أ.د. أحمد محمد وهبان

مصر بين قوتين عظيمين

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالله العبيسي3330

قتلت الانقلابات ملوكاً وزعماء، وأمّمت الصحافة والأموال، وفقدنا الآلاف باسم تحرير الوطن من الامبريالية والشيوعية، ولم تُستثن إلا مصر، فقد ودعت الملك فاروق وعزفت الموسيقى الوطنية، ومن عبدالناصر الذي واجه العديد من التحديات نجح في البعض وفشل في البعض الآخر، جاء السادات ليقفز على الحدود المتعارف عليها في السياسة العربية، وذهب إلى الصلح مع إسرائيل بعد الانتصار، ولكنه دفع ذلك من حياته، ومبارك لم يكتب تاريخه في كل أحواله، وله أخطاؤه، وله حسناته أيضاً، وقد تجاهل وعي الشارع عندما انفجر ووضعه قيد المحاكمة، ونفس الأمر مع محمد مرسي الذي دخل السجن على خلفية إطاعته مراسيم جماعته على حساب الرغبة الجماعية، ومع ذلك لم يكن الجيش محملاً بعداء مسبق بحيث ينتقم وفقاً للأنظمة التي أطاحت بها الجيوش العربية..

مرسي له شعبية بين الإخوان المسلمين، ولكنها تآكلت بفعل النظرة الأحادية لطرف أقل كمّاً ونوعاً للأكثرية التي تعالى صوتها كمقدمة لثورة قادها الشارع ضد ذلك التفكير الضيق وغير الشامل لتنوع الشعب وتطلعاته، والذي أزال نظاماً ليكتب مستقبله على لائحة مطالب واضحة وشاملة مطلوب تنفيذها من قبل رئيس يقبل بمبدأ التغيير الشامل..

وكما مثل حسني مبارك أمام القضاء، فمحمد مرسي سيقف على ذات القفص وهذا يميز الشعب المصري أنه ليس دموياً يذهب بعقابه إلى خارج دائرة القضاء، وهو يمر الآن برحلة التغيير الواقعي بحيث لم يعد، كالماضي، أسير الحالة السوفياتية، أو الأمريكية في عهد مبارك أي أنه يريد أن يأخذ دوره كدولة مركز في موقعها العربي والدولي، وعندما يحاسب مراحله سواء بصفة محاكمات، أو إعادة نظر في تاريخ نصف قرن من النجاحات والإخفاقات فهو يعيد كتابة ذلك التاريخ ومراجعته..

هل مصر تملك قابلية أن تكون النموذج الحقيقي للديمقراطية في المنطقة العربية، وهل جدلية الدستور والترتيبات الإدارية والقضائية وغيرها، ثم تحفيز الاقتصاد والاستثمارات الخارجية، هل ستكون هذه التغييرات مثار جدل جديد بين أمريكا التي أخذت طريق الممانعة السورية – الإيرانية في هذا المصطلح لتبتعد أمريكا عن حليف رئيسي لها ولكنه لا يتحدث باللغة والمصطلحات القديمة، وإنما على أساس الندية فقط وبناء العلاقات على أسس ومصالح جديدة؟.

قطعاً لم يكن انزعاج أمريكا عندما أرسلت وزير خارجيتها ليمنع محاكمة محمد مرسي أو المخاوف من كشف أسرار تلاقي السياسات والاستراتيجيات مع الإخوان، وما تحمله من مأزق للدولة العظمى، وإنما الخشية أن تعود روسيا بثقل جديد وتحالف أكثر مرونة ومكسب لمصر، وهو ذعر لا ينعكس على السياسات القابلة للحوار والتفاهم، وإنما على الاستراتيجيات لأن عودة روسيا عسكرياً وسياسياً حتى لو ظلت الحالة السورية تراوح في مكانها، فهي تكسب القوة الأهم في المنطقة، وأمريكا كثيراً ما خلقت مآزقها بنفسها، ونتذكر أنها هي من دفعت مصر لأحضان الاتحاد السوفياتي بعد رفضها بناء السد العالي، وهي الآن تعيد رفضها دفع المعونات بما فيها العسكرية لينتهز الروس الفرصة بإرسال وزيري الخارجية والدفاع ليعقبهما الرئيس الروسي بزيارة تؤكد هذه العلاقة..

وعموماً فأمريكا التي تريد إدارة ظهرها لدول المنطقة تنسى أنها متشابكة معها بعلاقات لا يمكن القفز فوقها وإلا فهي الخاسر من جراء ذلك…

سيناريوهات اليقين الغامض

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالله الموسى 36336

في مناسبات عدة هدد وزير الحرب “الإسرائيلي” إيهود باراك بأنه في حال وصول أسلحة “كاسرة للتوازن” إلى أيدي المقاومة اللبنانية فإن “إسرائيل” ستدرس إمكانية تنفيذ عملية عسكرية لإحباط نقل هذه الأسلحة . وفي الأسبوع الماضي كتبت صحيفة “هآرتس” أن اللواء أفيف كوخافي رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية “الإسرائيلية” زار سراً الولايات المتحدة للتحذير من وصول أسلحة متطورة موجودة بحوزة سوريا إلى أيدي المقاومة اللبنانية في حال سقوط نظام الرئيس بشار الأسد . في الوقت نفسه نشرت الصحيفة نقلاً عن صحيفة “الفيجارو” الفرنسية أن المقاومة اللبنانية تنقل أسلحة، وخصوصاً الصواريخ، من سوريا إلى لبنان .

هل هذا يعني أن “إسرائيل” باتت تتشكك في قدرة نظام الرئيس الأسد على البقاء، وأن “سيناريو السقوط” بات محتملاً؟ السؤال مهم لسببين، أولهما أن هناك من يعتقد في “إسرائيل” أن حرباً استباقية سورية لبنانية يمكن أن تحدث ضد “إسرائيل” لمنع سقوط النظام في سوريا، يكون هدفها الانحراف بمسار التغيير المطلوب الآن في سوريا من إسقاط النظام إلى إبقائه عبر هذه الحرب، حيث يعتقد هؤلاء “الإسرائيليون” أن تلك الحرب سترمي إلى نقل المعركة من الداخل السوري إلى الخارج مع “إسرائيل” وعندها لن يستطيع سوري المجاهرة بالعداء لنظام يقاتل “إسرائيل” وقد يزعم أنه يقاتل من أجل حرية سوريا واستقلال إرادتها وشرفها وكرامتها . أما السبب الثاني فيرتبط بالعقيدة العسكرية “الإسرائيلية” القائمة على مجموعة من الثوابت سبق أن أعاد تأكيدها إيهود باراك عقب الحرب على لبنان صيف 2006 .

فالحرب “المثالية” بالنسبة إلى “إسرائيل” حسب إيهود باراك أن تكون “استباقية” أي بمبادرة من “إسرائيل” وليست رد فعل، لسبب مهم هو في ذاته الشرط الثاني وهو أن تقع خارج أرض “إسرائيل” وليس على أرضها، وأن تكون سريعة وهذا هو الشرط الثالث، الذي له علاقة مباشرة بالشرط الرابع والأهم وهو أن تكون سريعة ولا تمتد زمنياً حتى لا تصل إلى “إسرائيل” وإلى الجبهة الداخلية “الإسرائيلية” التي هي أهم نقاط الضعف “الإسرائيلية” . فالحرب طويلة المدى أو الاستنزافية تفرض على قوات الاحتياط أن تدخل المعركة، وهذا معناه أن الحرب وصلت فعلاً إلى الجبهة الداخلية، وأن الرأي العام “الإسرائيلي” سيتحول إلى قوة ضاغطة لوقف الحرب قبل أن تكون قد حققت أهدافها .

ماذا يمكن أن يفعله “الإسرائيليون” في ظل هذه “الورطة” السورية . ورطة انتظار حرب قد تقع ضدها تهدف إلى الحفاظ على نظام الأسد من السقوط، وورطة المبادأة في شن حرب ضد سوريا أو ضد لبنان أو حرب شاملة ضد سوريا ولبنان، وعندها يصعب التكهن بردود الفعل الإيرانية، حيث يصعب استبعاد احتمال التورط الإيراني في مثل هذه الحرب “الإقليمية” .

الورطة “الإسرائيلية” تتسع في ظل ثلاثة اعتبارات شديدة الأهمية . أبرزها السيناريوهات “الإسرائيلية” المعقدة للتغيير المحتمل في سوريا، وهي سيناريوهات يمكن وصفها ب”سيناريوهات اليقين الغامض” .

أول السيناريوهات الغامضة يتعلق بحدود التغيير المحتمل في سوريا، هل هو إسقاط للنظام بكامله، أم إسقاط لأبرز مرتكزات النظام في ظل معادلة توازن القوى الصعبة بين الحكم والمعارضة، والحوارات الداخلية التي بدأت تجري داخل سوريا بين أطراف علمانية معارضة يبدو أنها أضحت مذعورة من إمكانية سيطرة تيارات الإسلام المتطرف على السلطة في حالة سقوط النظام، ومن ثم فرض نظام إسلامي لا يريده مثل هؤلاء العلمانيين، ولذلك فإنهم قد يفضلون سيناريو التغيير داخل النظام وليس إسقاط النظام، أي إعادة تأسيس النظام نفسه على أسس ديمقراطية وعلمانية حتى لا يتحول إلى نظام إسلامي . هذا يعني أننا أمام أحد سيناريوهين إما إسقاظ النظام وإما إصلاح النظام، لكن هناك داخل سيناريو إسقاط النظام أحد احتمالين، إما ظهور نظام ليبرالي ديمقراطي أقرب إلى الغرب عموماً والولايات المتحدة خصوصاً ومن ثم يمكن اعتباره صديقاً محتملاً ل”إسرائيل” وإما مجيء نظام إسلامي معتدل أو متشدد، وفي كلتا الحالتين ستكون “إسرائيل” مستهدفة سواء على المدى الطويل أو على المدى القريب .

وبشكل عام، فإنه في ظل سيناريوهات هذا اليقين الغامض، سوف يكون من الصعب على “إسرائيل” أن تتبنى خيار الحرب في مثل هذه الظروف ضد سوريا، لأن الحرب ستزيد من تعقيد وإرباك كافة الحسابات، وقد تكون في غير مصلحة القوى والتيارات السورية التي يراهن “الإسرائيليون” عليها كصديق محتمل في المستقبل .

الاعتبار الثاني له علاقة بتركيا، فالتخطيط “الإسرائيلي” يرتكز على تفكيك علاقة سوريا بتركيا وتفكيك علاقة سوريا بإيران وتفكيك علاقة سوريا بإيران كانت له الأولوية في الأعوام الماضية ضمن سيناريو احتواء إيران . الآن يرتكز “الإسرائيليون” على استعادة تركيا كحليف، واستغلال التوتر في العلاقات التركية السورية بسبب رفض الأخيرة لسياسة القمع السورية ضد المعارضة وانحيازها إلى سيناريو الإصلاح الجذري للنظام . لذلك فإن شن حرب “إسرائيلية” ضد سوريا الآن قد يربك التقارب التركي “الإسرائيلي”، ويعيد تركيا كطرف إقليمي مناهض للسياسة “الإسرائيلية” نظراً لأن تركيا ليست مع إسقاط نظام الأسد ولكن مع الإبقاء عليه وإصلاحه لتأمين الأمن والاستقرار في سوريا، خشية أن يمتد التوتر السوري إلى الداخل التركي من منظور سياسة “البيوت الخشبية” التي ابتدعها وزير الخارجية أحمد داود أوغلو .

الاعتبار الثالث له علاقة بتيار الثورة العربية خاصة في مصر ف”الإسرائيليون” الذين روعهم سقوط حسني مبارك ونظامه حريصون على حصر حركة الثورة والتغيير في مصر على الأوضاع الداخلية المصرية، وعلى ألا يمتد التغير الثوري إلى دور مصر العربي والإقليمي، وعلى علاقات مصر مع “إسرائيل” وشن حرب “إسرائيلية” ضد سوريا الآن قد يصور على أنه موجه لحركة الثورة في سوريا، ويجعل من “إسرائيل” عدواً مباشراً للتغيير ومن ثم يدفع الثوار في مصر إلى مراجعة حساباتهم وأولوياتهم، وربط التغيير داخل مصر بالتغيير خارجها وبالذات تجاه الموقف مع “إسرائيل” .

اعتبارات ثلاثة إذا أضفنا إليها الاعتبار الإيراني كطرف قد يدخل الحرب ضد “إسرائيل” إذا ما شنت الحرب ضد سوريا والمقاومة اللبنانية، أو كطرف سوف يستفيد في حالة رد الفعل المصري الرافض لأي عدوان ضد سوريا، حيث ستعود مصر إلى دورها العربي والإقليمي، وعندها قد تجد أن التقارب مع إيران أضحى ضرورياً لحسابات توازن القوى مع الأطراف الأخرى تجعل من خيار الحرب ضد سوريا رهاناً خاسراً، لكن الانتظار السلبي قد يكون خياراً أكثر صعوبة لا تستطيع “إسرائيل” أن تدفع أثمانه المحتملة

دور التنمبة السياسية

كاتب الموضوع الأصلي: صالح الشهراني20

يعرف بعض الكتاب التنمية بأنها هي “عملية متصلة تتكون من مجموعة من التبدلات والتحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتقنية والتي تشارك في فعلها عبر تغذية عكسية متبادلة”، تعمل على تطوير قدرات الاقتصاد والمجتمع وتوفير الطاقات البشرية والموارد المادية والمالية لتعزيز وترشيد الإنتاج الاقتصادي، مما يسمح بالتالي بتوقير مستوى لائق من العيش للمواطنين في إطار من الأمن بشكل مطرد أو متصل(2)، التنمية من خلال هذا التعريف لم تقتصر على زيادة الدخل الفردي الحقيقي ورفع مستوى الرفاهية الاجتماعية للشعب وتقليل التفاوت الطبقي، وإنما أصبحت تعني التغيير الحضاري الذي يشمل مختلف نواحي الحياة المادية والمعنوية(3)، أي إن مفهوم التنمية لم يعد يقتصر على البعد الاقتصادي فقط، بل أضحى يتضمن أبعاداً أخرى اجتماعية وسياسية وثقافية، أي إنها عملية تغيير شاملة تستهدف القضاء على كل أنواع التخلف الاقتصادي والاجتماعي، وذلك بتحسين المستوى المعاشي للشعب والقضاء على تخلفهُ واستغلاله، التنمية بذلك عملية ذات نظرة شمولية لكل عناصر البنية الاجتماعية، حيث تأخذ بالحسبان إن الإنسان هو غاية التنمية ووسيلتها، وإقامة مجتمع ديمقراطي موحد، ومن هنا يمكن القول بأن التنمية هي: عملية تغيير مستمرة ومتصاعدة وموجهة لتحقيق احتياجات المجتمع المادية وغير المادية.

إن التنمية تهدف إلى تغيير شامل لجميع مكونات المجتمع المادية والثقافية وبناءاً على ما تقدم وعند التصدي لتحديد مفهوم التنمية فإننا نجد، اتفاقاً بين الباحثين على إن التنمية هي عملية حضارية مدروسة ومخططة تهدف إلى إيجاد تحولات كبيرة، في القطاع الاقتصادي – الزراعي – الصناعي – الاجتماعي- والخدمي، وكذلك في الإطار السياسي(4)، وبعبارة أخرى إن التنمية تهدف إلى نقل المجتمع من حالة التخلف إلى حالة التقدم في جميع مجالات الحياة وتحقيق العيش السعيد للمواطنين، وتطوير الإنسان، وإنقاذه من حالة التخلف إلى حالة يمكن إن يساهم في عمليات البناء الشامل للمجتمع، وهذا الأمر بحاجة إلى وجود بلد مستقل ومحقق للوحدة الوطنية، وخالي من موضوع المشاكل العرقية والهويات الفرعية، ومتمتعة بقدر كافي من الاستقرار السياسي، إذ لا وجود للتنمية في ظل مجتمع تعاني وحدتهُ الوطنية من المشاكل وكثرة الانقلابات العسكرية التي يقوم بها أبناء الشعب ضد النظام القائم، وفي مقابل ذلك ما يقوم به النظام ضد أبناء الشعب في فرض القوانين الخاصة بمنع التجول وتشكيل المحاكم العسكرية والتغييرات الوزارية المستمرة وتطبيق الأحكام العرفية(5)، وذلك من أجل السيطرة على أعمال العنف التي تصدر من تلقاء ذلك، فالتنمية في الجانب السياسي في البلدان النامية، حيث تواجه معضلات ولاسيما ظاهرة عدم الاستقرار السياسي، وهذا ما يؤدي إلى تسخير كل الطاقات والجهود من أجل تثبيت أركان النظام القائم، وتدعيم حالة الاستقرار السياسي فيها(6)، لذلك فإن هذه البلدان، لم يكتب لها أن تعرف التنمية بالرغم من إنها غنية وتمتلك ثروات هائلة، حيث نلاحظ إنها تأتي في مراكز متدنية بالنسبة إلى دول العالم.فال

أنظمة السياسية التي تتمتع بنوع كاف من الاستقرار السياسي، هي تلك الأنظمة التي تمكنت من بناء آليات ومؤسسات تتيح أكبر قدر ممكن من الحراك الاجتماعي وتداول القوة الاقتصادية والسياسية بين أفراد المجتمع، لذلك فإن الديمقراطية التي ينادي بها أي نظام سياسي لا تقاس من خلال عدد الأحزاب التي أجيز لها أن تمارس العمل السياسي، وإنما من خلال التداول السلمي والفعلي للسلطة بين الجميع، وعبر الطبقات الاجتماعية المختلفة، مما يترتب على ذلك من آثار على المستوى الواقعي بحيث تتاح المشاركة الشعبية، وتكافؤ الفرص لكافة إفراد المجتمع دون تمييز(7).

إضافة إلى ذلك فأن الإقرار بمبدأ التعددية السياسية لا يعني وحده بأن الديمقراطية قد تحققت، فالديمقراطية تعني قبل كل شيء منع احتكار السلطة والثروة من قبل فريق واحد أو طائفة اجتماعية معينة، وبناءا عليه ولكي تحقق التنمية أهدافها المذكورة، بشكل عام، وهدفها المتعلق بتعزيز فرص التلاحم الوطني، بين أعضاء الجماعة الوطنية، بشكل خاص، وبالذات الجماعات الوطنية المتشرذمة أو التي تتكون من جماعات عدة، فأن الضرورة تقتضي أن تكون هذه التنمية متوازنة في مضامينها وإبعادها وأهدافها وعلى النحو التالي(9).

يجب أن تكون التنمية شاملة في توجهاتها، أي لا ترتكز على جانب واحد دون الأخر، لذلك فهي تشمل جميع الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية. يجب أن تكون التنمية متوازنة في توجهاتها، بين المركز والمحيط، أي لاتركز على المراكز الرئيسية كالعاصمة أو المدن الكبرى فقط، وإنما يجب أن تتوزع بشكل عادل على مختلف المناطق في الدولة، في الريف والمدينة، وذلك لان أي خلل في التوزيع سوف يؤدي إلى خلل في بناء تحقيق الوحدة الوطنية(10)، حيث أن التفاعل بين الريف والمدينة مهم جدا في عملية تحقيق الاندماج القومي بين الجماعات الاثنية والعرقية المختلفة داخل الدولة، لان هذا التفاعل يؤدي إلى تعزيز فرص التكامل الوطني أو القومي، وهذا يتطلب اعتماد أسلوب التخطيط الإقليمي المتوازن الذي يكفل تنمية وتائر الإنتاج والخدمات وفقا إلى اعتماد موازنة مرسومة لكل الإقليم السياسي، والتي تقود إلى وحدة اقتصادية وأثنوغرافية(11). أن عملية التنمية يجب أن تكون ذات طابع وطني أو قومي شامل، فالتنمية لايمكن “أن تحقق حركتها الفاعلة ما لم يكن هنالك استبدال للوحدات القرابية لتحل محلها الوحدات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والمهنية والمتخصصة الجديدة”(12). يتضح مما تقدم أن التنمية الغير مرسومة والغير متوازنة بين الاقاليم سوف تؤدي إلى خلل كبير داخل الدولة نفسها ومن ثم ظهور حركات معارضة أو مناهضة للنظام السياسي، أو تقوم بالمطالبة بالانفصال عن الدولة ألام، وخاصة في الاقاليم التي تعاني من أوضاع اقتصادية متدنية جدا.

المحور الثاني: التنمية السياسية

تعتبر التنمية السياسية من المفاهيم الحديثة، وبعداً أساسياً من أبعاد التنمية الشاملة، فالتنمية السياسية جزءاً من التنمية الشاملة انبثق منها وتفرع منها، ويعرفها الباحثون بأنها “هي تنمية قدرات الجماهير على إدراك مشكلاتهم بوضوح، وقدراتهم على تعبئة كل الإمكانات المتاحة لمواجهة هذه المشكلات بشكل عملي وواقعي، أو تنظيم الحياة السياسية ومتابعة أداء الوظائف السياسية في إطار الدولة، وتطوير النظم السياسية والممارسة السياسية لتصبح أكثر ديمقراطية في التعامل وأكثر إحراجاً لكرامة الإنسان ومطاليبه، هذا إلى جانب تمثل الجماهير لقيم الديمقراطية وتحقيق المساواة السياسية بين أبناء المجتمع”(13).

وينظر بعض الباحثين إلى إن التنمية السياسية هي عملية تتضمن بناء المؤسسات وتوسيع قاعدة المشاركة السياسية وترشيد تولي السلطة، بهدف تحقيق قسط من الاستقرار السياسي(14)، وهذا يدل على إن التنمية السياسية تهدف بصورة رئيسية إلى بناء النظام السياسي وإجراء عمليات التحديث عليهِ فيصير نظاماً عصرياً متطوراً، متحولاً بذلك من النظم الشمولية إلى النظم الديمقراطية، فالتنمية السياسية تعني في أحد أبعادها مزيد من المشاركة في العملية السياسية، بواسطة التكوينات الاجتماعية العديدة(15)

لذلك من الضروري أن تتركز الجهود على الارتقاء بعملية التنمية ومقوماتها الأساسية وهي:

التمايز: أي “التمايز في الأدوار والأبنية السياسية وهو ما يقتضي تعدد الأبنية ووضوح الأدوار بحيث يكون لكل بنيان أدوارهُ ووظائفهُ السياسية المحددة فلا تقتصر في هيئة واحدة، بالإضافة إلى ذلك فيجب القيام بأنواع جديدة من هذه البنية والأدوار كقيام الأحزاب السياسية وجماعات المصالح ووسائل الاتصال الجماهيري وغيرها”(16).وفي حقيقة الأمر فان الدول التي قطعت شوطا طويلا في مجال التنمية السياسية لاتتميز بغياب الصراع، ولكن تميزها يكون في وجود آليات ومؤسسات لتنظيم الصراع من حيث أشكاله ومشاكله وكيفية معالجتها وحلها، وهكذا فإن المؤسسات تلعب دوراً كبيراً في البلدان المتقدمة، حيث إنها تقدم إطار للعملية السياسية، لهذا فإن النظام السياسي يتصف بالتخصص الوظيفي والتمايز وتوزيع الأدوار بين مختلف الأجهزة الحكومية والغير حكومية، مثل الهيئات التنفيذية والمجالس التشريعية(17) والمؤسسات القضائية والأحزاب السياسية والنقابات وغيرها “وتنوع كبير من الوظائف التي تحقق إنجاز العمل السياسي” بقلة الأجهزة وتعددها وينقصها التخصص في العمل الوظيفي.المساواة: أي يجب أن تسود في المجتمع أحكام وقواعد قانونية تتصف بالعمومية، وهذه القواعد تنطبق على جميع أفراد المجتمع دون استثناء بغض النظر على انتماءاتهم العرقية والمذهبية أو الإقليمية(19)، وعندما يكون هناك تولي للمناصب في المجتمع فيجب أن يكون على أساس الكفاءة والجدارة والتأهيل، وليس على اعتبارات ضيقة كالعلاقات الشخصية والقرابة والجاه وغيرها.

القدرة: وهي تعني تنمية قدرات النظام السياسي على معالجة المشاكل مثل الانقسامات والتوترات التي تحدث في المجتمع وكذلك تنمية قدرات النظام السياسي التنظيمية والعدالة التوزيعية وكذلك الإبداع والتكيف في مواجهة التغيرات المستمرة التي يمر بها المجتمع، أي قدرة النظام السياسي على تنظيم سلوك الأفراد والجماعات في المجتمع وفقاً إلى القانون، واتخاذ القرارات الإلزامية التي تتعلق بتعبئة وتجميع الموارد البشرية والمادية وتوزيع القيم وفقاً لمبدأ المساواة ومقتضيات العدالة. يتضح مما تقدم إن التعددية السياسية من المسائل الضرورية الملحة لكل بلد حر يعيش باستقلال ويسعى نحو بناء ديمقراطي وتكوين نظام سياسي جديد يستوعب كل القوى الوطنية والقومية، وإقامة مصالح جديدة قائمة على التوزيع العادل للثورات الوطنية والقيام بعملية البناء السياسي، وذلك عن طريق مشاركة جميع القوى الوطنية السياسية والاجتماعية الفاعلة في المجتمع التي باستطاعتها المساهمة والمشاركة في عملية صنع القرار السياسي والحفاظ على عملية تداول السلطة سلميا، ولهذا فالتعددية السياسية تعتبر عنصرا مهما من عناصر وجود الديمقراطية وبناء الوحدة الوطنية.

المحور الثالث: مقومات التنمية السياسية

أن عملية التنمية السياسية بوجه عام تخلق الظروف والشروط الملائمة للتطور الديمقراطي، فالتنمية السياسية تهدف في النهاية إلى بناء النظام السياسي، وإجراء عمليات التحديث عليه ليصبح نظاما عصريا ومتطورا وديمقراطيا، فالتنمية السياسية بذلك تفترض التخلص من بقايا السلطات التقليدية بخصائصها التي لم تعد تناسب البناء الجديد، وهذه الحالة تتطلب وجود عملية مواجهة مستمرة مع البقايا الراسخة التي ما تزال تؤثر سلبا في اتجاهات الأفراد والمجتمع.

ومثال على ذلك لابد من قيام بعملية نفسية وإجرائية لجعل الأفراد يؤمنون بأن الحكومة هي آلية من آليات تحقيق أهدافهم ومصالحهم وطموحاتهم(20) وهنا من المفروض أن يتسع المجال للتغيير المؤسسي واستمرارية تغيير النظام السياسي، بحيث يكون لدى الأفراد القابلية للموافقة على الأشكال الجديدة للسلطة التنظيمات والطرق الجديدة لتداول السلطة.

ومن اجل التطبيق الفعلي للديمقراطية يجب التركيز على مقومات التنمية السياسية ونذكر منها:

1. المشاركة السياسية.

2. التعددية السياسية.

3. التداول السلمي للسلطة.

4. حماية واحترام حقوق الإنسان.

وسنأتي لاحقاً إلى توضيح هذه المقومات وبشكل مختصر، وسنبين دورها في تحقيق الديمقراطية والمساواة بين أفراد المجتمع.

أولاً: المشاركة السياسية

المفهوم العام والبسيط للمشاركة السياسية هو حق المواطن في أن يؤدي دوراً معيناً في عملية صنع القرارات السياسية، هذا في أوسع معانيها، وفي أضيق معانيها تعني حق ذلك المواطن في أن يراقب تلك القرارات بالتقويم والضبط عقب صدورها من الحاكم(21)، وهي تعني، عند صموئيل هنتنكتون وجون نيلسون، “ذلك النشاط الذي يقوم به المواطنون العاديون بقصد التأثير في عملية صنع قرار الحكومة، سواء أكان هذا النشاط فردياً أو جماعياً، منظماً أو عفوياً، متواصلاً أو منقطعاً، سلمياً أم عنيفاَ، شرعياً أو غير شرعي، فعالاً أم غير فعال”(22)، وهذا ما ذهب إليه د.عبد المنعم المشاط، حيث عرّفها بأنها “شكل من الممارسة السياسية يتعلق ببنية النظام السياسي وآليات عملياتهُ المختلفة، إذ يكمن موقعها داخل النظام السياسي في المدخلات سواء كانت التأييد والمساندة أو المعارضة، ولكنها تستهدف تغيير مخرجات النظام السياسي بالصورة التي تلاءم مطالب الأفراد والجماعات الذين يقدمون عليها”(23).

والمعنى الأكثر تداولاً لمفهوم المشاركة السياسية هو “قدرة المواطن على التعبير العلني والتأثير في اتخاذ القرارات سواء بشكل مباشر أو عن طريق ممثلين يفعلون ذلك”(24).

وهناك نفراً من الباحثين استخدم مفهوم المشاركة السياسية بمعنى “أن تصدر القرارات العليا تعبيراً عن رغبة المجتمع، ولهذا تتطلب الأمور ظهور التنفيذ النيابي، ونظم الانتخابات والاستفتاء والاستعانة بالخبراء”(25 إن العملية السياسية تتم عن طريق ممارسة أعداد كبيرة من اللاصفوة السياسية، العمل السياسي والاندماج السايكلوجي في العملية السياسية(26)، وهذا يعني إشراك الجميع بغض النظر عن انتماءاتهم الأثنية والعرقية في الحياة السياسية العامة، وتمكينهم من أن يلعبوا دوراً واضحاً في العملية السياسية، أي تكون السلطة عن طريق التمثيل فيها(27) وتعتبر المشاركة السياسية بعداً أساسياً من أبعاد التنمية البشرية، حيث عرفها إعلان “الحق في التنمية” الذي أقرتهُ الأمم المتحدة عام 1986م عملية التنمية بأنها عملية متكاملة ذات أبعاد اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية، تهدف إلى تحقيق التحسن المتواصل لرفاهية كل السكان وكل الأفراد، التي يمكن عن طريقها أعمال حقوق الإنسان وحرياتهُ الأساسية(28) يتضح مما سبق إن العلاقة بين المشاركة السياسية والتنمية البشرية، هو إن الأولى لازمة لتحقيق الثانية، إذ لا يمكن تحقيق أهداف التنمية، بدون مشاركة فعلية وحقيقية من قبل شرائح المجتمع وبمختلف انتماءاتهم الأثنية والإقليمية والاجتماعيةوعليهِ يمكن القول إن المشاركة السياسية تعتبر المظهر الرئيسي للديمقراطية، حيث إن ازدياد المشاركة السياسية من قبل الشعب في العملية السياسية يمثل التعبير الحقيقي عن الديمقراطية، ولكن من أجل تحقيق مشاركة سياسية فعالة يتطلب تواجد مجموعة من الشروط لتحقيق ذلك، منها رفع درجة الوعي الإسلامي من خلال القضاء على الأمية والتخلف، وحرية وسائل الإعلام، وحرية الرأي والتعبير، وتقوية وتفعيل التنظيمات السياسية الوسيطة من الأحزاب وجماعات مصالح وجماعات ضغط وتفعيل دور المؤسسات والهيئات في الدولة، كمؤسسات المجتمع المدني باعتبارها أداة مهمة من أدواة مراقبة أعمال الحكومة، وتحقيق الانتعاش الاقتصادي داخل المجتمع، وبناء المؤسسات السياسية القادرة على استيعاب القوى السياسية الراغبة في المشاركة السياسية، وعند توفير الشروط المذكورة آنفاً فمن الممكن الحديث عن وجود مشاركة سياسية فعالة من قبل الجماهير، وهذه المشاركة سوف تعود على المجتمع بعد فوائد يمكن استخلاصها في هذا الصدد كما يلي(29).

1. إن المشاركة تعني تحقيق مساهمة أوسع للشعب في رسم السياسات العامة وصنع القرارات واتخاذها وتنفيذها.

2. إن المشاركة تعني إعادة هيكلة وتنظيم بنية النظام السياسي ومؤسساتهُ وعلاقته بما يتلاءم وصيغة المشاركة الأوسع للشعب في العملية السياسية وفعالياتها.

3. إن المشاركة السياسية أضحت أحد المعايير الرئيسية لشرعية السلطة السياسية في أي مجتمع.

4. إن المشاركة السياسية توفر للسلطة فرص التعرف على رأي الشعب ورغباته واتجاهاته.

5. إن المشاركة السياسية توفر الأمن والاستقرار داخل المجتمع.

6. إن المشاركة السياسية تمثل الإرادة العامة للشعب.

7. إن المشاركة السياسية تعني القضاء على الاستبداد والتسلط والانفراد بالسلطة.

8. إن المشاركة السياسية تمثل شرطاً أساسياً لتحقيق التنمية في المجتمع.

9. إن المشاركة السياسية تلعب دوراً كبيراً في بناء وتحقيق الوحدة الوطنية بين الجميع.

يتضح مما تقدم إن إتاحة الفرصة لجميع سكان الدولة للمشاركة الشعبية باتخاذ القرارات وإدارة شؤون البلاد، سواء بشكل مباشر أو عن طريق ممثلين عنهم، أي بمعنى الإسهام في الحياة العامة، يولد الأمن والاستقرار السياسي داخل البلاد، لان المشاركة السياسية هي إحدى الشروط الأساسية للقدرة على رص الصفوف لتحقيق الوحدة الوطنية، وكذلك تحقيق أهدف التنمية السياسية.

ثانياً: التعددية السياسية

إن التعددية السياسية ظاهرة ليست بالجديدة في المجتمع الواحد وإنما هي ظاهرة قديمة وخير دليل على ذلك في الآيتين الكريمتين، (12،13 من سورة الأحزاب)، حيث نجد قول الله سبحانهُ وتعالى (كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو الأوتاد)، (وثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة أولئك الأحزاب)(30)، والتعددية الحزبية وجدت قبل البعثة النبوية وخلالها، حيث كان المجتمع المكي هو الوعاء الذي يستوعب جميع الذين يعيشون فيهِ، حيث كانت كل قبيلة من القبائل تشكل حزباً قائماً بحد ذاتهِ ومستقلاً عن الأحزاب الأخرى، وكانت الزعامة أي السلطة يتم توزيعها عن طريق الاتفاق بين الأحزاب أو الكتل التي كانت موجودة آنذاك والدليل على ذلك قول الله سبحانهُ وتعالى في الآيتين الكريمتين (22و20) من سورة الأحزاب (يحسبون الأحزاب لم يذهبوا وإن يأت الأحزاب يودوا لو إنهم بادون في الأعراب يسألون عن أنبائهم ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلاً)(31)، (ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسولهُ وصدق الله ورسولهُ وما زادهم إلا إيماناً وتسليماً)(32)، الأحزاب المعنية في السورتين المذكورتين أعلاه هي الكتائب التي كونت جيش مكة المشرك الذي تجحفل لحرب المسلمين في غزوة الخندق(33)، وقد أشار الرسول محمد (ص) إلى وجود التعددية الحزبية عند اليهود والنصارى، حيث أكد على إن اليهود تفرقوا على إحدى وسبعين فرقة وتفرق النصارى على اثنتين وسبعين فرقة(34).

ومن خلال الاستعراض السريع لتاريخ التعددية السياسية الذي يهمنا هنا هو تعريف ظاهرة التعددية الحزبية، فيعرفها د.سعد الدين إبراهيم على إنها “مشروعية تعدد القوى والآراء السياسية وحقها في التعايش والتعبير عن نفسها والمشاركة في التأثير على القرار السياسي في مجتمعها(35).

بينما يعرفها د.محمد عابد الجابري بأنها “مظهر من مظاهر الحداثة السياسية التي هي أولاً وقبل كل شيء وجود مجال اجتماعي وفكري يمارس الناس فيه “الحرب” عن طريق السياسة أو بواسطة الحوار والنقد والاعتراض والأخذ والعطاء، وبالتالي التعايش في إطار السلم القائم على الحلول الوسطية(36).

والخلاصة التي نستطيع أن نحددها إجمالاً إن التعددية السياسية لها نماذج عدة فمنها التعددية الحقيقية ومنها التعددية الشكلية، فالتعددية الحقيقية قائمة على وجود أحزاب مختلفة من البرامج والأيديولوجيات، وهذه الأحزاب تتنافس فيما بينها عن طريق الانتخابات الحرة التي تحري بصورة دورية، أما التعددية الشكلية فهي في إطارها الخارجي تحمل مظاهر التعددية السياسية، أي تكون من عدة أحزاب، ولكن النظام القائم أقرب إلى نظام الحزب القائم، وهو الحزب المسيطر(37)، ومن هذا فإن التعددية السياسية تعني الاختلاف في الرأي والطروحات الفكرية واختلاف في البرامج والأيديولوجيات والمصالح والتكوينات الاجتماعية والديموغرافية والاقتصادية.

وعليهِ فمن الممكن أن نميز بين التعددية السياسية والتعددية الحزبية، فالتعددية السياسية تتصف بالشمولية، أي إنها يجب أن تتضمن تعددية حزبية، لأنها تمثل قوة اجتماعية واقتصادية وثقافية وسياسية مختلفة، أما التعددية الحزبية لا تعني تعددية سياسية، إذا كانت هناك سيطرة كاملة لحزب واحد وتهميش للأحزاب الأخرى، أي إن التعددية الحزبية جزء مكمل للتعددية السياسية(38).

ووفقاً إلى ذلك فإن التعددية السياسية تعتبر أحد الشروط الأساسية لتحقيق الديمقراطية ومظهر من مظاهرها الأساسية وعنصر من عناصر وجود الديمقراطية، ولكن لا يغيب عن البال إن تحقيقها هو أمر سهل، لذلك لا يمكن تحقيق الديمقراطية، بين عشيةً وضحاها “فإرساء نظام ديمقراطي معناه إقامة بنيان متكامل يشمل مكونات عديدة مثل الضمانات المتعلقة بصيانة حقوق الإنسان بما في ذلك حرية التعبير العلني، وتكوين الجمعيات والانضمام إليها وسيادة القانون، وإجراء انتخابات حرة نزيهة يتنافس فيها الجميع على فترات دورية، ووجود نظام متعدد الأحزاب يسمح بتداول السلطة بصورة رسمية ومنظمة، وفوق ذلك ضرورة وجود نظام للضبط والمراقبة يجعل المنتخبين للمناصب العامة، مسؤولين مسؤولية كاملة أمام الناخبين”(39) لذلك فأن مبدأ إقرار التعددية السياسية لا يعني تحقيق الديمقراطية، فالديمقراطية تعني قبل كل شيء منع احتكار السلطة والثروة من قبل فئة أو جهة واحدة أو طائفة اجتماعية معينة، أو بدون التداول السلمي للسلطة، وتوزيع الثروة بين الجميع وفقاً إلى مبدأ تكافؤ الفرص والاستحقاق والجدارة، وبدون ذلك فمن الصعب الادعاء بتحقيق الديمقراطية(40).

بهذا المعنى تعتبر الديمقراطية شكل من أشكال ممارسة السلطة، على أن يكون هناك اتفاق ووئام بين جميع أعضاء الجماعة الوطنية والقوى والأحزاب السياسية، على شكل الممارسة، فالمسألة الديمقراطية تبقى شكلية دون مساهمة الجميع في ممارستها، بحيث تحقق في النهاية الوحدة الوطنية عن طريق مشاركة جميع القوى الوطنية السياسية والاجتماعية المؤثرة في المجتمع التي بإمكانها المشاركة في عملية صنع واتخاذ القرار السياسي والحفاظ على مبدأ تداول السلطة عن طريق:

1. مبدأ سيادة القانون.

2. مبدأ عدم الجمع بين السلطات.

3. مبدأ لا سيادة لفرد ولا قلة على الشعب.

4. مبدأ ضمان حقوق الأفراد.

ووفقاً إلى ذلك فالديمقراطية بهذه الحالة ليست فقط أحزاب أو انتخاب، وإنما هي مجموعة من الأفكار والقيم التي ينتجها أفراج المجتمع عن طريق مؤسسات التنشئة السياسية والتوجيهية، وإن أهم هذه القيم هي الإيمان بالتعددية الحزبية والتسامح السياسي والفكري(41).

وبعبارة أخرى إن الديمقراطية هي المشاركة السياسية وحقوق الإنسان، وهذا جوهر التعددية الحزبية، فالتعددية الحزبية تعني التسامح واحترام حقوق الآخرين وحق الفرد في اختيار من يمثله في السلطة وضمان حقه في عملية صنع القرار السياسي، وإن الإطار القانوني والمؤسسي لنظام التعددية السياسية والحزبية الذي يجب أن يقوم عليهِ النظام السياسي في أي بلد هو.

1. إن الشعب هو مالك السلطة ومصدرها، ويمارسها بشكل مباشر عن طريق الاستفتاء والانتخابات العامة، كما يمارسها بطريقة غير مباشرة عن طريق المجالس المحلية والمنتخبة.

2. يجب أن يقوم النظام السياسي على التعددية السياسية والحزبية وذلك من أجل تداول السلطة سلمياً وتنظيم الأحكام والإجراءات الخاصة بتكوين التنظيمات والأحزاب السياسية وممارسة النشاط السياسي، ولا يحق استغلال الوظيفة العامة أو المال لمصلحة خاصة بحزب أو تنظيم سياسي معين.

3. يجب أن يقوم المجتمع على أساس التضامن الاجتماعي القائم على العدل والحرية والمساواة.

4. جميع المواطنين متساوون في الحقوق والواجبات العامة.

5. يجب أن تكفل الدولة حرية الفكر والإعراب عن الرأي وحرية الصحافة.

6. كل مواطن له الحق في الانتخاب والترشيح وإبداء الرأي في الاستفتاء.

7. الاعتماد على مبدأ حرية النشاط الاقتصادي.

8. العمل على مبدأ تكافؤ الفرص لجميع المواطنين، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً.

ثالثاُ: التداول السلمي على السلطة

المقصود بالتداول السلمي على السلطة، هو عدم جعل الحكم في قبضة شخص واحد، أي التعاقب الدوري للحكام في ظل انتخابات حرة، وبذلك سوف يمارس هؤلاء الحكام المنتخبون اختصاصاتهم الدستورية لفترات محددة سلفاً، وبهذا سوف لا يتغير اسم الدولة ولا يتبدل دستورها ولا شخصيتها الاعتبارية بتغيير الحكام والأحزاب الحاكمة، وبهذا فإن السلطة هي اختصاص يتم ممارسة من قبل الحاكم بتخويل من الناخبين وفق أحكام الدستور، أي إن السلطة ليس حكرا على أحد، وإنما يتم تداول السلطة وفقاً لأحكام الدستور الذي يعتبر السلطة الذي لا تعلوه سلطة أخرى.

يتضح مما تقدم إن مبدأ التداول السلمي على السلطة من قبل الأحزاب والحركات السياسية يعتبر من أبرز آليات الممارسة الديمقراطية، فمن غير الممكن الحديث عن قيام دولة ديمقراطية ما لم يكن هناك إيمان واعتراف بمبدأ التداول السلمي على السلطة من خلال تبادل الحركات والأحزاب لمواقع الحكم داخل الدولة(43) وهذا يعني إن السلطة السياسية لم تعد حكراً على أحد أو لحساب حزب معين أو جهة معينة على حساب مصلحة الآخرين، وإنما السلطة يتم إدارتها من قبل الأحزاب والحركات السياسية التي تحصل على الأغلبية من أصوات الناخبين أثناء العملية الانتخابية، ولهذا فإن مبدأ التداول السلمي على السلطة قائم على أساس المنافسة الحرة مابين القوى السياسية، حيث تصير المنافسة وفقاً للأحكام الدستورية والقانونية، دون الخروج عنها، لأن الخروج عنها يعني الخروج عن القانون والنظام، ومن ثم الخروج عن الديمقراطية بل مفاهيمها، لذلك فالتداول السلمي على السلطة، يعني الاعتراف بشرعية النظام السياسي من قبل الشعب ومزاولة ذلك النظام لأعماله الدستورية وفقاً للقانون، وهذا الأمر بحد ذاتهِ يعتبر ترسيخ لأسس وقواعد الوحدة الوطنية، لأن الشعب بكل طوائفه، أغلبية وأقلية ممثلاً في هذه السلطة وحقهُ مصان وفقاً لأحكام الدستور، وبهذا يصبح جميع أفراد المجتمع ينتمون بقوة إلى المجتمع، ويشاركون بصورة فعاله في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ويتمتعون بنصيب عادل من عوائدها، وبالتالي فإن ذلك سوف ينعكس بشكل إيجابي على أمن واستقرار البلد، وذلك لأن مسألة تداول السلطة ومشاركة الجميع فيها، ومن خلال قنواتها المعروفة، سوف يحقق نوع من الإجماع السياسي، الذي يعتبر أساساً لبناء وتحقيق الديمقراطية.

رابعاً: حماية واحترام حقوق الإنسان

إن مسألة حقوق الإنسان والاعتراف بها من قبل الدساتير والتشريعات الداخلية في الدولة، أو في الاتفاقات الدولية والإقليمية لم يتحقق لها الاحترام والفاعلية المطلوبة ما لم يكن هناك ضمانات تعمل على حمايتها، والمقصود هنا بالضمانات الوسائل والأساليب المتنوعة التي يمكن بواسطتها حماية الحقوق والحريات من أن يعتدى عليها(44).

ويقصد بحماية حقوق الإنسان “مجموعة الإجراءات التي تتخذ على الصعيد الدولي والإقليمي وعلى الصعيد الوطني من قبل الجهات المختصة في بلداً ما ببيان مدى التزام سلطات هذا البلد بحقوق الإنسان والكشف عن الانتهاكات المرتكبة ووضع المقترحات لوقف هذه الانتهاكات بإحالتهِ إلى القضاء الوطني أو إلى قضاء دولي لمحاسبتهم”(45).

في سياق هذا المفهوم لحقوق الإنسان وممارستهِ في مجتمع ما، فإن هذه الحقوق لا تحقق بمجرد النص عليها في دستور الدولة وقوانينه ولا بمصادقة هذه الدولة على المعاهدات والاتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان وحرياته، فممارسة الحقوق والحريات لا نجدها إلا في ظل مجتمع حر يتمتع بنظام حر(46)، والصفة الرئيسة التي تميز هذا النظام هي خضوع سلطة الحكم للقانون عن طريق الضمانات التي تكمل الحقوق والحريات العامة، والتي في جوهرها عبارة عن مبادئ قانونية تضمن انصياع السلطة لمطالب الحرية، ويمكن إن نتناول هذه المبادئ على الشكل الآتي:

1. مبدأ سيادة القانون.

2. مبدأ الفصل بين السلطات.

3. مبدأ الفصل بين السلطتين المدنية والعسكرية.

4. مبدأ استقلال السلطة القضائية.

5. مبدأ الرقابة القضائية على دستورية القوانين.

6. مبدأ الرقابة القضائية على تصرفات الإدارة وقراراتها.

1. مبدأ سيادة القانون يعتبر من أحدى الضمانات الأولى والمبدئية لحماية حقوق الإنسان، حيث تخضع سلطة الحاكم في الدولة للقانون خضوع المحكومين لهُ وفقاً للدستور الذي يضع قواعد الحكم الأساسية، ويقرر الحقوق والحريات الخاصة للأفراد والجماعات، وبهذا يتحقق للأفراد المركز القانوني في مواجهة سلطة الحكم(47).

2. مبدأ الفصل بين السلطات:

المقصود بالسلطات هنا هو المؤسسات والهيئات العامة الحاكمة في الدولة وهي حسب وظائفها تقسم إلى ثلاثة سلطات تشريعية- تنفيذية- وقضائية.

والمراد هنا بالفصل بين السلطات الثلاث كضمانة من ضمانات حقوق الإنسان، هو أن تكون لكل سلطة من السلطات الثلاث في الدولة اختصاصاتها المحدودة. بحيث تكون كل سلطة منفصلة عن الأخرى انفصالاً مرناً، وذلك لمنع قيام حكم مستبد بتركيز السلطة بيد واحدة أو جهة واحدة، وبحيث تمارس كل سلطة رقابتها على الأخرى مع ضمان الحريات والحقوق في المجتمع(48).

والفصل بين السلطات، يعني عدم تركيز السلطات في الدولة في يد واحدة أو هيئة واحدة، فالشخص لا يجوز له أن يتولى أكثر من وظيفة واحدة من وظائف الدولة الثلاثة، التشريعية – التنفيذية أو القضائية، فمثلاً لو اجتمعت السلطة التشريعية أو التنفيذية في يد واحدة فقد يحدث أن يعّدل القانون لمراعاة أغراض شخصية وبذلك يفقد التشريع الغرض الأساسي لهُ وهو وضع قواعد عامة مجردة لتطبق على كل الحالات(49).

3. مبدأ الفصل بين السلطتين المدنية والعسكرية:

المقصود هنا بهذا الفصل هو عدم تدخل السلطة العسكرية في الشؤون السياسية، ومنع محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية وعدم ممارسة العسكريين للسلطة القضائية.

4. مبدأ استقلال السلطة القضائية:

القضاء معناه العام هو الفصل بين الناس في الخصومات والنزاعات على سبيل الإلزام، ودور القضاء كبير في المجتمع وذلك لإنصاف المظلومين، فالقضاء هو الوسيلة التي تسترجع بها الحقوق إلى أصحابها وتُصان بها الحريات والأعراض والأموال، وإن قيام القضاة بأداء وظائفهم بحرية واستقلال يعد من أكبر الضمانات لحماية الحقوق والحريات العامة والخاصة، وهذا يعني أن يتساوى أمام القضاء الجميع تحت سماء العدالة.

ويقوم مبدأ استقلال القضاء على مبدأ أساسي وهو “لكي تتحقق المساواة وتضمن العدالة في الحكم القضائي، يجب أن يتمتع القاضي بالاستقلال التام والحرية الكاملة في عملية اتخاذ القرار القضائي”(50).

5. مبدأ الرقابة القضائية على دستورية القوانين:

المقصود هنا بالرقابة القضائية، هو حماية حقوق الإنسان من تجاوزات السلطة التشريعية، وذلك من خلال منع المشرع من انتهاك المبادئ التي تهدف لضمان حقوق الإنسان أثناء عملية تشريع القوانين، ولتحقيق هذا الهدف يجب إنشاء محكمة دستورية عليا يكون اختصاصها الحكم بإلغاء القانون إذا ثبت عدم دستوريته، وتتجسد الرقابة في وجوب خضوع القوانين الصادرة عن السلطة التشريعية للرقابة القضائية للتأكد من مطابقتها للنصوص الدستورية.

6. مبدأ الرقابة القضائية على تصرفات الإدارة وقراراتها:

وهذا المبدأ يختص بحماية الحقوق والحريات من تجاوزات السلطة التنفيذية، وذلك من خلال مراقبة أعمال الحكومة والإدارة، عن طريق السلطات القضائية والتي تشمل تصرفات الإدارة وقراراتها، في حالة ثبوت الإساءة في استعمال السلطة فتقوم السلطة القضائية برد الأمور إلى ما كانت عليهِ، وتصحيح الخطأ والحكم بتعويض المتضررين(51)

حرب البوير

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالله العبيسي3330

حرب البوير الأولى هي حرب شبت بين البويريين (أفارقة من أصول هولندية) والإنجليز ما بين عامي 1880 م و 1881 م. و قد لحقتها بعد عدة سنوات حرب شبيهة عرفت بحرب البوير الثانية بين عامي 1899 و1902، اندلعت الحرب الأولى بين البوير والإنجليز عندما حاولت الحكومة البريطانية توحيد مستعمراتها في جنوب أفريقيا وهي: الكاب و ناتال و جمهوريتي البوير، وهما: الترانسفال وولاية أورانج الحرة، سعت الحكومة البريطانية إلى توحيد تلك المستعمرات بهدف تشكيل اتحاد فيدرالي في جنوب أفريقيا.

في عام 1874 قامت الحكومة البريطانية بتعيين اللورد كارنافون سكرتيرًا للمستعمرات و سرعان ما بدأت في التفاوض مع الإدارات المحلية من أجل تحقيق الاتحاد الفيدرالي. و لكن المفاوضات انهارت في عام 1877م. فقام اللورد كارنافون بإرسال السير ثيوفيلس شيستون لضم الترانسفال بالقوة، سافر مندوبان من البوير إلى لندن للاحتجاج على القرار، ولكن جهودهما لم تنجح، و نتيجة لذلك قرر البويريون إجبار القوات البريطانية على الخروج بالقوة، وفي عام 1880م قام البويريون بانتخاب كل من باول كروجر وبييه جوبير وبريتوريوس قادة في محاولة لفرض السيادة الوطنية و الاحتجاج على أفعال الحكومة البريطانية.

حدثت أول مواجهة في مدينة بوتشيفستروم في 16 ديسمبر 1880 م، عندما اجتاحت حامية بريطانية جمهورية البوير. وبعد أربعة أيام تحديداً هزم البويريون رتلاً بريطانيًا كان تحت إمرة الكولونيل فيليب أنستروتر بعد أن اشتبكوا عند برونهور ستسبرويت خارج بريتوريا. وفي 27 فبراير 1881م هُزمت القوات البريطانية هزيمة نكراء في معركة ماجوبار، ومنحت الترانسفال استقلالها سريعاً عقب ذلك التاريخ.

الثورة الأمريكية

كاتب الموضوع الأصلي: سيف السبيعي336

الثورة الأمريكية تشير إلى الأحداث التي وقعت في أواخر القرن الثامن عشر والتي قامت ضد بريطانيا، وأدت إلى استقلال دولة الولايات المتحدة عن الإمبراطورية البريطانية .

وكان من النتائج الهامة التي ترتبت على حركة الكشوف الجغرافية، تدفُّق الهجرة من أوروبا إلى الأراضي المكتشفة، وقام المهاجرون الإنجليز بتأسيس المستعمرات على الساحل الشرقي لأمريكا الشمالية.

وقد تأسست أول مستعمرة إنجليزية في عام1607 في جيمس تاون بولاية فرجينيا، ولم تكن تتألف في البداية إلا من حصن وكنيسة ومخزن وصف من الألواح الخشبية.

على أن أهم أسباب التذمُّر في المستعمرات الأمريكية كان يرجع إلى السياسة الاقتصادية التي اتبعتها إنجلترا هناك، فقد حتّم قانون الملاحة (التجارة) الذي صدر سنة 1651، نقل كافة الصادرات من المستعمرات إلى إنجلترا على سفن يملكها إنجليز،

ويتولى تشغيلها إنجليز. كما حتّمت التشريعات التي تلت ذلك القانون أن يُعاد شحن صادرات المستعمرات إلى القارة الأوربية في الموانئ الإنجليزية. ونظمت استيراد السلع الأوربية إلى المستعمرات بطريقة تعطي أفضلية للمصنوعات الإنجليزية،

وفرضت على المستعمرات إمداد البلد الأم بالمواد الخام، وأن لا تنافسها في الصناعة. كما خرجتإنجلترا من حرب السنين السبع مع فرنسا وهي تعاني من أزمة مالية حادة، نتيجة للنفقات الباهظة التي تكبدتها فيها، فلجأت إلى فرض ضرائب جديدة على سكان .

فأثارت هذه القوانين القاسية الغضب، ودخل الجنود الإنجليز عام 1775 في مواجهة مع متمردي المستعمرات في مساتشوسيتس، وأعلن البرلمان الإنجليزي أنمساتشوسيتس متمردة ويجب قمعها، وقرر تعبئة موارد الإمبراطورية لضرب الثورة، مما أدى إلى ظهور مناخ الحرب في المستعمر ،

وهكذا ظهرت إلى الوجود دولة جديدة أخذت في النمو والاتساع، حتى أصبحت بعد الحرب العالمية الثانية القوة العظمى في العالم .

كيف يضمن النظام السوري انحداره ؟

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالله الموسى 36336

في سعيه المحموم للبقاء مهما كلفه الأمر، يبدو أن نظام بشار الأسد – بدلا من ذلك – قد عقد العزم على حفر قبره بنفسه. ولم يكن هذا الطريق محتوما، فرغم أن حركة المظاهرات قوية وتزداد قوة، فإنها لم تصل بعد إلى الكتلة الحرجة التي تضع الأمر على طريق اللاعودة. ولا يزال الخوف يساور كثيرا من السوريين حيال إمكانية الانزلاق إلى الفوضى وتفكك البلاد، ومع ذلك يتصرف النظام كما لو أنه ألدّ أعداء نفسه، حيث يعزل نفسه عن أعمدة الدعم المحورية له: قاعدته الاجتماعية بين الفقراء، والغالبية السورية الصامتة، بل وربما قواته الأمنية أيضا. من جانبها تزعم السلطات السورية أنها تحارب عصابات إجرامية وحركة تمرد إسلامية ومؤامرة عالمية، وهي ادعاءات تحمل بعض الحقيقة، ذلك أن العصابات الإجرامية مستشرية بالفعل في البلاد، وتضم الثورة تيارات إسلامية، إلا أن هذه العناصر ليست نتاجا لأعداء النظام، وإنما هي وليدة عقود من سوء الإدارة الاجتماعية – الاقتصادية. والملاحظ أن غالبية الصدامات وقعت في مناطق حدودية، حيث ازدهرت شبكات الاتجار على علم وتواطؤ من قوات الأمن الفاسدة. في تلك الأثناء يعكس صعود الأصولية الدينية إهمال الدولة التدريجي لمسؤولياتها في مناطق كانت من قبل معاقل للحزب البعثي.

على امتداد الجزء الأكبر من الأحداث الأخيرة تورط النظام في حرب ضد الشريحة الاجتماعية المؤيدة له. جدير بالذكر أنه عندما تولى حافظ الأسد، والد بشار، السلطة طرح حزبه، الذي تهيمن عليه الطائفة العلوية، باعتباره ممثلا عن الريف المهمل وفلاحيه والطبقة الفقيرة المطحونة. واليوم نسيت النخبة الحاكمة جذورها، وقد ورثوا السلطة ولم يحاربوا من أجلها، ونشأوا داخل دمشق ليحاكوا أسلوب حياة الطبقة الحصرية الراقية التي اختلطوا بها، وقادوا عملية تحرير للاقتصاد على حساب الأقاليم.

الملاحظ أن بعض المتظاهرين يبدون سلوكا طائفيا عنيفا أقرب للسلوك البلطجية، إلا أنه عند النظر إلى بلطجية القوات الأمنية العلوية والعنف الذي تمارسه – في صورة اعتقالات واسعة وتعذيب وعقاب جماعي منذ اندلاع الثورة مطلع هذا الربيع – نجد أن رد الفعل الشعبي أبدى درجة مذهلة من ضبط النفس. ويسلط متظاهرون شباب الضوء على هذا الأمر عبر تداول صور لهم وهم يقفون مثل الإرهابيين المسلحين حاملين باذنجانا وقاذفات صواريخ مقلدة تطلق خيارا.

ويأمل النظام في الاعتماد على «الغالبية الصامتة»، وهم الأقليات، خصوصا العلويين والمسيحيين الذين يساورهم القلق إزاء إمكانية سيطرة الإسلاميين على السلطة، والطبقة الوسطى (المؤلفة من موظفي الدولة)، وطبقة رجال الأعمال التي تنبع ثرواتها من قربها من النظام. ولن تستفيد أي من هذه الفئات حال صعود طبقة فقيرة من الأقاليم، ويرون في العراق ولبنان ثمن الحرب الأهلية في مجتمع مقسم طائفيا، إلا أنه كلما طال أمد الاضطرابات تضاءلت صورة النظام كممثل للاستقرار، خصوصا وأن ادعاءه بأنه الضامن لهذا الاستقرار تدحضها أفعاله يوميا، وهي مزيج محير من الوعود بالإصلاح والمناشدة للحوار والقمع المتطرف المجنون. ومع استشراء القلاقل يتداعى الاقتصاد، مما يثير سخط طبقة رجال الأعمال.

ويعتقد كثير من المراقبين أن الأصل الجوهري الذي يتمتع به النظام هو أجهزته الأمنية، وليس الجيش، الذي لا يوليه النظام ثقته، ويعاني منذ أمد بعيد من تراجع الروح المعنوية في صفوفه. وتنصبّ ثقة النظام على وحدات بعينها مثل الحرس الجمهوري وفصائل من الشرطة السرية تعرف باسم المخابرات. وتتألف هذه الوحدات في معظمها من علويين. ويبدو أن النظام يؤمن بهذا الأمر أيضا، ويعتمد بالفعل على هذه الفئات لاحتواء الأزمة الراهنة، بيد أن هذا الأمر قد يأتي بنتائج عكسية، ذلك أن العنف فشل في وقف الطوفان المتصاعد من المظاهرات، وحتى بالنسبة لمن يرتكبون العنف لا يبدو أنه يخدم هدفا دفاعيا أو يترك تأثيرا ملموسا. إن شن الحملات القاسية ضد الجماعات الإسلامية المسلحة هي مهمة ربما بمقدور قوات الأمن تنفيذها إلى الأبد، لكن مطالبتهم بالتعامل مع إخوانهم المواطنين كأعداء أجانب أمر مختلف تماما وتبريره أصعب بكثير.

ولا يزال نظام الأسد يعول على غريزة البقاء الطائفية، مبديا ثقته في أن القوات العلوية – رغم ما يتعرضون له من أعباء كبيرة وما يتلقونه من رواتب ضئيلة – ستقاتل حتى النهاية المريرة. لكن الغالبية ستجابه صعوبة في تحقيق ذلك، فبعد ما يكفي من العنف الأخرق ربما تدفع هذه الغرائز القوات لاتجاه معاكس لما يأمله النظام. وبعد معاناتهم قرونا من التمييز والاضطهاد على أيدي الغالبية السنية، ينظر العلويون إلى قراهم الواقعة داخل مناطق قبلية يتعذر الوصول إليها نسبيا باعتبارها الملاذ الوحيد الحقيقي لهم. وتلك هي المناطق التي أرسل الضب

    اط السوريون أسرهم إليها بالفعل. ومن غير المحتمل أن يرى هؤلاء أنهم في أمان داخل العاصمة (التي يشعرون فيها بأنهم ضيوف مؤقتون)، حيث تحميهم قوات نظام الأسد (الذي يعتبره شذوذا عن القاعدة التاريخية) أو مؤسسات الدول (التي لا يثقون بها). وعندما يشعرون أن النهاية اقتربت لن يحارب العلويون حتى آخر رجل فيهم داخل العاصمة، وإنما سيفضلون التوجه إلى مسقط رأسهم. إلا أن النظام لا يزال يحظى بتأييد المواطنين المذعورين من مستقبل يكتنفه الغموض وقوات الأمن التي تخشى من انهيار النظام، وإن ظلت هناك مخاطرة أن يؤيد ذلك لإقناع القيادة المعتدة بنفسها أنه يكفي للخروج من الأزمة الراهنة إقرار مزيد من الإصلاحات المتذبذبة وشن مزيد من الجهود لكسر حركة المظاهرات بلا هوادة. في الواقع، هذا لن يسفر سوى تقريب المسافة من نقطة الانهيار الأخير.

    وحتى في هذه اللحظة من الصعب تقييم ما إذا كانت غالبية واضحة من السوريين تأمل في الإطاحة بالنظام، لكن الواضح أن غالبية داخل النظام تعمل بمرور الوقت على الإسراع من اندحاره.

    الحرب مع جيوش الظلام

    كاتب الموضوع الأصلي: عبدالله العبيسي3330

    الحرب مع جيوش الظلام!

    يوسف الكويليت – الرياض
    من أقدم المهن التي رافقت تشكيل الجيوش حالات التجسس التي ينبني عليها نجاح أي هجوم أو تراجع، أو تحقيق الانتصار، ومع الحرب الباردة، وبعد الحربين العالميتين بدأت تشكيلات العيون الخفية من عدة أجناس، وكان السباق بين السوفييت والغرب ساخناً حتى وصل إلى حروب التجسس الفضائية، وظل العالم الثالث ميدان المعارك سواء جاء عن طريق الأحزاب التابعة لأي طرف، أو الأقليات التي غالباً ما يدفعها الاضطهاد من قبل السلطات المحلية إلى الانتماء لأي قوة خارجية..
    منطقتنا العربية كانت ولا تزال ميدان المعركة الأكبر، وجاء السبب أن الانتماء الوطني والقومي ظل ضعيفاً بسبب واقع الحالة الاجتماعية والسياسية الذي تسبب بالعديد من الهزائم في مواجهة إسرائيل، فقد عملت على تطوير آلتها العسكرية والاستخباراتية ولذلك عشنا كيف ضربت مفاعل تموز بالعراق، وقتلت زعامات من فتح في تونس وغزت لبنان عندما هيأت لها عناصر حزبية وأجهزت على ما تدعي أنه مشروع مفاعل في سورية وحتى الداخل الفلسطيني كثيراً ما اختارت ضرباتها بسبب الطابور الخامس لها داخل الأرض المحتلة..
    الإعلام العربي كان المثال الأسوأ في خلق الفوضى وتبني سياسات العدو حتى إن رؤساء ومديري تحرير وكتّاباً كانوا ضمن العمليات التي ترتب لها الاستخبارات الأجنبية بضرب أي اتجاه لا يناسبها، ثم جاءت الانتماءات الجديدة والتي أفرزت طوابير جديدة ممن أخذوا بلعبة تسييس الدين، وجعل الفئوية والطائفية، وأي تنظيم إرهابي أهم من الوطن والمواطن، وحتى محاولة نشر أفكار تلك التنظيمات الطائفية كان عاملاً في صدام محتمل بين سنّة وشيعة، وطالبان والقاعدة مع أي عنصر لا يتلاقى مع أفكارهما..
    ثم جاء تدريب الإرهابيين وتصديرهم ومن مختلف الجنسيات، ومحاولة الحصول على أسلحة كيماوية وبيولوجية أو تصنيعها، وهو الهاجس الذي وضع العالم على مرحلة من الإرهاب الأخطر، ويقال الآن إن آخر الأسلحة المستخدمة والتي تتبناها، مع الأسف، بعض الدول، أو التنظيمات الأخرى تصدير المخدرات بمختلف عناصرها وان الممول بات مكشوفاً، وان بلداً مثل أفغانستان وتركيا ولبنان، وغيرها باتت مصدراً للتصدير حتى ان استخدام المافيا التي اختصت بتهريب وتسويق تلك السموم دخلت على خط النار مع القوى الداعمة لها، والتي تسهل لها طرق العبور إلى بلدان عربية وأجنبية تتعارض مع انتماءاتها وأفكارها، وهي حرب سهلة إذا ما تحولت المعارك إلى حروب سرية بوسائل قذرة..
    ومثلما قيل إن إسرائيل من أكبر دول الحرب مع العرب بكل الوسائل حينما نشرت داخل الأراضي المصرية الجرذان الترويجية، وإنها تدرب نوعاً من الغزلان المدمرة للمزارع لتطلقها في الأراضي اللبنانية والفلسطينية، واستخدامها أنواعاً من الأسلحة المحرمة، فإنها من الدول المصدرة للمخدرات لجيرانها العرب..
    المأساة أن الأرض العربية هي ميدان الحرب بكل أنواعها، وكما المستهدف المواطن أياً كان انتماؤه فإننا نعيش تسويق الأفكار والانتماءات وحالات التجسس، ودون تعميق الولاء ونضج المواطن فإننا لن ننتصر على الجيوش التي لا تعيش إلا في الظلام.

    مرحلة جديدة من التطور العالمي

    كاتب الموضوع الأصلي: عبدالله العبيسي3330

    مرحلة جديدة من التطور العالمي :

    هل العالم على مشارف مرحلة جديدة من مراحل تطور النظام العالمي؟
    هذا السؤال يطرحه المفكر الأسيوي الكبير السنغافوري الأصل كيشور محبوباني في كتابه الجديد ” نصف العلام الآسيوي ” وعنده أن القرارات التي سوف تتخذ اليوم يمكن أن تقرر مسار القرن الحادي والعشرين، وعنده كذلك أنه لم يحدث قط أن كان لدينا فرصة مثل المتوفرة الآن لإيجاد عالم أفضل لسكان العالم.
    لقد أدت الثورة العلمية وخاصة في العلوم والتكنولوجيا إلي إتاحة هذه الفرصة لنا، إلا أنه من الواضح أن العقول التي تقود العالم وخاصة في الغرب، مازالت أسيرة الماضي، رافضة أو غير قادرة على رؤية الفرصة المتاحة الآن لتغيير العالم إلي الأفضل، ولكن أن لم يفعلوا فسوف يكونون قد ارتكبوا أخطاء فادحة، وربما تكون كارثية.
    وقد كان قرار غزو العراق الذي اتخذته الولايات المتحدة والمملكة المتحدة في مارس 2003، أحد هذه الأخطاء، ومن الممكن الجدل بأن الأمريكيين والبريطانيين كانوا يقصدون فقط تحرير الشعب العراقي من أحد الحكام الطغاة وتخليص العالم من شخص خطير مثل “صدام حسين”.
    لم تكن لدي أي من بوش وبلير أية أغراض شريرة، إلا أن منهجهم الفكري كان أسير العقلية الغربية، وقد أعتقد كثير من قادة الفكر الأمريكيين أنه سيتم الترحيب بالقوات الأمريكية الغازية وسيتم استقبالها بالورود والرياض التي سيلقيها عليهم العراقيون في الشوارع، إلا أنه لا توجد دولة في النصف الثاني من القرن العشرين ترحب بالغزاة الأجانب.
    وبالتالي فإن فكرة أن أي دولة إسلامية سترحب بوطء الأحذية العسكرية على ترابها، فكرة سخيفة. أن غزوة العراق واحتلاله سيظل باقيا في الذاكرة ككارثة حضارية وحتى لو كان تنفيذ العملية قد تم بشكل جيد، فإن فشلها أمر محتوم.
    يقرر محبوباني أنه وعلى مدار القرون الثلاثة الماضية، كانت شعوب آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية مواد للتاريخ العالمي، وكانت القرارات التي شكلت التاريخ تتخذ في بضع عواصم غربية، كانت في معظم الأحيان هي لندن وباريس وبرلين وواشنطن العاصمة، فقد نشبت الحرب العالمية الأولي والثانية دون استشارة الغالبية العظمي من شعوب العالم، حيث أدخلت هذه الشعوب في حروب أوربية بالأساس، على الأقل حتى ظهر العدوان الياباني على الصين والباسفيك. أما الآن فإن بقية شعوب العالم التي يبلغ عددها حوالي 5.6 مليار نسمة والتي تعيش خارج العالم الغربي، لن تقبل أن يتم اتخاذ القرارات نيابة عنها في العواصم الغربية.
    ومن ثم هل يعتبر القرن الحادي والعشرون لحظة انتصار تاريخية للغرب أم لحظة هزيمة تاريخية له؟
    بحسب “كيشور محبوباني” فإنه لا يمكن الإجابة الآن، لأن الإجابة تتوقف على رد فعل الغرب تجاه نهضة آسيا. أن عدد الأفراد الذين يسعون في أركان العالم وراء تحقيق الحلم الغربي بزيادة حجم وقوة الطبقة المتوسط لم يكن في أي وقت أكبر مما هو عليه الآن.
    ولعدة قرون لم يكن بإمكان الصينيين والهنود أن يتطلعوا إلي تحقيق هذا الحلم، أما الآن فيزداد يوما بعد يوم من يعتقدون أن الحلم أصبح في متناول أيديهم، ومثلهم الأعلين في ذلك هو بلوغ ما حققته أمريكا وأوربا، فما يريدونه هو تكرار تجربة الغرب، وليس السيطرة عليه.
    يقودنا فكر كيشور محبوباني إلي البحث عن أبعاد قضية مهمة وهي أنه على الرغم من أن إسباغ العالمية على الحلم الغربي ينبغي أن يكون لحظة انتصار للغرب، فإن كثيرا من القادة الغربيين يبدءون خطبهم بالتنويه عن مدي خطورة الوضع العالمي. وقد قال الرئيس بوش في أغسطس 2006 أن ” على الشعب الأمريكي أن يعرف أننا نعيش في عالم خطر” كما أدلي غيره من القادة الغربيين بيانات مماثلة، فقد ذكر وزير الخارجية الفرنسية “ميشيل بارنييه” في فبراير 2005 “أن هناك الكثير من التحديات التي علينا مواجهتها في هذا العالم الخطر وغير المستقر أما السفير الكندي إلي الولايات المتحدة “مايكل ويلسون” فقد قال في عصر أصبح فيه العالم أصغر، وأكثر خطورة، فإن كندا تتقدم مع إعادة توجيه جهودها لمواجهة التهديدات الجديدة التي تواجه شعبنا “إن مثل هذه التصريحات لبعض القادة الغربيين تمثل روحا جديدة في الغرب، إلا وهي الاعتقاد بأن العالم قد أصبح أكثر خطورة مما سبق”.
    ويلفت محبوباني إلي أن أحد عناصر قوة الحضارة الغربية هو اعتقادها بأن تقدم المجتمعات يتم عندما لا تكون هذه المجتمعات أسيرة لإيديولوجية معينة. ويؤمن الغرب أن هذا ما ساعده على تحقيق أحد أعظم انتصاراته، بينما أنهار الاتحاد السوفيتي لأنه وقع في شرك إتباع أيديولوجية جامدة، أما المجتمعات الغربية فإنها على النقيض، كانت أكثر انفتاحا على الأفكار الجديدة، ولم تقع في فتح إتباع الإيديولوجيات الجامدة.
    لعل ما هدف إليه “كيشور محبوباني” في كتابه المتميز هذا هو ترك القارئ بعد قراءة هذا الكتاب ولديه شعور بالتفاؤل بشأن مستقبل العالم فهو مؤمن ومتفائل بأن مستقبل أبنائه سيكون أفضل كثيرا من مستقبله، وهذا هو السبب وراء إهدائه الكتاب إليهم، غير أنه يؤكد على أن النتائج المتفائلة لا تحدث تلقائيا بل تتطلب اتخاذ قرارات حاسمة وقد حان الوقت وقت العمل لإحداث هذا التدخل.

    الجاسوسة هبة سليم

    كاتب الموضوع الأصلي: سيف السبيعي336

    هبة عبد الرحمن سليم عامر (وفاة 1974) تعتبر أخطر جاسوسة تم تجنيدها من قبل الموساد أثناء دراستها بالعاصمة الفرنسية باريس نجحت في تجنيد المقدم مهندس صاعقة فاروق عبدالحميد الفقي الذي كان يشغل منصب مدير مكتب قائد سلاح الصاعقة العميد (وقتها) نبيل شكري ورئيس الفرع الهندسي لقوات سلاح الصاعقة في بداية السبعينيات، وقد امدها بمعلومات حساسه جداً عن خطط الجيش الدفاعية ولا سيما حائط الصواريخ الذي كان يحمي العمق المصري.

    والتي أجتمعت في مدرجات الجامعة بفتاة يهودية من أصول بولندية وأعطتها زميلتها البولندية فكرة عن الحياة في إسرائيل وأنهم ليسوا وحوشا وأنهم يكرهون الحرب وأنهم يريدون فقط الدفاع عن مستقبلهم ومستقبل أجيالهم القادمة ويريدون الإمان، وتم تجنيدها لصالح المخابرات الإسرائيلية.

    وقد كان لها استاذ بالجامعة فرنسي الجنسية.اقنعها بالالتحاق بجامعة السوربون بفرنسا لاكمال دراسة اللغة الفرنسية.وقال لها انه سوف يسهل لها الاجراءات. وقد كانت هذه هي نقطة البداية.

    وقد كانت من الذكاء.ان استطاعت بنشاطها في فرنسا ان تمد مدة اقامتها من بضعة اسابيع للدراسةإلى عامين كاملين. وفي هذه المدة تم تجنيدها للموساد تدريجيا. حيث كانت فرنسا في هذا الوقت مليئة بعناصر الموساد السرية.

    في أول أجازة لها بمصر كانت مهمتها الأساسية تنحصر في تجنيد فاروق الفقي الذي كان يلاحقها ووافقت علي خطوبته وبدأت تسأله عن مواقع الصواريخ الجديدة التي وصلت من روسيا. كانت ترسل كل المعلومات الي باريس واستطاعت تجنيده ليصير عميلاً للموساد وتمكن من تسريب وثائق وخرائط عسكرية بها منصات الصواريخ “سام 6” المضادة للطائرات.

    وقد قبض عليها بعد علمها بالقبض على زوجها واستحالتهم على والدها حيث أرسل البرقية بأنه مريض وتم الأتفاق مع الأمن الليبي في القبض عليها هناك وتم القبض عليها .

    أعدامها :
    مثلت هبة أمام القضاء المصري ليصدُر بحقها حكم بالإعدام شنقا بعد محاكمة اعترفت أمامها بجريمتها، وأبدت ندماً كبيراً على خيانتها بل إنها تقدمت بالتماس لرئيس الجمهورية لتخفيف العقوبة لكن التماسها رفض.

    وكان وقتها هنري كيسنجر وزير الخارجية الأمريكي قد حضر إلى أسوان لمقابلة الرئيس السادات، في أول زيارة له إلى مصر بعد حرب أكتوبر 1973 وفوجئ السادات به يطلب منه بناء على رغبة شخصية من جولدا مائير أن يخفف الحكم عليها، التي كانت تقضي أيامها في أحد السجون المصرية. وفطن السادات أن الطلب سيكون بداية لطلبات أخرى ربما تصل إلى درجة إطلاق سراحها.

    فنظر إلى كيسنجر قائلاً: “ تخفيف حكم؟ لقد أعدمت ”.

    وعندما سأل كيسنجر بإستغراب: “متى؟”.

    رد السادات دون أن ينظر لمدير المخابرات الحربية الذي كان يقف على بعد خطوات وكأنه يصدر له الأمر: “النهارده.

    تم تنفيذ حكم الإعدام شنقاً في هبة سليم في اليوم نفسه في أحد سجون القاهرة على يد عشماوي.

    ايران والنووي ؟

    كاتب الموضوع الأصلي: عبدالله العبيسي3330

    إيران لن تتنازل عن رغبتها في الحصول على السلاح النووي ومن يعتقد ذلك فهو لا يرى في الواقع السياسي رؤية واضحة فحتى الدول التي تحاور إيران من اجل سلاحها النووي تدرك ذلك من خلال الصعوبات التي تواجه المحادثات مع إيران

    فهْم القضية الإيرانية بين الشعوب في الخليج وحكوماتها ليس متضارباً ولكنه يشكل وجهين لعملة واحدة؛ حيث تشكل هذه العملة الخطر المحتمل لإيران المؤدلجة والتي من الممكن أن يطال خطرها المنطقة، فالشعوب الخليجية ترى الخطر الايديولوجي حيث تعلن إيران وتعمل في ذات الوقت على تفعيل المد الطائفي المتطرف، واستغلال اتباع المذهب البسطاء في المنطقة تحت غطاء سياسي وعبر افتعال الازمات السياسية واستثمارها لتحقيق الاهداف على حساب المناطق السنية وهذا ما يحدث في العراق وسورية واليمن.

    من جانب الحكومات تسعى إيران الى ان تصبح شرطي المنطقة بسلاح نووي وبأيديولوجيا ذات أهدف راسخة تسيطر عليها فكرة ولاية الفقيه حيث تسعى إيران الى تحقيق اندماج قوى بين منهجها السياسي بغلافه الديمقراطي، وبين اهدافها التوسعية فيما يخص الأيديولوجيا التي تعتنقها.

    إيران لديها اهداف في المنطقة أخطر وأبعد من مجرد الحصول على السلاح النووي ولعل الصيغة التي بنت فيها إيران مليشيات حزب الله في لبنان ومحاولاتها تكرار نفس المنهج في اليمن مع الحوثيين تفسر القوة التي تتمتع بها ولاية الفقيه في توجيه السياسة الايرانية وفقا لمتطلبات تاريخية وقواعد للعبة سياسية تستمد افكارها من التاريخ ومن افكار المظلومية والانتقام.

    منذ قيام الثورة الايرانية والازمة المذهبية تشكل ركنا اساسيا متصاعدا في صورة المنطقة وفي تحركاتها السياسية، وعملت إيران على تحقيق متطلباتها الرئيسة بالحصول على السلاح النووي لفرض هذه الازمة المذهبية بالقوة على المنطقة وشعوبها، ولعل تواجد إيران واحتلالها لسورية وكذلك تدخلها في البحرين يفسر اقتراب إيران من الحصول على القوة النووية التي قد تمكنها من إكمال مشروعها المؤدلج على حساب المنطقة وشعوبها.

    إيران بأهدافها السياسية المؤدلجة تطرح امامنا السؤال المهم حول ما يمكن ان تفعله دول الخليج تجاه إيران ومخططاتها في المنطقة وخاصة ان لدى إيران قضيتين مهمتين يصعب التنازل عنهما؛ لأن في ذلك نهاية للثورة ومرشدها (النووي _ تصدير الثورة وتعزيز الطائفية).

    إيران لن تتنازل عن رغبتها في الحصول على السلاح النووي ومن يعتقد ذلك فهو لا يرى في الواقع السياسي رؤية واضحة فحتى الدول التي تحاور إيران من اجل سلاحها النووي تدرك ذلك من خلال الصعوبات التي تواجه المحادثات مع إيران ، ولعل جولة جنيف خير دليل على أن ايران تريد ان تأخذ اكثر مما تعطي، وتحاور من منطلق أقوى.

    إيران ايضا لن توقف مشروع تصدير الثورة بشقه المؤدلج ونشر المذهب على حساب التوزيع الديموغرافي في منطقة الخليج وغيرها، فالخطط الايرانية تستخدم المذهب كذراع اساسية لتنفيذ خططها السياسية المرتبطة بحصولها على السلاح النووي، ويبقى السؤال الاساسي مرة اخرى ما الذي يمكن فعله تجاه ايران..؟

    ايران تواجه الدول الكبرى من اجل برنامجها النووي دون إشراك أي دولة خليجية او تمثيل عن مجلس التعاون الخليجي وهذا في حقيقته لا يخدم المنطقة لان ضمان امن منطقة الخليج لا يمكن الاعتقاد به فقط من خلال تصريحات المجموعة الدولية التي تتفاوض مع ايران ، فكما تحاول روسيا أن تفرض حضور ايران لمؤتمر جنيف الخاص بسورية يجب على الدول الخليجية ان تضغط في سبيل مشاركتها لحضور مناقشات (خمسة زائد واحد).

    اهمية مشاركة دول الخليج في مفاوضات السلاح النووي مع ايران تنطلق من حجم الخطر الذي يمكن ان تشكله دولة (ثيوقراطية) فإيران بشكل خاص يديرها تاريخ طويل من المذهبية المتطرفة تجاه مذاهب مختلفة من المسلمين، وهذا يعني ان الاتفاق مع ايران ولو على برنامج نووي سلمي سيشكل خطرا محدقا للمنطقة وخاصة انه من المحتمل وبشكل كبير ان تنهار تلك الاتفاقات الدولية مع ايران في المستقبل فالسياسة الايرانية القائمة على المذهبية المختلطة مع السياسة لا يمكن الوثوق بها فالتاريخ والواقع والتجارب تثبت أن ولاية الفقيه بتفاصيلها الدقيقة هي منهج سياسي توسعي غير موثوق.

    اليوم ايران التي جلس الغرب معها على طاولة واحدة عليه ان يكون اكثر معرفة بحجم الخطر الذي يمكن ان تشكله ايران في المنطقة، ولن يستطيع الغرب إغلاق منافسات الحصول على السلاح النووي سواء لأغراض سلمية او غيرها في منطقة الشرق الاوسط فهناك دول قريبة من ايران وبعيدة عنها ستطالب بمعاملتها بالمثل في حال حصلت ايران على أي نوع من الطاقة النووية سلمية او غيرها.

    محادثات الدول الكبرى مع ايران تعكس حجم المشكلة التي تواجهها المنطقة بل تعكس ايضا الضعف الذي يعاني منه مجلس الامن.. هذا الضعف وعدم القيام بالمهام الرئيسة للمجلس من حيث حماية الامن والسلم العالميين جعل الازمة السياسية في المنطقة تصل الى هذه المرحلة المتقدمة من المشكلات فهناك دول كبرى استغلت وجودها الدائم في مجلس الامن كممثل عالمي لكي تعيد استراتيجية تواجدها ومصالحها في منطقة الشرق الاوسط على حساب الشعوب في تلك المنطقة.

    دول الخليج وهي المعنية الاكبر حول الخطر الذي يمكن ان تشكله الاسلحة النووية في المنطقة عليها ان تمارس الضغوط الدولية لكي تكون طرفا اساسيا في كل الحوارات التي تهم منطقتها وخاصة ان إيران تعمل على كسب كل المواقف الدولية والمحلية، ولعل أخطر سلاح تم استخدامه من قبل ايران هو الطائفية التي يمكن لدول الخليج التعامل معها من خلال تعزيز منهج المواطنة بين شعوب الخليج، وتنفيذ البرامج الوحدوية لبناء وحدة قوية قادرة على مواجهة المخاطر المحتملة في المنطقة.

    اليوم الغرب يمنح إيران كل التسهيلات السياسية والطائفية في المنطقة من اجل تخلي إيران عن سلاحها النووي وستكون الكثير من الدول والازمات والاحزاب ثمنا جاهزا سوف تقبضه إيران مقابل أن تستمع لمطالب الغرب الذي وصل الى مرحلة الضعف امام مطالب إيران وهذا ما لم يحدث في تاريخ العالم ومنظماته الدولية.

    إيران قد تصل الى اتفاق مؤقت مع الدول الكبرى مستقبلاً ولكنها سوف تعلن على الملأ خلال سنوات وجيزة دخولها النادي النووي العالمي عندها سيحصد العالم والمنطقة بشكل خاص تراخي دول العالم وعدم جديتها في رؤية الواقع الحقيقي للمنطقة سياسياً ومذهبياً وثقافياً..