمالية، في إنتاج حالة التخلف واستمرارها ([59] ).
ويعف علي غربي التبعية بأنها: ” ظرف تاريخي موضوعي تشكل تاريخيا على مدى زمني طويل يمتد إلى الفترة الاستعمارية، وهذا أدى إلى نشوء مجموعة من العلاقات الاقتصادية والثقافية والسياسية والعسكرية، تعبر عن شكل من أشكال تقسيم العمل على الصعيد العالمي يتم بمقتضاها توظيف موارد مجتمع معين ( المجتمع التابع والمتخلف) لخدمة مصالح مجتمع آخر أو مجتمعات أخرى ( المجتمعات المتقدمة ) التي تمثل مركز أو قلب النظام الرأسمالي العالمي… إن دول المركز تمارس هيمنتها على الدول التابعة من خلال حكوماتها بإتباع سياسات اقتصادية عسكرية وغيرها… أو من خلال المؤسسات المالية كصندوق النقد الدولي وغيره والشركات المتعددة الجنسية. حيث تؤدي أوضاع التبعية إلى تعطيل الإرادة الوطنية للدولة التابعة وفقدانها لشروط إعادة تكوين ذاتها، ومن ثم تنميتها المنشودة ( الخروج من حالة التبعية ) ” ([60] ). وطبيعة هذه العلاقة تؤدي إلى استمرار وإدامة سيطرة الدول المتقدمة وإبقاء الدول النامية في دائرة التبعية.
“اندريه جندر فرانك” احد رواد هذه النظرية، يعرف التبعية على: أنها وضع أو حالة تتكون من سلسلة كاملة من المراكز الكبرى والتوابع الصغرى تربط معا أجزاء النظام الرأسمالي بكامله من مراكزه إلى المواقع في هوامش وأرياف دول أمريكا اللاتينية. هذه التوابع تعمل كأداة لامتصاص واستنزاف رأس المال والفائض الاقتصادي من التوابع إلى المراكز المحيطة بها ومنها إلى مراكز النظام الرأسمالي. والنمو الذي يتحقق في الدول النامية في إطار تلك العلاقة هو نمو تابع، يفتقر إلى قوة دفع ذاتية، وتنقصه صفة الديمومة ([61] ).
وركزت نظرية التبعية على أن التنمية التي تتم في العالم الثالث هي تنمية تابعة أو تخلف، وهي نتاج توسع الدول الاستعمارية، وربط الاقتصاد المستعمر بحاجاتها. ويصف فرانك العلاقة بعلاقة التابع والمتبوع، أو العلاقة بين المركز والأطراف ( الهوامش ) حيث يحافظ المركز على علاقة التبعية بينه وبين الهامش، وتلك العلاقة تؤدي إلى استنزاف الفائض من الهوامش إلى المركز. وانتقد فرانك أشكال التجارة الدولية ونقل التكنولوجيا ورأس المال من الدول المتقدمة إلى الدول النامية. وعليه صاغ ما سمي ب ” تنمية التخلف ” حيث اعتبر أن أمريكا اللاتينية كانت متخلفة قبل الاختراق الرأسمالي، لكنها أصبحت أكثر تخلفا بعد هذا الاختراق. وأصبح الارتباط بين التنمية والتخلف ارتباطا سببيا، حيث أن التنمية التي حدثت في الغرب الصناعي تمت على حساب تخلف بلدان العالم الثالث، وهذا شكل ردا على القول بعدم وجود علاقة بين التنمية ( في الغرب ) والتخلف ( في العالم الثالث )

النظرية الماركسية والتنمية السياسية

كاتب الموضوع الأصلي: رياض الغامدي

حلل كارل ماركس المجتمع الرأسمالي وتطور المجتمع البشري انطلاقا من المفهوم المادي للتاريخ، ووضع الأسس لما يعرف ب ” المادية التاريخية “، التي صارت تشكل الإطار الرئيسي لعلم الاجتماع الماركسي، وتوفر له الأسس النظرية والمنهجية في دراسة الأبنية والعلاقات والتفاعلات الاجتماعية.
يعتبر مفهوم التشكيلة الاقتصادية الاجتماعية أهم مفهوم في المادية التاريخية في تشخيص وتحليل تطور المجتمع البشري. حيث أن كل تشكيلة اقتصادية اجتماعية هي جهاز اجتماعي خاص يتطور حسب قوانينه الخاصة به. وما يحدد طبيعة وخصائص كل تشكيلة منها، أو كل مرحلة من مراحل تطور المجتمع البشري، هو ” أسلوب الإنتاج ” الخاص بها، الذي هو شكل معين ومحدد لنشاط الناس المعيشي ونمط حياتهم، ويتألف من وحدة قوى الإنتاج ( أدوات ووسائل الإنتاج والبشر المنتجين) وعلاقات الإنتاج ( التي تنشأ بين الناس في نشاطهم الإنتاجي). وتدرس المادية التاريخية تطور تاريخ المجتمع البشري على أنه عملية تاريخية طبيعية واحدة مقوننة لتطور الإنسانية، ينتقل من مرحلة إلى مرحلة أكثر تطورا، لها ميزاتها وخصائصها وقوانينها. وقد مر المجتمع البشري في تطوره بخمس مراحل أو تشكيلات اقتصادية اجتماعية، تنقسم إلى مجموعتين كبيرتين، الأولى هي التشكيلات الطبقية المتناقضة، وهي تشكيلة الرق أو العبودية، والإقطاعية، والرأسمالية. وهذه التشكيلات تقوم على أساس علاقات السيطرة واستغلال الإنسان للإنسان، لأنها قائمة على الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج. كما أن المشاكل الاجتماعية فيها خلال عملية التطور تحل بالنضال الطبقي المرير، وعن طريق الثورات. والمجموعة الثانية هي التشكيلات اللاطبقية القائمة على علاقات التضامن والمساواة الاجتماعية، وتضم مرحلة المشاعية البدائية والمرحلة الشيوعية التي تعتبر أعلى مراحل تطور المجتمع البشري ([43] ).
اعتبر ماركس أن انتشار الرأسمالية وتوسعها أدى إلى القضاء على الحياة التقليدية للمجتمعات الأوروبية وشجع على التصنيع، وحررت الفلاحين من نظام الإقطاع، وأقامت علاقات إنتاج اجتماعية رأسمالية. حيث أن الرأسمالية حطمت التشكيلات التقليدية الجامدة، وأنشأت نمطا إنتاجيا عصريا وحديثا وأكثر عقلانية. غير أن الرأسمالية أيضا في تطورها تنطوي على جوانب سلبية وسيطرة واستغلال من نمط جديد بسبب الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج ([44] ).
وترى الماركسية أن كل تشكيلة اجتماعية اقتصادية طبقية، تسود فيها أيديولوجية الطبقة المسيطرة، ومع تفاقم التناقضات الاجتماعية، تظهر أيديولوجية جديدة تعكس مصالح الطبقات المضطهدة. ومع انقسام المجتمع إلى طبقات تصبح العلاقات السياسية والحقوقية والأخلاقية وغيرها، شكلا للعلاقات الأيديولوجية، ويدخل الناس في هذه العلاقات مع ظهور الوعي الطبقي، حيث أن نضال وتطور نضال الطبقة العاملة السياسي ضد الرأسمالية لا يمكن بدون نظرية ثورية وحزب ثوري للحركة العمالية، أي بدون وعي سياسي للجماهير ([45] ). إن الأيديولوجية كجزء من البناء الفوقي يظهر معها مؤسسات ومنظمات مختلفة كالدولة والمؤسسات القانونية والأحزاب السياسية، والاتحادات المهنية والمنظمات الدينية والمؤسسات الثقافية والعلمية وغيرها. وتعتبر الدولة المؤسسة الرئيسية للبنيان الفوقي في المجتمع الطبقي والتي تحرسه وتحميه. فبمساعدتها تصبح الطبقة المسيطرة على الاقتصاد، مسيطرة في مجال البنيان الفوقي أيضا. والدولة تملك وسائل مادية للسلطة، مثل الجيش والشرطة والسجون، لتتمكن بواسطتها من القيام بوظيفتها وإخضاع المجتمع لمصالح وإرادة الطبقة المسيطرة

نظرية التحديث في التنمية السياسية

كاتب الموضوع الأصلي: رياض الغامدي

في أعقاب الحرب العالمية الثانية تزايد الاهتمام بدراسة أوضاع الدول حديثة الاستقلال، حيث كانت تعيش في حالة من ” التخلف “. واعتبر علماء الاجتماع والسياسة الغربيين أن المجتمع الصناعي في الدول الغربية المتقدمة يشكل نموذجا مثاليا على البلدان النامية أن تسير على خطاه في التنمية والتحديث. وتم النظر إلى عملية التحديث على أنها عملية انتقال نحو الأنماط والنظم الاجتماعية والسياسية التي تطورت في أمريكا وأوروبا الغربية، ثم انتقلت إلى بقية القارات ([6] ). حيث أن عملية التحديث تطال في تأثيرها مختلف جوانب المجتمع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. والتحديث في علم اجتماع التنمية يعني حسب اغلب المنظرين لهذا العلم ” نقل للنموذج الغربي وذلك من خلال تصور وجود ثنائية: التقليدي – الحديث “، واعتبار الديمقراطية بمفهومها الواسع، خاصية رئيسية للمجتمع الحديث في المجال السياسي ([7] ).
وفي المجال السياسي أيضا هناك من يرى أن عملية التحديث السياسي هي التحولات والتغييرات السياسية التي حدثت في أوروبا وبقية أنحاء العالم منذ النهضة الأوروبية. وهذه التغييرات يشار لها كخصائص لعملية التحديث السياسي، وتشمل: تحقيق مزيد من المساواة وإعطاء فرص للمشاركة في صنع السياسة، وقدرة النظام السياسي على صياغة وتنفيذ السياسات، والتنوع والتخصص في الوظائف السياسية، وعلمانية العملية السياسية وفصلها عن
التأثيرات الدينية ([8] ).
انبثقت نظرية التحديث بشكل أساسي من نظرية التطور، التي تهتم بتفسير كيفية تحول المجتمعات غير الصناعية إلى مجتمعات صناعية، وتحدد خصائص كل من الحالتين وتؤكد على أن التحديث يتم في اتجاه واحد ويسير من غير الصناعي إلى الصناعي ([9] ). حيث اهتمت نظرية التطور التي ظهرت في الدول الغربية المتقدمة بدراسة المجتمع وعوامل تغيره وتطوره. وهي تمثل أيضا المرجع الرئيسي لنظريات التنمية السياسية التي استخدمت مفاهيمها ومناهجها وأهدافها، حيث ترى هذه النظرية أن التطور والنمو الاجتماعي يسير في خط صاعد واحد بمراحل متتالية، يجب أن يمر بها كل مجتمع ([10] ). وقد ساد في كتابات التنمية السياسية استخدام المدخل الثنائي، الذي تأسس بناءا على أعمال منظري نظرية التطور في القرن التاسع عشر، حيث يتم مقارنة المتغيرات الخاصة بالنمط المثالي المرتبط بالتقليدية / الحداثة. واعتمد علم السياسة على هذه الأنماط الثنائية كما يقول “جبراييل ألموند” عالم السياسة الأمريكي: إن نظريتنا تؤسس عملية بناء النظرية والتنميط بشكل ثنائي بسيط عبر الاستفادة من أعمال “ماكس فيبر”، و “فرديناند توليز”، و “تالكوت بارسونز” .. وغيرهم من علماء الاجتماع المجددين .. في محاولة لبناء نماذج لأشكال المجتمعات والنظم التقليدية والحديثة ([11] ).
والتقسيم الثنائي للمجتمعات ( تقليدي / حديث ) يتأسس على تصور “فيبر” للمجتمع التقليدي بوصفه مجتمع ” ما قبل الصناعة ” أو ” ما قبل العقلانية ” أو ” مجتمع ما قبل الدولة “([12]). حيث صاغ “فيبر” نموذجه المثالي للمجتمع الحديث استنادا إلى العقيدة البروتستانتية التي يعتبر أنها أدت إلى تطور الرأسمالية الصناعية الغربية، لأنها عقيدة تحث على التحرر، وبالتالي فان قيمها ومعتقداتها المثالية هي أساس ظهور المجتمع الرأسمالي الحديث([13]).

"الثقافة السياسية" دور الإعلام في التنشئة السياسية

كاتب الموضوع الأصلي: رياض الغامدي

لا يخفي على أحد في عصرنا هذا ما صار عليه حال وسائل الإعلام من حداثة وتقدم وفعالية، فقد بات العالم عبارة عن قرية صغيرة، تعتبر فيها وسائل الإعلام -بشقيها التقليدي والإلكتروني- نوافذ متعددة تطلعنا على العالم الكبير لحظة بلحظة. ونظراً لهذا التقدم الكبير في عالم الاتصالات وخصوصاً الاتصال الاجتماعي، فقد ازدادت أهمية وسائله المختلفة وتأثيرها في عملية التنشئة السياسية، أهمية لا تقل على الإطلاق عن تلك التي تلعبها الأسرة أو المدرسة.
وقد أيقنت الدول الحديثة، دور الإعلام البارز فعمدت تبعاً لذلك إلى استغلالها استغلالاً صحيحاً في دعم مفاهيم وممارسات حرية الرأي والتعبير المسؤولة والقيم الوطنية المشتركة، وتحفيز الكفاءات البشرية، وتنمية الوعي الاجتماعي والسياسي، ودعم روح الإبداع والتنافسية، بما يتواءم مع أهداف المشروع الإصلاحي والتوجيهات السامية
وعملية اكتساب المعلومات والحقائق والقيم، لها أدوات ووسائل متعددة، منها الأسرة والمدرسة، وجماعات الرفاق، والأحزاب السياسية، ومؤسسات المجتمع المدني، بجانب وسائل الإعلام بالطبع، التي تلعب الدور الأهم والأبرز، بنظر الكثيرين، في عملية التنشئة السياسية، وخصوصاً بعد التطور الكبير فيها في الفترة الأخيرة، كما تمت الإشارة إليه في السطور السابقة.
ويأتي هذا الاهتمام الكبير بالإعلام الاجتماعي تزامناً مع الاهتمام الأكاديمي الدولي والعربي الكبير لفهم طبيعة العلاقة بين الإعلام، وبالذات الإعلام الإلكتروني، وبين التنشئة السياسية للشباب، نظراً للدور الكبير الذي لعبه الإعلام الإلكتروني والإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي في الحراك الاجتماعي والسياسي في العالم العربي في الفترة الأخيرة.
وتتفق الدراسات الغربية على دور الإعلام الاجتماعي البارز في التنشئة السياسية، إذ أثبتت دراسة قامت بها جامعة كاليفورنيا في الولايات المتحدة الأمريكية أن العلاقة بينهما علاقة طردية، حيث كشفت أن قضاء وقت ما في المجتمعات الإلكترونية تلحقه زيادة في معدلات المشاركة في الأعمال التطوعية والخيرية، وفي معدلات الحوار البنّاء لمعالجة القضايا المهمة للمجتمع الواقعي. ووجدت الدراسة أيضاً أن تعلم الشباب كيفية التعامل مع أدوات الإعلام الإلكتروني ساهم في ارتفاع معدل إطلاعهم على وجهات نظر ثرية ومتنوعة مما دفع بالتالي إلى زيادة احتمال مشاركتهم في الأنشطة الاجتماعية والسياسية.

نبذة عن التنشئة السياسية

كاتب الموضوع الأصلي: رياض الغامدي

يقول هايمن” Hyman في كتابه (التـنشئة السياسية) بأنها: عملية تعلم الفرد المعايير الاجتماعية عن طريق مؤسسات المجتمع المختلفة

والتـنشئة السياسية هي جزء من التنشئة الأجتماعية والتي من خلالها يكتسب الفرد الاتجاهات والقيم السائدة في المجتمع, كما تعتبر التنشئة السياسية وسيلة لتصحيح الثقافة السياسية المنحرفة في المجتمع، وخلق ثقافة مدنية جديدة ومتحضرة للعبور بالمجتمع من حالة التخلف إلى التقدم.

والأنظمة السياسية الديمقراطية والدكتاتورية تحاول ان تؤثر في التنشئة السياسية للفرد من خلال أستهداف أفكاره عن طريق غرس معلومات وقيم وممارسات يستطيع من خلالها تكوين مواقفه واتجاهاته الفكرية والايدلوجية التي تؤثر في سلوكه السياسي. وهذا السلوك يلعب دورا في فاعلية الفرد السياسية في المجتمع, لذلك تلجأ الانظمة السياسية الحاكمة الى خلق قيم وأيدلوجيات مقبولة ومشروعة لها في عيون شعوبها.

وبما إن التنشئة السياسية هي عملية تأهيلية وتعليمية وتثقيفية يخضع لها الفرد من أجل تفعيل دوره في المجتمع, لذا ينبغي أن تتحمل مسؤلية التنشئة السياسية للفرد مؤسسات المجتمع المدني, لكونها مؤسسات مستقلة. وبذلك تملك القدرة على التفاعل الايجابي في التعاطي مع مفهوم التنشئة السياسية كمادة تثقيفية, من خلال الدور الذي تتقلده داخل إطار المجتمع وعلاقتها بالدولة.

وهي مدعوة أكثر من غيرها في عملية التنشئة السياسية, من خلال تأهيل وتثقيف الفرد بأعتباره كائناً سياسياً مؤثراً في المجتمع ضمن معطى سياسي معين, ويأتي ذلك نتيجة التطور والتحول السياسي للمجتمع وطبيعة نظامه السياسي السائد ومعاييره الايديولوجية ومرونته الديمقراطية والانفتاح محلياً وإقليمياً وعالميا.

نبذة عن التنشئة السياسية

كاتب الموضوع الأصلي: رياض الغامدي

يقول هايمن” Hyman في كتابه (التـنشئة السياسية) بأنها: عملية تعلم الفرد المعايير الاجتماعية عن طريق مؤسسات المجتمع المختلفة

والتـنشئة السياسية هي جزء من التنشئة الأجتماعية والتي من خلالها يكتسب الفرد الاتجاهات والقيم السائدة في المجتمع, كما تعتبر التنشئة السياسية وسيلة لتصحيح الثقافة السياسية المنحرفة في المجتمع، وخلق ثقافة مدنية جديدة ومتحضرة للعبور بالمجتمع من حالة التخلف إلى التقدم.

والأنظمة السياسية الديمقراطية والدكتاتورية تحاول ان تؤثر في التنشئة السياسية للفرد من خلال أستهداف أفكاره عن طريق غرس معلومات وقيم وممارسات يستطيع من خلالها تكوين مواقفه واتجاهاته الفكرية والايدلوجية التي تؤثر في سلوكه السياسي. وهذا السلوك يلعب دورا في فاعلية الفرد السياسية في المجتمع, لذلك تلجأ الانظمة السياسية الحاكمة الى خلق قيم وأيدلوجيات مقبولة ومشروعة لها في عيون شعوبها.

وبما إن التنشئة السياسية هي عملية تأهيلية وتعليمية وتثقيفية يخضع لها الفرد من أجل تفعيل دوره في المجتمع, لذا ينبغي أن تتحمل مسؤلية التنشئة السياسية للفرد مؤسسات المجتمع المدني, لكونها مؤسسات مستقلة. وبذلك تملك القدرة على التفاعل الايجابي في التعاطي مع مفهوم التنشئة السياسية كمادة تثقيفية, من خلال الدور الذي تتقلده داخل إطار المجتمع وعلاقتها بالدولة.

وهي مدعوة أكثر من غيرها في عملية التنشئة السياسية, من خلال تأهيل وتثقيف الفرد بأعتباره كائناً سياسياً مؤثراً في المجتمع ضمن معطى سياسي معين, ويأتي ذلك نتيجة التطور والتحول السياسي للمجتمع وطبيعة نظامه السياسي السائد ومعاييره الايديولوجية ومرونته الديمقراطية والانفتاح محلياً وإقليمياً وعالميا.

حرب القرم

كاتب الموضوع الأصلي: سعيدالغامدي20

بدأت الحرب العثمانية الروسية في (4 شوال 1269هـ 3 يوليو 1853م)، وكان مسرحها الأول في أوروبا بمنطقة البلقان، حيث قام حوالي 35 ألف جندي روسي باحتلال رومانيا التي كانت تابعة آنذاك للدولة العثمانية، وأبلغت روسيا الدول الأوروبية أنها لن تدخل في حرب شاملة ضد الدولة العثمانية، وأن مافعلته إجراء وقائي لحين اعتراف السلطان العثماني بحقوق الأرثوذكس في كنيسة القيامة في القدس، وأنها سوف تنسحب فور هذا الاعتراف.
قامت الدولة العثمانية وروسيا بحشد قوات ضخمة على جبهات القتال، وعلى جبهتي الدانوب والقوقاز، واستطاع القائد العثماني عمر باشا أن يلحق هزيمة كبيرة بالروس على نهر الدانوب، وأن يدخل رومانيا. وفي جبهة القوقاز ساند الزعيم الشيشاني الإمام شامل القوات العثمانية أثناء القتال ضد الروس.
أرادت الدولة العثمانية دفع بريطانيا وفرنسا إلى دخول الحرب إلى جوارها، ودبرت إرسال مجموعة من قطع الأسطول البحري العثماني القديمة إلى ميناء سينوب على البحر الأسود، وهي تدرك أن هذه السفن لابد أن يهاجمهما الروس، وبالفعل هاجم الروس هذه السفن وتم إغراقها جميعا، واستشهد حوالي ألفي جندي عثماني، وأثارت هذه المعركة قلقا في الأوساط في لندن وباريس، وحذرت الصحافة في العاصمتين من الخطر الروسي.
عرض الإمبراطور الفرنسي نابليون الثالث الوساطة لإنهاء القتال بين العثمانيين وروسيا، إلا أن القيصر الروسي رفض ذلك، خاصة بعد انتصارات عمر باشا في رومانيا، وقال نيقولا الأول: “أشعر أن يد السلطان على خدي”، فبادر نابليون الثالث بالاتفاق مع بريطانيا ضد القيصر، وقبلت لندن العرض الفرنسي بحماسة شديدة، وغادر سفيرا لندن وباريس مدينة سانت بطرسبرغ الروسية في 8 جمادى الأولى 1270 هـ 6 فبراير 1854 م، وتم عقد معاهدة إستانبول في 13 جمادى الآخرة 1270 هـ 12 مارس 1854 م، بين الدولة العثمانية وبريطانيا وفرنسا، ونصت على ألا تعقد أي دولة من هذه الدول صلحا منفردا مع روسيا، وأن يتفاهم قواد الدول الثلاث في الحرب ضد روسيا، وأن تكون الوحدات الإنجليزية والفرنسية والسفن التابعة لهما في إستانبول خاضعة للقوانين العثمانية.
أعلنت فرنسا وبريطانيا الحرب على روسيا في 28 جمادى الآخرة 1270 هـ 27 مارس 1854 م، ونشبت معارك ضخمة في عدة جبهات أثناء حرب القرم، إلا أن أهم هذه المعارك كانت معركة سيفاستوبول التي خاضتها الدول الثلاث للقضاء على القوة البحرية الروسية في البحر الأسود، حيث كان القاعدة البحرية لروسيا في شبه جزيرة القرم (حاليا في أوكرانيا) واستمرت المعركة قرابة العام، قُتل خلالها حوالي 35 ألف قتيل، وعدد من القادة الكبار من كلا الجانبين، حتى انتهى الأمر بسيطرة الدول الثلاث على الميناء في 22 من شعبان 1271هـ 9 مايو 1855م.
في هذه الأثناء توفي القيصر الروسي نيقولا الأول، وخلفه في الحكم ابنه ألكسندر الثاني الذي شعر بعدم قدرة بلاده على مواصلة الحرب، فقرر التفاوض للسلام، خاصة بعد المذكرة التي تقدمت بها النمسا لروسيا وحذرتها فيها من أن دولا أوروبية أخرى قد تدخل الحرب ضدها.
استمرت الحرب أكثر من عامين ونصف، حاربت فيها الدولة العثمانية منفردة في السنة الأولى منها، وتميزت هذه الحرب بمتابعة الصحافة لها، من خلال إرسال مراسلين عسكريين على جبهات القتال.

الأحزاب والمجتمع. معوقات المشاركة السياسية

كاتب الموضوع الأصلي: رياض الغامدي

تواجه مجتمعات الدول النامية في سعيها نحو الأخذ بنمط أو بآخر في أنماط التنمية عددا من الأزمات من بينها أزمة المشاركة السياسية. فهذه الأزمة تتخذ أبعاداً مختلفة سواء من حيث النطاق أو الصيغ المطروحة للمشاركة ومدي فاعليتها، وتعتبر ظاهرة العزوف عن المشاركة في الحياة السياسية من أبرز القضايا التي شغلت المهتمين بمستقبل الديمقراطية بصفة عامة والانتخابات بصفة خاصة نظراً لخطورة آثارها ودلالات أسبابها. فهناك عناصر تؤثر علي عملية المشاركة السياسية

معوقات مسئول عنها الأحزاب:
أولا: إن الأحزاب لا تقدم مشروعات تخدم المواطنين ولا تقدم حلولاً لهم وبرامجها غير قادرة للوصول إلي المواطنين ، وإنها لا تهتم إلا بتقديم مكاسب شخصية لأعضائها وهو ما يؤدي للعزوف عن الاهتمام بالسياسة والمشاركة
ثانياً: إن قلة المنبهات السياسية الموجهة للفرد تقلل من إمكانية مشاركته في العملية السياسية، حيث تتوقف مشاركته علي توافر الظروف الملائمة علي كم ونوعية المنبهات السياسية التي يتعرض لها، وتنوع مصادر المنبهات من وسائل إعلام وحملات انتخابية. الخ، يؤدي إلي فاعلية ودور أكبر في عملية المشاركة السياسية.
ثالثاً: معاناة الأحزاب السياسية من ضعف العضوية، وذلك نتيجة أسباب عديدة منها عدم الاقتناع من جانب أكثرية الناس بفاعلية الأحزاب، والنظر إلي معظم هذه الأحزاب علي أنها أحزاب أشخاص غير واضحة في برامجها ولا تعبر عن القضايا الحقيقية للمجتمع.
معوقات مسئول عنها المجتمع:
أولا: نمط وأدوات التنشئة السياسية، فما زال النمط السلطوي يسيطر علي عملية التنشئة في مصر، فالواقع الذي يحيا به الطفل في الأسرة باعتبارها أهم وأول أدوات التنشئة هو واقع سلطوي، كما يستمر هذا النمط سائداً في مختلف مراحل العمر سواء في المدرسة أو الجامعة أو الوظيفة وغيرها، مما يؤثر علي الممارسة السياسية للفرد، ويبعد هذه الممارسة عن الشكل الديمقراطي، فكلما ابتعدت عملية التنشئة عن النمط السلطوي واقتربت من النمط الديمقراطي كلما كان ذلك دافعاً قوياً للأفراد علي الممارسة السياسية الديمقراطية السليمة هذا من ناحية، كما أن تهيئة المناخ الديمقراطي السليم للممارسة السياسية من ناحية أخري يمكن أن يؤدي الي إعادة تشكيل نمط التنشئة والقيم المسيطرة عليها ويدفع إلي نمط من التنشئة أكثر ديمقراطية.
ثانياً: السلبية الشعبية واللامبالاة وعدم الميل إلي المشاركة السياسية نتيجة ضعف الاتصال بين الجماهير والنظام السياسي، حتي إن غالبية أعضاء البرلمان أنفسهم تتجه إليهم السلبية بعد حصولهم علي المقاعد في البرلمان والتغيب عن مناقشات المجلس وحضور جلساته.
ثالثاً : سيطرة الطابع الشخصي علي العلاقات السياسية، ويقصد بذلك إن الروابط و الصلات الشخصية تلعب في مصر دوراً هاماً في التأثير علي العملية السياسية وبصفة خاصة علي عملية التجنيد النخبوي ـ علاقات النسب والمصاهرة والزمالة ـ تحول دون تطور المؤسسات ونضجها ويضعف من استقلاليتها، ويمكن علاج هذا الوضع من خلال وضع المعايير الموضوعية المتعلقة بالكفاءة والعلم والقدرة هي الأساس في اختيار الكوادر.
رابعاً: إن عدم اهتمام المواطن بالتنشئة السياسية لأبنائه ومن ثم قلة الوعي والإدراك السياسي يؤدي لإعاقة عملية المشاركة السياسية، فضعف مستوي الثقافة السياسية والذي هو ناتج عن تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية يؤدي الي انخفاض درجة المشاركة السياسية، ولا سيما عدم امتلاك بطاقة انتخابية وضعف الحرص علي الاشتراك في عمليات التصويت.

فلسفة هيجل وماركس للتاريخ

كاتب الموضوع الأصلي: رياض الغامدي

خلاصة فلسفة هيجل للتاريخ أن الارتقاء في الحضارة الإنسانية إنما يحصل بظهور الأضداد وتصادمها ثم تمازجها , وإن كل دور من أدوار التاريخ في حد ذاته , وكل وجود جسد حي , وأن مختلف نظريات الإنسان من سياسية واقتصادية ومدنية وخلقية وعلمية وعقلية ودينية تكون على مرتبة خاصة ويكون بينها التناسب والتلاؤم والتساند في هذا الدور , كأنها وجوه مختلفة لهذا الوجود الحي أو الوحدة العصرية تجري فيها روح هذا الدور كله .

وعندما ينتهي دور كبير من ترقية روحه إلى أرفع ما يستطيع من معارج الكمال , وعندما تنتهي المبادئ والنظريات والأفكار الإنسانية التي تقوم بتسيير هذا الدور إلى الارتقاء إلى آخر حد من حدود طاقتها , يظهر من حضن هذا الدور نفسه بعد أن يترعرع ويتقوّى عدوه طائفة أخرى من الأفكار والميول والنظريات والمبادئ لا تتولد إلا لأن هذا الدور المتداعي يقتضيها بنفسه , ثم يشرع في محاربة الأفكار القديمة .
وتبقى الحرب قائمة بين القديم والجديد إلى مدة من الزمن .
وأخيراً يحصل الامتزاج بينهما بعد الأخذ والرد وتخرج إلى حيز الوجود حضارة عصرية جديدة بامتزاج عناصر قديمة وأخرى جديدة . وهمذا يبدأ دور جديد من أدوار التاريخ

أما كارل ماركس فقد استقى من نظرية هيجل الفلسفية هذه الفكرة العملية الجدلية وفصل عنها تصور الروح أو الفكرة الأمر الذي كان جوهراص لفسفة هيجل , وجعل الأسباب المادية أو المحركات الاقتصادية وحدها هي الأساس لسير التاريخ وتطوره وارتقاءه . وقال إن الأمر الذي له الأهمية الحقيقية في حياة الإنسان إنما هو الاقتصاد وأن النظام الاقتصادي في كل عهد من عهود التاريخ , هو الذي يرسم الصورة الكاملة للمدنية الإنسانية في ذلك العهد . فالقانون الأخلاقي والدين والفلسفة والعلوم والفنون وبالجملة سائر الأفكار والتصورات الإنسانية لا تتشكل إلا بتأثير هذا النظام الاقتصادي .

أما الوجه الذي تظهر عليه العملية الجديلية أثناء التاريخ عند ماركس فهو أن أي طبقة من الناس عندما تضع يدها على إعداد أسباب الحياة وتهيئتها وتوزيعها وتجعل سائر الطبقات الإنسانية محتاجة إليها متسولة أمامها تحت نظام خاص للاقتصاد , يبدأ القلق والاضطراب يرفع رأسه في الطبقات المستضعفة ويجعلها أخيراً تقوم مطالبة بنظام جديد لتوزيع الثروة الاقتصادية وأسباب الحياة وحقوق الملكية يكون أكثر ملاءمة لمصالحها , مما هو – بكلمات أخرى – جواب لدعوى النظام القديم أو عدوه إنما ينشأ ويكبر في حضنه هو , فهناك يبدأ الصراع وينشب النزاع بينهما , والمجموعة الكاملة لقوانين النظام الحاضر ودينه وأخلاقه ونظرياته لا تؤيد في هذا الصراع إلا النظام القائم في هذت تاعهد من ذي قبل . أما الجهة الأخرى , فإن القوى الناشئة الجديدة , التي إنما تقوم بطالبتها في حقيقة الأمر لتغيير النظام الاقتصادي وأسسه تجد نفسها مضطرة إلى أن ترد هذه المجموعات القديمة للتصورات القانونية والدينية والاجتماعية وترتب بدلاً من منها مجموعة أخرى تكون على وفاق مع نظامها الاقتصادي المنشود . فهذا الصراع الطبقي يبقى قائماً على قدم وساق إلى أن يتبجل النظام الاقتصادي آخر الأمر , وإذا حدث هذا , فلا بد للتصورات القانونية والدينية والأخلاقية والفلسفية القديمة أن تخلي مكانها للتصورات الجديدة .

فلسفة هيجل وماركس للتاريخ

كاتب الموضوع الأصلي: رياض الغامدي

خلاصة فلسفة هيجل للتاريخ أن الارتقاء في الحضارة الإنسانية إنما يحصل بظهور الأضداد وتصادمها ثم تمازجها , وإن كل دور من أدوار التاريخ في حد ذاته , وكل وجود جسد حي , وأن مختلف نظريات الإنسان من سياسية واقتصادية ومدنية وخلقية وعلمية وعقلية ودينية تكون على مرتبة خاصة ويكون بينها التناسب والتلاؤم والتساند في هذا الدور , كأنها وجوه مختلفة لهذا الوجود الحي أو الوحدة العصرية تجري فيها روح هذا الدور كله .

وعندما ينتهي دور كبير من ترقية روحه إلى أرفع ما يستطيع من معارج الكمال , وعندما تنتهي المبادئ والنظريات والأفكار الإنسانية التي تقوم بتسيير هذا الدور إلى الارتقاء إلى آخر حد من حدود طاقتها , يظهر من حضن هذا الدور نفسه بعد أن يترعرع ويتقوّى عدوه طائفة أخرى من الأفكار والميول والنظريات والمبادئ لا تتولد إلا لأن هذا الدور المتداعي يقتضيها بنفسه , ثم يشرع في محاربة الأفكار القديمة .
وتبقى الحرب قائمة بين القديم والجديد إلى مدة من الزمن .
وأخيراً يحصل الامتزاج بينهما بعد الأخذ والرد وتخرج إلى حيز الوجود حضارة عصرية جديدة بامتزاج عناصر قديمة وأخرى جديدة . وهمذا يبدأ دور جديد من أدوار التاريخ

أما كارل ماركس فقد استقى من نظرية هيجل الفلسفية هذه الفكرة العملية الجدلية وفصل عنها تصور الروح أو الفكرة الأمر الذي كان جوهراص لفسفة هيجل , وجعل الأسباب المادية أو المحركات الاقتصادية وحدها هي الأساس لسير التاريخ وتطوره وارتقاءه . وقال إن الأمر الذي له الأهمية الحقيقية في حياة الإنسان إنما هو الاقتصاد وأن النظام الاقتصادي في كل عهد من عهود التاريخ , هو الذي يرسم الصورة الكاملة للمدنية الإنسانية في ذلك العهد . فالقانون الأخلاقي والدين والفلسفة والعلوم والفنون وبالجملة سائر الأفكار والتصورات الإنسانية لا تتشكل إلا بتأثير هذا النظام الاقتصادي .

أما الوجه الذي تظهر عليه العملية الجديلية أثناء التاريخ عند ماركس فهو أن أي طبقة من الناس عندما تضع يدها على إعداد أسباب الحياة وتهيئتها وتوزيعها وتجعل سائر الطبقات الإنسانية محتاجة إليها متسولة أمامها تحت نظام خاص للاقتصاد , يبدأ القلق والاضطراب يرفع رأسه في الطبقات المستضعفة ويجعلها أخيراً تقوم مطالبة بنظام جديد لتوزيع الثروة الاقتصادية وأسباب الحياة وحقوق الملكية يكون أكثر ملاءمة لمصالحها , مما هو – بكلمات أخرى – جواب لدعوى النظام القديم أو عدوه إنما ينشأ ويكبر في حضنه هو , فهناك يبدأ الصراع وينشب النزاع بينهما , والمجموعة الكاملة لقوانين النظام الحاضر ودينه وأخلاقه ونظرياته لا تؤيد في هذا الصراع إلا النظام القائم في هذت تاعهد من ذي قبل . أما الجهة الأخرى , فإن القوى الناشئة الجديدة , التي إنما تقوم بطالبتها في حقيقة الأمر لتغيير النظام الاقتصادي وأسسه تجد نفسها مضطرة إلى أن ترد هذه المجموعات القديمة للتصورات القانونية والدينية والاجتماعية وترتب بدلاً من منها مجموعة أخرى تكون على وفاق مع نظامها الاقتصادي المنشود . فهذا الصراع الطبقي يبقى قائماً على قدم وساق إلى أن يتبجل النظام الاقتصادي آخر الأمر , وإذا حدث هذا , فلا بد للتصورات القانونية والدينية والأخلاقية والفلسفية القديمة أن تخلي مكانها للتصورات الجديدة .