أ.د. أحمد محمد وهبان

أهمية علم السياسة و المفاهيم ألاساسية في علم السياسة

كاتب الموضوع الأصلي: راشد سعد القحطاني

الاسم / راشد سعد القحطاني
الرقم الجامعي / 430106599
المادة / فكر غربي 2 (320)

مقــــدمــــة
أهمية علم السياسة
تعتبر دراسة السياسة مهمة هائلة لكنها أيضاً ممتعة. فالسياسة عالم من التعقيدات الواسعة، والأسئلة ألا محدودة والتحديات التي لا نهاية لها. ولنتأمل الأحداث السياسية خلال العشرين سنة الماضية فقد سقط الاتحاد السوفيتي وتفكك في نفس الوقت الذي اقتربت فيه أوروبا من تحقيق وحدتها. كذلك فإن نفس الجيل الذي شهد نهاية عصر التمييز العنصري في جنوب أفريقيا قد شهد أيضاً التطهير العرقي يجتاح يوغسلافيا السابقة. ويعيش البعض اليوم عصر تقنية شرائح ورقائق الكمبيوتر الدقيقة بينما لا يزال البعض الآخر من قبائل البدو الرحل والسكان البدائيين يعيشون بنفس الطريقة التي عاشها أسلافهم منذ عشرات القرون. كما أن فكرة القومية التي كانت أساس الفاشية والعنصرية في أوروبا خلال الحرب العالمية الثانية أصبحت اليوم ملهماً للحركات الليبرالية المعاصرة في أنحاء مختلفة من العالم.
وحقيقة فإن التنوع السياسي العالمي يبدو بلا نهاية، فكما يساور القلق كثير من مواطني الولايات المتحدة حول الميزانية والإنفاق الحكومي نجد أن كثيراً من نظرائهم العراقيين يحاولون مجرد البقاء على قيد الحياة على أمل إعادة بناء ما دمرته الحرب الأخيرة. وبينما تهتم الصين بتحديث اقتصادها للإيفاء باحتياجات شعبها الأكبر في العالم، نجد أن دولة ديموقراطية صغيرة مثل نيوزلندا يتركز اهتمامها في متابعة وتقليص الآثار البيئية والصحية الناتجة عن التجارب النووية التي أجرتها فرنسا أخيراً قريباً منها.
كيف يمكننا البدء بتحليل هذه الأحداث السياسية المتنوعة؟ أن صعوبة هذه الأسئلة كادت في بعض الأحيان أن تحبط أبرز علماء السياسة، وبينما نواجه ضخامة هذه المهمة ونتبصر فيها فإنه من المفيد أن نأخذ في الاعتبار ما لاحظه عالم السياسة الأمريكي ديفيد إيستن من أن السياسة مرتبطة إلى حد كبير بالتغيير. فالسياسة هي عالم من التقلبات المتواصلة، والتوترات والتحولات. وهذا التغير يمكن أن يكون عالمياً في تبعاته كما هو الحال في صعود وسقوط القوى العالمية كالإتحاد السوفيتي والولايات المتحدة، كما يمكن أن يكون محلياً بدرجة كبيرة كما هو الحال عندما يتغلب حزب سياسي على آخر في انتخابات إحدى البلدان، إلا أنه وفي عالم يتسم بتنامي الاعتماد المتبادل فإن حتى تلك التغيرات التي تبدو أساساً ذات طابع محلي يمكن أن يتردد صداها وتصبح ذات أهمية عالمية.
كذلك فإن السياسة تتعلق أيضاً بصناعة القرار حول موارد العالم فبينما يمكننا النظر إلى تعليقات ايستن لتقدير مفهوم التغير كمفهوم محوري للسياسة يمكننا أيضاً الاستفادة من مقترحات عالم السياسة الأمريكي الآخر هارولد لازويل التي تنظر للسياسة على أنها تقرير من يحصل على الموارد المتاحة في العالم ومن لا يستطيع ذلك. وتعتبر أفكار لازويل هامة لنا عندما نبدأ في دراسة السياسة لأنها توجهنا نحو تساؤلات خادعة ومثيرة في تعقيداتها من مثل لماذا يحتمل أن يعمر المواطن الأوربي أطول من المواطن الأفريقي جنوب الصحراء الكبرى؟ فالسياسة، كما تخبرنا أفكار لازويل، تلعب دوراً كبيراً في هذا المجال. فتوقعات الحياة، وتوفر مصادر مياه آمنة وفرص الحصول على عمل ذي مردود كاف – كل هذه الجوانب من حياتنا تتأثر بشكل كبير بالقرارات السياسية لحكومات العالم عندما تتخذ هذه الحكومات قرارات حول كيفية توزيع موارد هذا العالم. فالطب والمياه والغذاء والسكن والعمل ليست ظواهر لا يستطيع الإنسان السيطرة عليها، بل على العكس من ذلك فإن عالم السياسة المكون من قرارات تلك الحكومات هو الذي يؤثر سلباً أو إيجاباً على حياة الأفراد ويعزز فرص حصولهم على الخدمات الأساسية تلك أو يحرمهم منها. بمعنى آخر أن السياسة تتضمن خيارات الحكومات والمواطنين وخاصة (في المجتمعات التي تتمتع بقدر من الحرية) فيما يتعلق بالطريقة التي من خلالها تقدم الخدمات الطبية والمياه والغذاء والسكن والعمل لشعوب العالم أو تحرم منها.
ولذلك فقد كان أرسطو واضع أسس علم السياسة محقا عندما أطلق على علم السياسة سيد العلوم، وهو كان يعني بذلك أن كل شيء تقريباً يحدث ضمن إطار سياسي. وذلك لأن قرارات دولة مدينة أثينا (التي عاش فيها) كانت تتحكم في معظم جوانب الحياة. إما علم السياسة من وجهة نظر عالم السياسة الأمريكي هارولد لازويل فهو دراسة “من يحصل على ماذا”. ولكن ألا يحدد النظام الاقتصادي من يحصل على ماذا؟ ومع أن ذلك ممكنا في الدول ذات الأسواق الحرة ولكن من يقرر، ما إذا كان ينبغي أن يكون هناك نظام لسوق حرة؟ من الذي يبلغ بيل جيت Bill Gate مثلاً بأنه ينبغي عليه أو لا ينبغي أن يضّمن برامجه لتصفح الإنترنت مع آخر إصدار من نوافذ Windows التي ينتجها أيضاً وهو قرار يساوي بلايين الدولارات. أن السياسة متعلقة بالاقتصاد بشكل وثيق.
ولنفترض أن كارثة طبيعية كالفيضان حدثت، فإن النظام السياسي هو الذي يقرر ماذا كان ينبغي أن نبني مصدّات وأين تبنى وأي من ضحايا الفيضان ينبغي مساعدته، نعم الفيضان حدث طبيعي ولكن تأثيره على المجتمع يسيطر عليه بدرجة كبيرة النظام السياسي. وماذا عن العلم؟ وعن عالم الأحياء الذي يتابع البكتيريا من خلال مجهره؟ هذا ليس سياسة ولكن من الذي يدعم ويمول تعليم أولئك العلماء ومؤسساتهم البحثية؟ ألا تلعب الحكومة دوراً بارزاً في ذلك؟ إذن فالبكتيريا والفيروسات تعتبر أحياء طبيعية ولكن دراستها تعتبر في الغالب شأناً سياسياً.
وحقاً فإن السياسة تشمل كل تلك القرارات التي تتعلق بكيفية صنع القوانين التي تحكم الحياة المشتركة، هذه القوانين يمكن أن تتخذ بطريقة ديموقراطية أو استبدادية، ويمكن أن تدعم السلام أو تشجع العنف ويمكن أن تفّعل وتمكن عامل الدول وحتى العوامل غير الدولية (مثل النقابات العمالية، ووسائل الإعلام، الشركات عبر القومية…إلخ). ومهما كانت تلك القوانين فإن السياسة ترتكز على الاعتراف بأن حياتنا مشتركة طالما أننا نعيش في أماكن عامة مشتركة مثل أقاليم الدولة. فإذا سافر أحدنا على الطريق العام أو توقف عند إشارة مرورية أو التحق بجامعة حكومية فإنه بلا شك قد أشترك في مكان وموارد تحكمها القوانين المتخذة سياسياً والمطبقة من قبل الدولة. ولذا فبغض النظر عما إذا كنا واعين ومدركين لهذه الحقيقة أم لا فإننا في حياتنا العامة جزءاً من السياسة. فنحن كما كان الفيلسوف الإغريقي أرسطو يقول حيوانات سياسية بطبعنا نعيش في عالم من المشاكل والإمكانيات المشتركة وفعلاً وكما أكد أرسطو فإن محاولة إخراج أنفسنا من السياسة سيعني إخراج أنفسنا من عالم إنسانيتنا المشتركة. باختصار فعندما ندرس السياسة سنرى أنها تمس كل شيء كما يقول عالم السياسة روبرت دال.
ومع أن كثير من الناس يمقتون السياسة وربما كانوا على حق، فالممارسة السياسية ربما تكون لا أخلاقية، فإساءة استخدام السلطة والتأثير والفساد الفاضح تعتبر سمات ملازمة للممارسة السياسة، إلا إنه مع ذلك لا يجب علينا أن نحب الشيء الذي ندرسه. فعالم الأحياء مثلاً يمكن أن يلاحظ بكتيريا مسببة للأمراض تحت مجهره، ومع ذلك فهو لا يحب البكتيريا لذاتها لكنه مهتم في معرفة كيف تنمو وكيف تؤثر على صحة الإنسان وكيف يمكن القضاء عليها. وكما أن عالم الأحياء لا يغضب من البكتيريا ويكسر بالتالي أنبوب الاختبار الذي يحتويها، لأنه يهتم أولاً بمعرفة تلك الأحياء الدقيقة ومن ثم يحاول التوصل إلى طريقة لتحسين صحة وحياة الإنسان فكذلك عالم السياسة يحاول أن يفعل الشيء نفسه مع السياسة.
مفاهيم أساسية في علم السياسة
1- السياسة
ما هي السياسة؟ من وجهة نظرنا فإن السياسة هي العملية التي من خلالها تصنع الجماعة قرارات جماعية مشتركة. ويتفاوت حجم الجماعة ابتداء من الأسرة الواحدة إلى الأسرة الدولية. كذلك يتم التوصل إلى القرارات بطرق مختلفة منها : العنف، النقاش، الأعراف، المقايضة والتصويت. والشيء الذي يجعل من تلك القرارات سياسية هو طبيعتها المشتركة التي تؤثر على أولئك المنتمين للجماعة.
والسياسة ليست دائماً قائمة على الخلاف، إذ أن أحد الأسباب التي تدعو لدراسة السياسة يتمثل في البحث عن الظروف التي تستطيع في ظلها الجماعة تحقيق أهدافها سلمياً وبكفاءة. ومن هذا المنظور فإن السياسة تعتبر بناءة وعملية. ومع ذلك فإن كثيراً من نكهة السياسية تنبع من حقيقة أن أعضاء الجماعة نادراً ما يتفقون، منذ البداية على الأقل، على الوجهة التي يسيرون عليها. وحتى لو كان هناك اتفاقاً على الأهداف فإنه يمكن أن يظل هناك اختلافاً حول الوسائل.
وينبع الاختلاف في جزء منه من الندرة. فمهما كانت قطعة الكيك كبيرة فإنه سيظل بالتأكيد بعض المساومة على حجم القطع. وعندما تكون المصادر محدودة فإن هذا يعني أن بعض الأهداف يمكن أن تعطى أولوية على غيرها. لكن الخلاف يمكن أن يبرز أيضاً بسبب الاختلافات الطبيعية في الآراء ووجهات النظر. فكما يتوجب على قبيلة بدوية ، على سبيل المثال، أن تقرر بشكل جماعي عندما تعزم على الرحيل فكذلك الحال مع الدولة القومية الحديثة التي يتوجب عليها أن تعزز بشكل مشترك (جماعي) فيما إذا كان ينبغي لها أن تذهب إلى الحرب. وعندما تكون الجماعة بكاملها مشتركة في اتخاذ القرار فإنه لا يكون هناك إلا قراراً واحداً. ومن ثم فإن مضمون السياسة يشمل رسم الأهداف واتخاذ القرارات للجماعة بالإضافة إلى تقرير الكيفية التي ينبغي من خلالها توزيع الموارد ضمن تلك الجماعة.
ولا يعتبر مجرد وجود مشكلة جماعية كافياً في حد ذاته لتوليد الرغبة السياسية اللازمة لإيجاد حل جماعي. بل يبدو في الغالب أنه كلما كبر حجم الجماعة كلما أصبح التوصل إلى حل أكثر أشكالاً. ولنأخذ موضوع البيئة، على سبيل المثال، الذي يعتبر في الأساس موضوعاً يهم الجميع، وفي مثل هذه الحالة يصبح العالم بأجمعه معنياً بالأمر. فبغض النظر عن من تكون أو أين تعيش إلا أنك تشترك مع الآخرين في الاهتمام بمنع حدوث الدفء الكوني ونفاذ طبقة الأوزون. ومع ذلك فإن بلدان العالم تجد أنه من الصعب، على الرغم من أننا نتمنى ألا يكون مستحيلاً، عليها القضاء على تلك المشاكل. ويعود هذا في جانب منه إلى حقيقة أن المتسببين الرئيسين في التلوث (مثل الولايات المتحدة) هم في الغالب الأبطأ من غيرهم في تبني سياسات غير ضارة بالبيئة. ولذلك فإن إحدى مشاكل السياسة تتعلق بإيجاد تفسير لسبب وجود مثل تلك الفجوة الكبيرة بين الاعتراف بالمشكلة الجماعية من جهة والاتفاق على حل جماعي لها من جهة أخرى.
وبالتالي فإن تعريف السياسة على أنها العملية التي تستطيع من خلالها الجماعة اتخاذ قرارات جماعية يعتبر تعريفاً محايداً نسبياً. أما التعريفات الأخرى فتعتبر أكثر تخميناً، فعلى سبيل المثال، تستخدم السياسة في الخطاب الشعبي في الغالب من منظور انتقادي للإشارة إلى السعي اللاأخلاقي لتحقيق مصلحة خاصة. وعلى النقيض من الجهة الأخرى يتمنى بعض المفكرين أن يقصروا استخدام مصطلح السياسة على الأنماط الأكثر تحضراً لصناعة القرار. ولذلك يتساءل كريك (1982) لماذا نطلق على الصراع على السلطة سياسة بينما هو ببساطة صراع على السلطة؟ حيث يفضل كريك، أن يعرف السياسة بشكل أكثر إيجابية على أنها “النشاط الذي من خلاله يتم التوفيق بين المصالح المختلفة ضمن جماعة ما وذلك بإعطاء تلك المصالح نصيباً من السلطة يتوازى مع أهميتها فيما يتعلق برفاه وبقاء مجتمعها”. لكن المشكلة في هذا التعريف أنه يجرد أو يعزل الخلاف عن السياسة، إذ أنه يرى أن السياسة مثالاً ينبغي الوصول إليه بدلاً من أن تكون حقيقية حتى يمكن وصفها.
2-الحكومة
يشار إلى أن هناك جانباً سياسياً لكثير من نشاطنا اليومي، ومع ذلك فإنه كلما تطورت الجماعات والمنظمات الاجتماعية وازدادت تعقيداً كلما أصبح النشاط السياسي أكثر تكراراً وبرزت أنماط مستقرة لصناعة القرار الجماعي. ويطلق على النمط المستقر والمنتظم لصناعة القرار بالحكومة. فالحكومة، إذن، هي مؤسسة إي منظمة مستمرة بحياة منفصلة عن حياة الأفراد المكونين لها في إي وقت. ومن ثم يمكن تعريف الحكومة على أنها المؤسسة التي من خلالها تصنع القرارات لحل المشاكل أو توزيع المنافع والامتيازات. ولذلك فإن لدى كل من الجامعات والشركات والأندية، ونقابات العمال حكومة نظراً لأن لديها إجراءات منتظمة لاتخاذ القرارات وفرض تطبيقها. وبمنظورها الأعم فإن الحكومات تشير ببساطة إلى هذا الشرط المتعلق بالقاعدة أو السلطة المنتظمة.
ومع ذلك فإن اهتمامنا سيكون بالقرارات التي تكون جماعية بطبيعتها وتؤثر على المجتمع بكامله. أي الحكومة في المحيط العام بدلاً من الحكومة في المحيط الخاص أو التنظيمات الأدنى. فنحن مهتمين أساساً بالتوجه السياسي للحكومة على المستوى القومي وفي الحقيقة فإن مصطلح الحكومة يستخدم في الغالب وفق هذا المنظور، للإشارة إلى الوزراء الذين يتولون مسئولية الوزارات الرئيسية. ويشار هنا إلى أن عملية صنع القرار السياسي في المحيط العام تتميز بثلاث خصائص أساسية هي:
1- صنع القرار السياسي عملية سلطوية. فالقرارات ليست بطبيعتها استشارية أو مجرد اقتراحات ، فالقوة أو التهديد باستخدامها تقف وراء تلك القرارات فضلا عن وجود مشاعر محددة بأنها ينبغي أن تطاع . وحتى في حالة مخالفه الفرد للقرارات فإنه سيشعر في داخله بأنه ينبغي ألا يفعل ذلك بل أن بحثه عن أعذار لتبرير فعله ( تجاوز حد السرعة المسموح به مثلا) يعتبر في حد ذاته إقرارا من الفرد بضرورة اتباع القرارات . هذه المشاعر هي ما يسميها علماء السياسة (الشرعية) أي قبول الشعب واعترافهم بقوانين النظام السياسي .
2- تتميز عملية صنع القرار السياسي بتوزيع الإيجابيات والسلبيات . فالقرارات التي يتخذها النظام السياسي ليست محايدة في نتائجها ,حيث يستفيد منها البعض ويتضرر منها البعض الأخر. فعندما يقرر النظام السياسي مثلا ماذا كان ينبغي رفع أو خفض مقدار الضرائب فانه سيكون هناك حتما جماعات مستفيدة من ذلك القرار وأخرى متضررة، وكذلك الحال مع تحديد نطاق السرعة على الطرقات.
3- القرارات السياسية في المحيط العام تصنع لمجتمع بكامله وليس لجماعة أو فئة بحالها . فالجامعة أو الشركة مثلا تستطيع أن تصنع قرارات سلطوية توزع بموجبها الإيجابيات والسلبيات إلا أن قرارها ينطبق فقط على المنتمين إليها ولا يتجاوزه لجماعات أو منظمات أخرى أما سلطة القرار السياسي في المحيط العام فتشمل كل المجتمع فلابد أن يخضع كل الأفراد و المؤسسات والجماعات لسلطته.
باختصار يمكن القول بأن الحكومة تتخذ قرارات لتحديد من يحصل على الأشياء القيمة في المجتمع وذلك لحل الخلافات بين الافراد والجماعات. وفي هذا السياق كتب ديفيد وفي هذا السياق كتب ديفيد إيستن:
حتى في اصغر وابسط المجتمعات يجب أن يتدخل شخص ما باسم المجتمع ومدعوما بسلطة ذلك المجتمع ليقرر كيف تحل الخلافات حول الأشياء القيمة ، ويمثل هذا التوزيع السلطوي للقيم الحد الأدنى من متطلبات أي مجتمع…… وكل مجتمع يوفر بعض الآليات مهما كانت بدائية لإيجاد حل سلطوي للخلافات حول الأهداف التي يسعى للوصول إليها، أي، من يحصل على ما هو متوفر من الأشياء المرغوبة .
لماذا تعتبر الحكومة ضرورية؟
إن أفضل طريقة لتقييم الحاجة إلى الحكومة هي النظر إلى الحالات اللاتي تختفي فيها الحكومة بحالتها التي نعرفها. ماذا يحدث عندما تتنافس جماعات متعددة مع بعضها على القوة في المجتمع . وهناك حالات حول العالم حدث فيها مثل هذا الفراغ. وأحد أبرز الأمثلة يتمثل في الصومال التي اختفت فيها الحكومة المركزية منذ بداية التسعينات. حيث أصبحت العاصمة مقديشو نفسها مقسمة بين عدد من زعماء الحرب يسيطر كل منهم على جزء منها.
فعندما تنافس زعماء الحرب الصوماليين على السيطرة على مناطق معينة كانت الحرب هي النتيجة ، التي نشرت الخراب والمجاعة . وبشكل عام فإن تنافس قوى مسلحة معقدة باستخدام السلاح وغياب الحكومة الموحدة يعني أو يساوي حربأً أهلية .
وكما يشير مثال الصومال فإن أحد الأهداف الأساسية للحكومة هي حفظ الأمن والنظام. من خلال حفظ السلام تحمي الحكومة الشعب من العنف على أيدي الجيوش الخاصة أو الأجنبية. كذلك تهدف الحكومة إلى تحقيق العدالة وحماية الناس من عنف المجرمين. فإذا غاب الأمن والنظام فليس ممكناً تقديم أي منافع أخرى يتوقعها الناس من الحكومة.
إلا أن النظام ليس هو القيمة السياسية الأهم فقط. فالعراق تحت حكم صدام حسين شهد قدراً من النظام. إلا أن ذلك الأمن بالنسبة لعدد من العراقيين اتخذ شكل (سلام القبور) حيث قتل عدد كبير من الناس من قبل قوات الأمن لأتفه الأسباب في بعض الأحيان. ولذلك فإن توفير الحماية من عنف المجرمين المحليين أو الجيوش الأجنبية ليس لوحده كافياً. فالمواطنون يحتاجون أيضاً إلى حماية من إساءة استخدام السلطة من قبل الحكومة.
وتمثل الحرية هدفاً مهماً آخر يمكن تحقيقه في ظل الحكومة. ولذلك فإن الحرية تمثل قيمة مهمة يمكن للحكومة تعزيزها لكنها يمكن أيضاً أن تستخدم ضد الحكومة.
3- الدولة
يتم استخدام مصطلحي الدولة والحكومة في الغالب للإشارة إلى شيء واحد لكن الأكثر دقة هو أن ننظر إلى الدولة على أنها أكثر شمولاً من مؤسسات الحكومة. فالدولة هي النظام السياسي بكامله وبهذا فهي تتضمن السلوك والمواقف السياسية التي تعتبر خارج إطار الحكومة. وضمن حدود جغرافية معينة فإن الدولة تجسد الثقافة السياسية لمواطنيها والتي بدورها يمكن أن تكون نتاج لقوة صناعة القانون التي بأيدي المسئولين في المناصب العامة. ولذلك فإن الوحدة الجغرافية ، والثقافة السياسية والعمليات السياسية التي تشملها الدولة تجعلها أكثر قابلية للاستمرار والبقاء بين أية ترتيبات محددة للبناءات الحكومية. وبهذه النظرة فإن الحكومة يعبر عنها في العادة بأدوات صياغة وتنفيذ السياسة ضمن حدود الدولة.
ومن ثم فإن مصطلح الدولة يعتبر أوسع نطاقاً من مصطلح الحكومة ويشمل كل المناصب التي تصنع قرارات جماعية وتقوم على تنفيذها للمجتمع بكامله. ووفقاً لهذا المصطلح فإن الوزراء، القضاة والشرعيين، والبيروقراطيين وجنرالات الجيش والشرطة يشكلون جميعاً جزءاً من شبكة واحدة من المناصب العامة وتعرف تلك الشبكة بمصطلح الدولة. ومع أن مصطلح الدولة يشير إلى فكرة مجردة لكنه مصطلح قوي جداً ، فالدولة يمكن أن تكون مصدراً للنفع أو مصدر للتهديد. فمع أن الدولة تعبر عن فكرة مجردة إلا أنه باسم الدولة يسجن أناس ويصبح آخرون أغنياء عن طريق عقود التسليح ويقتل آخرون في الحروب دفاعاً عنها (Edelman, 1964,P.1).
أننا نعيش اليوم في عالم الدول، فمعظم سطح الأرض مقسم في الوقت الحاضر بين دول يدعى كل منها الحق وحدها في حكم إقليمها الخاص بها. وفي الحقيقة فإن كل الدول تتأثر بالطبع بالتطورات التي تحدث خارج حدودها فكل دولة تتاجر أو تتورط في حروب كما أن الأفكار لا تعترف بالحدود. ومن ثم فليس هناك ما يمكن أن يسمى بدولة منعزلة عن العالم الخارجي. ومع ذلك فإن أي دولة مهما كانت صغيرة وضعيفة لا تزال ، من الناحية النظرية، تتمتع بالسيادة على إقليمها. ومن ثم فماذا نعني بالدولة على وجه التحديد؟
تشير الدولة إلى مؤسسات صنع القرار السلطوي لمجتمع بكامله، بحيث تصبح كل الجماعات والمؤسسات والأفراد فيها خاضعة لها من الناحية القانونية. بمعنى آخر أن لها المكانة الأعلى قانونياً وأن سلطتها إجبارية. والدولة كما يقول دال (1984) هي المنظم الأساسي للاستخدام الشرعي للقوة ضمن الأقاليم.
وهذا لا يعني أن الدولة هي المؤسسة الوحيدة في المجتمع التي تستخدم القوة. فهناك بالطبع العنف الإجرامي، والعنف الرياضي والعنف الأسري، كما أن هذا التعريف لا يعني أن القوة هي الوسيلة الوحيدة للمحافظة على وجود الدولة. فالعنف يمثل مصدراً غير مستقر للسلطة والقوة على الأقل على الأمد الطويل. ولذلك فإن هذا التعريف يعني ضمناً أن الدولة يجب عليها أن تدعم وبنجاح ادعاءها بتنظيم اللجوء إلى القوة. فهناك قلة من الناس يمكن أن يزعموا بأن من حق المجرمين إطلاق النار على رجال الشرطة إلا أن معظم الناس يتفقون على أن هناك ظروفاً تبرر إقدام رجال الشرطة على إطلاق النار على المجرمين – على سبيل المثال في حالة التعامل مع السارقين المسلحين أو الخاطفين والارهابيين.
وعندما يصبح احتكار الدولة للاستخدام المشروع للقوة مهدداً فإن استمرار تواجدها يصبح معرضاً للخطر. فالحروب الأهلية على سبيل المثال تعتبر في حقيقتها خلافاً حول من ينبغي أن يحكم الدولة في إقليم معين. وعندما يستمر ذلك الخلاف لا يصبح هناك سلطة شرعية وربما تختفي الدولة ذاتها.
*الدولة القومية
يعتبر مفهوم الدولة القومية ذا أصول أوروبية حيث تمت المصادقة رسمياً على نظام الدولة القومية في معاهدة السلام في وستفاليا 1648م التي رسخت السلام بين الفرقاء الأوروبيين بعد حرب الثلاثين عاماً .ومنذ ذلك الوقت تم تقسيم معظم أرجاء الكرة الأرضية إلى دول قومية بحدود جغرافية محددة .
إلا أن المشاكل تبرز عندما تحتوي حدود الدولة قوميات مختلفة. بل و أن كثيراً من تلك الحدود وخاصة في العالم غير الأوروبي قد رسمت بطريقة عشوائية من خلال قوى الاحتلال الأوروبية كما هو الحال في معظم أنحاء إفريقيا وكثير من أصقاع آسيا وأمريكا اللاتينية . وفي مثل هذه الحالة يمكن أن يتسبب افتقاد التجانس القومي في إثارة مشاكل سياسية خطيرة. وفي العصر الحاضر شهد العالم تفكك دول كانت تعتبر مستقرة نسبياً وصناعية كالاتحاد السوفيتي ويوغسلافيا إلى دول قومية اصغر حجماً وأكثر تجانساًً. ويشير هذين المثالين إلى هشاشة الدول التي تحاول ضم قوميات عديدة ومختلفة. وبدورها شجعت مؤسسة الدولة القومية نمو فكرة القومية ، التي يمكن تعريفها على أنها الشعور العاطفي بأولوية الولاء للوطن من قبل المواطنين.
ومع أن الماركسية تؤكد على أن الولاء الرئيس للعمال ينبغي أن يكون لطبقتهم الاجتماعية إلا أن الأحزاب الماركسية وجدت بشكل مستمر أن العمال قد استبدلوا الولاء الطبقي بالوطنية القومية عندما تتعرض بلدانهم للتهديد. ويمكن للحماس القومي أن يمّكن الحكومة من العمل بكفاءة أكثر لكنه أيضا يمكن أن يتسبب في تشجيع الحكومات كي تسلك نهجاً أكثر عدوانية ويجعلها اقل تقبلاً لإيجاد حلول لخلافاتها مع الدول الأخرى.
ويمكن تصنيف الدول إلى ديمقراطية، استبدادية وشمولية. وهناك تنوعات في كل من تلك الأصناف، إلا أن النماذج الثلاث تلك توفر إطارا أساسيا للأغراض التنظيرية ،ويمكن التمييز بين كل من الأصناف الثلاثة من خلال مدى السماح بالممارسة السياسية الحرة لمواطنيها.
4- السيادة
للدولة وجهان يكون الجانب القاسي منها مختفياً عن الأنظار وهو يمثل الرغبة في استخدام القوة لتنفيذ رغباتها. أما الجانب اللين، الذي لا يقل أهمية، فيستند على قدرة الدولة على إقناع مواطنيها بالطبيعة القانونية والشرعية لسلطتها. وترتبط فكرة السيادة بوجه الدولة اللين، فالسيادة تشير إلى مصدر السلطة في المجتمع حيث أن المفهوم يعتبر قانونياً بدلاً من أين يكون فعلياً.
والسيادة تكون للهيئة التي تتمتع بحق صناعة القوانين للبلاد ففي بريطانيا على سبيل المثال تتمثل هذه الهيئة في البرلمان. وتعتبر بريطانيا مثالاً للسيادة الواضحة والمركزة حيث بإمكان البرلمان إصدار أية قوانين دون أن يقيد البرلمانات التي تعقبه، ولا يستطيع القضاة إبطال تشريعاته كما أنه ليس هناك هيئة أخرى تستطيع إصدار قوانين تطبق في تلك البلاد، باستثناء المجموعة الأوروبية التي تعتبر تشريعاتها ملزمة بشكل مباشر لبريطانيا كما هو الحال مع الدول الأعضاء الأخرى في المجموعة حتى لو لم يتم الموافقة على تلك التشريعات من قبل البرلمانات الوطنية.
ومع أن الهيئة المخولة إصدار القانون تمتلك سيادة داخلية – أي الحق في صنع قوانين ملزمة ضمن حدود الدولة. إلا أن للسيادة بعداً خارجياً أيضاً. والسيادة الخارجية تشير هنا إلى اعتراف القانون الدولي بأن للدولة سلطاناً قضائياً على الإقليم. وهذا يعني أن الدولة مسئولة عن ذلك السلطان القضائي في القانون الدولي. وتعتبر السيادة الخارجية موضوعاً مهماً لأن جميع الدول تدعي الحق في تنظيم العلاقات بين بلادها وبقية العالم. وفي الحقيقة فإن السيادة الخارجية تزداد أهمية بعدما أصبح العالم أكثر اعتماداً على بعضه البعض. ومن ثم فإن ادعاء السيادة يعني وضع إشارة تحذير للدول الأخرى تطالبها بالابتعاد، ومع أنه ليس هناك في الواقع دولة واحدة تستطيع أن تفرض سيطرتها الكاملة على الأحداث ضمن حدودها إلا أن ذلك لا يعني إلغاء لحق الدولة في السيادة.
وتؤكد النظرية التقليدية للسيادة على الحاجة لوجود هيئة سيادية واحدة ضمن إقليم معين. وفي هذا السياق لاحظ وليام بلاكستون في تعليقاته على قوانين بريطانيا أن “لابد أن يكون في كل دولة سلطة سامية مطلقة لا يمكن مقاومتها أو السيطرة عليها وهي التي لها الحق في السيادة، وهنا يلخص بلاكستون تفسيراً للسيادة كان قد قدمه أولاً الفيلسوف الفرنسي جان بودين الذي عرف السيادة على أنها السلطة غير المقيدة أو غير المقسمة لصناعة القوانين. وقد كان هدف بودين يتمثل في الحفاظ على امتيازات الملكية الفرنسية حيث عزز عمله هذا التطورات اللاحقة للملكية المطلقة في فرنسا.
أما في عالم اليوم الأكثر ديموقراطية واعتمادية فإن التعرف على موقع السيادة لا يعتبر سهلاً كما كانت تفترض ذلك النظرية التقليدية. ففي الولايات المتحدة على سبيل المثال تتوزع السيادة بين الكونجرس والرئيس والمحكمة العليا والولايات الخمسين المكونة للاتحاد. ولدى الولايات المتحدة حكومة دستورية أكثر مما هو الحال في بريطانيا إلا أن لديها نظاماً يشتت السلطة بدلاً من تركيزها، ومن ثم فإن الولايات المتحدة تمثل حالة للسيادة بدون سيد.
وحتى في البلدان ذات الحكومة البرلمانية يمكننا الزعم بأن الشعب يجب على الأقل أن يتقاسم السيادة مع البرلمان نظراً لأن سلطة البرلمان تنبع جزئياً من دوره التمثيلي، ومن ثم فإن تحديد موقع السيادة في الواقع ليس بنفس السهولة التي تقول بها فكرة سمو البرلمان.

كما يؤدي الاعتماد المتبادل بين الدول إلى جعل موضوع السيادة أكثر غموضاً حيث أن المجال المتنامي للالتزامات الدولية للدولة القومية يقلص مجال المناورة المتاح للحكومات. كذلك فإن ظهور العوامل فوق القومية مثل الاتحاد الأوروبي الذي لديه القدرة على تجاوز البرلمانات القومية في بعض الموضوعات يهدد أيضاً الأفكار التقليدية للسيادة. وتعمل هذه التغيرات تدريجياً على أضعاف فكرة السيادة مع تنامي الفجوة بين خيالية السيادة ذات المصدر الوحيد وحقيقة الاعتماد المتبادل، مما يعني أن أفكار بودين وبلاكستون قد عفى عليها الزمن.
5- القوة
لقد حاول الناس منذ أقدم العصور فهم قواعد القوة، ولماذا توجد وكيف يمكن الحصول عليها. وتعتبر القوة موضوعاً أساسياً في السياسة فهي إحدى لبنات البناء لعلم السياسة وهي مفهوماً محورياً لهذا العلم بنفس أهمية النقود للاقتصاد. وبينما يتقبل كل علماء السياسة أهمية القوة إلا أنهم يختلفون حول ماهيتها وتحديدها وكيفية قياسها. وهناك بشكل عام وجهتا نظر رئيستان حول تعرف القوة.
الأولى، القائمة على فكرة الإجماع، تعّرف القوة بشكل عام على أنها نتاج التأثيرات المقصودة، وبأنها المقدرة على الحصول على ما نريد. ولنأخذ مثالاً واضحاً هنا فالرؤساء لديهم قوة أكثر مما لدى الفلاحين نظراً لأن الرؤساء يمارسون تأثيراً أكبر على مسيرة الأحداث. ونلاحظ هنا أن التأكيد هو على القوة، بمعنى القدرة على تحقيق الأهداف، بدلاً من القوة بمعنى، ممارسة السيطرة على الآخرين، ويرتبط هذا الاقتراب للقوة بعالم الاجتماع الأمريكي تالكوت بارسونز (1967) الذي أعتبر أن القوة السياسية تشير إلى مقدرة الحكومة على الاعتماد على التزام مواطنيها لتحقيق أهداف مشتركة مثل القانون والنظام والحماية من الاعتداء والنمو الاقتصادي، وكلما كانت الحكومة أكثر قوة كلما كانت أكثر كفاءة على تحقيق أهداف المجتمع. وبذلك فإن القوة السياسية بالنسبة لبارسونز ليست فقط مجرد تنافس جماعة اجتماعية واحدة أو حزب سياسي مع الآخرين للفوز بالسيطرة على الدولة وإنما القوة في نظره هي الأداة التي تمكن الحكام من تحقيق أهداف المجتمع. ومع ذلك يعتبر عدد من علماء السياسة وجهة نظر بارسونز هذه ضيقة جداً “ومحافظة أكثر مما ينبغي”. ويعتقدون بأن السياسة أكثر من مجرد عملية تقنية لتطبيق رؤية يعتنقها جميع أفراد المجتمع.
أما الثانية فتنظر في مقابل ذلك إلى السياسة كحلبة صراع حول ماهية الأهداف التي ينبغي تحقيقها. ولذا فإن أنصارها يميلون إلى تعريف القوة من منظور ما هي الرؤية التي تنتصر. وما يهم هنا هو تحديد من يدير الدفة. على سبيل المثال هل يسيطر على الحكومة حزب محافظ هدفه الرئيس حماية مصالح رجال الأعمال والشركات؟ أو حزب اشتراكي مهتم بمصلحة الاتحادات العمالية؟
وهنا فإن وجهة النظر الضمنية للقوة تقوم على فكرة الخلاف بدلاً من الإجماع ووفق هذا المنظور فإن القوة ،كما يقول روبرت دال، تعني القدرة على تحقيق المراد في مواجهة المعارضة في العادة وأنها تتمثل في دفع الناس إلى القيام بعمل أشياء لم يكونوا ليقوموا بها بمحض اختيارهم (Dahl-1957). وهذا يعني القوة بمعنى التغلب والسيطرة بدلاً من القدرة على تحقيق أهداف مشتركة.
ومن وجهة نظرنا فإن كلا النظرتين السابقتين للقوة تعتبران مهمتان. إذ أن السؤال عن ما مقدار القوة التي تتمتع بها حكومة ما هو بنفس أهمية السؤال عن من يمارس تلك القوة. فالسؤال الأول يتعلق بمقدار القوة بينما الآخر يتعلق بكيفية توزيعها. ويوازي السؤال المتعلق بمقدار القوة المتاحة لحكومة ما السؤال الاقتصادي عن ما هو عدد السلع التي ينتجها اقتصاد ما ومن الجهة الأخرى فإن السؤال المتعلق بتوزيع القوة “من يمارس القوة؟” يماثل في علم الاقتصاد السؤال المتعلق بمن هو الغني ومن هو الفقير؟
ولتوضيح هذا الفارق بين المعنيين ننظر إلى حالة الاتحاد السوفيتي في بداية التسعينات. ففي ذلك الوقت ركز معظم المراقبون على المناورات السياسية المعقدة التي كانت تدور في موسكو. هل فقد جورباتشوف ثقته في الاصلاحيين ومن ثم أتجه إلى الاتجاه المحافظ؟ وهو تساؤل ممتع بلا شك لكنه يتجاهل تضاؤل كمية القوة المتوفرة لدى موسكو آنذاك. حيث كانت أكثر التطورات أهمية في الاتحاد السوفيتي أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينات تتمثل في انهيار السلطة المركزية. فالجمهوريات كانت تتجاهل وغالباً ما تناقض الأوامر الصادرة من السلطة المركزية في موسكو. وتوقفت الحكومة المركزية عن القيام بوظيفتها. وكانت السفينة السوفيتية تغرق بينما كان القادة وكثيراً من الصحافيين يتشاجرون حول من كانت بيده عجلة القيادة. ومع ذلك فعندما لا يحكم أحد فماذا يهم من يكون الحاكم؟ وقد كان الاتحاد السوفيتي في حالة احتضاره يعطي مثالاً لكيف يمكن لكمية القوة المتوفرة للحكومة المركزية أن تتضاءل إلى الحد الذي يصبح معه موضوع توزيعها هامشياً.
ويمكن ممارسة القوة بطرق مختلفة. وإذا ما سئل شخص للتعبير عن القوة من خلال إيماءه رمزية، فإنه ربما يعبر عن ذلك برفع قبضته. وتعتبر هذه الصورة مقبولة من بعض الوجوه، فالعنف يعتبر بدون شكل شكلاً من أشكال القوة. فتكرار الحروب بين الدول وداخلها تؤكد أهميتها في التاريخ. ولكن إذا كان التاريخ يهتم بما هو أكثر من الحروب فإن القوة أيضاً تتضمن ما هو أكثر من القسر. وفي هذا السياق فقد وضع (Boulding 1989) تصنيفاً دقيقاً لأشكال القوة، عندما قال بأن الناس يحصلون على ما يريدون باستخدام القوة أو التوصل إلى اتفاق أو خلق أو إنشاء التزامات (أنظر جدول 1.1) أي أننا يمكن أن نميز بين العصا والاتفاق والحب.
ويرتبط التهديد باستخدام العنف (العصا) بالمؤسسات القسرية مثل الجيش والشرطة. ويبرز هذا الخيار عندما يقول أ لـ ب أما أن تفعل هذا الأمر لي أو….. ويعتبر استخدام هذا الشكل أساساً لقوة الدولة وعلى الرغم من أنها تعتبر حلاً أخيراً في السياسة المدنية العادية، إلا أن وجودها يظل داعماً لعدد من العلاقات السياسية. فعلى سبيل المثال قد تهدد الدولة بحرماننا من حرياتنا إذا لم ندفع الضرائب أو نحارب في صفها أو نطيع قوانينها. وغالباً ما يكون التهديد ضمنياً إلا أن ذلك يدل على كفاءته وليس عدم أهميته. ولذا يقال بأن العصا التي تبقى قابعة في الخزانة هي أكبر العصي الموجودة.
أما التبادلية أو (المقايضة) فهي أكثر شيوعاً وأكثر كفاءة من الخيار السابق “العصا”، ويبرز هذا الخيار عندما يقول أ لـ ب أفعل شيء ما لي وفي المقابل أعطيك شيء تريده. فبينما يقوم خيار العصا على التهديد بالعقوبات السلبية فإن خيار الاتفاق يقوم على توقع الفائدة. ومع ذلك فإن كلا الخيارين السابقين يمثلان شكلان للقوة لأنهما يعبران عن وسيلتين يحاول بهما الفرد أن يغير سلوك فرد آخر.
وتعتبر المقايضة قاعدة العلاقات الاقتصادية لكنها مع ذلك تعتبر مهمة جداً في السياسة. فعلى سبيل المثال فإن العلاقات بين الدولة ومواطنيها يتم تحليلها في الغالب وفقاً لفكرة التعاقد بين الجانبين. وتقوم التبادلية على موافقة المواطنين على الخضوع لسلطة الدولة في مقابل توفير الدولة لمظلة حمائية لهم، وبتوفيرها لقوة شرطة، ونظام تعليمي، وحد أدنى من الرفاه الاجتماعي. كما يدفع المواطنون الضرائب في مقابل قيام الدولة بتوفير الخدمات. ومع أن هذا التعاقد يعتبر خيالياً إلا أن المقايضة التبادلية التي يقوم عليها تؤثر على طريقة سلوك المواطنين أي أنه ببساطة عندما يشعر الناس بأن الدولة تعطي مثلما تأخذ فإنهم أكثر احتمالاً لطاعتها ومن ثم يصبح النظام أكثر استقراراً.
أما خلق الالتزامات أو ما يعبر عنه (بالحب) فإنه يشير إلى القدرة على غرس الولاء، الاحترام والالتزام. ويظهر ذلك عندما يقول أ لـ ب أفعل شيء ما أريده لأنك تحبني، أو تحترمني أو تشعر بالتزامات تجاهي. وعندما ننظر إلى أمثلة لتلك الالتزامات فإننا نفكر طبيعياً في المقام الأول بالمؤسسات الاجتماعية مثل الأسرة أو المسجد أو جمعيات النفع العام إلا انه يمكن القول بأن القدرة على الإلهام أو التأثير على الناس هي الأكثر أهمية من بين الأشكال الثلاثة السابقة للقوة. وفي هذا السياق فإن القومية والدين تعتبران أمثلة لقوى قوية ثم استغلالها من قبل القادة (وحتى من قبل المعارضة بشكل أكبر) لدفع الناس للتضحية بأنفسهم.
ويزعم بعض الناس بأن فكرة ممارسة القوة من خلال الالتزام تمثل تناقضاً في المصطلحات فإذا كان أ يقوم باختياره بعمل ما يريده ب فهل يعني ذلك أن أ يمارس في الحقيقة قوة أو سلطة على ب؟ إذا تبرع الناس للقتال في الحرب فهل يعني أن الدولة تمارس قوة أو سلطة عليهم من خلال تشجيعهم على تسجيل أسمائهم للانخراط في الحرب؟ وهذا يعتمد على ما إذا كنا نريد تعريفاً محدوداً أو واسعاً للقوة Power ، فالاقتراب المحدود ينظر للقوة على أنها القدرة على فرض وجهات نظر جهة ما ضد المعارضة، إلا أن علماء السياسة الراديكاليين سيزعمون بأن هذا التوجه مقيداً بشكل كبير وأن قوة الحبLove power هو الشكل الأكثر مكراً للمصطلح.
فعلى سبيل المثال يزعم لوكس (1974) بأن القوة تمارس كلما تم تجاهل المصالح الحقيقية للناس حتى لو كان هؤلاء الناس غير مكترثين بمصالحهم. وبالنسبة له فإن أ يمارس سلطة أو قوة على ب عندما يؤثر أ على ب بطريقة مناقضة لمصالح ب. ولذلك فإن المصنع الذي يلوث بلدة ما يمكن أن يخفي ذلك عن السكان. وعندئذ يرى لوكس أنه في حالة نجاح المصنع في ذلك فإنه يكون قد مارس قوة أو سلطة حتى لو كان السكان غير منتبهين لمشكلة التلوث – ومن ثم غير قادرين على الاعتراض عليها. حيث أن مصالحهم قد تضررت.
وبالمثل فإن الحكومة التي تستغل الحماسة الوطنية لكي تزيد معدلات التجنيد العسكري تمارس أيضاً السلطة أو القوة على المجندين – لأنه هل من صالحهم التضحية بحياتهم في مكان بعيد؟ وسواء اعتبرنا تلك أمثلة للقوة أو السلطة أم لا إلا أنه يجب علينا أن نقبل بأن المناورة بمعرفة وقيم وتفضيلات الآخرين تعتبر وبشكل كبير أفضل طريقة للسيطرة عليهم.
جدول 1.1
استخدام القوة “العصا” التوصل لاتفاق “الجزرة” خلق التزامات “الحب”
الطبيعة تهديد قسري مبادلات إنتاجية علاقات تكاملية
دافع الطاعة الخوف الكسب الولاء والالتزام
المؤسسة عسكرية اقتصادية اجتماعية
وتتضمن القوة السياسية على نحو نموذجي خليطاً من القسر أو الإكراه، والتبادلية والالتزام. ولنأخذ الضرائب كمثال، فأخذ النقود من الشعب يعتبر مهمة أساسية لكنها مخادعة يجب أن تقوم بها أي دولة بقدر معقول من الكفاءة على الأقل. فأحد الأسباب التي تدفع الناس للدفع هو عنصر الإكراه خوفا من عقوبة الدولة إذا ضبطوا وهم يتهربون من الدفع. أما السبب الثاني فيتمثل في التبادلية فالناس مستعدون لدفع الضرائب من أجل الحصول على خدمات مثل الصحة والتعليم والرعاية الاجتماعية. أما السبب الأخير فيمثل في الشعور بالالتزام: ماذا سيحدث لو لم يدفع كل واحد ضريبته؟ ولذا فإن قوة الدولة الحديثة تستند على قدرتها على الاعتماد على مصادر متنوعة للإلتزام بحيث يدعم كلاً منها الآخر.
وبإيجاز فإننا قد استعرضنا ثلاثة تفسيرات للقوة وهي :
1 – القوة بمعنى القدرة على إنجاز الأهداف الجمعية.
2 – القوة بمعنى القدرة على فرض مشيئة طرف على المعارضة.
3 – القوة بمعنى التأثير على الناس بطريقة تكون معاكسة لمصالحهم الخاصة.
ويحتمل أن يكون الاقتراب الثاني هو المعنى الأكثر قرباً للتفسير الشائع أو المألوف للقوة، ومع ذلك فإن الأنماط الأخرى الأقل قسرية (اعتماداً على الإكراه) تعتبر بنفس الأهمية أيضاً في التأثير على الناس، وفي الواقع فإن علاقات القوة تستند في الغالب على توليفة من العوامل.
6- السلطة
تعتبر القوة القسرية شكلاً غير مجدياً للحكم تماما كما أن الاستعباد يعتبر غير فعال نظراً لأن هناك حاجة لمراقبة العبيد كما أنهم على أي حال يفتقدون لأي التزام تجاه عملهم. وبناء عليه فإن القوة القسرية تكون غير مستقرة وغير فعالة أيضاً، ولذلك يقال بأن أولئك الذين يعيشون بواسطة السيف يموتون غالباً بالسيف. ومن ثم فإن المعضلة الأساسية التي تواجه الحكام تتمثل في كيفية إضفاء الشرعية على حكمهم – أي كيف يمكن تحويل القوة إلى سلطة، ولكن ما هي السلطة؟
تشير السلطة إلى الحق في الحكم، وتظهر عندما يعترف الخاضعون بحق المهيمنين على إصدار الأوامر. فعلى سبيل المثال يمكن لجنرال ما أن يمارس القوة على الأسرى من جنود الأعداء لكنه لا يملك سلطة عليهم حيث أن سلطته تكون مقتصرة على قواته الخاصة. وفي نفس الوقت فإن السلطة هي أكثر من مجرد الإذعان الاختياري، فالاعتراف بسلطة الحكام لا يعني الموافقة على قراراتهم، أنه يعني فقط القبول بحقهم في إصدار القرارات وواجب الأفراد في طاعتها. فعلى سبيل المثال يمكن ألا توافق على طلب أستاذك على قراءة هذا الكتاب لكنك هنا تقرأه وهذا يعني أنك قبلت سلطة أستاذك.
ولا تزال علاقات السلطة هرمية. وفي الحقيقة فهي غالباً ما تكون بمثابة ورقة توت تغطي التهديد باستخدام القوة. فالجنود على سبيل المثال يذعنون للجنرالات لأنهم سيواجهون حكومة عسكرية إذا رفضوا الإذعان، وهؤلاء الذين يدّعون السلطة يمكن ألا ينتظروا حتى يتم الاعتراف بتلك السلطة. وبالمثل فإن الطلاب يذعنون للمعلمين لخشيتهم من العقوبات المترتبة على عدم الإذعان حتى وأن كانت تلك العقوبات أقل بكثير مما يواجهه الجنود أمام محكمة عسكرية. وفي الحقيقة فإن العلاقات السياسية تجمع نموذجياً بين عناصر كل من القوة والسلطة.
وكما أن للقوة عدة مصادر فكذلك السلطة، ويشار هنا إلى أن عالم الاجتماع الألماني الشهير ماكس فيبر قد أورد تحليلاً مهماً لمصادر السلطة عندما ميّز بين ثلاثة طرق لاضفاء الشرعية على القوة السياسية (أنظر جدول 2.2). ويتمثل النموذج الأول في الإشارة إلى قداسة وأهمية التقاليد :
ففي السلطة التقليدية نظراً إلى النظام القائم على أنه مقدس أبدي لا تمس حرمته كما يعتقد سلطة الشخص أو الجماعة المهيمنة على الآخرين، التي عادة ما تأتي عن طريق التوارث، هي مقدرة ومحتوية، وأن الرعية يرتبطون بالحكام من خلال التبعية الشخصية وتقليد الولاء فضلاً عن تدعيم ذلك بواسطة المعتقدات الثقافية مثل الحق المقدس للملوك.
وكما أشار Blau (1963) فإن كل أنظمة الحكومات تقريباً قبل ظهور الدولة الحديثة تمثل الادعاءات التقليدية للسلطة. إلا أن السلطة التقليدية لا تناسب المجتمعات المتغيرة. وفي العالم المعاصر فإن السلطة التقليدية تقدم قاعدة للحكم في عدد محدود من الملكيات الوراثية مثل السعودية ونيبال وعمان، حتى أن بعضاً من تلك الأنظمة قد بدأت تذعن لرياح الديموقراطية التي اكتسحت العالم في أواخر الثمانينات.
وتعتبر السلطة الكاريزمية أو الملهمة النموذج الثاني للسلطة لدى فيبر. وهنا يطاع القادة لأنهم يلهبون حماس اتباعهم الذين يضفون على أبطالهم صفات استثنائية وأحياناً أسطورية. وبينما تستند السلطة التقليدية على الماضي فإن السلطة الكاريزمية ترفضه وتزدريه. وخلافاً للاستخدام الجماهيري فإن الكاريزما بالنسبة لفيبر ليست صفة ضمنية للقائد بل أنها تميز العلاقة بين القادة والاتباع. فالقادة الكاريزميين يعتبرون أشخاصاً مؤثرين يظهرون في أوقات الأزمات والقلاقل ويعتبر غاندي ومارتن لوثر كنج ومانديلا وعبد الناصر وحتى أدولف هتلر أمثلة رئيسة للقادة الكاريزميين. كما يعتبر دور الخميني في إعادة صياغة إيران بعد سقوط الشاه في 1979 مثالاً أكثر حداثة لذلك.
ومع ذلك فإن السلطة الكاريزمية تعتبر قصيرة العمر ضمنياً إلا إذا استطاع القائد الكاريزمي تحويل سلطته إلى مؤسسة دائمة. ويطلق على هذه العملية (روتنة الكاريزما) Routinizoition of Charisma ، ففي إيران مثلاً استطاع آية الله الخميني إنشاء نظام إسلامي استمر بعد وفاته في 1979.
أما المصدر الثالث للسلطة بالنسبة لفيبر فهو ما يطلق عليه بالنموذج القانوني – العقلاني. وهذا النموذج هو النقيض تماماً للسلطة الكاريزمية. فهو يعني أن الخضوع لا يكون لشخص وإنما لمجموعة من المبادئ – حكومة القانون بدلاً من حكومة الأفراد. ولذلك فإن الخاضعين في منظمة ما يجب أن يذعنوا للمطالب القانونية لرؤسائهم بغض النظر عن من يحتل المناصب العليا. وقد أعتقد فيبر بأن السلطة القانونية العقلانية ستصبح المهيمنة في المجتمع الحديث وقد كان محقاً.
وتعتبر البيروقراطيات الحديثة أفضل مثال للمنظمات القائمة على السلطة القانونية العقلانية، فنحن نذعن للقوانين ليس بدافع الخوف فقط ولا بدافع التقاليد أو الولاء الشخصي لقائد الشرطة مثلا ولكن لأننا نشعر أن القانون والنظام يعتبر ضرورياً ومرغوباً في مجتمع عقلاني. فنحن أذن نعترف بسلطة القانون- وليس قوة القائمين على تنفيذه فقط.
وبإمكان السلطة القانونية العقلانية الحد من إساءة استخدام القوة وذلك لأنها قائمة على المنصب وليس الشخص، حيث قد يكون هناك مسئولين يتجاوزون صلاحياتهم. وإذا كان لدينا شجاعة كافية فإننا نستطيع عندئذ أن نرفض الإذعان وبشكل مشروع. والشرطة تستطيع أن تستجوبك ولكن في بلد منظم جيداً لن يكون بإمكانهم ضربك أو تعذيبك إذا رفضت الإجابة. وفي الواقع فإن الناس الذين يملكون وسائل القوة يستخدمونها في الغالب حتى عندما لا يكونون مخولين القيام بذلك. إلا أن استناد القوة إلى المنصب بدلاً من الفرد فضلاً عن إيضاح حدود تلك القوة يساعد بالفعل على احتواء إساءة استخدامها.
أما نقطة الضعف الرئيسية في تقسيمات فيبر فتتمثل في عدم إعطائه اهتماماً كافياً لكيفية تحويل القوة إلى سلطة، فلنفترض بأن شخص ما قاد انقلاباً عسكرياً ناجحاً في دولة صغيرة، وتم طرد الرئيس السابق، وتمت السيطرة على محطة الإذاعة واستطاع أن يضع أحد أقربائه في منصب قيادة الجيش، فماذا عليه أن يفعل بعد ذلك؟ كيف يمكن بناء سلطته حتى لا يواجه نفس مصير سابقه؟ أن هذا يعتبر عملاً سياسياً بحتاُ، فالبندقية يمكن أن تصل بالشخص إلى المنصب ولكنها لن تبقيه هناك للأبد.
أن مجرد البقاء سيساعد، والإذعان الذي تم الحصول عليه بداية بالقسر والإكراه يصبح في النهاية معتاداً. وكما يقول (Goodwin , 1987) “أن سلطة اليوم هي مسرح كفاح الأمس من أجل القوة”1. أن مجرد الإذعان يمكن أن يفيد لبعض الوقت لكن سيكون من الأفضل لو تم تحويل الإذعان المعتاد إلى ولاء أصيل. ولذلك لا يمكن تجاهل جماهير الشعب لأنه عندما يصبحون مستاءين من أداء الحكومة يصبح لدى أعداء تلك الحكومة عذراً أو ربما سبباً قوياً لتغييرها. باختصار يتحول الفاتحون إلى ملوك من خلال خلقهم لمصادر مستقرة للدعم، أما إذا لم يظهروا أي اعتبار لمن يحكمونهم فسوف يواجهون في النهاية مشاكل الحكم غير الكفء وغير المستقر التي قضت على معظم المستبدين.
جدول 1.2 تقسيمات فيبر لأشكال السلطة
النوع القاعدة المثال
تقليدي العرف والطرق الراسخة لعمل الأشياء الملكية
كاريزمي التزام قوي جداً تجاه القائد ورسالته عدد من القادة الثوريين
قانوني عقلاني القواعد والإجراءات – المنصب لا الشخص البيروقراطية
7- الشرعية
تعتبر الشرعية مصطلحاً مماثلاً للسلطة، فهي تشير أيضاً إلى القوة المشروعة. ويكمن الفرق في أننا نستخدم عادة مصطلح “الشرعية” في مناقشة نظام حكومي بكامله بينما تشير السلطة في الغالب إلى مناصب محددة ضمن الحكومة. ولذلك فإننا نميل للحديث عن شرعية النظام لكننا في المقابل نتحدث عن سلطة المسئول.
ومما يزيد في الغموض أن الشرعية تستخدم بطريقتين مختلفتين من قبل منظري وعلماء السياسة. فمنظري السياسة يهتمون بالمبادئ حيث يرون أن حكومة ما تكون شرعية إذا كان تعمل وفق بعض المبادئ الأخلاقية – على سبيل المثال أنها كانت منتخبة بطريقة عادلة. أما علماء السياسة من الجانب الآخر فهم يهتمون بالسياسة كما هي ، حيث يقولون بأن حكومة ما تكون شرعية إذا كان مواطنوها يعتبرونها كذلك، وأن الحكم الديمقراطي يمثل مؤثراً واحداً فقط على الشرعية وفقاً لوجهة النظر هذه. فعلى سبيل المثال، لم يكن أحد يصف إيران في ظل آية الله الخميني على أنها نظاماً ديموقراطيا، ومع ذلك فقد جاء الخميني إلى السلطة من خلال ثورة شعبية مما أعطى نظامه شرعية مهمة على الأقل في بداية الثورة. لكن هذه السلطة قامت على مبادئ إسلامية وليس ديموقراطية.
كذلك من المهم أن نميز بين الشرعية والقانونية، فالشرعية تشير إلى ما إذا كان الناس يقبلون شرعية القانون بينما تشير القانونية إلى ما إذا كان القانون صادراً طبقاً لإجراءات صحيحة كما هو مبيناً في الدستور عادة. ويمكن للتنظيمات أن تكون قانونية دون أن تكون شرعية، فعلى سبيل المثال كانت الأغلبية السوداء تعتبر وبحق أن قوانين نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا غير شرعية على الرغم من أنها كانت قد صيغت طبقاً لدستور البلاد آنذاك.
وبالمقابل فإن تصرفاً غير قانونياً ينظر اليه في بعض الأحيان على أنه تصرف شرعي من قبل بعض شرائح السكان على الأقل وخاصة عندما يأخذ ذلك التصرف شكل الاحتجاج السلمي لتحقيق هدف مشترك. فقد وفرت حالات العصيان المدني في القرن العشرين قوة بناءه لأحداث التغيير السياسي المطلوب حول العالم. حيث ساهمت في نشوء حركات الدعوة إلى المساواة في حقوق التصويت والاستقلال القومي من الحكم الاستعماري. ويدل نجاح تلك الحركات على أن الشرعية مختلفة عن ، وأكثر أهمية وأساسية، من القانونية.
خلاصة
1 – السياسة هي العملية التي من خلالها تقوم الجماعات بصنع قرارات جماعية مشتركة. وتنبع نكهة السياسة من حقيقة أن أعضاء جماعة ما نادراً ما يتفقون على القرارات التي ينبغي الوصول إليها. ومع ذلك فإن دراسة السياسة لا تقتصر فقط على الخلاف إذ أنها أيضاً تتعلق بكيفية حل الخلاف.
2 – كل المجتمعات تقريباً تطور مؤسسات متخصصة للتوصل إلى قرارات جماعية مشتركة، والحكومة هي جهاز لصناع القرار للمجتمع بكامله، وتشكل الحكومة عنصراً أساسياً للدولة التي تعتبر مصطلحاً أوسع من الحكومة. كذلك تمتد حدود الدولة لتشمل تلك المؤسسات التي تقدم النصح للحكومة (مثل البيروقراطية) فضلاً عن تلك التي تقوم على تطبيق القوانين (مثل الشرطة).
3 – يمكننا أيضاً أن نعرف السياسة على أنها ذلك الجهاز الذي يمتلك السيادة بشقيها الداخلي والخارجي، وتشير السيادة الداخلية إلى الحق في إصدار القوانين للبلاد، أما السيادة الخارجية فتتبع للجهاز الذي يعترف له دولياً بحق الاختصاص القضائي والتشريعي على الإقليم. وتؤكد النظرية التقليدية للسيادة على أن السيادة يجب أن تكون مقصورة على كيان وحيد، ومع ذلك فإن انتشار القوة وتشتتها داخل البلدان وازدياد الاعتماد المتبادل بينها يشير إلى أن هذه النظرية قد أصبحت أقل أهمية.
4 – بشكل عام فإن القوة هي القدرة على الحصول على ما نريد، وهذا يمارس في الغالب من خلال استخدام القوة على الآخرين، وهذا بدوره يأخذ أشكالاً متعددة منها استخدام العنف، التفاوض وخلق الالتزامات.
5 – تمثل النخبوية والتعددية نموذجين رئيسيين لكيفية توزيع القوة في مجتمعات كبيرة. وتشير النخبوية إلى وجهة النظر القائلة بأن أقلية صغيرة تهيمن على كل الحكومات حتى الديموقراطية منها، اما التعددية فتشير إلى وجهة النظر التي تقول بأن عدة جماعات مختلفة تؤثر على القرارات حتى لو لم تحكم الأغلبية ومن ثم فإن التعددية هي حكم الأقليات وليس حكم نخبة صغيرة واحدة.
6 – السلطة هي الحق في الحكم، وطبقاً لفيبر فإن السلطة يمكن إرجاعها إلى التقاليد أو الكاريزما أو القانون. وتتميز المجتمعات الحديثة بالسلطة القانونية. وتتمثل المهمة الرئيسة للحكام الجدد في تحويل القوة إلى سلطة، والتي تتم في الغالب من خلال تقديم خدمات لهؤلاء الذين يحكمونهم. وعندما يخفق الحكام في ذلك فإنهم يفقدون السلطة في الغالب.
7 – الحكومة الشرعية هي تلك التي يعترف لها الناس الذين تحكمهم بسلطتها. والشرعية لا تقوم على الانتخابات فقط بل يمكن أن تستند إلى التقاليد والدين والنجاح الاقتصادي والعسكري. وبالتالي فإن الشرعية تختلف عن القانونية، فالقانون الذي يتمتع بالشرعية هو الذي يشعر الناس بالإلتزام بطاعته، والتنظيم هو الذي يتم إصداره وفقاً للإجراءات الدستورية.

الحراك السياسي…

كاتب الموضوع الأصلي: فيصل عبدالله 20

الحراك السياسي في مصر الكنانة، حلقة من حلقات إجهاض الثورة وتيئيس الناس
الكاتب: م/ علاء الدين الزناتي
مقالات – 2013/07/01متمر مصر الكنانة بأحداث سياسية متعاقبة تتزايد وتيرتها حيناً وتخفت حيناً، ولكنها ما بين التزايد والخفوت تهدف إلى هدف واحد، وهو استمرار إحكام القبضة الأمريكية على مصر والحرص على عدم خروجها عن الطوع. ولإدراك أمريكا والغرب كله من ورائها أن التحرير التام لمصر الكنانة والانفكاك من التبعية الأمريكية إنما هو بتوجه إرادة أهلها المسلمين نحو تحكيم الشرع وتمكين الإسلام في دولة إسلامية تحكم بنظام الخلافة، ولإدراك أمريكا والغرب من ورائها أن توجه المسلمين نحو هذه الغاية هو أقرب من ردة الطرف لو خلوا بينهم وبين إسلامهم، قامت أمريكا باحتواء ثورة الناس في مصر الكنانة والالتفاف عليها وإجهاضها، مستخدمة أدواتها وحلفائها، وأساليبها الخبيثة، في وضع الناس في مصر بين المطرقة والسندان، مطرقة معارضة تثير الفزع في الناس من الإسلام والإسلاميين، وتشويه صورة الإسلام بادعاء وجوده في الحكم لمجرد وجود ملتحين محسوبين على الإسلاميين على رأس النظام الجمهوري العلماني الذي يخالف الإسلام عقيدة وشريعة، وسندان إسلاميين يستدعون المسلمين للدفاع عن مشروع إسلامي متصور أو متوهم ولا وجود له، بل على العكس مع الفارق، فهو ليس مشروعاً إسلامياً بل هو نفس النظام القديم الذي كان حكامه السابقون لا يطبقون شرع الله معلنين ذلك بكل تحدٍ وواقحة، والحكام الحاليين لا يطبقونه بشيء من الحياء مبررين ذلك بالاعتدال والوسطية التي لا تغضب أمريكا ولا كيان يهود، فتحفظ له حدوده ومصالحه، وليت أمريكا ويهود يرضيان بذلك، ولكن هيهات هيهات.

والإسلام إسلام واحد لا يوصف بالمعتدل أو الوسطي أو المتطرف، فبين هذه المطرقة وهذا السندان يتم تيئيس الناس وإحباطهم لإجهاض ثورتهم ضد الظلم والطغيان الناتجين عن الهيمنة الأمريكية على النظام في مصر، وكان لابد لأمريكا من إجهاض الثورة، ومعاقبة أهل مصر على تجرؤهم على كسر حاجز الخوف، ومحاولة الانعتاق من السيطرة الأمريكية.

أيها المسلمون في مصر الكنانة!

إننا في حزب التحرير نناشدكم أن يكون تمردكم وتجردكم لله، فلا تتمردوا ولا تثوروا إلا من أجل إقامة شرع الله وتمكين دينه في مشروع إسلامي حقيقي يحقق السعادة في الدنيا والآخرة، وهو مشروع الدولة الإسلامية دولة الخلافة، التي يعمل حزب التحرير لإقامتها، فلقد جربتم الثورة دون أن يكون لكم قيادة فكرية نحو مشروع حقيقي للنهوض بمصر الكنانة، ولذا سهل على أمريكا إحتواء ثورتكم والالتفاف عليها والآن يتم إجهاضها، فاجعلوا تمردكم وثورتكم لله! وتبنوا البديل الأمثل الذي يرضي الله بإقامة نظام حكم الإسلام نظام الخلافة. وتجردوا لله في ثورتكم لشرع ربكم ولا تخشوا في الله لومة لائم! ولا يشغلنكم عن الخلافة بديلاً جمهورياً ولا ديمقراطياً، واعلموا أن عاقبة الأمور لله، يقول تعالى ((وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ)) ويقول تعالى ((الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ)). فلا ولاية ولا نصرة إلا في هدى الله، وله وحده نقيم أحكامه ونأمر بالمعروف وننهى عن المنكر ولا نحسب لذلك عواقب الأمور فهي لله وحده.

أيها المسلمون في مصر الكنانة!

إننا نناشدكم بالله أن ترعوا الدماء والأموال، وعدم ترويع الآمنين، فإن دماءكم واموالكم عليكم حرام، ودماء وأموال أهل ذمتنا علينا حرام، فلا يغرنكم دعاوي العصبية والوطنية، فالله سبحانه وتعالي يقول ((وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيما))، ويقول صلى الله عليه وسلم «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر»، ويقول صلى الله عليه وسلم «لزوال الدنيا أهون على ألله من قتل مسلم» ويقول صلى الله عليه وسلم أيضاً «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار».

ونناشدكم العمل مع حزب التحرير تمرداً على الهيمنة الأمريكية والغربية وتسلطها على بلادنا ، وتجرداً لله وحده فلا نقبل سوى شرعه وتحكيمه تحكيماً كاملاً شاملاً في دولة إسلامية تحكم بنظام الخلافة.

علمية علم السياسة

كاتب الموضوع الأصلي: راشد سعد القحطاني

الاسم / راشد سعد القحطاني
الرقم الجامعي / 430106599
المادة / فكر غربي 2 (320)

علمية علم السياسة
ما العلم؟
من الواضح أننا نعيش اليوم في عصر العلم لكن برغم تغلغل العلم في كل شئون حياتنا والاحترام الواسع الذي يلقاه إلا أن هناك درجة غريبة من سوء الفهم حول ما يعنيه مصطلح العلم بالتحديد. فالعلم مرتبط في الأذهان بالعاملين في المختبرات ذوي المعاطف البيضاء ،وبالأجهزة المختبرية المعقدة، وبالنماذج الرياضية الدقيقة ومع ذلك فإن المصطلح لم يعط في الواقع تعريفا واضحا يستطيع من خلاله الواحد منا تمييز ما هو علمي وما هو غير ذلك. فبرغم أن لدينا حدسا مبدئيا عن ماهية العلم إلا أن تعريفه الدقيق يضللنا. وهناك بشكل عام طريقتان مختلفتان لتعريف العلم.
الأولى والأوسع استخداما للمصطلح تعرّف العلم على أنه “أي ترتيب نظامي للمعرفة المكتسبة والذي يشمل الدراسة المعمقة لموضوع ما ثم وضع ما تم تعلمه وفق نوع من الترتيب العقلاني. حيث يتم تصنيف المعرفة المكتسبة أو ربطها بأجزائها المختلفة من خلال برنامج عقلي مدروس. ويعتبر العلم من هذا المنظور سمة لكل الحقول الأكاديمية ومن بينها الفلسفة والعلوم الاجتماعية والرياضيات، فضلا عن كل محاولات وضع المعرفة الإنسانية في ترتيب نظامي.
أما الطريقة الثانية فهي التي تعّرف العلم من خلال ربطه بالمنهجية العلمية أو التجريبية. وتكاد تنحصر المنهجية العلمية في استخدام المعلومات التجريبية بهدف بناء نظريات قادرة على التفسير والتنبؤ.2
ويجب النظر إلى هذا التعريف وبعض مصطلحاته بعناية فائقة حتى نفهم ما هي المنهجية العلمية. أحد هذه المصطلحات هو المعلومات التجريبية. فالمعلومة التجريبية هي حقيقة محددة بدقة ويمكن ملاحظتها بواحدة أو أكثر من حواسنا الخمس. ومن ثم يمكن التأكد من صحتها من قبل إي شخص. وينبغي الإشارة هنا إلى أن الاعتماد على المعلومات التجريبية فقط يعني استثناء كل القيم والأحكام الأخلاقية حول الصواب والخطأ والحسن والقبيح فضلا عن الاستنتاجات التي يتم التوصل إليها دون التمكن من إعادة التأكد منها.
ويجب النظر إلى هذا التعريف وبعض المصطلحات فيه بعناية فائقة حتى نفهم ما هي المنهجية العلمية. أحد هذه المصطلحات هو المعلومات التجريبية .والمعلومة التجريبية هي حقيقة محددة بدقة ويمكن ملاحظتها باستخدام واحدة أو أكثر من حواسنا الخمس و بالتالي يمكن التأكد منها من قبل أي فرد . ويبغي الإشارة هنا إلى أن الاعتماد فقط على المعلومات التجريبية يعني استثناء كل القيم والأحكام الأخلاقية حول الصواب والخطأ والحسن و القبيح فضلا عن الاستنتاجات التي نتوصل إليها لكن لا يمكن التحقق من صحتها. ولا تقتصر المنهجية العلمية على جمع الحقائق التجريبية لكنها تحاول استخدامها في صياغة نظريات للتفسير والتنبؤ من خلال خمس خطوات أساسية
1. تجميع الحقائق التجريبية حول موضوع معين.
2. دراسة هذه الحقائق بهدف اكتشاف أنماط الاختلاف والتشابه وهو ما يعرف بالتعميم
3. صياغة الفرضيات التي تفسر لماذا تعتبر التعميم الملاحظ صحيحا
4. اختبار الفرضية من خلال ملاحظاتها مرات عدة تحت ظروف مختلفة. والفرضية المتحقق منها تعتبر نظرية.
5- استخدام النظرية للتوقع أو التنبؤ مع التحقق من صحة التنبؤات من خلال ملاحظة العالم الحقيقي ومن ثم إجراء التعديلات المطلوبة عند الحاجة.
ما مدى علمية علم السياسة ؟
هناك شبه إجماع بين علماء السياسة على أن علم السياسة يعتبر علما من المنظور الأول لأنه يحاول أن ينظم معرفتنا بالعالم السياسي ويضع هذه المعرفة في ترتيب عقلاني. فحقائق علم السياسة توضع بشكل منظم وليست مجرد تجميع عشوائي لأجزاء المعرفة.
ومع ذلك فليس هناك نفس درجة الإجماع حول ماذا كان علم السياسة هو علم من منظور المنهجية العلمية أو حتى ماذا كان ينبغي محاولة تطبيق تلك الطريقة عليه. وهناك على وجه التحديد أربع من المشاكل العملية التي تواجه محاولات تطبيق المنهجية العلمية لدراسة المؤسسات الإنسانية والسلوك الإنساني هي:
1- استحالة الفصل التام بين شخصية وقيم عالِم السياسة وموضوع الدراسة وذلك لأنه يدرس مؤسسات إنسانية تؤثر عليه شخصيا أو سلوك إنساني يكون هو جزء منه. فعالم الفلك مثلا الذي يحاول تحديد المسافة بين كوكبين في النظام الشمسي لا تتأثر نتائجه بمصالحه الشخصية بعكس اليهودي الأمريكي الذي يحاول تحليل السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط.
2- استحالة إخضاع الظاهرة السياسية للتجربة المعملية. لا يستطيع عالم السياسة أن يسيطر على كل المتغيرات المؤثرة على المشكلة المدروسة بنفس الطريقة التي يقوم بها عالم الكيمياء مثلا.
3- مشكلة القياس في العلوم الاجتماعية. ففي العلوم الطبيعية هناك مقاييس واضحة ومحددة للمسافة والوزن والكتلة والزمن وغيرها تمكن من التوصل إلى وصف دقيق للبيئة الطبيعية، أما العلوم الاجتماعية فلا يقتصر اهتمامها على المسائل المادية المتعلقة بالمسافة والزمن والوزن و إنما كذلك بما يمكن أن يطلق عليها الأبعاد العقلية والروحية والنفسية للوجود الإنساني, وهذه الأبعاد لا يمكن قياسها بنفس الدقة والبساطة المتوفرة في العلوم الطبيعية.
4- وحتى عندما لا تمثل المقاييس مشكلة وحتى عندما تكون كل المتغيرات تحت السيطرة يبقى هناك في الغالب عدد كبير من المتغيرات يستحيل قياسها أو أخذها في الاعتبار . باختصار هناك عدد لا نهائي من المتغيرات المؤثرة على موضوع الدراسة مما يستحيل على الباحث أن يحدد ويقيس كل تلك المتغيرات.
ونتيجة لهذه المشاكل العملية الأربع هناك من تساءل عن قدرة علم السياسة على اكتشاف تعميمات وتطوير نظريات لها قدرة تفسيرية و تنبؤية فبعد كل شيء يزعم هؤلاء أليس كل إنسان وكل تصرف إنساني يعتبر فريدا من نوعه؟ فكيف يمكن إذا التوصل إلي أي نوع من التعميم أو النظريات ؟ إلا أنه وبرغم هذه المشاكل فإن عالم السياسة لا زال بإمكانه أن يقوم بدراسة علمية مجدية وأن يستفيد من المنهجية العلمية , إذا كان متيقظا وحذرا من أن تؤثر قيمه و تفضيلاته على موضوع الدراسة. كذلك مع أن عالم السياسة لا يستطيع في الغالب أن يقيس أو يتحكم في المتغيرات بنفس الدقة التي يقوم بها عالم الكيمياء مثلا إلا أنه يستطيع أن يتحكم ويقيس بدقة كثير من المتغيرات الهامة في دراسته.
والخلاصة أن علم السياسة يعتبر علما عند الأخذ بالمنظور العقلاني المرتب لدراسة الظاهرة السياسية كما يعتبر علم السياسة و إلي حد ما علم بمعنى المنهجية العلمية .
فروع علم السياسة الحديث
هناك اليوم عدة فروع أو حقول ضمن علم السياسة الحديث، أهم تلك الفروع هي النظرية السياسية والفلسفة السياسية، والحكومات، والسياسية المقارنة، والإدارة العامة والسياسة العامة، والعلاقات الدولية، والمنهجية وطرق البحث.
1 – النظرية السياسية والفلسفة السياسية وهما مصطلحان يستخدمان غالباً بشكل متبادل. ويهتم العلماء في هذا النوع بالأسئلة المتعلقة بالأحكام القيّميه وتاريخ وتطور الأفكار لكبار المفكرين السياسيين. وأحياناً يطلق على الفلسفة السياسية نظرية القيمة أو النظرية المعيارية (لتمييزها عن النظرية العلمية/ التجريبية) وذلك لأنها تهتم أساساً بالقيم، والمعايير، والمبادئ الأخلاقية (الفضيلة). وتحاول هذه النظرية أن تفحص العلاقات بين الحقائق والقيم، والآراء، وتعتبر النظرية جزءاً مهماً من علم السياسة لأنها تستخدم في شرح الظاهرة السياسية والتنبؤ بها. كذلك يهتم الفلاسفة السياسيون بالابستمولوجيا – أي أصل وطبيعة وحدود المعرفة.
2 – الحكومات يشكل موضوع الحكومات فرعاً كاملاً في علم السياسة وفي هذا الحقل يدرس العلماء بناءات ووظائف الحكومات في مستوياتها المختلفة وعادة ما يكون ذلك ضمن إطار بلد واحد، فضلاً عن دراسة المؤسسات مثل مؤسسة الرئاسة أو رئاسة الوزراء. ويهتم المختصون في هذا الحقل كذلك بتحليل السلوك السياسي لمجال واسع من المشاركين في العملية السياسية.
3 – السياسة المقارنة وهو فرع واسع جداً يحتوي ضمنه فروعاً تابعة، ويهتم هذا الفرع وإلى حد كبير بدراسة السياسة الكلية Macro-politics للدول. أما اهتمامه الرئيس فيتعلق بمقارنة سياسة وحكومة دول مختلفة. وتحت لواء هذا الفرع ينضوي عدد من المتخصصين في المناطق المختلفة الذين يركزون على مناطق محددة مثل الشرق الأوسط، الدول النامية، أمريكا الشمالية وغيرها، بالإضافة إلى أولئك الذين يضعون دراساتهم في إطار الممارسات والبناءات السياسية المتنوعة للعالم ككل. وللدراسات المقارنة أهمية كبيرة في علم السياسة فمن خلال المقارنة فقط نتستطيع أن نفهم ونقّيم مزايا أو مشاكل نظام سياسي معين. كذلك تعتبر المقارنة جزءاً مكملاً لكل الأبحاث التجريبية العلمية.
4 – الإدارة العامة والسياسة العامة يهتم كلا الحقلان بدراسة الجوانب الإدارية للحكومة. فالسياسة العامة تركز على تحليل وتقويم السياسات في مجالات مثل الدفاع، الصحة، التعليم وتنمية الموارد، أما الإدارة العامة فتهتم أكثر بكيفية صياغة تلك السياسات وتنفيذها ضمن البناء البيروقراطي الضخم للحكومة.
5- العلاقات الدولية يركز حقل العلاقات الدولية على السياسة الخارجية للدول والمنظمات الدولية والقانون الدولي لفهم طبيعة التفاعل بين الدول والعوامل الأخرى في المجتمع الدولي. ويهتم العلماء في هذا الحقل بشكل خاص بموضوعات من مثل التحكم في النزاعات بين الدول. كما أن هناك تأكيداً على أهمية الاقتصاد في مدرسة الاقتصاد السياسي الدولي الذي يعتبر جزءاً من هذا الفرع.
6- المنهجية تهتم المنهجية في علم السياسة بالنظرية التجريبية أو العلمية، حيث يطور المختصون في هذا الفرع إقترابات وتقنيات لاستخدامها في كل جوانب علم السياسة، وهم مهتمون على وجه الخصوص بدراسة السياسة بصرامة ودقة شبيهة بما يحدث في العلوم الطبيعية. ويميل المنهجيون إلى العمل في مجالات التحليل الإحصائي، تقنيات استطلاعات الرأي ، وعلم الكمبيوتر، أو دراسة المعرفة epistemology (كيف نعرف ما نعرفه) وفلسفة العلم (الافتراضات والمبادئ الأساسية للعلم).
خلاصـــــــة :
لقد اتسع نطاق اهتمام علم السياسة بشكل كبير منذ أن أعترف به رسمياً كحقل أكاديمي في بداية القرن العشرين، وكثير من الأبحاث اليوم تنفذ لكي تكون وثيقة الصلة بالمشاكل الداخلية والدولية الحالية. وهذا الاتجاه ملحوظ بشكل جلي في فرع السياسة العامة الحديث نسبياً الذي يركز على شرح فعل الحكومة داخلياً ودولياً.
وكما هو الحال مع الانقسام العام للمعرفة إلى ثلاثة فئات : علوم طبيعية، علوم اجتماعية، وعلوم إنسانية فإنه من المؤكد أن هذه الفروع في علم السياسة هي تصنيفات مصطنعة، فهناك تداخل كبير في الاهتمامات بينها. فموضوعات مثل السلوك، الأحزاب، أو العنف والثورات تدرس من قبل متخصصين في عدد من تلك الفروع المختلفة وكل يقدم خبرته من منظور مختلف كما يفترض افتراضات فريدة ويستخدم اقترابات مختلفة.

علاقة علم السياسة بالعلوم الأخرى :
نظراً لأن كل شيء تقريباً يخضع للسياسة فإن دراسة السياسة تعني دراسة كل شيء تقريباً. ولذا يعتبر علم السياسة من أكثر العلوم انفتاحاً على العلوم الأخرى وتداخلاً معها وخاصة العلوم الاجتماعية.
1 – التاريخ
يعتبر التاريخ أحد أهم المصادر الرئيسة للمعلومات بالنسبة لعالم السياسة، فعندما نناقش سياسة النازية في ألمانيا أو نمو السلطة التنفيذية في الولايات المتحدة في ظل حكم الرئيس فرانكلين روزفلت أو حتى ظاهرة الحرب الباردة فنحن ندرس التاريخ. إلا أن المؤرخ وعالم السياسة يبحثان عن أشياء مختلفة ويتعاملان مع المعلومات بطرق مختلفة. فالمؤرخ يدرس دائماً جزء أو حقبة، بتفصيل دقيق باحثاً في كل الوثائق والأرشيف والسير الذاتية التي يمكن أن يجدها حول هذا الموضوع وبالتالي يجمع كم كبير من المعلومات التي تركز على نقطة أو جزئية واحدة فقط دون أن يستطيع توفير تعميمات حولها. أما في علم السياسة فإننا يمكن أن نقوم بدراسة دقيقة لحقبة زمنية معينة كذلك لكن عالم السياسة كثيرا
ما يلجأ إلى مقارنة نتائج تلك الدراسة مع دراسات أخرى في نفس الحقبة أو في أماكن أخرى بغرض التوصل إلى جوانب التشابه والاختلاف. ولذلك فعندما يلجأ بعض المؤرخين إلى الدراسات المقارنة فإننا نطلق عليهم علماء سياسة.
2- الجغرافيا البشرية
لم يكن موضوع الجغرافيا يحظى بالاهتمام الكافي من قبل علماء السياسة برغم أنه يؤثر على دراستهم بشكل يفوق التصور، فالمكونات الإقليمية للسلوك الإنساني – مثل الحدود، والمناطق العرقية، تدفق التجارة، مركزة السلطة، والمناطق – لها آثار سياسية واضحة. فالاضطرابات في شمال إيرلندا، الشيشان والعراق، وافغانستان تعتبر مشاكل جغرافية، ولذا أصبح هناك اهتماماً متزايداً اليوم باستخدام الخرائط لدراسة وتفسير الاختلافات السياسية الإقليمية.
3- الاقتصاد
يدّعي بعض الاقتصاديين بأن الاقتصاد هو موضوع الاهتمام الرئيس للسياسة. (برغم أن علماء السياسة يدّعون العكس)، وصحيح أن كثيراً من الخلافات السياسية هي في الحقيقة اقتصادية (من يحصل على ماذا؟). كذلك يمكن أن تكون التنمية الاقتصادية الكلية شرطا أساسيا لنجاح الديموقراطية، فقليل جداً من الدول الفقيرة تعتبر ديموقراطية، كما أن التراجع الاقتصادي يمكن أن يهدد الديموقراطية القائمة كما كان عليه الحال في الرايخ الألماني وربما اليوم في روسيا.
ما هي السياسات التي تشجع التنمية الاقتصادية ؟ ما هو الدور الذي يجب أن تلعبه الحكومة؟ ماذا يمكن أن تفعله العملة الأوروبية الجديدة للوحدة الأوروبية؟ باختصار عندما يتحول الاقتصاد إلى مسائل متعلقة بالسياسة يصبح عندئذ اقتصاد سياسي.
وهناك اليوم مدرسة جديدة نسبياً في علم السياسة هي “نظرية الاختيار العقلاني” متأثرة بالنظرة الاقتصادية تؤكد أن البشر يفعلون ما يحقق مصالحهم.
4- علم الاجتماع
يتداخل علم الاجتماع مع علم السياسة في بعض الأحيان فعالم الاجتماع سيمور مارتن ليبست يصنف في نفس الوقت على أنه عالم سياسة، بل أنه أول من أوضح العلاقة الوثيقة بين الديموقراطية ومستوى الثروة. بل أن علم السياسة يبدأ تقليدياً بالنظر إلى المجتمع لمعرفة “من يفكر في ماذا” عن السياسة، ولذلك ومن خلال التدليل على كيفية اختلاف وجهات النظر السياسية بين الطبقات الاجتماعية، المناطق، الأديان، الجنس ومجموعات الأعمار يوفر علم الاجتماع أساساً تجريبياً لدراسات الثقافة السياسية، الرأي العام، والانتخابات.
5- الانثربولوجيا
للوهلة الأولى يبدو أن الدراسات الانثربولوجية التي تركز تقليدياً على المجتمعات البدائية ليست مهمة بالنسبة لعلم السياسة إلا أن تقنيات الوصف والمقابلات الانثربولوجية قد تم تبنيها وتوظيفها بشكل مكثف بواسطة علماء السياسة. بل أن حقل الثقافة السياسية يمكن أن ينظر إليه على أنه فرعاً من الانثربولوجيا. فأنماط الإذعان والاحترام اليابانية مثلاً التي لا نزال نلاحظها حتى اليوم تعود جذورها إلى أكثر من ألف سنة. كذلك لا تزال بعض النظم السياسية الحالية تحتفظ بالقوة السياسية فيها لعائلات أو عشائر قوية تقليدياً، ففي وسط آسيا استمرت عائلات الأمير التي حكمت في ظل دولة الفرس، واستمرت بعد ذلك، بقيت أيضاً في ظل حكومات القيصر والشيوعية وحتى في الدول التي استقلت من الاتحاد السوفيتي حديثاً هناك. أما في أفريقيا فإن التصويت والعنف يتأثران بالانقسامات القبلية ويأتيان انعكاساً لها.

6- علم النفس
يسهم علم النفس وخاصة علم النفس الاجتماعي بشكل كبير في فهم علم السياسة وخاصة فيما يتعلق بالشخصيات التي تحتذيها السياسة ولماذا وتحت أية ظروف يذعن الناس لرموز السلطة وكيف يمكن للناس أن يكّونوا ارتباطاتهم القومية والجماعية والتصويتية. فالدراسات التي تتناول هتلر و ستالين و ماو تعتبر دراسات نفسية تقريباً. كذلك فإن علماء النفس يعتبرون من أفضل أصحاب الطرق المنهجية في العلوم الاجتماعية أي أنهم يبتكرون طرقاً لدراسة الأشياء بمصداقية أكبر وبتحيز أقل ويعلموننا بأن نشكك في كثير من المزاعم. بل أن طرح الأسئلة بطريقة عفوية والتحكم في عوامل محددة هي أساليب تم تطويرها في حقل علم النفس.
مستقبل علم السياسة الحديث :
أن مسحاً للمجلات الأكاديمية اليوم يشير إلى وجود كل من الدراسات المستندة على تطبيق صارم للمنهجية العلمية بجانب الدراسات الوصفية المحضة التي تهتم بمتابعة التغير في المؤسسات والعمليات. هذا الوضع المركب دفع بعض المعلقين إلى أن يطلق عليه فترة ما بعد السلوكية في علم السياسة حيث اصبحوا مقتنعين بأن علم السياسة يستطيع و ينبغي له أن يستوعب اقتراباً علمياً للحقل فضلا عن اهتمامه بمبادئ الأخلاق، الحكمة والقيم.
ويمكن تصنيف معظم علماء السياسة اليوم كعلماء مرنين Soft ، فهم يوافقون على أن الاقتراب الذي يستخدمه عالم السياسة تجاه الموضوعات المطروحة يحدد نوع الأسئلة الموجهة والمنهجية المستخدمة للدراسة. ويعترف علماء السياسة “المرنين” أنه يجب أن يتم توظيف العمل الوصفي الأساسي لمتابعة وتسجيل التغيرات في المجتمعات والمؤسسات السياسية وأننا بحاجة للملاحظات الحدسية لتكمل الدراسات التجريبية للحصول على تصور كامل عن المجتمع بكامله. وفي نفس الوقت، فإن “الاتجاه المرن يستند على التزام جوهري بالمبادئ الأساسية للعلم”(3) فعلم السياسة الحديث يحاول اكتشاف تعميمات وتشابه في السلوك الذي يحكم العملية السياسية. إلا أن هذا ليس بالأمر اليسير لأنه يتعلق بالسلوك الإنساني الذي تؤثر فيه عوامل متعددة في كل حالة. وعلى علماء السياسة أن يتعاملوا مع التنوع الحادث طبيعياً في العالم الحقيقي، فهم لا يستطيعون خلق ظروف تجريبية والسيطرة عليها.
فالملاحظات الوصفية غير المقصودة ليست جزءاً من علم السياسة ويجب على المحلل أن يتبع التقاليد العلمية، فعلى سبيل المثال يجب على دراسات علم السياسة أن تجمع أكبر عدد ممكن من الأدلة لتدعيم مزاعمها، وأن توضح منهجيتها، نتائجها واستنتاجاتها بجلاء وأن تلتزم بالأسس العلمية حتى تقترب الدراسة قدر الإمكان من هدف إمكانية التكرار. وعلماء السياسة، بصفتهم أعضاء في المجتمع العلمي، يتبنون منظوراً نقدياً عن أسباب ونتائج الظاهرة السياسية ويتعاملون مع المزاعم بنوع من الشك. وقد زعم كارل بوبر ، فيلسوف العلم الحديث، بأن العلم يتقدم نحو هدف مطلق ومع ذلك يمكن الوصول إليه : ونحو اكتشاف مشاكل جديدة وأكثر عمقاً وعمومية ونحو إخضاع أسئلتنا الأولية إلى امتحان متجدد دائماً بل وأكثر صرامة(4). أن رؤية العالم أو Paradigm التي تضفي الشرعية على الإجماع الأكاديمي حول ما يمثل بحثاً نموذجياً، تتغير باستمرار، كموضوع السياسة نفسها(5).
ومن المهم لطلاب السياسة أن يلقوا بالاً للاقترابات والطرق المختلفة المستخدمة من قبل علماء السياسة وإيجابيات وسلبيات كل منها، واليوم هناك تنوعاً كبيراً في فروع واقترابات حقل السياسة ويبقى مع ذلك خلافاً كبيراً في الحقل بين التوجهات “العلمية” و “الإنسانية” حيث تركز الأولى على شرح التنوعات العلمية بينما تركز الأخيرة على التفسيرات الإنسانية.

ثورة 25 يناير

كاتب الموضوع الأصلي: فيصل عبدالله 20

ثورة 25 يناير هي مجموعة من التحركات الشعبية ذات الطابع الإجتماعي والسياسي انطلقت يوم الثلاثاء 25 يناير 2011 (2011-01-25) الموافق 21 صفر 1432 هـ.[4] يوم 25 يناير الذي اختير ليوافق عيد الشرطة حددته عدة جهات من المعارضة المصرية والمستقليين، من بينهم حركة شباب 6 أبريل [5] وحركة كفاية وكذلك مجموعات الشبان عبر موقع التواصل الاجتماعي فيس بوك وتويتر والتي من أشهرها مجموعة «كلنا خالد سعيد» و«شبكة رصد» وشبان الإخوان المسلمين.[6][7][8] برغم التصريحات الأولية التي أشارت إلى أن الجماعة لن تشارك كقوي سياسية أو هيئة سياسية لأن المشاركة تحتاج إلي تخطيط واتفاق بين كافة القوي السياسية قبل النزول إلي الشارع، كانت الجماعة قد حذرت إذا استمر الحال على ما هو عليه من حدوث ثورة شعبية، ولكن على حد وصفهم «ليست من صنعنا».[9] جاءت الدعوة لها احتجاجًا على الأوضاع المعيشية والسياسية والاقتصادية السيئة وكذلك على ما اعتبر فسادًا في ظل حكم الرئيس محمد حسني مبارك.[10][11] [12] في عام 2008، قامت فتاة تدعى إسراء عبد الفتاح وكانت تبلغ حين ذاك من العمر 30 عاماً، من خلال موقعها على الفيسبوك، بالدعوة إلى إضراب سلمي في 6 ‬ أبريل 2008، احتجاجا على تدهور الأوضاع المعيشية، وسرعان ما لقيت دعوتها استجابة من حوالي 70 ألفا من الجمهور خصوصا في مدينة المحلة الكبرى. والنتيجة أن الإضراب نجح، وأطلق على إسراء في حينه لقب «فتاة الفيسبوك» و«القائدة الافتراضية»[13]، ومنذ عام ونصف قامت حركات المعارضة ببدء توعية أبناء المحافظات ليقوموا بعمل احتجاجات على سوء الأوضاع في مصر وكان أبرزها حركة شباب 6 أبريل وحركة كفاية وبعد حادثة خالد سعيد قام الناشط وائل غنيم والناشط السياسي عبد الرحمن منصور بإنشاء صفحة كلنا خالد سعيد على موقع فيس بوك ودعا المصريين إلى التخلص من النظام وسوء معاملة الشرطة للشعب.

أدت هذه الثورة إلى تنحي الرئيس محمد حسني مبارك عن الحكم في 11 فبراير 2011 (الموافق 8 ربيع الأول 1432 هـ) ففي السادسة من مساء الجمعة 11 فبراير 2011 أعلن نائب الرئيس عمر سليمان في بيان مقتضب تخلي الرئيس عن منصبه وأنه كلف المجلس الأعلى للقوات المسلحة إدارة شؤون البلاد.[14] وقد أعلنت أغلب القوى السياسية التي شاركت في التظاهرات قبل تنحي مبارك عن استمرار الثورة حتى تحقيق الأهداف الإجتماعية التي قامت من أجلها

الامارتان المتحدتان( ولاشيا ومولدافيا )

كاتب الموضوع الأصلي: علاء الصفيان ٦/٨٠

كان مطلع خمسينات القرن التاسع عشر يعتبر فترة عصيبة بالنسبة للقومية الرومانية, فقد أدى إخفاق ثورات 1848 إلى تجديد التدخل الروسي والعثماني في الشؤون الداخلية لكل من ولاشيا ومولدافيا. وبدا واضحاً أنه لم تقع أحداث دولية معينة تردع هاتين القوتين (روسيا والدولة العثمانية) سيكون تحقيق القومية الرومانية وتوحيد الإمارتين تحت حكم أمير أجنبي أمراً محتملاً. وفي هذا الخصوص وفرت حرب القرم فرصة ما لتحقيق هدف القوميين الرومانيين. إذ أن معاهدة باريس (1856) التي أنهت الحرب ضمنت أنه لا يمكن لروسيا منفردة تقرير شؤون الإمارتين, وأنه لا يمكن إعادة فرض السيطرة العثمانية مرة أخرى. ولنتذكر في هذا الشأن أن المعاهدة استبدلت بالحماية اروسية ضمان القومية الكبرى. ومن ناحية أخرى كان من شأن المنافسة بين تلك القوى وعدم الثقة المتبادل بينها ما يحول دون فرض نفوذ حقيقي من أي قوة دولية على الإمارتين. كما كان حييد البحر الأسود وتخلي روسيا عن ثلاثة مناطق جنوبي بساربيا لمولدافيا كان خطوة في صالح هدف الإمارتين.
يضاف إلى هذا أن معاهدة باريس أعطت نابليون الثالث إمبراطور فرنسا الفرصة لمساندة الوضع القومي في الإمارتين. ففي نهاية حرب القرم إحتلت القوات النمساوية والعثمانية أراضي الإمارتين. ومن ثم واجهت القوى الدولية مشكلة الإتفاق على ماهية النظام السياسي الذي يمكن أن يحل محل الحماية اروسية والهيئات التشريعية القائمة هناك. وكان واضحاً أن تلك القوى في مناقشتها لهذا الأمر كانت تراعي مصالحها في المنطقة, كان نابليون الثالث الذي ظهر ىنذاك بمظهر راعي الحركات القومية الأوروبية يؤيد توحيد الإمارتين توحيداً تاماً تحت حكم أحد أمراء أوروبا من خارج الإمارتين. وقد أيده في هذا أميراً بروسيا وبيدمونت وكان كل منهما يعيش حالة من الجيشان القومي, وكذا روسيا التي كانت قد ارتبطت بفرنسا فيما عرف ببداية فترة قصيرة من التعاون في الشؤون لدولية. غير أن الدولة العثمانية وقفت ضد هذه القوى جميعاً إذ كانت ترى في إتحاد الإمارتين إنتهاكاً للحقوق التي نصبت عليها معاهدة باريس (1856), وخطوة من شأنها أن تؤدي إلى إستقلالهما لا محالة. وقد وقفت النمسا إلى جانب الدولة العثمانية في هذا الأمر لأنها كاهنت تخشى أساساً من ضياع ترانسلفانيا منها في قابل الأيام حيث كان بنامج القوميين الرومانيين يضع في أولوياته ضم ترانسلفانيا لدولتهم الجديدة, وأما بريطانيا فكانت تعارض توحيد الإمارتين في البداية بدعوى المحافظة على وحدة الإمبراطورية العثمانية من أجل التوازن الدولي.
ولما عجزت القوى الدولية عن التوصل إلى تفاهم ما في إجتماعهم بباريس حول المسألة إتفقت على القيام بمحاولة لإستطلاع رغبات الرومانيين أنفسهم (أهالي الإمارتين), وتحقيقاً لذلك قررت تلك القوى إجراء إنتخابات لما يعرف بالديوان في كل إمارة (إي المجلس) للتعرف على إراء الناس في النظام الذي قد يمنح للبلاد. وعلى هذا وفي يوليو 1857 أجريت أول إنتخابات لكنها كانت مزورة حيث حصلت الدوائر المحافظة التي كانت ترغب في عدم توحيد الإمارتين على أغلبية ملحوظة في مولدافيا تحت الضغوط التي مارستها الحكوةمة العثمانية وجماعات أخرى ضد التوحيد. ولقد أدت هذه النتيجة إلى نشوء أزمة بين فرنسا الت يكانت ترغب في إعادة الإنتخابات وبين بريطانيا التي كانت لا تزال مهتمة أساساً بالمحافظة على وحدة الإمبراطورية العثمانية. وأخيراً وفي إطار من المساومة وافقت فرنسا على ألا تمارس أي ضغط من أجل توحيد الإمارتين, ووافقت بريطانيا على إجراء إنتخابات جديدة وهي الإنتخابات التي أجريت في سبتمبر 1857 وإنتهت بإختيار مرشحين وحدويين لعضوية الديوان في كل من الإمارتين سرعان ما إقتراعوا في أكتوبر على وحدة الإمارتين تحت حكم أمير غير روماني. ولكن ولأن القوى الدولية لم تكن تقبل هذا الحل فقد أقدمت الحكومة العثمانية على حل مجلس الإمارتين أي الديوانين المنتخبين, وأصبح الأمر في يد القوى الدولية من جديد.
على كل حال . . ففي مايو 1858 إجتمع ممثلو الدول العظمى في باريس لمناقشة المسألة الرومانية, وكانت فرنسا عند موقفها الأول المؤيد للوحدة على حين وقفت ضدها كل نم النمسا والدولة العثمانية. ثم تم التوصل إلى نوع من المساواة تمت صياغتها في ميثاق بتاريخ 19 أغسطس 1858 حل محل الهيئات التشريعية الأساسية القائمة ونص على تنظيم سياسي جديد للإمارتين بإسم “إتحاد إمارتي مولدافيا وولاشيا” مع بقائهما تحت السايدة العثمانية وبضمان القوى الدولية. كما نص الميثاق على إيجاد مؤسسات متوازية في الإمارتين ولكن كل منهما منفصل عن الآخر فيكون لكل إمارة “خوسبدار” ورئيس في فوكشاني Focsani ومحكمة إستئناف واحدة. وإستمر العمل بنظام إنتخاب الخوسبدار بواسطة جمعيات خاصة ويوافق عليه السلطان, على ا، تتوزع السلطة التشريعية بين الجمعية التشريعية في كل إمارة والهيئة المركزية في فوكشاني. وتقرر إنتخاب أعضاء الجمعيتين كل سبع سنوات, ويكون الوزراء في كل إمارة مسئولون أمام الجمعية, ويكون من صلاحية كل جمعية ضبط الموازنة المالية والضرائب. ولأن الإنتخابات تمت على أسس محددة غاية في التقييد فإن الأعضاء الذين فازوا كان يعني إستمرار سيطرة البويار (أي كبار الملاك) على أمور الدولة العثمانية.
ولقد تضمن الميثاق الجديد عدة تعديلات على نظام الأراضي حيث نصت المادة 46 منه على “إلغاء كل المميزات والإستثناءات والإحتكارات التي تتمتع بها طبقات معينة, وتعديل القانون الذي ينظم علاقات أمراء الإقطاع بالفلاحين فوراً من ا<ل تحسين أحوال الفلاح”. كما نصت المادة نفسها على “أن كل المواطنين متساوون في الخضوع للضرائب وفي العمل في الوظائف العامة في كل من الإمارتين, وأن حرياتهم الفردية مضمونة ومصونة”.
ورغم أن ميثاق 19 أغسطس كان علامة متقدمة على طريق الوحدة, إلا أنه فيما يبدو لم يحقق رغبات القوميين والعناصر السياسية الأكثر نشاطاً في كل من الإمارتين. ومع ذلك فقد رحبت تلك العناصر بإنشاء الهيئة المركيزة في فوكشاني لإصدار تشريعات للإمارتين بعد عرض كل تشريع على الجمعية المختصة في كل إمارة, وكذا موافقة القوى العظمى بشأن مسألة الوحدة الرومانية فإن نصوص ميثاق 19 أغسطس تصبح أفضل شيئ كان يمكن التوصل إليه في مثل تلك الحالة.
وبتوثيق الميثاق بدأت الإمارتين تستعدان للإنتخابات لإختيار الخوسبدار الجديد لكل منهما. وقد جرت الإنتخابات كما كان الحال في المرات السابقة وسط فوضى وإتهامات متبادلة بين المرشحين, وكل إمارة كانت تحت مسئولية قائمقام بثلاثة أشرطة. والحقيقة أن وظائف كل من هذه الهيئات لم تكن واضحة, وكان أعضاؤها منقسمون بين أولئك الذين يرغبون في إقامة الوحدة وبين المحافظين الذين يرفضونها. وفي الأسبوع الأخير من ديسمبر أجريت في مولدايفا أول إنتخابات ورغم أن العناصر الوحدوية التي نجحت في الإنتخابات لم تهيمن على الجمعية التشريعية إلا أنهم نجحوا بلا شك في ضمان إنتخاب ألكسندر كوزا Cuza في 17 يناير 1859 (خوسبدار). وفي ولاشيا جرت الإنتخابات في مطلع فبراير ولم يفز الوحدويون لكن المحافظين إنشطروا بين المرشحين المتنافسين. وفي أثناء إجتماعات الجمعية التشريعية في بوخارست كانت المظاهرات الحماسية للوحدة تطوف بالشوارع مؤيدة للوحدويين داخل الجمعية. ورغم أن الأعضاء كانوا منقسمين على أنفسهم إلا أنهم إختاروا في النهاية كوزا وكان إنتخابه يعد نصراً للقيادات الليبرالية وخطوة كبيرة تجاه تحقيق برنامج ال 48 وبهذا إرتبطت الإمارتين برباط شخصي تمثل في شخصية كوزا.
وكانت النتائج التي أسفرت عنها الإنتخابات تعد تحطيماً لميثاق 19 أغسطس نصاً وروحاً, فإن القوى العظمى بدأت تتشاور من جديد حول ما يمكن عمله. وكما هو متوقع فقد وقفت فرنسا بجانب الوحدة الرومانية, وأيدتها في هذا روسيا التي كانت ترغب في المحافظة على الوفاق مع فرنسا الذي تأسس بعد حرب القرم. وظلت النمسا والدولة العثمانية تعارضان الوحدة, بينما ترغب بريطانين كعادتها في التوصل إلى مساومة. والحقيقة أن المشكلة الرئيسية التي كانت تواجه أولئك الذين يتطلعون لتنفيذ الميثاق بحذافيره هي كيف يفرض على الإمارتين إجراء إنتخابات جديدة في الوقت الذي لم تكن هناك دولة من الدول العظمى ترغب في السماح للسلطان العثماني بإرسال قوات لفرض القرارات التي تم التوصل إليها فيما سبق.
على كل حال . . لقد أدى إندلاع الحرب بين فرنسا والنمسا على الأراضي الإيطالية في أبريل 1859 إلى تقديم مساعدة قوية للقضية الرومانية من حيث لا يحتسب الرومانيون أنفسهم, فقد أدت الحرب إلى إبعاد النمسا تماماً من المفاوضات الدبلوماسية بشأن الإماريتن, ذلك أ، هزيمتها في الحرب جعلها عن فرض أرائها في المسألة الرومانية. وأخيراً وفي سبتمبر 1859 وافقت القوى العظمى على الإعتراف كحالة إستثنائية بالإختيار المزدوج من الإمارتين لألكسندر كوزا, مع التأكيد على المبدأ الفصل بين الإمارتين والموافقة فقط على تلك الوحدة الشخصية مدى حياة الكسندر كوزا.
غير أن الأمير الكسندر كوزا كما بدا للوهلة الأولى لم يكن هو الشخص المناسب ليقوم بالدور الذي استدعى من اجله لإجراء إصلاح حقيقي في الإمارتين لأكثر من سبب, فقد إرتبط إسمه قديماً بالليبراليين, وإنضم لثورة 1848 في مولدافيا وعلى أثرها نفي خارج البلاد لفترة قصيرة, ثم عاد في 1849 وخدم في الإدارة تحت حكم كل من غيكا Ghica ونيقولا فوجوريديس Vogorides. وعلى هذا كان إنتخابه ف ي ياصي Jassy مفاجأة كاملة للجميع لأكثر من عامل, فهو لم يكن يسعى للمنصب, ولم يكن بالرجل الذي له تأثيره على الغير, ولم يكن وراءه حزب أو جماعة تسانده, ويعاني من قصور ملحوظ في الكفاءة. ولكن يبدو أن أنصاره من الليبراليين رأوا فيه أفضل بديل سيء يحكم البلاد بدلاً من أن يتولى أمير أجنبي الحكم. وكان على كوزا في نهاية الأمر وبكل ما عرف غنه من خصائص أن يتعامل مع الموقف الداخلي الصعب, والمنافسة المستمرة بين السياسيين الطموحين, والضغوط القائمة من القوى الخارجية.

سقراط يتعرض للمحاكمة بسبب أفكاره السياسية والفلسفية

كاتب الموضوع الأصلي: راشد سعد القحطاني

الاسم / راشد سعد القحطاني
الرقم الجامعي / 430106599
المادة / فكر غربي 2 (320)

سقراط يتعرض للمحاكمة بسبب أفكاره السياسية والفلسفية
تمت محاكمته بتهمة إفساد الشباب وعدم الإيمان بالآلهة
معادي أسعد صوالحة نشر في المساء يوم 20 – 07 – 2011

«بين قاتل يذبح ضحاياه بدم بارد وفيلسوف يتجرع كأس السمّ بكل شجاعة ومجاهد خارج عن إرادة القانون يساق إلى مقصلته مرفوع الرأس رابط الجأش، اختلفت التسميات لشخصيات
شكلت محاكماتها منعطفات إنسانية بعد أن شكلت كلمات البعض منها نورا يضيء الطريق نحو الحرية وإحراق الطغاة ومستعبدي الناس وينير الدرب للمعذبين في الأرض ويرشدهم إلى طريق الخلاص، طريق التحرّر من الظلم والاستعمار، بينما شكلت كلمات آخرين شعاعا نحو الظلم والاستبداد والقتل والهمجية والاستعباد.. كلمات صغيرة اختلفت باختلاف الزمن والمكان والغاية، لكنها التقت جميعها، في النهاية، لتشكل في ما بينها مداد الحبر الذي كتبت به أسماء هؤلاء في ذاكرة الزمن، وتشابكت خيوطها بطريقة غير مألوفة تاهت معها الحقائق وضللت معها العدالة في البداية قبل أن تظهر الحقيقة في النهاية.. كلمات أنهت حياة الكثير منهم عبر محاكمات عادلة وأخرى ظالمة، فكانت فعلا أشهر المحاكمات في التاريخ.
أخذ القضاة الخمسمائة أماكنهم على المقاعد الخشبية المغطاة بحصير الخيزران، واستوى الرئيس على منصّة عالية يلتصق بها مباشرة رماة السهام الذين يقومون بوظيفة الشرطة اليوم، وعلى مقربة منه كان ثمة صندوق صغير يضع القضاة فيه الأوراق التي تحمل إدانتهم للمتهم أو تبرئتهم له.
الطغاة الثلاثون
كان الجمهور المؤلف بكامله من الرجال قد توافد، منذ الصباح الباكر، لحضور الجلسة العامة لمحاكمة الشيخ الجليل سقراط. كان الصباح جميلا يحمل معه غناء العصافير تحت أشعة الشمس الدافئة، فنحن في أثينا في صبيحة ربيعية سنة 399 قبل الميلاد، تلك المدينة المؤلفة من عشرة آلاف منزل مكوم بعضها فوق بعض، بشوارعها الضيقة وبيوتها المتلاصقة من الخشب والقرميد المطلي بالكلس الأبيض، ومن فوقها تسْطع أشعة شمس البحر الأبيض المتوسط. كانت أثينا قد ابتدعت للتو نظاما سياسيا فريدا يسمى بالديمقراطية، يتمتع به جميع الذكور الذين أتموا الخدمة العسكرية في إدارة المدينة والدولة، بعد أن اجتازت نظام «الطغاة الثلاثين» الذي أقامه الأثيني «كرينياس» بعد تحرر أثينا من قبضة غريمتها إسبارطة ومنافستها القوية، لتنتهي بذلك تلك المعاناة الرهيبة التي دامت سبعة وعشرين عاما وتعود المؤسسات الديمقراطية إلى العمل، وبينها القضاء، تلك المؤسسة التي يتطوع إليها القضاة ويتم اختيارهم بطريقة القرعة عبر انتقاء ستة آلاف قاض كل سنة يوزعون على اثنتي عشرة محكمة لكل منها خمسمائة قاض.
المتشرد والحكيم
في ذلك الصباح، أخذ القضاة الخمسة أماكنهم لمحاكمة شيخ جليل جلس على عتبة المنصة، كان المتهم ذا لحية بيضاء، حافي القدمين، يغطي جسمه بوشاح من الصوف الرخيص بعد أن عاش سنوات البؤس لوالده النحات «سوفرونيسك» ووالدته القابلة «فيلاريت»، إنه سقراط المتهم بجرم عدم إيمانه بآلهة المدينة وإفساده لشباب أثينا، والذي بات لذلك ينتظر عقوبة الإعدام.
كان سقراط حينذاك في السبعين من عمره، خاليا من مظاهر الأناقة والوسامة التي كان يتمتع بها الأثينيون، يكتفي بوشاح أبيض رخيص من الصوف، يسير على الدوام حافي القدمين في الصيف والشتاء، يمثل صورة المتشرد والحكيم في آن واحد، فهو لم يرث حرفة والده النحات منذ ولادته بأثينا عام 469 قبل الميلاد، كاسرا بذلك التقاليد الجارية، حيث كان الابن يرث صنعة والده، لم يرث تلك الصنعة ولم يمارس أي مهنة أخرى بقدر ما اكتفى بالتجوال في أنحاء المدينة، يحاور المواطنين سائلا إياهم على الدوام عن مفاهيمهم الأخلاقية والسياسية، يعترض الناس، ولاسيما الشباب منهم، في الشوارع والأزقة والساحات العامة وتحت ظلال أشجار الزيتون لمدة خمسين عاما، يحاورهم ولا يكف عن مناقشتهم، رافضا أي أجر على الدروس التي أضحى يلقيها عليهم بعد أن أصبحت أثينا تحفل بالفلاسفة والخطباء والسياسيين الذين لا يفتؤون يبحثون عن الطلاب والمريدين والذين أطلق عليهم اسم «السفسطائيين»، إيمانا منه بأن ممارسته للفلسفة هي ممارسة عملية وعفوية وطريقة للحياة لا تستحق الأجر والمقابل، فتجّمع حوله المئات من التلاميذ، الذين كان على رأسهم أفلاطون، إلى درجة أضحت معها صلته بأفراد مجتمعه أوثق من صلته بأفراد أسرته (كان سقراط متزوجا من السيدة إكزانيت وأبا لثلاثة أطفال) بعد أن نذر لهم نفسه وتعاليمه وأضحى زاده الأول والأخير هو مناقشة الشباب في شؤون العدالة والأخلاق، يجادلونه ويتحدّونه ويسخرون منه أحيانا أخرى، ولعل هذا ما جعل أحد المسرحيين يتخذ من سقراط موضوعا لمسرحيته الساخرة بعنوان «السحاب» التي صور فيها سقراط داخل سلّة معلّقة في الهواء وهو يخاطب الغيوم ويستوحيها في إيجاد حلول صالحة لقضايا بلاده وأمته.
سقراط.. في قفص الاتهام
تسارعت الأحداث شيئا فشيئا، وبدا وكأن سقراط يقترب من حتفه بعد أن تشبّع بأفكاره جيل لا يستهان به من الشباب، وبعد أن أثار حنق الديمقراطيين الكارهين له، واعترف بأنه يعمل مدفوعا من قبل شيطانه (لم يقصد به ما نفهمه اليوم من كلمة شيطان)، والشيطان بالنسبة إليه هو الإلهام الداخلي الذي أسماه بالضمير الذي يملي عليه اختيار آرائه الدينية والأخلاقية بنفسه، وليس كما هي مرسومة من طرف الغير أو تلك التي تؤخذ عن قومه، لتوجه إليه سريعا تهمة إفساد الشباب وعدم الإيمان بآلهة أثينا.
وعندما كانت القوانين السارية تسمح لأي مواطن بأن يوجه التهمة التي يريد إلى أي مواطن يريد (نظرا إلى غياب نيابة عامة توجه الاتهام في ذلك الوقت) ويبقى على المحكمة أن تصغي فقط للأطراف قبل أن تصدر حكمها بطريقة الاقتراع السري، فقد بادر كل من «ليكون» و«أنتيوس» (وهما ديمقراطيان متصلبان، و«أنتيوس» تاجر جلود تخلى ابنه عنه ليلتحق بالفيلسوف سقراط وشاعر ناشئ اتخذ من الشعر والخطابة حرفة له ورأى في سقراط منافسا لا بد من التخلص منه) إلى توجيه الاتهام إلى سقراط الذي لم يجد غضاضة في مصادقة أبناء هؤلاء الارستقراطيين وتبادل الرأي معهم حول العدالة والفضيلة والمعرفة، لكونه يؤمن بالأفراد ولا يؤمن بالأحزاب، وتلك جريمة لا تغتفر في عهود الاضطراب السياسي.
كانت لائحة الاتهام قد أعدت سريعا من طرف المعارضين لسقراط، وكان مما جاء فيها: «إن هذا الساحر الأشعث المهلهل، الذي لا عمل له سوى الانتقال من مكان إلى آخر لاعتراض الشباب والطعن في معتقداتهم الأخلاقية والدينية والنيل من مواقفهم الفكرية والسياسية، قد أثار عليه الكثيرين من رجال المدينة، ومنهم الآباء الذين أنكرهم أبناؤهم والسياسيون الذي سفّه آراءهم ومواقفهم والسفسطائيون الذين طالما هزأ بهم وسخر من تعاليمهم بشكل يتعارض مع تراثنا الديني والأخلاقي، فأتينا اليوم للاقتصاص في هذه المحاكمة العادلة والفريدة».
سقراط وسلاح الهجوم
لم تمض سوى ساعات قليلة حتى أصدرت المحكمة قرارها باقتياد سقراط للمثول أمامها وأمام قضاتها الخمسمائة بعد توصلها بلائحة الاتهام المرفوعة ضده. وبعد أن سمع سقراط بالتهمة الموجهة إليه، جاء دوره للدفاع عن نفسه بنفسه حسب ما كانت تقتضيه القوانين السارية حينذاك، رغم أنها أتاحت لأحد المحامين إعداد دفاع مناسب يعطى للمتهم لحفظه غيبا وترديده أمام المحكمة، لهذا فقد تطوّع «ليزياس»، أمهر المحامين في أثينا، لكتابة دفاع سقراط باعتباره أكثر معرفة من هذا الأخير بالقوانين والأساليب التي تؤثر على القضاة. وحينما تقدم «ليزياس» بمذكرة الدفاع إلى سقراط، رفض هذا الأخير قبولها قائلا: «ليزياس، أعرف جيدا بأن خطابك جميل جدا، لكنه لا يشبهني إطلاقا. هل تعتقد أن معطفا أنيقا وحذاء جميلا يليقان بي»، كان سقراط يقول ذلك ل«ليزياس» وهو يمنحه ابتسامة عريضة وينهض واقفا لإثارة دفاعه ويهمهم قائلا لكاتب المحكمة وقد قلب الساعة المائية التي تقيس الوقت الذي يجب أن يستغرقه هذا الدفاع (كان من حق المتهم أن يستغرق دفاعه فقط نفس الوقت الذي استغرقته خطابات الاتهام): لا تتردد في ضبط الوقت وضبط ساعتك، فأنا لن أستغرق الوقت الكثير، أنا لست خطيبا أو سياسيا بالمعنى المفهوم للكلمة بقدر ما أنا رجل حوار وجدال ونقاش، ولعل هذا أمر لا يفيد المحكمة ولا يفيد في إثارة عطف قضاتها، إنه لحظ سعيد للشباب إذا كنت أنا المفسد الوحيد لهم وكان جميع الأثينيين مصلحين لهم، فقد قمت بتحقيق واستجوبت جميع الأشخاص الذين يسمونهم علماء وتأكدت من أنهم لا يعلمون شيئا، ولكم في ذلك أن تسألوا عرّافة «معبد دلفس» التي قالت ولا تزال تقول لمرات ومرات إنني أعلم الناس، فلا شك في أنني أعلم الناس لأن الآخرين يعتقدون أنهم يعلمون بعض الأشياء في حين أنهم لا يعلمون شيئا، أما أنا فإنني أعلم بأنني لا أعلم أي شيء».
كانت تلك الكلمات التي قالها سقراط قد شكلت دهشة كبيرة لدى القضاة الخمسمائة وأضحكت البعض منهم إلى درجة أنها أغضبت رئيس المحكمة الذي احتجّ على تلك الضجة التي أحدثتها كلمات سقراط، وطالب الجميع بالتزام الصمت والهدوء قبل أن يتابع سقراط حديثه ويتكلم عن شيطانه, أو بالأحرى عبقريته، ويعلن حقه في إطاعة هذا الصوت الداخلي واتباع نصائحه ويصرخ بصوت مرتفع محذرا القضاة من الحكم عليه بالموت».. إنني سأتابع تدريس الفلسفة كما في السابق إذا ما برئت ساحتي، إذا قتلتموني أيها الأثينيون فلن تجدوا رجلا مثلي، إن أبولون قد وضعني هنا لأبقي على هذه المدينة في حالة من اليقظة، فإذا ما أعدمت فإن الله سيغرقكم في نوم أبدي»، منهيا دفاعه بكلمات ساخطة دون أن يسترحم القضاة كما جرت العادة في مثل تلك الحالات وغيرها لدى المتهمين الذين يحيطون أنفسهم أثناء المحاكمة بأبنائهم لإثارة العطف واستدرار الشفقة، قائلا من جديد: «لن أثير عطف المحكمة ولن أستدر شفقتها ولن أحيط نفسي بأبنائي لهذا الغرض، لكنني أطلب منكم أن يكون حكمكم لي بالمكافأة وليس بالسجن والغرامة أو الإعدام كما يطالب به المنافسون لي الذين ادّعوا أنهم علماء، فليس من المعقول أن يطلب إنزال الموت بي بناء على تهم جائرة لا أساس لها من الصحة، كما أنني لا أريد السجن لأنني سأمضي أيامي خاضعا لأوامر رجال الضابطة العدلية، أما الغرامة النقدية فلا يمكنني دفعها لأنني رجل فقير ولا أتوفر عليها (رغم أن أصدقاءه وتلاميذه، وعلى رأسهم أفلاطون، أعربوا خلال الجلسة عن استعدادهم لدفع الغرامة النقدية في حال تقريرها)، لهذا أتمنى أن يتم إطلاق سراحي».
كاتب وصحفي فلسطيني مقيم في المغرب

المملكة اليونانية

كاتب الموضوع الأصلي: علاء الصفيان ٦/٨٠

رأينا أن كل من فرنسا وبريطانيا وروسيا أقامت في عام 1830 مملكة يونانية مستقلة بمقتضى معاهدة دولية. وقد بدأت هذه الدولة تطورها السياسي من الناحية النظرية على الأقل متقدمة بخطوة على الصرب التي كانت حكومتها الذاتية قد بدأت في ذات العام. والحقيقة أن تاريخ اليونان وحضارتها كان يسبق وضعها السياسي الجديد عكس الصرب ، كما لم تكن معزولة عن اهتمامات المحيط الأوروبي نظرا لموقعها الجغرافي شرقي البحر المتوسط ، ومن هنا كانت ثورة اليونانيين ضد الحكم العثماني أمر يهم مصالح الدول الكبرى . ياضف إلى هذا أن اليونان كانت “تتمتع” بحماية ثلاثة قوى دولية لكل منها ماصلح متعارضة في منطقتي البلقان والبحر المتوسط ، الأمر الذي جعل منها بؤرة لصراع سياسات تلك القوى حيث كان من الممكن إستدراج أي منها للتورط في لامشكلات التي تكون دائما محل خلاف بين القوى السياسية في بلاد اليونان . وقد كان من المقدر منذ البداية أن بريطانيا وهي إحدى القوى الثلاثة الحامية لليونان سوف تسيطر على مقدرات البلاد نظرا لوجود أسطولها في البحر المتوسط والذي من شأنه حسم الأمور في حالة وقوع أزمة .
كان الملك أوثون Othon قد وصل إلى بلاد اليونان في فبراير 1833 واتخذ من ناوبليون Nauplion عاصمة لمملكته حيث لم تكن أحوال أثينا تسمح حتى عام 1835 بأن تكون مقرا للحكم . ولما كان الملك الجديد في الثامنة عشر من عمره فقد اصطحبه وصيا اختاره أبوه لو دفيج ملك بافاريا . ولأن لودفينج كان معني بنجاح ابنه في الحكم قثد اختار له مجموعة من الإداريين والمستشارين على درجة عالية من المهارة . وقام بتعيين الكونت جوزيف فون ارمانزبرج Armansperg رئيسا لمجلس الوصاية المعروف باتجاهاته الليبرالية وخبراته الهائلة في العمل في بافاريا . أما أعضاء المجلس الآخرون باتجاهاته الليبرالية وخبراته الهائلة في العمل في بافاريا. أما أعضاء المجلس الآخرون فكانوا كل من جورج لودفيج فون ماورير Maurer القاضي المعروف واستاذ القانون, والميجور جنرال كارل فون هيدسك Heudack الذي كان يقيم باليونان أثناء حوادث الثورة وكان على علم بمجريات الأمور فيها. وعهد بأمانة المجلس إلى كارل فون آبل Abel, وتم تعيين يوهان جرينر Johann Greiner مستشاراً. وعلى الفور شرع هؤلاء الرجال مع مساعديهم اليونانيين في العمل على تكوين جهاز إداري للدولة فقسموا العمل فيما بينهم حيث اختص هيدسك بشؤون الجيش والبحرية, واختص ماورير بالقانون والكنيسة والتعليم, وآبل بالشؤون الداخلية والخارجية على حين اختص جرينر بالمشكلات الإقتصادية, وكل منهم اختار نماذج من أفضل بلاد أوروبا الغربية تقدماً واستنارة لتطبيقها في بلاد اليونان. وفي هذا الخصوص كان للنموذج النابوليوني في فرنسا شأنه في المحاكاة والتقليد.
وسرعان ما دخل أعضاء مجلس الوصاية في صراع حاد فيما بينهم مما أضر باستقرار أمور البلاد في الداخل. وفي هذا الصراع قام ارمانزبرج في 1834 باستدعاء ماورير, وقلل من نفوذ هيدسك. وفي عام 1835 بلغ أوثون سن الرشد فأصبح ملكاً دون وصاية لكن ارمانزبرج ظل محتفظاً بنفوذه حى عام 1837 حين حل محله شخصية بافارية أخرى ألا وهوة ايجناس فون رودهارد Igans Von Rudhardt, وفي العام نفسه استقبلت اليونان أول رئيس وزراء لها من بين اليونانيين أنفسهم وهو قسطنطين زوجرافوس Zographos.
لقد قامت الدول الكبرى في اليونان حكماً ملكياً رغم أن اليونانيين كانوا بفضلون كما بدا من أحداث ثورتهم, قيام حكومة دستورية بسلطات تنفيذية مقيدة. غير أن الدول الكبرى وكانت قد وضعت في أولوياتها تأمين النظام والسلام في اليونان وإنهاء حالة الفوضى التي خلفتها الثورات وكانت ترى في وجود ملك يتمتع بسلطات مطلقة بعيداً عن قيود دستورية ما يساعد على تحقيق ذلك الهدف رغم أن تلك الدول كانت تظهر من آن لآخر تقديرها لفكرة الملكية الدستورية. غير أن الذي كان يحول دون وجود حكومة دستورية في اليونان لودفيج الأول بافاريا ووالد ملك اليونان أوثون إذ كان يعارض فكرة الدستور, ويمارس ضغطاً هائلاً على إبنه في الحكم, وأقصى ما كان يمكن أن يسمح به هو الرضوخ لميثاق “وطني” يتضمن حقوقاً محددة للشعب. وفي عام 1835 حين بلغ أوثون سن الرشد كان مجلس الوصاية لا يزال يمارس سلطات مطلقة ويخضع لرقابة الملك لودفيج الذي كان ينفرد بتعيين أعضائه واستدعائهم حسب إرادته. وهكذا كانت أعلى سلطة في أول حكومة يونانية مستقلة “بافارية” الطابع والهوى رغم وجود مجلس وزراء كله من اليونانيين لكن دون أ، تكون له سلطة حقيقية.
وينبغي التأكيد على أن هذه الإدارة الحكومية غير اليونانية حاولت إقامة ما اعتقد أعضاؤها أنه أفضل نظام حكم ممكن في البلاد. وقد تكون هذه الحكومة قد ارتكبت أخطاء وخاصة في الأمور المالية, وقد تكون قد ضيعت مبالغ كبيرة في محاولة منها لوضع اليونان في الإطار الصحيح الذي تتمتع به الدول الأكثر ثروة والكثر تقدماً. لكن أعضاء هذه الحكومة باستثناء ارمانزبرج لم يكونوا مرتشون, وقد بذلوا جهداً كبيراً من أجل تحقيق الأهداف. لكن من وجهة نظلا اليونانيين أنهم أصبحوا والحال كذلك مواطنين لحكومة دولة ضعيفة ألا وهي بافاريا وليس لإحدى الدول الكبرى الحامية لإستقلال بلادهم, وبالتالي لم يكن باستطاعتهم ممارسة فعلي على تلك الحكومة إلا إذا ضمنوا تأييد إحدى الدول الحامية.
على كل حال . . ففي السنوات الأولى من عهد المملكة الجديدة واصل مجلس الوصاية جهوده لوضع أسلوب للإدارة المحلية, وإعداد كنيسة وطنية, وتنظيم شؤون الجيش والبحرية, وإقامة مؤسسات تعليمية ومالية وغير ذلك من مؤسسات الدولة الحديثة. ولكن عند وضع نظام للإدارة المحلية واجه المجلس كثيراً من الصعوبات تماثل تلك التي واجهها ميلوش حاكم الصرب من قبل, ذلك أن أوثون ومستشاريه البافاريين شأن ميلوش كانت لهم مصلحة في كبح جماح المؤسسات التي قد تصبح مصدراً لمعارضة السلطة المركزية, وكانوا يفضلون الأسلوب المركزي في الحكم لأسباب عملية ونظرية وهو الأسلوب الذي قد يؤدي إلى تحطيم الحكومة الذاتية المحلية التي كانت قائمة زمن الحكم العثماني مثلما حدث في الصرب.
والحقيقة أن محاولة تطبيق الإدارة المحلية في البلاد كانت قد بدأت بطريقة أو بأخرى زمن ثورة اليونانيين عندما عمل قادة الثورة على تشكيل حكومة قوية لتقود النضال, وحينئذ تم تقسيم المناطق التي كات تحت سيطرة الثوار إلى أقاليم وكل إقليم يقسم إلى مدن وقرى (كوميونات), وعلى كل إقليم يعين إيبارش Eparch (أي والي) وسكرتير عام ورئيس للشرطة. وبمقتضى هذا النظام يصبح من حق كل كوميونة أن تدير شؤونها الخاصة بمعرفتها. غير أن هذا التخطيط الإداري لم يوضع أبداً موضع التنفيذ بسبب اضطراب أحوال البلاد خلال فترة الثورة.
وكانت أول خطوة اتخذت تجاه تنظيم إدارة وطنية قد تمت حكومة كابوديسترياس Capodistrias زمن ثورة الثورة وقد سبق أن ناقشنا رغبته في تكوين حكومة مركزية قوية تنزيا بالقوانين واللوائح مع بقاء جميع الأمور في يد الحكومة. ومن هنا وفي أبريل 1828 صدر قرار بتقسيم شبه جزيرة الموةر (البلوبونيز) إلى سبعة أقسام, وتقسيم مجموعة الجزر إلى ستة أقسام, وكل قسم يقسم إلى أقاليم, وكل إقليم إلى مدن وقرى كل منها يخضع لحكم مجلس محلي. ولما كان كابوديسترياس بحاجة إلى موظفين خبراء ومتعلمين يضمن ولاءهم فقد شغل كل المواقع المحلية برجال يونانيين ولكن من خارج بلاد اليونان بالمعنى الجغرافي, أي من استانبول وجزر أيونيا على سبيل المثال. غير أن هؤلاء الرجال كانوا بطبيعة الحال منفصلين عن السكان المحليين (الأهالي) من واقع سلوكياتهم ومصالحهم واهتماماتهم الشخصية شأن البريشانية بالنسبة لبلاد الصرب.
ولقد استمرت فلسفة الحكم هذه تحت حكم الملك أوثون, إذ كان مجلس الوصاية يرغب شأن كابوديسترياس في مركزة الحكومة مع ارتداء زي قانوني وتبني معايير قانوينة, ففي 1833 تك تقسيم بلاد اليونان إلى عشرة أقاليم (نومارخيات nomarchies), وكل إقليم يقسم إلى مقاطعات (إيبارشيات eparchies), وكل مقاطعة إلى بلديات (ديمات demes). وتقوم الحكومة بتعيين مسئول كل إقليم وكل مقاطعة. أما البلديات فقد تم تنظيمها بحيث تكون السلطة الحقيقية في يد الحكومة المركزية. ويلاحظ أنه حتى بعد إقامة المملكة استمرت حالة الإنفصال بين الحكام والمحكومين قائمة كما كان الحال من قبل. وكما هو معروف كانت قيادة مملكة اليونان في العقد الأول من وجودها “بافاريا” الهوية وتتكون من يونانيين تم استقدامهم من خارج البلاد. وحتى عندما قامت الحكومة المركزية فيما بعد بتعيين المسئولين المحليين في الريف اختارتهم من بين صفوف الشباب المتعلم الذين كانت مصالحهم في الغالب مختلفة عن مصالح الأهالي تماماً حدث في بلاد الصرب.
كما قام مجلس الوصاية بتنظيم شؤون الكنيسة اليونانية الأرثوذكسية لتكون مستقلة عن البطريركية في استانبول التي كانت تحت سيطرة الباب العالي مباشرة. وكانت هناك محاولة جرت زمن الثورة لتحقيق هذا الاستقلال وخاصة بعد أن أصدر بطريرك استنابول تحت ضغط السلطات العثمانية قرار الحرمان الكنسي ضد الكنيسة اليونانية التي وقفت مع الثورة. وعلى هذا تدهورت الشؤون الكنيسة في اليونان أثناء الثورة شأن أمور أخرى وأصبحت أسيرة الفوضى والإضطراب. ولكن بعودة السلام بدا أن تنظيم الكنيسة أمواً ضرورياً وملحاً. وهنا يأتي دور جورج لودفيج فون ماورير ومجمع الأساقفة (السنودس) في إستقرار الكنيسة اليونانية لتكون مؤسسة ضمن مؤسسات الدولة. ولتحقيق ذلك نجد أن ماورير باعتباره ليبرالياً بروتستانتيا يستعير نموذج وذع الكنيسة الأرثوذكسية في روسيا, والكنيسة الكاثوليكية في بافاريا وهما مؤسستان تابعتان للدولة.
وعندما صدرت التنظيمات الجديدة للكنيسة اليونانية في 1833 أعلن استقلالها عن بطريركية استانبول, وأصبحت شؤونها تدار بمعرفة مجمع (سنودس) يعين الملك أعضاؤه, ووجه المفارقة هنا أن رأٍس الكنيسة اليونانية الأرثوذكسية أصبح في الواقع ملكة كاثوليكياً. كما امتدت يد الإصلاح الكنسي لتشمل الأديرة التي كانت أوضاعها في حالة يرثى لها بسبب حوادث الثورة. ومن ذلك أنه تقرر إغلاق الأديرة التي يقل عدد رهبانها عن ستة على تنتقل مملكاتها إلى الحكومة, ويستخدم عائدها في المستقبل للصرف منه على الإحتياجات الكنسية والتعليمية.
على أن هذه الإصلاحات كانت محل جدل كبير ساخن داخلياً وخارجيأً لأكثر من سبب, فلقد قام على تنفيذها قيادات يونانية تؤمن بالعلمانية والأفكار الغربية, ولم تؤيدها بطبيعة الحال العناصر المحافظة في الكنيسة اليونانية, ولأنها تنتهت بوضع ملك كاثوليكي على رأس الكنيسة الأرثوذكسية في البلاد الأمر الذي نتج عنه انشقاق أكثر من بطريرك رفض المثول لها بدعوى أنها فرضت دون التفاوض مع بطريركية استانبول فكانت علامة على قطيعة مع هيئة تعتبر يونانية لأن غالبية أعضائها من اليونانيين. وأكثر من هذا أن روسيا انغمست بعمق في تلك المشكلة للمحافظة على وحدة الأرثوذكسية.
لكن الجرح الذي أحدثته الإصلاحات لم يندمل وظلت الخلافات حوله قائمة ولم يتم التوصل إلى تسوية نهائية بشأنه إلا في عام 1850 حيث وافق بطريرك استانبول بوساطة روسية على الإعتراف بإنفصال الكنيسة اليونانية في مقابل تنازلات قليلة نسبياً. وفي عام 1852 صدر قانون جديد بقيت الكنيسة بمقتضاه تحت رعاية مجمع (سنودس) يرأسه كبير أساقفة أثينا, وبشرط ألا يسري أي قرار تصدره الكنيسة إلا بتوقيع المدعي العام ممثل الحكومة, وبهذا بقيت الكنيسة تابعة لسلطة الحكومة المدنية.

السياسي الألماني بسمارك

كاتب الموضوع الأصلي: راشد سعد القحطاني

الاسم / راشد سعد القحطاني
الرقم الجامعي / 430106599
المادة / فكر غربي 2 (320)

السياسي الألماني بسمارك
د. محمد عبد الستار البدري
يعد السياسي الألماني «أوتو فون بسمارك» من أهم الساسة الألمان في القرن التاسع عشر، لأنه رجل دولة من الطراز الأول، فضلا عن كونه الرجل الذي حمل على كتفه مسؤولية توحيد الشعوب والمقاطعات الألمانية بعبقريته الدبلوماسية والسياسية التي لم تتكرر كثيرا، ولهذه الشخصية التاريخية أهمية خاصة في وجداني الأكاديمي، فهو الرجل الذي أنقذتني ذكراه في الامتحان الشفهي لمرحلة ما قبل تحضير رسالة الدكتوراه في العلاقات الدولية، فعندما سألني الدكتور «ساندرز» (رحمه الله)، الذي يعد أحد رموز التاريخ العثماني الحديث، عن مجموعة من التواريخ المرتبطة بالعلاقة السببية للحرب العالمية الأولى، لم تسعفني ذاكرتي في عامين من الأعوام الخمسة، وعندما نظر إلي الرجل نظرة سخرية تخرج من أعين العلماء، بادرته على الفور بأني استغربت لأنه لم يضع عام 1890 ضمن هذه السنوات المسببة للحرب العالمية الأولى، فتراجع الرجل وأخذ يفكر، وأدركت عند هذا الحد أنني أمام فرصتي الأخيرة، فقلت له: «كيف ننسى عام إقالة بسمارك الذي كان من الأسباب المؤدية للحرب العالمية الأولى!»، فانفجر الأساتذة الأربعة الآخرون في اللجنة من الضحك، فإذ بالرجل – رحمه الله – يبدأ التركيز بقوة وتنتابه نوبة من التواضع الذي لم يكن من سماته، فبدأنا حوارا تاريخيا لمدة ساعة ونصف الساعة كانت من أمتع ساعات عمري. وكلما قاطعه أحد من الأساتذة، زجره بشدته المعروفة عنه، ثم انتهيت من الامتحان بعد أربع ساعات ونصف من دخولي له، وكلما أتذكر الواقعة أترحم على دكتور «ساندرز»، وتبقى لي سيرة بسمارك نتعلم منها السياسة.
حقيقة الأمر أن «أوتو فون بسمارك»، موحد ألمانيا، كان من أبرع الساسة على الإطلاق، فإنجازاته وقدراته على نسج السياسة الخارجية بالداخلية، والقدرة على المناورة والكر والفر السياسي – يجعل لفظ «الداهية الألماني» حقا مكتسبا له، والرجل ينتسب إلى مملكة بروسيا وكانت ولاءاته لملكها منذ اليوم الأول، فهو لم يكن ثوريا، بل إنه كان رافضا لفكرة الثورة في المقاطعات الألمانية، لأن هدفه كان توحيدها قبل النظر إلى نظامها السياسي، وكان يرى أن هذه المقاطعات والإمارات الألمانية في حالة ضعف وتفكك ومفتوحة أمام التدخلات الخارجية من فرنسا ودولة النمسا، وبالتالي فإن الوحدة الألمانية هي السبيل الوحيد أمام فرصة الشعوب الناطقة بالألمانية لكي يكون لها دورها في صناعة المستقبل.
بدأ بسمارك حياته كرجل قانون في المحاكم البروسية، ولكنه سرعان ما استقال وبدأ يباشر أملاك والده، ولم يكن الرجل يخفي مشاعره الرافضة للفكر الليبرالي، حتى إنه عارض نتائج مؤتمر فرانكفورت الشهير عام 1849 الذي قدم أول اقتراح لدستور موحد لألمانيا الموحدة، ثم أصبح ضمن قلة قليلة معارضة عندما انتخب عضوا في البرلمان، وقد بدأت حركته السياسية تتوسع بعد أن عين ملك بروسيا أحد أصدقائه، وهو الجنرال «فون روون»، وزيرا للدفاع وأسند إليه مسؤولية تطوير الجيش البروسي، وهو أمر حاربته القوى الليبرالية بشدة خشية استخدامه لضرب القوى الليبرالية في المقاطعات الألمانية، وقد فتحت هذه الصداقة المجال أمام بسمارك ليقترب من الملك، فتم تعيينه سفيرا في موسكو ثم باريس، إلى أن تم استدعاؤه على وجه السرعة عام 1862 للمساندة في منع الملك البروسي من التنازل عن العرش أمام ضغوط التيار الليبرالي في البلاد، وقد لعب بسمارك دورا مهما في إبقاء الملك في مكانه، فتم تعيينه في اليوم التالي رئيسا للوزراء البروسي.
منذ أن تولى بسمارك مقاليد الأمور، بدأ بامتلاك خيوط اللعبة السياسية، فكانت خططه واضحة لا مجال للبس فيها، فتطوير الجيش كان أولوية، لأنه كان على يقين بأن الوحدة الألمانية ستتطلب مواجهات عسكرية مع القوى الخارجية، لا سيما دولة النمسا التي كانت تشارك سياسيا في البرلمان الألماني وتبسط نفوذها على مقاطعات ألمانية بعينها، كما أن فرنسا لم تكن لتسمح بظهور مارد ألماني يخل بمعادلة توازن القوى في القارة الأوروبية، ومع ذلك فإن التيار الليبرالي ظل ينظر إلى الرجل على اعتباره عدوه الأول، وحاربه بكل قوة، ورفض تمرير أية مشاريع قوانين تسمح له بالتوسع في الإنفاق العسكري والإصلاحات الإدارية في البلاد، فنظر بسمارك للأمر على اعتباره جزءا لا يتجزأ من حقوق الملك البروسي، وأخذ على عاتقه مسؤولية التمويل المفتوح دون غطاء من البرلمان، وهو ما وسع المسافة بينه وبين الشعب البروسي إلى أن أصبح الرجل مكروها في أغلبية الأوساط.
مع تكالب أغلبية الظروف ضد بسمارك، إلا أن خططه استمرت ولم تتغير، وقد عكستها خطبته الشهيرة المعروفة بخطبة «الدم والحديد» التي تعد من أهم الخطب السياسية في التاريخ الحديث، ففيها أعلن بسمارك سياسته وهي أن ألمانيا لن تقوى من خلال حرية الخطابة، ولكن من خلال سياسة تعتمد على «الدم والحديد»، أي إن ألمانيا تحتاج لتطوير وتنمية وحروب لكي تقوى وتأخذ مكانتها في القارة الأوروبية.
وعلى الفور، بدأت حركة التطوير تأخذ مجراها خاصة في الجيش، وتوازت معها حركة أخرى لا تقل أهمية دعمت من فرص التوحد الألماني من خلال تفعيل «الاتحاد الجمركي» الذي سبق لبروسيا إنشاؤه لتوحيد التعريفة الجمركية مع عدد من المقاطعات الألمانية في ما عرف بالـZollverein، وقد ركز بسمارك على عملية التكامل الاقتصادي وجعلها تأخذ مجراها الطبيعي استعدادا للاندماج السياسي في ما بعد، وهو ما يعيد للذاكرة على الفور نموذج الاتحاد الأوروبي. أما الثورة الإدارية التي أدارها بسمارك وهو رئيسا للوزراء، فكانت خطوة مهمة للغاية لتكون أساسا للتوحد الإداري لألمانيا، أما سياساته الاقتصادية فقد سمحت لبروسيا بأن تقود الصناعة والتجارة في الدويلات والمقاطعات الألمانية، وأصبحت مسألة توحيد المقاطعات الألمانية مسألة حنكة وسياسة وتوقيت لم يتأخر بسمارك فيهم كثيرا، فكانت تحركاته التالية تمثل مدرسة في فن الدبلوماسية والسياسة، فاستطاع الرجل في أقل من عقدين من الزمان تحقيق حلم داعب الشعوب الألمانية لقرابة 14 قرنا من الزمان كما سنرى.

نعوم تشومسكي : عشر استراتيجيات للتحكم بالشعوب

كاتب الموضوع الأصلي: راشد سعد القحطاني

الاسم / راشد سعد القحطاني
الرقم الجامعي / 430106599
المادة / فكر غربي 2 (320)

نعوم تشومسكي : عشر استراتيجيات للتحكم بالشعوب
‏23 يناير، 2011‏، الساعة ‏09:06 صباحاً‏

تناقلت عدّة مواقع عالميّة في الأيّام الأخيرة قائمة أعدّها المفكّر الأمريكي نعوم تشومسكي واختزل فيها الطّرق التي تستعملها وسائل الإعلام العالميّة للسيطرة على الشّعوب عبر وسائل الإعلام في 10 استراتيجيّات أساسيّة. وبما أنّ نظريّة المؤامرة تلقى رواجا كبيرا لدى شبابنا فقد رأيت أنّه سيكون من الأنفع لي ولهم أن نطّلع على تحليل لمفكّر بوزن نعوم تشومسكي بدلا عن مشاهدة مقاطع الفيديو الطّفوليّة التي تنتشر على فايسبوك والتي بلغت من السّخافة حدّا يجعل ضررها أكثر من نفعها. لم أجد المقال باللغة العربيّة فرأيت أن أقوم بترجمته ونشره على المتنوشة حتّى يتسنّى لزوّارنا الاطّلاع عليه والاستفادة منه، وسأقوم إن شاء الله بترجمة بعض المقالات الأخرى كلّما سمح الوقت بذلك. أرجو لكم قراءة طيّبة.

(1) استراتيجيّة الإلهاء: هذه الاستراتيجيّة عنصر أساسي في التحكّم بالمجتمعات، وهي تتمثل في تحويل انتباه الرّأي العام عن المشاكل الهامّة والتغييرات التي تقرّرها النّخب السياسية والإقتصاديّة، ويتمّ ذلك عبر وابل متواصل من الإلهاءات والمعلومات التافهة. استراتيجيّة الإلهاء ضروريّة أيضا لمنع العامة من الإهتمام بالمعارف الضروريّة في ميادين مثل العلوم، الاقتصاد، علم النفس، بيولوجيا الأعصاب و علم الحواسيب. “حافظ على تشتّت اهتمامات العامة، بعيدا عن المشاكل الاجتماعية الحقيقية، واجعل هذه الاهتمامات موجهة نحو مواضيع ليست ذات أهمية حقيقيّة. اجعل الشعب منشغلا، منشغلا، منشغلا، دون أن يكون له أي وقت للتفكير، وحتى يعود للضيعة مع بقيّة الحيوانات.” (مقتطف من كتاب أسلحة صامتة لحروب هادئة)
(2) ابتكر المشاكل … ثم قدّم الحلول: هذه الطريقة تسمّى أيضا “المشكل – ردّة الفعل – الحل”. في الأول نبتكر مشكلا أو “موقفا” متوقــَعا لنثير ردّة فعل معيّنة من قبل الشعب، و حتى يطالب هذاالأخير بالإجراءات التي نريده أن يقبل بها. مثلا: ترك العنف الحضري يتنامى، أو تنظيم تفجيرات دامية، حتى يطالب الشعب بقوانين أمنية على حساب حرّيته، أو: ابتكار أزمة مالية حتى يتمّ تقبّل التراجع على مستوى الحقوق الإجتماعية وتردّي الخدمات العمومية كشرّ لا بدّ منه.

(3) استراتيجيّة التدرّج: لكي يتم قبول اجراء غير مقبول، يكفي أن يتمّ تطبيقه بصفة تدريجيّة، مثل أطياف اللون الواحد (من الفاتح إلى الغامق)، على فترة تدوم 10 سنوات. وقد تم اعتماد هذه الطريقة لفرض الظروف السوسيو-اقتصاديّة الجديدة بين الثمانينات والتسعينات من القرن السابق: بطالة شاملة، هشاشة، مرونة، تعاقد خارجي ورواتب لا تضمن العيش الكريم، وهي تغييرات كانت ستؤدّي إلى ثورة لو تمّ تطبيقها دفعة واحدة.

(4) استراتيجيّة المؤجّــَـل: وهي طريقة أخرى يتم الإلتجاء إليها من أجل اكساب القرارات المكروهة القبول وحتّى يتمّ تقديمها كدواء “مؤلم ولكنّه ضروري”، ويكون ذلك بكسب موافقة الشعب في الحاضر على تطبيق شيء ما في المستقبل. قبول تضحية مستقبلية يكون دائما أسهل من قبول تضحية حينيّة. أوّلا لأن المجهود لن يتم بذله في الحين، وثانيا لأن الشعب له دائما ميل لأن يأمل بسذاجة أن “كل شيء سيكون أفضل في الغد”، وأنّه سيكون بإمكانه تفادي التّضحية المطلوبة في المستقبل. وأخيرا، يترك كلّ هذا الوقت للشعب حتى يتعوّد على فكرة التغيير ويقبلها باستسلام عندما يحين أوانها.

(5) مخاطبة الشعب كمجموعة أطفال صغار: تستعمل غالبية الإعلانات الموجّهة لعامّة الشعب خطابا وحججا وشخصيات ونبرة ذات طابع طفولي، وكثيرا ما تقترب من مستوى التخلّف الذهني، وكأن المشاهد طفل صغير أو معوّق ذهنيّا. كلّما حاولنا مغالطة المشاهد، كلما زاد اعتمادنا على تلك النبرة. لماذا؟ “إذا خاطبنا شخصا كما لو كان طفلا في سن الثانية عشر، فستكون لدى هذا الشخص إجابة أو ردّة فعل مجرّدة من الحسّ النقدي بنفس الدرجة التي ستكون عليها ردّة فعل أو إجابة الطفل ذي الإثني عشر عاما.” (مقتطف من كتاب أسلحة صامتة لحروب هادئة)

(6) استثارة العاطفة بدل الفكر: استثارة العاطفة هي تقنية كلاسيكية تُستعمل لتعطيل التّحليل المنطقي، وبالتالي الحسّ النقدي للأشخاص. كما أنّ استعمال المفردات العاطفيّة يسمح بالمرور للاّوعي حتّى يتمّ زرعه بأفكار، رغبات، مخاوف، نزعات، أو سلوكيّات.

(7) إبقاء الشّعب في حالة جهل وحماقة: العمل بطريقة يكون خلالها الشعب غير قادر على استيعاب التكنولوجيات والطّرق المستعملة للتحكّم به واستعباده. “يجب أن تكون نوعيّة التّعليم المقدّم للطبقات السّفلى هي النوعيّة الأفقر، بطريقة تبقى إثرها الهوّة المعرفيّة التي تعزل الطّبقات السّفلى عن العليا غير مفهومة من قبل الطّبقات السّفلى” (مقتطف من كتاب أسلحة صامتة لحروب هادئة)

(8) تشجيع الشّعب على استحسان الرّداءة: تشجيع الشّعب على أن يجد أنّه من “الرّائع” أن يكون غبيّا، همجيّا و جاهلا

(9) تعويض التمرّد بالإحساس بالذنب: جعل الفرد يظنّ أنّه المسؤول الوحيد عن تعاسته، وأن سبب مسؤوليّته تلك هو نقص في ذكائه وقدراته أو مجهوداته. وهكذا، عوض أن يثور على النّظام الإقتصادي، يقوم بامتهان نفسه ويحس بالذنب، وهو ما يولّد دولة اكتئابيّة يكون أحد آثارها الإنغلاق وتعطيل التحرّك. ودون تحرّك لا وجود للثورة!

(10) معرفة الأفراد أكثر ممّا يعرفون أنفسهم: خلال الخمسين سنة الفارطة، حفرت التطوّرات العلميّة المذهلة هوّة لا تزال تتّسع بين المعارف العامّة وتلك التي تحتكرها وتستعملها النّخب الحاكمة. فبفضل علوم الأحياء، بيولوجيا الأعصاب وعلم النّفس التّطبيقي، توصّل “النّظام” إلى معرفة متقدّمة للكائن البشري، على الصّعيدين الفيزيائي والنّفسي. أصبح هذا “النّظام” قادرا على معرفة الفرد المتوسّط أكثر ممّا يعرف نفسه، وهذا يعني أنّ النظام – في أغلب الحالات – يملك سلطة على الأفراد أكثر من تلك التي يملكونها على أنفسهم.

الاسم(Avram Noam Chomsky) أفرام نعوم تشومسكي
الميلاد 7 ديسمبر 1928 (العمر 82)، فيلادلفيا، بنسلفانيا
المدرسة/التقليد الفلسفي اللسانيات، الفلسفة التحليلية
الحقبة فلسفة القرن العشرين / الحادي والعشرين
الإقليم الفلسفة الغربية
الاهتمامات الرئيسية اللسانيات، علم النفس، فلسفة اللغة، فلسفة العقل، السياسة، الأخلاق

القوانين النفسية لتطور الأمم عند غوستاف لوبون

كاتب الموضوع الأصلي: راشد سعد القحطاني

الاسم / راشد سعد القحطاني
الرقم الجامعي / 430106599
المادة / فكر غربي 2 (320)

القوانين النفسية لتطور الأمم عند غوستاف لوبون

من هو غوستاف لوبون (Gustave Le Bon)؟:
يُعدُّ غوستاف لوبون (1841 – 1931م) واحدًا من فلاسفة الاجتماع الفرنسيين.

كان في الأصل طبيبًا تولى عام (1870م) رئاسة الأطباء العاملين في إحدى قطع الجيش الفرنسي بباريس.

كان لوبون مولعًا بدراسة الحضارات القديمة، وبدراسة الأسس النفسية للشعوب والأمم؛ سعيًا إلى استخلاص القوانين التي تحكمها، وكان كاتبًا غزير الإنتاج من أشهر كتبه لدينا: حضارة العرب، والأسس النفسية للحرب.

الترجمة الحرفية لعنوان كتابه الذي نحن بصدد الحديث عنه هو: القوانين النفسية لتطور الشعوب:
“Les Lois Psychologiques de L’Evolution des Peuples”

طبع الكتاب عام (1894م)، وترجمه إلى العربية أحمد فتحي زغلول باشا عام (1913م)، ثم ترجمه عادل زعيتر عام (1950م)، وقد اعتمدتُ على الترجمتين معًا في كتابة هذا المقال.

واختيار الحديث في هذا الموضوع يرجع إلى سببين:
السبب الأول:
هو التوجُّع والتفجُّع لحال الأمة الإسلامية والشعوب الإسلامية التي لا تخفى على أحد، ومقابل ذلك حال الدول الكبرى وما تفعله بالشعوب الصغرى، والتأمُّل في حال الأمم التي صعدت؛ مثل: (اليابان، والأخرى الآخذة في الصعود، مثل الصين، والهند، وكوريا…).

والسبب الثاني:
هو التساؤل: هل هناك – حقًّا – قوانين تحكم قيام الحضارات وانهيارها؟ وما هذه القوانين؟ وأين الشعوب المسلمة من الأخذ بها؟ وهل أمم الغرب آيلة للسقوط؟ ومتى ستسقط؟ ومن وريثها؟

إن الموضوع في رأيي على جانب كبير من الأهمية، وفي دائرة اطلاعي المحدود لم أجد كثيرين كتبوا عنه، بينما سُوِّدت وجوه الصحف بالحديث في أمور تافهة، فيها ضياع للعمر والجهد والمال!

وسأقتصر في هذا المقال على عرض: أهم الأفكار التي وردت في الكتاب، وهي:
أولاً: لكل أمة (أو عرقٍ) صفات نفسية ثابتة ثبات صفاته الجسمية تقريبًا، وكما أن الصفات الجسمية (أو التشريحية الجثمانية) تتغيَّر ببطء شديد، كذلك الصفات النفسية لا تتغير إلا على طول السنين ومَرِّ الأجيال.

ثانيًا: يتكون مزاج الأمة من صفات نفسية أساسية موروثة، ومن صفات ثانوية تنشأ من تغيُّر البيئة، وتتجدَّد على الدوام، فيُخيَّل لذلك أن الأمة في تحوُّل مستمرٍّ كبير.

ثالثًا: مزاج الأمة العقلي والنفسي لا يتكون من خلاصة أفرادها الأحياء وحدهم، بل من أمزجة أجدادهم أيضًا، فالأموات لا الأحياء هم الذين يمثلون أهم دور في كيان الأمة؛ لأنهم أوجدوا أدبها، وعوامل سَيْرها اللاشعورية.

رابعًا: تمتاز الأمم بعضُها عن بعض بفروق تشريحية كما امتازت بفروق نفسية، والأولى ملازمة للثانية، والفرق ضعيف بين أفراد (المستوى الوسط) في أمة وأمثالهم في أمة أخرى، لكنّه عظيم جدًّا بين أفراد الطبقات الراقية، ومن هذه المقارنة يتبيَّن أن الذي يميِّز الأمم الراقية (أو العروق العليا) عن الأمم الدنيا، هو احتواء الأولى على عددٍ غير قليل من ذوي العقول الكبيرة بخلاف الثانية.

خامسًا: يتساوى أفراد الأمم المتخلِّفة (أو أفراد العروق الدنيا) فيما بينهم، مساواةً واضحة، وكلما ارتقت الأمة في سُلَّم الحضارة، ازدادت الفروق بين أفرادها، فأثرُ الحضارة الذي لا بُدَّ منه هو: إيجاد الفروق بين الأمم وبين الأفراد، وعليه فإن الأمم تسير نحو التفاوت الزائد لا نحو المساواة.

سادسًا: حياة الأمة ومظاهرُ حضارتها مرآة لروحها وصدًى لها، ومظاهر الحضارة وحوادثها الخارجية دلائل منظورة على أمر موجود لكنه غير منظور.

سابعًا: الشأن الأول في حياة الأمم لأخلاقها، وليس لنظمها السياسية، ولا للأحوال الخارجية، ولا للمصادفات.

ثامنًا: لا يمكن نقلُ عناصر حضارة أمة معينة إلى أمة أخرى من غير إحداث تغيير في هذه العناصر؛ لأن عناصر حضارة الأمة هي دلائل خارجية على مزاجها النفسي، وعقليَّتها، وكيفية نظرها للأمور، وتصورها للأحداث، والذي يمكن نقله فقط هو: الأشكال الخارجية، والصور السطحية التي لا أهمية لها.

تاسعًا: اختلاف الأمم في أمزجتها النفسية والعقلية يجعل كل واحدة منها تتصور الوجود بصورة خاصة بها، وينشأ عن هذا شدة اختلافها في ثلاثة أشياء:
1- في الحس (أو الشعور).
2- والعقل (أو التمييز).
3- والعمل (أو السَّيْر).

ويقوم النزاع بينها على جميع المسائل متى احتكَّ بعضها ببعض، وهذا التنازع هو سبب جميع الحروب المدونة في التاريخ.

عاشرًا: لا يتكوَّن من مجموع أفرادٍ مختلفي الأصول أو العروق شعبٌ مستقل، له روحٌ عامة مشتركة، إلا إذا كثُر التزاوج والتوالد والتناسل بينهم عدة قرون، وعاشوا في بيئات متماثلة، نجَم عنها: مشاعر متماثلة، ومصالح مشتركة، ومعتقدات واحدة.

أحد عشر: تبلغ الأمة ذِروة مجدها، وأَوْج عظمتها عندما تحوز روحًا جامعة، قوية، عامة، متينة التركيب، وتسقط متى انحلَّت هذه الروح، وأهم العوامل في هذا الانحلال: دخول عنصر أجنبي في الأمة.

اثنا عشر: تخضع الأنواع النفسية – كالأنواع التشريحية – لعوامل الزمن، كلاهما يهرم ويموت، وتحتاج الأنواع كلها في تكوُّنها إلى زمن طويل، لكنها قد تزول في وقت قصير، فالأمم تقطع قرونًا طوالاً قبل أن يثبت لها مزاج عقلي خاص، وقد تفقده في بُرهة يسيرة، فالشقة التي تسير فيها إلى الحضارة بعيدة، ومنحدر السقوط قصير غالبًا.

ثلاثة عشر: المبادئ بعد الأخلاق هي أهم عوامل بناء الحضارة وتطورها، ولكنها لا تؤثر إلا بعد أن تتطوَّر على مهلٍ، حتى تصير شعورًا، وتصبح جزءًا من الأخلاق نفسها، وتخرج من دائرة البحث والنظر، ولا تزول المبادئ إلا بعد زمن طويل، وكل حضارة ترجع إلى عدد قليل من المبادئ التي يُجمع عليها أبناؤها.

أربعة عشر: أهم المبادئ التي تؤثر في الحضارة وتوجهها هي المبادئ الدينية، وأعظم حوادث التاريخ نشأت عن المعتقدات الدينية.

هذه في نظري أهمُّ الأفكار التي وردت في الكتاب، أما أهم فصوله وأكثرها إثارة وتشويقًا، فهما فصلان، أحدهما بعنوان: شأن عظماء الرجال في تاريخ الأمم، والآخر بعنوان: كيف تذبل الحضارات ثم تموت، ولْنُلقِ نظرة سريعة على أهم ما جاء فيهما:
شأن عظماء الرجال في تاريخ الأمم:
1- إذا أخرجنا من كل جيل هذه الطائفة الصغيرة من عظماء الرجال، سقط مستوى الأمة العقلي سقوطًا كبيرًا، فإلى هذه الطائفة يرجع الفضل في الرقي الذي وصلت إليه العلوم والفنون والصناعة، وبالجملة جميع فروع الحضارة.

2- يبالغ الناس في شأن عظماء الرجال، وهؤلاء العظماء إنما يشيِّدون في الحقيقة أبْنِيَة من أحجار، هندسها من سبَقهم على مدى الزمان، ولا يوجد في الاكتشافات (أو الاختراعات) الكبيرة ما يجوز نسبته إلى رجل واحد، فهي ثمرة أتعاب سابقة.

3- يخيَّل للناس أن عظماء السياسيين غير مرتبطين برباط مع الماضي، ولكنهم – في واقع الأمر – ليسوا أقلَّ ارتباطًا به من المخترعين والمكتشفين، ولقد انبهر بعض المؤرخين بعبقريات بعض العظماء، فأرادوا أن يجعلوا منهم (آلهة) يُغيرون مصاير الأمم، لكن هذا غير صحيح؛ لأن السبب الحقيقي لنجاحهم موجود قبلهم بزمن طويل، ولو ظهروا قبل عصورهم لما نجحوا في تحقيق ما حققوا، إن مَثَلَهم كمثل المكتشفين يمثلون ثمرات مجهودات طويلة سابقة.

4- للمخترعين والمتكشفين شأن كبير في تطوُّر حضارة المستقبل، ولكن لا شأن لهم مباشرًا في تاريخ الأمة السياسي؛ لأنهم لا يملكون من الصفات النفسية والخلقية ما يمكنهم من إقامة مذهب، أو فتح مملكة، وتجرُّدهم من هذه الصفات آتٍ من كونهم أهل تفكير وتدقيقٍ، والمفكر يُعرض عن الأطماع؛ لأن الذي يستحق منها عنايته وتضحيته نادر، فلا يحفل بها.

إن عظماء المكتشفين يعجلون سَير المدنية، أما المتعصبون، والمتحمسون، والمتَّصفون بالقوة النفسية، وشدة الشهوة – فهم الذين يصنعون التاريخ.

5- لا حول ولا قوة لرجل في تحريك أمة إلا إذا جسَّد آمالها وأحلامها، وإن قُوَّاد البشر هم الذين يمثِّلون مبادئ البشر، ويعملون على نشرها، وإن شئت فقل: قائد الناس مبادئهم، ولا عبرة بما إذا كانت هذه المبادئ حقًّا أم باطلاً.

موت الحضارات:
1- إن الكفاءات العقلية، والخصائص النفسية التي تتكون خلال الأزمنة الطويلة تزول في وقت قصير، فالشجاعة، وقوة الاستنباط، والعزيمة وغيرها من الصفات الخلقية، كلُّها بطيئة التكوين، وهي سريعة الزوال إذا لم تجد محلاًّ تعمل فيه.

2- إذا أنعمنا النظر في أسباب سقوط جميع الأمم التي يذكرها التاريخ بلا استثناءٍ، وجدنا أقوى العوامل في انحلالها هو تغيُّر مزاجها العقلي وصفاتها النفسية بسبب انحطاط أخلاقها، ولست أعلم أن دولة واحدة سقطت لانحطاط الذكاء في قومها.

3- إذا بلغت الأمة ذِروة الحضارة والقوة، فأمست في مأمن من غارة الجار، ومالت إلى التمتع بنعمة السلام والمعيشة الراضية، ماتت فضائلها الحربية، وتجدَّد لها من الحاجات بقدر ما زاد في حضارتها، وتمكن حبُّ الذات من النفوس، ولم يعد من همها إلا سرعة التمتع بالخيرات التي نالتها على عجلٍ، فتنصرف الهِمم عن الاشتغال بالمصالح العامة، وتضيع في الناس الفضائل التي كانت سببًا في عظمة الأمة، وحينئذ يُغير عليها جارها من الأمم المتبربرة، أو التي هي في حكمها؛ لأنه إن كان أقل منها حضارة، فلديه مَثَلٌ أعلى قوي جدًّا، ثم يهدم حضارتها ويُقيم على أطلالها حضارة أخرى، ذلك ما جرى للرومانيين والفرس، فإنهم على ما كانوا عليه من إحكام النظام، شتت البربر شمل الدولة الأولى، كما شتت العرب شمل الثانية، ومن المحقق أن الذي أعوز المغلوب لم يكن هو العقل والذكاء، بل أنه لا مناسبة في ذلك بين الغالب والمغلوب؛ لأن أرقى العقول وأكبر الفطن ظهرت في روما، وهي حبلى بموجبات سقوطها، أعني في عصر الإمبراطورية الأول، ففي ذلك الزمان نبغ أهل الفنون والأدباء والعلماء، وإلى ذلك العصر ترجع جميع الأعمال التي بُنِي عليها مجد تلك الأمة الباذخ، ولكنها كانت قد أضاعت العامل الأساسي الذي لا يقوم الذكاء مقامه مهما بلَغ، ألا وهو الخلق.

كان للرومانيين الأولين حاجات قليلة ومَثلٌ عالٍ قوي هو عظمة روما، وكان هذا الخيال مستوليًا على جميع القلوب، وكل وطني كان يفديه بالمال والنفس والعيال، فلما صارت روما قطب دائرة الدنيا وأغنى مدينة في العالم، جعل الأجانب ينسِلون إليها من كل حَدبٍ، فمنحتهم في آخر الأمر لقب مواطنين، وما كان لهم حظ إلا التمتع بزُخرفها، وما كان لهم عناية بعزها وعُلو مكانتها. أصبحت تلك المدينة الكبرى محشرًا للخلائق من جميع الأجناس، إلا أنها لم تكن إذ ذاك روما، وكانت تلوح عليها في الظاهر علامات الحياة، ولكنها كانت لفظت رُوحها منذ عهد بعيد.

وهناك أسباب شبيهة بالتي سبقت، تهدِّد بقاء حضارتنا الراقية، ويزاد عليها أسباب جديدة آتية من التغير الذي طرأ على الأفكار بتأثير الاكتشافات العلمية العصرية، فقد بدل العلم بأفكارنا الأولى أفكارًا أخرى، وأفقد ما كان للمبادئ الاجتماعية الدينية من التأثير في الناس.

4- إن أهم الشروط التي تلزم لنهوض الأمم الماثلة إلى السقوط: تعميم نظام الجندية، وجعله قاسيًا جدًّا، وأن تكون الأمة على الدوام مُهدَّدة بحروب طاحنة؛ انتهى.

وبعدُ، فقد أغراني الموضوع بالرجوع إلى ثلاثة كتب لها صلة به: “مقدمة ابن خلدون”، و”شروط النهضة”؛ لمالك بن نبي، و”حتى يغيروا ما بأنفسهم”؛ لجودت سعيد، فوجدت في كل واحد منها أفكارًا قيِّمة ذات صلة بموضوعنا، جديرةً بالاستخلاص، والتأمل، والبحث، لكنْ يضيق هذا المقام عن الحديث عنها، وأرجو أن تشتعل جذوة الاهتمام بالسنن النفسية لتطوُّر الأمم والشعوب بيننا، وأن نستفيد من التاريخ القريب والواقع المَعيش في تصويب أو تخطئة أفكار غوستاف لوبون الذي مضى على تأليف كتابه أكثر من مائة عام، ومن الله نستمد الهداية والتسديد.

رابط الموضوع: http://www.alukah.net/Web/baraa/11312/5 … z2mxYNLiKO