أ.د. أحمد محمد وهبان

عولمتنا وعولمتهم

كاتب الموضوع الأصلي: محمد العمار

كثر الحديث عن العولمة، في هذا العقد الأول، من القرن الحادي والعشرين، حتى تاه الناس في مدلولاتها، مع وضوح فحواها.
ويبدو لي الأمر كأنه لا حيلة للضعيف إلا قبول تفسير المصطلحات – ومنها العولمة- كما يفسرها واضعها القوي، وهذه تكاد تكون من السنن التاريخية.
ومهما حاولت البلدان النامية –ومنها بلداننا العربية والإسلامية- أن تجد معاني جميلة للعولمة الغربية، التي يُرادُ فرضها علينا، كي تكسوها بها؛ فإنّ معانيها القبيحة المستترة خلف المعاني المزركشة، تظهر سنة بعد سنة، وشهراً بعد شهر، ويوماً بعد يوم، حتى لم تعُدْ خافية على السذج من الناس، فضلاً عن النابهين.
ومن المعاني الجميلة للعولمة، التي يُروّج لها : أنّ المظاهر الحضارية الحقيقية، كالعدل والمساواة، والتعليم والصحة، ووسائل الرفاهية، وغيرها، ستكون متوفرة لجميع الناس، في جميع بلدان العالم، جنوباً كما في الشمال، وشرقاً كما في الغرب.
ومن المعاني المستحسنة لهذه العولمة: أن تعمّم الدول الصناعية المتقدمة خبراتها ونتائج بحوثها العلمية، على جميع الدول، حتى لا تكاد تميّز بين دولة وأخرى.
* *
أما المعاني القبيحة –وما أكثرها-؛ فيمكن التذكير بأشهرها: أن تعمّم المصطلحات، التي يبتكرها الغرب بمفاهيمها التي يعنيها هو دون أن يصرح بها، إلى جميع دول العالم، كمصطلحات الحرب المقدسة، والأصولية، والإرهاب، والحرية، والمساواة، وغيرها، ومنها: تعميم الأخلاق والعادات السلوكية الشخصية، للعملاق الغربي، الأوروبي والأمريكي، ليتشبّه الأقزام في سائر البلدان، فتصبح عالمية، عابرة للقارات ومخترقة للبيوتات.
فلما تأمّلت فيما تجنيه بلادنا الإسلامية، من المعاني القبيحة المستقذرة للعولمة، مع قلة ما تفيده من المعاني الجميلة المستحسنة؛ سألت نفسي: أليس لدينا عولمة خير من عولمتهم، أليس من الممكن أن تصبح العولمتان نِدّين، فتفيد كل منهما من أفضل ما عند الأخرى؟
وأجبت: إنه ممكن نظرياً، مستبعد عملياً، في الوقت الحاضر، كما سيأتي بيانه.
لكن ما الفرق بين عولمتهم وبين عولمتنا؟
إنّ الفرق الأساس هو من جهة المصدر والمرجعية؛ فعولمتهم مصدرها أرضي بشري، ومرجعيتها عقول البشر وأهواؤهم. وأما عولمتنا؛ فمصدرها سماوي رباني ومرجعيتها الوحي الإلهي، المتمثل بالقرآن الكريم والسنة النبوية المطهّرة.
أليست عولمتنا أساسها أن رسولنا محمداً r خاتم الرسل، وقد بعثه الله تعالى إلى جميع البشر، } قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً { [الأعراف: 158] وعشرات الآيات يبدأ الخطاب بها، بـ } يَا أَيُّهَا النَّاسُ {؟
وعولمتنا تقوم على مبدأ المساواة بين بني آدم، في الإنسانية، وفي الحقوق والواجبات العامة، كما قال تعالى: } يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً { [النساء: 1].
وعولمتنا تقوم على وجوب التعارف بين القبائل والشعوب } يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ{ [الحجرات: 13].
ومن التعارف تبادل ثقافات، ونقل المعارف والعلوم، دون منّة وفضل، أو استعلاء واستكبار.
ومن الفروق التفصيلية المهمة، بين العولمتين:
أنّ عولمتهم دوافعها مادية؛ كالتفوق الاقتصادي، والغلبة العسكرية، والسلامة الصحية، ونحو ذلك، وعولمتنا دوافعها أخلاقية إنسانية، تقوم على التعاون والتسامح والتراحم بين شعوب الأرض.
هم يريدون أن (يُعولِموا) قوانين التجارة والاقتصاد، لتنتقل صناعاتهم ومنتجاتهم، عبر حدود البلدان، بكل يسر، ليزدادوا غنى فوق غناهم، ويزدادوا سيطرة وتحكماً بمصائر الشعوب.
ويريدون عولمة ثقافتهم، القائمة على الحرية الشخصية المطلقة، وإباحة الشهوات بلا حدود، وفرض الديمقراطية بلا قيود، وسحق الطبقات الفقيرة بلا شهود.
أليس هذا ما شهدناه حتى الآن من عولمتهم؟
هل أنقذوا كوكب الأرض مما يهدده من المخاطر الجويّة والبيئية، أم هم الذين يسهمون في وجود هذه المخاطر، ويطلبون من الدول الضعيفة والفقيرة أن تطبق ما يُطلب منها تجاه البيئة، والانبعاث الحراري، واقتلاع الغابات؟
أليست مصانعهم السبب الرئيس في اتساع ثقب الأوزون، أليست بلادهم مصادر للأمراض المستشرية، والأدواء المعدية، كالإيدز، والجمرة الخبيثة، وإنفلونزا الطيور، وإنفلونزا الخنازير، وغيرها كثير؟
من الذين يتاجرون بأعضاء البشر؛ نحن، أم هم؟
من الذي صنع أسلحة الدمار الشامل، واستخدمها أحياناً، نحن، أم هم؟
من الذي يتفنّن في صناعة المخدرات ونشرها وترويجها، نحن، أم هم؟ وإن كانت تزرع في بعض بلا د المسلمين.
من الذي يؤيد الظلم والظالمين في العالم، وموازين العدالة لديهم ذات مكاييل، لا مكيالين؟ نحن، أم هم؟
من الذي سبب الأزمات المالية والاقتصادية العالمية، وآخرها وأكبرها ما نشهده في هذه السنوات؟ نحن، أم هم؟ أليست عولمة التجارة القائمة على الربا والاحتكار والقمار، لاستغلال الآخرين؟
ومع هذا كله، فإنّ لبلادهم مزايا كثيرة، أرادوها لأنفسهم، وإن وصلت إلينا، فعن طريق الشراء منهم، لأجل ثرائهم، مثل جميع وسائل النقل والاتصال، والآلات والأدوات، ولولا حاجتهم إلى التسويق وجني الأرباح، ما وصلنا منها شيء؛ لأن أنانيَّتهم، واستكبارهم، واستعلاءهم، بادية دون التباس.
ومن مزاياهم التي ابتدعوها لأنفسهم، ونحن بحاجة إليها، ويجب أن (تعولم): أنظمتهم الإدارية والحياتية، وصدقهم في التعامل، وإتقانهم للعمل، وتقدير قيمة الوقت، والبحث العلمي، وحرصهم على صحة الإنسان، وعلى كرامته، وعلى حقوقه.
وأما عولمتنا الإسلامية، النابعة من تعاليم ديننا الحنيف، والتي كانت مطبقة قروناً عدة، بدءاً من عصر الرسول r، ولست أعني عولمة واقعنا المتخلف المتردّي، المتهالك، في السياسة والاقتصاد والتعليم والصحة، والعلاقات الاجتماعية، وسائر جوانب الحياة.
ولكني أعني عالمية الإسلام، القائمة على مبادئ الحق والعدل، وحب الخير لجميع بني الإنسان، في كل زمان وكل مكان.
فالحق في العقائد والشرائع، الذي اخترناه لأنفسنا، نريده لكل البشر، وهو ليس من عند أنفسنا، بل من عند خالق الناس، إله الناس.
والعدل –هو إعطاء كل ذي حق حقه- نريده لأنفسنا ولغيرنا، ونطبقه على أنفسنا وعلى غيرنا. ألم يأمرنا قرآننا بذلك بقوله تعالى: } يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ … { [النساء: 135].
وبقوله: } يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى … { [المائدة: 8].
فالعدل عندنا واجب علينا، وفرض محكم لا عدول عنه، حتى مع الأعداء، ومع الذين نبغضهم، ولا مِنة في ذلك عليهم؛ لأنه أقرب للتقوى التي ننشدها.
وعدل الإسلام وسماحته، ورحمة المسلمين الفاتحين، بالشعوب التي فتحوا بلادها، قد شهد به الأعداء والأصدقاء، والعبارات في ذلك أصبحت مشهورة كالأمثال، كقول إحدى المستشرقات: ما عرف التاريخ فاتحاً أرحم من العرب (أي المسلمين).
وكذلك جميع الأخلاق الكريمة، والآداب السامية، التي أمرنا بهم ربنا عزّ وجل، وعمل بها رسولنا الكريم وحثنا عليها، من الرحمة بالضعفاء والمساكين، والرفق واللين في الدعوة والتعامل، والإخلاص في العمل، وإتقانه، وبذل السلام على من عرفنا ومن لم نعرف، والحرص على أمن المجتمع، والبعد عن النزاع والشقاق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر… وغير ذلك مما لا يحصى من الأخلاق والآداب.
كل هذا الخير، نحبه ونسعى به لأنفسنا، أي للمؤمنين، ولغيرنا، أي للكافرين، ولا نعادي إلا من يبدأ بعدائنا، بل ننشد الأمن والسلام للعالم كله.
* *
وهنا يأتي السؤال: أي العولمتين أولى بالانتشار؟ إنها -بلا شك- عولمتنا، وإن كنا بحاجة إلى بعض عولمتهم كما مرّ في ذكر مزاياهم.
لكن هل الغربيون مستعدون في الجملة لقبول عولمتنا؟
والجواب: إن ذلك مستبعدٌ حاليا، ولذلك أسباب عدة. والسبب الرئيس هو المسلمون أنفسهم؛ بأحوالهم السيئة وواقعهم الرديء، الذي لا يعكس ما لديهم من جواهر المبادئ والأخلاق العالمية، التي لا تتقيد بقيود الزمان والمكان والبيئة.
* *
وختاماً أقول: على المسلمين أن يثوبوا إلى رشدهم، ويدركوا حقيقة ما يملكون من الثروات المعنوية والمادية، ويتجهوا إلى النهضة الشاملة -وإن كانت الصحوة الإسلامية قد بدأت من نصف قرن تقريباً- التي تمثل مبادئ الإسلام وأخلاقه وقوانينه السمحة العامة، ويُقدموها للآخرين، على أنها حقائق علمية، ونتائج تجارب حياتية، أثبت الواقع صدقها وجدواها، إنْ لم يقبلوها كونها ديناً يغاير أديانهم وديمقراطياتهم.
وقد سمعنا من الأستاذ المفكر الإسلامي جودت سعيد حكمته التي يكررها: إنّ الشيء أو الأمر كلما صار علماً صار عالمياً، كما نأخذ الدواء وسائر المبتكرات العلمية، دون أن نسأل عن مكتشفها أو مخترعها أو صانعها، أهو نصرانيّ أو يهوديّ أو بوذيّ؟.

اراء واقوال ساطع الحصري

كاتب الموضوع الأصلي: محمد العمار

ما بين عام 1882و عام 1968 سنوات مديدة وأحداث كبيرة ، وتطوَّرات متلاحقة عاشها ساطع الحصْري المكنّى بـ // أبو خلدون //

عمرٌ حافلٌ بالتنقلات وغنيٌّ بالتجارب والعطاء ومثيرٌ للتساؤلات .. فقد شهد الكثيرَ من الأحداث السياسية التي عصفت بالدولة العثمانية والأمة العربية . كسقوط الدولة العثمانية والحربين العالميتين الأولى والثانية ونكبة فلسطين ونكسة حزيران . إضافة للتغيُّرات الدولية والمعاهدات والاتفاقيات التي قسّمت الدول العربية كوعد بلفور واتفاقية سيكس بيكو ، وقبلها الصراع بين تياري الرابطة العثمانية والجامعة الإسلامية .. وتضاف إلى ذلك تنقُّلاتُه بين أضنة واستانبول وصنعاء وطرابلس الغرب مع والده الذي عمل في القضاء بعد دراسته في الأزهر .. وبعد هذا سفرُهُ إلى أوروبا وإقامته في إيطاليا عندما اصطحبه الأمير فيصل قبل أن يصبح ملكاً على العراق .. وفي أوروبا اطّلَعَ على الكثير من الآراء التربوية من جهة ونظريات تكوين الأمم من جهة أخرى وهذا ما دفعه للبحث والكتابة والحوارات والتأليف .

ولد فيلسوف القومية العربية في اليمن من والدٍ متعلِّمٍ درسَ في الأزهر ومارس القضاء في الباب ودير الزور وحماه ثم عيِّن رئيساً لمحكمة الاستئناف في اليمن . ومن أقرانه وزملائه في الدراسة الوطني (( إحسان الجابري والمناضل الوطني سعد الله الجابري )) وعاشا معه في بيتٍ واحدٍ وهما ابنا خاله …

عمل ساطع الحصري في بداياته معلِّماً وأنهى حياته معلّماً بمعهد الدراسات العربية التابع لجامعة الدول العربية …

وبين بدايته في التعليم ونهايته مارس الكثيرَ من الوظائف المختلفة السياسية والتربوية . وتولى العديد من المناصب الوظيفية والحكومية حتى وصل إلى مرتبة وزير المعارف في فترة حكم فيصل 1918 – 1920 . في بداياته لم يلتحق بمدرسة ابتدائية معيّنة بسبب تنقل عمل والده . فقد تعلَّم من إخوته الكبار القراءة والكتابة باللغتين التركية والفرنسية، وقد أتقنهما إلى جانب اللغة العربية التي كان يتعثَّرُ بها ويتلكَّأ . وقد كان له ولع في الرياضيات وفي العلوم الإدارية والسياسية وكتبَ عدّة أبحاث ومقالات في هذه العلوم .

غادر اسطنبول وعمره تسع وثلاثون سنة . في دمشق انضمّ إلى دعاة القومية العربية ودعا إلى إصلاحات وتبنّى الأفكارَ التنويرية في المعاهد المخصّصة لإشاعة التفكير العصري . عانى كثيراً في مجال التعليم ، واصطدم بعراقيل كثيرة لأن العثمانيين اعتبروا المدارسَ مراكز للمعارضة الفكرية وهذا ما قاله (( هاشم باشا )) وزير المعارف في عهد السلطان عبد الحميد (( ما كان أحسنَ عملَ الوزارة لو لم تكن هناك مدارسُ أبدا )) أمضى خمس سنوات في التدريس حتَّى اقتنع بعقم جهوده التنويريّة . فقرَّرَ ترك سلك التدريس : وقد ألَّف في هذه الفترة عدَّة كتب مدرسية في المعلومات الزراعية ، ودروس الأحياء ، وعلم الحيوان ، وعلم النبات ، والتطبيقات الزراعية .. روَّج لنظريته التربوية على صفحاتِ مجلتين ترأَّس تحريرهما (( التدريسات الابتدائية )) و (( التربية )) ولم يتجاهلْ تأثُّره بأفكار العلماء الأوربيين أمثال (( لوتورتو ، سبنسر ، رينان ، .. ) ) وكان يحرص على انتقاء الأفضل والمتوافق مع الظروف المحيطة . في أوَّل الأمر سعى الحصْري لوضع أساس إيديولوجي للرابطة العثمانية . وركّز في محاضراته على تحديد مقوِّمات الوحدة العثمانية والرابطة المعنوية لها .

إنَّ إعدام الشهداء في السادس من أيار ومنهم صديقه (( عبد الكريم الخليل )) وكان مؤمناً بالدعوة العثمانية قد دفعه للتفكير القومي فغادر أرض تركيا بعد انتهاء الحرب وانضمَّ إلى الركب القومي وطرح شعاراً (( أنا عربيٌّ ولستُ عثمانياً )) وانضمَّ إلى العناصر القومية في دمشق وتحديداً في حزيران 1919 مع وجودِ تطوُّر في أفكاره القومية حيث اعتبر العروبة تيّاراً ليس دينيّاً ، وقويَ شأنه من خلال علاقته مع الأمير فيصل الذي عيّنَهُ مديراً عاماً للتعليم . وكان يسعى ويعمل على توجيه التعليم في المنحى القومي وهذا دفعه إلى قناعة صياغة نظرية قومية متكاملة .

آراؤه التربوية والقومية كانت تجد الصدى لدى الطلبة والدارسين المهتمين وتحديداً في دار المعلمين العليا ببغداد . وقد أسهم بشكل ملحوظٍ في تطوير الثقافة والتربية والتعليم في تركيا وسوريا والعراق ومصر …

قدَّم ساطع الحصري البراهينَ النظرية لإثبات وحدة الأمة العربية . وراجت نظريتُهُ وآراؤه في مرحلة حصول بلدان المنطقة على استقلالها السياسي . وتوافقت مع وعي المجتمع العربي لأنه يملك رؤية ، تلامس القوى الاجتماعية التي يتوجّه إليها ، ويعتبرها الركيزة الأساسية في توجُّهِهِ القومي . وإنَّ آراءَهُ في القضايا القومية والتربويَّة والثقافية أثَّرت على آراء الجيل اللاحق من المفكرين القوميين ، ولذلك يعتبر من كبار المفكرين والمصلحين العرب الذين أسَّسوا لهذا الفكر . كان ساطع الحصْري أوّل عربي يتولى أمر مديرية الآثار العراقية من تشرين الأول 1934 إلى آخر أيامه في العراق . وكرَّس أثناء إقامته في العراق العديد من المقالات والمسائل القومية التي تردُّ على معارضيه . وقد خرج من العراق مرغماً لأنَّهُ أغضب الإنكليز في العراق من جراء سياسته القومية . وفي الأردن عمل مستشاراً لوزارة المعارف . وعام 1944 دعته سوريا لوضع برنامج لإصلاح نظام التعليم ، فعمل مستشاراً فنيّاً لوزارة المعارف وقدّم / 16 / تقريراً عن حالة المعارف وسبل الإصلاح منها تعزيز التربوية القومية . وفي مصر وبعد الحرب العالمية الثانية كان منظراً للقومية العربية ، ودرّس في معهد التربية العالية ، وألقى محاضرات في التربية وعام 1948 عمل مستشاراً فنياً في الإدارة الثقافية التابعة لجامعة الدول العربية .

وأصدر (( حوليات الثقافة العربية )) في ستة مجلّدات وأصدر كتبه التي تردُّ على دعاة الإقليمية والنعرات الطائفية وتدافع عن القومية العربية .. وعاش في القاهرة في غرفة بسيطة في فندق (( لاقينواز )) ومن دخل كتبه الضئيل .

ترك ساطع الحصري الكثيرَ من المؤلفات والدراسات منها

1. 1. دراسات عن مقدمة ابن خلدون في جزأين

2. يوم ميسلون ، 3. صفحات من الماضي القريب ، 4. أصول التدريس ، 5. هوية الثقافة العربية ، 6. محاضرات نشوء الفكرة القومية ، 7. آراء وأحاديث في التربية والتعليم ، 8. آراء وأحاديث في الوطنية والقومية ، 9. آراء وأحاديث في العلم والأخلاق والثقافة ، 10. آراء في القومية العربية ، 11. العروبة أولاً ، 12. أبحاث مختارة في القومية العربية .

وأصدر في استنبول مجلة باسم (( أنوار العلوم )) ومجلة (( التدريسات الابتدائية )) ومجلة التربية .

هذه الكتب والدراسات وغيرها تبرز أهمية أبحاثِهِ وأفكاره التي سأعرضها بشكل موجز ومقتطف .

توفي في 24 / كانون الأول / 1968 وكرَّمته الأمة العربية بعد وفاته (( الاتحاد الاشتراكي العربي )) مصر )) وخصَّصت جامعة الدول العربية أسبوعاً لدراسة فكره تقديراً لدوره القومي والتربوي .

بعض أقواله وآرائه :

يقول (( إنَّ الدعوات الإقليمية الانعزالية تعوق رصّ الدول العربية في جبهة موحَّدة معادية للإمبريالية )) ويقول في مقدِّمة كتابه (( العروبة أوّلاً )) : (( إنّي أعتقد أنَّ أوَّلَ ما يجب عمله لتحقيق الوحدة العربية في الأحوال الحاضرة ، وهو إيقاظ الشعور بالقومية ، وبثّ الإيمان بوحدة هذه الأمة )) .

ويقول أيضاً : (( إنَّنا ثُرْنا على الإنكليز ، ثُرْنا على الفرنسيين ، ثرنا على الذين استولوا على بلادنا ، وحاولوا استعبادنا .. وقاسينا في هذا السبيل ألواناً من العذاب ، وتكبَّدْنا أنواعاً من الخسائر ، وضَحَّيْنا كثيراً من الأرواح .. ولكن عندما تحرَّرْنا من نير هؤلاء أخذنا نستقدس الحدود التي أقاموها في بلادنا بعد أن قطعوا أوصالها … ))

يُلمِحُّ في مقالاته على كشف نوايا الإمبريالية ودورها في التجزئة (( إنَّ الدول العربية القائمة الآن لم تتكوّن ، ولم تتعدَّد بمشيئتها ومشيئة أهلها ، ولا بمقتضيات طبيعتها ، إنّما تكوَّنَتْ وتعدَّدت من جراء الاتفاقات والمعاهدات المعقودة بين الدول التي تقاسمت البلاد العربية وسيطرت عليها …))

ويتعمَّق في طرحِ أفكارِه محلِّلاً ماهية الوحدة العربية : فيقول : (( ويخطئ من يظنُّ بأنَّ قضايا الوحدة العربية يمكنُ أنْ تدرَّس وتعالج بأعمال حسابية ، ولْنعلَمِ العلم اليقين بأنّ (( الاتحاد يولّد قوّة )) ليس عن طريق جمعِ القوى . فحسب . بل عن طريق إيجاد حياة جديدة ، وأوضاع جديدة تولّد قوى جديدة ، تفوق مجموع القوى المتفرِّقة بآلاف الدرجات …)) وحول علاقة الفكر القومي بالدين ، وما تعرَّض له من ردود ونقاشات يبيّن الحصْري وجهة نظره في فصل الدين وعدم اعتباره من مقوِّمات القومية . (( إن التفكير في بعض الأمورِ مستقلاً عن الدين ، لا يعني إنكار الدين ، إنَّما يعني اعتبار تلك الأمور مما لا يدخل في نطاق الأمور الدينية . وذلك لا يحول دون الرجوعِ إلى الدين في سائر الميادين . ولذلك كلِّه . قلت ولا أزال أقول : إنَّ نَعْتَ القومية باللادينية والقوميين باللادينيين . لا يتفق مع حقائق الأمور بوجه من الوجوه … ))

هذه الآراء والأفكار وضعته في مواجهة فكرية مع أنصار الرابطة الإسلامية .. فتصدى لهم عن طريق الحوار فنفى كون الدين عاملاً من عوامل تكوين الأمة العربية ، وأنكر دوره في تشكّل الفكرة القومية العربية . وحذَّر من اعتبار الدين عاملاً أساسياً رغم أنه يراعي تأثير الإسلام على الجماهير العربية العريضة . ويؤكّد الحصري أن الموقف الذي يقفه دعاة الرابطة الإسلامية حيال الوحدة العربية يجعلهم في مواقع العداء لمصالح الأمة العربية . فهم بنفيهم العصبة الجنسية وبتأييدهم للعصبة الدينية يسهمون في تعميق النـزاع بين المسلمين والمسيحيين وغيرهم من الطوائف فيقول : (( كيف يمكن لأحد أن يأمل بتكوين وحدة من البلاد الإسلامية التي تتكّلم بلغات مختلفة . دون تكوين وحدة من البلاد التي تتكلّم بلغة واحدة ، ولا سيما التي تتكلم بلغة القرآن .. ) )

إنَّ اهتمام الحصْري بالقضايا المصيرية كان يدفعه إلى الحوارات والكتابة والإدلاء بآرائه . وقد تناثرت آراؤه القيمة في كتبه ومساجلاته ومحاضراته وهي ذات قيمة. فاعتبر الجامعة العربية خطوة بالغة الأهمية ،وهي سبيل إلى التلاحم القومي وبعث الوعي القومي الذي اعتبره سبيلاً إلى التلاحم في حال توفر الأسس الموضوعية لها . ويخرج بنا إلى آراء تحتاج إلى وقفة متأنية فيقول : (( إن الجامعة قد ألحقت الضرر بالقومية العربية بدلاً من أن تعمل لخيرها . قوبلت في البداية بحماسة شديدة ، لكن الوقائع خيَّبت آمال الكثيرين ويرى أيضاً : من الخطأ المطابقة بين جامعة الدول العربية وبين المسيرة الوحدوية القومية . ويؤكد على كونها جامعة للدول العربية لا جامعة عربية والأخيرة لا تزال بمثابة المثل الأعلى الذي تصبو إليه النفوس المدركةُ معنى العروبة ))

وللحصْري آراءٌ في التاريخ واللغة والتراث والثقافة وهي آراء في معرض دفاعه ودعوته للوحدة . فلم يشتغل بالقضايا التاريخية كعالم متخصِّص أو محترف فما اهتمامه بهذه القضايا إلا من مناحي البرهان على نظريته في الأمة العربية .. فقد آمن بأولوية توحيد كافة فئات المجتمع العربي وقواه السياسية من أجل بلوغ الأهداف القومية العامة . وأكّد على حياده إزاء الأحزاب السياسية وظلَّ يقترب ويؤيِّدُ ولكنه لا ينتمي وعبَّرَ عن ذلك بقوله : (( واجب المنوّر والمربي في رأيه (( خدمة وجهة السياسة العليا )) وأكَّد على هذه الفكرة في أكثر من مكان منها (( مجلة التربية والتعليم البغدادية )) .

ويقدِّم الحصْري وحدة اللغة على سائر عوامل الرابطة القومية . ويرى أنَّ الثقافة القائمة على اللغة تؤكد تشابه التكوين النفسي ويعتبره أساس الأمة . فيقول لطه حسين : (( اضمنوا لي وحدة الثقافة وأنا أضمن لكم كلَّ ما بقي من ضروب الوحدة )) وفرَّق بين الثقافة التي اعتبرها قومية وبين الحضارة التي اعتبرها أمميَّة . وتكلَّم عمَّا يدعى ويسمى (( العبودية الثقافية )) (( السيطرة الثقافية )) التي تمارسها بلدان الغرب الإمبريالية .ويراها تشكل خطراً على الثقافة القومية والوجود القومي العربي . ويحذِّر من مخلَّفات السيطرة الاستعمارية الغربية التي تروِّج للتيارات والنـزعات الإقليمية .. وبالمقابل يؤكد الحصْري على شعبية الثقافة . ويعتبرها الأساس في تكوين نفوس الشعب ولا يقصد بذلك التقليد بل البعث والنهوض . وهذا ما دعاه إلى رسم سياسة لغوية صحيحة في معركة النضال من أجل الوحدة العربية ، فأبرز أهمية إصلاح اللغة والتعمّق في معرفة الفصحى في مدارس البلدان العربية .

ودافع عن قومية الأدب أمام المنادين بإقليمية الأدب فخاطب أحمد ضيف : (( إنَّ الأدب العربي لم يكن أدباً واحداً . وإنما هو مجموعة آداب ، نشأت في بيئات مختلفة ، (( ويستشهد بالمتنبي الذي ولد في الكوفه ونشأ في البادية وعاش في بغداد وحلب . وسافر إلى القاهرة .، . ومع ذلك حافظ على أصالته وصفته الموحّدة . وإنَّ الأدب حافظ على صفته الموحَّدة والموحِّدة حتى في أسوأ عصور تفكك الدول العربية وتفتُّت شعوبها . …… فيرى الحصري : (( التنوّع والأصالة شيء وإقليمية الأدب شيء آخر . فلا يوجد أدب مصري وأدب عراقي أو شامي أو تونسيٌّ …… وإنما يوجد أدباء مصريون ، عراقيون ، شاميون ، وكلُّهم يسعون لتطوير الأدب وإبراز أصالته .. ))

وفي سبيل تكوين ثقافة عربية معاصرة يجدُ الحصْري التنوير أنجعَ أداة . و لا يقتصر التنوير عنده على التعليم المدرسي والتحصيل الجامعي بل يتعدّاه إلى تأثير المفكرين والإيديولوجيين من حملة الأفكار القومية والوطنية النيّرة . وهذا ما جعله يعتبر وحدة الثقافة مقدِّمة هامة وأساسيّة للوحدة السياسية . وهذا يستدعي إصلاح وتوحيد أنظمة التربية والتعليم في البلدان العربية وقد ساهم واهتمَّ بهذا الدور التنويريِّ الهام . فاعتبرَ المدرسةَ مهمَّتُها إعدادُ الجمهور لتقبُّلِ الأفكار الجديدة وجعل الجيل الجديد عاملاً في إعداد مجتمع راق ، ولذلك دعا إلى الإبداع الخلاق وزرعه في نفوس الناشئة دون إلغاء الأصالة ….

لم يقض الحصْري عمرَه المديد وراء المكاتب وفي برجه بل كان مثالاً للباحث والمجرِّب والدارس الملتزم . يحاضر ويناقش ويطوِّر آراءه ونظراته ،ولم يغلق نوافذ ثقافته وتفكيره على ثقافة دون ثقافة بل أقاد كثيراً من نظريات تكوين الأمم تحديداً النظرية الألمانية والفرنسية فقال الدكتور محمد أحمد خلف الله : (( لقد كان ساطع الحصري يصدر عن العقيدة القومية في كلِّ أعمالِهِ التعليمية . كما دفعه ذلك إلى أن يسلك وسيلة خاصة مع المدارس التي ينشئها غيرُ العرب في العراق . فكان ينشئ إلى جانب كلِّ مدرسة إيرانية مدرسة عربية ))

ويشيد المؤرِّخ المصري محمد عبد الرحمن برج بدور الحصْري فقال عنه في كتابه (( ساطع الحصري )) : (( كان ساطع على رأس الرعيل الأول الذي دعا إلى القومية العربية وإلى تجسيد هذه القومية في وقت كانت فيه شخصيةُ الأمة العربية قد ذابت في شخصيات أخرى . واتجّه أبناؤها اتجاهات شتىّ .. ))

ويقول : (( الباحثون الغربيون ركزوا على الجذور الفلسفية لأفكار الحصْري ، ويعتبرونها نقلاً مباشراً لما كان رائجاً في أوروبا بالقرن التاسع عشر . ويتجاهلون عداءَه للإمبريالية وهي سمة من سمات مؤلفاته .. ))

وبعد هذا أدلي بالسؤال الذي يخطر على البال : لماذا الحديث عن ساطع الحصْري ؟ ولماذا الاقترابُ من كتبه وأفكاره في هذا العصر بالذات ؟؟؟

ازدواجية الشخصية الاسلامية

كاتب الموضوع الأصلي: محمد العمار

قال الله تعالى: “يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون* كبر مقتًا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون” (سورة الصف: آية 2-3). لا نريد أن نتحدث عن الشخصية الإسلامية المثالية التي تقدمها كتبنا النظرية، بل نريد أن نسلط الضوء على السلوك الواقعي للمسلم في حياته اليومية، ونحن نزعم أن معظم مشاهداتنا لسلوك إخواننا من المسلمين الذين عشنا بينهم وعرفناهم خلال سنوات حياتنا، والذين ينتمون إلى عدة مجتمعات إسلامية -بما فيها الجالية الإسلامية في ألمانيا- إنما تعكس حالة من الفصام الحاد والازدواجية، بين الإطار النظري الذي نزعم بأننا نؤمن به، والسلوك الواقعي، فأي مسلم عندما تجلس معه، وتناقشه في معتقده الديني، سوف يقدم لك صورة رائعة، تكاد تكون صورة مثالية للمواطن الصالح الذي يتمسك بأعلى درجات الفضيلة، لكن إذا ما انفك النقاش، وخرج للحياة الواقعية، وجدت أن سلوكه يخالف معتقده بصورة فجة!. ولكي لا نقع في الحكم بالتعميم، سوف نضرب أمثلة واقعية من حياة المسلمين، فمثلًا: الصدق في التعامل والحديث، والمواعيد والاتفاقات،
هي من الفضائل التي يحث عليها الإسلام، بل هي فريضة إسلامية يجب أن يلتزم بها المسلمون، في حين نجد أن الكذب، والغيبة، ونقض العهود والمواعيد، منتشر بين المسلمين مع الأسف! وكذلك النظافة في الملبس، والمسكن، والحي أيضًا، مطلب إسلامي، وما عليك إلا المرور في الأحياء الإسلامية حتى تجد تراكم القمامة، ومخالفة قواعد السير ظاهرة للعيان!. والعمل فريضة إسلامية، لكن للأسف تجد أن كثيرًا من المسلمين القادرين على العمل، يعتمدون على المساعدات الاجتماعية بدلًا من البحث عن العمل الشريف! ونستطيع أن نضرب عددًا لا ينتهي من الأمثلة التي تعكس واقعًا مريرًا عند المسلمين، يؤكد وجود حالة الفصام في الشخصية، بين الإطار النظري والسلوك الواقعي. وهذا الأمر ينطبق على الكثير من القضايا المهمة، كالقضايا التي تخص معاملة المرأة وحقوقها -التي ضمنتها لها الشريعة الإسلامية- في مسائل الإرث، والزواج، والطلاق، والتربية، ومختلف أشكال السلوك الاجتماعي، وكثيرًا ما يتساءل المرء: كيف أن مجتمعًا أغلب سكانه من المسلمين الذين يؤمنون أن الرشوة محرمة، وعلى الرغم من ذلك فإن الرشوة تنتشر بنسبة تتجاوز تسعين بالمئة في المعاملات التي تجري في هذا المجتمع؟! هذا التناقض في سلوك الفرد المسلم، يدفع المرء لطرح بعض الأسئلة، التي يعتقد بعض الناس أنها أسئلة غير منطقية أو غير مبررة، مثل: هل تكمن المشكلة في التربية الإسلامية؟ أم في أدواتها ووسائلها المنهجية؟ أم في المنظومة الأخلاقية التي تستند إليها هذه التربية؟ أم في الخاضعين لهذه التربية؟ وهل العلاقة بين المنظومة الأخلاقية التابعة للدين الإسلامي، والمعتنقين لها، هي علاقة جدلية أم علاقة تبعية؟ أي: هل المنظومة التشريعية للدين الإسلامي -كما هي عليه الآن- منظومة غير صالحة لتطبيقها في الحياة الاجتماعية؟ وبالتالي يجب تغييرها أو تطويرها؟ أم المشكلة تكمن في مستوى الوعي العقلي والثقافي عند المنتسبين لهذه المنظومة من المسلمين مثلًا؟ أم المشكلة تكمن في طرفي هذه العلاقة معًا؟ وهنا نلفت الأفهام إلى أننا هنا غير معنيين بمناقشة دور العوامل الأخرى المؤثرة في تكوين الشخصية الإسلامية وسلوكها، مثلًا: كدور المؤسسات السياسية، والأجهزة الإدارية، التي تساهم، بل تلعب دورًا أساسيًّا -في كثير من الأحيان- في نشر الفساد الاجتماعي، كظاهرة الرشوة على سبيل المثال، لكن ما يهمنا في هذه النقطة بالذات، هو فقط دور الثقافة والتربية الإسلامية، ومدى فاعلية أدواتها المنهجية التربوية العملية، في تكوين الشخصية الإسلامية. وإن كان من الصعوبة بمكان أن يتم عزل دور المكون الديني في صياغة معالم السلوك الاجتماعي، عن بقية المكونات المادية والثقافية الأخرى، إلا أننا نتكلم في إطار تصور وصفي تحليلي نسبي للدور الأساسي الذي يمارسه الفكر الديني في رسم معالم الشخصية العربية الإسلامية، وأشكال ممارساتها الفكرية والسلوكية. فتصورنا للمشكلة نراه هنا من خلال مستويين، الأول: يقع في إطار البنية الداخلية للتربية الإسلامية، في حين يقع الثاني: في إطار العوامل الخارجية المحيطة بها. المستوى الأول يجب أن يتناول ضعف الأدوات التربوية المستندة إلى مرجعية إسلامية، وهذا الضعف قد تأتّى بسبب قدم هذه الأدوات وعدم قدرتها، أو بشكل أدق عدم السماح لها بمواكبة الطرق التربوية الحديثة! التربية اليوم “علم” شديد الأهمية، له فنونه وأساليبه ومناهجه. للأسف ما تزال الكثير من المدارس الدينية تتبع أساليب المسلمين في القرون الوسطى والقرون المتأخرة، وليس لدينا اعتراض على هذه الأساليب التي كانت شديدة النفع في زمانها، ولكن الجيل تغير، والزمان تغير، والفهم للحياة وظروفها تغير؛ فلا بد بالمقابل أن يواكب ذلك تغير في المناهج والطرائق التربوية. ونحن نتحدث من واقع خبرة عملية، وليس مجرد تأمل نظري، فقد سنحت لنا الظروف أن نطلع على الطرائق والأساليب المتبعة في المعاهد الشرعية، سواء في بعض البلدان الإسلامية، أو في بعض معاهد الجالية المسلمة في ألمانية، فقد لاحظنا الفرق الشاسع بين مستوى تأصيل الثقافة الإسلامية، ومدى انعكاسها في سلوك ووعي الطالب بين من لقن المعارف بطريقة غير صالحة لزمانه، باتباع سبل تقليدية موروثة تعتمد على حشو المعلومات في رأس الطفل أو المتعلم، دون مراعاة ملاءمتها لفهمه ونفسيته، وبين تجربة خاصة لسلسلة من المعاهد التي تبنت أساليب معاصرة ومدروسة بصورة علمية، وروعي فيها الأبعاد النفسية، والعوامل الاجتماعية، وتنمية المهارات الفردية، وتقوية الروح الجماعية، وبعد اطلاعنا على بعض ثمار هذه التربية، لم يكن أمامنا إلا أن نقف بكل فخر واعتزاز للإنجاز الكبير الذي حققه المشرفون على تلك المعاهد، والذين هم إلى الآن جنود مجهولون، ولكن إذا أنسئ لنا في الأجل، فسوف نتحدث عن هذه التجربة التربوية الناجحة باستفاضة، عساها تطبق في مدارس ومعاهد أخرى؛ فتعم الفائدة المرجوة منها، في جعل السلوك العملي قريبًا نسبيًّا من التصور النظري، ولعلها تساهم بخطوة صغيرة في هذا المجال. إذًا، نرى وجوب تحديث أساليب التربية الإسلامية، وتطوير مناهجها؛ لكي تتجاوب مع روح العصر، وألا نبقى تابعين في معاهدنا، وكلياتنا التربوية الحكومية، على ما يفد لنا من الغرب، أو على ذخيرتنا التربوية من القرون الوسطى، والتي كانت في مقاييس ذلك العصر أبحاثا معمقة ومكثفة، فدونكم ما أنجزه أبو حامد الغزالي في الإحياء. لكن مع التراجع والانكماش الذي طرأ على العقل الإسلامي العلمي، وتراجع المباحث كافة، تراجعت كذلك الأبحاث التربوية، وصرنا فيها كغيرها عالة على غيرنا. وكل ذي فطنة يعلم بأن البحث التربوي من أهم -هذا إذا لم يكن الأهم على وجه الإطلاق- التخصصات في عملية بناء الفرد والمجتمع، وإننا لنأمل أن يقُيّض الله من شباب هذه الأمة من أهل هذا التخصص، من يخلص النية والجهد في سبيل إعادة بناء مناهج تربوية إسلامية، تراعي خصوصية مجتمعاتنا وظروفها. أما على المستوى الخارجي فإن كثيرًا من العوامل تلعب دورًا مباشرًا في تعميق الهوة بين القناعة النظرية والسلوك العملي عند الفرد المسلم، سواءً في مجتمعه أم في خارجه. ومنها على سبيل المثال: محاربة بعض المنظومات السياسية التابعة في بعض البلدان الإسلامية والعربية للسلوك الإسلامي باسم التقدم والتمدن وغيره من المزاعم -التي هي كلمات حق أريد بها باطل-، وفرضها عقوبات شديدة على ممارسة بعض نواحي التربية الإسلامية، وهذا من أعجب وأغرب ما حمله لنا الزمان، فالحاكم الذي يتوجب عليه خدمة الشعب وثقافته ومبادئه صار يقوم بدلاً من ذلك بمحاربته!! حتى إن بعض السفهاء من المخلوعين، جعل دخول المسجد بإذن وبمواقيت! ثم يسمح من جهة أخرى بأن تستحوذ مناهج تربوية غريبة لا تنتمي للمجتمع على عملية التربية في المدارس والجامعات وفي وسائل الإعلام، فثوابتنا ومعتقدنا وفهمنا شيء، ونجبر على تعلم وممارسة شيء آخر، مخالف له تمامًا، فحدثت حالة من التشوه في نفسية الفرد المسلم، وفقد القدرة على التوفيق بين ما يجب عليه تعلمه وممارسته، وبين ما يأمره به دينه وقيمه. ومع الزمن نمت عملية الازدواجية في نفسية المتعلم، حتى أصبح يطبقها في مختلف جوانب حياته بصور لا شعورية، فقد تمرن عليها في طفولته لكي يستطيع تحقيق نوع من التوازن والوفاق في الشكل الخارجي لحياته الاجتماعية. لذلك فإن ما نحتاجه الآن وما يجب التركيز عليه، هو: أن يتم العمل فورًا على إعادة النظر في المناهج والطرائق التربوية، وليس على مستوى الحياة الدينية فحسب، بل على كافة مجالات الحياة، وخاصة الجانب العلمي منها. إن تفشي جملة من الأمراض الاجتماعية من مثل الرشوة، والغش، وعدم إتقان العمل، والفشل العلمي، وتدني مستوى الجودة التعليمية في المدارس والمعاهد والجامعات… إلخ؛ إنما يكون في مجمله ناتجا عن فشل الأساليب التربوية في المجتمع، وليس لدينا أدنى درجات الشك بأن كثيرًا من الأنظمة العربية الفاشية، قد تعمدت أن تدمر قطاع التربية، من خلال كثير من الإجراءات، والتي من أهمها إهمال دور المعلم وإهانة شخصيته وكرامته، وخاصة من خلال تخفيض الأجر الذي يتقاضاه، بل إن دخل المعلم في معظم الدول العربية هو من أدنى الدخول، وهذا أمر في غاية العجب! يخيل للمرء في بعض الأحيان لو أن عدوًا من الأعداء اللدودين للمجتمع العربي والإسلامي قد سلط لتدمير البنية التعليمة، وتدمير الإمكانيات البشرية في مجتمعاتنا، لما استطاع أن يفعل أكثر مما فعلته بعض الأنظمة الفاشية في مجتمعاتنا!. ما زلت أذكر أن مدير الإعدادية التي درست بها، وهو رجل مضرب المثل في إخلاصه وتميزه في مهنته التعليمية، كان يضطر أن يعمل في الإجازة عتالا في سوق الخضرة، وغيره إسكافيا، وغيره بياع ورق يانصيب أو تاجر دخان، وحدث ولا حرج، ثم كيف نتخيل أن التعليم الحكومي لن يفشل، وكيف لا يصاب الإنسان العربي والمسلم بازدواجية الشخصية بل الفصام الحاد، في حين تنفق المليارات على الراقصات وبياعات الهوى والسخافات والسفاسف!. ربما لن نبالغ إذا قلنا إن المعلم هو أحد أهم أركان أي مشروع إصلاحي للنهوض بمجتمعاتنا، فهو القادر إذا ما أتيح له أن يمارس مهنته بوصفها رسالة مقدسة على أن ينشئ جيلا جديدا يتجاوز حالة الفصام الحالية، فتكون حياتنا العملية انعكاسًا لقناعاتنا النظرية. ولعلّ معظمنا قد سمع أو قرأ عن قصة إمبراطور اليابان “ميجي أو ميجو أو موتسوهيتو” (1852- 1912) عندما اجتمع مع حكماء بلده ليخرجوا البلاد من تخلفها ويعملوا على تحديثها، فكان من أهم القرارات التي خرجوا بها آنذاك أن جعلوا دخل المعلم من أعلى الدخول، وجعلوا مهنته أكثر المهن قيمةً وقدسيةً، وبذلك تأتى لهم فيما بعد النهوض بأجيالهم ومجتمعهم. وقد نسبت إليه مقولة تكتب بماء الذهب: “المعرفة سوف يبُحث عنها ويقُتفى أثرها في كل أنحاء العالم”.1 وحالنا كالذي يتسول التبر وهو مالك الذهب، أفلسنا نحن أمة “اقرأ”؟! ثم إن كبار الحكماء في تاريخ البشرية وعلى رأسهم الأنبياء، كثيرًا ما يطلق عليهم لقب (مُعلم). سيكون أمامنا وأمام أجيالنا القادمة الكثير من العمل والمهام؛ للنهوض بأنفسنا ومجتمعاتنا، والبداية تكون بأن نتصالح مع أنفسنا وهويتنا، وأن نتجاوز الفصام في فكرنا وسلوكنا.

مصدر: 1- من أجل مزيد من المعلومات حول حركة هذا الإمبراطور الإصلاحية راجع كتاب: رايشاور، أدوين: اليابانيون، ترجمة ليلى الجبالي، مراجعة شوقي جلال، سلسلة عالم المعرفة، العدد 136، الكويت، 1989، ص. 103- 115 وص. 223-241. وأيضاً راجع كتاب: ضاهر، مسعود: النهضة اليابانية والنهضة العربية، تشابه المقدمات واختلاف النتائج، سلسلة عالم المعرفة، العدد 252، الكويت، 1999، ص. 219- 259.

مابين الزلة الخطيرة والمشروع الخطير

كاتب الموضوع الأصلي: محمد العمار

ثلاثة قضايا كبرى تواجه الأمة اليوم : “الهوية” ، و”الأخلاق” ، و ” طريقة التفكير” ، وكنت قد تنبهت إلى موضوع الأخلاق مبكرا جدا أثناء حواراتي اليومية في دمشق مع الشيخ الطبيب رفيق السباعي ، والذي كان يكرر على مسامعي أن الشريعة أربعة أعمدة ، عقيدة وعبادة وأخلاق ومعاملات ، وبقيت قضية الأخلاق والمعاملات تلح على ذهني خمسة وثلاثين عاما نتيجة ماأراه وماأسمعه وماأعيشه من أوضاع مزرية تعانيها المرأة والأطفال في المنطقة العربية وفي تلك المجموعات التي نزحت من هذه المنطقة إلى ديار الغرب ، فالمرأة مطلعة بشكل أعمق على الخلل الأخلاقي في المجتمع ، نتيجة احتكاكها بخلاياه من الداخل ، من الأسرة حيث تبدو وبوضوح معضلة الأمة الأخلاقية والتربوية ، اكتشفت مبكرا أن الأزمة التي نعانيها ليست أزمة سياسية ولااقتصادية ولاحتى فكرية ، إنها أزمة أخلاق ومعاملات ، أزمة عميقة خطيرة متشعبة ، لأن “الأمة” اليوم لاتهتم بفلسفة الأخلاق ، وتمارس مجموعة من السلوكيات العقيمة المتوارثة مما تبقى من عادات الأمم التي تشكل عناصرها الإنسانية اليوم لحمة سكان المنطقة العربية ، والتي انتهت إلى الثقافة الاجتماعية العامة التي نعيشها ونورثها للأجيال ونمنحها اسم “الأخلاق” دون مراجعة ولاإعادة صياغة ولامشروعات نقد وتمحيص،محافظين على العقيدة والعبادات مُفرغة من روح الشريعة ، وقد هدمنا نصف أعمدتها في سلوكياتنا اليومية والانسانية والاجتماعية!.
في الرحلات الصيفية التي يقوم بها بعض تلامذتي إلى بلادهم الأصلية ، يعودون ودائما ليؤكد معظمهم في ملاحظاتهم التي أطلب إليهم تسجيلها: بأن الناس “هناك” مسلمون لاأخلاق لديهم !! يصلون ويصومون ولاتبارح المسابح أيدهم ، ولكنهم قوم غير أخلاقيين!! هؤلاء الفتيان الذين تراوح أعمارهم بين الثالثة عشرة والسادسة عشرة يعبرون عن أزمة الأمة الاخلاقية بكلمات بسيطة ، فنّدها “نوبو آكي نوتوهارا” الياباني البحاثة الرحالة المستعرب الذي قال عن نفسه أنه يحب العرب ويرجو لهم الخير والنهضة ، إذ ألف لهم كتابا سماه ” العرب وجهة نظر يابانية ” أهداهم فيه عيوبهم الأخلاقية! ، مما أثار حفيظة البعض ضده ، وبدلا من أن نبحث عن مكامن الصدق ومواضع الحق في مثل هذه الرسائل الفريدة من نوعها في تاريخ الأمم ، فإننا ننبري لأصحابها بالشتيمة باعتبارنا شعب الله “المحتار” !!.
هذا الاهتمام هو ما جذبني لمتابعة انتاج “محمد عابد الجابري” ، الذي تنبه إلى أن إعادة تشكيل العقل العربي أو المسلم المعاصر هو المفتاح لإعادة صياغة الأمة ” الهوية” والإنسان والمجتمع “الأخلاق” ، لقد وضع الرجل الفيلسوف الكبير يده على الجرح في عنوان مشروعه الخطير في نقده للعقل العربي ، وخاصة ” نقد العقل الأخلاقي العربي” ، كيف تستفيد الأمم من تراثها لتنهض من عثرتها؟ كيف يتحول الإنسان إلى “منهج أخلاقي” يمشي بين الناس؟ ، لقد فكر الرجل في مصيبة الأمة اليوم فوجد أن الخلل ليس في تراثها ، ولكن في طريقتها للاستفادة من هذا التراث ، “المنهج”، وفي الآلة التي يجب عليها أن تستوعب بها هذا التراث ، “العقل” ، وخرج علينا بنتيجة ممتازة ( ان تصحيح الوعي العربي بتاريخه يتطلب” إعادة الأمور إلى نصابها” داخل هذا التاريخ نفسه، وان مايهمنا من عرض القراآت السائدة للتراث في الفكر العربي المعاصر ، ليس الأطروحات التي تقررها أو تتبناها أو تكتشفها هذه القراءة أو تلك ، وإنما يهمنا فيها جميعا طريقة التفكير التي تنتجها) – نحن والذات- ، ويوضح الجابري من أين يجب أن تبدأ هذه المهمة فيقول: ( إن القضية الأساس التي أدافع عنها هي أن التجديد لايمكن أن يتم إلا من داخل تراثنا باستدعائه واسترجاعه استرجاعا معاصرا لنا ، وفي الوقت ذاته بالحفاظ له على معاصرته لنفسه ولتاريخيته ، حتى نتمكن من الاحتفاظ به ” – من نص مقابلة مع عبد الأله بلقزيز/ المستقبل العربي 278).
نقلت هذه النصوص لأنني أريد التأكيد على أمرين ، الأول هو دأب الجابري في مشروعه على العقل “آلة التفكير” ، وحثه على ضرورة مراجعة التراث ، معتبرا أن القرآن الكريم ليس جزءا من التراث ، ولكنه “النص المرجعي للعقل والحضارة الاسلامية”، ولقد جاءت مقالات الجابري عن القرآن في جريدة الاتحاد أواخر 2006 ، في سياق تساؤلات الجابري الفلسفية – راجع رضوان السيد / الحياة 8.5.2010 ، بدر راشد / موقع ثقافة الخميس 12.3.2009، وغيرهم – ، ولم يقل عالمٌ متبحر في الفلسفة أو في الدين أنه كان في سياق إنكار أو كفر!، وعقيدتنا أن القرآن كتاب لايأتيه الباطل من بين يديه ولامن خلفه قطعا يقينا ، بالدليل العلمي التاريخي الوثائقي ، وحتى بالدليل الأدبي السياقي اللغوي ، بل وأكثر وأبعد من ذلك بدليل علوم الرياضيات المجردة، وعلوم الحاسب الآلي الحديثة.. ولانظن أن رجلا بنى مشروعا هائلا للأمة الاسلامية كالجابري تفوته مثل هذه الحقيقة التاريخية الباهرة التي نجدها في كل كتاباته.
لقد أفضى الرجل إلى ربه ، ولايمكننا ولايجب أن نضرب صفحاً عن مشروع الجابري ، بسبب هذه التساؤلات الفلسفية التي وقعت من الأمة موقعاً شديداً ، ولاتُلام الأمة على موقفها ذاك ، لسببين أولهما ضعف القراآت الفلسفية عندنا ضمن ضعف القراءة عموماً ، وثانيهما وهو مااشتكى منه الجابري نفسه ووقف حياته لدراسته ، وهو محنة العقل العربي في طرق تلقيه للعلم والنقد والتشكيك والدرس والتمحيص ، لقد رحل الجابري وأجره وحسابه على خالقه ، ومجموع مانعرف مما كتب ، يدلنا على إنسان عبقري ملتزم ، يدل الأمة على طريق للخلاص لن تجده إلابما في يدها من كنوز معرفية، وعليها مراجعة وتمحيص ” تراثها” وإعادة قراءته قراءة معاصرة بعقل ينبغي عليها أن تعيد ابتكاره من خلال عملتي التربية والتعليم.
التربية والتعليم اللتان اشتغل عليهما الجابري في بلده المغرب ، فخرج علينا بعد تجربته الميدانية بقضية على غاية من الأهمية ، لقد تحدث الرجل عن العقل العربي ، وراجعه في ذلك بعض معاصريه ، في أن العقل غير الفكر ، إلا أن مايمكن أن نفهمه هو كلام الجابري عن إعادة تربية العقل ليستوعب غربلة الفكر ويعيد قراءة التراث ،لكن الأكثر لفتاً للنظر مما قام به الجابري كان في حديثه عن “العقل العربي” ، وعن “الأمة العربية” ، وعن “القومية العربية” ، وهو الأمازيغي المعروف !! لقد ارتفع الرجل فوق الخاص ليتحدث عن العام الذي جمع ويوحد ويُخلص من الشروخ في هذا الجسد المريض ، فوجد أن القضية الأمازيغية – كالقضية الكردية- قد تم إحياؤها على أيد غير شريفة ، بالضبط كتلك الأيدي غير الشريفة التي حاولت سحل واجتثاث هذه الأقليات -التي تعتبر مكونات بشرية وثقافية أساسية في هذه الأمة – وبأبشع صورة ممكنة! ، وإذا كان الرجل يبحث عن طريق للخلاص ومشروع للخروج من الأزمة فلابد له من أن يخاطب المجموع ، والشيء الوحيد الذي يميز هذا المجموع هو لغة القرآن ، اللغة العربية في المنطقة العربية ، والتي هي وعاء الهوية ووعاء العقيدة ووعاء الوجود في المرحلة الراهنة على الأقل.
لقد بلغ “الجابري” من الوعي بمشكلات الأمة ، كما بقدرتها الأكيدة على الوقوف على قدميها من جديد أن تجاوز نفسه ذاتها ، وتجاوز تلك القيود التي تكبل الأشخاص العاديين كالانتماآت العرقية والدينية والطائفية والوطنية ، ليتحدث باسم أمة ، من أجلها عمل في مشروعاته الفكرية الفلسفية تلك خمسين عاماً ، تاركا لها ثروة فلسفية معاصرة هائلة ، وبلغةٍ بسيطة تخلو من التعقيد ، جعلت من الفلسفة علماً قريب المتناول من المثقفين العرب الذين تلهفوا على كتبه ، بحيث صدرت من كتابه “نحن والتراث” وحده ثمانية عشرة طبعة خلال خمسة وعشرين عاما دون دعاية ولا تطبيل ولاترويج مجاني! .
ان مشروع الجابري حول نقد العقل العربي يعتبر ثروة قومية وإسلامية لاتقدر بثمن ، ثروة يجب أن تغرينا بالبحث والعمل ، وتمنحنا من السعادة الفكرية والنفسية ماينبغي معه أن نترفع عن تصنيف رجل مثل الجابري بأنه إسلامي أو علماني أو شيوعي أو إلى غير هذه التصنيفات السخيفة ، فهؤلاء رجال تقوم الأمم بهم وعلى أكتافهم ، هم فوق التصنيف وفوق معضلات الانتماء ، ولكنهم ليسوا فوق النقد بحال من الأحوال ، النقد العلمي المعرفي القائم على قراءة دقيقة واعية لما يمكن قراءته وفهمه واستيعابه من أعمالهم الجليلة الخالدة ، التي نرجو أن يتمكن تلامذة الجابري من العمل عليها والاضافة ، وعلى عواتقهم يقع عبء تصويب مايمكن تصويبه فيها ، وتطويرها لتتمكن الأمة من البناء عليها في مثل المرحلة الصعبة التي نعيشها ، والتي وعلى صعوبتها خرّجت لنا رجلا فذاً ، بمشروع فريد يحتاج منا إلى وقفة منصفة ، ليس مع الرجل الذي اجتهد فأخطأ وأصاب وحسابه على الله ، ولكن مع أنفسنا وقدرتنا على أن نكون أو لانكون.

مدارس الاقتصاد الليبرالي

كاتب الموضوع الأصلي: محمد العمار

توجد مدارس متنوعة ضمن النظرية الاقتصادية الليبرالية، وهو ما يشير إلى ضرورة عدم احتكار أصحاب مدرسة ما للحقيقة المطلقة في الاقتصاد الليبرالي ، ويعمل هذا المقال على إلقاء الضوء على المبادئ الرئيسية لتلك المدارس. بالنسبة للمدرسة الليبرالية الكلاسيكية(Classical liberalism)، فهي تمثل المبدأ الذي يؤكد على أهمية رشاد الأفراد وحقوق الملكية الفردية والحقوق الطبيعية والقيود الدستورية على الحكومة وحماية الحريات . وتؤكد السياسة الاقتصادية لهذه المدرسة بشكل كبير على فكرة السوق الحرة وتحرر الأفراد من القيود ، كما عبرت عنها كتابات Adam smith و David Ricardo و Geremy Bentham و Stuart Mill وغيرهم .

وتعتبر المدرسة الليبرالية الكلاسيكية أن الحرية الاقتصادية لصيقة بالحرية السياسية. ويكمن الأساس المنطقي لهذه المدرسة في أن إيجاد بيئة تتسم بحرية العمل ونظام اقتصادي يعمل بشكل تلقائي من خلال ما يعرف باليد الخفية سيفيد المجتمع . ومع ذلك، لا تعارض هذه المدرسة أن تقوم الدولة بتوفير بعض سلع عامة ليس بوسع نظام السوق أن يوفرها. وتحدث أصحاب هذه المدرسة عن أنه يجب تقييد مجال عمل الحكومة، وأنه مادامت الدولة توفر سيادة القانون الذي يوجه الناس للسير في الحياة بالأساليب المثمرة فإن المجتمع سيدير نفسه بنفسه. ويعتقد بعض الليبراليين الكلاسيك أن السوق المحرر من الأغلال هو أكثر آلية كفاءة لإشباع حاجات الأفراد . ويأتي دفاعهم عن سوق حرة غير خاضعة لنظم قائما على افتراض بأن الأفراد يتسمون بالرشادة ويحافظون على مصالحهم الشخصية ويتسمون بالمنهاجية في سعيهم لتحقيق أهدافهم. وتحدث أدم سميث عن وجود أيد خفية تعمل على ضبط السوق وتحقيق التوافق والانسجام وهي آلية السوق المنضبطة ذاتيا. ورأى أن دور الحكومة وتدخلها في النشاط الاقتصادي يرتبط بضمان عمل آلية السوق المنضبطة ذاتيا في المجتمع. ذلك أن كل بائع أو منتج يحاول أن يبيع سلعة بأعلى الأسعار في سبيل تحقيق أفضل النتائج بالنسبة له . وكذلك يحاول كل مستهلك أن يشترى نفس السلعة بأقل سعر ممكن . وتتغير الأسعار صعودا ونزولا حتى يتم التوازن بين الكميات المعروضة للبيع وللكميات المطلوبة للشراء. وترسل تغيرات الأسعار إشارات إلى المنتجين والمستهلكين لتحديد سلوكهم في المستقبل وتحديد حجم ونوع الإنتاج المطلوب. ويقوم هذا النظام على توافر المعلومات التفصيلية الدقيقة لكل من المنتج والمستهلك حول ظروف السوق وعلى سهولة تعديل القرارات في ضوء ما يستجد من معلومات جديدة يقدمها السوق. وارتبط ازدهار المدرسة الكلاسيكية بما حققته الثورة الصناعية من ثروة مادية كبيرة ولكن عندما أحدثت هذه الثورة مشكلات اجتماعية مثل التلوث وعمالة الأطفال وازدحام المدن ، ظهرت مدرسة الليبرالية الاجتماعية Social liberalism.

ولقد كان ظهور الليبرالية الاجتماعية في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي كفرع جديد من الليبرالية. ولكنها ترى وجود دور للدولة في توفير حرية ايجابيةpositive liberty للأفراد . فهي تقبل ببعض القيود في الشئون الاقتصادية مثل قوانين مكافحة الاحتكارات الاقتصادية ووجود هيئات تنظيمية مع قوانين للحد الأدنى من الأجور لتأمين فرص اقتصادية للجميع . وهي تدعو إلى حكومات شرعية تقوم بتوفير المستوى الأساسي من المعيشة الطيبة أو أجر العمل مع الصحة والتعليم . وتكون الحكومة مدعومة في ذلك بالضرائب التي تفرضها ، كما تعمل على الوصول إلى أفضل استخدام للمواهب البشرية وعلى منع حدوث ثورات أي تعمل لتحقيق المصلحة العامة. وترفض الليبرالية الاجتماعية النماذج المتشددة من الرأسمالية و العناصر الثورية من المدرسة الاشتراكية. وتؤكد الليبرالية الاجتماعية على مفهوم الحرية الإيجابية للفقراء والمحرومين من خلال وسائل تنظيمية تقوم بها الحكومات. ويؤمن الليبراليون الاجتماعيون بالحرية الفردية كهدف رئيسي مثل الليبرالية الكلاسيكية ، ولكنهم يختلفون عن الليبرالية الكلاسيكية في أنهم يؤمنون بأن نقص الفرص الاقتصادية والتعليم والرعاية الصحية يمكن أن يشكل تهديدات لمفهوم الحرية . وتؤيد المدرسة الليبرالية الاجتماعية الاقتصاد المختلط الذي يقوم بالأساس على القطاع الخاص مع قيام الدولة بتوفير أو ضمان وجود سلع عامة. ويرفض ليبراليون كلاسيك مثل Nozick وآخرون الليبرالية الاجتماعية بوصفها ليبرالية زائفة ، ويتحدثون عن أن تدخل الحكومة في اقتصاد السوق يقضي على الحرية المنشودة. وتختلف الليبرالية الاجتماعية عن الليبرالية الجديدة Neoliberalism التي جاءت تعبيرا عن السياسات الاقتصادية للرئيس الأمريكي “رونالد ريجان” ورئيسة الوزراء البريطانية “مارجريت تاتشر” والتي تؤكد على الالتزامات بحرية التجارة وتفكيك البرامج الاجتماعية الحكومية. وجاءت الليبرالية المحافظة Conservative liberalism لتدعو إلى دور الحد الأدنى للحكومة في الاقتصاد. ويتحدث البعض مثل Merquior عن أن الليبرالية المحافظة تقوم على مفهوم الحرية السلبية Negitive liberty (أي حينما لا يوجد قانون فلن يوجد تجاوز للقانون أو خرق له ) وعلى الفردية وتعدد الأخلاق والحكومة الخاضعة للمساءلة ، بينما تركز الليبرالية الاجتماعية على عدم شرعية الحكومات المستبدة التي تتجاوز في استخدام السلطات وعلى الظروف الاجتماعية التي تؤدي إلى وجود هذه الحكومات المستبدة.

ونشأت مدرسة الليبرالية البدائية Paleoliberalism في الولايات المتحدة في مواجهة مدرسة الليبرالية الجديدة . وتقوم هذه المدرسة على خليط التحرر الشديد في السياسة والثقافة. وتقف هذه المدرسة ضد أي شكل من أشكال التدخل الحكومي ، وتعتبره بمثابة اعتداء على الملكية الفردية . وتستند الليبرالية البدائية على فكرة الرأسمالية الفوضوية Anarcho-capitalism، وهي رأسمالية تؤمن بالمذهب القائل بإلغاء الحكومة. كما تؤمن هذه المدرسة بالقانون الطبيعي الذي تنتهجه النظرية الليبرالية. ويقدر أصحاب هذه المدرسة التجمعات التطوعية باعتبارها بديلا عن البرامج الحكومية الاجتماعية. ولكن هذه المدرسة شهدت تراجع بعض روادها عن أفكارهم مثل Pat Buchanan الذي اتجه نحو الإيمان بالتخطيط الاقتصادي والسلطة المركزية للدولة. ولقد فضل الليبراليون الأمريكيون المعادون للسوفيت – في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات من القرن العشرين على غرار الرؤساء الأمريكيين “ترومان” و”كنيدي” و”جونسون” وغيرهم- أن يطلقوا على أنفسهم Paleoliberals أي الليبراليين البدائيين، ويذكر أن هذه المجموعة أصبحت تعرف فيما بعد باسم المحافظين الجدد Neoconservatives. وهكذا ترى هذه المدرسة أن الاقتصاد يعمل بشكل طبيعي دون أي تدخل من الحكومة وأن أي تدخل في اقتصاد السوق سيفسده.

وتعد Ordoliberalism (الليبرالية المنظمة) نوعا من الليبرالية الجديدة يطلق عليها الليبرالية الجديدة الألمانية التي تؤكد على ضرورة أن تقوم الدولة بإيجاد بيئة قانونية ملائمة للاقتصاد وأن تحافظ على مستوى صحي من المنافسة من خلال تدابير تلتزم بمبادئ السوق. فترى الليبرالية المنظمة أنه إذا لم تقوم الحكومة باتخاذ تدابير نشطة لتعزيز المنافسة فإن الشركات ستحتكر السوق وتقضي على المزايا التي يقدمها اقتصاد السوق ؛ بل إنها يمكن أن تقوض عمل الحكومة لأن القوة الاقتصادية الكبرى يمكن أن تتحول إلى قوة سياسية. ويتحدث Stephen Padgett عن أن” المحور الرئيسي لليبرالية المنظمة هو التقسيم الواضح للعمل في الإدارة الاقتصادية بحيث يتم تحديد مسئوليات معينة لمؤسسات معينة. فالسياسات النقدية ينبغي أن تكون مسئولة عن بنك مركزي ملتزم بتحقيق الاستقرار النقدي ومعدلات تضخم منخفضة على أن يكون لهذا البنك وضع مستقل بعيدا عن الضغوط السياسية . أما السياسات المالية فتكون مسئولة عن تحقيق التوازن بين عوائد الضرائب والإنفاق الحكومي ، وهذا هو مجال عمل الحكومة ، بينما تعمل سياسات الاقتصاد الكلي على الحفاظ على مصالح أصحاب العمل والاتحادات التجارية.” ومن ثم يجب على الدولة أن تقيم نظام اقتصادي وليس توجيه العمليات الاقتصادية. ولقد نشأت الليبرالية المنظمة على أيدي الاقتصاديين الألمان في الفترة ما بين ثلاثينيات وخمسينيات القرن العشرين بهدف اقامة اقتصاد سوق اجتماعي على النموذج الألماني. ويعتبر الاقتصادي الألماني Wilhelm Ropke أحد مؤسسي هذه المدرسة أن “الليبرالية المنظمة” هي تعبير عن مذهب محافظ ليبراليliberal Conservatism في مواجهة الرأسمالية الكلاسيكية.

ويمكن القول بأن تنوع المدارس الاقتصادية الليبرالية يشير إلى حقيقة مهمة وهي السبب وراء بقاء النظرية الاقتصادية الليبرالية، بينما انهارت نظرية الاقتصاد الاشتراكي

الفساد الاخلاقي

كاتب الموضوع الأصلي: محمد العمار

هل توصل المرء إلى تعريف دقيق للفساد ولمُسبباته؟ وما هو الأسلوب الأفضل لمعالجة الفساد بجميع أشكاله؟
للفساد أوجهه المتعددة؛ فهناك الفساد السياسيّ الذي قد يتفشّى في الأجهزة الحكومية، وهناك الفساد الإداري الذي قد يتفشّى في المؤسسات والإدارات العامة، لكن مما لاشكّ فيه، أن أسوأ أشكال الفساد هو الفساد الأخلاقي!
قد يكون بالإمكان إصلاح الفساد الذي تفشّى في الأجهزة الحكومية؛ بأن يتم إجراء التعديلات في الأنظمة والدساتير, وقد يكون بالإمكان إصلاح الفساد في الإدارات العامة؛ بإجراء التغيرات، وبمساءلة وبمعاقبة وبإبعاد عناصر الفساد, لكن ليس من السهل جدًّا إصلاح الفساد الأخلاقي, رغم أنه الفساد الأخطر الذي من شأنه أن يُقوّض المجتمعات، وهو الفساد الذي يُصيب النفوس والذي يتغلغل فيها أشبه بمرض عُضال قد يصعب على أمهر الأطباء معالجته والقضاء عليه،
كيف ومن أين يبدأ الفساد الأخلاقي؟

يبدأ مثل هذا الفساد عادة عندما يُقدم الشخص على ارتكاب كل ما يُخالف الفضائل والمبادئ الدينية، والتقاليد والأخلاقيات وحتى القوانين، مُعلّلاً جميع تصرفاته بعبارة “من الذي يهتم؟ المجتمع بكامله فاسد من حولي …” وبأن يكون شعاره في التعامل “الغاية تُبرر الوسيلة” وبأن يؤمن بأن “البقاء للأقوى وليس البقاء للأصلح”
ولن يكون من السهل على المرء عندما يتعثر ويخطو الخطوة الأولى نحو بؤرة الفساد, التي هي أشبه بهاوية شديدة الانحدار, أن يتراجع وأن يوقف انحداره السريع نحو عمق تلك الهاوية!
صحيح أن المرء حينذاك يعيش نتيجة خياراته ويدفع ثمنها, لكنه بذلك سوف يُسيء إلى المجتمع وليس فقط إلى نفسه.
وقد أثبتت التجارب الإنسانية على مرّ العصور بأن معالجة هذه المشكلة الاجتماعية تحتاج إلى تضافر جهود الفرد مع من حوله من باقي أفراد المجتمع، لأن الفرد لا يعيش منعزلاً, وبأن صلاح النفوس لا يمكن أن يتم إلا بدافع الإيمان الذي هو السبيل إلى تغلب المرء على نزواته وعلى دوافعه نحو الفساد, وبأنه طوق النجاة والوسيلة التي تساعده على السير في طريق الصلاح والهداية، والتي تقوده أيضًا إلى السكينة وإلى راحة الضمير.
ولا بدّ أن نُشير هنا بأن علينا لو أردنا معالجة هذه المشكلة الاجتماعية الخطيرة التي بدأت تتفاقم بحيث أصبحت عبئًا على مجتمعنا المعاصر؛ أن نبحث عن الدوافع وعن المُسببات التي قد تدفع المرء إلى الفساد الأخلاقي،
هناك العديد من الأسباب التي قد تدفع الشخص إلى الفساد منها:
– الجهل والغَفلة
– الفقر والفاقة
– الظلم وعدم العدالة الاجتماعية
وعلينا أن نعمل على إزالة مثل هذه المُسببات من مجتمعاتنا, وهو الأمر الذي يجب أن يبدأ منذ المرحلة الأولى في حياة المرء, تلك المرحلة التي تتكوّن فيها شخصيته, بحيث يَعمد الأهل إلى غرس المبادئ الأخلاقية في أولادهم منذ نعومة أظفارهم، وعلى أن يكونوا أيضًا مَثَلُهم الأعلى في ذلك، ثم يلي ذلك مرحلة التوجيه في المراحل التعليمية, التي يجب أن يكون دورها مُكمّلاً لدور التوجيه الذي يتم في المحيط العائلي، ويجب ألا تقتصر مهمة المؤسسات التعليمية على التدريس وإنما على نشر الوعي والثقافة الاجتماعية لدى الطلاب؛ بغية تأهيلهم إلى دخول المجتمع وهم يتمتعون بالإرادة، وبإمكانية التغلب على كل ما قد يتعرضون إليه من مُغريات, وبالمقدرة على تجاوز كل ما قد يعترضهم من عقبات،
ومن ناحية أخرى لا بدّ لنا من السعي لتقديم العون لمن قد تجعلهم الفاقة ينحرفون عن الطريق السويّ, وأن نعمل جاهدين على منع الظلم وعلى إزالة كل مُسببات عدم العدالة الاجتماعية، واستغلال الإنسان للإنسان، أليس هذا ما تأمرنا به جميع الأديان ؟!
قد نكون بذلك قد عملنا على إصلاح الفساد الأخلاقي, وهو الفساد الذي يؤدي إلى مختلف أشكال الفساد الأخرى, وقد نكون أيضًا قد تمكنّا من التوصل إلى مجتمع فاضل, وكل منا يعلم جيّدًا بأن صلاح المجتمعات لا يكون إلا بصلاح أفرادها.

الابحاث حول الحضارة الاسلامية والعربية

كاتب الموضوع الأصلي: محمد العمار

ربما يكون من نافلة القول أن نشير هنا إلى أن الحضارة العربية – الإسلامية في تاريخها الطويل قد تعرضت ولاتزال إلى عدد هائل من محاولات النقد والاتهام، أو الإهمال والاستدبار، أو التشويه والتآمر، وذلك على نحو لم يحدث مثله لأي حضارة في تاريخ البشرية جمعاء. لذلك نود تصنيف الأبحاث التي تقدم حول الحضارة الإسلامية من داخلها وخارجها إلى مجموعتين كبيرتين، نتناولهما بإيجاز شديد: – أبحاث حول ماوصلنا بالنقل. – أبحاث حول ماأنتجناه بالعقل. أبحاث حول ماوصلنا بالنقل: نقصد بها الأبحاث التي تهتم بدراسة الكتاب والسّنة، وهذه الدراسات تسعى إما إلى إثبات صحة هذين المصدرين الأساسيين للتشريع الإسلامي أو بطلانهما. وكما هو معروف فقد حاول الكثير من الناس على مر
القرون الطويلة الشك في مصداقيتهما التاريخية أو اللغوية أو العلمية أو التشريعية ..، وفي يومنا هذا تتكالب بعض الجهات البحثية “المؤدلجة” وبعض وسائل الإعلام المُسيرة على متابعة هذه المهمة. كما أن التاريخ يخبرنا بأن هؤلاء لم يجنوا من مثل هذه الأبحاث والدعاية المزيفة إلا كمن عاد بخفي حنين. أبحاث حول ماأنتجناه بالعقل: وهي الأبحاث التي تتناول النتاج المعرفي للعقل العربي- الإسلامي، سواءً على الصعيد الفكري أو على الصعيد العملي، ويمكن أن نصنف هذا النتاج إلى أربعة أنواع معرفية أساسية، وهي: 1- المعارف العلمية: تشمل مساهمات الحضارة الإسلامية في مجال العلوم الطبيعية والإنسانية. 2- المعارف الفلسفية: الفلسفة الإسلامية وتفرعاتها. 3- المعارف الفنية: مساهمات الحضارة الإسلامية في مختلف أنواع الفنون بما فيها اللغات وآدابها. 4- المعارف الدينية: وهي تشمل الفكر الديني الذي ابتكره علماء المسلمين الأجلاء، مستندين إلى فهمهم للمصادر التشريعية في الفقه والحديث والتفسير والعقيدة وكذلك طرائق التربية الإسلامية. ويمكننا كذلك أن نصنف الأبحاث التي تقدم حول النتاج العقلي المعرفي العربي- الإسلامي، من حيث الغاية والهدف الذي تريد تحقيقه إلى ثلاث مجموعات أساسية، هي: أبحاث تأريخية: هدفها أن توثق النتاج المعرفي للحضارة الإسلامية، في المجالات الأربعة التي ذكرت قبل قليل، وذلك لحفظها، وتمييزها عن نتاج بقية الحضارات الأخرى، وتقديمها للمجتمع الإنساني؛ لتساهم في تقدم الحضارة الإنسانية ككل. أبحاث نقدية: هدفها الأساسي أن تجري محاكمة نقدية للنتاج المعرفي للحضارة الإسلامية من جهة، والعقل الإسلامي الذي أنتج هذه المعارف أو طورها من جهة ثانية، وذلك لكي يسلط الضوء على الجوانب الإيجابية والسلبية لهذا العقل، وإعادة تقييم ما أنتجه من الناحية العلمية والعملية. وبالتالي فإن هذا النوع من الأبحاث يعنى بطرح مجموعة من الأسئلة المهمة حول العقل الإسلامي، مثل: 1- ما هي المشاكل التي يعاني منها العقل الإسلامي سواءً على الصعيد الفكري أو العملي؟ 2- ما هي الأسباب التي خلقت هذه المشاكل؟ 3- ما هي الحلول المقترحة والإمكانيات المتاحة لمعالجة هذه المشاكل؟ أما على صعيد النتاج المعرفي فتكون الأسئلة من مثل: 1- ما مدى صحة مناهج البحث المستخدمة في النشاط المعرفي وصلاحيتها؟ 2- ما مدى صحة النتاج المعرفي ؟ وما مدى ملاءمته للمكان والزمان الذي يطبق فيهما؟ 3- ما هي العقبات والعوائق التي تعترض متابعة النشاط المعرفي واستئنافه؟ أبحاث إعادة الفاعلية: هدفها الأساسي أن تحاول الإجابة على السؤال التالي: كيف يمكن إعادة الفاعلية للعقل العربي- الإسلامي؛ ليصبح قادراً من جديد على ممارسة النشاط المعرفي؟ وهذا النوع من الأبحاث يجب ألا يكتفي بتقديم الحلول، بل كذلك عليه أن يقدم طرائق تطبيق الحلول المقترحة عملياً. فإذا كان الطبيب عندما يريد أن يعالج مرضاً جسدياً يطرح على نفسه ثلاث أسئلة أساسية، هي: 1- ما هو المرض؟ 2- ما هو سببه؟ 3- ما هو علاجه؟ فكذلك الأمر في الأبحاث التي تريد أن تتناول بالدراسة أمراض العقل الإسلامي، ومشكلاته، ونتاجه المعرفي، حيث يتوجب عليها أن تتوزع في ثلاثة محاور أساسية، هي: 1- ما هي مشاكل العقل الإسلامي؟ 2 –ما هي أسباب هذه المشاكل؟ 3- ما هي طرائق حلول هذه المشاكل ومعالجتها؟ وبينما يلاحظ المرء أن معظم الأبحاث التي قدمها الباحثون والمفكرون في هذا الإطار، إنما تعنى بالدرجة الأولى بالإجابة على السؤال الأول، أي تهتم بإبراز مشاكل العقل الإسلامي، والمشاكل المتعلقة بنتاجه المعرفي. فإنه يلاحظ بالمقابل أن عدد الأبحاث التي تعنى بالإجابة على السؤال الثاني الذي يبحث العوامل التي خلقت مشاكل العقل الإسلامي وعقباته، وبالتالي قيدت نشاطه وجمدت حراكه المعرفي تقل من حيث العدد والأصالة البحثية. أما عن الأبحاث التي تعنى بالإجابة على السؤال الثالث الذي يهتم بإيجاد الحلول المناسبة التي تستطيع إذا ما طبقت أن تخرج العقل الإسلامي من أزمته المعرفية الحالية، وتعيد إليه فاعليته الخلاقة، التي تمكنه من استئناف نشاطه المعرفي الذي بدوره سوف يسهم بإعادة إحياء الحضارة العربية- الإسلامية، كحضارة فاعلة في المجتمع الإنساني فإن المرء سوف يلاحظ ندرة مثل هذا النوع من الأبحاث. ولعلّ قلة هذا النوع من الأبحاث لم يأت مصادفة، بل له أسبابه وعوامله الموضوعية، التي تتعلق بالإمكانيات المتاحة للباحثين العرب والمسلمين لإجراء مثل هذه الأبحاث، التي تتطلب أن تقوم بها مؤسسات ضخمة وليس أفراداً، وكذلك لتراكم المعوقات السياسية والاجتماعية والدينية، التي تفرض قيوداً مباشرة أو غير مباشرة على موضوعية مثل هذه الأبحاث، وكذلك يمكن أن نضيف عوامل ذاتية تتعلق بقدرات الباحث الذهنية والمعرفية واستعداده النفسي، فقد جرت العادة في المجتمعات والأمم أن يتولى مهمة التفكير والبحث في مستقبل الأمة ومعالجة قضاياها المصيرية حكماؤها وعباقرتها وعلماؤها وزعماؤها السياسيون. وإذا كان معظم زعمائنا السياسيين وحكمائنا وعباقرتنا وعلمائنا قد أهمهم أهلوهم وشغلتهم أموالهم عن قضايا أمتهم، فلا عجب إن وصلت أحوال مجتمعاتنا ومعارفنا إلى ما وصلت إليه اليوم من تخلف وجمود
.

الحداثة عند الغزالي

كاتب الموضوع الأصلي: محمد العمار

يهدف المشروع الحداثوي عند أبي حامد الغزالي إلى إعادة صياغة الشخصية الإنسانية الإسلامية كونها العامل الأساسي في البناء الحضاري، ولذلك أعطى اهتمامًا كبيرًا لتربية الإنسان وتزكية أخلاقه، والاعتناء ببناء المؤسسة الاجتماعية بوصفها الفضاء العقائدي والأخلاقي والمعرفي الذي يحيا به الإنسان والذي يحقق فيه رقيَّه الروحي والأخلاقي الذي يرفعه إلى مقام (الإحسان) والذي ينقسم على قسمين :-
1-الإحسان الإنساني.
2-الإحسان الحضاري.
إن الأساس الذي يقوم عليه الإحسان بجانبيه الإنساني والحضاري، هو الوعي بطبيعة العلاقة بين الشريعة والعقل لما في ذلك من أهمية تكمن في استيعاب الشريعة استيعابًا عميقًا، وضبط العقل بروح الشريعة ونصها أدبًا وعلمًا.
تشير الورقة إلى المسارات الأساسية في مشروع الغزالي الفكري عبر ثلاثة محاور كالآتي:
1-مسار العبادة ومنظومة مفاهيمه الإيمانية، يركّز هذا المسار على وحدة العلم والإيمان من خلال التركيز على إدراك أسرار العبادات، وأنموذج رسالته (الحكمة في مخلوقات الله عزّ وجل):
(يا أخي وفقك الله توفيق العارفين، وجمع لك خير الدنيا والدين، إنه لما كان الطريق إلى معرفة الله سبحانه والتعظيم له في مخلوقاته والتفكير في عجائب مصنوعاته، وفهم الحكمة في أنواع مبتدعاته، وكان ذلك هو السبب لرسوخ اليقين، وفيه تقارب درجات المتقين، وضعت هذا الكتاب منبهًا لعقول أرباب الألباب بتعريف وجوه من الحكم والنعم التي يشير إليها معظم آي الكتاب. فإن الله تعالى خلق العقول وكمّل هداها بالوحي وأمر أربابها بالنظر في مخلوقاته والتفكر والاعتبار مما أودعه من العجائب في مصنوعاته، لقوله سبحانه: (قل انظروا ماذا في السموات والأرض) [يونس:101] وقوله: (وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون) [الأنبياء:30] إلى غير ذلك من الآيات البيّنات والدلالات الواضحات التي يفهمها متدبرها، والمترقي في اختلاف معانيها يعظّم المعرفة بالله سبحانه التي هي سبب السعادة، والفوز بما وعد به عباده من الحسنى وزيادة).
وكذلك رسالته (معراج السالكين):

(إخواني نصحت لكم فهل تحبون الناصحين وتحريت رشدكم فهل عليّ إلا البلاغ المبين وما تغني النصيحة. وقد عمّ الداء ومرض الأطباء واستشفى بغير الشفاء واعتيض من البصر بالعمى وخبثت القلوب ورين عليها وعطلت البصائر ونبّ التقصير إليها. واتخذت آيات الله هزوا ولعبا. وصيرت أغراض الآجلة إلى العاجلة سببَا فلا موقظ من غفلة، ولا زاجر عن زلة:
مرضى عن الخيرات في بحر الردى
غرقى فلا داع لنهج أقوام
شغفوا بكل رذيلة مذمومة
صرفت وجوههم لوجه الدرهم
ناموا عن المقصود لم يستيقظوا
ستكون يقظتهم لخطب أعظم
فنعوذ بالله أن نكون ممن رغب عن طريق هو لها سالك، وقال هلك الناس وهو في جملتهم هالك.
اعلم أيها الأخ أنّ الباعث على إسعافك في مطلوبك غرضان مهمان، ولما اقتصرت في طلبك على موافقتهما ودارت رغبتك على تحصيل حقيقة مقصودهما، واقتصرت همتك من بين العلوم على العلوم الإلهية وزعمت أنّ مقصودك طلب الخلاص من شر الاعتقادات الفاسدة، والهرب من الآراء المجانية للحق المعاندة، رأيت تقديم التنبيه على الغرضين المذكورين لنستوجب العذر فيما انتدبنا إليه، وليكون ذلك المهم الأكبر الذي نبهنا عليه.
الغرض الأول: أيها الأخ ما شاهدناه من فساد الزمان وأخذه في الازدياد وكثرة الآراء وفساد الاعتقاد، وعدم ذاب يبذل فيها الاجتهاد، ويمرها على كف الانتقاد، ولو سياسة الملوك لعمت الخافقين ظلمها، ولرسخ في كل الأقطار قدمها ليقضي الله أمرًا كان مفعولا. ويبقى رسمًا كان إبقاؤه عليه وعدًا مسئولًا، ولكن تعاقب الزمان وطرو الحوادث وكثرة الصوارف وفتور الهمم داعية إلى الفساد، والداء يزداد كل يوم أغذية السوء كالذنوب فرأيت إبراز هذه النبذ لتكون مغنية للسائلين ومعينة للسالكين ومنفعة باقية في الآخرين.
والأهم من هذا الغرض التنبيه على غوائل الآراء البشعة التي استهوت عقول أكثر الناس وهم في ازدياد من هذا الفن، وهو سبب فتور الشرائع وهو عند الأنبياء على مر الأيام والنفوس مولعة بكل غريب لم تألفه وغامض لم تعهده فلا يسلم الغمز الجاهل من الوقوع فيه والقطن المتباطئ عن الاغترار بما يظهر من مبادئه.
الغرض الثاني: إن الحق لا يعرف قدره وحده ما لم يعرف نقيضه وضده، فبضدها تتميز الأشياء ومقصدها التنبيه على الطريق الأسلم، والصراط الأقوم، ولابد من ذكر الطريق المنحطة عنه لينصف في ذلك الناظر في هذا الكتاب فيعلم أنّا لم ننتدب لضئيل ولا أضربنا عن سيرة الأوائل في سكوتهم إلا لخطب جليل، ولنضيف ذلك إلى الغرض الثاني فيتضح لديه العذر وليعرف مقدار النعمة فيطلبها بالشكر).
2-مسار السيادة ومنظومة مفاهيمه الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، يركّز هذا المسار على البعد الاقتصادي وأثره في البناء الإنساني والحضاري وكذلك على البعد الاجتماعي ومكوناته المؤسسية والقيمية، وموقع الإنسان فيه، وكذلك معالجة الجانب السياسي من حيث قدرته على تحقيق العدل، وأنموذج رسالته الموسومة بـ (سر العالمين وكشف ما في الدارين):-
(فما رأيت أهل الزمان هممهم قاصرة على نيل المقاصد الباطنة والظاهرة، وسألني جماعة من ملوك الأرض أن أضع لهم كتابًا معدوم المثل لنيل مقاصدهم واقتناص الممالك وما يعينهم على ذلك، استخرت الله فوضعت لهم كتابًا، وسميته بكتاب (سر العالمين وكشف ما في الدارين) وبوبته أبوابًا، ومقالاتٍ وأحزابًا، وذكرت فيه مراتب صوابًا، وجعلته دالًّا على طلب المملكة وحثًّا عليها، وواضعًا لتحصيلها أساسًا جامعًا لمعانيها، وذكرت كيفية ترتيبها وتدبيرها، فهو يصلح للعالم الزاهد، وشريك شرك المالك بتطييب قلوب الجند وجذبهم إليه بالمواعظ، فأول من استحسنه وقرأه عليّ بالمدرسة النظامية سرًّا من الناس في النوبة الثانية بعد رجوعي من السفر، رجل من أرض المغرب يقال له محمد بن تومرت من أهل سليمة، وتوسمت منه الملك. وهو كتاب عزيز لا يجوز بذله، لأن تحته أسرارًا تفتقر إلى الكشف، إذ أنّ طباع العالم نافرة عنها، وتحته علوم عزيزة وإشارات كثيرة دالة على غوامض أسرار لا يعرفها إلا فحول الحكماء، فوفقك الله للعمل به فإنه دال على كل ما تريد من الله تعالى).

3-مسار السعادة ومنظومة مفاهيمه النفسية وبيان موقع الحب في تحقيق السعادة الإنسانية، وكذلك بيان أفعال النجاة التي تأخذ بالإنسان إلى سعادة الدارين وأفعال المهلكات التي تحرمه سعادة الدارين، وأنموذج كتاب (آداب النكاح) و (كسر الشهوتين).
(أما بعد: فإن النكاح معين على الدين، ومهين للشياطين، وحصن دون عدو الله حصين، وسبب للتكثير الذي به مباهاة سيد المرسلين لسائر النبيين، فما أحراه بأن تتحرى أسبابه، وتحفظ سننه وآدابه، وتشرح مقاصده وآرابه، وتفصّل فصوله وأبوابه، والقدر المهم من أحكامه ينكشف في ثلاثة أبواب:-
الباب الأول: في الترغيب فيه وعنه.
الباب الثاني: في الآداب المرعية في العقد والعاقدين.
الباب الثالث: في آداب المعاشرة بعد العقد إلى الفراق.
وكذلك قوله في (كسر الشهوتين):
(أما بعد: فأعظم المهلكات لابن آدم شهوة البطن، فبها إخراج آدم عليه السلام وحواء من دار القرار، إلى دار الذل والافتقار إذ نُهيا عن الشجرة، فغلبتهما شهوتهما حتى أكلا منها فبدت لهما سوآتهما، والبطن على التحقيق ينبوع الشهوات، ومنبت الأدواء والآفات إذ يتبعها شهوة الفرج، وشدة الشبق إلى المنكوحات، ثم تتبع شهوة الطعام والنكاح شدة الرغبة في الجاه والمال، اللذين هما وسيلة إلى التوسع في المنكوحات والمطعومات، ثم يتبع استكثار المال والجاه أنواع الرعونات، وضروب المنافسات والمحاسدات. ثم يتولد بينهما آفة الرياء، وغائلة التفاخر والتكاثر والكبرياء، ثم العقبى يتداعى ذلك إلى الحقد والحسد، والعداوة والبغضاء. ثم يفضي ذلك بصاحبه إلى اقتحام البغي والمنكر والفحشاء، وكل ذلك ثمرة إهمال المعدة، وما يتولد منها من بطر الشبع والامتلاء. ولو ذلل العبد نفسه بالجوع، وضيق مجاري الشيطان، لأذعنت لطاعة الله عز وجل، ولم تسلك سبيل البطر والطغيان، ولم تسلك سبيل البطر والطغيان، ولم ينجر به ذلك الى الانهماك في الدنيا، وإيثار العاجلة على، ولم يتكالب كل هذا التكالب على الدنيا.

وإذا عظمت آفة شهوة البطن إلى هذا الحد، وجب شرح غوائلها وآفاتها، تحذيرًا منها ووجب إيضاح طريق المجاهدة لها، والتنبيه على فضلها، ترغيبًا فيها. وكذلك شرح شهوة الفرج، فإنها تابعة لها، ونحن نوضح ذلك بعون الله تعالى في فصول يجمعها بيان فضيلة الجوع، ثم فوائده، ثم طريق الرياضة في كسر شهوة البطن، بالتقليل من الطعام والتأخير، ثم بيان اختلاف حكم الجوع وفضيلته، باختلاف أحوال الناس، ثم بيان الرياضة في ترك الشهوة، ثم القول في شهوة الفرج، ثم بيان ما على المريد في ترك التزويج وفعله، ثم بيان فضيلة من يخالف شهوة البطن والفرج والعين).
يقوم منهجنا في هذه المشروع الفكري على تأصيل مفهوم الحداثة عند الغزالي، والتأصيل هنا هو دراسة مفاهيمه ومنهجه الذي جعله أحد أكبر رواد الحداثة والتجديد في عصره.
إن إعادة تثمير فكر الغزالي، ومواصلة مشروعه الحضاري الحداثوي / التجديدي من شأنه الإسهام في دفع المسيرة الحضارية للأمة الإسلامية بخطى أسرع في إطار المكانة المهمة للفكر في التهيئة للنهضة، والعمل على تسريع خطى التجاوز التاريخي لسكون المرحلة.
وإعادة تثمير هذا الفكر الحداثوي يبدأ بإعادة صياغة جهازه المفاهيمي وبيان كيفية تشغيلها في الواقع لتفعيل التجاوز، وذلك من خلال قراءة معاصرة تعيد فهم مفاهيم الغزالي الإيمانية والإجتماعية والنفسية والصوفية وربطها بالواقع المعاصر وحاجاته لتصحيح انحرافاته العقائدية والتشريعية والأخلاقية.
إن الحداثة عند الغزالي لا تقطع التواصل مع المرجعيات المعرفية الإسلامية، ولا تعيد تكرارها، بل تعيد إنتاجها في ضوء حاجات العصر كما فعل مع أبي طالب المكي في كتابه (قوت القلوب) الذي أعاد تصنيفه وقراءته برؤية منهجية ناضجة جدًّا جعله أقرب إلى الواقع وحاجاته مما سيوفر للحداثة أهم اشتراطاتها الموضوعية التي يتآزر فيها الارتباط بالجذور الحية والمتوهجة في فكر الأمة، مع الاشتغال الحميم في صميم الراهن المعاصر ومعايشة إشكالياته الجمة من أجل إنهاء الوجع السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي، والارتقاء بالإنسان في ظل حُبّـيْـنِ مهمين حبّ الله وحبّ الإنسان .

هل مثقوفنا على قدر المسؤلية ؟

كاتب الموضوع الأصلي: محمد العمار

الساحة العربية في حالة غليان واضطرابات مقلقة .وكأنّها على بركان حانق ,لايعرف الخمود , أو استيقظ بعد نوم مديدعلى جنباتها التي أدمنت الثبات والسّبات.استيقظ ليقذف حممَه فوق ملايين العرب وأسرّتهم التي ضجرت من ركونهم,لقد استولت عليهم الغفلة ولعقود وقرون طالت , استسلموا فيها للتّنظير والبكاء على الماضي والتغنّي به . راحوا فيها بعيدا بحثا عن آراء وخلافات ولّدت اختلافات زعزعت العقل الذي أصبح معتقلا . ليت النقاش والخلاف والتنظير ولّد أو أنجب حالات فاعلة منتجة ومنشّطة , فقد انعكست الحالة وتحوّلت إلى صيغة قاسية وأحكام قطعيّة جائرة من تكفير وتخوين وزندقة وعمالة وآخرها الإرهاب والسّلفية .كلّ هذا دون تأكّد ودون دراية لطبيعة هذه التّهم وما تجرّ على المجتع, وذاكرة أبنائه الذين اكتفوا بعناوين الصّحف والأخبار ورؤوس الموضوعات , فأنتجوا ثقافة الخبر المتداول . واحترق معنويّا وحقيقةً الكثيرون ممّن ظنوا المناخات مناسبة ومعافاة وحدّث عن النتائج .. الأرض العربية تستيقظ على حين غرّة , وتسلك الدّرب دون ربّان أسّس ,ودون وعي ثقافيّ كوّن كوادره, ودون خطاب دينيّ عصريّ ملازم تطوّرات الحياة ,خطاب لم يستطع حلّ الكثير من المستجدّات الراهنة بل عقّدهاعندما اقترب منها,الذين استيقظواشباب قستْ عليهم الظروف , وتخلّى عنهم المجتمع الذي غرق بالسلبيّات التي انتشرت روائحها , وشاعت أساليبها , وتفاقم أمرها أمامَ الممارسات والتجاوزات التي جاءت على حساب الوطن والمواطن . وهنا مركز الداء وأضفْ إلى ذلك استسلام المثقّفين للتنظير والبحث عن صورة ولقاء ودولة تمنحهم حقّ اللجوء السياسي الذي يخوّلهم لتنصيب أنفسهم بالمنقذين ,وكأنّهم لا يعرفون أنّ الناس تعرف الصغيرة والكبيرة وكلَّ أساليبهم وما فيها من تلاعب ولفّ ودوران .
الأرض العربيّة تتجرّع حَنَق المعتوهين المرضى ,توخزها التجاوزات ,تفتح صدرها وصفحاتها للحبّ وهي صفحات كتبها الواقع والألم والإحساس بالضياع والمصادرة بعيدا عن نتاج المحلّلين والمثقّفين الذين استسلموا لذاتهم المتضخّمة , ولعقولهم المعتقلة التي تريد الانعتاق ,فتذهب بعيدا بعيدا ,تسدّد الكرة بأقدام عرجاء,وخارج الملعب الميدان . ومع ذلك تقول لي:” الكرة في ملعبك” وأيّةَ كرة يقصدون ؟ وأيَّ ملعب يريدون ويتحدّثون ؟ الكرات تناثرت وتفرّقت . هي كرات من الثلج وعليكم الحكم.والملاعب امتلأت حفراوصديدا وإصابات,وأضفْ إليها أنّها لم تُحدّدْ أبعادها , وقد غُيِّب حكّامُها . وتوارى عن الأنظارربّانُها , والحكَمُ المحاصر يتأمّل , ويبحث عن نصيبه وحصّته من لقاء إعلاميٍّ, يبرّر له صمتَه المشؤوم ,فلم تبق له سوى الإشارة وبيد مكفوفة .
عجيب أمرُنا يا أهلي , وغريب شأنُنا نحن- أهل الضاد – تجاوزت كلمة يا عرب .نمنا قرونا على عسل الوعود , واستسلمنا للأحلام والأماني , فأسكرتْنا الخطبُ الرّنّاتةُ و تلك القصائد العصماء , وصفّقنا للطلّة البهية . وزغردت النساء لأجمل الشعارات التي تنادي بحرّيتهن , ورجالُهنّ في الأصفاد والضّياع . لقد تجوّلنا في غيرمدننا وغير أحيائنا , واستعرْنا معاجم لغوية من غير لغتنا ,وارتدينا أفكارا سرعان ما تذوب مع أوّل قطرة ماء تقذفها سيّارة مستوردة
يقودها سائق من نتاج الحياة الراهنة,لم يوقفْه إنسان عند إشارة ,ولم يخالفْه درويش من هذا الزمان.ذهبنا أبعد من ذلك ,فبحثنا عن أساليب تتفوّق على الأبالسة فمنحتْنا رتبة أستاذ
رحْنا نفتح بصرَنا وجيوبنا وأفواهَنا قبل أن نفتّح بصيرتنا . وما لَنا وهذا التعب ؟ رحْنا نُغلق أعيُننا وأفواهنا حرصا على شعور أهل نِعَمنا , وخوفا من غضب زوجاتنا وصديقاتنا وأولادنا . وحرصا على سلامة العباد والأسياد وأولي النِّعمة علينا , ومن يقبلُ على نفسه أن يكون جاحدا وكافرا بالنِّعمِ التي غمرته ,وملأت عليه البيت ؟ حملْنا مشاريعنا الكبرى , وتاجرْنا بها سلوكا وقولا وشعارات وأسلحةً تتناسب مع كلّ الأنواء .أعدْنا صياغتَها, ورتّبناها مناسبة لكلِ مقام , أليست البلاغة حسنَ التصرّف وحسنَ التَطلّع للأمام ؟؟
استيقظناعلى أرصفة الموت المجّاني برصاص وراجمات الأخوة والأصدفاء والزّملاء والرّفاق ولكم أن تعدّوا بقية الألقاب .استيقظنا على أصوات ليست أصواتَنا , تلاحقنا الخناجر والجِمال والنياشين التي تحوّلت رشّاشات وبنادق ويالحسن الختام .
نعم استيقظنا ولم نقرأ كتابا أو بيانا ولم نقتنِ صحيفة أ وكتابا , ولم نتّبع عالما ولا شيخا ولا قادة الأحزاب .استيقظنا دون منبّه ودون هزّة خصر أو لكزة تقول : قم للصّلاة . تسألني :
كيف حصل, وكيف كان؟ وتسألني أين المكان؟ ومتى الزّمان ؟ومن الأشخاص ؟ ولمن يتبعون ؟ وما الشهادة التي يحملونها ؟
انتظرْنا الحريق الأولَ من رجل مفجوع فتح كلّ الأبواب الموصدة بعود ثقاب. انتظرناها من قادم بعيد لم تلوّثه ترّهات الحوار والطائفيّة والسّياسة المصنوعة بقرار . كان يعيش في أضيق المعابروالمسافات.أنهضَنا على بعد خطوة مفاجئة لم يسبقْها القرار. فكان الشّرارة ونحن نتحادث ونتحاور وندّعي الجَمال والنقاء والبهاء ولكنّ الحياة الصّعبة أغرقتنا فهربنا لشهوة الحوار الذي يعرّينا ويبعدعنّا الدّثار.نهضنا من صحونا ونحن نرسم ربيعا للورد والزهر والياسمين والخزامى والأقحوان غير أنّا أضعنا الألوان .
سرْنا على خطوط بيضاء وأرصفة مصافحة نقاءَنا ,لا نشتم,ولانكسر, ولا نحطّم .لخطانا طعم الزيتون ولحديثنا رائحة البيلسان.سرنا نحمل راية الأوطان ,وتركناكم تفكّرون بلغة تحضن هذا المقام .
نهضنا من سُبات هدّ رجولتَكم , وأنهك ظهوركم , لانبغي دما يُراق, ولا عظما يكسّر , ولانريد الحزن لبيتٍ أُشعِل فيه الضّياء. سرنا راياتُنا الحبّ, والولاءُ للخير والوطن .نقلّب صفحات الخير ,ونسطّر صفوَ المسار .ننظر للزّمان والمكان والانتماء بمشيئتنا . لا يقودنا شاعرٌ يعادي الشّعور بالفصاحة والبيان . ولم نقرأ لصحفيّ يعمل للدولار ويُحاسِب على الكلمة والحرف والعنوان . ولم نتّبع منظِّرا يصادق الأحلام وهو عاطل عن العمل في سبيل أسرته وأهله والجيران . أبعدْنا عنّا كلّ لوثة , أبعدْنا كلّ التيّارات سوى تيّار الوطن , جمّعنا كلّ الفئات والطوائف والأطياف وجعلْنا هوية الانتماء الوحيد للوطن .سرنا دون ألقاب وصفاتٍ ,ودون هوّيّات سوى هوِّيّة الوطن والصّلاح والإصلاح . فاجأْناكم وأيقظناكم من نومكم , وعكّرْنا عليكم صراعاتِكم الفكريّةَ التي نخرتْ عظامَنا , وثقبتْ عقولَنا , وجمّدت بصيرتَنا وأحاسيسنا لأنّنا لم نكن نرى إلا ما يُملى علينا ,ويُرسم لنا ,ويُنحت ويسمَّى ,ويعلّق فتعبْنا وأتعبناكم بعد ذلك . لقد انفضّ النّاس عنكم , واستعذبوا العفويّة والبساطة ونفروامن العقد والبذلات الأنيقة والحقائب الملأى بالبهتان والتورية والتفقّد للحضور والغياب والتصفيق وعدمه ,فيها المشاريع والتركة وأسماء الموتى القادمين .
الآن لستُ القاضي ولست الحاكم , ولست الباحث إلا عن درب جميل يتغنّى ويحيا له العباد . ولستم السادة والأشراف والمنزّهين , ولستم الأوّل والآخر والعالم والحكيم والقدير والمعطي , خسرتم الرّهان الأخير . خسرتم أنفسَكم وأقلامَكم ولحاكم وعماماتِكم وأدعيتكم ودعواتكم .قبل أن يحين موعد الحصاد .
خسرتم الكثير من القصائد والخطب والمقولات .وخسرتم رصيدكم إن وُجد .وربحتم طلّة بهيّة وحوارا أعو أصمّ من قناة شوهاء.ماذا تركتم لأنفسكم ؟تركتم انقساماتِكم .فالحزب صار أحزابا , والحداثة صارت حداثات . والوطن عندكم أضحى أوطانا .والين أمسى أديانا ,سوف ترتاح المقاهي والمنابر والصحف والأقلام من كلّ هذه اللّوثات .
إنّنا جمعنا كلَّ ذلك في ثوب واحد,وعقل واحد وعلى مائدة واحدة ,لا حصّة فيها لمنتهز ومنافق ومراءٍ وتاجر فاجر. لا تحاولوا بعد هذا اليوم ,فلم يعُدْ عقلُكم معتقَلاً لأهوائكم ونزواتكم وأولادكم وبنوكِكم في الخارج .أين كنّا أيّها المثقّفون ؟ أين صرنا أيّها المثقّفون ؟ قدّموا بياناتِكم , أم أنّكم لنومكم وأنفسكم مستسلمون . ولصوركم تنظرون . وبأنفسكم تعجبون . ولغيركم لا ترحمون , وبهم لا تعترفون …

واحة العراق

كاتب الموضوع الأصلي: محمد العمار

المملكة البغدادية التي كان اسمها يهزّ أرجاء الوطن العربي، تداعى عرشها واندثرت أبنية مجدها وتصاعد دخان حريقها حتى بلغ السماء. نقف الآن قليلاً لننظر في إمكانية إنقاذها وإعادة بناء حضارتها من جديد.
بعد خمسة وأربعين عامًا من الحكم الاستبدادي الشمولي، وبعد خمس سنوات أخرى من احتلال أمريكي، سيكون أمامها سنوات طِوال أخرى حتى تقوم ببناء مستقبل جديد يعيدها إلى ما كانت عليه قبل الحرب الأمريكية عام 2007.
إنّ المتمعن في التركيبة العرقية للعراق، يجد أنها لعبت دورًا كبيرًا خاصة بعد الحرب الأمريكية. فالسياسة الطائفية هي الأبرز على أرض الواقع، وإذا أردنا التخلص من التأثير الطائفي على العراق ربما وجب علينا أولًا أن نركز على تطوير الجوانب الإنسانية وتحقيق العدالة الاجتماعية للعراقيين، لصرف نظرهم عن السعي وراء النعرات السياسية أو الدينية لمحاولة السيطرة على أكبر أجزاء العراق وحكمها.
حين نتحدث عن إنقاذ العراق، علينا أن نأخذ بعين الاعتبار محاور أساسية تتلخص بإعادة النظر حول البنية التحتية التي دُمِّرت، والمستويات التعليمية التي كانت تُعتبر من أقوى المستويات في العالم العربي، والاقتصاد والرعاية الصحية وأسواق العمل.
إنّ أحد الأمور التي يمكن التفكير بها كحلول مستقبلية هي نقل أو توزيع الثقل السكاني من العاصمة بغداد إلى باقي المدن العراقية؛ فإذا أراد العراقيون بناء أرضية جديدة تستوعب كافة شرائح المجتمع وطوائفها الدينية والسياسية فعلى حكومتهم والمؤسسات المعنية بالإحصاءات السكانية أن تعمد إلى حساب معدل النمو السكاني، ومن ثم العمل على إيجاد إسكانات خارج العاصمة ليتم توزيع السكان بشكل منظم، على عكس ما كان نظام “صدام حسين” يفعل حين كان يسهل القروض لبناء الإسكانات بأسعار مرتفعة، بل على الحكومة الحالية أن تقوم هي بتوفير الإسكانات بعد أن تقوم بإحصاء دقيق لعدد السكان، حيث كانت السنوات الماضية التي سبقت الاحتلال تفتقر إلى الدقة في الإحصائيات السكانية وغيرها من المعدلات التي يجب على الحكومة أن تباشر بدراستها وتجهيزها لغايات إعادة البناء على أسس علمية وعددية صحيحة؛ فالإحصائيات الدقيقة تمكن الحكومة الجديدة من بناء دراساتها المستقبلية على أسس واضحة وسليمة.
أما فيما يخص التعليم في العراق، فيجب استحداث مناهج دراسية من الممكن أن تلائم كافة الطوائف والتوجهات الدينية وغيرها، في محاولة للتقريب بين الجهات، كما أنّ على الدوائر المعنية بالتربية والتعليم أن تولي هذا القطاع اهتمامًا كبيرًا خاصة بعد أن تفاقمت هذه المشكلة وغاب عدد كبير من المثقفين والأكاديميين وهاجر إلى الخارج.
من ناحية أخرى، وفيما يهم الاقتصاد العراقي فعلى الحكومة التشجيع على الاستثمار من جديد، وإيجاد بيئات استثمارية مناسبة لهذا الغرض، فالاقتصاد السائد الآن هو الاقتصاد غير الرسمي أو اقتصاد الأفراد وليس اقتصاد الشركات والقطاعات الحكومية.
إنّ التركيز على الجوانب الاجتماعية وإعادة البناء الآن هو الأهم في العراق فضلا عن أهمية الاقتصاد الذي يجب أن يتم إنعاشه من جديد حتى تستطيع العراق الوقوف من جديد، وتتصدر المكان المناسب بين الأمم العربية والعالمية كما كانت سابقًا.