أ.د. أحمد محمد وهبان

كوندوليزا رايس

كاتب الموضوع الأصلي: رشيد الخمشي 20

كوندوليزا رايس (بالإنجليزية: Condoleezza Rice‏) من مواليد 14 نوفمبر 1954، وزيرة خارجية الولايات المتحدة الأمريكية السابقة بالفترة من 26 يناير 2005 إلى 20 يناير 2009، وكان قبلها بالمنصب كولن باول الذي قدم استقالته ولم يشارك بحكومة الفترة الرئاسية الثانية للرئيس جورج دبليو بوش، وكانت قبل توليها وزارة الخارجية تعمل كمستشارة للأمن القومي بين عامي 2001 – 2005، وقبله كانت أستاذة للعلوم السياسية في جامعة ستانفورد في ولاية كاليفورنيا.
ولدت في مدينة برمنغهام في ولاية ألاباما، وعانت في فترة طفولتها من العنصرية. أنتقلت أسرتها إلى مدينة دنفر في ولاية كولورادو في عام 1967، وحصلت على شهادة في العلوم السياسية من جامعة دنفر، وبعد ذلك حصلت على الماجستير في العلوم السياسية من جامعة نوتر دايم وحصلت على الدكتوراه من كلية العلاقات الدولية في جامعة دنفر.
بالإضافة إلى اللغةالإنجليزية فإنها تتكلم اللغات الروسية والفرنسية والألمانية والإسبانية. وهي أول امرأة من أصل إفريقي تصبح وزيرة خارجية للولايات المتحدة.

جون كينيدي

كاتب الموضوع الأصلي: رشيد الخمشي 20

جون كينيدي (يسمى أيضًا جون فيتزجيرالد كينيدي أو جون إف. كينيدي) رئيس الولايات المتحدة الخامس والثلاثون. تولى الرئاسة خلفًا للرئيس دوايت أيزنهاور وقد خلفه نائبه ليندون جونسون ولد في 29 مايو، 1917 وتوفي مقتولاً في 22 نوفمبر، 1963 في دلاس، تكساس وقد أُتّهم لي هارفي اوسولد باغتياله.
رئاسته

تولى رئاسة الولايات المتحدة منذ 1961 وحتى اغتياله في 1963، وقبلها كان يمثل ولاية ماساتشوستس من 1947 وحتى 1960 بداية كعضو في مجلس النواب ولاحقًا في مجلس الشيوخ. انتخب لرئاسة أمريكا كمرشح عن الحزب الديمقراطي وعمره في ذلك الوقت 43 عامًا وذلك في انتخابات عام 1960 والتي واجه فيه خصمه الجمهوري ريتشارد نيكسون، وقد ربح في تلك الانتخابات بفارق ضئيل. وهو الرئيس الأمريكي الكاثوليكي الوحيد. وهو أصغر رئيس أمريكي منتخب.
تولى الرئاسة في فترة رهيبة وحرجة من الصراع في الحرب الباردة، وكان صاحب مواقف قوية في مواجهة السوفيت في كافة المجالات سواء العسكرية منها (بشكل غير مباشر) أو السياسية من خلال مجلس الأمن أو الإعلام أو القنوات الدبلوماسية، وهو الأمر الذي جعله أحد أكثر رؤساء أمريكا شعبية وأحد أكثرهم أهمية.
وكان من أهم الأحداث في فترة ولايته عملية اقتحام خليج الخنازير وأزمة الصواريخ الكوبية وبناء جدار برلين والإرهاصات الأولى لحرب فيتنام وحركة الحقوق المدنية الأمريكية وسباق غزو الفضاء حيث أنه صاحب الوعد الشهير بإنزال إنسان على القمر.
الاغتيال

قتل عندما كان في زيارة رسمية لمدينة دلاس وذلك بإطلاق الرصاص عليه وهو مار في الشارع بسيارة مكشوفة برفقة زوجته جاكلين كينيدي كما كان يرافقه في نفس السيارة حاكم ولاية تكساس جون كونالي الذي أصيب في الحادث. أدين لي هارفي اوسولد بارتكاب الجريمة، وقد قتل هو نفسه بعد يومين على يد اليهودي جاك روبي وذلك قبل أنعقاد المحكمة، وقد توفي روبي في فيما بعد عقب إصابته بسرطان الرئة بشكل اعتبره البعض مريبًا وذلك قبل إعادة محاكمته هو الآخر. وقد توصلت لجنة وارن عقب التحقيق إلى أن أوسولد قام بعملية الاغتيال منفردًا، بينما توصلت لجنة أخرى إلى أن هناك احتمال وجود مؤامرة. وقد بقيت عملية الاغتيال مثار جدل عام على الدوام. وما تزال تثار شكوك بأن لوكالة المخابرات الأمريكية سي.آي.إيه (CIA) أو لجهاز استخبارات الاتحاد السوفييتي السابق (كي جي بي) يد في مقتله، وتثار شكوك أيضا أن اغتياله كان بايعاز إسرائيلي خاصة بعد اصراره على تفتيش مفاعل ديمونة الإسرائيلي والتأكد ما إذا كان يحتوى على قنابل ذرية أم لا

البحرين وارهاب المعارضة بين المقشع وبنى جمرة

كاتب الموضوع الأصلي: دعاءمحمد

البحرين وارهاب المعارضة بين المقشع وبني جمرة

—

كانت كل من منطقة المقشع وبني جمرة شاهدتين على تناقضات ما تسمى “المعارضة” وعلى إصرار القوى التخريبية على المضي قدما في تصعيد الأوضاع السياسية والأمنية، وذلك عبر توسيع دائرتها التحريضية ضد مجمل السياسات الرسمية، وعلى مختلف المستويات الجماهيرية والسياسية والإعلامية.
فعلى الصعيد الميداني والتخريبي، واصلت قوى التطرف وفي مقدمتها ائتلاف 14 فبراير والمجموعات التابعة لها تصعيد الوضع الأمني عبر تحدي الإجراءات الأمنية واستهداف رجال الأمن وتوسيع دائرة الاعتداء عليهم، وتنفيذ عمليات نوعية بهذا الخصوص كما حدث في حادث بني جمرة الإرهابي في 29 مايو، والذي أسفر عن إصابة سبعة من أفراد الشرطة. كما واصلت هذه القوى تنظيم النشاطات غير المرخصة مثل: احتفالات التأبين لما يسمى بالشهداء والمسيرات والوقفات التضامنية مع الموقوفين المدعوين رضا الغسرة وهشام الصباغ، وتحت عناوين ولافتات تحريضية، وتم خلالها مهاجمة النظام والأجهزة الأمنية وترديد الهتافات التسقيطية والإشادة بما يسمى بالشهداء والمطالبة بالإفراج عن الموقوفين.
وفيما يؤكد الارتباط الوثيق بين هذه القوى وبين إيران، وكيف أنهم يخططون لتنفيذ الأجندة الإيرانية، استغلت هذه القوى ذكرى رحيل الخميني في تصعيد نشاطاتها الميدانية والتحشيد لهذه النشاطات، حيث أعلن تيار الوفاء عن تحشيده لفعاليات خلال هذا الأسبوع تحت عنوان إمام الصحوة، كما أقيم حفل تأبين للخميني في مسجد مؤمن بمنطقة المنامة في 3 يونيو، تم خلاله الثناء على وعي المجتمع الإيراني لمفهوم الانقياد في وجوب الالتفاف حول المدعو عيسى قاسم لتحقيق النصر، وادعوا أن شخصية عيسى قاسم تشابه شخصية الخميني.
أما على الصعيد السياسي، فقد واصلت جمعية الوفاق تصدر نشاطات الجمعيات المعارضة وخطابها التحريضي من خلال الاستمرار في الاحتجاجات وخلق أجواء شعبية مشحونة للضغط على الدولة.
وقد تمثلت الفعالية الرئيسة لما يسمى الجمعيات السياسية المعارضة بالاعتصام الجماهيري الذي نظمته بتاريخ 31 مايو في ساحة منطقة المقشع تحت عنوان “هذا الشعب ما تنداس كرامته”، وحملت مضامين الكلمات التي ألقاها المشاركون فيه دعوات ومواقف تحريضية، حيث اتهموا النظام بالإمعان في انتهاك الحرمات وارتكاب مختلف أنواع الجرائم مستعينا بالصمت الدولي حيال ذلك، وهاجموا الإجراءات الأمنية التي تم اتخاذها في منطقة بني جمرة على خلفية الحادث التفجيري الذي وقع في 29 مايو ووصفوها بالأساليب الدنيئة وادعوا أنها تشكل انتهاكًا لحرية التنقل والعيش الكريم.
هذا يعني إقرارا وفاقيا بالإرهاب، فهي لم تكتف بالصمت عن هذا الحادث الإرهابي، فضلا عن عدم إدانته، بل إنها أصدرت بيانا هاجمت فيه وبشدة الإجراءات الأمنية في المنطقة، وزعمت أن قوات الأمن حاصرت منطقة بني جمرة، وتمت معاقبة الأهالي عقابا جماعيا، وأن الحصار شمل مداهمات للمنازل وترويعا للمواطنين.
كما عقدت الوفاق ندوة بتاريخ الأول من يونيو بعنوان “تكبيل جيل… طلبة التخرج البعثات الدراسية والتمييز”، تم خلالها الادعاء بوجود تمييز ممنهج وطائفي على الطلبة في البعثات، وأن السلطة تستهدف الطائفة الشيعية، ونظمت الوفاق كذلك وقفة تضامنية في الثالث من يونيو بعنوان “الانتهاكات الوحشية… رضا الغسرة مثالا” أكد المشاركون فيها تضامنهم مع المدعو رضا الغسرة وزعموا بتعرضهم للتعذيب وطالبوا بالكشف عن مكان توقيفه.
يتضح أن الوفاق وأتباعها تنتفض عندما تقوم الدولة بواجبها واتخاذ الإجراءات اللازمة لفرض الأمن وخصوصا في المناطق التي تشهد توترات بفعل تحريضات الوفاق وتحركات القوى التخريبية وعلى رأسها 14 فبراير، بينما تلتزم الصمت عندما تكون الضحية من رجال الأمن وعلى أيدي إرهابيين في اعتراف واضح وتشجيع بيّن على الإرهاب والعنف.

حقيقة ما دار بين النائب العام بدر العارضة ود.طارق الحروي

كاتب الموضوع الأصلي: د.طارق الحروي

حقيقة ما دار بين النائب العام بدر العارضة ود.طارق الحروي
في سجن الشيخ مدير ووكيل إدارة المباحث الجنائية بتعز !!
——————————-
مذكرات سجين سياسي (1)
أعدها: أحمد علي عبدالله
تشير بعض المصادر شبه المطلعة إلى أن النائب العام بتعز بدر العارضة كان في زيارة تفقدية رسمية إلى الشيخ مدير ووكيل نيابة إدارة المباحث الجنائية يوم الثلاثاء الموافق 19-3-2013م الساعة العاشرة صباحا كجزء من سياق عام اعتمدته القيادة السياسية لتهيئة الأجواء اللازمة لدخول مؤتمر الحوار الوطني الشامل ورفع العبء عن كاهلها حتى ولو كان ذلك من الناحية الشكلية، وبحسب ما ورد إلينا فقد كان الموكب مهيبا وهو يعبر بوابة السجن يحيط به ضباط ومسئولي الإدارة ومرافقيه وحراسه حتى أن الكثيرين اعتبروها بشارة خير حيث كان أول مسئول رسمي بهذا المستوى يدخل ويزور نزلاء سجن الشيخ منذ مدة طويلة كما قيل وتناقلته الكثير من الروايات في ذلك اليوم.
وعند وصوله إلى الحيز الذي كان يجلس عنده د. الحروي في العنبر (2) الذي اعتاد في تلك الأوقات من كل يوم أن يقضي لحظات مع كتاب الله برغم كل الضجيج المحيط به في ذلك اليوم على وجه الخصوص انتصب واقفا وهو يحمل كتاب الله بين يديه ليستقبل ضيفه الكريم، ودار بينهما حديث مهم له دلالات وأبعاد عدة نحيطكم به للأهمية وبلادنا منذ فترة تستعد لولوج مرحلة هيكلة المؤسسة الأمنية على أسس وطنية ومهنية !!
وجه النائب العام بدر العارضة سؤاله له بقوله ما قضيتك !! لكن د. الحروي مد إليه يديه مصافحا ضيفه قائلا له دعني في البدء أعرفك بنفسي أنا كبير عتاة المجرمين في الجمهورية اليمنية قاطبة في نظر الفاسدين والمفسدين أخوك دكتور العلوم السياسية وعضو لجنة الخبراء الدولية لشئون الأمن والدفاع طارق الحروي !! عنده ظهرت علامات الدهشة والاستغراب مصحوبة بابتسامة شبه باهتة انطبعت على محياه ! وبعد صمت قصير تدارك الأمر ثم أردف قائلا إذا كان كنت كما قلت فإن بلادنا عادها بخير من باب تلطيف الجو… لا يوجد هنا سجناء سياسيين !! فقاطعة أحد عناصر الشيخ المكلفين باحتواء أية موقف خارج المرسوم والمخطط له كما هو معروف هذا لديه خلافات أسريه مع أبيه…!! فرد عليه د. الحروي مقاطعا وبصوت شديد أصمت فوقتك أنت ومن حولك في الحديث قد ولى واليوم سوف اخذ وقتي كاملا بعد أذن السيد النائب فأنا لم أوكلك بالحديث نيابة عني وكلامي موجه له فقد جاء للاستماع لنا، فصمت الجميع وطأطأ البعض منهم من المتواطئين والمتورطين بهذه المكيدة رؤوسهم إلى الأرض.
واستطرد الحروي قائلا أنا سجين سياسي وضعت هنا بسبب مكيدة شارك بها الكثيرين من أسرتي وأهلي وثلة من عناصر هذه الإدارة ومسئوليها وتقف ورائها أطرافا وجهات سياسية معروفة لدينا وإذا كان لديك متسعا من الوقت لسماعي، فإنني سأكشف لك حقيقة ما جري ويجري فأتح لي المجال للحديث معكم على انفراد….
ثم أردف بعدها مستطردا في حديثه عندما يستغل المسئول الحكومي موارد الدولة وصلاحيات المنصب الذي عين فيه لخدمة هذه الأمة في تنفيذ رغبات ومصالح شخصية له ولغيره فنحن نقف أمام أسوء كارثة تسببها ظاهرة الفساد التي عانت منها ومازالت أمتنا…، بمعنى أخر كان يقصد بذلك أن التهم تكال وتلصق في هذه الإدارة بمن يشاءون لا بل وأحيانا يكفي الشيخ وعناصره أن يتلقى مكالمة هاتفية من أحد المسئولين والمعارف ليعمل له المستحيل مستنزفين موارد الدولة في قضايا كيدية ما انزل الله بها من سلطان.
– ثم استطرد بعدها قائلا بصوت جهوري موجها حديثه إلى النائب العام هذه السجون العفنة لم تبنى لرجال مثلنا ولا بمكانتنا أنا رجل دولة ومحسوب عليها وإن غدا لناظره قريب، سأله النائب العام مقاطعا من هو خصمك يا دكتور !! ردا عليه قائلا بصراحته المعروفة مدير إدارة المباحث ووكيل النيابة ورئيس قسم السرقات…، فقال أتعرف المدير !! رد عليه نعم ذاك الذي يقف إلى يسارك مطأطأ رأسه.
عندها أشهد لله كما سمعناها من د. الحروي شخصيا أنه أخرج هاتفه الخلوي وأجرى اتصالا سريعا بوكيل نيابة غرب تعز قائلا له بالحرف الواحد وبصوت مرتفع سمعه الجميع، سأرسل إليك الآن ملفات الدكتور طارق وأخيه د. عيسى !! وبمجرد وصولها إليك قوم بإطلاق سراحهما فورا بضمانة السكن … ومما تجدر لفت الانتباه إليه إن هذا توجيه رسميا واضحا جاء للتكفير عن هذا الخطأ الجسيم الذي ارتكبته أيادي المسئولين في هذه المشيخة الذي لن يغتفر إلا بنيل جزائها…. وهو بالمثل موجها إلى مسئولي إدارة المباحث ونيابة المباحث…
وتشير هذه المصادر أيضا إلى أنه قبل خروج السيد النائب من العنبر (2) الذي كان مكان احتجاز الدكتور طارق الحروي طلب د. الحروي منه دقيقة من وقته على انفراد فوافق !! فقال له سيدي النائب إذا كنت بزيارتك هذه تقوم بتنفيذ إرادة القيادة السياسية كما تعرف ونعرف وهي تهيأ الأجواء لدخول مؤتمر الحوار الوطني الشامل قدر ما استطاعت إلى ذلك سبيلا فقد كفيت ووفيت بتواجدك معنا اليوم…. ولكن في حال كنت تعتبر إن ما يجري في هذه السجون على مستوى المحافظة هو من صلب مسئولياتك الرسمية المحاسب عليها دنيا وأخره فأعلم أنه بمجرد خروجك من هذا المكان سوف يبقى الوضع كما هو هذا إذا لم يزداد سوء ونزلاء هذه العنابر من أبنائك وإخوانك هم أمانة في عنقك…..! فرد عليه بابتسامة رضا قائلا أطمئن يا دكتور سأعمل على تحريك هذا الأمر من خلال متابعة ما يجري حتى لو اضطررت للعودة مرة أخرى.
ولعل السؤال الذي طرأ بعد ذلك في ذهن الكثيرين بعد ذلك هو هل تم تنفيذ توجيه السيد النائب من قبل وكيل نيابة غرب تعز والعضو المحقق المكلف أم لا !!!
وللإجابة عن ذلك من واقع أوراق القضية المعروضة حاليا في محكمة غرب تعز بالقول لا وألف لا !! فالتوجيه كان يوم الأربعاء الموافق 19-3 ، وتم التحقيق معهما من قبل عضو النيابة المكلف حمزة العاصمي بالتنسيق والتعاون والشراكة مع وكيل نيابة غرب المسئول الأول عن كل ما جرى كان يوم السبت الموافق 23-3 وتم أرسلهم إلى زنزانات السجن المركزي يوم الأحد الموافق 24-3، في حين أن الأمر الإداري بهذا الشأن الصادر من نيابة الغرب كان يقضي بحبسهما في السجن المركزي ستة أيام فقط من 20-3 إلى 26-3 أي قبل التحقيق معهما من قبل النيابة، في مهازل تهز كيان ومصداقية الأجهزة القضائية في عقر دارها !!
على خلفية ما تم تدوينه في محضر النيابة بعد التحقيق معهما أن التحقيق كان يوم الأربعاء الموافق 20-3 وقد أفاد د. الحروي بهذا الشأن أنه عندما طالب العضو المحقق بضرورة حضور المحامي فزع العضو المحقق وكاتبه ولم يكن د. الحروي يدرك عندها ما الذي يدور حوله في الخفاء بحكم منعه أثناء فترة احتجازه من استخدام التلفون ولا الأقلام ولا الحديث مع زواره… أما عن السبب فقد أصبح واضحا لديكم نوجزه بأن حضور المحامي سيكشف التلاعب بالتواريخ وبالتالي بالأوامر الصادرة مسبقا قبل التحقيق….. وسيحول دون بقائهما في سجن الشيخ أو دخولهما السجن المركزي بحسب ما كان مخططا ليس هذا فحسب
لا بل وسوف يلزمهم بتنفيذ توجيهات السيد النائب فورا، إلا أن عضو النيابة المحقق لم ييأس فقد حاول تدارك الأمر بطمأنة د. الحروي قائلا بأنه جاء بناء على توجيهات السيد النائب وعلينا مساعدته في استكمال هذا الإجراء الشكلي، وأكد له أيضا أن المحامي له الحق بالإطلاع على محضر التحقيق وإضافة ما يريد من أقوال وفي أية وقت يريد !! وهذا لم يحصل أبدا حتى 14-4 بسبب تهرب العضو المحقق منه … !! فالتساؤل المثار هنا هل كان الأمر يتطلب إرسالهم إلى السجن في قضية كيدية فشلوا من إثباتها إلى اليوم، في ضوء قصر المدة ووجود عشرات من الحالات المماثلة في عهدة النيابة في سجن الشيخ البعض منها لها أكثر من خمسة أشهر !!!
هنا سوف يتضح لنا السبب الرئيس من ضرورة احتجازهما في السجن المركزي ليس بقصد الإذلال والمهانة.. فحسب لا بل وبقصد تشويه سجلهما الناصع البياض داخل البلاد وخارجها بما يؤثر على مستقبلهما السياسي والمهني، بحيث يصبح لديهما سجلا جنائيا رسميا بصمه وصورة…. ومن يقف وراء هكذا نوايا خبيثة هي أطراف وجهات أصبحت معروفة للكثيرين هذا بغض النظر عن انكشاف الحقيقة فيما بعد!! سيما ثقتهم بعدم تجرأ أية شخص أو جهة على محاسبتهم في كل ما يقومون بارتكابه من انتهاكات وجرائم بحق هذه الأمة !! فالهدف كان معروفا من ضرورة أرسلهما بسرعة البرق إلى السجن المركزي متجاوزين القانون وتوجيهات النائب العام هو وضعهما بالسجن المركزي حتى لو كان ذلك ليوم واحد فقط، وهذا ما اتضحت معالمه بعدها مباشرة في المدة التي اقترحها العضو المحقق 45 يوما على ذمة قضية أتحداهم أن يثبتوا وجودها من الأساس بعد قراءتي وتدقيقي لملف القضية.

خبر عاجل نائب وزير الاعلام اليمني وابنه وزوجته هم وراء اعتق

كاتب الموضوع الأصلي: د.طارق الحروي

خبر عاجل نائب وزير الإعلام اليمني وأبنه وزوجته
هم وراء اعتقال د.طارق الحروي !!
——————————-
متابعات- خاص
رامي عبده
– تشير بعض المصادر شبه المطلعة إلى أن الخبر العاجل الذي فأجنتنا به العديد من مواقع الأخبار عن وجود د.الحروي في السجن المركزي في تعز، قد يكون أمرا عاديا اعتادت عليه مسامع الكثيرين في أيامنا هذه، خاصة عند النظر إليه من زاوية السيناريو القائم على تصفية الحسابات الجاري على قدم وساق التي تقف ورائه أطرافا وجهات سياسية نافذة، في ضوء احتدام عمليات الصراع المصيري بين التيار الوطني المعتدل حامل مشروع الدولة البحرية المدنية الحديثة والتيار التقليدي المحافظ والمتطرف كما يشير لها د. الحروي على الدوام في كتاباته والتي لم تعد تخفى اليوم على أحد.
– ولكن الشئ الأشد غرابة في هذا الأمر الذي لم نستطيع تصديقه إلى حد الآن هو أن يكون نائب وزير الإعلام والناطق الرسمي باسم التحالف الوطني وعضو الأمانة العامة للمؤتمر الشعبي العام عبده الجندي وأبنه أبا ذر عضو حزب الإصلاح وأحد ما يسمى بشباب ساحة الحرية وزوجته نجيبة الأصبحي عضو لجنة الحوار والأمين العام المساعد لما يدعى بالحزب الناصري الديمقراطي، هم الذين يقفون وراء الزج بالدكتور طارق وأخوته في غياهيب سجون إدارة المباحث الجنائية والسجن المركزي في تعز.
– وهذا أمر ليس مرده كما تم الإيحاء لنا مواقفه وتوجهاته السياسية تحت سقف الثوابت الوطنية العليا التي عرف بها منذ أول ظهور له في الساحة الصحفية عام 2009م وبلغت حد الذروة منذ العام 2011م إلى اليوم فحسب، لا بل وبسبب حساسية مفرطة غير طبيعية جراء حسابات شخصية منها ما لها علاقة بالصراع الدائر بين جيل الآباء والأبناء الذي نعيش بعض أدق تفاصيله في وقتنا الحاضر على كافة مستويات الحياة، ومنها ما لها علاقة بأمور شخصية جدا تتعلق بطريقة نظر هؤلاء للدكتور الحروي وأسرته- وفقا- لتلك الضغائن والأوهام والحساسيات التي ظلت لصيقة بهم منذ العام 1980م، على خلفية استمرار الخلافات الحادة في المواقف السياسية (الناصرين) التي فرقت بين عبده الجندي وصهره عبدالله الحروي إلى العام 2012م، وهو ما سوف نأتي على ذكره تباعا في الأيام القادمة.
– ومما يجدر الإشارة إليه أيضا بهذا الشأن كما تشير إليه نفس المصادر أن د. الحروي كان قد وجه رسائل كثيرة متعددة الأبعاد إلى عبده الجندي ضمن سلسلة شملت تسعة مقالات فقط وعده بنشرها أخذت عنوان (عمي الأستاذ عبده الجندي!!) سعى من خلالها إلى مناقشة الكثير من القضايا الوطنية الملحة، نشرتها العديد من المواقع الالكترونية وامتنعت الصحافة الورقية عن نشرها بتوجيهات صارمة منه، كان أبرز هذه المقالات لا بل وأهمها على الإطلاق تلك الرسالة التي نشرتها صحيفة 26 سبتمبر بتاريخ 19-4-2012م ومن قبلها بشهر تقريبا نشرتها عشرات المواقع الالكترونية بعنوان (عمي الأستاذ عبده الجندي ليس مجرد سؤال: لماذا ترتعد فرائصك عند ذكر اسمي)، والسبب الرئيسي بحسب ما ورد إلينا أنها أثارت حفيظة عبده الجندي وأبنه أبا ذر وزوجته نجيبة الأصبحي لدرجة لا يسع الكثيرين تصورها، وهذا أمرا مرده أمور وعدنا د.الحروي بالإشارة إلي بعضا منها لاحقا.
– وخاصة كما تشير هذه المصادر وهذا ما شاهده الكثيرين ولم يعد خافيا على أحد أن الجندي لم يستطيع أن يمسك أعصابه ويكتم البراكين بحسب د. الحروي التي ملئت صدره وأثرت كثيرا على عقله وتفكيره وأفقدته تركيزه وهدوئه إلا أياما معدودة ، بالرغم مما يمتلكه من قدرات في امتصاص كافة الضغوط المحيطة به على خلفية مرض السكر الذي يتعايش معه منذ شبابه وطول البال المعروف عنه، لينفجر بعدها فجاءه في مؤتمره الصحفي المنعقد بتاريخ 25-4-2012م على أثر سؤالا وجه إليه أحد الصحفيين عن سر الهجمة التي تشنها بعض الأقلام المأجورة على مؤسسة الحرس الجمهوري والقوات الخاصة سابقا، فرد عليه قائلا كان الأحرى بصحيفة 26 سبتمبر التي أكتب فيها منذ 32 عاما أن تهتم باستقطاب الأقلام الوطنية للدفاع عن هذه المؤسسة العملاقة بدلا من أن تذهب إلى تبني الأقلام التي تهاجم عبده الجندي في إشارة إلى مقالة د. الحروي المشار إليها آنفا بعد أن عجز لسانه عن النطق حتى باسم كاتب المقالة.
– إلا أنه لم يكتفي بذلك كما تشير إليه وقائع الجلسة ولا بل واستطرد بخبث عرف به قائلا بصوت أجهش بعد أن تغيرت نبراته وامتقع لون وجه ” أن كاتب هذه المقالة (الذي يدعي بأني عمه) (لا أعرف اسمه ولا نسبه ولا أصله) في تطاول واضح له أبعاده كثيرة لا تخفى على أحد على مقام د.الحروي اتضحت في تصفيات الجولة الأخيرة في ضوء الدور الرئيسي الذي لعبه مع زوجته وأولاده بقوة المال وسطوة نفوذه كمسئول في الدولة والحزب في الزج بالدكتور طارق وأخوته في سجن إدارة المباحث الجنائية والسجن المركزي بتعز.
– مختتما هذا الأمر ضاحكا باستهزاء ورعونة عرفها بها الجميع قائلا أتعرفون ماذا يريد مني (كاتب المقالة) كي تدركوا سر هجومه علينا ؟ يريد مني أن أعينه وزيرا في الدولة وأنا لي 32 عاما أعمل مع الدولة ومازالت بدرجة وكيل وزارة واليوم مازلت نائبا وزيرا الإعلام بدون صلاحيات …الخ، في إشارة لها معاني ودلالات كثيرة حول حقيقة مواقفه من الجيل الذي ينتمي إليه د.الحروي ويستعد لتسلم مقاليد إدارة البلاد من جيل الآباء بعيدا عن الكلمات الدبلوماسية التي يتخندق حولها الكثيرين من أبناء جيله.

الثورة السورية(الحرب الاهلية السورية)

كاتب الموضوع الأصلي: سعيدالغامدي20

الأزمة السورية أو الثورة السورية أو الحرب الأهلية السورية هي أحداث بدأت شرارتها في مدينة درعا حيث قام الأمن باعتقال خمسة عشر طفلا إثر كتابتهم شعارات تنادي بالحرية على جدار مدرستهم بتاريخ 26 فبراير 2011 وفي خضم ذلك كانت هناك دعوة للتظاهر على الفيسبوك في صفحة لم يكن أحد يعرف من يقف وراءها استجاب لها مجموعة من الناشطين يوم الثلاثاء 15 مارس عام 2011 وهذه المظاهرة ضمت شخصيات من مناطق مختلفة مثل حمص ودرعا ودمشق وكانت هذه الاحتجاجات ضد الاستبداد والقمع والفساد وكبت الحريات وعلى إثر اعتقال أطفال درعا والإهانة التي تعرض لها أهاليهم بحسب المعارضة السورية، بينما يرى مؤيدو النظام أنها مؤامرة لتدمير الممانعة العربية ونشر الفوضى في سوريا لمصلحة إسرائيل بالدرجة الأولى، وقد قام بعض الناشطين من المعارضة بدعوات على الفيس بوك وذلك في تحد غير مسبوق لحكم بشار الأسد متأثرين بموجة الاحتجاجات العارمة (المعروفة باسم الربيع العربي)، والتي اندلعت في الوطن العربي أواخر عام 2010 وعام 2011، وخصوصاً الثورة التونسية وثورة 25 يناير المصرية. وكانت الاحتجاجات قد انطلقت ضد الرئيس بشار الأسد وعائلته التي تحكم البلاد منذ عام 1970 تحت غطاء حزب البعث السوري تحت سلطة قانون الطوارئ منذ عام 1963. قاد هذه الاحتجاجات الشبان السوريون الذين طالبوا بإجراء إصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية ورفعوا شعار: «الله، سوريا، حرية وبس»، لكن قوات الأمن والمخابرات السورية وميليشيات موالية للنظام (عُرفت بالشبيحة) واجهتهم بالرصاص الحي فتحوّل الشعار إلى «الشعب يريد إسقاط النظام». في حين أعلنت الحكومة السورية أن هذه الحوادث من تنفيذ متشددين وإرهابيين من شأنهم زعزعة الأمن القومي وإقامة إمارة إسلامية في بعض أجزاء البلاد.[6][7] كانت الانطلاقة الحقيقية للثورة السورية في 18 مارس تحت شعار «جمعة الكرامة» خرجت المظاهرات في مدن درعا ودمشق وحمص وبانياس وقابلها الأمن بوحشية خصوصاً في درعا، فسقط أربعة قتلى على يد الأمن السوري في تلك المدينة، وتحوَّلت المظاهرات لباقي الأسبوع إلى أحداث دامية في محيط المسجد العمري ومناطق أخرى من المدينة، قالت منظمات حقوقية إنها أدت إلى مقتل 100 محتج بنهاية الأسبوع. في 25 مارس انتشرت المظاهرات للمرَّة الأولى لتعمَّ العشرات من مدن سوريا تحت شعار «جمعة العزة» لتشمل جبلة وحماة واللاذقية ومناطق عدة في دمشق وريفها كالحميدية والمرجة والمزة والقابون والكسوة وداريا والتل ودوما والزبداني، واستمرَّت بعدها بالتوسع والتمدد شيئاً فشيئاً أسبوعاً بعد أسبوع.

في 31 مارس ألقى بشار الأسد خطاباً في أول ظهور علنيٍ له منذ بدء حركة الاحتجاجات، لكن المظاهرات استمرَّت بالخروج مع ذلك. وتحت الضغط المتزايد أعلن بشار في 7 أبريل عن منح الجنسية لآلاف من المواطنين الأكراد في سوريا بعد حرمانهم منها لعقود، وفي 14 أبريل شُكلت حكومة جديدة للبلاد عوضاً عن القديمة التي استقالت في الشهر السابق. ثم أعلن بشار الأسد أخيراً في 21 أبريل عن رفع حالة الطوارئ في البلاد بعد 48 عاماً متصلة من فرضها.

في 25 أبريل أطلق الجيش السوري عمليَّات عسكريات واسعة في درعا ودوما هي الأولى من نوعها، وأدت إلى مقتل عشرات الأشخاص تقول المنظمات الحقوقية أن معظمهم من المدنيين جراء حصار وقصف المدينتين والقرى المحيطة بهما. وبعدها بأسبوع فقط بدأ الجيش عمليات أخرى في بانياس، ثمَّ بعدها بأيام في حمص، متسبباً بمقتل المزيد من المدنيين. في 14 مايو بدأ الجيش حملة مشابهة على تلكلخ أدانتها منظمات حقوقية عديدة، واتهمته منظمة العفو الدولية بعد الحملة بشهور بارتكاب ما قد يرقى إلى جرائم ضد الإنسانية في حق أهالي تلكلخ خلال عملياته. وفي 28 مايو بدأت حملة أخرى في مدينتي الرستن وتلبيسة أوقعت حوالي 100 قتيل. في 3 يونيو اعتصم عشرات آلاف المتظاهرين في ساحة العاصي بمدينة حماة وسط سوريا، ففتحت عليهم قوات الأمن النار مخلفة أكثر من 70 قتيلاً، وهوَ ما بات يُعرف بـ«مجزرة جمعة أطفال الحرية» (نسبة إلى شعار تلك الجمعة)، وتلا المجزرة بعد شهر حصار المدينة وإطلاق عمليات أمنية واسعة فيها. وشهدت محافظة إدلب وخصوصاً مدينة جسر الشغور ومنطقة جبل الزاوية عمليات أخرى ابتداءً من 4 يونيو.

في يوم الأحد 31 يوليو (ليلة الأول من رمضان) أطلق الجيش السوري عمليات في مدن عديدة في أنحاء سوريا أبرزها حماة ودير الزور والبوكمال والحراك، ويُعد ذلك اليوم أكثر أيام الاحتجاجات دمويَّة حتى الآن، إذ راحَ ضحيته أكثر من 150 قتيلاً في تلك المدن، أكثر من مئة منهم في حماة وحدها، وتلا العمليات حصار لمدينتي حماة ودير الزور استمرَّ لأسابيع. في 15 أغسطس بدأ الجيش والأمن عمليات عسكرية في مدينة اللاذقية أدت على مدى أربعة أيام إلى مقتل أكثر من 50 شخصاً. في 18 أغسطس حدث تصعيد غير مسبوق في مواقف الدول الغربية من الاحتجاجات، فبعد خمسة شهور من الاكتفاء بإدانة القمع والدعوة إلى الإصلاحات أعلنت فرنسا وبريطانيا وألمانيا والاتحاد الأوروبي وكندا والولايات المتحدة الأمريكية في وقت واحد أن على الرئيس السوري بشار الأسد التنحي على الفور بعد أن «فقد شرعيته بالكامل». في أوائل شهر يونيو وبعد تفاقم حالات الانشقاق في الجيش السوري على مدى ثلاثة شهور أعلنَ عن تشكيل أول تنظيم عسكريٍّ يُوحد هؤلاء العسكريين، وهو «لواء الضباط الأحرار» تحت قيادة حسين هرموش، وتلاه بشهرين الإعلان عن تشكيل الجيش السوري الحر بقيادة رياض الأسعد، وأعلن هذان التنظيمان عن عشرات العمليات لهما لشهور بعد ذلك قبل أن يَتحد لواء الضباط الأحرار مع الجيش الحر في أواسط شهر سبتمبر، لكن مع ذلك فلم يخض الجيش أي معركة حقيقية حتى أواخر ذلك الشهر عند اندلاع معركة الرستن وتلبيسة وبدء اشتباكات عنيفة بينه وبين الجيش السوري النظامي أسفرت عن مقتل العشرات من كلا الطرفين.

خليفة بن سلمان والمخطط الايرانى الامريكى

كاتب الموضوع الأصلي: دعاءمحمد

خليفة بن سلمان والمخطط الايرانى- الامريكى
—
فى لحظات محددة وتوقتيات معروفة لدى النخبة الحاكمة فى بعض البلدان تدرك بما تتمتع به من رؤية ثاقبة وحنكة ومهارة وفطنة، ان ثمة محاولات جادة يخطوها العدو من اجل الانقضاض على ضحيتها وفريستها او على الادق ما يعتقد هو كذلك، فى حين يظل العامة او الرأى العام مهمشا او بعيدا عن هذه الافكار او بالاحرى التهديدات التى تمس امنه واستقراره ومستقبله، وهو ما يجعل من المهمة التى تتحملها النخبة الحاكمة مهمة صعبة وتزداد هذه الصعوبة اذا كان من بين العامة او المجتمع من يتوافق فكريا او ايديولوجيا مع هذا العدو الخارجى، وهو ما يتضح بجلاء اذا نظرنا تحديدا الى الحالة البحرينية، فالكل مجمع على ان البحرين هى بوابة الخليج العربى فى مواجهة المطامع الفارسية الصفوية واذا ما ضاعت المملكة ضاع الخليج برمته، ويعنى ذلك ان الخطر الفارسى على امن الخليج يبدأ من البحرين، وان عدم ادراك هذا الخطر والتهديد به لا يعنى انتفاءه او عدم وجوده. ولكن يعنى ان الرأى العام مغيب عن الواقع السياسى الراهن بتحدياته ومشكلاته، فى حين تدرك النخبة الحاكمة هذا الخطر وتتحسب لتداعياته على امن الوطن وامان مواطنيه وترى ان تقاعسها عن هذه المسئولية لا تعنى سوى الخيانة للوطن.
وبناء على ذلك، يمكن القول أن ما نشهده اليوم من ممارسات غير قانونية وتهديدات امنية واستخباراتية تمارسها طهران بحق البحرين فى ظل صمت معلن وتواطؤ خفى من الجانب الامريكى الذى يرى فى النهج الايرانى فى ابتلاع البحرين من امبراطوريتها المزعومة كما حدث فى العراق ويجرى اليوم فى سوريا ومن قبل حدث فى لبنان أمر يتفق والمصالح الامريكى فى المنطقة. وهو ما يستوجب ان يقف فى وجه هذا المخطط الثنائى التركيب الايرانى الامريكى رجال يدركون معنى الوطنية ويتحملون معنى المسئولية بعيدا عن المزايدات او المراهنات او ادعاءات البطولة، وهو ما يجد تجسيده الفعلى فى شخص الامير خليفة بن سلمان آل خليفة صاحب الفضل الاول فى بناء الوطن والارتقاء باحواله والنهوض باوضاعه رغم ندرة الموارد وضعف الامكانات ومحاربة الخارج وخيانة بعض فئات الداخل، ليدرك الجميع انه لولا خليفة بن سلمان فى هذا الموقع السياسى لكانت البحرين كما يحلم الفارسيون احدى محافظات دولة فارس الارهابية.
ليس صحيحا ما يدعيه البعض فى هذا الخصوص بأن فكرة المؤامرة التى تتبناها بعض الدول العربية فكرة خاطئة على اساس انها تقدم مبررا جاهزا للتواكل والاتكالية على الخارج، لانه اذا كان صحيحا ان المؤامرة تمنح الانسان فى بعض الاحوال تبريرا غير منطقى لما يرتكبه من اخطاء الا ان الحقيقة تؤكد على انه لا يخلو التاريخ من المؤامرات، فهل يمكن ان نخفى ان ثمة مؤامرة ايرانية امريكية ضد خليفة بن سلمان فى محاولة لابعاد القيادات التاريخية والزعماء الحقيقون من اوطانهم حتى يتمكن من الاستفراد بشئون هذا الوطن تحت مسميات حقوق الانسان تارة وحماية الاقليات تارة اخرى واخيرا تحت مسمى الربيع العربى، تلك اذن خطاب اعلامى مثالي لا يجد له تطبيقا على ارض الواقع، بل كل ما فى الامر خداع للمشاعر وخطابا للقلوب يجمع الشعب او الراى العام حول افكار مثالية ورؤى طوباوية حتى يتمكن من السيطرة عليهم واخضاعهم لارادته وسياساته، أليس الوفاق البحرينية هى النسخة البحرينية من حزب الله اللبنانى الاداة الايرانية فى المنطقة.
خلاصة القول، يظل الامير خليفة بن سلمان آل خليفة عنوان الوطنية والشرف والصدق والقوة فى مواجهة مخططات الخارج وتواطؤ الداخل، بما يتطلب من الشعب البحرينى بل والشعوب العربية قاطبة ان تدرك الدور الوطنى والقومى الذى يلعبه خليفة بن سلمان دفاعا عن عروبة البحرين واسلاميتها وليس دفعا عن حكم زائل او منصب فان، فمتى يدرك الشعب هذه الحقيقة؟

تجربة الانتقال الديمقراطي في الجزائر تراوح مكانها

كاتب الموضوع الأصلي: راكان الركف20

دخلت الجزائر مرحلة الإصلاحات الديمقراطية في وقت مبكر، منذ منتصف الثمانينات، في عهد الرئيس الشاذلي بن جديد، أي قبل عشرين سنة من مجيء “الربيع العربي”. ورغم البداية المبكرة لمحاولة التغيير، ورغم أن مبادرة الإصلاح جاءت من السلطة، إلا أن تلك المحاولة لم تفض إلى تغيير حقيقي، بل دخلت البلاد على إثرها في حرب أهلية خلفت حوالي 200 ألف ضحية في تسعينات القرن الماضي. وقد اجتمعت عوامل مختلفة، منها السياسية والاقتصادية والأمنية، ومنها عوامل داخلية وأخرى خارجية، لإجهاض عملية التغيير.

وفي بداية الأمر، لم تكن الإصلاحات في الجزائر تحمل معناها العصري، أي أنها لم تكن تهدف إلى بناء نظام جديد يتميز بالتعددية السياسية والحزبية، والفصل بين السلطات، وحرية التعبير والصحافة، وحرية الرأي والعقيدة، واحترام حقوق الإنسان، مع التداول على السلطة. وكانت الإصلاحات تقتصر على محاولات لتكييف نظام الحزب الواحد مع التغييرات الكبرى التي كان يعيشها المجتمع الجزائري. وكانت الجزائر قد تغيرت بصفة جذرية لكن المؤسسات وطريقة تسيير البلاد لم تتغير.

فقد كان 80% من الأطفال الجزائريين لا يعرفون المدرسة قبل الاستقلال، وتحول هذا الرقم إلى 90% من الأطفال وثمانين بالمائة من الإناث يتابعون الدراسة على الأقل في الطور الأول. وكانت الجزائر بلادا زراعية غير متطورة، يعيش 80% من سكانها في الأرياف، فأصبحت بلدا يعيش نصف سكانه في الأرياف والنصف الآخر في المدن. وقد تضاعف عدد سكان المدن سبع مرات في ربع قرن.

وكانت سلطة الحزب الواحد مطلقة، لا يمكن الطعن فيها بعد الاستقلال. لكن مع مر السنين وتحسن مستوى المعيشة وظهور أجيال جديدة ونخبة مثقفة لا تكتفي بالشرعية الثورية، ظهرت مطالب جديدة تتناقض مع الخطاب الرسمي السائد في ذلك الوقت.

وابتداء من الثمانينات ورحيل الرئيس هواري بومدين، برز مسؤولون جدد وضباط ووزراء لم يشاركوا في حرب التحرير، ولا يملكون “الشرعية الثورية”، رغم انتمائهم إلى الحزب الواحد، وهو حزب جبهة التحرير الوطني. وأصبحت هذه الشرعية غير كافية لتبرر بقاء البعض في السلطة وإقصاء البعض الآخر. وأصبح الخطاب الرسمي يتبنى هذا الوضع حيث قال الرئيس الشاذلي بن جديد عدة مرات إنه يجب الخروج من الشرعية الثورية إلى الشرعية الدستورية.

ووقع إجماع على ضرورة الخروج من ذلك العهد لدخول مرحلة تاريخية جديدة، لكن من يقود التغيير؟ ومن سيكون المستفيد منه؟ وأي طرف سيفرض قواعد اللعبة الجديدة؟ هل هو المجتمع الذي كان في غليان مستمر؟ أم التيار الإسلامي الذي كان في أقصى قوته؟ أم التيارات الديمقراطية العصرية التي كانت تعترف بأن النظام الغربي هو الذي استطاع أن يضمن الرفاهية المادية والحريات والتقدم العلمي والتقني؟ وفي نفس الوقت، كانت السلطة في ذلك الوقت تريد قيادة عملية الإصلاح حتى تحافظ على التوازنات الكبرى للبلاد. لكن الخلافات كانت حادة ولم تتمكن الجزائر من أن تقود عملية التغيير مثلما كانت تريد لأسباب عديدة.

سلطة دون مصداقية

تراجعت شرعية السلطة القائمة في الجزائر بصفة تدريجية بعد الاستقلال، إلى أن أصبح الشارع يطعن فيها علنا. ورغم الشعارات الموروثة عن الثورة التحريرية، إلا أن الأجيال الجديدة أصبحت لا تعترف بالخطاب السائد. وحاول الشاذلي بن جديد مواجهة هذا الوضع حيث قال إنه تولى السلطة تطبيقا لأحكام الدستور لا بناء على السلطة الشرعية، لكن ذلك لم يكن كافيا لتجنب تذبذب شرعية السلطة ومصداقيتها.

إضافة إلى ذلك، كان زعماء الثورة الذين مازالوا على قيد الحياة في المعارضة باستثناء رابح بيطاط الذي كام يرأس البرلمان. أما أحمد بن بلة ومحمد بوضياف وحسين آيت أحمد، فقد كانوا في المعارضة بالخارج، ويصعب لأي حاكم أن يدعي أنه وريث الثورة الجزائرية مع وجود هؤلاء.

ولما كانت السلطة القائمة قد ضيعت مصداقيتها، فإن خطابها حول الإصلاحات لم يقنع الشارع الجزائري، الذي اعتبر أن الإصلاح لا يشكل إلا محاولة جديدة لتزيين واجهة النظام. وكانت الحكومات المتتالية تعاني من هذه الظاهرة إلى بداية التسعينات. ورغم أن حكومة مولود حمروش مثلا انهزمت في الانتخابات المحلية في يونيو/حزيران 1990 واحترمت نتائج الانتخابات، إلا أن الشارع لم يصدق هذا القرار واعتبر أن الحكومة مازالت تراوغ من أجل البقاء في السلطة. ولم تتمكن الحكومة أن تجند الشارع ليتبنى الإصلاحات، فأصبحت عملية التغيير قضية لا يدافع عنها إلا الحكومة وفئات قليلة كانت تظهر وكأنها موالية للسلطة. ولعل هذه الظاهرة هي أهم ما ميز تجربة الإصلاح الديمقراطي في الجزائر.

ضعف الحزب الحاكم

وكانت جبهة التحرير الوطني هي الحزب الحاكم، لكنها كانت منقسمة إلى تيارات عديدة متناقضة، منها تيار تقليدي محافظ متسلط، ومنها تيار يميل إلى الإسلاميين، ومنها تيار عصري يحاول دفع البلاد إلى بناء نظام عصري متفتح. وبعد أحداث أكتوبر 1988، قرر الرئيس الشاذلي بن جديد إقصاء زعيم الحزب آنذاك محمد شريف مساعدية، الذي يمثل التيار التقليدي في الحزب، وتعيين السيد عبد الحميد مهري مكانه، وهو رجل كان يحتفظ بصورة مقبولة ويتميز بتفتحه السياسي.

ورغم أن السيد مهري استطاع أن يجر قيادة الحزب إلى مواقف ديمقراطية متطورة، إلا أن السلوك العام في هياكل جبهة التحرير وداخل الجهاز الحزبي لم يتغير كثيرا، مما سهل عملية الإطاحة بالسيد عبد الحميد مهري سنة 1996. وعجزت جبهة التحرير أن تغير خطابها وطريقة عملها وسلوك قادتها، وكان لذلك أثر كبير، حيث إن عملية الإصلاح لم تجد تنظيما سياسيا قويا يتبناها ويدافع عنها ويعطيها ركيزة فكرية وسياسية.

وفي نفس الوقت، ورغم أن الكل كان يطالب شكليا بالتغيير، إلا أنه لم يبرز في البلاد حزب سياسي كبير قادر على تجنيد الجزائريين من أجل التغيير وتنظيمهم لهذا الهدف، بينما ظهرت أحزاب عديدة تتبنى خطابا سلبيا يكتفي بانتقاد السلطة القائمة، لكنه لا يقدم بديلا ولا طريقة لتغيير النظام القائم واستبداله بنظام آخر يضمن الديمقراطية والحريات والاستقرار.

التيار الإسلامي يكتسح الساحة

وبينما كان الحزب الذي من المفروض أن يقود الإصلاحات ضعيفا، كان التيار الإسلامي في أقوى حالاته. ومباشرة بعد المصادقة على دستور 23 فبراير 1989 الذي فتح المجال أمام التعددية الحزبية، تمكن زعماء التيار الإسلامي من أن يفرضوا حضورهم على الساحة السياسية. وقد برزت قيادة تتكون من الثنائي عباسي مدني وعلي بلحاج داخل هذا التيار، وأُنشئت الجبهة الإسلامية للإنقاذ، التي تبنت خطابا استطاعت بفضله أن تتفوق على كل خطاب سياسي مغاير. واكتفى هذا التيار بخطاب بسيط يؤكد أن الإسلام هو الحل لكل مشاكل البلاد، وأن كل من يعارض الجبهة الإسلامية للإنقاذ إنما يعارض الإسلام، وأنه لا مجال للدخول في تفاصيل العمل السياسي وطرح البرامج لأن عودة الجزائر إلى الشريعة الإسلامية ستؤدي بصفة طبيعية إلى القضاء على كل الصعاب.

واستطاعت الجبهة الإسلامية للإنقاذ أن تحصل على شعبية كبيرة جدا، وغطت كل التيارات الأخرى سواء كانت إسلامية أو غير إسلامية، بما فيها تيار الإخوان المسلمين. واستطاعت الجبهة الإسلامية للإنقاذ أن تفوز بالانتخابات المحلية في 10 يونيو/حزيران 1990، بعد سنة واحدة من تكوينها، مما زاد في قناعة قادة الحزب أنهم على الطريق الصحيح وزاد طموحهم حيث اعتبروا أن السلطة أصبحت في متناولهم ويكفيهم أن يواصلوا على نفس الطريقة بضعة أشهر ليحققوا أهدافهم.

وكان الرهان السياسي آنذاك يتمثل في تقسيم الناخبين بين ثلاثة تيارات كبرى، وكان منتظرا أن تحتل الجبهة الإسلامية للإنقاذ المرتبة الأولى أمام جبهة التحرير الوطني والتيار الديمقراطي بمختلف مكوناته، على أن يعود ثلث الناخبين لكل مجموعة من هذه المجموعات الثلاث. لكن الانتخابات المحلية في يونيو/حزيران 1990 أشارت إلى تقهقر التيار الديمقراطي الذي كان منقسما، وتراجع جبهة التحرير. ورغم تحسنه بين يونيو/حزيران 1990 وديسمبر/كانون الأول 1991، إلا أن طريقة الاقتراع وتصرف التيارات الصغيرة التي ركزت كل انتقاداتها على جبهة التحرير الوطني، كل هذه العوامل اجتمعت وأدت إلى انتصار واضح للجبهة الإسلامية للإنقاذ في الانتخابات التشريعية التي جرت في ديسمبر/كانون الأول 1991.

انقسام السلطة الجزائرية

وكانت السلطة الجزائرية منقسمة حول قضية الإصلاح وما سيترتب عنه. ويظهر هذا الانقسام بطرق مختلفة في كل فترة. وقد تميزت الفترة الأولى (1985-1988) ببروز تيار للإصلاح يساند الرئيس الشاذلي بن جديد، وكان يحضر للعملية في إطار مجموعات عمل برئاسة الجمهورية خارج إطار الحزب. أما حزب جبهة التحرير الوطني والأجهزة الأمنية التي تحيط به، فكانت معادية للإصلاح.

وبعد أكتوبر/تشرين الأول 1988، وتعيين السيد عبد الحميد مهري على رأس جبهة التحرير الوطني أصبحت الحكومة والحزب يعملان بطريقة متكاملة، وهي الفترة التي عرفت فيها البلاد أهم التحولات، مع المصادقة على دستور يكرس التعددية ثم قوانين للأحزاب والإعلام والجمعيات وغيرها.

وابتداء من صيف 1991، جاءت حكومة سيد أحمد غزالي التي تخلت عن مشروع الإصلاح في فترة حرجة، حيث كان وزن الجبهة الإسلامية للإنقاذ قد بدأ يتراجع، وأصبح المواطنون يتظاهرون ضد طريقة تسيير “البلديات الإسلامية”. كما ظهرت الانقسامات في صفوف الجبهة الإسلامية للإنقاذ بعد أن قرر بعض القادة التاريخيين أن ينددوا بتصرف عباسي مدني، ومن هؤلاء القادة أحمد مراني وهاشمي سحنوني وغيره من الوجوه المعروفة في صفوف الإسلاميين.

غموض حول دور الأحزاب الصغيرة

رغم ذلك، بقيت تيارات في صفوف السلطة تتابع الوضع بحذر كبير وتغذي الفتنة، إما لأنها تريد الحفاظ على الوضع القائم، أو لأنها كانت لا تثق في التيار الإسلامي وتعتبر أنه سيفرض نظاما دكتاتوريا إذا وصل إلى الحكم عن طريق الاقتراع. ووقع ما سماه وزير الاقتصاد الأسبق غازي حيدوسي بـ”تحالف الأضداد” أو “تحالف غير طبيعي” بين قوى في الجيش والإدارة وبعض التنظيمات والأحزاب من جهة، وبين الجبهة الإسلامية للإنقاذ من جهة أخرى، وهو التحالف الذي وضع حدا للإصلاحات باعتبار أن تلك الأطراف كانت تخشى دخول الجزائر إلى الديمقراطية لأن ذلك يقصي الحكم الإسلامي والحكم العسكري في الوقت نفسه.

وبينما كانت كل الأنظار موجهة نحو الصراع الكبير بين جبهة التحرير الوطني والجبهة الإسلامية للإنقاذ، جاءت الأحزاب الصغيرة لتلعب دورا أكبر من حجمها بكثير. وكانت تلك الأحزاب تعيش بالقرب من السلطة، وتردد أحد الخطابين: خطاب يؤكد أن الإسلاميين سيقضون على الديمقراطية إذا وصلوا إلى السلطة، وخطاب يؤكد أن السلطة لا تؤمن بالإصلاح وإنما تحاول ربح الوقت ليبقى النظام على حاله.

وكان الخطاب الأول يهدف إلى تحضير لتدخل الجيش وقوات الأمن لوضع حد للتجربة الديمقراطية، بينما يتوجه الخطاب الثاني إلى الإسلاميين ليدفعهم إلى المواجهة. وتمكنت الأحزاب الصغيرة من مواصلة هذا الخط لمدة طويلة، ما جعل الجزائريين مستعدين للمواجهة الكبرى التي روجت لها هذه الأحزاب سنوات طويلة.

الجيش يساند الإصلاح، ثم يتراجع

أما الجيش الذي يحتل مركزا أساسيا في تركيبة السلطة الجزائرية، فإنه كان يمر بمراحل مختلفة، بدأت بمساندة عملية الإصلاح، قبل أن يتغير الموقف تدريجيا عندما اتسع نفوذ التيار الإسلامي، ليؤدي في نهاية المطاف إلى المواجهة المباشرة التي تواصلت من سنة 1992 إلى 1998.

وكان الجيش قد رحب في بداية الأمر بعملية الإصلاح، لأنها أعطته فرصة لتجاوز أزمة أكتوبر/تشرين الأول 1988، فخلال المظاهرات الدامية التي وقعت في هذا التوقيت، وجد الجيش الجزائري نفسه، ولأول مرة منذ الاستقلال، في مواجهة مع الشارع الجزائري، وهي العملية التي لم يكن مؤهلا لها لا عسكريا ولا سياسيا. وأحدثت المواجهة شرخا كبيرا في صفوف الجيش، سواء على مستوى القيادة التي يأتي جزء كبير منها من صفوف الجيش الذي قاد حرب التحرير، أو على مستوى الجنود الذين ينتمون إلى الفئات الشعبية في أغلبيتهم الساحقة.

وبعد الموافقة على دستور 23 فبراير 1989 الذي يقر التعددية السياسية، بدأت عملية تغيير الجيش نفسه، وبدأ التفكير في إعادة تنظيمه ليتماشى مع الواقع السياسي الجديد ومع الدستور. وفي هذا السياق، استقال أعضاء قيادة الجيش من جبهة التحرير الوطني، مع العلم أن قيادة الجيش كانت كلها تنتمي في السابق إلى اللجنة المركزية لجبهة التحرير الوطني في عهد الحزب الواحد.

وبعد ذلك بسنة، عين الرئيس الشاذلي بن جديد منتصف 1990 وزيرا للدفاع، لأول مرة منذ سنة 1965، حيث كان في الماضي رئيس الجمهورية يشغل هذا المنصب، واختار الشاذلي بن جديد لهذا المنصب الجنرال خالد نزار.

وفي الوقت نفسه، كان الجيش يتابع الوضع السياسي بتخوف كبير، بسبب الخطاب الراديكالي الذي كانت تتبناه الجبهة الإسلامية للإنقاذ. وكان الجيش يخشى انهيار الدولة الوطنية بمعناها التقليدي، بسبب الخطاب السائد عند الإسلاميين حول إقامة “دولة إسلامية” جديدة. إضافة إلى ذلك، كانت جبهة الإنقاذ تقول تارة أنها ستحترم الدستور والقوانين إذا وصلت إلى السلطة، وتقول تارة أنها سقيم دولة إسلامية وتلغي كل القوانين التي لا تتماشى مع هذا المشروع.

وبدأ التفكير في صفوف الجيش في كيفية منع الإسلاميين من الوصول إلى السلطة بطرق قانونية أو غير قانونية. وكتب الجنرال محمد تواتي، وهو أحد المقربين من الجنرال نزار ومن جهاز المخابرات، كتب بداية 1991 مقالة مشهورة يؤكد فيها أن الجيش لن يبقى مكتوف الأيدي إذا أدى الوضع السياسي إلى تهديد مؤسسات الدولة.

ولم تكن الجبهة الإسلامية للإنقاذ تولي الاهتمام الضروري لهذا الخطاب، بل كانت تعتبر أنها قادرة على السيطرة على الدولة بفضل تجنيد الشارع. وشنت جبهة الإنقاذ إضرابا عاما في يونيو/حزيران 1991، بعد أن نشر أحد زعمائها، السيد سعيد مخلوفي، وهو ضابط سابق في الجيش وصحافي، كتابا يشرح فيه طريقة الاستيلاء على السلطة بفضل الإضراب العام ثم الانتفاضة الشعبية. وبعد هذا الإضراب سقطت حكومة الإصلاحات التي كانت تحتل الساحة السياسية، ولم يبق في الساحة إلا طرفان، الجيش والجبهة الإسلامية للإنقاذ. وأكد الجيش أنه لن يقبل بتجاوز بعض الحدود، فقرر إلقاء القبض على قادة جبهة الإنقاذ عباسي مدني وعلي بلحاج، وحكم عليهما في يونيو/حزيران 1992 بالسجن عشر سنوات.

ولكن قبل المحاكمة، فازت الجبهة الإسلامية للإنقاذ في ديسمبر/كانون الأول 1991 بالانتخابات التشريعية. غير أن هذه المغامرة الانتخابية كانت آخر ظهور شرعي لجبهة الإنقاذ، فبعد نحو شهرين قررت وزارة الداخلية حل الجبهة. ومن خلال هذه المسيرة، يتضح أن الجيش كان مستعدا في بداية الأمر للتعامل مع سلطة جديدة تحترم قواعد اللعبة، لكن المواقف الراديكالية لجبهة الإنقاذ جاءت كذريعة استعملتها السلطة للقضاء على الإسلاميين وعلى التجربة الديمقراطية في الوقت نفسه.

الأزمة الاقتصادية تعقد عملية التغيير

في ذلك الجو المشحون كانت الجزائر تعيش مرحلة اقتصادية صعبة، ساهمت بدورها في فشل التحول الديمقراطي. وقد شرعت الجزائر في تطبيق الإصلاحات الاقتصادية ابتداء من يوليو/تموز 1987، لما صادقت الحكومة على مشروع لتغيير شامل في تسيير الوحدات الاقتصادية والأراضي الفلاحية التابعة للدولة. وبدأ التطبيق الفعلي للإصلاحات مباشرة بعد ذلك، حيث صادق البرلمان الجزائري في الشهر الأول من سنة 1988 على مجموعة من القوانين التي تفرض تغييرا جذريا في تسيير الاقتصاد.

لكن لما بدأ تطبيق تلك القوانين الجديدة، كانت الجزائر في وضع قريب من الإفلاس، بعد أن تدهور الوضع الاقتصادي للبلاد بصفة تدريجية منذ سنة 1985، إلى أن وجدت الجزائر نفسها أمام خيار يهدد الاستقرار الداخلي: إما أن تسدد ديونها الخارجية، ما يهدد بانفجار شعبي، وإما أن تواصل استيراد المواد الأولية الضرورية، ما يهدد مصداقيتها في السوق النقدية الدولية، لكنها لا تستطيع أن تضمن هذا وذاك في نفس الوقت بسبب انهيار مدخول البلاد من المحروقات.

ثم احتدت الأزمة المالية في خضم حرب أسعار النفط حين قررت المملكة العربية السعودية ابتداء من سنة 1985 تخفيض أسعار النفط إلى مستوى لم تعرفه السوق منذ منتصف السبعينات. وبعد أن كان سعر النفط يفوق عشرين دولارا للبرميل، تراجع إلى عشرة دولارات. ومعه، انهارت مداخيل الجزائر من 20 مليار دولار سنويا إلى مستوى 12 مليار دولار ثم 10 مليار دولار.

وكانت الديون الخارجية للجزائر قد بلغت 26 مليار دولار، وكانت فوائد الديون لوحدها تبتلع ما بين خمسة إلى ستة مليار دولار سنويا، بينما تبلغ الواردات التي لا يمكن للجزائر أن تتخلى عنها 12 مليار دولار، منها القمح والحليب ومواد الاستهلاك مثل القهوة وغيرها، إلى جانب المواد الأولية وكل ما تستورده البلاد من معدات تستعمل في الصناعة. واضطرت الجزائر إلى اللجوء إلى المديونية من جديد، وتدهورت سمعتها في السوق النقدية الدولية، وأصبحت تحصل على قروض بشروط صعبة، في حلقة تزداد صعوبة من شهر إلى آخر.

وكانت الجزائر قد لعبت ورقة خاسرة أخرى في مرحلة سابقة، حيث أنها تملك مخزونا كبيرا من الغاز لكن مخزونها من البترول متواضع. فدخلت في معارك طويلة لربط سعر الغاز بسعر البترول، عندما كان سعر البترول مرتفعا. وما أن توصلت إلى هذا الهدف حتى انهار سعر البترول، وأصبح من الصعب على الجزائر أن تطلب الحفاظ على سعر الغاز الذي تبيعه لفرنسا وبلجيكا وغيرها في نفس المستوى.

ضعف البنية الاقتصادية الجزائرية

في نفس الوقت، كان الاقتصاد الجزائري ضعيفا، فهو لا يلبي الحاجيات الأساسية للمواطنين، ولا يستطيع أن يستغني عن الاستيراد. وكانت الجزائر تراهن منذ الاستقلال على قطاع الدولة لإقامة صناعة قوية. واستثمرت كثيرا في إطار سياسة كان يتبناها الرئيس هواري بومدين ووزيره بلعيد عبد السلام، لكن التسيير البيروقراطي لتلك الوحدات الصناعية لم يعط نتيجة، بينما كانت السياسة الرسمية لا تشجع القطاع الخاص. وابتداء من وصول الشاذلي بن جديد إلى الحكم سنة 1979، فتح الباب تدريجيا أمام القطاع الخاص، لكن بقي هذا الأخير يعاني من بيروقراطية تتحكم في زمام الأمور ولا تريد أن تتخلى عن سلطتها، ومن أيديولوجيا معادية للقطاع الخاص كانت مسيطرة على الحزب الحاكم كما كانت سائدة في أوساط المنظمات التابعة له.

ولما اشتدت الأزمة، وجدت الجزائر نفسها لا تمتلك اقتصادا يضمن حدا أدنى من الإنتاج الوطني، كما أن هذا الاقتصاد لا يضمن توفير مناصب الشغل بالحجم المطلوب. واشتدت ندرة بعض المواد ابتداء من سنة 1987 فوجدت الحكومة نفسها مضطرة إلى استعمال العملة الصعبة المتوفرة لاستيراد المواد الأساسية. وظهرت في البلاد سوق موازية يباع ويشترى فيها كل شيء، بينما فُقدت الكثير من المواد من السوق الرسمية حين اقتصر دور الحكومة على ضمان ما هو أساسي من خبز وحليب ومواد ضرورية.

أما الفلاحة، فقد دخلت مرحلة من عدم الاستقرار منذ سنة 1971 حين قرر الرئيس هواري بومدين تطبيق “الثورة الزراعية” التي تفرض إعادة تقسيم الأراضي لصالح الفقراء. وشملت العملية الأراضي التي كانت ملكا للفرنسيين قبل الاستقلال إلى جانب بعض الأراضي التابعة لملاك متوسطين وكبار. غير أن تطبيق الثورة الزراعية لم يؤد إلى النمو المطلوب، وبقي مستوى الإنتاج ضعيفا، وازدادت تبعية الجزائر التي وجدت نفسها مضطرة إلى استيراد من 40 إلى 60% من استهلاكها من الحبوب كل سنة.

في تلك الظروف الاقتصادية الصعبة، دخلت البلاد مرحلة الإصلاحات. ولم تجد الحكومة الموارد المالية التي تشتري بها السلم الاجتماعي خلال مرحلة الاضطرابات. وبدأ تطبيق الإصلاحات تدريجيا، لكن من المعروف أن الإصلاحات تؤدي في بداية الأمر إلى الاضطرابات وتراجع في الإنتاج قبل أن تدخل البلاد العهد الجديد. وهذا ما حدث في كل البلدان التي عاشت مرحلة انتقال من الحزب الواحد إلى التعددية.

قطار الإصلاحات الاقتصادية

استطاعت الحكومة الجزائرية التي طبقت الإصلاحات أن تواجه العاصفة من أكتوبر/تشرين الأول 1988 إلى صيف 1991. وقامت الحكومة بتغييرات جذرية في طريقة تسيير الاقتصاد، وفتحت الباب أمام القطاع الخاص، وتمكنت من وضع حد لسيطرة البيروقراطية. ورفضت الحكومة الجزائرية أن تتعامل مع صندوق النقد الدولي في محاولة فريدة من نوعها، حيث قالت الحكومة الجزائرية إنه لا بد لبرنامج الإصلاح أن يكون نابعا من إرادة سياسية وطنية، وأن تأتي التضحيات وفقا لإمكانيات البلاد، في حين أن خبراء صندوق النقد الدولي لا يأخذون بعين الاعتبار المعطيات الداخلية. وقال وزير الاقتصاد غازي حيدوسي إن الجزائر لا تستطيع مثلا أن تتخلى عن التعليم المجاني للجميع لأن ذلك يدخل ضمن الميراث الوطني المشترك، ولا يمكن قبول شروط صندوق النقد الدولي التقليدية الذي يفرض تقليص كل مصاريف الدولة.

وفي يونيو/حزيران 1991، اعترف صندوق النقد الدولي بنجاعة برنامج الحكومة الجزائرية، وقال إنها قامت بالإصلاحات الضرورية رغم أنها لم تمس بما هو أساسي، مثل تمويل المدرسة وجزء من المساعدات التي تقدمها الدولة للفئات المحرومة، وأعلن الصندوق أنه يقدم قرضا بـ300 مليون دولار لتشجيع تلك الإصلاحات. لكن إعلان صندوق النقد الدولي جاء بعد يومين من استقالة حكومة الإصلاحات في 4 يونيو/حزيران 1991، على إثر الإضراب العام الذي نفذته الجبهة الإسلامية للإنقاذ. ومع استقالة حكومة الإصلاحات، نسيت الجزائر كل ما قامت به من أجل تغيير الاقتصاد، إلى أن وجدت نفسها عاجزة عن تسديد ديونها في أبريل/نيسان 1994، فطلبت حكومة السيد رضا مالك مساعدة صندوق النقد الدولي من أجل إعادة جدولة الديون الخارجية. وسلمت الجزائر زمام الأمور لخبراء صندوق النقد الدولي، ما أدى إلى تسريح 800 ألف عامل وموظف وغلق أو بيع ثلاثة آلاف وحدة صناعية حسب إحصاءات الاتحاد العام للعمال الجزائريين.

ظروف دولية غير ملائمة

دخلت الجزائر مرحلتها الانتقالية وهي تعاني من أزمة حادة في الداخل، سواء في الميدان السياسي أو الاقتصادي كما ذكرنا. أما على الساحة الدولية، فقد تميزت المرحلة بتقلبات لم يشهدها العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. فقد شهدت انهيار الاتحاد السوفيتي وتفكك الكتلة الشرقية وسقوط جدار برلين. لكن حين بدأت الإصلاحات في الجزائر –صادقت الجزائر على دستور يكرس التعددية في 23 فبراير/شباط 1989- كانت هذه التقلبات الكبرى لم تنته بعد، ولا أحد كان يعرف كيف ستتواصل وإلى أين ستؤدي، ولا أحد كان يصدق فعلا أن جدار برلين سيسقط بتلك السهولة.

جدير بالذكر أن محاولة التغيير الأولى في الجزائر وعقت قبل انهيار الاتحاد السوفيتي، وأن أحداث أكتوبر/تشرين 1988 وقعت قبل سقوط جدار برلين. ودخلت الجزائر مرحلة التغيير في وقت كانت هذه الفكرة غير موجودة لا في بولونيا ولا في المجر ولا في بلدان شرق أوربا سابقا. وكانت الجزائر بلدا له مكانته ضمن بلدان عدم الانحياز مع ميول نحو الكتلة الشرقية في الميدان العسكري حيث كان الاتحاد السوفياتي يزودها بمجمل أسلحتها، بينما كانت التعاملات الاقتصادية حكرا على البدان الغربية.

وكانت البلدان الغربية تتبنى خطابا حول الديمقراطية والتعددية وحرية التعبير وحرية العقيدة وحقوق الإنسان وبناء دولة القانون، وكثيرا ما تستعمل هذا الخطاب للضغط على دول الجنوب. ولكن اكتشفت الجزائر بسرعة أن هذا لا يشكل إلا خطابا وأن البلدان الغربية ليست مستعدة للتعاون مع البلدان التي تحاول أن تتقدم في هذه الميادين، حيث لم تجد الجزائر أية مساعدة تذكر عندما بدأت تحترم تلك المبادئ من سنة 1989 إلى نهاية 1991.

وطلبت الجزائر من البلدان الكبرى مساندة على صعيدين: على صعيد سياسي، بمساندة الإصلاح عن طريق تقديم الخبرة الضرورية لذلك في مجال القانون وتنظيم الإدارة وغيرها، أو على الأقل عدم معارضة عملية التغيير. وعلى صعيد اقتصادي، بواسطة مساعدة مالية ظرفية لإصلاح الاقتصاد الجزائري. وكان رد تلك البلدان مثل الولايات المتحدة وفرنسا وغيرها يتميز بتناقض صريح بين ما يقال علانية وما كانت تقوم به تلك البلدان عمليا.

وكان الموقف المعلن من طرف كل من الولايات المتحدة وفرنسا إيجابيا ومشجعا. لكن في الواقع لم تقدم باريس وواشنطن أية مساعدة للجزائر في تلك المرحلة. ففي الميدان الاقتصادي مثلا، كانت الحكومة تبحث عن قروض جديدة تسمح لها بتجاوز المرحلة الصعبة، لكنها لم تجد أية تسهيلات مالية، بل وجدت الأبواب مغلقة حتى للوصول إلى قروض تقليدية. والحقيقة أن فرنسا وأميركا كانت تتبنى موقفا متحفظا، ولم يتخذ البلدان موقفا واضحا في علاقاتهما بالجزائر لأسباب خاصة بكل منهما.

فرنسا تخشى بروز نخبة جديدة

أما فرنسا فكان لها نفوذ واضح في الجزائر. ورغم محاولة السلطة الجزائرية منذ الاستقلال أن تجد بديلا للتعامل مع فرنسا، إلا أن التاريخ فرض نفسه. وباستثناء المحروقات، بقيت فرنسا البلد الأول في التبادلات التجارية الخارجية مع الجزائر وهي كذلك البلد الذي يؤوي أكبر جالية جزائرية في الخارج، وأكبر عدد من الجزائريين الذين يسافرون إلى الخارج كل سنة يذهبون إلى فرنسا. وبحكم هذه الروابط التي بقيت قوية رغم التوتر في العلاقات الرسمية، فإن فرنسا تعلمت كيف تحافظ على مصالحها ونفوذها، واعتبرت أن مصالحها كانت مضمونة مع النظام القديم.

وكانت فرنسا تتخوف من التغيير لأسباب عديدة، فكانت تتخوف من احتمال وصول الإسلاميين إلى السلطة لأن ذلك يمكن أن يهز استقرار البلاد فتجد فرنسا نفسها مضطرة لتحمل جزء من عواقبه. أما إذا تمكنت جبهة التحرير الوطني التي يتزعمها الإصلاحيون من البقاء في السلطة عن طريق الانتخابات، فإن فرنسا كانت تعتبر ذلك تهديدا لمصالحها لأن النخبة الجديدة مستقلة عنها تماما. وفي يونيو/حزيران 1991، علق وزير الخارجية الفرنسي رولان ديما (Roland Dumas) على قوائم جبهة التحرير الوطني قبل الانتخابات التشريعية قائلا: “لا نعرف أحدا منهم”.

أميركا لا تريد تكرار التجربة العراقية أو الإيرانية

لقد كانت الولايات المتحدة تتابع التجربة الجزائرية بحذر شديد وبتحفظ واضح رغم الخطاب الرسمي المعلن. وكانت تتخوف من تغيير يأتي من الشارع ويؤدي إلى تكرار التجربة الإيرانية مع كل ما ترتب عنه من قلق للولايات المتحدة خلال مرحلة طويلة.

وكانت الولايات المتحدة تراقب التحولات في الاتحاد السوفياتي، وتحاول بصفة خاصة أن تراقب مصير الترسانة النووية الروسية حين اتضح لها أن الاتحاد السوفيتي مهدد بالانهيار. في تلك المرحلة، كانت الولايات المتحدة تتخوف من توصل العراق إلى التحكم في التكنولوجيا النووية وامتلاك السلاح النووي، ووضعت خطا أحمر للبلدان العربية: لا يسمح لأي بلد عربي أن يدخل نادي البلدان النووية.

وكانت الجزائر قد شرعت في بناء مركز نووي في عين وسارة جنوب العاصمة بمساعدة خبراء صينيين. وتكفلت المخابرات البريطانية بالملف، حيث انتقل أحد موظفي السفارة البريطانية إلى عين المكان، وألقت قوات الأمن الجزائرية القبض عليه، ما أدى إلى الكشف عن تلك المحطة النووية.

واعتبرت الولايات المتحدة أن الجزائر ستشكل خطرا إذا تحكمت في التكنولوجيا النووية، سواء وصل الإسلاميون الراديكاليون إلى السلطة أو بقي تيار آخر في الحكم. أما الإسلاميون، فإن علاقة أميركا معهم كانت متوترة، خاصة أن التيار الأقوى في الجبهة الإسلامية للإنقاذ كان يظهر عداوة صريحة للولايات المتحدة. أما إذا وصل إلى السلطة تيار ديمقراطي معتدل، فإن الولايات المتحدة كانت تعتبر ذلك أخطر لأن تلك السلطة ستكون لها شرعية وستحترم قواعد الديمقراطية ويصعب البحث عن حجة لمنعها من التكنولوجيا النووية.

ولهذه الأسباب كانت كل من فرنسا والولايات المتحدة تقول علانية أنها تساند عملية الإصلاح في الجزائر لكنها كانت على اتصال دائم مع أطراف في النظام الجزائري معادية للإصلاح.

خاتمة

بناء على ما تقدم، فقد حدث ما لم يكن آنذاك في الحسبان، إذ أضحت كل الأطراف التي كانت تنادي بالإصلاح في الداخل وفي الخارج في حقيقة الأمر لا تريد نجاح عملية الإصلاح لأنه يهدد مصالحها، وفشلت العملية الإصلاحية بسبب معارضة هذا التحالف “غير الطبيعي” الذي كان يشمل الأحزاب الصغيرة التي كانت ترى أن مصيرها مهدد سواء في ظل حكم إسلامي أو حكم ديمقراطي، ويشمل الجبهة الإسلامية للإنقاذ التي كانت تريد أن تفرض نظاما سياسيا باسم الدين، وبين قوى أجنبية كانت تنادي بالديمقراطية لكن مصالحها الظرفية كانت مهددة بعملية الإصلاح. أما الجيش الجزائري، فإنه كان يجد في الإصلاح مخرجا لينسى مسؤوليته في أحداث أكتوبر/تشرين الأول 1988، لكنه تراجع بعد ذلك لما وجد فرصة للعودة بقوة إلى السلطة تحت شعار حماية الدولة والدفاع عن الديمقراطية.
_____________________________________
عابد شارف – كاتب وباحث جزائري

المرأة الإيرانية والرئاسة.. فاكهة السياسة المحرمة

كاتب الموضوع الأصلي: راكان الركف20

مع كل انتخابات رئاسية تشهدها إيران، يعود بحث قضية تولي المرأة منصب الرئاسة وقبل ذلك الحق في الترشح إلى الواجهة. ويأخذ النقاش بشأن هذه القضية بعدًا قانونيًا وسياسيًا يتركز بصورة أساسية على تعبير “الرجل السياسي” الوارد في المادة 115 من الدستور، وهو الشرط الذي وقف حاجبًا المرأة الإيرانية عن هذا المنصب وجعله حكرًا على الرجال. يحاول الجدل في جانب منه “سبر أغوار” الأبعاد اللغوية لكلمة “رجل”، كما يحاول معرفة ما إذا كانت تعني بالضرورة شرط الذكورة، أم أن عبارة “الرجال المتدينون السياسيون” تعني شخصيات تتصف بالتدين والتجربة السياسية وهو شرط يتوافر في الكثير من النساء.

يعاد طرح هذه القضية وغيرها من القضايا التي تتعلق بواقع المرأة الإيرانية ومشاركتها السياسية، ليصل النقاش بصورة أو بأخرى إلى مساحات وفضاءات تواجد النساء داخل البيت وخارجه.

مقاومة الاستبداد

لم تأخذ الحركة النسوية في إيران منذ بداياتها الأولى صفة الحركات القائمة لمطالبات نسوية، فقد حملت شعارات وعناوين سياسية وطنية، وتعتقد الدكتورة زهرا رهنورد أن أول حركة نسوية في إيران من الناحية التاريخية هي انتفاضة التنباك (1891 – 1892)، حين شاركت النساء بفاعلية في “إبطال اتفاقية استعمارية وقعها ناصر الدين القاجاري مع بريطانيا”، وجاء تحرك النساء الإيرانيات استجابة لفتوى آية الله محمد حسن الشيرازي.

ويمكن القول بأن أول حركة نسوية إيرانية جاءت سياسية وضد استعمارية، وينظر الكثير من الباحثات الإيرانيات ومنهن الدكتورة زهرا رهنورد (زوجة مير حسين موسوي وناشطة نسوية) بإعجاب إلى تلك الفترة التاريخية وترى أنها أسست للحضور السياسي للمرأة الإيرانية، لكن ناشطات ومثقفات أخريات منهن الناشرة والناشطة النسوية شهلا لاهيجي يقرأن تلك الفترة بصورة مغايرة؛ إذ يرين أن هذا الحضور يعكس بصورة جوهرية الطبيعة الأبوية للمجتمع في ذلك الوقت. صحيح أن النساء الإيرانيات شاركن بفعالية في الثورة الدستورية (المشروطة) إلا أن هذه المشاركة جاءت استجابة لمقتضيات السيطرة الأبوية، وعبرت عن نفسها بالفتوى الصادرة عن رجال الدين الذين شجعوا النساء على مقاومة القوى الخارجية. وبناء عليه فإن لاهيجي ترى “انتفاضة التنباك” -التي ارتكزت بشكلٍ أساسي على الفتوى- في حقيقتها نموذجًا للطاعة، “طاعة الرجال عمومًا ورجال الدين على وجه الخصوص”(1).

ورغم نقدها لتلك الفترة إلا أن لاهيجي ترى أن فترة “الطاعة الأبوية” جاءت نتيجة لظروف المرأة الاجتماعية والثقافية، فقد كانت نسبة الأمية بين النساء الإيرانيات في تلك الفترة تصل إلى 95%؛ ولذلك فمن “الصعب انتظار نتيجة مغايرة لأن التغيير خاصة على الصعيد الاجتماعي مرتبط بصورة أساسية بمستوى التعليم”(2).

في تلك الفترة ظهر إلى السطح الجدل الشهير بشأن منح المرأة حق التصويت، ورأى البعض أن المرأة إذ لا تملك حق أن تصبح قاضيًا فهي لا تملك حق التصويت، والملاحظة التي تسجَّل هنا أن هذا الجدل ظل مقصورًا على المحيط الذكوري دون أن تساهم النساء فيه(3). ورغم مشاركتها الفاعلة في الثورة الدستورية، كان من المتوقع أن تكافأ المرأة بما يليق بهذا الدور لكن النتائج جاءت مخيبة، فقد وضع مجلس الشورى الذي أعقب الثورة الدستورية في مطلع القرن العشرين المرأة ضمن “فئة الحمقى والقصر”. والغريب أن ذلك لم يلق اعتراضًا من النساء في حين واجه معارضة من بعض نواب المجلس الرجال. والغريب -كما ترى لاهيجي- أن تصدر هذه “النظرة الدونية للمرأة عن شخصية مؤثرة مثل آية الله مدرس الذي كان يحظى باحترام واسع؛ ففي أحد أحاديثه في المجلس تحدث عن المرأة بقوله: بقدر ما بحثنا إلا أننا لم نجد لهذا الموجود عقلاً.. بحيث يمكننا أن نعطيه الحق في إدارة شؤون نفسه، ولذلك فالمرأة يجب أن تبقى تحت قيمومتنا نحن الرجال، وهي لا يمكنها أن تكون صاحبة الحق في تقرير مصيرها حتى تستطيع أن تعطي رأيًا ويكون لها حق التصويت”(4).

ويمكن إرجاع هذا “القصور” إلى كون الفعاليات النسوية الأولى التي شهدتها الساحة الإيرانية لم تكن في إطار حركة نسوية وإنما كانت “تشكيلات حركية” وفرت مقدمة لتحرك لاحق تطالب فيه المرأة الإيرانية بالحرية والمساواة. وعلى عكس انتفاضة “التبغ” التي حملت بعدًا دينيًا سياسيًا، فإن “التشكيلات” اللاحقة لتلك المرحلة حملت صبغة لائكية علمانية ورفعت شعار التحرر من القيود، وكانت النساء القائمات عليها يرين في الدين القيد الأكبر، وتركزت المطالبات على حق التصويت وحق العمل، بصورة مشابهة للموجة النسوية الأولى. وعبّرت هذه المطالبات عن نفسها من خلال الصحف وإصدار المطبوعات والفعاليات النسوية(5).

في الفترة البلهوية الأولى والفترة البهلوية الثانية جاءت الفعاليات النسائية الإيرانية في بعدين: الأول علمي يركز على التعليم ودخول المرأة للجامعات، والثاني يركز على المطالبات المتعلقة بالتحرر. واتخذ هذا الجانب بُعد المواجهة مع الدين وليس الدولة لأنه كان يرى فيه المعوق الأول لتحرر المرأة الإيرانية، فجرى التعبير عن رفض الحجاب وقوانين الأسرة وتعدد الزوجات.. ولقيت هذه التوجهات الدعم من الشاه رضا بهلوي الذي تأثر كثيرًا بتوجهات صديقه أتاتورك على هذا الصعيد، وبعد زيارة قام بها إلى تركيا أطلق شخصيًا حركة مناهضة للحجاب وخرجت زوجته وبناته إلى العامة بدون حجاب. وعلى هذا الصعيد عقدت الحركة النسوية تحالفًا مع الحكومة ضد الدين رغبة في تحقيق مكاسب متبادلة(6).

لكن الساحة النسوية لم تكن مقصورة على النساء من ذوات التوجه العلماني، وتتحدث رهنورد عن مجموعات من النساء المتدينات، واللواتي كن يسعين للحصول على حقوقهن ضمن رؤية تحتكم إلى الدين والمذهب، وهو التيار الذي التي ترى رهنورد أنه ما زال يواصل مسيرته إلى اليوم. وإن كان هذا النضال قد جاء في إطار مواجهة الاستبداد والتصدي للاستعمار، لكنه مع الزمن طور مطالبات تتعلق بالمساواة وتحصيل الحقوق على صعيد التعليم والعمل والمشاركة السياسية(7).

بموازاة هذه التيارات، شهدت الفترة البهلوية وجود تيار نسوي آخر بتوجهات شيوعية ويسارية. ووضع هذا التيار مطالباته في إطار مقاومة الاستبداد والاستعمار. وبالتالي، يمكن القول: إن الفترة البهلوية شهدت ثلاثة تيارات نسوية ما زالت إلى اليوم تتواجد على الساحة الإيرانية بنسب متفاوتة، وهي: التيار العلماني وحمل أيديولوجية وجهة نظر النظام، والتيار اليساري وحمل الأيديولوجية الماركسية، والتيار الديني بأيديولوجية إسلامية. وفي المجموع لا يمكن القول بوجود حركة نسوية قامت بصورة مؤسسية ضمن العناوين البارزة للحركة النسوية في العالم.

شهدت الفترة الثانية من الحكم البهلوي تطورًا مهمًا تمثل بحركة الدكتور مصدق التي ضمت في صفوفها بصفتها حركة وطنية العديد من النساء، كما لاقت تأييدًا كبيرًا من قبل الإيرانيات.

مرحلة الانتقال

عقب الإطاحة بالشاه تصاعدت على مدى العقود الثلاثة الماضية مطالبات النساء ذات الصبغة النسوية على الصعيد الاجتماعي والسياسي والقانوني. وأخذت هذه القضية شكلاً أكثر وضوحًا عندما أدركت النساء الإيرانيات عقب الثورة أن الحكومة التي أتت لا تحقق مطالباتهن ليبدأ سعيهن لتحقيق ذلك بصورة أكثر وضوحًا.

بعد انتصار الثورة، كان حق التصويت والمشاركة في الانتخابات مسألة محلولة، فانتقلت المطالبات إلى موضوعات أخرى على الصعيدين العام والخاص، وتركزت بصورة أساسية على قوانين الأسرة: حق الطلاق، الحضانة. بدأت أسئلة تثار بشأن تعدد الزوجات والقضاء والمرأة والمناصب العليا حتى في أوساط النساء الملتزمات بالخط الإسلامي. ومع دورها الكبير خلال الحرب العراقية-الإيرانية كانت المرأة الإيرانية تحتل مكان الرجل الخالي بفعل ظروف الحرب، وبعد انتهاء هذه الفترة الحرجة كان من الصعب على النظام السياسي أن يعيد النساء إلى داخل البيوت، وأصبحت النساء يطالبن بحقوق متساوية وحقوق أكثر تليق بدورهن على الصعيدين العام والخاص .

مع مجيء الإصلاحيين شهدت إيران ظهور تيار نسائي عُرف بالنساء الإصلاحيات، وكنّ من نساء الطبقات الوسطى للمجتمع الإيراني وشكَّلن فئة تنظر فكريًا وتطرح المطالبات الأساسية للحركة النسائية في إيران، وضم التيار عددًا من النساء المتعلمات والمتخصصات في المجالات الاجتماعية والثقافية، واحتوى أيضًا على نساءٍ ينتسبن للشرائح العليا من المجتمع الإيراني ومن النخبة السياسية الحاكمة في البلاد. وبعض النساء الإصلاحيات هن من النساء الثوريات سابقًا؛ مثل معصومة ابتكار التي شاركت في اقتحام السفارة الأميركية، وفيهن شابات ينتمين إلى عائلات الجيل الأول والثاني للثورة(8).

ومع الفترة الإصلاحية بدأت المرأة الإيرانية تلعب دورًا مهمًا في تغيير الأجواء السياسية الحاكمة حيث دخلت فائزة هاشمي (السجينة مؤخرًا) إلى البرلمان في دورته الخامسة وتجاوزت أصواتها أصوات رئيس البرلمان ورجل الدين المعروف ناطق نوري.

ويُرجع الكثير من المحللين فوز محمد خاتمي برئاسة الجمهورية في إيران في 23 مايو/أيار عام 1997 إلى المشاركة النسائية الواسعة المساندة له. وبعد انتخابه عين امرأة كمساعدة له في مجال البيئة وهي معصومة ابتكار، وعين مستشارة له هي زهرا شجاعي، وشهدت إيران ارتفاعًا في عدد النائبات للوزراء والمديرات في الدوائر الحكومية.

وتتحدث الجهات الرسمية عن إنجازات تحققت لصالح المرأة الإيرانية عقب الثورة الإسلامية. وتشير الأرقام الرسمية إلى وجود أكثر من 600 امرأة ناشرة و90 مديرة صحيفة و97 مديرة لمؤسسات ثقافية في إيران، وهناك عدد من مديرات البنوك واللواتي يشغلن منصب حكام محليين. وهناك حوالي 300 أستاذة يقمن بالتدريس في الحوزات الدينية الإيرانية. وتؤكد سهيلا فرخي، وهي مدرسة حوزة، أن عدد الطالبات في الحوزات الدينية الإيرانية لم يتجاوز الـ20 امرأة قبل الثورة فيما يدرس حاليًا أكثر من 5 آلاف امراة في هذه الحوزات. ومع وجود تباين في الآراء بين علماء الدين حول قضية اجتهاد النساء لكن هناك فتوى لمرشد الثورة الإيرانية آية الله علي خامنئي الذي يسمح للنساء بتقليد المجتهدات في الشؤون الفقهية. وتسجل المرأة المجتهدة في الحوزة مقدرة فقهية عالية، لكنها تتعرض للتمييز كما يؤكد آية الله موسوي بجنوردي(9).

وتقف الحركة النسوية الإيرانية اليوم دون أن تخفي الحاجة إلى إعادة بحث وقراءة العديد من الجوانب المتعلقة بالمرأة من النواحي الفقهية والقانونية.

الحجاب وفضاءات التواجد

بقيت قضية “الحجاب الإجباري” ملازمة للنقاش الاجتماعي الذي شهدته إيران منذ سنوات الثورة الأولى لكنها أخذت بعدًا آخر مع مجيء محمود أحمدي نجاد إلى السلطة؛ حيث بدأت قوات الأمن تلاحق النساء بسبب لباسهن، بعد فترة من الانفتاح الاجتماعي شهدها مجتمع إيران خلال فترة رئاسة خاتمي.

خلال حملة نجاد الانتخابية للدورة الرئاسية التاسعة في سنة 2005، وفي بداية توليه الرئاسة، صدرت عنه وعود باحترام حياة الناس الخاصة، وعدم السماح للأمن بأي وجه من الوجوه بالتدخل في لباس الشباب ذكورًا وإناثًا، بل إنه حاول أن يُحدث تغييرًا بشأن السماح للنساء بدخول الملاعب، وتنشيط الرياضة النسوية؛ الأمر الذي قوبل بهجوم شديد من رجال الدين وعدد من النواب(10)؛ فقد نقلت الصحف عن رضا أكرمي، عضو مجلس شورى مجتمع رجال الدين، قوله: لن أُجيز تحت أي وضع، دخول النساء إلى الملاعب حتى لو جرت مقاطعة كرة القدم الإيرانية عالميًا. وأورد أكرمي للدفاع عن وجهة نظره مثالاً قال فيه: “عندما يعطي الغرب الراهبات الإذن بالزواج سنعطي نساءنا الإذن بدخول الملاعب؛ فالإسلام يحرم مشاهدة الرجال للنساء وقد كُشفت عوراتهن”. وقد أصدر نجاد في بداية رئاسته، قرارًا ببناء أماكن خاصة في الملاعب لتمكين النساء من الحضور، لكنه عاد وسحب القرار بفعل ضغط المراجع الدينية. ولوحظ أن مخالفة بعض المرجعيات تتعاظم(11) كلما اتسع حضور النساء الإيرانيات على صعيد الرياضة الدولية، وإن كن يشاركن بالحجاب.

وبعد مضي عامين على الدورة الرئاسية الأولى كان نجاد يضع نفسه في مواجهة جديدة مع النساء ومؤسسات المجتمع المدني، وذلك عندما بدأت دوريات الشرطة بتنفيذ ما سُمي بـ “حملة التصدي للحجاب السيئ”(12) وأثارت هذه الخطة جدلاً واسعًا وانقسامًا في الرأي بين مؤيدٍ ومعارض؛ إذ انحاز خطباء الجمعة في عدد من مساجد العاصمة إلى إجراءات الأمن، بينما عبّر الإصلاحيون في مقالات نشرتها صحفهم صراحة عن معارضتهم تصدي قوات الشرطة لهذا الموضوع.

وتنفذ دوريات الشرطة النسائية مهامها بموجب قانون المجازاة الإسلامي، فالمادة 638 تنص صراحة على مسؤولية الأمن في مواجهة هذه “المخالفات”(13). وبينما كانت الحملة تتواصل كانت النساء يشعرن بأن نجادًا خيب أملهن، وقد حاول نجاد أن يسجل موقفًا معارضًا لخطة الأمن الاجتماعي التي تضم “مواجهة الحجاب السيىء” لكن قائد الأمن أعلن أنها جاءت بناء على توصية من نجاد شخصيًا، كما أن صحيفة “كيهان” كانت له بالمرصاد(14).

وتوقفت الحملة في إبان الانتخابات الرئاسية العاشرة في يونيو/حزيران 2009، إلا أن دوريات الشرطة عادت لتطبقها بعد أشهر على انتهاء الانتخابات. وكان ديوان الدولة العالي رفض في سنة 2009 شكوى تقدم بها 40 محاميًا ضد قوات الأمن العام بسبب تنفيذ الخطة، فقد اعتبروها غير قانونية، وأن على قوات الأمن ألا تتجاوز الصلاحيات الممنوحة لها. وتدعم السلطة القضائية ذلك إلا أن الأمن، لا يملك الحق في الاعتقال، فالمادة 638 من قانون “المجازاة الإسلامي” تنص على أن المرأة التي لا تلتزم بقواعد الحجاب أمام العامة تغرّم بالحبس عشرة أيام، أو بما تتراوح قيمته ما بين 50 دولارًا و500 دولار(15).

وأوقعت الحملة نجادًا في حرج بالغ أمام النساء في إيران، ووجد نفسه مجبرًا على تأكيد رفضه الشديد عمليات مراقبة النساء والشابات غير المتزوجات وتوقيفهن بحجة “إساءة ارتداء الحجاب”، واعتبر هذه الإجراءات مهينة وغير قانونية(16). مع أن انتقاداته هذه قوبلت بعاصفة غاضبة من رجال دين، ومن برلمانيين اعتبروها مخالفة للشرع ولدستور الجمهورية الإسلامية(17).

الاختلاط.. سطوة رجال الدين

والنظر إلى قضية الحجاب لا يجري بمعزل عن القضية الأُخرى الحساسة، وهي الاختلاط، والتي عادت كي تشكّل تحديًا جديدًا بين ما يفرضه الواقع الاجتماعي، وما تمليه ضغوط رجال الدين والأسس التي قامت عليها الجمهورية الإسلامية. فعبارة “كإلقاء اللحمة أمام القط”(18)، لم تستحسنها الناشطات الإيرانيات لوصف الاختلاط والعلاقة بين الجنسين، وقد جاء غياب الاستحسان هذا مصحوبًا بقلق من جانب النساء يرافقه قلق من نوع آخر من رجال الدين، ومنهم حجة الإسلام فضل علي صاحب هذه العبارة المحتجة على الاختلاط في الجامعات والمؤسسات، باعتباره (أي الاختلاط) المسؤول عن كثير من المشكلات التي يواجهها المجتمع الإيراني.

ولا يُعدّ فضل علي رجل دين بعيدًا عن الفضاء الجامعي، فهو ممثل المرشد الأعلى للثورة الإسلامية علي خامنئي في جامعة “خواجه نصير طوسي”، وهو مطلق مراكز “البحث عن شريك” في عدد من الجامعات الإيرانية. وفضلاً عن عبارة “كإلقاء اللحمة أمام القط”، يطيب لعلي أن يصف الأوضاع الفعلية بين الشباب على مقاعد الدراسة بـ”الفضيحة”(19)، وهو يدافع عن خطته المطالبة بالفصل بين الجنسين في الجامعات بالقول: إن 90% من الطلاب والطالبات، المتدينين وغير المتدينين على حدٍ سواء، لديهم صداقات مع الجنس الآخر، ويرى أن الفضاء السليم هو الفضاء المشابه لفضاء الحوزات العلمية وهو أفضل كثيرًا من الجامعات بسبب أحادية الجنس. وإذا كان لهذا الرأي مؤيدوه في المؤسسات التشريعية والتنفيذية، فإن أعضاء في مجلس الشورى رأوا فيه تعميقًا للمشكلات التي تعانيها الجامعات الإيرانية، بل إضافة مشكلة جديدة لها. والفصل بين الجنسين في الجامعات الإيرانية ليس قرارًا حديث العهد، وإنما كان مرافقًا لها منذ أن فتحت أبوابها بعد الثورة، غير أن تطورات الأوضاع، والزيادة الكبيرة في عدد الطلاب، وعدم كفاية الكوادر التدريسية، جعلت من غير الممكن تحقيق الفصل المطلوب. وخلال فترة حكم الإصلاحيين جرى النظر إلى مسألة الفصل على أنها سياسة غير واقعية، ولا تأثير لها في صون المجتمع وعفافه، وفقدت هذه السياسة كثيرًا من صرامتها. وعادت قضية الاختلاط إلى واجهة النقاش مع الدورة الأولى من رئاسة محمود أحمدي نجاد، وتواصل الحديث في شأنها إلى اليوم، لكن المسألة بدأت تتجاوز النقاش وتأخذ طابعًا إجرائيًا عبر خطوات بدأت الحكومة بتطبيقها للفصل بين الجنسين(20) معتقدة أن العديد من المشكلات الاجتماعية تستمد قوتها من مسألة الاختلاط. وعلى الرغم من عوائق تطبيق ذلك فإن الحكومة ترى أن من “الأفضل إجراء الفصل للوصول إلى مجتمع سليم ونظيف”، لكن النساء في إيران يرين أن ذلك من شأنه تعزيز العنف ضد المرأة، ومنه العنف الجنسي. وفي أجواء كهذه سيتم استخدام العنف بحق المرأة مع كل فرصة تسنح لذلك. (21)، وينتقدن تلك النظرة التي تغلّب الجانب الجنسي على جميع الفاعليات الإنسانية وتستخدمها للحكم والمحاكمة. وفي وقت أبدت المرأة الإيرانية شوقًا كبيرًا إلى التعليم؛ إذ إن نسبة التحاقها بالجامعات فاقت نسبة التحاق الذكور لتصل إلى أكثر من 70%(22)؛ فإن فلسفة “اللحمة والقط” لا تخدم سوى الحالة التهاجمية في العلاقة بين المرأة والرجل، ولن يؤدي في النتيجة “إلا إلى تقوية سطوة الغريزة الجنسية” في مجتمع أغلبيته العظمى من الشباب. وترى وجهة النظر الأُخرى أن الأمر يجب أن يصل إلى المناهج الدراسية فتُقدَّم مناهج خاصة بالفتيات تركز على دورهن الأنثوي وتحضيرهن كزوجات مستقبليات.أمّا أول وزيرة في إيران بعد الثورة الإسلامية، وهي مرضية دستجردي، فلم تُخفِ حماستها لفكرة الفصل، بل قدمت اقتراحًا بتطبيق هذا الأمر في المستشفيات، ورأت فيه تمييزًا إيجابيًا لمصلحة النساء(23).

المرأة “الوسيلة”

لا تخفي المرأة الإيرانية عدم رضاها عمّا وصلت إليه، مع أن الحركة النسوية في إيران تعود إلى أكثر من 150 عامًا، ومع أن النساء خضن غمار تحركات تسعى لإزالة القيود التي يواجهنها في المجتمع بالتناغم مع المراحل الأولى للحركات النسوية في العالم، ثمّ شكّلن مكونًا أساسيًا في حالة الاحتجاج ضد الشاه، وقمن بدور أساسي في الثورة، إلاّ أنهن بقين محكومات بالشعارات السياسية والوطنية العامة.

ترى المرأة الإيرانية اليوم أنها لم تكافأ بالشكل الذي تستحقه على “دورها التاريخي” في الثورة، لكن رهنورد ترفض وصف المرأة الإيرانية بأنها كانت وسيلة، على الرغم من قناعتها بأن الحكومات الإيرانية المتعاقبة، أكان ذلك حكومة رفسنجاني أم خاتمي أم نجاد، عجزت عن منح النساء الإيرانيات المكانة اللائقة، وتعتقد أن القضية مركبة تعكس تناقضًا اجتماعيا وفكريًا(24)، وجاء الحديث عن المرأة “الوسيلة” في شكل شكوى صدرت عن نساء عضوات وفاعلات في التيار الأصولي الإيراني، حينما حاولن في الانتخابات الثامنة لمجلس الشورى الإيراني تسليط الضوء على “مكان المرأة الخالي” في العملية السياسية، وأجمعن على أنهن لم يكافأن بما يستحققنه، فضلاً عن شعورهن بأن هناك من يعرقل مسيرة المرأة السياسية.

وفي حين اشتكت نساء التيار الأصولي الذي يتألف من 15 حزبًا وجمعية في رسالةٍ إلى مرشد الثورة آية الله علي خامنئي، من عمليات الإقصاء التي يشهدنها في المجال السياسي(25) أورد تجمّع النساء الإصلاحيات في برامجه الانتخابية استراتيجيات للخروج من حال عدم المساواة التي تحكم الفاعليات السياسية. وفي الانتخابات البرلمانية التاسعة لم تأت النتائج مرضية للمرأة وللحركة النسوية في إيران، فقد جاءت النتائج دون حضور نسائي جيد، فمن بين الـ290 نائبًا هناك ثماني سيدات فقط، بصورة مشابهة لدورة المجلس الثامنة. وبقي حضور النساء في مجلس الشورى يأخذ شكلاً تصاعديًا حتى الدورة الخامسة حيث وصل عدد النساء إلى 13 امرأة لكنه بدأ بالتراجع بعدها.

ما زال الحديث قائمًا عن دور “باهت” للنساء الإيرانيات في الساحة السياسية، تقول بهروزي: “في بداية الثورة وصل حضور المرأة إلى أوجه، لكن الأعوام الأخيرة بدأت تشهد موجة تحاول تهميش النساء ودفعهن إلى الحاشية”(26). ومع ذلك، فإن إيران برأي بهروزي “لم تمتلك إلى اليوم امرأة تصلح لمنصب رئيس الجمهورية”. والحقيقة أن الدستور الإيراني، وفي جميع المواضيع الخاصة بالمناصب العليا، يشترط “الذكورة” تلميحًا أو تصريحًا. علاوة على ذلك، فإن اكتفاء النساء بـهذا العدد القليل من مقاعد المجلس، يؤكد المساحة الضيقة لمساهمة المرأة في المجال التشريعي، مترافقًا مع حضورٍ غير مؤثرٍ في المجالس المحلية، إذ لا تتجاوز نسبة وجودهن في المناصب العليا الـ 7,2%. كما أن الساحة الدبلوماسية والمقامات العليا في السلطة القضائية تخلو من النساء(27). وتشير السجلات إلى أن حضور النائبات الإيرانيات تركز في لجان الثقافة والتنمية والتعليم العالي والصحة والبحث العلمي، وأنهن بقين بعيدات عن اللجان القضائية ولجان السياسة الخارجية.

الرئاسة.. المحرمة

على الرغم من أن مرشحي الرئاسة في إيران بلا استثناء يعدون في كل مرة برؤية غير تقليدية لدور المرأة، فإنهم لم يحاولوا الاقتراب من قضية ترشح النساء لمنصب رئيس الجمهورية(28)، وهو المنصب الذي تنشط النساء في إيران، ومنذ أكثر من عقد، في محاولة حل عقدته القضائية والفقهية، وكانت أعظم طالقاني، ابنة آية الله طالقاني أحد أهم رجالات الثورة الإسلامية، أول امرأة ترشح نفسها لانتخابات الرئاسة الإيرانية قبل ما يقرب من 15 عامًا، وهي لا تزال تصر على أن كلمة “رجال” الواردة في القانون لا تمنع المرأة من تولي المنصب، غير أن مجلس أمناء الدستور رفض ترشيحها على الرغم من وجود وجهات نظر فقهية وقانونية تؤيد رأيها.

وتدافع طالقاني عن موقفها بالقول: إن عدم إزالة الإبهام الخاص بكلمة “رجال” إنما يعني إغلاق الطريق أمام مساهمة المرأة الإيرانية في المجالات كافة(29)، وهي تواظب على نشر ما يدعم توجهها عبر موقعها “رسالة المرأة”، فقد كتبت تحت عنوان: “إذا كان المقصود هم الذكور فذلك يعني ظلمًا في حق ما يزيد عن 30 مليون امرأة إيرانية”، قائلة: “عندما رشحت نفسي للمرة الأولى كنا تسع نساء، ووصل عددنا اليوم إلى 90 امرأة يرغبن في الترشح، ومن واجب مجلس الصيانة أن يعيد النظر في موقفه قبل أن يصل العدد الى تسعة ملايين”. يعود الجدل بشأن حق المرأة الإيرانية في تولي منصب رئاسة الجمهورية إلى المادة 115 من الدستور الإيراني(30) التي تشترط انتخاب الرئيس من بين “رجال متدينين سياسيين”. ويؤكد الدكتور عباس كريمي أستاذ الحقوق في جامعة طهران الجدل على أن كلمة “رجال” وفق المعنى اللغوي تأتي بمعني الذكور، وكذلك بمعنى الأفراد الصالحين، وينتقد التفسير اللغوي الظاهري، مؤكدًا أنها في العربية تعني الأشخاص المشهورين واللائقين إذا اقترنت بصفة(31). ويدعو الدكتور أمير أرجمند، الأستاذ في حقوق الإنسان في جامعة الشهيد بهشتي، إلى إيجاد انسجام بين أهداف النظام السياسي والنظام الإداري بوضع قانون ينقل المسألة من حالة التمييز ضد المرأة الى المساواة.

لا يوجد في الواقع تفسير أو تعريف قانوني لمصطلح “الرجل السياسي” كما تقول الحقوقية سيماش هسوار، وفقًا للمادة 98 من الدستور الإيراني فإن مجلس صيانة الدستور هو المنوط بعملية التفسير هذه. وقد حاول نواب في مجلس الشورى حسم الخلاف بشأن هذه المعضلة من خلال إضافة مادة إلى القانون المعد للانتخابات لكن المادة حُذفت بالكامل عندما نوقش القانون في المجلس بصورة علنية.

في العام 2009 شهدت إيران محاولات نسائية لترشيح أنفسهن برزت من بينهن أعظم طالقاني، لكن ترشيحهن جرى رفضه من قبل مجلس صيانة الدستور، وعزا عباس كدخدايي الناطق الرسمي باسم المجلس الرفض إلى أسباب تتعلق بعدم “الصلاحية العامة لهذا المنصب وليس بسبب الجنس”.

وقد رافقت هذه الإشكالية المناقشات الأولى لوضع الدستور الإيراني وكانت المسودة المقترحة من قبل الحكومة المؤقتة عقب انتصار الثورة تخلو من كلمة “رجال”، لكن هذه المسودة لم تأخذ طريقها القانوني وقام مجلس الخبراء بتشكيل لجنة سباعية وضعت هذه المسودة جانبًا وقدمت مسودة جديدة للمجلس تضمنت في موادها أن “رئيس الجمهورية يجب أن يكون إيراني الأصل، يعتنق المذهب الرسمي للدولة ويؤمن بأصول الجمهورية الإسلامية وأن يكون رجل حسن السوابق معروفًا بالأمانة والتقوى”. ولقي هذا النص اعتراضًا من قبل السيدة كرجي المرأة الوحيدة في مجلس الخبراء في ذلك الوقت، لكن اعتراضها لم يلق أذنًا صاغية وقامت رئاسة اللجنة بإدخال تعديلات على المادة تقول بأن “رئيس الجمهورية يجب أن يكون من الرجال المتدينين السياسيين الذين يتمتعون بالشروط التالية: أن يكون إيراني الأصل، مدير مدبرًا ،حسن السوابق، تقيًا وأمينًا، مؤمنًا بمباديء الجمهورية الإسلامية والمذهب الرسمي للدولة”. وجرت المصادقة على ذلك بموافقة 52 عضوًا ومخالفة أربعة أعضاء وامتناع أربعة آخرين عن التصويت الذي جرى بمشاركة الأعضاء الستين للمجلس. ويقال: إن آية الله بهشتي الذي كان وزيرًا للعدل في حكومات الثورة الأولى كان يعتقد بحق المرأة في تولي هذا المنصب.

وتطالب كثيرات في إيران، بإزالة الإبهام المتعلق بالكلمة، وينتقدن إغفالها في تعديلات قانون انتخابات الرئاسة(32). ويتهم أحمدي نجاد بأن سياساته معادية للمرأة، وفي مقدمتها “حملة التصدي للحجاب السيئ”، وتحديد حصة الفتيات في المقاعد الجامعية بعدما وصلت نسبتهن إلى 70% من عدد الطلبة، وما سُمي “لائحة حماية الأسرة” التي كانت تمهد لقانون يشجع تعدد الزوجات، وقد نجحت الإيرانيات في إجهاضه من خلال تحرك ضم أطيافًا عديدة(33).

والتقط نجاد رسالة النساء الغاضبة فأقدم على ترشيح ثلاث نساء كي يكنّ وزيرات في حكومته التي تشكلت عقب انتخابات حدثت في إثرها احتجاجات وصدامات؛ الأمر الذي اعتُبر تحولاً في الحياة السياسية الإيرانية، لأنها ستكون أول مرة تصل فيها المرأة إلى هذا المنصب (34).

الأطياف السياسية

وتتعدد التوجهات الفكرية للناشطات النسويات في إيران، لكنها في الانتخابات الرئاسية العاشرة عام 2009 اجتمعت على مجموعة من المطالب، وأعلنت عنها في اجتماع عقد في مكتب الناشطةشهلا لاهيجي، وركزت هذه المطالب على محورين، هما:

انضمام إيران لاتفاقية وقف كافة أشكال التمييز ضد المرأة، وإلغاء التشريعات المميزة ضد المرأة.
تعديل بعض النصوص الدستورية التي تتضمن تمييزًا ضد المرأة مثل المواد 19، 20، 21 و115 من الدستور بهدف تحقيق المساواة بين الجنسين.
وأعلنت النساء الإيرانيات عن اتحاد الحركة النسوية للمطالبات الانتخابية. وقال البيان الصادر عن الاتحاد الذي ضم نساء يساريات وإسلاميات: إن رفع التمييز بين الجنسين وبين الطبقات الاجتماعية هو محور مشترك للمطالبات النسوية من مختلف الاتجاهات، للوصول إلى الديمقراطية والحريات الفردية والمدنية وحقوق المواطنة، ومن بينها حرية التعبير والتجمع والتظاهر. كما طالب التجمع بوقف الضغوط التي يتعرض لها العمال والطلاب والأقليات، واعتبر المساواة بين الجنسين أرضية أساسية وقوية للوصول إلى مجتمع سالم إنساني وخال من العنف والفقر وغياب العدالة. شارك هذا التجمع بفعالية في الاحتجاجات التي اندلعت عقب إعادة انتخاب نجاد، ويخضع عدد من ناشطاته اليوم إلى الإقامة الجبرية مثل زهرا رهنورد، كما تقضي بعضهن عقوبات بالسجن بتهمة القيام بأعمال تمس بأمن الدولة مثل المحامية نسرين ستودة .

خلاصة

يمكن القول: إن الحركة النسوية الإيرانية هي حركة “متعددة الأيديولوجيات”، لكن خطابها في المجمل يقوم على الأبعاد القانونية بوصفها أساسًا لمشكلات المرأة وطريق حلها.

شاركت النساء الإيرانيات على الدوام في حركة التغيير السياسي، وفي مفاصل تاريخية مهمة، لكنهن بقين مقصيّات عن مكاسب العملية السياسية ومناصبها المهمة. يصطدم سعي المرأة لتحصيل المساواة في إيران بعقباتٍ قانونية بالدرجة الأولى يدعم وجودها عدد من رجال الدين المتنفذين. تسود حالة من عدم الرضا في أوساط النساء الإيرانيات حتى من داخل التيار الأصولي، وهذه الحالة مؤهلة بشدةٍ لمواكبة حالة احتجاج سياسي يطالب بالتغيير وقد يكون مجاله الشارع والجامعات، والنساء اللواتي خرجن إلى المجال العام بفعل الفتوى غير مستعدات اليوم للعودة إلى المنازل بفعلها.
_____________________________________
فاطمة الصمادي- باحثة في مركز الجزيرة للدراسات

السلفية والسلفيون في سورية: من الإصلاح إلى الجهاد

كاتب الموضوع الأصلي: راكان الركف20

لم تتوقف السلفية السورية عن التغيير منذ بروزها في نهاية القرن التاسع عشر في أهم مركزين تاريخيين: دمشق وحلب. في بداياتها، كانت الحركة السلفية السورية شبيهة إلى حد كبير بالسلفية الإصلاحية التي نشأت في مصر على يد الشيخ محمد عبده، وكان رموزها رجال فكر ودين أيضًا، مثل الشيخ عبد الرحمن الكواكبي (1849-1902) والشيخ جمال الدين القاسمي (1966-1914)، والشيخ محمد رشيد رضا (1865-1935)، لكن السياسة كانت في صلب اهتماماتها. ولا يختلف الفكر السلفي الشامي في بنيته عن الفكر السلفي للمدرسة الإصلاحية السلفية في مصر. وقد تأثر عدد كبير من كبار رجال السياسة الوطنيين الأوائل بأفكار روادها، وبشكل خاص بأفكار جمال الدين القاسمي الذي كان يرعى منتدى يحضره أمثال: لطفي الحفار وعبد الرحمن الشهبندر وفارس الخوري ورفيق العظم ومحمد كرد علي وسليم الجزائري وعبد الحميد الزهراوي، وآخرون غيرهم.

تفرعت عن السلفية الإصلاحية الشامية عدة جمعيات، سرعان ما لعبت دورًا مهمًا في الحياة السياسية، أهمها “الجمعية الغرّاء” (1924) التي أسسها الشيخ عبد الغني الدقر وحاولت الـتأقلم مع التغييرات الاجتماعية التي أحدثها اقتحام الحياة الغربية الحديثة، وأدى نشاطها إلى إحداث تأثير اجتماعي واسع فباتت هدفًا مغريًا للسياسيين ورجال الحكم، طمعًا في الأصوات الانتخابية التي بحوزتها، بحيث إن شكري القوتلي الذي حصل على تأييد الجمعية نجح في الانتخابات البرلمانية في 1943، وجعل أمين سرّ الجمعية، الشيخ عبد الحميد الطباع، على قائمة مرشحي “الكتلة”، ففاز بالوصول إلى “البرلمان السوري” سنة 1943.

وأيضًا جمعية التمدن الإسلامي (1930) التي أسسها أحمد مظهر العظمة والذي أصبح وزيرًا، وبهجت البيطار (أحد التلامذة المباشرين للقاسمي). أصدرت عام 1946 مجلة باسم الجمعية يمكن اعتبارها أهم سجل مرجعي للسلفية الإصلاحية الشامية وتطوراتها. وقد أُغلقت الجمعية بعد مجزرة حماة الكبرى عام 1982.

وبالرغم من حل الأحزاب السياسية وإلغاء الحياة الديمقراطية في سورية لأجل الوحدة الناصرية مع مصر، إلا أن الإصلاحيين السلفيين الشاميين ظلوا أوفياء لمعتقداتهم ومبادئهم، لكن بعد انقلاب البعث عام 1963 وحلِّ الأحزاب والتعددية السياسية، بدأت السلفية الإصلاحية بالتفكك، وتحولت جمعياتها إلى مجرد جمعيات خيرية ومجلاتها إلى مجلات ثقافية، وانصرف أتباعها إلى الجدل العقدي مع خصومهم، حيث بلغ ذروته في نهاية السبعينيات، وتحولوا إلى السلفية العلمية. ويمكن اعتبار مناظرة الشيخين سعيد البوطي وناصر الألباني مثالاً نموذجيًا على ذلك.
بذور السلفية الجهادية

في عهد حافظ الأسد تشكلت البذور الأولى للسلفية الجهادية وسط بيئة إقليمية ودولية شهدت عدة صراعات ساخنة، مثل حرب الخليج الثانية، التي أعقبها حصار اقتصادي مروِّع للعراق، والانقلاب على الإسلاميين في الجزائر بعد فوزهم في الانتخابات، وأيضًا حدوث مجاز في البوسنة ضد المسلمين، بالإضافة إلى انتهاء حرب “تحرير” أفغانستان من الاحتلال السوفيتي، وعودة العديد من الأفغان العرب إلى بلادهم، فضلاً عن انكشاف حجم المأساة التي تعرض لها الإسلاميون السوريون في السجون بعد أن أُفرج عن مئات منهم منذ 1992، فلقد تعرض ما يزيد عن 17 ألف سجين لإعدامات جماعية منظمة، وقد واكب ذلك كله انفتاح محدود على العالم الخارجي سمح بالاطلاع على معاناة المجتمعات المسلمة في الخارج؛ إذ انتشرت في ذلك الوقت، وعلى نطاق لا بأس به، أشرطة فيديو وكتب ومقالات تتحدث عن مجازر البوسنة وجهاد الأفغان العرب. وفي منتصف التسعينيات أُعلن “الجهاد” ضد الروس من أجل استقلال الشيشان؛ أسوة بالدول التي كانت ملحقةً بالاتحاد السوفيتي.

خلق ذلك كله مناخًا يغري الأجيال الشابة بالتفكير الجهادي، فتشكلت جماعات صغيرة غير منظمة يجمعها مجرد اهتمام مشترك بهذا الموضوع؛ وهي رغم تشابهها فكريًا مع تفكير الطليعة المقاتلة في نسختها الأخيرة (كما ظهرت عند قائدها الشيخ عدنان عقلة) إلا أنها بالتأكيد لا تنبت من الذاكرة الإسلامية السياسية السورية في الثمانينيات ولا حتى من أدبيات الطليعة المقاتلة مباشرة، بقدر ما تشربت معنويًا من رموز الجهاد الأفغاني والقوقازي، وبشكل أكثر خصوصًا من كارزمية الشيخ عبد الله عزام الذي تحوَّل إلى رمز الجهاد الأفغاني العربي بعدما قُتل عام 1993 في سيارته مع اثنين من أبنائه في باكستان، بالإضافة إلى بعض رموز الصحوة الإسلامية السلفية الجديدة الصاعدة في السعودية. لكن الجدير ذكره هنا أن الشيخ عزام في الحقيقة كان يمثل مفصلاً في تطور فكر الطليعة المقاتلة نحو قاعدة الجهاد العالمي.

كانت الانتفاضة الفلسطينية الأولى، التي اشتعلت في 1987 واستمرت حتى 1993، قد ألهبت مشاعر الأجيال الفتيّة وأثارت حماسهم، فعمليات المقاومة الإسلامية الفلسطينية (“حماس” و”الجهاد الإسلامي”) كانت تثير الإعجاب على نطاق واسع، وذلك بجوار ما يحدث في جنوب لبنان، حيث بدأت المقاومة اللبنانية (“حزب الله”) منذ 1994 تحقق انتصارات تحت شعارات إسلامية ثورية، ولم يكن تأثيرها بالطبع أقل من جارتيها في فلسطين رغم “تنغيص” الاختلاف الطائفي الذي لم يمنع رغم ذلك قبول القوى الجهادية بسورية وانفعالها الشديد بالمقاومة اللبنانية.

من جهة أخرى، كان الاتحاد السوفيتي الذي طالما شكّل سندًا لنظام الأسد قد انهار، ومُنيت العقيدة الماركسية بهزيمة نهائية، وهو أمر زاد الاهتمام بالإسلام على مستوى محلي وعالمي، وقد عمل النظام على دعم بعض الرموز الدينية التي تحالفت معه، بشكل خاص تلك التي عُرفت بعدائها للإخوان المسلمين، للتحكم في “الصحوة الإسلامية” التي بدأت تشهدها سورية (مع المنطقة عمومًا) كي لا تهز أسس النظام، بل إن تصاعد الصحوة الإسلامية وبروز نجم الحركات الإسلامية في الدول المجاورة دفع بالشيخ محمد سعيد رمضان البوطي أبرز خصوم السلفية وأقرب الرموز الدينية إلى نظام الأسد في ذلك الوقت، والمعروف بعدائه لجماعة الإخوان المسلمين، إلى مواجهة الفكر الجهادي الذي بدأت بذوره تنمو للتو وتبرير القمع الذي مارسه النظام السوري ضد الإسلاميين فقهيًا في كتابه “الجهاد في سبيل الله: كيف نفهمه؟ وكيف نمارسه؟” (1993).

أدت التطورات والأحداث المتسارعة والانفتاح المحدود في وسائل الإعلام والتقدم في وسائل الاتصال إلى انتشار مزاج جديد معاد للأميركيين والأنظمة العربية على وجه العموم، بين الأجيال الشابة حديثة السن التي لم يكن لها خبرة جيدة بقمع الحركة الاسلامية في الثمانينيات، هذا المزاج كان يؤدي في الغالب إلى اعتناقهم أفكارًا سلفية جهادية بشكل فردي، سهَّلت وسائل الاتصال تداول أدبياتها ومكتبتها المرئية بشكل كبير.

كانت هذه المكتبة المتداولة تستند بطبيعة الحال إلى تجربة مجاهدي الأفغان العرب، ولم يكن بمقدور معتنقيها أن يتحولوا إلى عمل تنظيمي، فعمق المأساة الدموية في أحداث القمع في الثمانينيات ترك أثارا لا تمُحى؛ فالخوف ما زال عميقًا، إلى درجة أنه لم يكن مقبولاً مجرد التفكير في أي تنظيم يتبنى العنف ضد النظام في المجتمع السوري، ومع انسداد الأفق الداخلي اتجه تركيز قوى السلفية الجهادية الجديدة تلقائيًا إلى الخارج، ولم يلبث النظام نفسه أن قدم لها التسهيلات، واتَّبع سياسة الاستثمار فيها، فبات يتسامح بشكل غير معهود مع التنظيمات الإسلامية “الأصولية” في الخارج (حزب الله، حماس، الجهاد، الإخوان الأردنيين)، فيما حافظ على قمع عنيف وغير متسامح بالمرة مع أي حالة تنظيمية إسلامية سورية يمكن أن تبدأ مجرد بداية على أراضيه، مهددًا دومًا المجتمع السوري من خلال عدة طرق بتكرار قمع الثمانينيات، الأمر الذي كان يعزز “عقم” التربة السورية في تقبل البذرة السلفية الجهادية.

السلفية الجهادية المستأنسة

أصدر أبو مصعب السوري (أحد قيادات الصف الثاني في تنظيم “الطليعة المقاتلة” وأحد رموز القاعدة) بيانًا بمناسبة وفاة الرئيس حافظ الأسد، يشكو فيه من خيبة أمله في إعراض السوريين عن “الجهاد”، وأشار بمرارة إلى أن “كثيرًا منهم [السوريين] قد رضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها، وسيرفضون هذا الكلام، بل سينتقمون ممن يدعون إليه، وأعلم أن كثيرًا من علماء السوء ومشايخ الضلال، وعميان البصيرة، سيصرفون الناس عن هذا الكلام”، وأنه من عام 1986 إلى عام 2000 “أُخمدت بذور المقاومة [الجهادية] لدى أهل السنة”، لكن أحداث 11 سبتمبر/أيلول حفزت الجهادية السلفية في كل مكان؛ وسهّل دخول الإنترنت إلى سورية التواصل مع العالم الجهادي الافتراضي، في وقت كانت السلطات السورية تجري اعتقالات وتحقق في الصلات المحتملة مع تنظيم القاعدة بالتعاون مع المخابرات الأميركية، فاعتقل العشرات، واستدعي كل من يُشتبه في انتمائه إلى التوجه السلفي (ليس بالضرورة جهاديًا)، وتم التحقيق معه للتأكد من خلوه من الأفكار الجهادية وعدم ارتباطه بأي تنظيم “إرهابي” (كان بين الذين اعتُقلوا في ذلك الوقت “شاكر العبسي” الذي أصبح لاحقًا زعيم تنظيم جهادي جديد في لبنان اسمه “فتح الإسلام” كان على صلة مباشرة بالمخابرات السورية).

في الفترة التي كانت تجري فيها التحضيرات لاحتلال العراق، ومع اقتراب موعد الهجوم الأميركي مع قوات التحالف لاحتلال العراق، كانت الأجواء تشحن على كافة الصعد؛ رسميًا وإعلاميًا وشعبيًا، باتجاه صناعة واستقبال موجة الجهاديين الجدد على أساس مواجهة استباحة الغرب “الكافر” للأراضي المسلمة. تبادل الشيوخ الرسميون والشيوخ المتحالفون مع النظام السوري الأدوار في هذا التجييش الجهادي، بالإضافة إلى تصريحات السياسيين الرسميين. ففي 26 مارس/آذار 2003، دعا مفتي الجمهورية الشيخ أحمد كفتارو المسلمين في كل أنحاء العالم إلى الجهاد، و”استخدام كل الوسائل الممكنة في هزيمة العدوان، بما في ذلك العمليات الاستشهادية ضد الغزاة المحاربين”، وهي دعوة أعادها الشيخ البوطي في خطب الجمعة؛ حيث حثّ فيها المسلمين الشباب على “التوجه إلى الأجر العظيم الذي إذخره الله عزّ وجلّ للمقاتلين” في “جهاد الفريضة” التي لم “تتجلَّ أسباب فريضتها في عصر من العصور كما تجلت في هذا العصر” في أرض العراق “الأرض الإسلامية”. وعلى الخط نفسه سار شيوخ كثيرون.

وبالتزامن مع هذا التجييش، بدأ نجم الشيخ الشاب محمود قول آغاسي في منطقة فقيرة جدًا بمدينة حلب الشمالية يصعد بشكل فجائي، حيث تبنى خطابًا سلفيًا جهاديًا علنيًا، فكان يدرب أتباعه على العمليات القتالية في المسجد- (مسجد علاء بن الحضرمي)- تحت سمع وبصر النظام، بل وراجت أقراص ليزرية مدمجة على نطاق واسع تصور هذه التدريبات باللباس العسكري المرقط، إضافة إلى الخطب الجهادية الحماسية، فكان له دور مهم وملتبس في تجييش الشباب الناشئة وتعبئتهم إلى الجهاد، الذي انطلق في العراق توًا. على أنه في خريف 2003، صدرت فتاوى من جماعات جهادية في العراق بإهدار دمه، باعتباره كان “مصيدة أمنية لمئات الشباب الذين صدقوا دعواه” فاختفى الرجل ليعود إلى الظهور بعد سنتين مهذب اللحية إمامًا وخطيبًا سلفيًا إصلاحيًا في جامع الإيمان بحي حلب الجديدة الراقي (في مدينة حلب)، تائبًا من الجهاد، ثم لقي حتفه في عملية اغتيال في 28 سبتمبر/أيلول 2007 تبنتها جماعة أطلقت على نفسها “التوحيد والجهاد في بلاد الشام”، وقد تبين لاحقًا أنها غير موجودة إلا في الإعلام الرسمي.

اندفع مئات الشباب السوريين إلى العراق، وتشكلت “لجان نصرة العراق” لتسهيل تطوُّع الشباب ونقل قوافلهم إلى ميدان الحرب، على أن معظم المتطوعين للحرب والجهاد في العراق لم يلتحقوا بساحة القتال بناء على فكر سلفي جهادي، بقدر ما كانت تقودهم مشاعر مختلطة من النخوة العربية والإسلامية، وفي أذهانهم استلهام تجربة حزب الله الناجحة في جنوب لبنان ودحره للإسرائيليين عام 2000. لكن جرى استدعاء كثير من العائدين للتحقيق، فكان طريق العودة ليس بسهولة طريق الذهاب.

في 27 مارس/آذار 2004، وفيما بدأت الضغوط تتكثف على سورية بمبررات عديدة من قبل الأميركيين وقوات التحالف، لوَّحت الحكومة السورية بالفزاعة الإسلامية، فأعلنت عبر وكالة سانا الرسمية للأنباء وقوع اشتباك في مدينة دمشق بين مجموعة مسلحة وُصفت بالإرهابية، وعناصر الأمن في عملية هي الأولى من نوعها في سورية، منذ أحداث الثمانينيات، شكّك الكثيرون في مصداقيتها، ولم يأخذها الإعلام الغربي نفسه على محمل الجد، وساد اعتقاد بأن “العملية صنّعت محليًا”، ثم توقف الإعلان عن عمليات جهادية أخرى.

في مطلع يونيو/حزيران 2005، صرّح وزير الداخلية آنذاك (غازي كنعان) خلال اجتماع للجنة الأمم المتحدة المكلفة بمكافحة الإرهاب بأنه “ليس هناك على الإطلاق أي نشاط للقاعدة أو لحركة طالبان في الأراضي السورية”. إلا أنه بعد شهر واحد فقط (في 11 يوليو/تموز 2005) أُعلن عن صدام مسلح أسفر عن ضبط مجموعات “تكفيرية” تطلق على نفسها اسم “جند الشام للجهاد والتوحيد” المرتبطة بتنظيم القاعدة، تلاها الإعلان عن حوادث شبيهة، ويرجح خبراء عديدون أن هذه العمليات تمت بالفعل من مجموعات محلية منعزلة وصغيرة ليس لها امتداد دولي، وهناك شكوك بأن أجهزة النظام اخترقتها لتوظيف عملياتها في دعايته الداخلية والخارجية. غير أن معطيات المنظمات الحقوقية (البيانات الحقوقية ومحاضر الاتهام والمحاكمات) في ذلك الوقت تشير إلى أن انتشار الفكر السلفي الجهادي محدود للغاية، والجماعات التي تتبناه هي جماعات صغيرة متفاوتة الحجم ومتأثرة بأفكار تنظيمات دولية، إلا أنه لا يوجد رابط تنظيمي معها على الأغلب، وأن تنظيمات مثل: “تنظيم جند الشام للدعوة والجهاد”، و”التكفير والهجرة”، أو حتى “القاعدة”، التي كان الإعلام الحكومي يدعي وجودها لا تتجاوز لائحة اتهامات معدة سلفًا بناء على أدلة لا يمكن الاعتماد عليها على حد تعبير الناشطة الحقوقية البارزة رزان زيتونة.

الشيء اللافت للانتباه أن النسبة الأكبر من المعتقلين، بتهمة السلفية أو السلفية الجهادية أو الانتساب إلى تنظيمات “إرهابية” دينية متشددة، كانت من ريف دمشق والمناطق الريفية الأخرى، في حين كان أبناء المدن السورية الكبرى نسبة ضئيلة من عدد المعتقلين؛ الأمر الذي يعزز أن يكون لعاملي الفقر والتهميش دور مهم في تحفيز الفكر الجهادي بالتضافر مع السياسات المحلية والظروف الإقليمية.

وفقًا لذلك، لم تكن ثمة تنظيمات دينية سلفية جهادية بالمعنى الدقيق، وتشير الدراسات إلى تزايد مستمر في انتشار هذا الفكر السلفي الاحتجاجي، ونزوح العديد من الشباب السلفيين من الفكر الديني السلفي إلى السلفية الجهادية تحت ضغط تجربة السجن، خصوصًا وأن الأكثرية العظمى من المعتقلين السلفيين لم يكونوا ينتمون إلى جماعات جهادية، وهم في حالات قليلة فقط كانوا يحملون أفكارًا جهادية غير ناضجة، وأنه رغم ذلك، لم تكن توجد في ذلك الوقت حتى في السجن أية جماعات تؤمن بالعمل الجهادي داخل سورية، الأمر الذي يعني أن السياسة الأمنية القمعية التي استخدمها النظام ضد السلفيين -وبمحاكمات استثنائية جائرة لا تتمتع بأدنى شروط العدالة- أفضت إلى توسيع الفكر السلفي الاحتجاجي.

استفزاز التبشير الشيعي

بدءً من عام 2005، أصبحت هنالك سياسة جديدة لنظام الأسد، فقد تم السماح على نطاق واسع، وبتغطية أمنية وتسهيلات غير مسبوقة، للشيعة الإيرانيين والعراقيين واللبنانيين، بالدعوة لمذهبهم، حتى يتوفر النظام على أنصارٍ جدد، ولكن تبين لاحقا أن تلك الدعوة توفر أيضا لإيران قاعدة شعبية متقدمة في سورية إذا لزم الأمر. جذور هذه القضية ترجع إلى لحظة تسلم بشار الأسد السلطة وراثة عن أبيه، كجزء من تمتين الحلف الإيراني-السوري ليكون أحد دعائم النظام. وفي الواقع، لعبت عوامل عديدة على توثيق العلاقة الاستراتيجية بين سورية وحزب الله وإيران، بعد حدثين فاصلين: احتلال العراق (2003) واغتيال الحريري (2005)، بحيث أصبح واضحًا أن النظام تعرض لضغوط بالغة قد تؤدي إلى انهياره، وكان لذلك الحلف دور مهم في الحفاظ على النظام، كما استُثمرت هذه العلاقة، كورقة تفاوض وضغط على الأنظمة العربية والمجتمع الدولي. كان هذا هو أحد الأسباب الرئيسة في السياسة الأمنية القمعية تجاه معتنقي الفكر السلفي، والسلفي الجهادي منه على نحو خاص، الذي يشكّل خصمًا مذهبيًا لدودًا للتشيع.

تَشكَّل نتيجة ذلك إحساسٌ عميق بالتمييز والغبن في السياسات الحكومية، شعرت به الأكثرية السنية المسلمة وحتى الأقليات المسيحية، مقارنة بالامتيازات والدعم الحكومي الذي أصبحت تحظى به الأقلية الشيعة الصغيرة والمتشيعون، وبدا كأنما معظم الإجراءات الحكومية موجهة ضد جماعات مذهبية ودينية محددة دون أخرى. وهكذا لعبت السياسات الحكومية للنظام في عهد الأسد دورًا في تنامي الظاهرة السلفية والسلفية الجهادية، لأنها لعبت على الغرائز الطائفية بشكل متصاعد. ولأول مرة باتت تطلعات القوى الجهادية تتلخص في موقف احتجاجي على السياسات المحلية، وهو توجه سيشكل أرضية خصبة للجهادية السلفية فيما بعد.

سلفيو الثورة اللاعنفيون

في الفرع السلفي العلمي في الأقلية القوقازية الشركسية، برز تحول جديد نحو سلفية جديدة، لم يتبلور حتى مطلع الثمانينيات، وبقي محدود الانتشار في إطار جماعة قد لا يزيد عددها على أصابع اليدين، هو السلفية اللاعنفية، وربما لم يشهد الفكر الإسلامي حتى هذا التاريخ حركة إسلامية فضلاً عن السلفية تعتبر العنف أيًا كان، حتى لو دفاعًا عن النفس، عملاً غير مشروع، ويتزعم هذا التوجه الشيخ جودت سعيد (1931) الذي ينتمي إلى الأقلية الشركسية، والذي كان قد بدأ يعمل منذ مطلع الثمانينيات على نشر فلسفته الإسلامية عن اللاعنف، وقد سبق أن خبر معنى الاعتقال السياسي الذي تكرر معه مرات عدة.

تأثر جودت سعيد بفكر “محمد إقبال” (مفكر إصلاحي باكستاني) و”مالك بن نبي” (مفكر إصلاحي جزائري). وإذا كان جودت سعيد يبدو وكأنه قد أطلق نظريته عن اللاعنف كرد فعل على أحداث الثمانينيات، فإن مرجعيته الفكرية، ودروسه التي كان يلقيها قبل ذلك لسنوات طويلة في جامع المرابط في دمشق، كانت تعكس خطًا فكريًا مختلفًا عن الإسلاميين آنذاك، وقد نشر في عام 1966 كتابه “مذهب ابن آدم الأول: مشكلة العنف في العالم الإسلامي”، الذي جاء ردًا على اتجاه الإخوان المسلمين نحو ممارسة العنف السياسي. إن أهمية هذا الكتاب تكمن في أنه أول محاولة لصياغة مفهوم لاعنفي إسلامي في التاريخ المعاصر، وفي أنه أول رد مباشر على كتابات سيد قطب (توفي عام 1966) التي شكّلت الأساس الفكري لحركات العنف الإسلامي.

لم يستطع جودت سعيد أن يشكّل جماعةً تؤمن بأفكاره إلا في مطلع التسعينيات، في وقت كانت أحداث كبرى قد بدأت تعصف بالعالم، (سقوط الاتحاد السوفيتي) وبالمنطقة (حرب الخليج الثانية)، فكانت ثمة حاجة إلى فكر جديد. استطاع سعيد أن يملأ بعض الفراغ الرمزي الذي خلَّفته حقبة الثمانينيات، إلا أن الجماعة ما لبثت أن بدأت تتفكك وتنحسر في نهاية التسعينيات تحت تأثير تصاعد الأحداث المحيطة بسورية والتي كانت تدفع نحو التطرف والتشدد. ومع ذلك، حافظت الجماعة على نخبة من التلامذة المعجبين بآرائه، وبشكل خاص في الأوساط النسائية عبر تلميذته النشطة الداعية “حنان اللحام” (التي تتزعم جماعة نسائية خاصة بها)، وصهره (خالص جلبي) أحد الكتاب والمفكرين الإسلاميين المعروفين، ومجموعة من الناشطين الملتفين حول الشيخ السلفي عبد الأكرم السقا في مدينة داريا.

لم يكن مبدأ اللاعنف مجرد فكر تنويري ديني، ولكنه كان في جوهره فكرة سياسية إصلاحية. وبالرغم من أن شيخ الجماعة جودت سعيد لم يُبدِ أي تطلعات سياسية شخصية، في أي وقت من الأوقات، إلا أنه لم يخفِ رغبته بالتغيير السلمي للنظام السياسي.

تؤشر حادثة اعتقال “مجموعة داريا” عام 2003 على توسع تأثير فكر جودت سعيد عن اللاعنف، فقد خرج قرابة مائة شاب في تظاهرة صامتة صباح يوم سقوط بغداد رفعوا خلالها شعارات لمقاطعة البضائع الأميركية ومكافحة الفساد وتنظيف شوارع المدينة، إلا أن السلطات اعتقلت 24 متظاهرًا منهم في 3 مايو/أيار 2003، وأحالتهم إلى محاكم عسكرية ميدانية؛ كونهم ينتمون إلى تيار ديني إسلامي سلفي، وإن كان غير عنفي.

سقوط بغداد كان علامة فارقة لزعيم الجماعة السلفية اللاعنفية، فقد بدأ الشيخ جودت سعيد منذ ذلك التاريخ وفي كل المنتديات واللقاءات الفكرية العامة التي كان يحضرها يظهر مرتديًا سترة بيضاء كتب عليها بخط يده “الاتحاد الأوربي”! ملخصًا بهذه العبارة فكرته السياسية بأن الاتحاد القائم على المصالح هو الحل بدل الصراع والعنف، وقد كان هذا الظهور الاحتجاجي بمنزلة أول نشاط واضح له يدل على مواقفه السياسية على العموم. انغمست الجماعة أكثر بالفكر السياسي، حتى وإن بقي تعبيرها عنه بمفردات دينية قرآنية، فقاد ذلك زعيمها إلى أن يكون أحد أبرز الموقعين على “إعلان دمشق للتغيير السلمي الديمقراطي”، وهو إعلان جمع المعارضة السياسية الحزبية والمستقلة، وأكمل عدد من تلامذته السير نحو المعارضة العلنية للنظام. وعندما انطلقت الثورة السلمية في منتصف مارس/آذار 2011، بدأ نجم الشيخ جودت يبرز بقوة، فقد وجدت قطاعات لا بأس بها من الشباب في السلفية اللاعنفية فكرًا إسلاميًا جاهزًا يمكنها أن تستند إليه، وصار مألوفًا ظهور رمز الجماعة (الشيخ جودت) وكلماته في لافتات المظاهرات السلمية، فكان هذا ذروة العهد الذهبي للسلفية اللاعنفية التي تراجعت بعد أشهر مع اشتداد القمع ثم تحول الاحتجاج السلمي إلى ثورة مسلحة فلم تعد أفكار السلفية اللاعنفية تحظى بالاهتمام ذاته.

السلفية الثورية المسلحة

إرث الأسد والذاكرة السورية لأحداث الثمانينيات التي حرص النظام على أن لا تندمل جروحها من أجل إدامة مفعولها “التأديبي”، بالإضافة إلى السياسات الحكومية في عهد الأسد الابن والتي أشارت الأحداث إلى حدوث تغييرات جوهرية فيها، وانعطاف مهم حصل في بنيتها، يكمن في تحول تعامل النظام مع الجماعات الدينية من الاعتماد على أسس سياسية تقوم على مبدأ التفاوض والتوازنات الاجتماعية الداخلية إلى أسس أمنية بحتة تقوم على ضبط صارم لها، أساسه الترهيب ومصالح النظام السياسية الخارجية. كل ذلك سرعان ما أثار حنق الجماعات السلفية، وأحدث تغييرات مهمة في تطلعاتها السياسية. فالسلطات الحكومية اتخذت إجراءات ذات أبعاد أمنية دون أن تحسب حسابًا للانعكاسات الاجتماعية والسياسية على المجتمع السوري، خصوصًا وأنها تجاوزت فيها القوى الإسلامية إلى التحكم بكل الفضاء الديني والتدخل في مؤسساته (مثل القرار غير المباشر بحل الجمعيات الأهلية الخيرية عبر فرض مجالس منتدبة من قبل الحكومة، وإبعاد فائزين في انتخابات البلدية على خلفية تدينهم، وإلغاء مائدة الإفطار التي كان يُدعى إليها سنويًا الشيوخ وعلماء الدين، بالإضافة إلى قرار فصل المنتقبات من التدريس، وإحالتهن إلى أعمال إدارية ليس لها علاقة بالتدريس). كل ذلك في ظل أجواء ثورية انطلقت من تونس فجعلت سورية كبرميل بارود يحتاج تفجيره إلى مجرد شرارة صغيرة.

انفجرت الثورة وكانت التنظيمات الحزبية جميعها وعلى اختلاف ألوانها خارج دائرة صنعها، وانخرطت فيها كما انخرطت جميع القوى المدنية الأخرى، فلم يكن لأي منها دور القيادة، وفي الأشهر الأولى للثورة كانت السلفية التقليدية والجهادية أيضًا خارج إطار الحدث، ولم يكن ثمة أي نوع من التنظيمات الحزبية أو الحركية السلفية، ومن انخرط من السلفيين في صفوف الثورة المدنية السلمية كانوا قلة وعلى نحو فردي، وكثيرون منهم كانوا من ضحايا أحداث الثمانينيات، وشاركوا على خلفيتها.

شكّلت أحداث بابا عمرو انقلابًا في المزاج العام، فقد استمرت الثورة سلمية عشرة أشهر، فاستطاعت أن تنتشر في جميع أنحاء البلاد وحشدت تعاطف كثير من السوريين ضد نظام الأسد، ولكن أحداث بابا عمرو أقنعت المحتجين بأن النظام يمكن أن يذهب إلى مدى أبعد من قتل المتظاهرين بالرصاص، فيمكن أن يقصفهم بالدبابات والطائرات والصواريخ؛ الأمر الذي فتح الباب لتشكيل تنظيمات عسكرية تهدف إلى حماية المدنيين والمتظاهرين السلميين من القتل، ثم إلى حماية الأحياء والمدن، وسرعان ما أصبح الهدف هو إسقاط النظام بالقوة. وبالرغم من أن أولى كتائب الجيش الحر ظهرت في صيف 2011 إلا أن التحول العام في قناعة الثوار السوريين بالعمل المسلح بدأ في هذا الوقت؛ حيث أخذت تظهر الكتائب العسكرية التي تشكلت أولاً من منشقين وانضم إليهم متطوعون مدنيون بشكل متزايد.

كان الأسد قد اتبع استراتيجية إبقاء المراكز المدنية تحت السيطرة المكثفة أولاً، فبقاء النظام مرتبط ببقائه فيها، فبقيت الأطراف الريفية في وضع يسمح لها بالتحرك بحرية أكبر؛ الأمر الذي جعل الثورة ثورة أطراف فتأخرت جميع المدن عن الالتحاق بها. وعندما بدأت العسكرة تشكّلت معظم الكتائب في الريف ثم بدأت تزحف إلى المُدن، وبطبيعة الحال فإن الفقر وغياب التنمية والتهميش يجعل البيئة الريفية أكثر استعدادًا لقبول الفكر السلفي المتشدد، كما أن العنف الذي مارسه النظام السوري ضد السكان على شكل مجازر طائفية الملامح، وخيبة أمل من تدخل المجتمع الدولي لحماية المدنيين فضلاً عن تدخل إيراني متزايد على أساس مذهبي، وانتشار فكر سلفي الملامح بين معظم الكتائب المسلحة رسم خارطة جديدة للسلفية في سورية، عزز كل ذلك من فرص انتشار فكر متشدد بسيط يمكنه مواجهة هذا العنف بمزيد من التضحية والصلابة، وهو ما منح السلفية بيئة مثالية وسط المقاتلين، غير أن هذه الخارطة لم تكتمل إلا مع بروز “جبهة النصرة لأهل الشام” إلى الوجود وبدء عملياتها ضد القوات النظامية والشبيحة في يناير/كانون الثاني من عام 2012.

الخارطة السلفية الجديدة

تراجعت جاذبية سلفية اللاعنف بينما بدأت السلفية الجهادية بالصعود على نطاق واسع، ومع انتشار الكتائب أصبح من الصعوبة بمكان وضع خارطة تفصيلية لها، فالكثير من هذه الكتائب كان يتعرض للتحول والتطور أو الاضمحلال مع تدفق المتطوعين وتزايد الانتصارات التي تحققها على الأرض. على أنه في هذا السياق، لا ينبغي أن يكون تعريف الخارطة السلفية للكتائب العسكرية نابعًا من أسماء الكتائب وحدها، فلا تعكس هذه الأسماء دائمًا ميولاً سلفية حقيقية؛ ففي بعض الأحيان تكون التسميات براغماتية تهدف إلى اجتذاب ممولين خليجيين، أو تمليها مقولات دينية عامة تشكّل جزءًا من المخيال الديني الشعبي. وسرعان ما بدأ نوع من الفرز والتمايز بين الكتائب الإسلامية الجهادية وكتائب الجيش الحر؛ ففي حين تبدو الكتائب الإسلامية الجهادية متماسكة ومنظمة فإن كتائب الجيش الحر تبدو رخوة التنظيم وبالتالي أقل فاعلية مقارنة بها.

1- النصرة: الجيل الثالث للسلفية الجهادية
بينما كانت المظاهرات في أوجها في أواخر صيف 2011، قرر مقاتلون سوريون في دولة العراق الإسلامية التوجه نحو الريف الشمالي والجنوبي للاستطلاع، وانتهى الأمر بتقدير المآل إلى عسكرة الثورة، فتشكلت مجموعة من الكتائب الصغيرة أطلقت على نفسها اسم “كتائب النصرة لأهل الشام”، كان بين بعض عناصرها مقاتلون أجانب، وذلك بدعم مالي وعسكري من أمير دولة العراق أبي بكر البغدادي، وأعلنت عن نفسها في يناير/كانون الثاني 2012.

استفاد قادة جبهة النصرة من التجربة القتالية للدولة الإسلامية في العراق، والفشل الذي مُنيت به، فحاولوا استقطاب جميع أصحاب التجربة في العراق وأفغانستان أو حتى في لبنان، والذين توثقت علاقات معظمهم في سجن صيدنايا العسكري حيث كان يُعتقل السلفيون الجهاديون وغيرهم، وقرروا العمل على أساس كسب القاعدة الاجتماعية أولاً، تلك القاعدة التي كانوا قد خسروها بالصحوات، فتميز خطاب جبهة النصرة بمعالم عسكرية تتمثل في إسقاط نظام الأسد ومواجهة الشيعة (العلويون جزء منهم) وإيران، لكن لم يكن لدى النصرة أية إشارة واضحة إلى مرحلة ما بعد النظام، ولم يكن بوسع المعارضة السياسية ولا العسكرية أن ترفض مساندة جبهة النصرة رغم شكوكها في علاقتها بالقاعدة والجهل بشخصية قائدها أبي محمد الجولاني.

دخلت جبهة النصرة انعطافين مهمين:

الأول: عند إعلان الولايات المتحدة في 5 ديسمبر/كانون الأول 2012 وضعها على قائمة “الإرهاب”.
الثاني: عند إعلان أبي بكر البغدادي تبعية جبهة النصرة له، وإعلان “الدولة الإسلامية في العراق والشام”. فقد دفع الكشف الأميركي عن علاقة جبهة النصرة بالعراق، إلى إعلان الجبهة عن جميع عملياتها التي كانت تصور بعناية بأشرطة فيديو عالية الجودة ونشرها على نطاق واسع. وأدت الخيبة المؤلمة من التزام الولايات المتحدة بوعودها إلى ردة فعل عكسية استثمرتها النصرة في تكثيف دعم التأييد الشعبي، وفرض هيبتها، بحيث إن المعارضة السياسية وجدت نفسها مضطرة إلى الدفاع عن جبهة النصرة في مؤتمر أصدقاء سورية الرابع في المغرب. كما دفعت محاولة أبي بكر البغدادي استتباع جبهة النصرة وإلحاقها به إلى مسارعة قائد الجبهة إلى إعلان البيعة للظواهري تهربًا من هذا الاستتباع،؛ ولكن هذا القرار سبّب شرخًا في صفوفها وهز بعنف التعاطف الشعبي الملحوظ معها، فمعظم المقاتلين لا يعرفون هذه الصلة، فبرز تياران: تيار يريد تأييد العمل المدني التدريجي لإقامة دولة إسلامية، وآخر يؤيد إقامة دولة إسلامية في الشام تمهيدًا للخلافة الإسلامية العالمية. وقد اعتبر قادة الجهاد السوريون القدماء من أعضاء تنظيم الطليعة المقاتلة الذين لحقوا بالجهاد الأفغاني (مثل أبي بصير الطرطوسي)، إعلان البيعة للظواهري خطأ وخطرًا جسيمًا على العمل الجهادي في سورية، وخدمة كبيرة للنظام.
جبهة النصرة تمثل الجيل الثالث للقاعدة (الجهاد العالمي)، إذا ما اعتبرنا أن مجاهدي أفغانستان يمثلون الجيل الأول، ومقاتلي العراق يمثلون الجيل الثاني، وفي الجيل الثالث ثمة ميل مدني واضح، وتحول في القناعة بات منتشرًا بين قادة جبهة النصرة يتمثل في توجه قادتها (بمن فيهم أبو محمد الجولاني) إلى العمل التدريجي من القاعدة إلى القمة، والانتقال من العمل المدني إلى العمل العسكري. أما قيادات النصرة فهم من السوريين، وفي الغالب من المراكز الحضرية (بعضهم متعصب لهذه المراكز)، ولكن قواعدها ريفية في الغالب.

ظهر تنظيم جديد في مدينة حلب وشرق سورية في نوفمبر/تشرين الثاني 2012 باسم “مجلس شورى المجاهدين” يحاكي تنظيمًا ظهر في العراق عام 2006 يحمل فكر السلفية الجهادية العالمية، وتنظيمًا مماثلاً في غزة ظهر في 2010. وعلى عكس جبهة النصرة المرتبطة بالقاعدة، لا يرتبط تنظيم مجلس شورى المجاهدين بالقاعدة، وهو لا يعكس أي تطورات فكرية كتلك التي لاحظناها في الجبهة، وهو واحد من التنظيمات المتوسطة التي لا تزال فاعلة حتى الآن. كما ظهرت بعض التنظيمات تحاول تقليد جبهة النصرة، مثل “جيش الصحابة في بلاد الشام” (سبتمبر/أيلول 2012) و”جند الشام” في حلب (أغسطس/آب 2012)، ولكن هذه التنظيمات لم تلقَ أي حظ بالنجاح، فتفكك بعضها وبقي البعض الآخر هامشيًا.

توافد “المهاجرون” وهم المقاتلون الأجانب إلى سوريا لأسباب مختلفة، فقدمت طلائعهم من دولة العراق لنصرة زملائهم في جبهة النصرة، ثم تواصل قدوم الباقين عبر الشبكات الاجتماعية الخاصة تحت دوافع سياسية تخص كلاً منهم؛ فالليبيون مثلاً لديهم رغبة في الانتقام من النظام الذي ساند القذافي، والشيشانيون يقاتلون ضد الروس في سورية، وهكذا. وهؤلاء الوافدون جرت مبالغة كبيرة في تعدادهم لأغراض سياسية نتيجة الاستقطاب الإسلامي-العلماني الحاصل في بلدان الربيع العربي، ولكن واقع الأمر أن تعدادهم جميعًا اليوم لا يزيد عن ألفي مقاتل من جميع الجنسيات في جميع أنحاء سورية. يمثل المهاجرون نموذج التفكير القاعدي الصلب في شكله الجهادي في دولة العراق، فبالرغم من روح التضحية المميزة التي يتمتعون بها والإقدام والشجاعة الاستثنائية التي ينتشر خبرها في أرجاء البلاد، بحيث إن معظم “الاستشهاديين” كانوا منهم، إلا أنه مع ذلك لم يتم تقبل توجهاتهم الأيديولوجية من قبل عموم السوريين، فالشخصية الشامية المدينية المعتادة على الانفتاح لا تستطيع تقبل هذا القدر من التشدد، فانزوى الجهاديون على شكل كتائب معروفة باسم كتائب المهاجرين في الأرياف السورية الشمالية الغربية، وهي تدرك الآن أن وجودها مؤقت في سورية.

2- جهاديو الخلافة العالمية المؤجلة
بالرغم من أن جميع الحركات الجهادية السلفية تشترك فيما بينها في فكرة الخلافة الإسلامية العالمية، إلا أن القوى السلفية الجهادية في سورية تمايزت بملامح مختلفة هي حصيلة خبراتها في الصراع مع النظام والصراع مع الكتائب والبيئة السورية، فقد وُلدت سلفية جهادية تؤمن بضرورة قيام دولة سورية ولكن إسلامية توقف العمل بالحدود مؤقتًا وتعمل على تطبيق الحدود بشكل تدريجي، مع إبقاء فكرة الخلافة العالمية مؤجلة. هذه الجهادية المحلية الجديدة أشبه ما تكون بجهادية سلفية وطنية، وهي عمومًا تشترك في كثير من الصفات مع جبهة النصرة، بل إن لديها علاقات متميزة مع الجبهة على الرغم من الخلاف الفكري المحدود بينها. ومن بين هذه الكتائب “كتائب أحرار الشام” التي تكونت أساسًا في ريف إدلب الشمالي في 25 يوليو/تموز 2012 والتي تحولت في نهاية فبراير/شباط 2013 إلى “حركة أحرار الشام الإسلامية”، و”كتائب نور الدين الزنكي” في ريف حلب الغربي التي أُعلن عن تشكيلها في أكتوبر/تشرين الأول 2012، و”كتائب الطليعة المقاتلة” التي أُعلن عن تشكيلها في آب/أغسطس 2012، و”حركة فجر الإسلامية” في ريف إدلب الشرقي التي تشكّلت في نوفمبر/تشرين الثاني 2012.

وباستثناء كتائب الطليعة المقاتلة، فإن معظم الكتائب الأخرى تضم بين صفوفها بعض المقاتلين الأجانب الذين يُعرفون باسم “المهاجرين” الذين يقابلهم “الأنصار” من المقاتلين المحليين. لعب التمويل الخليجي غير الرسمي دورًا مهمًا في تقوية هذه الكتائب بخلاف التمويل الحكومي الخليجي لأنه متردد ومحدود.

3- جهاديو السلفية التقليدية
تشكَّل في ريف دمشق الشرقي تنظيم سلفي بقيادة الشيخ “زهران علوش”، خريج الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، باسم “لواء الإسلام” الذي ظهر في مارس/آذار 2012، يعتمد أساسًا على الفكر السلفي الوهابي المستند إلى الفقه الحنبلي، وقادته يحملون سلفية كلاسيكية عمومًا، وتصوراتهم السياسية لا تتجاوز الدولة الإسلامية في حدود الدولة الوطنية، مؤقتًا على الأقل، وإن كان عدد من قادته يمتلكون خبرة في القتال في العراق، علمًا بأن (دوما) التي تمثل معقل الثورة في الريف الشرقي لدمشق معقل الحنبلية الوحيد في سورية. يمثل هذا التنظيم أكبر التنظيمات السورية المقاتلة في محيط العاصمة دمشق، ويُعتقد أن هذا التنظيم هو الذي قام بتفجير مقر الأمن القومي في حي الروضة بدمشق، الذي أودى بحياة صهر الرئيس آصف شوكت، ووزير الدفاع داود الحجة، وقائد الجيش النظامي ونائبه وعدد من كبار الضباط. وبالرغم من ميول قادته السلفية، فإن سلفيتهم تتلاقى مع ميول إسلامية تقليدية تصلبت بفعل الحرب، فمعظم الكتائب الحليفة لهذا اللواء والمنطوية تحت مظلة “تجمع أنصار الإسلام في بلاد الشام” الذي تشكّل في أغسطس/آب 2012 مثل “كتائب الصحابة”، و”أحفاد الرسول”، هم مسلمون تقليديون محافظون في معظمهم، لم يسبق لهم أن حملوا توجهات سياسية إسلامية أو تنظيمية.

تمثل “كتائب الأنصار” في ريف حمص التي ظهرت في يناير/كانون الثاني 2012، نموذجًا مثاليًا للفكر السلفي التقليدي؛ إذ تتبنى خطابًا يركز على العقائد والسلوك وفق منظور سلفي، وتظهر ميولاً دعوية بجانب مهمتها الجهادية، وبشكل خاص في العلاقة بين الكتائب وتوجيه سلوك المقاتلين في الكتائب الأخرى.

العديد من الكتائب بدأت تُظهر ميلاً سلفيًا لأغراض التمويل، تجلّى ذلك في الاسم أحيانًا، وفي الخطاب أحيانًا أخرى، لكن ذلك لا يعني أن الكثير من الكتائب التي تعتنق السلفية التقليدية نجحت في الظهور والتمويل، بما في ذلك أهم ألوية الجيش الحر “لواء التوحيد” الذي تشكَّل في الريف الشمالي لمدينة حلب ويتزعمه عبد القادر الصالح، وعبد العزيز سلامة، اللذان يميلان نحو الفكر السلفي. أما “لواء صقور الشام” الذي أُعلن في 25 نوفمبر/تشرين الثاني 2011، والذي يتزعمه أحمد الشيخ، فقد حرص في بداية تشكيله على الإشارة إلى أنه من الجيش الحر، إلا أنه لاحقًا تجنب ذلك وأظهر ميلاً متزايدًا نحو السلفية.

4- السلفية الجهادية الديمقراطية
معظم الكتائب المشكلة من متطوعين مدنيين ذات ميول سلفية وتنطوي تحت مظلة “الجيش الحر” –الذي يمثل مظلة رمزية لا تنظيمية–. وفي ظروف الحرب والمعارك التي تجري في سورية يبدو الأمر مفهومًا، غير أن سلفية معظم هؤلاء سلفية رخوة، بمعنى أنها لا تشكّل منظومة فكرية متماسكة بقدر ما هي أفكار متناثرة وقناعات تشكلت من ردَّات الفعل أثناء القتال، ذلك أن معظمها ديمقراطي حريص على بناء دولة ديمقراطية حديثة، ينطبق هذا على العديد من الكتائب التي تشكلت من أبناء متعلمي أبناء المدن ذاتها، مثل “كتائب أبي عمارة” في حلب.

ثمة سلفية طارئة أيضًا لدى بعض الكتائب مرتبطة بردة الفعل على العنف وتأثير جهات التمويل، هي سلفية براغماتية أكثر منها سلفية اعتقادية قارَّة، مثل “لواء الحق” الذي تشكّل في حمص في أغسطس/آب 2012 من كتائب حمص العاملة في المدينة وريفها. الأمر نفسه ينطبق على “كتائب الفاروق” التي تشكلت في نوفمبر/تشرين الثاني 2011 من منشقين، ثم أظهرت بوضوح ميلاً متدرجًا في خطابها ومظاهر قادتها نحو السلفية، لكنها سلفية تشبه السلفية الرسمية الحكومية؛ فالقادة المؤسسون للكتائب هم منشقون من الجيش النظامي، وتلقوا تربية عسكرية علمانية، ولا يتفق تكوينهم مع التوجه السلفي المتشدد.

السلفية اللاعنفية التي ازدهرت في أجواء الحراك المدني تحوَّرت وأخذت طابعًا مختلفًا لكنها حافظت على الطابع المدني، فقد ظلت العسكرة مفهومًا اضطراريًا وعملاً مؤقتًا، وبقي الأصل، وهو العودة إلى حياة ديمقراطية ودولة حديثة، ماكثًا في الأذهان، بحيث أدى تأثير هذا التفكير السلفي الجديد إلى جعل الكتائب والمجلس المحلي المدني في مدينة مثل داريا نموذجًا فريدًا وجذابًا لتنظيم فعال يتميز بسيطرة المدنيين على قرار القادة العسكريين.

المآلات

على خلاف بعض دول الربيع العربي ومصر خصوصًا، شاركت السلفية التقليدية في الثورة السورية المدنية منذ البداية، ولكن مشاركتها المدنية لم تكن لقناعات دينية بدولة إسلامية على نموذج الخلافة بقدر ما كان مرتبطًا بإسقاط النظام وانتقامًا منه، فقد عانى السلفيون بمختلف صنوفهم من الملاحقة والمتابعة والمحاكمات الجائرة، في حين كانت ثمة عمل ممنهج من قبل النظام السوري لحماية وزيادة انتشار “العدو الطبيعي” للسلفية أعني التشيع بدعم إيراني، وكان النموذج المثالي لهذه المشاركة في مدينتي دوما وحرستا (ريف دمشق) معقل السلفية التقليدية الشامية، لكن عندما تعسكرت الانتفاضة سارعت إلى العمل العسكري وبدأت مفاهيمها عن الدولة تبرز، باعتبارها دولة إسلامية مدنية قد تكون جزءًا من خلافة إسلامية في المستقبل، لكنها تركز النظر حاليًا على الدولة وليس على الخلافة على نحو ما أشرنا إليه آنفًا.

لقد ظل معقل الحركة السلفية في أطراف المدن وهوامش المراكز الحضرية، أي بقيت رغم كل شيء طرفية الطابع، وتحركها الميداني كان زحفًا من الأطراف إلى المراكز، وأثرت في قلب المراكز الحضرية تأثيرا محدودًا، وأحيانًا كثيرة براغماتيًا، بحيث يمكن القول: إن التفاعل مع المراكز الحضرية أوجد سلفية رخوة قابلة للتفكك عند أول لحظة خلاف حول بناء الدولة وشكل نظامها.

وبالرغم من أن الحرب ساعدت على انتشار واسع للفكر السلفي إلا أن انتشاره الطارئ أقرب ما يكون إلى أداة حرب؛ إذ لم يأخذ من الوقت ما يكفي ليتحول اعتقادًا راسخًا، ولهذا فإن خارطة الانتشار الجديدة للفكر السلفي معرضة للتغير بشكل كبير بعد أن تضع الحرب أوزارها. غير أنه من الجدير بالملاحظة أن النزوع السلفي الجديد كان عمومًا بين مقاتلي الكتائب الثورية وليس انتشارًا في أوساط المدنيين، لكن مع التأكيد على أن تأثيره سيمتد فيما بعد إلى حاضنته الاجتماعية، وخصوصًا في المنابت التي ينحدر منها هؤلاء المقاتلون.

من الملاحظ أن معظم القادة الكبار للكتائب كانوا يمتلكون خبرات قتالية في العراق (مثل أبي محمد الجولاني وقادة الجبهات في النصرة، وبعض قادة لواء الإسلام وقادة أحرار الشام)، أو أفغانستان (مثل بعض قادة الطليعة المقاتلة)، أو لبنان (مثل قائد كتائب الزنكي)، والعديد من قيادات الصف الثاني وبعض قيادات الصف الأول اعتُقلت في سجن صيدنايا العسكري بتهم تتعلق بالسلفية والسلفية الجهادية؛ حيث اعتمدت الكتائب السلفية الصاعدة على خريجي سجن صيدنايا من خلال شبكة العلاقات التي تكونت في السجن وخارجه.

حتى الآن لم تنشأ حركات سياسية سلفية ذات أهمية، وذلك بالرغم من أن هناك حركة سياسية غير اعتيادية بدأت في صفوف الثورة منذ تعسكرت، وحتى قبل ذلك، مثل حركة (المؤمنون يشاركون) (نوفمبر/تشرين الثاني 2011)، وحزب الإصلاح والعدالة (يونيو/حزيران 2011)، لكن لم ينجح أي تنظيم سياسي حتى الآن بالظهور كقوة سياسية واعدة، وذلك لأن الثورة لم تنتهِ بعد، ويُنظر إلى العمل السياسي مجردًا عن العمل العسكري بكثير من الريبة. على أن التنظيمات العسكري شرعت تشكل أذرعًا مدنية لتكوين قاعدة اجتماعية لمرحلة ما بعد النظام تساعدها في تحقيق قناعاتها الأيديولوجية، على سبيل المثال شكلت جبهة النصرة بالتحالف مع لواء التوحيد وعدد آخر من الكتائب الهيئة الشرعية من أجل ملء الفراغ التنظيمي والقضائي والخدماتي والأمني في المناطق المحررة، وفكرة الهيئة الشرعية منتشرة على نطاق واسع، وهي فكرة شبيهة بتلك التي كانت للفصائل الأفغانية أيام الجهاد ضد النظام السوفيتي والحكومة الموالية له. وشكلت واحدة من الكتائب البارزة في الريف الشمالي لمدينة حلب هيئة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تأثرًا ربما بالنموذج السعودي أو الطالباني، لكنها قوبلت بنفور اجتماعي ملحوظ.

من المؤكد أن جميع الحركات السلفية ستواجه سؤالاً صعبًا بعد سقوط النظام حول شكل النظام الجديد، وطريق الوصول إليه دون اقتتال داخلي، ولعل الإسلاميين أصحاب فكرة الدولة الديمقراطية يمتلكون وحدهم الحظ الأوفر في المرحلة الانتقالية باعتباره حلاً لمأزق استقطاب أيديولوجي تزداد ملامحه حدة كلما استمرت الثورة المسلحة على النظام السوري.

_________________________________________
عبد الرحمن الحاج – باحث متخصص في الحركات الإسلامية، وأستاذ في جامعة العلوم الإسلامية بماليزيا.