أ.د. أحمد محمد وهبان

ثورة الزنج في بغداد

كاتب الموضوع الأصلي: الوليد العمر381-344

ثورة الزنج
من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة

هذه المقالة بحاجة إلى إعادة كتابة باستخدام التنسيق العام لويكيبيديا، مثل استخدام صيغ الويكي وإضافة وصلات. الرجاء إعادة صياغة المقالة بشكل يتماشى مع دليل تنسيق المقالات. بإمكانك إزالة هذه الرسالة بعد عمل التعديلات اللازمة.
وسمت هذا المقالة منذ: ديسمبر 2007
حركة الزنج: (255 ـ 270هـ/ 869 ـ 883م):يُشار إلى أن مدينة البصرة شهدت في منتصف القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي) ما عرف بـ”ثورة الزنج”، الذين ثاروا على المالكين وأسسوا حكومة لهم كان مقرها مدينة المختارة (جنوب البصرة) قبل أن تنهار حركتهم بعد أقل من عقدين، وذلك عندما جندت الدولة العباسية كل إمكاناتها، فكانت أطول ثورات العصر العباسي وأخطرها.
محتويات [أخف]
1 طبيعة الحركة وأهدافها
2 دوافع الاستجابة لهذه الحركة
2.1 حركة الزنج في الميزان
2.2 حركة الزنج من وجهة نظر مؤيديها
2.3 مصادر
[عدل]طبيعة الحركة وأهدافها

قامت حركة الزنج في عام 255 هـ، وأنهكت دولة الخلافة العباسية قبل أن تقضي عليها، وكان عماد هذه الحركة في باديء الأمر بعض العرب المغامرين من المهالبة والهمدانيين وغيرهم، أما الفئات التي شاركت فيها فهي متنوعة: الزنج، أهل القرى، العرب، عشائر عربية ثائرة على السلطة.. أما فيما يتعلق بالشخصية التي قادت هذا الجمع، فهو فارسي الأصل من أهل الري يُدعى “بهبوذ” وتسمى بعلي بن محمد وادعى انتسابه إلى عبد القيس ثم إلى زيد بن علي بن الحسين بن علي، وهو شخصية محيرة فعلاً حيث يلاقي الباحث صعوبات جمة في معرفة نسبه، وذلك بفعل تقلباته السريعة، تبعًا للظروف التي كان يمر بها.
ويبدو أن حياته كانت غير طبيعية فقد بدأها كشاعر في بلاط الخليفة بسامراء، ثم حاول القيام بحركة ضد النظام في البحرين للوصول إلى الحكم، إلا أنه أخفق في تحقيق مبتغاه، فسلك نهجًا جديدًا، وظهر كقائد ديني ومتنبيء، فادعى نسبًا علويًا محاولاً أن يستثمر ما للشيعة من عطف وتأييد بين الناس، وقد أحلَّه أتباعه من أنفسهم محل النبي حتى جُبِي له الخراج..
ويبدو أن جماعة كثيرة العدد في البحرين قد تنكرت له، مما دفعه إلى مغادرتها إلى البادية ليستقطب الأعراب، وادعى فيها النسب الشيعي على أنه يحيى بن عمر أبو الحسين، فالتف حوله بعض الأعراب استغلهم بإعادة السيطرة على البحرين، إلا أنه هزم وفر إلى البصرة..
ووقف أثناء إقامته القصيرة فيها على أوضاعها الداخلية السياسية والاجتماعية حيث كان المجتمع البصري منقسمًا على نفسه، فحاول أن يستغل هذه الخلافات لصالحه إلا أنه فشل، وفي الوقت نفسه رأى في حياة العبيد فيها الذين يعملون في المستنقعات المجاورة فرصة لتحقيق طموحاته لكنه طُرِدَ منها فذهب إلى بغداد، وفي بغداد استنبط نسبًا علويًا جديدًا فانتسب إلى أحمد بن عيسى بن زيد، ثم حاول الوثوب إلى السلطة مستغلاً الأوضاع المضطربة في حاضرة الخلافة، ولكنه لم يتمكن من ذلك بفعل إحكام الأتراك قبضتهم على الوضع، فعاد إلى البصرة في عام 255هـ ليتزعم حركة ثورية مدعيًا أن الله أرسله لتحرير العبيد وإنقاذهم مما كانوا يعانونه من بؤس كما ادعى العلم بالغيب، وانتحل النبوة..
والواقع أن فكرة المهدي المنتظر رافقت علي بن محمد في جميع مراحل حياته السياسية؛ فاستغلها بذكاء، وهو بادعائه المهدية، كان يضرب على وتر حساس في نفوذ جماعة العلويين الذين برح بهم الشقاء، فكانوا يأملون في ظهور مهدي منقذ يزيل عنهم الغمة، ويفرج عن أيامهم كربتها، وركز كثيرًا على عراقة أصله وكتبها على نقوده وسمي نفسه “المهدي علي بن محمد” المنقذ..
وجهر علي بن محمد في إحدى مراحل حياته بمذهب الخوارج الذين يلائم مبدأهم ميل أصحابه الشورية، فحارب من أجل العدالة الاجتماعية والمساواة، وكتب شعاراته على الرايات باللونين الأخضر والأحمر وهما لون العلويين ولون الخوارج..
لقد تعارضت أفكار علي بن محمد عن الخلافة مع مفهوم الشيعة لها التي تؤكد على الوراثة، وتبنى رأي الخوارج القائم على الشورى، مما نفَّر منه الأعراب البسطاء، وعرب البصرة والأهواز وواسط والمناطق المحيطة بها، كما رفض قرمط أن يرتبط معه بعوامل دينية، أما شدته وقسوته تجاه أعدائه فقد جعلته خارجيًا متطرفً، يُضَاف إلى ذلك أنه عامل أسرى الحرب معاملة الرقيق، ووعد أتباعه بأنه سيملكهم المنازل والعبيد، وهذا يعني تحويل حياة الزنج من أرقاء إلى ملاك للعبيد. والواضح أن هذا التناقض في عقيدة الحركة يفرغها من أي صبغة عقائدية، ويجعلها حركة مسلحة ضد النظام ليس إلا، كما يجعل من قائدها رجلاً مغامرًا طموحًا إلى السلطة..
و هذا وجهة نظر في الموضوع. و للدكتور محمد عمارة في كتابه “مسلمون ثوار” وجهة نظر مخالفة تماما في حق الحركة و عن زعيمها علي بن محمد، لمن أراد الاطلاع عليها.

علم السياسة

كاتب الموضوع الأصلي: احمد المالكي1

مقدمـــــــة:

يعتبر علم السياسة أحد فروع العلوم الاجتماعية ، ونظرا لأهمية علم السياسة ودور الاستقرار السياسي في تقدم وتطور الشعوب ، ونظرا لدور الدولة بمفهومها الحديث واختصاصات الحكومات ودورها في تسيير وضبط المجتمع ، والأهمية البالغة للاقتصاد في حياة الفرد ، لذلك كانت السياسة أهم علم من العلوم الاجتماعية .

وتضم العلوم السياسية تخصصات مختلفة تتناول هذا العلم من زوايا متعددة ، فهناك النظرية السياسية والفلسفة السياسية ، وعلم السياسة المقارن . . . . الخ .

وتعتبر الولايات المتحدة رائدة هذا المجال فمنذ نهاية القرن التاسع عشر دأبت الولايات المتحدة إلى تعزيز وتطوير هذا العلم ، وأنشئت الجامعات والمعاهد المتخصصة .

إنّ غاية دراسة علم السياسة هي في التعلّم كيفية تنظيم البشر بشكل أفضل من أجل تحقيق السلام والسعادة الأكثر في حياتهم. كانت هذه وجهة النظر المقبولة لدور علم السياسة منذ وقت الكونفوشيوسية.

من أجل تحسين العالم، يجب على الفرد أن يحسّن البلد، ومن أجل تحسين البلد، يجب على الفرد أن يحسّن الشعب، ومن أجل تحسين الشعب، يتوجب تحسين الفرد. إذا استطاع الفرد إتقان نفسه، تتجه العائلة إلى الكمال، ومن العائلة ينتقل التأثير الشعب، ومن ثم من الشعب إلى البلد وإلى العالم.

إن دراسة المقارنة المجرّدة للدساتير السياسية للبلدان المختلفة وأحزابها السياسية وعاداتها من المستحيل أن تساعد الإنسان في التحسن كإنسان. ولذا، إذا كان مجال علم السياسة مقّيد فقط بهذا النوع من الدراسة، ستهزم الغاية الحقيقية لعلم السياسة. يكشف التأمل الإمكانيات المستترة ويحسّن قدرة الإنسان في كلّ مسالك الحياة. لذلك، يبدو من المستحيل التجاهل بأنّ ممارسة التأمل يجب أن تضاف إلى دراسة علم السياسة.

بمعرفة التنظيمات إضافة إلى تطوير الإمكانيات المستترة الداخلية، ينمو الإنسان في بالصفات والقدرات الأفضل. هذا ما سيحقق غاية دراسة علم السياسة، ويكمّل وينجز مجاله الأوسع. لذلك، من المقترح إضافة بضع الدقائق يومياً من التأمل التجاوزي إلى دراسة علم السياسة.

النظم السياسية الليبرالية

كاتب الموضوع الأصلي: احمد المالكي1

النظم السياسية الليبرالية

هي نظم كل من الولايات المتحدة وكندا وبريطانيا ودول غرب أوربا بصفة أساسية ، ومن نقل عنها ، وترتبط هذه النظم كما قلنا من قبل بالفكر الليبرالي ،وأهم رواده كل من مونتسكيو ، ولوك ، وجون ستيوارت ميل ، وهو فكر تعددي قوامه حرية الرأي، وحرية الفكر، وحرية العقيدة ، وحرية التعبير ، والتعددية الحزبية.

مبادئ التنظيم السياسي للنظم الليبرالية

تقوم هذه النظم على ثلاثة مبادئ رئيسية للتنظيم السياسي هي :

(1) مبدأ الشرعية وهو مستمد من فكر مونتسكيو الفرنسي.

(2) مبدأ سيادة الأمة وهو مستمد من فكر جون لوك الإنجليزي.

(3) مبدأ فصل السلطات وهو أيضا مستمد من فكر مونتسكيو الفرنسي.

وفيما يلي نعرض بالشرح لكل من هذه المبادئ :

(1)مبدأ الشرعية :

وهو يشير إلى استناد عملية الحكم إلى نظام قانوني مسبق (دستور) يلتزم به الحاكمون والمحكومون على قدم المساواة . إنه مبدأ سيادة القانون أو الدستورية حيث لا أحد فوق القانون .

تعريف الدستور

هو مجموعة من القواعد القانونية التي تحدد شكل الدولة (مملكة أو جمهورية) وطبيعة نظام الحكم داخلها بكافة مؤسساته السياسية وعلاقتها بالمحكومين.

ويمكن القول إن الدستور بمثابة بطاقة الهوية للدولة حيث يحدد ما يلي :

(أ‌) شكل الدولة.

(ب‌)طبيعة نظامها الحاكم .

(ج)آلية الوصول إلى السلطة.

(د)آليات ممارسة السلطة.

(هـ) آلية تداول السلطة.

(و‌) التكوين العضوي للمؤسستين التشريعية والتنفيذية.

(ح) الكيان الوظيفي للمؤسستين التشريعية والتنفيذية.

(ط) حقوق والتزامات الحاكم.

(ي) حقوق وواجبات المواطن.

ويتم وضع الدستور بواسطة جمعية تأسيسية (غالبا منتخبة) تضم خيرة مفكري الدولة في كافة المجالات السياسية والقانونية والاقتصادية والاجتماعية ،، إلخ.

والدستور هو القانون الأعلى للدولة ، أو كما يقال أبو القوانين ، وله سمو على ماعداه من التشريعات . حيث تتدرج التشريعات داخل الدولة على النحو التالي:

(أ‌) الدستور وهو القانون الأعلى للدولة ،، وتليه في المرتبة :

(ب‌)القوانين التشريعية التي تسنها البرلمانات ولا يجوز لها أن تتعارض مع الدستور ، ويليه في المرتبة :

(ج) اللوائح التنفيذية وهي التي توضع من قبل المؤسسة التنفيذية بغرض تيسير تطبيق القوانين التشريعية ، ولا يجوز أن تتعارض اللوائح لا مع القوانين التشريعية ولا مع الدستور بطبيعة الحال.

أنواع الدساتير

هناك تصنيفات عديدة للدساتير منها:

من حيث التدوين :

هناك :

_ دساتير مكتوبة : وهي المدونة في وثيقة مثل أغلب دساتير العالم وعلى رأسها الدستور الأمريكي.

_ دساتير عرفية : أي غير مدونة في وثيقة مثل الدستور الإنجليزي.

من حيث إمكانية التعديل :

هناك :

_ دساتير مرنة : أي يمكن تعديلها بالطرق العادية من جانب المؤسسة التشريعية .

ـ دساتير جامدة : وهي التي لا يمكن تعديلها إلا من خلال جمعية تأسيسية جديدة.

السودان وإيران: رحلة التقارب والمشهد العربيّ الراهن

كاتب الموضوع الأصلي: العلواني

رحلة التقارب والمشهد العربيّ

نتحدث هنا عن علاقات السودان بإيران، على خلفيّة الهجمات الجويّة الإسرائيليّة العديدة على السودان، وتتساءل إذا ما كان النظام الحاكم في السودان يرجّح في معالجة همومه السياسيّة والأمنيّة الكفّة الإيرانيّة على الكفّة العربيّة، أم أنّه لا يرى تناقضًا أو مشكلةً في اللّعب على الحبلين. تنظر الدراسة أيضًا، في أحلام الرّيادة والزعامة الإسلاميّة ونزعة التثوير العابرة للأقطار لدى حسن الترابي، وتأثير تلك النزعة في تلامذته في نظرتهم وارتباطهم بإيران. كما تأخذ الدراسة الدّعم الإيرانيّ للإسلاميّين في غزّة عبر السودان كنموذجٍ للتعاون، تنظر من خلاله إلى تقاطعات التكتيكي على المدى القصير، مع الإستراتيجي على المدى الطويل. وتناقش الدراسة أيضًا وصول الإسلاميّين إلى السلطة نتيجةً للثورات العربيّة، واحتمال انبعاث نزعة التثوير العابرة للأقطار المتضمّنة في أصل أدبيات الإخوان المسلمين، وانعكاس ذلك الانبعاث على علاقة الدول العربيّة ببعضها بعضًا، وعلاقتها مجتمعةً أو منفردةً بإيران.

مدخل

اندلعت الثورة الإيرانيّة عند أصيل حقبة الحرب الباردة، فحرّك اندلاعها أحلام الكتلة الثالثة الراقدة في أفئدة الإسلاميّين العرب. يقول عزمي بشارة عن حركة الجهاد: “لقد تأثّرت حركة الجهاد، منذ البداية، بمبادئ الثورة الإسلاميّة على غرار حركاتٍ سنّيةٍ كثيرة ألهبت هذه الثورة خيالها، بما في ذلك الإخوان المسلمون”[1]. ويمكن القول أيضًا إنّ الإسلاميّين العرب مالوا إلى الثورة الإيرانيّة بجامع التّوق لدى الفريقين في خلق كتلةٍ إسلاميّةٍ فاعلةٍ مغايرةٍ للنموذج الغربيّ، ومنفلتةٍ من قبضة الهيمنة الغربيّة[2]. يرى حيدر إبراهيم أنَّ ميل الإسلاميّين السودانيّين للثورة الإيرانيّة، في بدايات حكمهم للسودان، قد جسَّده تقاربهم معها ومحاولة الاستفادة من خبراتها، بوصفها النموذج الأمثل واقعيًّا، إذ إنّها مثّلت بالنسبة إليهم الدولة الإسلاميّة الوحيدة[3].

أجد من الضروري جدًّا الإشارة في هذا المدخل، إلى ما يعدهّ بعض الباحثين قصورًا في الانتباه وسط القيادات الإسلاميّة العربيّة التي تميل نحو إيران، إلى المكوِّن القوميّ والجيوستراتيجي والمذهبيّ في الدولة الإيرانيّة، والانحصار في النظرة إليها من منظور “الأخوّة الإسلاميّة” الجامعة، دون أخذ المكوِّنات الأخرى بعين الاعتبار. فالتاريخ الإيرانيّ، والعقيدة الإيرانيّة، والرؤية الإيرانيّة الجيوستراتيجية، تشير مجتمعةً إلى أنَّ إيران تتحرّك صوب محيطها الإقليميّ، من بؤرةِ طردٍ مركزيّةٍ مركّبة. وربّما يعضد هذا المنحى ما أورده طلال عتريسي حين أكَّد على أنَّ الهُويّة الإيرانيّة الجديدة تدمج في وقتٍ واحدٍ، وبطريقةٍ شديدة التعقيد، الأمّة والإسلام والعالم[4]. ويؤكّد أوليفييه روا أنّ إخفاق إيران في اختراق العالم السنّي قد جعلها تتصرّف كقوّة إقليميّة، وفق محاور شديدة الشبه بتلك التي كان يعتمدها الشاه[5] الشاهد أنّ القوميّ والدينيّ والمذهبيّ والعرقيّ والمصلحيّ، تختلط اختلاطًا مُربِكًا في الطبيعة الإيرانيّة المركّبة. فإيران، كما ينبّه عزمي بشارة، تستثمر داخليًّا في هُويّة إيرانية شاملة، لكنها لا تغضّ الطرف تمامًا عن الاستثمار في ماضيها الإمبراطوريّ الفارسيّ[6]. والماضي الإمبراطوريّ اتّسم في معظم منعطفاته بنزعة المدّ والتوسّع. ويرى محجوب الزويري أنّ تاريخ القرن العشرين أثبت أنَّ عاملَي الدين والهُويّة يبقيان حاضرين وبقوّة في الحالة الإيرانيّة، فوجود مَلَكيّة علمانيّة، كما كانت الحال في فترة حكم الشاه، لم يطمس تمامًا الهُويّة الدينيّة الشيعيّة ببعدها القوميّ الفارسي[7].

وفي السّياق نفسه، يشير وجيه كوثراني إلى أنَّ العلاقة بين العرب وإيران لها صورٌ متعدّدةٌ لدى الطرفين؛ فصورةٌ منها تعكسها مرآة الإسلام، وصورةٌ ثانية تعكسها مرآة القوميّة، وثالثةٌ تعكسها مرآة المذاهب، ورابعةٌ تعكسها مرآة الجغرافيا السياسيّة والاقتصاديّة والبشريّة. ويضيف كوثراني أنّه ليس من بين هذه المرايا، مرآةٌ صافيةٌ بحدِّ ذاتها. فاللون الغالب واللون الرئيس في الفهم المتبادل بين العرب والإيرانيّين، لونٌ متحوِّلٌ يأخذ أطيافًا عدّة، يصفه كوثراني بأنّه:

قد يكون إسلاميًّا مشتملًا ومحتويًا المضمون القوميّ، وقد يكون قوميًّا مرتكزًا على الإسلام، أو قد يكون قوميًّا عنصريًّا نافيًا الإسلام، أو قد يكون نفعيًّا خالصًا جاعلًا من مصالح الدولة وجغرافيّتها الاقتصاديّة نطاقًا لـ”أمنها القوميّ” مع استخدامٍ وظيفيٍّ للإسلام والقوميّة معًا. وقد تكون الصورة أحيانًا مزيجًا معقّدًا من هذه العناصر جميعها[8].

تنظر بعض الحركات الإسلاميّة في العالم العربيّ إلى إيران كحليفٍ إسلاميٍّ مهمٍّ يشكّل بالضرورة، قوّةً داعمةً وسندًا يُعَوَّل عليه في المعركة ضدّ الهيمنة الغربيّة. ولا يحتاج المرء في هذا المنحى إلى أكثر من الإشارة إلى حزب الله في لبنان، وحركة حماس في غزّة، وحكومة الإسلاميّين في السودان.

الدولة القومية

كاتب الموضوع الأصلي: احمد المالكي1

ما الدولة القومية؟

التنظيم الاجتماعي يتشكّل من نواة هي الأسرة، والأسرة عندما تتوسع عن طريق التزاوج مع الأقارب تصبح عشيرة أو قبيلة. أما عندما تكون الروابط الجامعة بين أفراد المجتمع هي غير الانتماء الأسري فإننا ننتقل إلى وضع آخر أكثر تطورا نشاهده في «المدن». التنظيم الاجتماعي الإنساني من المفترض أنه تصاعد من القبيلة إلى المدينة ثم إلى الدولة.

المفكرون اختلفوا بشأن الدولة، وإذا ما كان لها شخصية اعتبارية أم لا. فهناك من قال إنها قامت في الأصل على أساس غير أخلاقي (الفيلسوف نيتشه)، على حين قال آخرون بأهميتها إلى حد التأليه (مثل هيغل). غير أن الآراء التي عمت الفكر الإنساني في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين تقول إن «الدولة» هي التعبير القانوني للأمة أو الوطن، وإن أي اعتداء على الدولة هو اعتداء على الأمة والوطن، لأنها مستمدة من ارادة جماعية.

– في عهد الرومان كان يطلق على من يخالف الدولة الرومانية مرتكب جريمة «المساس بالعظمة». وعندما نشأ العهد الامبراطوري الروماني (بعد العهد الجمهوري) أصبح مفهوم «المساس بالعظمة» يعني أي شخص يخالف القيصر. وكان يعاقب في البداية بالحرمان من الأكل والشرب، إلى الحرق والرمي أمام الحيوانات المفترسة.

– بعد انهيار العهد الروماني ومجيء عهد الإقطاع في أوروبا أصبح مفهوم الدولة يعني الأراضي التي يملكها سادة الإقطاع. وكلمة الدولة بالإنجليزية «STATE» قريبة من كلمة «ESTATE»، التي تعني العقار وقطعة الأرض، ولهذا لم يكن التفريق بين الإقطاع والدولة في تلك الفترة واضحا.

– الملوك الأوروبيون دخلوا في صراع مع الإقطاعيين على السلطة وحدودها، وانتصر الملوك على الإقطاعيين بعد أن لجأ الملوك للمفهوم الروماني نفسه الذي يرى «المساس بالعظمة» هو «المساس بالملك» وهي جريمة يعاقب عليها. وقد طوّر الملوك المفهوم الروماني وضمّنوه الاعتداءات المباشرة ضد شخص الملك أو أولاده أو امتيازاته بالإضافة، إلى أي اعتداء غير مباشَر على سلطة من سلطات الملك.

– ثم تغير الأمر بعد الثورة الفرنسية في العام 1789م، إذ أعطت مفاهيمُ الثورة الدولةَ شخصية معنوية أو شخصية قانونية مستقلة عن شخصيات الحكام سواء كانوا ملوكا أو أمراء أو رؤساء. ومفاهيم الثورة الفرنسية قامت على أساس أن الحكام أداة من أدوات الحكم، أو جهاز من أجهزته، يتبدل ويتغير تبعا للحاجات والظروف. أما الدولة ذاتها فتبقى؛ لأنها «ظاهرة اجتماعية»، أي وليدة للتعامل بين أفراد المجتمع. وعلى هذا الأساس تم استبدال جرائم «المساس بالعظمة» بالجرائم المخلة بـ«أمن الدولة».

– انتشرت الأفكار القومية الأوروبية في القرن التاسع عشر بصورة ألهبت المشاعر وأعطت قدسية وربما ألوهية لفكرة «الوطن» و«الأمة» و«القوم». وقد أدى ذلك اللهب القومي لاحقا إلى نشوء حركات عنصرية ووصول الحكم النازي في ألمانيا والحكم الفاشي في إيطاليا بعد الحرب العالمية الأولى. وقام هؤلاء الحكام بتحوير مفهوم حماية أمن الدولة ضد جميع المعارضين واعتبروا المعارض السياسي مجرما وعدوا للشعب؛ لأنه عادى نظام الحكم القائم.

– مع تطور «الدولة القومية» واحتلالها الموقع الأساسي في تركيبة الأمم المتحدة العام 1945م تعزز كيان الدولة وأصبح بإمكان الحكومات المستبدة أن تصدر القوانين الاستثنائية، أو أحكام الطوارئ بحجة محاربة الإرهاب والتطرف… إلخ، وأنشأت الدولة محاكم أمن دولة ومحاكم استثنائية لمعاقبة المخالفين لها.

– الرغبة القوية في المحافظة على أمن الدولة يواجهها اتجاه المطالبة بحقوق الأفراد وحرياتهم الاجتماعية والمدنية؛ إذ إن إباحة الأمر للدولة حفظ «أمنها» من دون حدود يؤدي بصورة حتمية إلى سلب الأفراد والجماعات أمنهم وطمأنينتهم وحرياتهم وحقوقهم التي منحها إياهم دستور البلاد.

– «الدولة القومية» توسعت في قوتها بعد الحرب العالمية الثانية كثيرا، ولأنها الكيان الوحيد المعترف به والذي يؤخذ بصوته في الأمم المتحدة، فإن هيمنة أية مجموعة أو حزب أو قبيلة على «الدولة» يعني إفساح المجال أمام هذه الفئة لأن تظلم أفراد المجتمع بحجة الحفاظ على أمن الدولة. وعلى رغم أن الأمم المتحدة تشترط على الدول أن تكون منبثقة من شعوبها تحت عنوان «حق تقرير المصير» فإن المؤسسة الدولية عاجزة أمام سلطة الدولة داخل حدود تلك الدولة؛ لأن الأمم المتحدة تمنع «التدخل في الشئون الداخلية للدول القومية». ولذلك فقد سعى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في 1948م إلى موازنة ميثاق الأمم المتحدة من خلال تأكيد حقوق المواطن ومطالبة «الدول القومية» بتوقيع المعاهدات التي تضمن للمواطنين حقوقهم.

– مازال المبدأ الأساسي لتشكيل الدولة القومية (حق تقرير المصير) يشكو من الخلل والالتباس بخصوص كيفية التحقق من تقرير شعب ما لمصيره. وأيضا من هو الشعب الذي يقرر مصيره؟ وما مكوناته؟ هل الشعب هو الذي تجمعه لغة مشتركة؟ دين مشترك؟ أصل إثني مشترك؟ العيش على أرض مشتركة؟ إقليم معين؟

– لقد نجح مبدأ «حق تقرير الشعوب لمصيرها» في إسقاط الحكم الملكي المطلق في أوروبا وإيجاد صيغة لهيئة الأمم المتحدة، ولكنه فشل في تحديد الأنموذج والتطبيق العملي «العالمي». ولهذا فإن الفكر السياسي يتجه إلى موازنة الخلل من خلال تقوية أطروحة «المجتمع المدني» .

– الدولة، إذا، يمكن إقامتها في هذا العصر مع الاحتفاظ بالحكم المطلق، ويمكن أن تقام ضمن إطار دستوري، ويمكن أن تعتبر ظاهرة إلهية أو اجتماعية بحسب المنطلق الفلسفي، ويمكن أن تكون طبقية. وفي كل الأحوال استطاعت الدولة بمجرد أن ترفع علما لها وتصدر عملة باسمها ونشيدا وطنيا وجيشا وأمنا وإعلاما ومطارا دوليا، أن تصبح عضوا معترفا به في منظمة الأمم المتحدة، مُحدِثة بذلك تناقضا بين قول المبدأ وحكم الواقع.

– غير أن الدولة القومية تواجه اليوم تحديا حقيقيا لسلطاتها. فلقد تشبّعت الدولة من امتلاكها السلطات وأصبحت عاجزة عن تنمية القدرات الاقتصادية، بل إنها أصبحت عالة على نفسها والمجتمع. ولهذا اتجهت الدول القومية إلى «الخصخصة» و«عولمة الاقتصاد» و«تحرير سوق النقد والأموال» للتخلص من الأعباء التي ألقتها على نفسها، واكتشفت أنها لا تستطيع إدارتها وتنميتها بنجاح.

– في البعد الآخر، إن حركة حقوق الإنسان العالمية بدأت تؤثر على السياسة الدولية، وأصبحت المواثيق الدولية والعهود والاتفاقيات ذات فاعلية أكبر من ذي قبل. ولعل مؤتمر هلسنكي في العام 1976م، «منظمة التعاون والأمن الأوروبي» قد أوجد نقلة نوعية في هذا الشأن؛ إذ اعتبرت المنظمة أن لها الحق في أن تتدخل في الشئون الداخلية للدول الأعضاء في المنظمة إذا كان ذلك الشأن يتعلق بحقوق الإنسان. وأخذ المفهوم يتعزز منذ ذلك الوقت في المحافل الدولية. ولذلك فإن نشاطات مفوضية حقوق الإنسان التابعة إلى الأمم المتحدة آخذة في الازدياد والأهمية.

– الحديث تركز على الدول الأوروبية بسبب أن النظام العالمي والأمم المتحدة و«حق تقرير المصير» نشأ في أوروبا/ أميركا… ويتحرك حاليا من خلال القوة السياسية الغربية. والأمم المتحدة، والنظام العالمي يتعرضان لإرهاصات الفكر الإنساني العالمي الداعي للعدالة وتحقيق السلم الدولي على أساس «الحقوق» و«التنمية» لا على أساس «القوة» و«الهيمنة».

– مازالت دساتير بعض الدول تشتمل على تحريم «المساس بالعظمة» أو «الذات الملكية»، أو «الذات الأميرية». وهذا المفهوم هو ذاته الذي سنّه الرومان في العصور القديمة. والمشكلة أن هناك خلطا بين شخص الملك أو عائلته وشخصية الدولة، إذ لا يستطيع البعض أن يفرّق بين «الدولة» و«القبيلة»، أو«الدولة» و«الملك». فالقبيلة تعني الدولة، والدولة تعني القبيلة، والملك يعني الدولة، والدولة تعني الملك. ولهذا فإن انتقاد الملك أو القبيلة أو الفئة المسيطرة يعتبر مساسا بأمن «الدولة»، وتقوم «أجهزة الدولة» بمعاقبة من تجرأ على الاشتراك في المعارضة.

– في الدول الديمقراطية، من الناحية النظرية على الأقل، يعتبر المواطن الدافع للضرائب هو الحجر الأساس في الدولة. والدولة ومؤسساتها جميعها تحت سيطرة المواطنين وخدمته من خلال ممثليهم. فالمواطن ليس تابعا لملك وليس أداة للدولة، بل العكس.

نكبة البرامكة

كاتب الموضوع الأصلي: الوليد العمر381-344

مكانة البرامكة

لقد قام الخليفة هارون الرشيد بقتل البرامكة وإبادتهم بعد محاولتهم إبداء الفتنة بين الأخوين والتدخل في أحكام الخليفة هارون الرشيد في أمور الدولة من غير حق علما بأن الخليفة هارون الرشيد خليفة عادل ومنصف ولكن لم يرغبوا بهذا، كانت للبرامكة مكانة عالية في الدولة العباسية، فقد كان يحيى بن خالد البرمكي مسؤولاً عن تربية الرشيد، اما زوجته فقد أرضعت الخليفة هارون الرشيد، وقد قام يحيى بن خالد على أمر وزارة الرشيد وقد فوضه الرشيد بكل الأمور. أما الفضل بن يحيى بن خالد فقد كان أخ الرشيد من الرضاعة ووكله على تربية ابنه الأمين بن هارون الرشيد.
[عدل]مؤشرات النكبة

البيعة للأمين بولاية العهد لم يكد الأمين يبلغ الخامسة من عمره حتى اجتهدت أمه زبيدة وأخواله في أن تؤول إليه ولاية العهد، لتكون الخلافة له من بعد أبيه.
وبالرغم من أن الرشيد كان يتوسم النجابة والرجاحة في “عبد الله المأمون”، ويقول: “إن فيه حزم المنصور، ونسك المهدي، وعزة الهادي، ولو شئت أن أقول الرابعة مني لقلت”- فإنه قدَّم محمدا بن زبيدة على أخيه الأكبر المأمون، مع علمه أن متبع هواه. ولعل رغبة أمراء البيت لعباسي واجتماعهم على تولية الأمين كانت وراء نزول الرشيد على رأيهم، وتحقيق تلك الرغبة التي اجتمعوا عليها.
وكانت حجتهم في ذلك أن الأمين هاشمي الأبوين، وأن ذلك لم يجتمع لغيره من خلفاء بني العباس، وكان يؤجج تلك الرغبة كرههم لـ”آل برمك” الذين استأثروا بالرشيد، ونالوا لديه حظوة ومكانة كبيرة.
استدعى الرشيد الأمراء والقادة ورجال الحاشية، وطلب الفقهاء ليُشهدهم على قراره الخطير الذي عقد عليه العزم، وهو البيعة لابنه الثاني “محمد الأمين”. وفي يوم الخميس (6 من شعبان 175 هـ = 8 من ديسمبر 791 م) عقد الرشيد مجلس البيعة، وأخذت لمحمد البيعة، ولقبه أبوه بـ”الأمين”، وولاه في الحال على بلاد الشام والعراق، وجعل ولايته تحت إدارة مربيه “الفضل بن يحيى البرمكي”.
[عدل]دور البرامكة في ولاية العهد للمأمون

وبالرغم من عدم معارضة البرامكة في مسألة ولاية عهد الرشيد لابنه الأمين وسعيهم- في أول الأمر- إلى تزكية هذا الاختيار وتزيينه للرشيد ودفعهم له إلى إتمامه، فإنهم ما لبثوا أن شعروا بأنهم أساءوا الاختيار، وخصوصًا عندما أصبح الأمين شابًّا يافعًا، وبعد ظهور نفوذ أمه “زبيدة”، التي أصبحت تنقم على البرامكة ما صاروا إليه من النفوذ والسلطان في بلاط الرشيد.
عندئذ بدأ البرامكة يعيدون النظر في مسألة ولاية العهد، فاستخدموا نفوذهم، واستغلوا قربهم من الرشيد ومنزلتهم عنده في إيجاد منافس للأمين وأمه زبيدة، ووجدوا بغيتهم في شخص “المأمون” الأخ الأكبر، خاصة أن أمه فارسية.
واستطاع البرامكة أن يجعلوا الرشيد يعقد البيعة لولده “عبد الله المأمون”، على أن تكون ولاية العهد له من بعد أخيه الأمين، وذلك في سنة (182 هـ = 798م)، بعد مضي نحو ثماني سنوات من بيعته الأولى للأمين.
وأخذ “الرشيد” على ولديه “الأمين” و”المأمون” المواثيق المؤكدة، وأشهد عليهما، ثم وضع تلك البيعة في حافظة من الفضة، وعلقها في جوف الكعبة.
بعد ذلك بأربعة أعوام في سنة (186 هـ = 802م) عقد الرشيد ولاية العهد لابنه “القاسم” من بعد أخويه، ولقبه بـ”المؤتمن”.
[عدل]نكبة البرامكة والطريق إلى العرش

وإزاء تعاظم نفوذ البرامكة، واحتدام الصراع بين الفريقين، بدأت الأمور تتخذ منحىً جديدًا، بعد أن نجحت الدسائس والوشايات في إيغار صدر الرشيد على البرامكة، وذلك بتصويره بمظهر العاجز أمام استبداد البرامكة بالأمر دونه، والمبالغة في إظهار ما بلغه هؤلاء من الجرأة على الخليفة، وتحكُّمِهم في أمور الدولة؛ حتى قرر الرشيد التخلص من البرامكة ووضع حد لنفوذهم.
ولم يكن ذلك بالأمر الهين أو المهمة السهلة؛ فقد تغلغل البرامكة في كل أمور الدولة، وصار لهم كثير من الأنصار والأعوان، فاتبع الرشيد سياسة الكتمان، واستخدم عنصر المفاجأة؛ حتى يلحق بهم الضربة القاضية.
وفي ليلة السبت (أول صفر 187 هـ = 29 من يناير 803م)، أمر رجاله بالقبض على البرامكة جميعًا، وأعلن ألا أمان لمن آواهم، وأخذ أموالهم وصادر دورهم وضياعهم. وفي ساعات قليلة انتهت أسطورة البرامكة وزالت دولتهم، وتبدت سطوة تلك الأسرة التي انتهت إليها مقاليد الحكم وأمور الخلافة لفترة طويلة من الزمان، تلك النهاية المأساوية التي اصطُلح على تسميتها في التاريخ بـ”نكبة البرامكة”.
وكان لتلك النكبة أكبر الأثر في إثارة شجون القومية الفارسية، فعمدت إلى تشويه صورة الرشيد ووصفه بأبشع الصفات، وتصويره في صورة الحاكم الماجن المستهتر الذي لا همّ له إلا شرب الخمر ومجالسة الجواري، والإغراق في مجالس اللهو والمجون؛ حتى طغت تلك الصورة الظالمة على ما عُرف عنه من شدة تقواه وحرصه على الجهاد والحج عامًا بعد عام، وأنه كان يحج ماشيًا ويصلي في كل يوم مائة ركعة.
وفي أواخر سنة (192 هـ == 808م) خرج الرشيد لحرب “رافع بن الليث”، واستخلف على بغداد ابنه الأمين، وفي الطريق مرض الرشيد، وما لبث أن اشتد عليه المرض، وفاضت روحه في (3 من جمادى الآخرة 193م == 24 من مارس 809م)، فتولى الخلافة من بعده ابنه “محمد الأمين”.

تكتل الليبراليون

كاتب الموضوع الأصلي: محمد العمار

كثر هذا التساؤل ويزداد يوماً بعد يوم، وكلما انتظم آخرون أو اصطفوا في مجاميع وكتل وأحزاب ثار التساؤل: أين الليبراليون؟

في الأيديولوجيات يسهل التجميع والتحزب، لأن كل أيديولوجية تحمل في داخلها التطابق في الفكر والرؤية إلى حد كبير، كالأحزاب والتكتلات الدينية والقومية والعنصرية والشيوعية كلها لديها حلول معلبة وردود مسبقة لمعظم المشاكل والسياسات والوسائل والغايات .

ومن هنا يكون الاصطفاف سهلاً . في الأيديولوجية يسهل التمويل، ويعتمد جمع المال إما على نصوص دينية كالزكاة والخمس والصدقة، وإما على التأثير في الحكومات المجاملة أو الخائفة أو الخانعة أو التي تحتاج إلى دعم هذه الأيديولوجية، دينية كانت أو عنصرية، ما يفتح لها باب العطاء والاستثمار والبنوك والتبرعات .

في الأيديولوجية، المناصرون من خارج هذه التكتلات كثيرون، فقد يعتمد الحزب الديني على مشاعر الإيمان والعقيدة لدى العامة، فيساندونه في الانتخاب وفي التمويل. وكذلك الحزب القومي يعتمد على المشاعر القومية العاطفية في مساندة العامة لهم، كما حدث لحزب البعث وحركة القوميين العرب والحزب القومي السوري وغيرها .

أما الليبراليون فهم مختلفون تماماً… حيث لا تجمعهم أفكار متماثلة، ولا يتطابقون في الرؤية، وليس لديهم حلول معلبة أو ردود مسبقة، ولا يتفقون على الوسائل والسياسات .

الليبرالي بطبعه مثقف واع و حر التفكير والخيار، ولا يتقيد بما يراه غيره، ولا يقصي أي فكر آخر مهما خالفه أو اختلف معه أو حتى حاربه، والذي لا يرى في نفسه ذلك لا يجوز في نظري أن يحسب نفسه من الليبراليين .

وإذا كان الليبراليون بهذه الصفة، لا يقصون الآخرين ولا يحاربونهم ولا ينفون عقائدهم ولا يهمهم فكرهم وآراؤهم، فعلى أي شيء يتكتلون؟ ولماذا؟ فهم لا يستطيعون جمع المال لانعدام السبب الأيديولوجي الذي يتيح لهم إقناع أو خداع الجماهير به، ودون المال لا يمكن- لا يمكن- تأسيس تكتل يدوم ويستمر .

الفكر الليبرالي الحقيقي – في رأيي- هو طريقة حياة وأسلوب عيش وسبيل تعامل وفكر وأمان نفسي وقناعة ومصالحة في ذات الإنسان وداخله، هو تحرر من القيود الفكرية والتقليدية والخلفيات الموروثة التي نسميها العادات .

ويخلط الكثيرون بين الليبرالية والعلمانية، فالعلمانية وركيزتها فصل العقائد عن الدولة، هي أسلوب حكم وسياسة وأنظمة دول، كما يوزع البعض الليبرالية إلى فرق وطوائف سياسية، كالليبرالية الرأسمالية والليبرالية الاجتماعية وغيرهما، وهذا في نظري خطأ منطقي لا أفهمه، لأن الأصل في دساتير البلاد وقوانينها، وليست رهناً لمبادئ قادتها .

لا يعني هذا مطلقاً ألا يشارك الليبرالي أو يساهم في الحياة السياسية من خلال تجمعات أو أحزاب أو تكتلات .

إذا كان هناك قانون أحزاب سياسية اقتصادية تستطيع الحصول على التمويل في نظام تجتمع فيه الديمقراطيا والعلمانية، فستجد الليبراليين في المقدمة، كما هو الحال في أميركا، حيث يتصدر الليبراليون الحزب الديمقراطي والحزب الجمهوري معاً؛ للأول خططه وسياساته الاقتصادية وللأخير مثلها، وكذلك الحال في بريطانيا وألمانيا ومعظم دول أوروبا .

أما إذا كان النظام ديمقراطياً دون علمانية، كما في لبنان مثلاً، أو علمانياً دون ديمقراطية، كما في عهد صدام أو هتلر، فلن يجد الليبراليون مكاناً لهم سوى في الاصطفاف المرحلي مع تكتلات لا تمثلهم لغرض إيجاد التغيير والتحديث .

تنمية الوطن والإصلاح وتطبيق القانون والارتقاء بالحياة السياسية واجب على كل مواطن، وعلى الليبراليين في بلادنا أن يساهموا في ذلك سواء بالمشاركة السياسية أو النشاط الفكري أو الثقافي أو الاجتماعي أو البيئي …

لكن لا يمكن التعويل على تجمع ليبرالي في كتلة واحدة، لأنهم لا يحملون بذرة التكتل التلقائي بطبعهم الحر وفكرهم المختلف المتشعب، وسيبقون فرادى. لعل هذا يجيب سؤال المتسائلين: لماذا لا يتكتل الليبراليون

ثمن استئناف المفاوضات مع إسرائيل

كاتب الموضوع الأصلي: محمد العمار

ثارت زيارة الرئيس الأميركي باراك أوباما إلى المنطقة في نهاية مارس/آذار ٢٠١٣ كثيراً من التساؤلات حول أهدافها ونتائجها، والإستراتيجية التي صُمِّمت على أساسها. وبعيداً عن منهج التوقعات، أو منهج التحليل المفتوح المستند إلى مبادئ السياسة الأميركية دون اعتبار كبير للتحولات المصاحبة لهذه التحركات، فقد اقتصرت هذه الزيارة في النهاية على كلّ من إسرائيل، والأردن، والسلطة الفلسطينية.
لكن الزيارة حملت مفاجآت من العيار الثقيل فيما يتعلق بالتحولات في الشرق الأوسط، والإشكالات التي تعاني منها السياسة الأميركية، والوضع الإستراتيجي والأمني لإسرائيل. ولعلّ اقتصار الزيارة على هذه الأطراف الثلاثة -المعنية مباشرة بعملية المفاوضات السياسية حول القضية الفلسطينية، والتي تقف موقفاً سلبياً إزاء المتغيرات في دول ما بعد الربيع العربي، وتشعر بأنها قد خسرت حلفاء كما خسرت محاضن لسياساتها الخارجية، واستشعرت التهديد على صعيد البعد الأيديولوجي من صعود تيار الإسلام السياسي المستنير إلى مربع القوة في معظم بلدان الثورات والإصلاحات، وخاصة في كل من مصر وتونس وليبيا- لعل كل ذلك يؤكد خطورة ما حملته الزيارة وتداعياتها المستقبلية.
كما أن هذه الأطراف الثلاثة لا تزال تترقب التحول في المشهد السوري ما بعد الثورة، سواء كانت النهاية تسوية سياسية بين القوى المتصارعة، المحلية منها أو الإقليمية، أو كانت النهاية ثورة حقيقية تؤسس لواقع سياسي وإستراتيجي جديد في دول المواجهة العربية، يكون التيار الإسلامي الأكثر فاعلية وقوة فيه، حسب التقديرات الأولوية لمجريات الثورة السورية.
وتشير القراءة إلى أنه لا يتوقع من هذين المسارين ومخرجاتهما أن يخدما السياسة الأميركية، من جهة، أو أن يشكل أي منهما وضعاً سياسياً وإستراتيجياً مطمئناً لإسرائيل أفضل مما هي عليه الآن من تخوفات وانتكاسات إقليمية. وفي المقابل، فإن أيّاً منهما قد يشكل حاملاً إستراتيجياً قوياً لتغيرات حقيقية في كل من الأردن والسلطة الفلسطينية، باستعادة زخم الربيع العربي أردنياً، وعبوره الحدود الفلسطينية.
لهذه الاعتبارات وغيرها مما قد يتوصل إليه المحللون السياسيون والإستراتيجيون، فإن التحولات الثلاثة التي رافقت وتبعت الزيارة شكلت بالفعل عملية اعتراضية لإمكانية تغيير إستراتيجي عميق وواسع، كانت الولايات المتحدة تخشى أن يشكل حاملاً قوياً، قد يتمكن من تعديل ميزان القوى مع إسرائيل لصالح المشروع العربي والفلسطيني بالتحرير والعودة، والذي سيعمل (حال تشكله) على تحجيم إسرائيل ومشروعها، إن لم نقل تحقيق تغيير جيو-سياسي ينعكس سلباً على وضع إسرائيل كدولة وكيان سياسي، علماً بأن هذه المفاجآت الثلاث تشكل خطوة واحدة متكاملة، يربط بينها التوجه الإستراتيجي الذي أشارت إليه المقالة آنفاً، وهذه المفاجآت:
١- نقل ملف القدس والمسجد الأقصى إلى ملك الأردن الهاشمي كمسؤولية قانونية وحصرية، وإعفاء المفاوض الفلسطيني من هذا العبء الثقيل، المعيق عن التوصل إلى اتفاق بين إسرائيل والفلسطينيين. وقد تم هذا التوافق برعاية أميركية خلال زيارة أوباما إلى المنطقة، والذي تبلور فيما عرف بالاتفاق بين الملك عبدالله الثاني ملك الأردن والمؤسسات السياسية الفلسطينية الثلاث (دولة فلسطين، منظمة التحرير، السلطة الفلسطينية)، وقد تم توقيعه في الأردن في يوم الأحد 31 مارس/آذار2013 في عمان، حيث لم يستطع أي من الطرفين تقديم تفسير مقنع للخطوة وتوقيتها، وشكلها، وطرفيها، ومضمونها، وعلاقتها بعمليات أخرى مثل مفاوضات السلام، في الوقت الذي أسهمت التعليقات غير المنطقية لبعض المقربين من الطرفين في إثارة المزيد من التساؤلات، والضبابية إزاء مثل هذه الخطوة، وأهدافها الحقيقية.
٢- استئناف العلاقات التركية مع إسرائيل لتخفيف حدة الاضطراب في البيئة الإستراتيجية المحيطة بإسرائيل، خاصة بعد التحول السياسي في مصر بعد الثورة، ووقوف مصر الى جانب المقاومة الفلسطينية في حرب نوفمبر/تشرين الثاني عام ٢٠١٢ على قطاع غزة، الأمر الذي قد يوفر جزءاً من شبكة الأمان اللازم لإسرائيل، ولو بثمن متواضع وغير سياسي، بالاعتذار، ودفع التعويضات التي سيتم التفاوض حولها، وتخفيف الإغلاق للمعابر الإسرائيلية على قطاع غزة، عوضاً عن رفع الحصار السياسي والاقتصادي، الذي فهم سابقاً من الشرط التركي عند بدء توتر العلاقات بمقتل الأتراك على السفينة مرمرة على يد القوات الإسرائيلية، وتستعيد إسرائيل بذلك مبدئياً حليفاً إستراتيجاً جاء فقدانه قبيل اندلاع الثورات العربية، وفقدان إسرائيل لنظام حسني مبارك، الذي كان يتولى تدجين الموقف الفلسطيني وتحقيق الشروط الإسرائيلية على الفلسطينيين في مختلف محطات عملية السلام، لعقدين من الزمان تقريباً، الأمر الذي كان قد تسبب بارتباك إستراتيجي إسرائيلي، حيث ثار النقاش إزاء التهديدات الوجودية لإسرائيل في هذه البيئة الإستراتيجية، التي تقع بين المعادية، وغير الصديقة في أحس الأحوال.
ولذلك فإن حلم شمعون بيريز (رئيس إسرائيل الحالي) بالمحافظة على علاقات وطيدة مع تركيا قد توفرت له فرصة تحقق جديدة، لم ينجح هو في تحقيقها في مؤتمر دافوس عام 2009 (عندما انسحب رجب طيب أردوغان رئيس وزراء تركيا، احتجاجاً على ما تناوله بيريز من تحريف للرواية حول الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة عام ٢٠٠٨/٢٠٠٩)، وبالتالي فإن نجاح الإدارة الأميركية باستعادة روح العلاقة بين حليفيها في المنطقة -كل من تركيا وإسرائيل- يساعد في دعم جهودها في تخفيف حدة الخسائر الناجمة عن الربيع العربي عليها وعلى إسرائيل.
٣- تراجع رئيس حركة فتح ورئيس السلطة الفلسطينية عن التزامات اتفاقات القاهرة السابقة والمتكررة، والذهاب بدلاً من ذلك إلى الدعوة إلى تشكيل حكومة برئاسته للإشراف على انتخابات رئاسية وتشريعية مباشرة، خلال ثلاثة شهور من تشكيل الحكومة على الأكثر، ويُعتقد بأنها تصمم كي تؤدي إلى إضعاف قوة ونفوذ حركة حماس في المجلس التشريعي الفلسطيني بأشكال مختلفة، وبالطبع منعها من أن تنجح في انتخابات الرئاسة عبر التحكم بالانتخابات في الضفة الغربية بشكل أو بآخر، وبتعاون إسرائيلي من خلال اعتقال بعض قياديي حركة حماس ومرشحيها خلال فترة الانتخابات، أو مضايقتهم، وشلّ حركتهم الانتخابية بين جموع الناخبين، مما يعني تحقيق تراجع شعبي عبر الصناديق لحركة حماس وبرنامج المقاومة من جهة، ولبرنامج حركة من حركات الإسلام السياسي في العالم العربي، لتعويض التراجعات التي مُنيت بها القوى العلمانية أمام هذا التيار في دول الثورات العربية، وخاصة في كل من مصر وتونس وليبيا، من جهة أخرى، وما سيوفره ذلك من فرصة لاستعادة قيادة الأجهزة الأمنية في قطاع غزة، ومرجعيتها الفتحاوية الملتزمة بعملية التسوية ومفاوضاتها.
الأمر الذي قد يعني إعادة محاصرة المقاومة وبرامجها بصورة ربما أصعب مما تم تنفيذه ضدها في الضفة الغربية منذ العام ٢٠٠٧، وذلك تماهيا مع الموقف الأميركي الرافض لمصالحة مفتوحة بين فتح وحماس، دون أن تلتزم الأخيرة بشروط الرباعية، ويعتبر هذا التوجه عند السيد محمود عباس هو عملية إخراج تنفيذي لالتزام الشرط الأميركي، الذي لا يجعل حماس في موضع القيادة السياسية للسلطة لتفرض عليها شروط الرباعية.
إذن هذا هو الثمن الذي قبضه نتنياهو سلفاً -وبرعاية حليفه الأميركي- لاستئناف المفاوضات، ولعله يقتنع لاحقاً بإطلاق سراح عدد من الأسرى لدعم موقف رئيس السلطة، وربما يقوم ثانية بوقف جزئي لفترة محددة لعمليات التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية، ومؤكد أنه لا يقبل أن يشمل ذلك التوسعَ الاستيطاني في القدس كما حصل سابقاً.
السؤال الكبير الذي يفرض نفسه على المحلل هو ماذا قبض الفلسطينيون من ثمن مقابل ما دفعوه بالاتفاق مع الأردن، الذي يقضي بتخليصهم من الوصاية الدينية والقانونية على الأماكن المقدسة والمسجد الأقصى لصالح ملك الأردن الهاشمي، ومقابل تعليق عملية المصالحة الشاملة مع حماس وبقية الفصائل، التي كانت تهدف إلى إنهاء الانقسام، وليس إلى إجراء انتخابات مبكرة قد تزيد الانقسام الفلسطيني وتحوله إلى خسارة محققة لحماس، بدل أن يحقق بعض المكاسب لها ولفتح وبقية الفصائل، كما تفترض الأوراق الموقعة بين الطرفين وبرعاية مصرية سابقاً.
على الصعيد السياسي، يمكن أن يتبين من المعطيات القائمة وسياساتها للسنوات القادمة أن ما يمكن أن يأمله الفلسطينيون المفاوضون هو دولة مؤقتة الحدود في الضفة الغربية، داخل السور الأمني وقطاع غزة، وبدون القدس، مع إبقاء ما اصطلح عليه بالكتل الاستيطانية (المستوطنات الأمنية على حد تعبير إسحاق رابين) تابعة لإسرائيل، عبر ضمها الرسمي لدولة الكيان، فيما عرف مؤخراً بتبادل الأراضي، على أن تكون الدولة الفلسطينية هذه منزوعة السلاح، وترتبط اقتصاديا بإسرائيل، وأن تحظى مستقبلاً باعتراف دولي مشروط، وبالطبع بدون تطبيق حق العودة للاجئين الفلسطينيين، وذلك في حال استؤنفت المفاوضات بجدية إسرائيلية وأميركية، بعد كل هذه التنازلات.
بالطبع تمثل هذه التوقعات السيناريو الأكثر تفاؤلاً فلسطينياً، أما الأسوأ فهو أن تستأنف المفاوضات دون التوصل إلى مزيد من الاتفاقات السياسية، في مقابل توسيع دائرة ومتطلبات الواجبات الأمنية التي تلقى على كاهل السلطة لحماية أمن إسرائيل، خاصة في قطاع غزة بعد تسليم أمره لرئيس السلطة، وربما تشمل هذه التنازلات مزيداً من التراجع بمفهوم حق العودة، والمركز القانوني للاجئين الفلسطينيين.
لذلك فإن التحليل لهذه المتغيرات يفتح الفرصة لقبول فكرة أن التحرك الأميركي الأخير كان يستهدف استعادة إسرائيل لوضعها الإستراتيجي ما قبل الثورات العربية، وفتح الفرصة من جديد لفكرة التسوية السياسية، التي وجَّهت لها الثورات العربية ضربة قوية، وفي نفس الوقت إحداث ثقب مهم في جدار التقدم المتنامي لتيارات الإسلام السياسي في المنطقة، لحساب التيارات العلمانية المرغوبة أميركيا بكل اتجاهاتها.
وفي حال نجاح جهود استئناف المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية، وإحياء المبادرة العربية للسلام -التي اجتمعت لجنتها في الدوحة 8 أبريل/نيسان2013 وقررت التحرك من جديد في مسار سبق فشله مرارا، لإقناع الجانب الأميركي بصلاحيتها كأساس لبناء سلام شامل في المنطقة مع إسرائيل- فإن الجهد الفلسطيني، والأردني، والعربي، سوف يعمل ليوفر شبكة أمان فكرية وسياسية لإسرائيل من مخاطر الربيع العربي الأمنية والوجودية، خاصة في ظل استمرار السياسات العربية الرسمية السابقة في حكم مسار التفكير بالصراع مع إسرائيل، والتي اعتبرت نظرية الاعتراف بإسرائيل والتعايش معها، وبالتالي إطالة عمرها، أساساً إستراتيجياً من أسسه فيما عرف بخيار السلام الإستراتيجي عربياً.
وبذلك، فإن تعويل قوى المقاومة الفلسطينية على دول الربيع العربي كحاضنة وإطار لمشروع التحرير يصبح محلّ شك، حيث أن ما كان تحقيقه ممكناً بجهود معقولة يصبح تحقيقه أصعب، ويتطلب جهوداً جبارة محفوفة بالعديد من الإخفاقات والعقبات العربية، حتى من دول الثورات، نظراً إلى أن الوضع الفلسطيني شكل تاريخياً -ولا يزال- الحامل والسقف الذي يعمل في إطاره الموقف العربي، الرسمي خاصة.
من جهة أخرى، أظهرت التحركات الأميركية الأخيرة -بزيارة الرئيس أوباما ونجاحاته الثلاثة التي ذكرنا آنفاً، وزيارات وزير الخارجية جون كيري اللاحقة لتنفيذ التزامات هذه المسارات، واجتماع اللجنة العربية للسلام في الدوحة على أصداء هذه الإنجازات الأميركية- أن قدرة الولايات المتحدة على استعادة زمام المبادرة ما زالت قوية، في مقابل العجز الذي تبديه قوى المقاومة الفلسطينية واللبنانية، من جهة، والقوى الثورية الحاكمة في دول الثورات العربية عن استثمار المتغير لصالح تعديل المسار السياسي العربي، المحبط سابقاً في التعامل مع الصراع العربي الإسرائيلي والقضية الفلسطينية، من جهة أخرى.
ويبدو أن الفرصة والمطلب أصبح ناضجاً عربيا وفلسطينيا، للبحث عن سبيل لإعادة رسم وبلورة الرؤية الإستراتيجية العربية الشعبية والرسمية وسياساتهما في التعامل مع الصراع والقضية، وقد تشكل المبادرة التي يسعى مركز دراسات الشرق الأوسط لبلورتها من خلال عقد مؤتمر عربي أكاديمي سياسي لتحقيق هذه الغاية، خطوة جادة، تحتاج إلى تبنيها بشكل جاد من قيادات الثورات، ودول ما بعد الثورات، إضافة إلى القيادات الفلسطينية المعنية، وتحتاج مسبقاً إلى التخفف من أعباء وأثقال سياسات ومواقف ضعيفة ومهزومة، موروثة من الحالة العربية ما قبل الثورات والربيع.

هل قصد بوش حربا صليبية ؟

كاتب الموضوع الأصلي: العلواني

حرب صليبية

اعتذر الناطق في البيت الأبيض عن كلمة بوش في وصف حربه بالحرب الصليبية، وأبقت البي بي سي الخبر يوما ثم غيرته واعتذرت عنه، ومن العدل ألا نهيج لمعنى قيل لعله لم يقصده، ولكن مالنا وللألفاظ وترك الحقائق والمعاني، فإن المدارس الإسلامية في الغرب أغلقت، والجامعات، والمساجد عطلت فيها الصلوات وحل الخوف وتركت نساء الحجاب، وقل رواد صلاة الجمعة، وأرهقت المؤسسات الإسلامية، وأصبح الراكب المسلم يخرج من الطائرة، ويوقف القطار بسبب وجود معمم سيخي فيه، ويضيق الأمر على المسلمين، واعتقلت أعداد كبيرة، وقد أصبحت الضجة سببا للمطاردة. ولم يأبه صاحب متجر أن يكتب لوحة على بابه تقول اقتلوهم جميعا –يعني المسلمين- ثم الله يميز بينهم فيما بعد.
وقد كان نداء الحكومة الأمريكية ومسؤليها مشجعا، وتعاطف عدد كبير من عامة الناس طيبا، وبعضهم أعلن إسلامه، غير أننا نراقب حال الإسلام عموما ، وليس في بلد محدد بل في كل مكان، فالاعتقالات ومواجهة البنية المؤسسية والدعوية الإسلامية في خطر كبير في كل مكان، وتصرف الحكومة الأمريكية مع الدين ومؤسساته في الغرب وفي المناطق الإسلامية هو الذي يحدد هل هي حملة صليبية تجتث الإرهاب أم تهدف لحرب الإسلام، وشل قوته، ومحاصرته بالنشاط الكنسي والمليارات الكريمة المتدفقة على التبشير، يقابل ذلك أن الحكومات في العالم الإسلامي ليس لها وجود رسالي دعوي.
لقد غاب عن أمريكا المريعة والتي تُشَهِّر بالإرهاب أن النصارى في البلاد العربية عبر القرون لم يمروا بهذا الرعب الذي يمر به المسلمون في بلادها، وهم ضحية العنصرية، والتطرف الديني فيها، والتي ذهب ضحيته مسلمون وأقباط مصريون وسيخ في أمريكا غير الذين تعرضوا للأذى. ومن التناقض أن ترهب أمريكا الحكومة المصرية، وحكومات أخرى بتهمة التضييق على النصارى، بينما هي تبعد المسلمين عن الدين شعوبا وحكومات فإنها تنشئ ملاحق دينية في سفاراتها وهي دولة علمانية، وتختلف بشدة مع الصين من أجل مناصرتها للمتنصرين الصينيين! ويقوم مبشروها وعلى رأسهم الرئيس القسيس كارتر الذي يجيد العبرية ويرأس كنيسة يصلي بهم ويرعى التبشير في دول عديدة.
أما المسلمون اليوم فهم مضطهدون مطاردون في أرض أمريكا، ولا تدافع عنهم دولة، ولا تطالب لهم بحق –لأن الدول العربية تقدمية- والمؤسسات الإسلامية في أمريكا ومساجدها وقياداتها خائفون من الإعلام أومن الحكومة، أو من المتطرفين من الشعب!
أمريكا الظالمة لن تقف أمام هذه الحقيقة ولكن سيخطب بوش ويسترضي بعض الناس، ثم تخالف قوته المرعبة لبيوت الأبرياء في العالم، مطاردة وترويعا لإجراء حملة تفتيش وإرهاب على الأفراد والحكومات في العالم الإسلامي، وستستغل هذه الحادثة إلى أقصى الحدود لتعيير الحكومات العربية وهجائها، وانتقاص سيادتها، وإضعاف مكانتها ومطالبتها بتنفيذ حملة الإرهاب والتفتيش في كل مدينة، والحكومات الخائفة سوف تتطرف في الاستجابة وإلا سيكون مصيرها مصير طالبان، وهي لن تقف أمام الحلف الصليبي المقدس الذي أسقط الدولة العثمانية و أقاموا مكانها عملاءهم في اسطنبول، وهو المثال الوحيد المرضي عنه. والذي يبدو أنه سيتشكل الآن حلفا مقدسا جديدا يتخذ من هذه المشكلات وقودا سياسيا وشعبيا لمحاصرة الإسلام.
إننا ضد الفساد والتدمير وقتل الأبرياء نقولها دائما، والآن نؤكد، وضد قيام حملة صليبية مرعبة حول العالم، تستخدم الدول العربية والإسلامية طواعية أو قسرا، وسوف يحرمون الأوصاف الصحيحة لما يجري، ويمنعون الناس من ترديد هذا اللفظ الذي اختاره بوش، ولن يسمحوا لنا أن نستخدم كلامه العفوي مستقبلا، وسيقولن نحن متعصبون ومتهورون ومتطرفون، لأننا صدقنا قوله، وكان علينا أن لا نصدق أنه قيل. إن لغة وثقافة جديدة يجب أن تسود، وسلوك المكارثية الجديدة ستكون أشنع من مجرد المحاسبة على الأفكار، وسوف يحاسب على ذكر هذه الكلمة علماء ودعاة ومفكرون وسياسيون في العالم الإسلامي، ونقول بهذه المناسبة إن له ولقيادة بلده الحق في أن نسكت عن ترديد هذه المصطلحات ذات الجذور الدينية التاريخية حتى نتبين هل قصد فعلا حربا صليبية على الإسلام أم حربا على الإرهاب، وأنه لا يسر حسوا في ارتغاء. وليس من العدل أن نجور ونحن نطالب بالعدل.

الاستعداد للاستبداد

كاتب الموضوع الأصلي: العلواني

مرسي وقرارات الاستعداد للاستبداد

قيل إن الرئيس البوسني علي عزت بيغوفيتش دخل المسجد متأخرا يوم الجمعة، فكانت الصفوف تنشق أمامه إلى أن وصل الصف الأول، فالتفت إليهم قائلا “هكذا تصنعون الدكتاتور”.

كتبتُ على تويتر في اليوم الذي أصدر فيه مرسي قراراته، مستنكراً التفرد بقرارات مصيرية واستجابته السريعة للنزعة المستبدة التي تصنعها بيئة قابلة للاستبداد. وكانت تلك القرارات تحمل بوادر دكتاتورية قادمة، فنحن ندرك ما تنضح به وما ورّثته بيئة مبارك وأشباهه من مستبدين يصنعون التفرد في مجتمعات ضعيفة المقاومة وتقبل بحلول ظاهرها الخير وآخرها دكتاتورية.. ربما أراد بقراراته الخير والتحرر، ولكنها مبنية على أسس مستبدة فلا يُحصد إلا نتيجتها.

بعد كتابتي تلك واجهت نقدا من عدد من الأصدقاء والمثقفين الذين أحترم آراءهم، وأخبرتهم أنه بقطع النظر عن مشكلات الديمقراطية، على المرء أن يكون منسجما مع مبادئه قدر طاقته، مناصرا لما يؤمن به وما يراه يحمل الخير لأمة عانت من مجاعة طويلة للعدل والتحرر والإنصاف.

ثم سمعت تفصيلات كثيرة عن خطة الفلول لانقلاب شبه عسكري ضد الثورة وضد نتائج الانتخابات السابقة، ويبدو أن تلك الخطة كانت قادمة باسم القضاة والعدل، ولكنها انقلاب على الثورة باسم الثورة يتذرع بالقوانين.

وكما حاول خصوم الثورة في الخارج والداخل إجهاضها واستعادة المطرودين للقرار بطرق ملتوية ورشى سخية، ومرشَّحين مزيفين من فلول النظام القديم، فإن المحب للثورة ولما حققته من حرية ومكاسب عظيمة أصبح يخشى عليها من أن يستعيد بعض الفلول -ممن كانوا منسجمين مع مبارك وحصلوا على مناصب ومنافع كبرى- مكانهم وأكثر، وأن يرجعوا من بوابة الديمقراطية أو الخوف على الحريات والمدنية ليهدموا الثورة ويرسخوا التبعية التي بالكاد خرجت منها البلاد.

وها قد عادوا زاعمين أن في مصر من ينكر مذبحة اليهود، أو أن في الثورة استبداداً رغم أنهم كانوا عصبته، وخاصة عندما نعلم أن بعض هؤلاء لم يكن حريصا على بقاء الثورة وانتصارها لأنها لم توصله إلى مغنم شخصي، فهو يدور حول نفسه ومصالحه المحضة بطريقة شعبوية، ولا ينظر إلى مصلحة أمة يوم كان أساً للاستبداد ومتمتعا بمناصبه، ولما سقط النظام القديم جاء لينتهز الجديد، فبئست الثورية هذه.

خسر الفلول والمنافقون في مصر وفي فلسطين معركة غزة، وقد كانوا يتمنون للفلسطينيين المقاومين الخسارة فكانوا هم الخاسرين، وكانت الصواريخ تمض قلوبهم عندما تضرب تل أبيب، وتمنّوا للمقاومة الخسارة بأي طريقة، وقد ظهر ذلك منهم في لحن القول وصريحه، ثم هم اليوم يتنمّرون حين وجدوا في قرارات كثيرة سريعة فرصة ضد من لم يحسن تقدير الموقف ولم يظهر براعة، وكان بإمكانه الخلاص من الفلول المعيقين للديمقراطية بالتدرج بطريقة حصيفة، وقد تكالب عليه غياب الخبرة مع مستشارين نُصب بعضهم للتوازنات وليس لصوغ سياسة.

إن مرسي هنا صنع شقا مجتمعيا وتراجعا للثورة عن شعبيتها وعن وحدة الثوار.. صحيح أن الانشقاق كان موجودا من قبل، ولكنه على مستوى أدنى وأقل وضوحا وسلبية، أما الآن فهذا الشق لا مخرج منه إلا تصميم موقف معتدل يمتص صدمة الشقاق وتفليس المزايدين، وتقريب عقلاء الشعب وقياداته التي تحرص على ألفته، لأن التراجع سيئ والتصلب أسوأ، والمطلوب براعة مع الموالين واحتواء للخصوم وليس التوكيد على الفوارق.

هناك قوى ثورية حقيقية -أغلبها من التيارات الوطنية والمتحررة وبعضها غير إسلامي- ساءها تعجل مرسي وما أعلنه من قرارات تصنع مستبدا، أو تهيئ لصعود قوى استبداد، حتى وإن كانت هذه القرارات مؤقتة أو قيل عنها لاحقا إنها مؤقتة، فإنها على أي حال مصدر خوف لكل من ثار ليبني بلدا آمنا يتمتع سكانه بالعدل والحرية والديمقراطية.

هؤلاء اضطرهم مرسي أن يقفوا ضده، وأن يكونوا في صف خصومه، فوسع التيار المواجه له ليجمع فيه الثوار مع خصوم الثورة.

يستغل هذه الهوجة أعداء ينتقمون من الشعب ومن الدين، ويجدون سلاحا يستغلونه، فيظهرون في لباس الواعظين الحريصين على الثورة.

والخاسرون في الانتخابات المصرية كثيرون، وبعضهم لا يبالي بفساد البلاد إن كان سيكسب شخصيا من ركوب أي موجة باسم الليبرالية أو الدين أو العسكر، ولم يبق من عمره الكثير ليحتمل الانتظار لعدة دورات انتخابية.

وللأسف، فإن هناك تصرفات للإخوان استبدادية تصنع لهم الأعداء، وتعطي خصومهم الحجج، من الذين يتعللون وكانوا يَنقّون من قبل بلا شيء، فكيف وقد وجدوا ما ينوحون عليه الآن فأسالوا دموع التماسيح على ثورة لم يصنعوها، ولم ينالوا شرف الجهاد المدني في ميدانها ولو لحظة، فيتباكون كأنهم لو قادوها لأسسوا حريات سويسرا وديمقراطيتها ورفاهيتها بلمسة سحرية.

على أي حال.. في الديمقراطية: ما لا تقبله لنفسك لا تصنعه لغيرك، لأنه سيكون ضدك غدا، ولذا فالخشية من دكتاتورية الحاكمين مشروعة لأنها تعني الحكم الفردي أو الحزبي المستبد، أو بقاء البلاد في حالة ثورية وقلق مستمر.

كما أن إصدار قرارات مستبدة في ثورة للتحرر يسقط صاحب القرار أو يصنع دكتاتوراً، ومرسي فعل هذا في بلد لم يستقر على ثورة ولا على ديمقراطية، وفي نظام جديد المضمون على الجميع فلن يخسر فريق ويفوز آخر، بل الخسارة للجميع، والتأسيس لدكتاتورية تعني القضاء على الثورة والديمقراطية والدستور.

وإن نجحت الديمقراطية فإن على الإخوان التفكير في تصرفاتهم لأن خصومهم سيأخذون مكانهم بعد دورة أو دورتين.

إن علينا أن نقف ضد استبداد حتى من نثق أنه الأفضل، وحتى لا يبرر للأسوأ، أو يعطي الحجة له في الجولة القادمة، وحتى لا يشرع الحزب المنتخب للعقيدة الفاسدة نفسها..

فخصوم الإخوان وخصوم الإسلام يتذرعون بالخوف على الديمقراطية من أن تتحول إلى دينية، ولكن لو تحولت الديمقراطية إلى دكتاتورية لهم أو تخدمهم، فسيقول بعضهم هذا تحرر وديمقراطية.

إن مصر ليست دكان عَمالة ولا عداء للدين، فالقوى الإسلامية والعروبية والوطنية متجذرة وإنْ خضعت زمنا، فعلى الإخوان أن يثقوا بالثورة وبالتحرر وبالشعب الثائر، لتنجح الثورة، ولتكسب الديمقراطية لا لتخسر ذاتها في سوق المتسابقين لحلبها للذوات الخاسرة.

إن الخوف من الفلول والخاسرين لا يبرر إيجاد استبداد مضاد من أي نوع، لأنه استعادة للفساد المقنّع بحجة الدفاع عن حق وعدل وحرية ومشروعية ثورية وأغلبية، وإن خشي الرئيس التراجع عن قراراته لأنه سيظهر كأنه ضعيف، فإن الإصرار على الخطأ نهج أضعف، فعسى أن يجد له بين الراديكالية والتردد نهجا.

ثورة مصر لم تصل إلى حال الثورات المعتادة، ولم تظهر الوجه الواقعي للثورات، فما زالت مستورة ومقبولة، وبالإمكان الاستمرار في تزيينها وترقيع العيوب وصناعة نقلة آمنة وعملية، ولكن الفلول وإعلامهم وشهواتهم، وكذا بعض الكاسبين يميلون بلا وعي إلى استكمال سنن الثورات، وهي سنن موجعة ومرعبة وتعد بما يزين وما يشين.

وأملنا في عقول تنتصر على شهواتها وضعفها وعلى الأنانية في المكاسب والغايات، وتنهض لمسؤولية جماعية لشعب وأمة، وإلا فإن بعض المزايدين من الداخل والخارج قد يغرقون سفينة الثورة بحجة إصلاحها لتتحقق غاياتهم وسيخسرون.

وكما حذركم عزت من صناعة الدكتاتور، فلا تصنعوا من الحزب أو مرسي دكتاتورا.