أ.د. أحمد محمد وهبان

انفلوانزا الفساد

كاتب الموضوع الأصلي: سعد السحيمي 5

انفلوانزا الفساد
عبد الرحمن جمال المراكبي

هالني وأفزعني تقرير الشفافية العالمي لعام 2009 والصادر عن منظمة الشفافية الدولية لوصف حالة دول العالم المختلفة من حيث درجة الشفافية والنزاهة في التعاملات المالية والإدارية ، وقد شمل التقرير مائة وتسع وسبعون دولة منها تسع وأربعون دولة مسلمة.
وقد حزنت كثيراً عندما رأيت في مقدمة هذا التقرير كلاً من الدانمارك ونيوزلندا والسويد والعديد من الدول الأوروبية الأخرى ، وازداد حزني عندما رأيت اليهود المغتصبين قد جاءوا في المركز الثلاثين على العالم.
لكن الفاجعة الكبرى التي صدمتني هي ترتيب الدول الإسلامية حيث جاءت قطر في المركز الثالث والثلاثين وتبعتها الإمارات في المركز السابع والثلاثين ، وفي ذيل التقرير جاءت مصر في المركز الحادي عشر بعد المائة ، وتبعتها اليمن والعراق والسودان والصومال .
وبحسب هذا التقرير إذا قمنا بحساب متوسط الفساد في دول العالم الإسلامي نجد أن درجة العالم الإسلامي هي 2.8 من 10 ، مما يعني أن كل دول العالم الإسلامي قد رسبت بجدارة في هذا التقرير ، ومما يعني أيضاً أن أكثر من سبعين بالمائة من التعاملات التي تتم داخل العالم الإسلامي هي تعاملات فاسدة لا علاقة لها بالدين الإسلامي .
وقلت في نفسي : مع تلك الضجة الهائلة حول خطر فيروس انفلوانزا الخنازير هل أصاب العالم الإسلامي مرض أخطر منه وهو مرض انفلوانزا الفساد ؟ وهل وصل هذا المرض إلى أشد درجاته أم أن الأيام تخفي لنا المزيد من عمليات الفساد الإداري ومن المفسدين ؟
لا شك أنه لا يكاد يخلو مجتمع من المجتمعات من الفساد ، لكن الحزن يزداد عندما نجد أن ثلث الفساد المالي في العالم مركزه الوطن العربي ، وأن نصفه في العالم الإسلامي.
كيف يكون ذلك وقد كنا – كما وصفنا ربنا سبحانه وتعالى – خير أمة أخرجت للناس نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر ونؤمن بالله.
كيف يكون ذلك وقد بُعث نبينا صلى الله عليه وسلم ليتمم مكارم الأخلاق .
كيف يكون ذلك وقد كان الفساد المالي من أول المظاهر السلبية التي عالجها الإسلام حين نهى عن الغش والاستغلال والسرقة والرشوة والربا وغير ذلك من المعاملات الفاسدة.
كيف يكون ذلك وقد رغب ديننا الحنيف في الزهد وعدم الطمع فيما عند الناس من متاع الدنيا فقال تعالى : وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى [ طه : 131].
كيف يكون ذلك وقد أمرنا الله عز وجل بالسعي لطلب الرزق الحلال في كثير من آيات القرآن الكريم، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ [البقرة: 267]
وقال عز وجل :  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ  [البقرة: 172] ، كما حثنا النبي صلى الله عليه وسلم على طلب الرزق الحلال فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لأن يأخذ أحدكم حبله فيأتي بحُزمة الحطب على ظهره فيبعيها، فيكف الله بها وجهه، خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه” [البخاري: 1471] .
كيف يكون ذلك وقد حرم الإسلام الرشوة ، ولعن رسول الله صلى الله عليه وسلم من فعلها فقال : ” لعن الله الراشي والمرتشي والرائش ” [رواه أحمد والطبراني] واللعن من الله هو: الطرد والإبعاد عن مظان رحمته ، ولا يكون إلا في كبيرة من الكبائر ، وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” كل لحم أنبته السحت فالنار أولى به ” ، قيل: وما السحت؟ قال: ” الرشوة في الحكم “.
كيف يكون ذلك وقد حذرنا ربنا سبحانه وتعالى من أن نأكل الأموال بالباطل فقال :  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا [ سورة النساء : 29 ] وقال سبحانه :  وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ [ سورة البقرة : 188].
كما حذرنا النبي صلى الله عليه وسلم من أكل المال الحرام ففي الحديث الذي رواه الشيخان عن أبي حميد الساعدي قال: استعمل النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً من الأزد يُقال له ابن اللتبية على الصدقة، فلما قدم قال: هذا لكم وهذا أهدي لي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : فهلا جلس في بيت أبيه أو بيت أمه، فينظر أيُهدى له أم لا؟ والذي نفسي بيده لا يأخذ أحدٌ منكم شيئًا إلا جاء به يوم القيامة، يحمله على رقبته، إن كان بعيرًا له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة تيْعرُ – أي : تصيح – ثم رفع يديه حتى رأينا عُفرة إبطيه – أي : بياض ليس بالناصع في إبطيه – ثم قال: “اللهم هل بلغت (ثلاثًا)” [البخاري: 2597، ومسلم 1832] .
هل أصبحنا نتساهل في أكل المال الحرام وأصبحنا لا نبالي من أين نحصل على أموالنا ؛ تصديقًا لقول النبيِّ صلى الله عليه وسلم ” ليأتينَّ على الناس زمانٌ، لا يبالي المرءُ بما أخذَ المالَ: أمِنَ الحلال أم من الحرام” [صحيح البخاري 2083 ]
هل لهذه الدرجة غاب الوازع الديني لدى الناس فمرضت قلوبهم وفسدت ضمائهم ، وغلبهم الهوى والسعي نحو تحقيق المصالح الشخصية فسَهُل عليهم أكل أموال الناس بالباطل ، وأصبح الموظف لا يؤدي عملاً إلا إذا أخذ الرشوة مقابل أدائه لهذا العمل الذي هو في الأساس واجب عليه ويأخذ في مقابله أجراً في نهاية الشهر .
لا شك أن هذا كله ناتج بسبب عدم تطبيق ما أمر الله عز وجل به ، وعدم الانتهاء عما نهى عنه ، وعدم الالتزام بأحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية ، وكذلك بسبب ضعف الإيمان وانعدام الخوف والخشية من الله عز وجل ، وكذلك انعدام المراقبة والمحاسبة الذاتية ، ونسيان أو تناسي المحاسبة الأخروية .
لقد كان السلف الصالح يحرصون على تحري الحلال ويتركون الشبهات مخافة الوقو ع في الحرام ، عملاً منهم بقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الشيخان عن النعمان بن بشير رضي الله عنه : ” إنَّ الحلال بَيِّنٌ وإنَّ الحرام بَيِّنٌ وبينهما مشتبهاتٌ لا يعلمهنَّ كثيرٌ من الناس فمَنِ اتَّقى الشُّبهات فقد استبرأ لدينه وعِرْضِه ومَنْ وَقَعَ في الشُّبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحِمى يوشك أن يَرْتَعَ فيه ” [ البخاري 2051، مسلم 1599]
وقد قال الفاروق عمر رضي الله عنه : ” كنَّا نَدَعُ تسعةَ أعشار الحلال؛ مخافةَ الوقوع في الحرام ”
وقال ابن المبارك: “لأنْ أرُدَّ دِرْهمًا من شُبْهَةٍ؛ أحبّ إليَّ من أن أتصدَّق بمائة ألفٍ”.

• من المسئول ؟
لا شك أن المسئولية الكبرى تقع على عاتق الحكام والحكومات ، فهم مسئولون أمام الله عز وجل عن كل مظاهر الفساد الإداري في المؤسسات ، وعليهم أن يضربوا بيد من حديد على كل من تُسوِّل له نفسه أن يقوم باختلاس الأموال العامة أو أخذ الرشوة مقابل القيام بعمل ما .
كما يجب أن يكون للمؤسسة الرسمية متمثلة في الأزهر الشريف ووزارة الأوقاف وقفة إيجابية للحد من الفساد الإداري الظاهر في جميع المؤسسات والهيئات في المجتمع العربي ، وكذلك على القائمين على الإعلام في العالم العربي وخاصة الإعلام الإسلامي أن يقوموا بتوعية الناس وتذكيرهم بالله عز وجل وأنهم سيقفون أمامه يوم القيامة فيسألهم عن أموالهم من أين اكتسبوها وفيم أنفقوها .

• كيف السبيل :
لا بد من ترسيخ عقيدة التوحيد في قلوب الناس وأن الله وحده هو الرزاق ، قال تعالى:  وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ  [هود: 6]
وكذلك فإن حسن التوكل على الله و تفويض الأمر إليه سبحانه وتعالى من أعظم الأسباب التي تقضى بها الحاجات و يندفع بها المكروه ، فعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصًا وتروح بطانًا” [ صحيح الترمذي: 1911] .
وعن أبي أمامة رضي الله عنه أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: “إن روح القدس نفث في رُوعي أن نفسًا لن تموت حتى تستكمل أجلها وتستوعب رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحملن أحدكم استبطاء الرزق أن يطلبه بمعصية الله، فإن الله تعالى لا يُنال ما عنده إلا بطاعته”[ صحيح الجامع للألباني ج1 حديث 2085].
لا بد لنا أن نعود وأن نرجع إلى كتاب ربنا عز وجل وإلى سنة نبينا صلى الله عليه وسلم ففيهما العصمة والنجاة ، وحتى نكون بحق خير أمة أخرجت للناس .
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

من أين يأتي النصـر..؟

كاتب الموضوع الأصلي: سعد السحيمي 5

من أين يأتي النصـر..؟
أ . حسان العماري

بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيم

إن الأممَ كالأفراد، تصح وتمرض، وتقوى وتضعف، وتنتصر وتُهزَم، وفق قوانين وسنن إلهية، لا تحابي أحدًا، ولا تتخلَّف ولا تتبدَّل على مرِّ العصور ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ (الكهف: من الآية 49)، وقد أمرنا الله تعالى أن نتدبر أمورَنا في حال النصر والهزيمة؛ فإذا انتصرنا شكرنا وعرفنا غاية النصر وتبعاته وأماناته، وإن هُزمنا حاسبْنا أنفسَنا، وبحثنا عن أخطائنا، واستغفرنا لذنوبنا، وصحَّحنا مسارنا كي لا نضعف أو نهون.. ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ ﴾ (آل عمران 137/141) والبحث عن أسباب النصر وعوامل الهزيمة والعمل بمقتضاها من الأمور الشرعية والواجبة في ديننا فالله تعالى يقول ( وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ)(لأنفال: من الآية60) وقال تعالى ( أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (آل عمران:165)

والإسلام يريد من أتباعه أن يكونوا أقوياء في جميع المجالات وفي جميع جوانب الحياة المختلفة والمتعددة … قوة في الإيمان والثقة والتوكل على الله وقوة في العتاد والسلاح والمال وقوةٌ في التخطيط والتدبير وقوة في الوحدة والألفة والأخوة وقوة في الأخلاق والسلوك وتلك هي قواعد النصر وأسبابه قال تعالى ( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (النور:55) .. فلن يأتي النصر إلاَّ بعد استنفاد أسباب الأرض من الاستعداد والتجهيز، والإرادة والإصرار فإذا بذل الناس ما في وسعهم من الأسباب المادية وتوكلوا على الله فإن النصر يأتي حينئذٍ من طرق متعدده وبأشكال مختلفه ومن أبواب لم تكن بالحسبان ومن مواقف وأحداث لم تكن على البال فالذي يسير الكون هو الله والذي بيده الخلق والتدبير هو الله ، ولذلك فإن الناس عند حلول المصائب والفتن وتسلط العدو وتجبر الظلمه من هول هذا الظلم وشدة الإبتلاء تطيش عقولهم فلم يعودوا يفكروا بالخلاص والنصر إلا عن طريق القوة المادية التي تكون أقوى وأعتى من هذا الظلم ومن أتباعه وحين لا يجدون هذه القوة سواء كانت قوة المال أو العدد والعدة أو القبيلة أو الوجاهات وأكابر القوم فقد يصلوا إلى لحظة يأس وإحباط وانقطاع للأمل وبالتالي ترك الإنتصار للدين والقيم العظيمة ، ولكن المسلم الحق هو من يبذل الأسباب ويحسن التوكل على الله ويحسن الظن به ويعلم علم اليقين بأن الله سيجعل له من كل هم فرجاً ومن كل ضيقٍ وخرجاً بأي وسيلة أو طريقة متى ما أذن الله بذلك وما عليه إلا أن يبذل قصارى جهده ولن يضيع الله عمله ولن يخيب رجاءه ..

إنه عندما يرى الله سبحانه وتعالى عباده وقد بذلوا جهدهم وعملوا بالأسباب المتوفرة والمتاحة لكنهم لم يصلوا إلى تلك القوة التي تؤهلهم للنصر ومواجهة الأعداء والظلمة والطغاة فإن الله سبحانه وتعالى عند ذلك لن يترك عباده دون نصر وتمكين ولكن ليس بالقوة المادية وحسب بل بسلاح آخر هو أعظم وأقوى الأسلحة إنه سلاح التوكل على الله والثقة به واللجوء إليه … شعارهم ( وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ) (ابراهيم:12) .. ونصر الله وتمكينه لعبادة حين يأذن به قد يتحقق في أي وقت وبأبسط الأسباب وأضعف الوسائل والتاريخ يشهد والواقع وكذلك النص الشرعي يشهد بذلك …

هذا جالوت الذي كان يبطش ويظلم ويقتل ولديه جيوش لا تعد ولا تحصى كانت نهايته على يد فئة قليلة مؤمنة يقودهم رجل اختاره الله واصطفاه وهو طالوت والذي كان من جنده داود عليه السلام وكان في ذلك الوقت راعٍ للغنم فأجرى الله النصر على أيديهم قال تعالى ( فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ )(البقرة:251) فمن كان يتصور أن يأتي النصر والتمكين من هذه الطريق وبهذه الكيفية ومن هذه الفئة والثلة المؤمنة وصدق الله إذ يقول على لسان أهل الإيمان ( قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) (البقرة:249)..

لقد طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم بمجتمعات القبائل وقصد الرؤساء وتوجه بالدعوة إلى الوجهاء وسار إلى الطائف، فعل ذلك كله عشر سنوات وهو يرجو أن يجد عند أصحاب الجاه والمنعة نصرة وتأييدا، كان يقول صلى الله عليه وسلم في كل موسم: “من يؤويني؟ من ينصرني؟ حتى أبلغ رسالة ربي”، ومع كل هذا لم يجد من يؤويه ولا من ينصره، بل لقد كان الرجل من أهل اليمن أو من مضر يخرج إلى مكة فيأتيه قومه فيقولون له: احذر غلام قريش لا يفتنك … سدت كل الأبواب في وجهه فمن أين يأتي النصر ؟

لقد جاء النصر بإذن الله من ستة نفر من الأوس والخزرج التقى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فآمنوا به ورحبوا به في مدينتهم وكان هذا اللقاء بداية لإنطلاق الدعوة وبناء الدول المسلمة وإنها لسنة الله في عباده قال تعالى ( “وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ ، إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ ، وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ”) (الصافات 171- 173) ..
أن النَّصر الذي ساقه الله للمسلمين في حطين كان فضلاً وعطيَّة من الله تعالى، ليس لعمل الناس فيها إلاَّ الدَّخل المحدود بإذنه، بالتجهيز والاستعداد، والأخذ بالأسباب، والأسباب لا تبلغ نتائجها إلاَّ بِقَدَر الله وفِي حمايته ورعايته.
لقد قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة الأحزاب: يا رسول الله، إنَّ قريشًا جاءت ومعها فلول العرب. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “أوَتَحزَّبوا؟” قيل: نعم. قال: “إذًا أبشِروا بِنَصر الله”. وكأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم يبيِّن لنا القانون الإلهيَّ أنَّه إذا تحزَّب أعداء الله ضدَّ دين الله والمسلمين، واتَّخَذ المسلمون من الأسباب ما يُواجهون به هذا التحزُّبَ، أكرَمَهم الله بالنَّصر المبين، ودَحْر عدو الإسلام والمسلمين وهذا مِصْداق قوله تعالى: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الأنفال: 17]
والنصر يأتي بالإخلاص والصدق مع الله ذلك أن الإخلاص سرٌ عظيمٌ بين العبد وربه لا يطلع عليه نبيٌ مرسل فيعرفه ولا ملَكٌ مقربٌ فيكتبه جعله الله سبيلاً للنجاة وطريقاً للفلاح وسبباً للنصر والتأييد وحرزاً من كيد الشيطان وشرطاً لقبول الأعمال أمر الله به عبادة فقال تعالى ( هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (غافر:65) وقال تعالى ( وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ) (البينة:5)

لما حاصر المسلمون حصناً في إحدى غزواتهم فاستعصى عليهم، وكثر الأذى فيهم بسبب رمي النصارى لهم، حتى قال مسلمة بن عبد الملك: من يدخل النقب -وهو فتحة ضيقة تحت الحصن تجري فيه المياة فإن كتبت له الشهادة فاز بالجنة، وإن كتبت له النجاة ذهب لباب الحصن ففتحه؟ فخرج رجل ملثم قال: أنا من سيدخل النقب، فدخل وكبر وقاتل وفتح باب الحصن وهجم المسلمون بعد ذلك على الحصن وانتصر المسلمون على يد ذلك الرجل الذي لم يعرف، فأراد مسلمة أن يعرفه ليكافئه، فنادى في جيش المسلمين بعد المعركة أين صاحب النقب؟ فلم يجبه أحد، فعاد الكرة فلم يجبه أحد، فقال في النهاية: إني أمرت حاجبي بإدخاله عليَّ حين يأتي، فعزمت عليه بما لي عليه من الحق -أي: الطاعة في الإمرة، فجاء رجل ذات ليلة إلى حاجب مسلمة ، فقال: استأذن لي على الأمير، قال: أنت صاحب النقب؟ قال: أنا أخبركم عنه، فلما صار بين يدي مسلمة قال: إن صاحب النقب يشترط عليكم ثلاثاً: ألا تبعثوا أحد وراءه، وألا تسألوه عن اسمه، وألا تأمروا له بشيء، قال مسلمة: فذلك له، فقال الرجل باستحياء: أنا صاحب النقب أيها القائد ، ثم انطلق مسرعاً فلم يدر من هو، فكان – مسلمة- لا يصلي بعدها صلاة إلا دعا فيها اللهم احشرني مع صاحب النقب يوم القيامة ..

والنصر للأمة قد يأتي عن طريق الضعفاء والفقراء والمحتاجين أيضاً فليست القضية قضية أموال ووجاهات ومناظر ومناصب خاصة إذا لم تكن في سبيل الله وحسب بل هناك سلاح الإخلاص والدعاء و لا يجيده إلا قليل من الناس عن سعد رضي الله عليه تعالى عنه قال:قال صلى الله عليه وسلم: “إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها،بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم” (صحيح الجامع 2388)

يا لعظمة هذا الدين …إن إخلاص الفقراء والضعفاء وصلاتهم ودعائهم سبب لنصر الأمة وتمكينها في الأرض وهذا حتى يدرك كل فرد من أفراد هذه الأمة أن له دور في هذه الحياة وعن طريقة يأتي النصر مهما كانت قدراته ومستواه الإجتماعي …

لما حاصر قتيبة بن مسلم كابل كان في جيشه العالم العابد محمد بن واسع ، فأرسل يبحث عنه ، فلقيه بجفن دامع ، وكف ضارع ، يشير بسبابته إلى السماء ، ويقول : يا سميع الدعاء ، عظم فيك الرجاء ، اللهم ثبت أقدامنا ، وسدد سهامنا وارفع أعلامنا ، فلما أخبروا قتيبة بما شاهدوا ، وأطلعوه على ما وجدوا قال قتيبة : والله لإصبع محمد بن واسع خير عندي من مائة ألف شاب طرير ، ومن مائة ألف سيف شهير . ثم بدأ القتال ، فنصرهم ذو الجلال ، وانهزم الكفار ، وولوّا الأدبار …
فإذا أحسن المسلم صلته بالله وبذل المستطاع من الأسباب وتوكل عليه سبحانه وتعالى وصبر على الإبتلاء تعبداً وطمعاً في ثوابه فإنه سبحانه وتعالى قد يهيئ أسباب لا تخطر على بال الإنسان ولا يصل إليها تفكيره يكون فيها النصر والفرج والتمكين وتبدل الأحوال إلى أفضل حال فليحسن المسلم ظنه بربه ..

سهرت أعينٌ ونامت عيـون … في شئون تكون أو لا تكونُ
فاطرح الهـم مـا استطعت … فحمـلانك الهمـوم جنـونُ
إن ربا كفاك ما كان بالأمس … سيكفيـك فـي غدٍ ما يكونُ

شعـب أراكان وحـرب الإبـادة

كاتب الموضوع الأصلي: سعد السحيمي 5

شعـب أراكان وحـرب الإبـادة
ياسـر الفخـراني

بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيم

كنا نستمع كثيرا إلى أساتذتنا وعلمائنا – حفظهم الله ورعاهم ورحم من تُوفي منهم- وهم يدعون بالنصر للمسلمين وحفظ دمائهم في كل بقعة من بقاع الأرض وبخاصة في فلسطين وأفغانستان وبورما وكشمير وأذربيجان,… وغيرها الكثير والكثير من دول العالم الإسلامي وأقاليمه التي تتعرض من حين لأخر للإبادة والتطهير العرقي البغيض. وفي خضم الأحداث المتسارعة في شتى بقاع المعمورة، تُطعن أمة الإسلام مرة أخرى في جزء من أجزائها المسلوبة وفي بقعة من بقاعها المنسية. ومن بين هذه الأحداث تلك المأساة التي تعيشها ولاية أراكان الإسلامية الروهنجية إحدى أقاليم بورما(ميانمار) التي يمثل المسلمون فيها نسبة 70%, وتبلغ مساحتها20 ألف ميل مربع, ويبلغ عدد سكانها 4 ملايين نسمة. ويطل الإقليم على خليج البنغال من الغرب وتحدها بنغلادش من الشمال الغربي. وهي محتلة منذ عام 1947 في حكم ميانمار (بورما) وعاصمة الإقليم هي إكياب, واللغة الرسمية هي (الروهنجيا والعربية).

ولو عدنا بالتاريخ لوجدنا أن الإسلام قد دخل بورما عن طريق أراكان في القرن الأول الهجري، بواسطة التجار العرب وعلى رأسهم الصحابي الجليل وقاص بن مالك رضي الله عنه، ومجموعة من التابعين وأتباعهم. حيث كان العرب يمارسون مهنة التجارة، ولأجلها يسافرون إلى أقاصي البلاد ودانيها. وفي يوم من الأيام انكسرت سفينتهم أثناء سفرهم للتجارة في وسط خليج البنغال على مقربة من ساحل أراكان، فاضطروا إلى اللجوء إلى جزيرة رحمبري بأراكان ، وبعد ذلك توطنوا في أراكان وتزوجوا من بنات السكان المحليين. وحيث إنهم وعوا قوله صلى الله عليه وسلم: “بلغوا عني ولو آية” وقوله: “فليبلغ الشاهد الغائب”. بدأوا بممارسة الأعمال الدعوية بين السكان المحليين، بالحكمة والموعظة الحسنة. فبدأوا يدخلون في دين الله أفواجا. ثم تردد عليها الدعاة من مختلف مناطق العالم. وازداد عدد المسلمين يومًا فيومًا، إلى أن استطاع المسلمون تأسيس دولة إسلامية في أراكان منذ عام 1430م، بيد سليمان شاه. واستمرت الحكومة الإسلامية فيها أكثر من ثلاثة قرون ونصف إلى أن هجم عليها البوذيون عام 1784م.

وهكذا انتشر الإسلام في جميع مناطق بورما حتى بلغ عدد المسلمين حاليًّا عشرة ملايين مسلم، من بين مجموع سكانها البالغ خمسين مليون نسمة، أي 20% من إجمالي عدد سكان بورما ، أربعة ملايين منهم في أراكان، والبقية منتشرون في جميع المناطق . أما في اراكان وحدها فتبلغ نسبة المسلمين 70%، منهم حوالي أكثر من مليوني مسلم من الشعب الروهنجيا يعيشون حياة المنفى والهجرة في مختلف دول العالم . وكانت بورما منذ سيطرتها على أراكان المسلمة عام 1784م تحاول القضاء على المسلمين، ولكنها فقدت سلطاتها بيد الاستعمار البريطاني عام 1824م ، وبعد مرور أكثر من مائة سنة تحت سيطرة الاستعمار نالت بورما الحكم الذاتي عام 1938م. وأول أمر قامت به بورما بعد الحكم الذاتي هو قتل وتشريد المسلمين في جميع مناطق بورما حتى في العاصمة رانغون ، واضطر أكثر من 500.000 خمسمائة ألف مسلم إلى مغادرة بورما.

وفي عام 1942م قام البوذيون بمساعدة السلطة الداخلية بتنفيذ حملة قتل ودمار شامل على المسلمين في جنوب أراكان، حيث استشهد حوالي مائة ألف مسلم. ومنذ أن حصلت بورما على استقلالها من بريطانيا عام 1948م شرعت في تنفيذ خطتها لبرمنة جميع الشعوب والأقليات التي تعيش في بورما. وفعلاً نجحت في تطبيق خطتها خلال عدة سنوات. لكنها فشلت تمامًا تجاه المسلمين، إذ لم يوجد أي مسلم بورمي ارتد عن الإسلام أو اعتنق الديانة البوذية أو أي دين آخر. فلما أدركت بورما هذه الحقيقة غيرت موقفها وخطتها من برمنة المسلمين إلى “القضاء على المسلمين واقتلاع جذور الإسلام من أرض بورما، وذلك بقتل ونهب وتشريد ومسخ هويتهم وطمس شعائرهم وتراثهم، وتغيير معالمهم وثقافتهم.

ومنذ أن استولى الجيش على مقاليد الحكم عام 1962م اشتدت المظالم على المسلمين بطريق أوسع من السابق ، ففي عام 1978م شردت بورما أكثر من ثلاثمائة ألف مسلم إلى بنغلاديش ، وفي عام 1982م ألغت جنسية المسلمين بدعوى أنهم متوطنين في بورما بعد عام 1824م (عام دخول الاستعمار البريطاني إلى بورما) رغم أن الواقع والتاريخ يكذّب ذلك، وفي عام 91-1992م شردت بورما حوالي ثلاثمائة ألف مسلم إلى بنغلاديش مرة أخرى. وهكذا يستمر نزوح المسلمين إلى بنغلاديش ومنها إلى بلاد أخرى كل يوم؛ لأن الحكومة خلقت جو الهجرة، فالوضع الذي يعيشه مسلمو أراكان مأساوي جدًّا. فهم محرومون من أبسط الحقوق الإنسانية، وهناك مئات الآلاف من الأطفال تمشي في ثياب بالية ووجوه شاحبة، وأقدام حافية، وعيون حائرة لما رأوا من مظالم واعتداءات البوذيين. حيث صرخات الثكالى والأرامل اللائي يبكين بدماء العفة، يخطف رجالهن ويعلقون على جذوع الأشجار بالمسامير، حيث تقطع أنوفهم وأذانهم، ويفعل بهم الأفاعيل، وعشرات المساجد والمدارس تدمر بأيدٍ نجسة مدنسة.

وفي الأول من شهر يونيو 2012م تعرض عشرة من دعاة المسلمين الأراكانيين لمذبحة شنيعة قضوا نحبهم فيها بعد أن هوجموا من قبل جماعة بوذية وفتكوا بهم جميعاً ومثلّوا بجثثهم، ولم تقف الأمور عند هذه المجزرة فحسب بل تعدتها إلى حرق منازل ومزارع عدد كبير من المسلمين وقتل العشرات بالنيران ، ومنذ 8 يونيو هجم البوذيون على المسلمين حينما كانوا يؤدون صلاة الجمعة في مدينة منغدو (المتآخمة لحدود بنغلاديش)، وعند مواجهة المسلمين لتلك الهجمات المفاجئة أطلقت الشرطة الرصاص على المصلين الأبرياء مما أسفر عن مقتل أربعة مصلين. وبعدها بدأ البوذيون المشاغبون المسلحون بالأسلحة النارية بشن حملات منظمة على المسلمين الأبرياء. وفي 10 يونيو 2012 تم فرض حظر التجول على المناطق التي تقطنها الأقلية المسلمة، وبعدها قامت الجماعات البوذية بتعاون من رجال الشرطة والجيش وقوات حرس الحدود بحملة تطهير عرقي وديني راح ضحيتها آلاف من المسلمين الأبرياء بين القتلى والمصابين بالجروح. كما أن البوذيين أحرقوا أكثر من ثلاثة آلاف منزل من منازل المسلمين.

وفي ظل حالة الطوارئ وفرض حظر التجول في مناطق المسلمين صعبت المعيشة على المسلمين وتزايدت المأساة الإنسانية بشكل مخيف في أراكان، كأنها تحولت إلى سجن كبير، بل الواقع أسوأ من ذلك، حيث لا يستطيعون الخروج من بيوتهم لكسب المعاش أو لشراء ما يسد رمقهم. ومن جانب آخر فإن الشرطة تواصل الاعتقالات العشوائية وانتهاك الحرمات بحيث تحاصر قرية من جميع الجوانب دون إنذار مسبق ثم تلقي القبض على الرجال والشباب وتغتصب النساء وتنهب الأموال والأشياء الثمينة. وقد بلغ الأمر إلى حد لا يمكن إحصاء المقبوضين أو المتعرضين لهذه الجرائم اللاإنسانية. ولازالت الماساة مستمرة. ومن ثم فإنني أناشد منظمة الأمم المتحدة ومنظمة المؤتمر الإسلامي وجميع منظمات حقوق الإنسان في العالم الحر الأبي أن تغيث شعب أراكان وتمد لهم يد العون لوقف نزيف الدم. أم لأنهم مسلمون فدماؤهم رخيصة ولا يهتم لمأساتهم أحد؟ وهنا أتذكر قول الشاعر:

قَتْلُ كلبٍ في غابةٍ قضيةٌ لا تُغـــــتفر — وقتل شعب أَمنٍ مسألةٌ فيها نظر

————

عوائق انتصار الثورة

كاتب الموضوع الأصلي: سعد السحيمي 5

عوائق انتصار الثورة
محمد بن المختار الشنقيطي

بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيم

واجهت الثورة السورية عوائقَ لم تواجهها أي من ثورات الربيع العربي حتى اليوم، فهي المحكّ الذي سيصقل إرادة الشعوب، ويُعضّد من تصميمها على الحرية، دون تعويل على منقذ خارجي، أو استسلام لهمجية داخلية. وفي الذكرى الثانية للثورة السورية المجيدة نستعرض جملة العوائق التي تقف في وجه انتصارها حتى اليوم، ونستشرف مآلاتها التي بدأت تلوح في الأفق.

أما العائق الأول لنجاح الثورة السورية فهو أنها تواجه نظاما همجيا جمَع مساوئ دولة العصور الوسطى العتيقة، والدولة البوليسية المعاصرة، فهو نظام طائفي الجذور، ستاليني الأسلوب. وقد مكنتْه طائفيته التي شاد عليها سلطته منذ أربعة عقود من جعْل الأقلية التي ينتمي إليها تتماهى معه تماهياً يقارب العبادة، وتربط وجودها بوجوده. ولولا الطبيعة الطائفية للنظام السوري لما تماسكت النواة الصلبة لجيشه حتى الآن، بينما تخلّت الجيوش عن المستبدين كليا أو جزئيا في كل دول الربيع العربي الأخرى.

فما كان للربيع العربي أن يبدأ من تونس بدايته المظفرة لولا أن الجيش التونسي كان جيشا وطنيا مهنيا لم ينخرط في لعبة الحكم السياسي المفسدة للجيوش والدول، فتخلى عن ابن عليّ كليًّا في لحظة الحرج. وما كانت الثورة المصرية لتنجح لولا أن قيادة الجيش انقسمت على نفسها، وانتصر شقُّها المساند للثورة –بقيادة السيسي وفتحي- على الشق الذي يقوده عجائز الجنرالات الموالون لمبارك وأميركا (طنطاوي وعنان). ومثل ذلك يقال عن انشقاق جانب من الجيش اليمني بقيادة اللواء علي محسن الأحمر وانحيازه للثورة، مما ضمن توازنا للقوة الداخلية، وفرض على القوى الإقليمية والدولية أن تأخذ تطلعات الشعب اليمني بالاعتبار.

أما في سوريا فالتركيبية الطائفية للجيش –حيث 90% من الضباط علويون والكتائب النوعية علوية- جعلت التوازن الداخلي الضامن للتغيير أمرا بعيد المنال وغاليَ الثمن. وزاد من صلابة نظام الأسد تداعي البنية الإقليمية الشيعية -الممتدة من لبنان إلى إيران- لاصطفاف خلفه بحميّة جاهلية ذات شعارات إسلامية. ولا تزال إيران في سوريا ترفع راية الحسين وتقاتل في جيش يزيد بكل وقاحة، وقد سحبت إلى هذا الموقف الفاضح الجزء الأعظم من النخب الشيعية العربية في المنطقة.

والعائق الثاني هو الموقف الروسي المساند لهمجية الأسد، وهو موقف يمكن تفسيره ثقافيا وإستراتيجيا. أما ثقافيا فتحسن الإشارة هنا إلى ما تنبأ به المفكر السياسي الفرنسي ألكسيس دو توكفيل في القرن التاسع عشر من صعود الأمتين الأميركية والروسية، وإمساكهما بمصائر العالم خلال القرن العشرين.

لكن توكفيل استدرك استدراكا ذا مغزى فكتب: إن طريق الأميركيين إلى هذا المجد هو الحرية، وطريق الروس إليه هو العبودية. فالموقف الروسي من الثورة السورية يمكن تفسيره بثقافة العبودية التي لا تزال سائدة في روسيا، فهي الدولة الأوروبية الكبرى التي لا يزال يحكمها ضابط استخبارات هو فلاديمير بوتين، بعد أن سلَّمها شكليا بضعَ سنين لغلامه ديميتري ميدفيديف. ولا يزال بوتين وزمرته ينظرون إلى انتصار الثورة السورية على أنه توسع لنموذج غير مرغوب فيه، وهتك لثقافة العبودية التي يتشبثون بها.

أما إستراتيجيا، فإن زمرة بوتين المستأسرة لعقلية الحرب الباردة تتشبث بآخر جيوبها على ضفاف المتوسط، لجهلها أن الشعوب العربية لم تعد ترضى بتقرير مصيرها بقرار من وراء البحار. وما يقال عن ثقافة العبودية السائدة في روسيا يصدق على الصين أيضا التي لا تزال يحكمها حزب شمولي واحد، بعد أن أصبحت التعددية الحزبية من المعلوم بالضرورة لدى كل الشعوب الحرة أو الطامحة إلى الحرية.

والعائق الثالث الذي زاد ضريبة الدم على الشعب السوري هو ضعف الموقف العربي، فلم تقف من الدول العربية بجدٍّ مع ثورة الشعب السوري سوى دولتين هما ليبيا وقطر، وأغلب الدول العربية وقفت عند حدود الدعم الدبلوماسي البارد، وثلة منها وقفت مع الأسد صراحة أو ضمنا لأسباب مختلفة، فالقيادة الجزائرية تتحفّظ على أي موقف عملي جدي ضد النظام السوري، تشبثا من الجنرالات المتحكمين في نظامها السياسي بإفشال الثورات العربية، وخوفا من أن تصل أنسام الربيع إلى حدود الجزائر في يوم من الأيام، والعراق يدعم الأسد لأسباب طائفية مقيتة، أما لبنان فقد شلَّه الانقسام الطائفي الداخلي، وهو في الواقع معسكران متدابران في موقفهما من الثورة السورية.

وليس أدلّ على ضعف الموقف العربي في سوريا من انتماء المبعوثيْن العربيين إلى سوريا (الدابي والإبراهيمي) إلى دولتين عربيتين (السودان والجزائر) يحكمهما عساكر يكفرون بالربيع العربي ويحتقرونه. وبينما ترجمتْ إيران طائفيتها في سوريا إلى مال وسلاح وموقف سياسي لا يتزعزع، فإن طائفية بعض الدول العربية جاءت كليلةً: فهي قولٌ من غير فعل، وفتاوى فجّة في تكفير الشيعة يَبخل أهلُها بالسلاح والغذاء والدواء. إن هزيمة إيران في سوريا أصبحت اليوم ضرورة إستراتيجية عربية، وشرطا لازما لإعادة تأسيس العلاقات العربية الإيرانية على أساس من الندِّية والاحترام، فلا معنى للتردد والضعف العربي في دعم الشعب المظلوم مع المجاهرة الإيرانية بدعم الحاكم الظالم.

أما العائق الرابع فهو التردد التركي في تسليح الثوار السوريين. لقد وفرت تركيا للشعب السوري الرئة الإنسانية التي يتنفس بها، والمنبر السياسي الذي يتحرك منه -ولولاهما لكانت ضريبة الثورة السورية أفدح، وأمل نجاحها أضعف- لكن تركيا قنعتْ بدور الجمعية الخيرية، بدلا من دور القوة الإستراتيجية الصاعدة.
وليس خفيا أن موقع تركيا الإستراتيجي بين الشرق والغرب يمنحها إمكانا كبيرا، ويفرض عليها قيودا كثيرة. لكن تركيا تراعي القيود أكثر، فهي محافِظة في خياراتها الخارجية، ولا تجرؤ على المخاطرة الإستراتيجية. وقد أنتج هذا المنحى مفارقاتٍ أخلاقيةً وسياسيةً كبيرةً في الموقف التركي من الثورة السورية.

فبينما قدّمتْ تركيا دعما إنسانيا سخيا للشعب السوري، ووفرت منصة سياسية قوية للمعارضة السورية، فإنها لم تخرج على المواقف الغربية المانعة من وصول السلاح النوعي إلى الثوار. فإذا لم تحسم تركيا أمرها، فستبقى سوريا جرحا مفتوحا على حدودها لأمد بعيد، وستفقد تركيا الرأسمال العاطفي الذي تملكه لدى غالبية الشعوب العربية، والمصالح الإستراتيجية الكبرى الكامنة في الربيع العربي.
أما العائق الخامس من عوائق النصر في سوريا فهو الازدواجية المعهودة للنخبة السياسية الغربية حيال قضايا الشعوب العربية والإسلامية. لقد وجدت النخبة الأميركية والأوروبية في تعويق الثورة السورية فرصة لتحجيم ومحاصرة الربيع العربي في حدوده الحالية، والانتقام من الشعوب العربية التي خلعت ربقة العبودية، وأعلنت أنها لن يحكمها بعد اليوم عملاء للقوى الأجنبية.
ولم تغفر القوى الاستعمارية الغربية للشعوب العربية هذا الموقف، فتمالأتْ في وأد الثورة السورية، رغم الخطاب المنافق المعبّر عن الدعم والمساندة، وهو خطاب يراد منه تخدير الشعوب العربية والغربية معاً. لقد قررت القوى الغربية الرفع من الكلفة الدموية لمسعى السوريين إلى الحرية والكرامة، عقوبةً للشعوب العربية التي ثارت على عملاء الغرب في تونس ومصر واليمن، وردعا للشعوب العربية الأخرى المتوثبة للثورة.

ورغم التباين بين الموقف الروسي الفاضح بمجاهرته في دعم الأسد والموقف الأميركي المراوغ، فإن الموقفين متفقان في الجوهر: فأميركا مع سقوط الأسد بشرط تدمير سوريا، وروسيا مع تدمير سوريا بشرط بقاء الأسد، وهكذا يتفق الطرفان على تدمير سوريا في الحالتين، وعلى ألا يخرج الشعب السوري من ثورته إلا وهو مهيض الجناح، ممزق الأشلاء، لتكون الثورة السورية عبرة للشعوب المتوثبة إلى الحرية، المصمِّمة على استقلال القرار.

إن الحظر الغربي للسلاح على الشعب السوري رخصة للقاتل للإثخان في القتل، ومواساة للقتيل بجُملٍ منمَّقة، ومؤتمرات جوفاء، حفظا لماء الوجه، وإمعانا في النفاق والتلوّن. وليس الأمر سوى تكرار للتواطؤ الغربي ضد مسلمي البوسنة، حيث فرض الغرب حظر السلاح ليمنع المسلمين البوسنيين من الدفاع عن أنفسهم، بعد أن استيقن أن لدى الصرب منابع لا تنضب من السلاح الروسي. وهذا ما يحدث اليوم بالضبط: فالروس والإيرانيون يذبحون الشعب السوري، والأميركيون والأوربيون يشدّون وثاق الذبيح حتى لا يقاوم الجزّار، ثم هم يعلنون تعاطفهم معه، فأي صفاقة ونفاق أكبر من هذا؟!
أما العائق السادس فهو الموقف الإسرائيلي، وهو مؤثر في الموقف الغربي بشكل عام، والأميركي بشكل خاص، بل إن المواقف الثلاثة لتتماهى، بحكم الخلفية الاستعمارية المؤطِّرة لها.. وقد بيّن تقرير لصحيفة (كريستيان سايس مونيتور) الأميركية أن موقف الدولة الصهيونية من الثورة السورية يتلخص في اعتبار الأسد أقل الضررين وأهون الشرين. فالأسد وإن كان جزءا من الحلف الإيراني المعادي لإسرائيل، فإن عداوته لإسرائيل منضبطة في حدود المسموح به إسرائيليا، وهي لا تشكّل خطرا جدِّيا على مستقبل الدولة اليهودية.

ويكفي أن نظام الأسديْن (حافظ وبشار) لم يحرّك ساكنا على الحدود السورية خلال أربعين عاما من الاحتلال الإسرائيلي للجولان السوري. وليس هذا الموقف الإسرائيلي الحاني على الأسد بجديد، بل هو موقف كان موجودا قبل اندلاع الثورة السورية بأمد بعيد. حيث تروي الصحيفة الأميركية ذاتها أن غيورا إيلاندْ -مستشار أرييل شارون للأمن القومي- تحدث لشارون يوم كان رئيس وزراء إسرائيل عن تغيير نظام الحكم في سوريا، فرد عليه شارون غاضبا: “هل أنت أحمق؟ إن أحسن الخيارات في ظروفنا هي وجود رئيس مثل بشار الأسد يحارب من أجل شرعيته”.

وتُلخِّص ردة فعل شارون الغاضبة فلسفة إسرائيل والغرب في نظرتهما للعلاقة بين الحاكم والمحكوم في الدول العربية: فالحاكم العربي غير الشرعي ضعيف السند داخليا، منكشفٌ في مواجهة التأثير الأجنبي، لذلك فهو المفضَّل -عدوا كان أو صديقا- في النظرة الاستعمارية الغربية والإسرائيلية، بينما الحاكم العربي الشرعي ذو سند داخلي صلب، فهو لا يخضع لابتزاز القوى الأجنبية، ولذلك فهو غير مرغوب فيه عند الغربيين والإسرائيليين، سواء كان عدوا لهم أو صديقا، وهذا هو المنطق الذي جعل الإسرائيليين يفضلون سلطة الأسد غير الشرعية على أي سلطة شرعية تنبثق من الثورة السورية.
ومع كل هذه العوائق المتراكمة، لم يستكن الشعب السوري ولم يستسلم، بل هو يتقدم إلى النصر بثبات كل يوم. وقد برهن هذا الشعب العظيم على صلابة أمام همجية الأسد التي لا مثيل لها في تاريخنا المعاصر، وصمد في وجه البنية الإقليمية الطائفية المساندة للأسد، ورفض الخنوع للتواطؤ الدولي الصريح من روسيا والصين، أو للممالأة الضمنية من الولايات المتحدة وأوروبا، إنه شعب قرر كسر باب الحرية الحمراء بأيديه المضرجة، دون أن يكون لأحد عليه مِنَّة. ولذلك فإن الثورة السورية ستكون البرهان الساطع على إرادة الحرية في وجدان شعوبنا، وإصرارها على استرداد قرارها واختيارها بيدها مهما تكن التضحيات.

إن الثورة السورية اليوم أصبحت صراع وجود لا مجال فيه لأنصاف الحلول، ولم تعد صراع حدود يمكن حله بإعادة تعريف العلاقة بين الخصمين. وما تسعى إليه الدول الغربية وروسيا من حلول وسط تلفيقية تئد الثورة وتسوّي بين الجزار والضحية قد فات أوانه، بعد أن قدّم الشعب السوري عشرات الآلاف من الشهداء، وتشرَّد في البلدان، وضحى بماله وثروته وبنيته التحتية في سبيل الحرية.

وقد تنفتح في هذا الصراع ثغراتٌ غير متوقعة، في شكل دعم خارجي نوعي، أملا في التأثير في خلفاء الأسد، أو خوفا على إسرائيل من شظايا الصراع داخل سوريا، أو في شكل تصدّعٍ في البنية الطائفية للنظام السوري يحفظ بها العلويون باب المستقبل لأنفسهم، ويخرجون من النفَق المظلم الذي دفعهم إليه الأسد بوضعهم وجها لوجه مع شعبهم.

لكن ليس من مصلحة الشعب الثائر أن يحسب حسابا لأي تطورات عرَضية اعتباطية من هذا النمط.. لقد قرر الشعب السوري اقتحام باب الحرية الحمراء، ولم يعدْ أمامه إلا أن يستكمل طريق العزة والحرية ضد الظلامية والهمجية، مهما يكن الثمن. لقد تواطأت أطرافٌ عديدة على وأد ثورة الشعب السوري بالفعل وبالتَّرك، تنفيرا للشعوب من الثورة على الظلم والسعيِ إلى الحرية، لكن هيهات أن تذبل جذوة الأمل بعد اشتعالها، أو يعود الأحرار إلى قيد الجلاد بعد أن كسروه بأيديهم المضمَّخة بدماء الشهداء.

إن الشهداء ضرورة لتسوية النتوءات القبيحة في حياة الأمم، وفتح الثغرات في الطريق المسدود أمام ميلاد حضارتها، ويدل استقراء تاريخ الحضارات أن روح البطولة والشهادة مؤشر على ميلاد حضارة جديدة، فإذا رأيتَ أمة تبذل الشهداء بسخاء فاعلم أنها في فجر حضارتها، وإذا رأيت أمة تبخل بالشهداء فاعلم أن حضارتها في إدبار.

وهذا الذي يبشر حول الربيع العربي المجيد. ولنا أمةَ القرآن نظرتنا الكونية الخاصة في هذا المضمار، حيث نؤمن بأن الله تعالى يتخذ منا الشهداء إكراما لهم ولنا، لا محبة للظالمين: (ويتّخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين).

وتحتاج بعض الدول العربية إلى الغَسْل من الاستبداد والفساد سبع مراتٍ سابعتُها بالتراب، لكي تسترد شيئا من إنسانيتها، بعد الهمجية السياسية التي سلطها عليها حكامها ردحا من الزمان، والشام أعظم من أن تبقى في أيدي الطغام. وحينما يتلفّع الربيع العربي بالدم، فذلك دليل على أنه يحمل معنى التصميم والتغيير المصيري، وليس مجرد مهرجان سياسي مخمليٍّ.

وإذا كانت الشعوب أرادت ربيعها ثوراتٍ مخملية، فإن الله أراده في بلاد الشام جهاداً مُطهِّرا لأمتنا من أدواء الوهَن، والسكوت المزمن على الظلم، والرضا بالدون بين الأمم: (كُتب عليكم القتال وهو كرهٌ لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خيرٌ لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شرٌّ لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون).

الذكرى الرابعة والستون للنكبة: عودة الأمل

كاتب الموضوع الأصلي: العلواني

الذكرى الرابعة والستون للنكبة: عودة الأمل

صادف منتصف هذا الشهر مرور الذكرى ٦٤ للنكبة. مرت الذكرى وسط ثورات عربية مؤثرة ومواجهات فلسطينية تتحدى الاحتلال نتج عنها مئات الجرحى. النكبة لا تزال حاضرة، لأن ما نتج عنها من ظلم واقتلاع يتكرر كل يوم، فحين قامت إسرائيل عام ١٩٤٨، لم يمتلك يهود فلسطين سوى ٦ ٪ من أراضيها، ولتشرع إسرائيل سرقة الأرض بعد هزيمة الجيوش العربية في حرب ١٩٤٨ وبعد تهجيرها لما يقارب ٩٠٠ ألف مواطن عربي فلسطيني من اصل مليون و400 ألف قامت بمصادرة أملاك الفلسطينيين تحت مسمى قانون أملاك الغائب، وأمعنت في الوقت نفسه بتدمير مئات القرى ومنع عودة من شردتهم بعد سيطرتها عسكرياً على ٧٧٪ من الأرض. وفي سنوات النكبة الأولى، قامت إسرائيل بجلب مئات الآلاف من اليهود من أوروبا ومن البلاد العربية، وأسكنت معظمهم في مدن فلسطينية سبق أن شردت أهلها. منذ يومها الأول، أصبحت النكبة الرمز الأكبر لظلم واقتلاع مصحوبين بفقدان شامل للأرض والحقوق.
ورغم مرور ٦٤ عاماً على النكبة، نجد أن التمييز والعنصرية والتوسع والاستيطان التي تميز سياسة إسرائيل، تعيد بناء الصلة بين ما وقع في الأمس وما يقع اليوم، فمنذ هزيمة ١٩٦٧ واحتلال إسرائيل ما تبقى من ارض فلسطين، ازدادت حدة الصراع ومعاني النكبة. وفي الوقت ذاته، هناك في الضفة الغربية وفي القدس العربية المحتلتين نصف مليون مستوطن إسرائيلي جاء معظمهم في السنوات العشرين الماضية، وذلك بعد أن صادروا جزءاً كبيراً من الأرض المحتلة عام ١٩٦٧. وقد أقامت إسرائيل في الضفة الغربية جداراً كبيراً يفصل بين الأراضي والقرى والمستوطنين، ما يعمق ذاكرة النكبة الأولى وقساوتها ويضيف عليها ما يتواصل مع سياسات الفصل العنصري في جنوب أفريقيا. أما في غزة، فالحصار مازال قائماً، واضعاً مواطني غزة في منطقة هي الأكثف سكانياً في العالم.
وفي ذكرى النكبة، مازالت المخيمات الفلسطينية المنتشرة في الدول العربية المحيطة بإسرائيل، والمنتشرة أيضاً في الضفة الغربية المحتلة وغزة، شاهداً على جرائم ما وقع عام ١٩٤٨ وعام ١٩٦٧ وبعدهما، فالمخيمات تعبير عن معاناة أحفاد النكبة. في كل مخيم قصة من قصص الماضي والتاريخ، وفي كل مخيم مصاعب وموانع ناجمة عن الحاضر.
في الذكرى الرابعة والستين للنكبة، لا يزال الشعب الفلسطيني في الحلبة: لم يستسلم، نهض المرة تلو الأخرى في الستينات والسبعينات والثمانينات من القرن العشرين، وذلك بعد ضربات شبه قاتلة، رافعاً لواء العودة والثورة. وفي الذكرى ٦٤ للنكبة، لا يزال الشعب الفلسطيني يعيش على الأرض التي تستهدفها إسرائيل بعدد يساوي عدد الإسرائيليين من اليهود. الإسرائيليون تجاوزوا الخمسة ملايين وكذلك الفلسطينيون القاطنون على ارض فلسطين تجاوزوا الخمسة ملايين. هذه الحقيقة السكانية أصبحت جوهر الصراع وأساس تعبيراته القادمة.
وتبرز بين الفلسطينيين في هذه المرحلة روح جديدة تتساءل عن الطريق القادم، فطريق السلام الذي بدأ مع أوسلو عام ١٩٩٣ بدأ يصل إلى مأزقه الطبيعي لأن إسرائيل ملتزمة بالتوسع والاستيطان وتسعى ليهودية الدولة وقضم القدس والأرض والضغط على السكان بهدف جعل الحياة بالنسبة إليهم على الأرض شائكة. وتمر إسرائيل بمرحلة هي الأكثر عنصرية في تاريخها بينما يمر الشعب الفلسطيني بمرحلة هي الأعلى، بثباته على حقوقه وتمسكه بأرضه. في هذا الإطار يتراجع الطريق التفاوضي على مراحل من دون أن يعني ذلك الانتقال إلى النقيض المفتوح.
ويترافق الجديد مع نمو في الوعي الفلسطيني الذي يرى أن مشروع الدولة لم يعد جوهر الموضوع بالرغم من أنه الشعار الرئيسي حتى الآن للحركة الوطنية الفلسطينية. فالحركة الفلسطينية تتحول نحو التركيز على حقوق الفلسطينيين في كل الأرض، سواء كانت تلك الأرض في إسرائيل ١٩٤٨ أو في الضفة وغزة والقدس. ففي كل يوم يتعمق التحول في النضال الفلسطيني من السياسي إلى الحقوقي وذلك بهدف تثبيت الحقوق في كل منزل ومكان، بما في ذلك حق الشعب الفلسطيني بالديمقراطية على أرضه وحقه في التعليم النوعي والانتقال الحر في بلده.
إن ملايين الفلسطينيين على الأرض سيكثفون من تحديهم في المرحلة القادمة للقوانين العنصرية الإسرائيلية، مثل: الجدار، والفصل، وقوانين مصادرة الأراضي، وقوانين السجن والحبس والإبعاد، وقوانين الاعتقال، وقوانين نسف المنازل وتهويد المناطق. الصراع القادم سيتعامل مع القانون الدولي والمحلي والعالمي، وسيرفع من قيمة الحقوق في مواجهة العنصرية. إن إضراب السجون الأخير يمثل علامة فارقة في هذا الطريق الطويل الذي سيأخذ الحالة الفلسطينية إلى مرحلة جديدة.
ويمثل الجيل الفلسطيني الجديد القوة الاجتماعية الأكثر قدرة على إحداث تغييرات جوهرية في العلاقة مع الاحتلال والعنصرية، ففي فلسطين تنمو قدرات وإمكانيات بين جيل جديد يزداد انفتاحاً على ذاته، بينما يبتكر وسائل نضال جديدة. هذا الجيل نجده أيضا بين عرب ١٩٤٨ الذين يعيدون تعريف مكانتهم في الحركة الوطنية الفلسطينية بصفتهم جزءاً لا يتجزأ من الشعب العربي الفلسطيني. في ذكرى النكبة، فشلت إسرائيل في تقسيم وتدمير الفلسطينيين وسحق هويتهم الوطنية والحقوقية، وفشلت أيضا في إبعاد فلسطينيي ١٩٤٨ عن القضية الفلسطينية.
ويترافق هذا الوضع مع نمو أجيال جديدة بين الفلسطينيين المهاجرين إلى الولايات المتحدة وكندا وأوروبا ممن يعيدون اكتشاف أرضهم وحقوقهم وهويتهم العربية والفلسطينية. هناك مئات الألوف من الفلسطينيين الذين دفعتهم النكبة ونتائجها والقوانين المانعة والحروب في دول عربية عدة للهجرة إلى الغرب، وبين هؤلاء تبرز رؤى جديدة واكتشاف لبوصلة العودة إلى فلسطين التاريخية.
وفي ذكرى النكبة، يواجه الوسط اليهودي العالمي مأزقاً مصيرياً حيث تكثر التساؤلات في ظل تركيز إسرائيل على يهودية الدولة. إن هوس إسرائيل بيهودية الدولة يعمق من عنصريتها وكراهيتها للآخر، كما يكتشف الكثير من اليهود في العالم، وعلى الأخص من العلمانيين والليبراليين، أن إسرائيل الراهنة ليست إسرائيل التي حلموا بها أو تصوّروها في مخيّلاتهم، وذلك لأنها تزداد تطرفاً ويمينية وأصولية وسلفية، بل وكرهاً للكثير من اليهود الليبراليين والعلمانيين ممن يشكلون أغلبية اليهود في أوروبا وأميركا. ما يقع في إسرائيل لن يكون في المدى البعيد مجال اعتزاز لليهود، لأنه سيناقض جوهر حقوق الإنسان كما يعرفه العالم.
في ذكرى النكبة، تؤثر يقظة العرب والثورات العربية على أبناء النكبة، فكما أثرت ثورات فلسطين على كل حراك عربي في شوارع القاهرة وبيروت والمغرب وعمان والدول العربية، تؤثر الحالة العربية الراهنة على الوضع الفلسطيني. إن اثر الثورات العربية على القضية الفلسطينية سيكون ملموساً في نهاية هذه الحقبة التاريخية التي تتحرك كالإعصار في وطننا العربي الكبير.
في الذكرى الرابعة والستين للنكبة، يزداد الأمل وتبدأ ملامح مرحلة لم نكتشف حتى الآن ملامحها.

تقديس الحاكم أعلى مراحل التسلطية

كاتب الموضوع الأصلي: العلواني

تقديس الحاكم أعلى مراحل التسلطية

مما لاشك فيه أن أدوار الأفراد كمواطنين في مجتمعاتهم تتمايز حسب مؤهلات الفرد الشخصية والأكاديمية التي تجعله قائداً ملهماً أو خطيباً مفوهاً أو محرضاً أو داعية أو مفكراً أو إعلامياً ناجحاً أو قاضياً عادلاً أو رئيساً ناجحاً. وكان للأفراد كقادة ومفكرين بدءاً من سبارتكوس ومرورا بجورج واشنطن وغاندي وماركس ولينين وغرامشي وهوشي منه وهتلر وموسوليني وصولاً إلى مانديلا وآخرين. أدواراً متميزة في صناعة تاريخ مجتمعاتهم كانت نتائجها ثورية أو كارثية.
وفي السياق نفسه أنتجت المجتمعات العربية منذ أواسط القرن التاسع عشر أفراداً مفكرين وقادة ونخباً سياسية وعلمية وحكاماً مدنيين وعسكريين وطغاة ومستبدين، تنافسوا وتصارعوا وحاكوا المؤامرات ضد بعضهم البعض على غرار أسلافهم من سلاطين مماليك البحرية والبرجية، لكنهم بزوا سلاطين المماليك في الهيلمان وقدرتهم على تحويل مواطنيهم المستعبدين في جملوكيات الشرق الأوسط المخترقة تاريخياً والمحترقة بنيران نزاعاتها وطوائفها، يلهجون بالدعاء ويبسملون باسم القائد المفدى الخالد إلى أبد الآبدين.
وتعتمد آليات عمل غالبية الأنظمة الجمهورية في العالم إحدى الصيغتين التاليتين: النظام الرئاسي والنظام البرلماني. وفضلت الجمهوريات العربية النظام الرئاسي لأسباب موضوعية وذاتية. ووجدت جمهوريات بلا قيم جمهورية، أو سجل من الكفاح من أجل الجمهورية. أي المواطنة والمساواة بين السكان بصرف النظر عن الأصل والدين والجنس والعرق، وكذلك تجريم الاستبداد والحكم الأبدي والتمييز بين السكان.
ولذلك تبلورت عملية شخصنة الحكم لتكرس أن الحاكم “السوبرمان” أو “المعصوم” يحكم بكل شخصيته وروابطه وتعييناته. ويحكم لأنه ممتاز واستثنائي، وامتيازه كلي وشامل، وليس مهارة سياسية متفوقة، أو نزاهة. إنه استثنائي كياناً وليس أداء، ولا يقاس به أي من محكوميه. والامتياز الكياني اللصيق بشخص الحاكم جوهري وأساسي ولا يُكتسب.
وفي تفسير ظاهرة تقديس الحاكم المقيمة في الواقع السياسي-الاجتماعي العربي رأى بعض المستشرقين أن هذه الظاهرة هي سمة ملازمة للمجتمع العربي البطريركي-الأبوي الذي يسلم بلا براهين بنظرية “المستبد العادل”، بل وربما يفضلها على سائر نظريات الحكم، لكونها نظرية مطلقة لعدم توافر البديل “للمستبد العادل” إلا في نسله وعائلته. وإذا غاب خلف ذلك الحاكم فالكارثة ستحل والفوضى ستعم وستغرق البلاد في بحر مؤامرات الصعاليك والمندسين واللصوص وشذاذ الأفاق.
وبحث جورجي بليخانوف في كتابه الشهير ” دور الفرد في التاريخ” في حكمة صينية قديمة مفادها: “الرجل العظيم مصيبة عامة”. ورفض بليخانوف آراء المدافعين عن التأويل البطولي للتاريخ وكذلك آراء الجبريين الذين انتهوا لدى معارضتهم أصحاب التأويل البطولي للتاريخ إلى أن الفرد “كمية مهملة” في التاريخ. وقد رفض بليخانوف آراء الفريقين لأن كليهما ضرب صفحا عن مشكلة على جانب عظيم من الأهمية ليس بالنسبة إلى الماركسيين فقط بل كذلك بالنسبة إلى أي فهم علمي للتاريخ. وأصر على الرأي القائل بأن مفهوما ماديا عن الإرادة ينسجم مع أكثر الفاعليات العملية نشاطا وأن جميع التعاليم التي اقتضت، في الماضي، المزيد من الإرادة البشرية افترضت مبدئيا عدم أهلية هذه الإرادة. واستبعاد ما تواضع الناس على تسميته بحرية الاختيار يؤول بالضرورة إلى الجبرية. وأكد أن الشروط التاريخية العامة أقوى من الأفراد الأقوياء،وأشار إلى أن الأفراد بفضل الخصائص والميزات التي يتمتعون بها يمكنهم أن يؤثروا ً في مصير المجتمع ويمكن أن يكون أثرهم ملحوظا. إلا أن إمكان حدوث هذا التأثير واتساعه أو مداه ً محدودان بتنظيم المجتمع وبعلاقات القوى الاجتماعية ـ الاقتصادية. وإن سجايا الفرد ليست “عامل” من عوامل التطور الاجتماعي إلا بمقدار ما تسمح بذلك العلاقات الاجتماعية ويبقى هذا العامل ما سمحت به هذه العلاقات وبالشكل الذي أباحته. ولا يستطيع الفرد إبراز مواهبه إلا عندما يحتل في المجتمع مكانا ييسر له ذلك.
وفي محاولة تفسيرية تحديثية لظاهرة تقديس الحاكم في نسختها السورية الأكثر تميزاً بين النسخ التسلطية الشعبوية في البيرو أو المكسيك. شبه الباحث الاسكتلندي، الدولة السورية بالنظام البونابرتي، تأسياً بنابليون ولويس بونابرت. وناقشت ليزا وادين في كتابها “السيطرة الغامضة، السياسة والخطاب والرموز في سورية المعاصرة” ظاهرة تقديس الحاكم التي لا تعد ظاهرة هامشية بل هي إستراتيجية للسيطرة على المجتمع قائمة على المطاوعة بدلاً من الشرعية. وينتج نظام المطاوعة من خلال المشاركة الإجبارية في أشكال الامتثال الزائفة الجلية، سواء لأولئك الذين يخترعون هذه المظاهر ولأولئك الذين يستهلكونها. كما اعتبرت أن هذه الظاهرة تعكس المعضلة التاريخية للنظام السوري من أجل أن يحافظ على استمراريته. وتقدم حلاً لإشكالية بناء الأمة والدولة على المستوى الرمزي بينما تبقى المشكلة متواصلة على المستوى العملي.
وتتناقض ظاهرة تقديس الحاكم مع اعتبار الرئيس شخص مجرد، لا يمارس السلطة إلا بالتجرد عن روابطه الخاصة. وله «قيمة تداولية» فقط، تتحدد بقواعد ممارسة الحكم وبالمصلحة الوطنية. ولا تكون للرئيس «قيمة استعمالية»، تتصل بوضعه المحسوس وروابطه المتنوعة، إلا في المجال الخاص. ويقوم هذا التمييز على مبدأ أن الناس متساوون مبدئياً، وأن تفاوتهم مكتسب وليس أصلياً.

إسلامويون

كاتب الموضوع الأصلي: الوليد العمر381-344

إسلامويون: مصطلح إسلاموي هو مصطلح ابتكره المفكر خليل عبد الكريم للتفرقة بين الإسلاميين المعتدلين والإسلاميين الذين يعتبرون المخالف في الرأى خارج عن الدين كافر يحل دمه وهذه الفظة ظهرت حوالي العام 2001 م وأكثر من يستخدمها هم الكتاب المستنيرين في وصفهم للـجماعات الجهادية والسلفية، وأول من قام بتعريف المصطلح واستخدامه على نطاق واسع هو عماد الدين الدباغ وقد عرفها على أنها كلمة من شقين : إسلامي + دموي لتعطي المصطلح الجديد إسلاموي

تسريبات “ويكليكس”

كاتب الموضوع الأصلي: العلواني

تسريبات “ويكليكس”

لا تزال ما سميت بـ “فضيحة ويكليكس” تحوز على الاهتمام الأكبر والحيز الأهم من أحاديث الناس ونشرات الأخبار في عالمنا حالياً. وربما سيمضي وقت طويل قبل أن يبدأ الناس بنسيان هذه الجرعات الوثائقية –إذا جاز التعبير- التي تلقوها مؤخراً حول عدد من الأحداث والشؤون السياسية والاقتصادية التي تم تسريبها من خلال نشر وثائق سرية عائدة لوزارة الخارجية أو وزارة الدفاع الأميركية (سربت بداية 450 ألف صفحة، ولاحقاً نحو 250 ألف صفحة.. والحبل على الجرار..)، وهذه الوثائق والبرقيات المسربة تمثل –بشكل أوبآخر- تصورات وآراء وتحليلات لعدد من السفراء والدبلوماسيين وخبراء السياسة الأمريكية، حول عدد كبير من الأحداث العالمية والشؤون الدولية المتعلقة بهذه الدولة وذاك الزعيم، وبهذا الموقع أو تلك الشخصية السياسية..الخ. وقد ألقت تلك الوثائق الضوء على الكثير من المعطيات والوقائع حول الحرب في كل من العراق وأفغانستان، وحول طبيعة السياسة الخارجية لبعض القوى الدولية الكبرى كأميركا وفرنسا وبريطانيا، وأيضاً روسيا والصين وحتى إيران وبعض دول الخليج العربي.
وفي ظني أن من أهم أسباب انكباب الناس على متابعة وملاحقة أخبار تلك الوثائق، وما تضمنته من روايات وفضائح وممارسات شنيعة، هو أن مجتمعاتنا البشرية باتت –من جراء قيام الدول كلها وخاصة الكبرى منها باعتماد سياسة الكواليس واللعب تحت الطاولة- غير قادرة في كثير من الأحيان على فهم وملاحقة سياسات حكوماتها اتجاه كثير من الأحداث والتحولات والمتغيرات الدولية، وخاصة ما يتصل منها بشؤونها الداخلية، كما أنها ملت من سياسة الكواليس وما يجري وراء الستار وما وراء الكاميرات من صفقات وعقود وبيع وشراء وغيرها، وهي وجدت في تلك الأوراق والوثائق المسربة ما يمكن أن يشبع نهمها وفضولها وشبقها لمعرفة بعض الحقائق والخفايا المتعلقة بمجتمعاتها وكيفية تفكير قادتها وزعاماتها، وموقفهم من بلدانهم، وماهية نظرتهم لأبناء مجتمعاتهم.. ووالخ.. خاصة في دول العالم العربي والعالم الثالث عموماً، حيث أن السياسة الحقيقية الرسمية المعتمدة من قبل حكام تلك البلدان هي السياسة المحجوبة عن الناس التي تتم خلف جدران ونوافذ مغلقة كلياً، والبعيدة عن التصريحات المعلنة الطنانة الرنانة التي لا انعكاس إيجابياً لها على الحياة الداخلية لتلك المجتمعات.. بل على العكس من ذلك، يعلم المواطن أو الفرد العربي (فالمواطنية شبه معدومة في عالم العرب والمسلمين) أن العالم الداخلي الحقيقي للكثير من قياداته ونخبه الحاكمة سياسياً والممسكة بمفاصل وركائز مجتمعه اقتصادياً واجتماعياً، هو عالم مليء بالأسرار والأحجيات والتعقيدات، ولا يمكنه الإطلاع حتى على أجزاء يسيرة وبسيطة منه إلا من خلال تلك التسريبات التي يمكن أن تحدث بين الفينة والأخرى من خلال ما تطلقها المواقع الدولية في العالم الديمقراطي الغربي هنا وهناك.. لأن ما يجري في داخل القصور والغرف الرئاسية المغلقة لكثير من الأمراء والملوك والحكام العرب هو شيء سري للغاية خاص بهم، ولا علاقة للشعب والناس به لا من قريب أو بعيد، لا من حيث الأموال المصروفة والإنفاقات الهائلة غير المحسوبة، ولا من حيث طبيعة المداولات والقرارات المصيرية المتخذة في غير مكان وموقع، والتي قد يلعبون من خلالها بمصائر شعوبهم وأمن ومستقبل مجتمعاتهم، كما هو حاصل بالفعل.!!..
إن الناس في مجتمعاتنا العربية والإسلامية تريد أن تعرف فعلاً حجم الفضائح والصفقات والارتكابات والتورطات التي تفضح زعامات وشخصيات بلدانها المرموقة (السياسية والاقتصادية) التي تقول لها معسول الكلام في العلن وأمام الكاميرات، وتتحدث نقيضه وراء الكواليس عند عقد الاجتماعات مع دبلوماسيي وقادة الدول الكبرى..
لقد أضحى عالم الإنسان المعاصر –نتيجة أخبار وصور الدمار والعنف والحروب وسياسات الحجب والإخفاء وممارسة سياسة الكذب على الناس والشعوب- عالماً مضجراً ومزيفاً، وأصبح المسرح الكوني الإنساني مملاً بلا معنى وآفاق مفتوحة، وهو لا يزال يبتعد شيئاً فشيئاً عن الرؤية الهدفية والغائية الإنسانية التي محورها وأساسها خدمة الإنسان ومحاولة بناء عالم إنساني أرقى وأمثل وأكثر شفافية ووضوحاً ومصداقية، عالم يستطيع فيه كل إنسان أن يعرف ويطلع على كل ما يجري حوله من تحولات وأحداث تتعلق بمصائره الكونية بشكل واضح، خاصة ما يجري من تلك الأحداث خلف الكواليس المظلمة والغرف المغلقة والأقبية والمطابخ السرية الخاصة بكيفية صناعة القرارات الدّولية.
وقد أثبت هؤلاء الناشرون لتلك الوثائق فعلاً لا قولاً -وبقطع النظر عن كيفية وآليات تسريبها، ومن ساعدهم في الوصول إليها، وعن القصدية أو العبثية في نشرها- أن الديمقراطية لا تزال هي الفكرة الإجرائية الأصح والأحسن لإدارة الشأن العام، وبناء مجتمعات متطورة، وأنها النظام الأكثر ضمانة في العالم لمعاملة الناس بصورة يمكن معها تحريض وإثارة أجمل ما فيهم من خصال وقيم وطاقات بهدف العمل المنتج الخلّاق، ودفعهم للبناء الإيجابي، ومعاملتهم بشيء من الوضوح والشفافية والصدق.
وأن من حق هؤلاء الناس جميعاً أن يطلعوا على حقائق واستراتيجيات سياسات حكوماتهم، وطبيعة تفكيرها، وأن يعوا طبيعة تفكير قادة بلدانهم بعيداً عن سياسات الحجب وإجراءات المنع وآليات الرّدع المتبعة حتى الآن، لأن النظام الديمقراطي القائم أساساً على الحرية ومشاركة الناس في صنع القرار السياسي لبلدانها من خلال النواب والممثلين المنتخبين ديمقراطياً- لا يجتمع أبداً، بل يتناقض كليةً مع ممارسة سياسة إخفاء مئات آلاف الوثائق المتعلقة بمصيره ومستقبل مجتمعه، والتي تكلفه (كناخب) أو كدافع ضريبة مليارات الدولارات من جيبه وعرقه وجهده.. وهو يحتاج باستمرار –وهذا حق له يضمنه الدستور الديمقراطي- إلى أن توضح له حكوماته سياساتها الخارجية، والمواقع التي تقوم بصرف أموال الدولة فيها بكل شفافية ومصداقية كما ذكرنا.

عون بن جعفر داتو

كاتب الموضوع الأصلي: الوليد العمر381-344

يعد عون بن جعفر داتو (1895 – 1962م) أحد أبرز الشخصيات السياسية في الملايو لما لعبه من دور نضالي في تلك البلاد قبل حصولها على الاستقلال عن التاج البريطاني عام 1957 ميلاديا.
ولد عون بن جعفر داتو في جوهور باهرو عام 1895 ونال قسطا من تعليمه العالي في كلية الملايو بالعاصمة ماليزيا الماليزية كوالالمبور ثم أكمل دراسته في المملكة المتحدة بعد ذلك. شغل داتو مناصب عملية عدة, فقد انضم إلى إدارة جوهور ثم تحول إلى الصحافة في ثلاثينيات القرن العشرين, وأصبح رئيس تحرير لِجريدة وارتا ملايو وكانت أول جريدة مستقلة في البلاد, وقد أصبح داتو الوزير الأول لجوهور.
جدير بالذكر أن داتو خسر انتخابات عام 1955 أي قبل حصول بلاده على الاستقلال بعامين رغم الإسهامات الهامة التي أسداها في سبيل تحرير بلاده من قبضة المستعمر حسب إجماع المؤرخين.
أسس داتو عام 1946 منظمة اتحاد ملايو الوطنية في شكل حزب سياسي رمز إليه بالأحرف الإنكليزية UMNO ومن خلال هذا الحزب عمل ضد حكومة المستعمر, فنجح عام 1948 في تشكيل فيدرالية اتحاد ملايو الفيدرالي.
وفي عام 1951 استقال داتو من حزب منظمة اتحاد ملايو إثر خلاف سياسي نشب داخل الحزب ليكّون حزب بارتي نيجاري وهو حزب وطني أتاح عضويته لكافة الجنسيات كما دعا عبر حملة قام بها إلى التعاون بين مختلف الجنسيات في البلاد.

بوجار فايق نيشاني

كاتب الموضوع الأصلي: الوليد العمر381-344

بوجار فايق نيشاني ولد في 29 سبتمبر 1966 في مدينة دوريس الألبانية هو الرئيس السادس لجمهورية ألبانيا منذ 24 يوليو 2012. تخرج في عام 1988 من الأكاديمية العسكرية الألبانية و بعدها أكمل تعليمه العالي في سان أنطونيو، تكساس في العام 1996. و من ثم تخرج عام 2004 من جامعة تيرانا بكلية القانون و هو متزوج من أوديتا نيشاني و له منها طفلان.
بدأ بوجار حياته السياسية عندما انضم إلى الحزب الديمقراطي الألباني عام 1991 أثناء الأزمة الإقتصادية في البلاد . بعدها عمل كرئيس للعلاقات الخارجية في وزارة الدفاع ثم كرئيس لمكتب الناتو في وزارة الخارجية وفي عام 1996 عاد للعمل مجدداً في وزارة الدفاع .
بعد خسارة الحزب الديمقراطي في الإنتخابات البرلمانية عام 1997 فقد عمله و أصبح رئيس مجلس منظمة اليورو-أطلسي العسكرية . و بعد إنتصاره في إنتخابات العام 2005 تولى منصب وزير الشئون الداخلية في حكومة الرئيس سالي باريشا ثم إنتصر في إنتخابات أخرى في سبتمبر 2009 ليتولى منصب وزير العدل و لكن في 2011 عاد ليتولى منصب وزير الشئون الداخلية .
و في 12 يوليو 2012 بعد إنتصاره في الإنتخابات الرئاسية نيشاني استقال من وزارة الشئون الداخلية .