أ.د. أحمد محمد وهبان

أهمية دمشق في منظور السياسة الروسية

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالمجيد بديوي411

رغم المقاطعة الغربية الواضحة لسورية في الأعوام الاخيرة ولأسباب ‏كثيرة، فان العلاقات بين موسكو ودمشق تعززت وتوطدت منذ الزيارة الاولى التي قام بها الرئيس ‏السوري بشار الاسد لروسيا في كانون الثاني 2005. وثمة مؤشرات استجدت مؤخراً تدعو لسير البلدين في هذا الاتجاه، بشكل أكثر وضوحاً. فبعد صدورتقرير بيكر – هاملتون، تغيرت الوقائع على ‏الارض لصالح سورية، وبدأت الادارة الاميركية تسعى لدعم دمشق في أزمة بعد أن كانت تلوح بتغيير النظام فيها. في وقت ستسعى فيه موسكو نحو الاستفادة من هذه التغييرات في رسم علاقاتها الندية الجديدة مع واشنطن وفي بحث سبل العودة –وإن متأخراً- إلى المنطقة عبر بوابة دمشق الحليف القديم الجديد.
وربما ليس من المصادفة أيضاً أن يحدد موعد زيارة الاسد الى موسكو بعد أيام ‏قليلة من تبرئة تقرير براميرتز لسورية من تهمة عرقلة التحقيق، خصوصاً وأن المعادين لدمشق في الغرب والشرق – على حد سواء- قد يرغبون ويسعون فقط لقراءة أي اتهام لسورية في ‏صفحات التقرير.
الشرق الأوسط كجزء من مجموعة أجزاء تستكمل بقايا تركة الحرب الباردة:
إن تحليل كيفية التعامل الروسي مع دمشق لابد أن يأخذ بعين الاعتبار الأبعاد الإقليمية والدولية لمجمل الحساسيات العالقة بين واشنطن وموسكو، وانعكاساتها على قضايا المنطقة.
فالإدارة الأمريكية دعمت في كل من أوكرانيا وجورجيا السياسيين المناوئين لموسكو، ودعمت توسع حلف الناتو ليضم دول الجوار الروسي المباشر، فضلاً عن مؤشرات على دعم الولايات المتحدة غير المباشر لمتمردي الشيشان، كذلك تبدو واشنطن وكأنها تقف عائقاً في وجه انضمام روسيا إلى منظمة التجارة العالمية، وفي وجه تحسن العلاقات الروسية – الأوروبية على الصعيدين السياسي والاقتصادي.
إذ استغلت واشنطن أزمة الغاز الروسية – الأوكرانية للترويج والتحريض على روسيا عند الأوروبيين، عن طريق سلاح الطاقة، وفي 24 تشرين الثاني 2006 تفجرت الأزمة بشأن “ميثاق الطاقة” الذي أصر الأوروبيون على تصديق روسيا عليه كشرط لتوقيع اتفاق شراكة وتعاون معها، ورفضت روسيا التوقيع، وغادر بوتين القمة مصراً على موقفه ومبدياً عدم اهتمامه بتوقيع شراكة جديدة مع الأوروبيين تمس بالمصالح روسيا في قطاع الطاقة.
وتدل المؤشرات السابقة على أن واشنطن تسعى بجهود منظمة إلى زعزعة الموقع الاستراتيجي لروسيا على المستويين الإقليمي والدولي، وقد بدأ تنفيذ هذه السياسة منذ عهد يلتسين، إلا أنها اتخذت منحىً متسارعاً مع مجيء الرئيس بوتين. وتشير بعض المعلومات من سيناريوهات أمريكية لتنظيم تحركات مناوئة لبوتين على غرار «الثورات الملونة» ولكن هذه المرة داخل روسيا نفسها، عن طريق الترويج للحديث عن:
1. تحول بوتين إلى التسلط والديكتاتورية
2. سعي الفريق الحاكم، الذي نجح بوتين في تشكيله من أبناء مدينته سان بطرسبورغ وزملاء المهنة من ممثلي أجهزة الأمن والقوة، إلى السيطرة على أكبر مصادر الثروة بما فيها كبريات شركات النفط والغاز. وسعيه أيضاً لإحكام السيطرة على وسائل الإعلام.
3. فشل سياسات بوتين تجاه عدد من بلدان الاتحاد السوفييتي السابق.
4. تدهور الأوضاع المعيشية و تزايد عدد المليارديرات الذي بلغ 28، ولم يكونوا أكثر من ثمانية عام 2000.
روسيا من جانبها اعتمدت أسلوب الرد على التحرشات الأميريكية، في أكثر من مناسبة، فأغلقت إمدادات الغاز عن أوكرانيا، ورفعت سعر الغاز الروسي من 50 إلى 230 دولاراً. معتبرة أن الخيارات السياسية لكييف تعني ضمناً إنهاء مساعدات الطاقة لها. كذلك بدا أن روسيا تستغل النزعات الانفصالية لجمهوريتي أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية لممارسة الضغط على حكومة تبليسي الموالية للبيت الأبيض. كما استقبلت موسكو عدو واشنطن اللدود هوغو شافيز، وباعته كميات كبيرة من البنادق الحربية، ويتم الحديث عن نية الأخير شراء مقاتلات سوخوي لتحل محل طائراته الأمريكية المتقادمة.

سياسة روسيا تجاه الشرق الأوسط:
في ظل أجواء التصادم وانعدام الثقة التي تشهدها العلاقات الروسية – الأمريكية، قد تذهب القيادة الروسية إلى حد عدم ادّخار أي فرصة لعرقلة مشاريع الإدارة الأمريكية في أي مكان في العالم، وإلى السعي ما أمكن لمنافسة النفوذ الأمريكي المتنامي. وقد ظهر هذا التوجه الروسي واضحاً من خلال مواقف موسكو في التعامل مع بعض القضايا خلافاً للرؤى والرغبات – والضغوطات أحياناً- الأميريكية، وكأمثلة:
1. التعامل مع حماس عقب نجاحها في الانتخابات البرلمانية الفلسطينية.
2. عرقلة أي موقف دولي يفضي إلى فرض عقوبات على إيران داخل مجلس الأمن، واستمرار تنفيذها مشروع محطة بوشهر النووية، وتزويد طهران بأنظمة قتالية متقدمة بما فيها أنظمة صواريخ متطورة مضادة للطائرات.
3. الرفض الروسي لتسييس التحقيق في جريمة اغتيال الحريري، وتأكيدها على عدم السماح لأعداء سورية السياسيين باستخدام التحقيق لمصلحتهم. وساهمت في تخفيف حدة العديد من القرارات التي كان يراد من ورائها الضغط على سورية أو زعزعة استقرارها.
الموقف من سورية:
• بناءً على كل ماسبق، قد يقترب موقف روسيا من الأزمة الحالية في لبنان أكثر من جانب قوى المعارضة، إلا أن مقدار الدعم المتوافق مع ذلك يخضع إلى مساومات معينة مع واشنطن. قد تدفع روسيا باتجاه تسوية لبنانية مبدئية تضمن الحد الأدنى من المكاسب للمعارضة، وابتعاد المحكمة الدولية عن بعض رموز الحكم السوري، فبقاء الحكم في سورية هو بقاء لآخر ما تبقى من مناطق نفوذ روسي في المنطقة. وتعي موسكو كثيراً أن خلاف ذلك يعني إنهاء آخر دور استراتيجي محتمل لها مستقبلاً، فيها.
• تعتبر روسيا الوسيط الوحيد الذي يستطيع دعم تسوية الوضع في لبنان بسبب علاقاته واتصالاته مع كامل الأطراف. في الوقت الذي لا توجد فيه أي اتصالات فعلية وملموسة بين سورية وإيران وحزب الله من جهة والغرب من جهة أخرى.
• الرد الروسي على المسؤولين الإسرائيليين الذين حملوا أجزاءً من الصواريخ الروسية الصنع محتجين على أن بيعها إلى سورية قد أوصلها إلى حزب الله. لعله يفسر حرص موسكو على علاقتها مع دمشق فقد أشار الخبراء الروس إلى أن تلك الأجزاء لا تحمل أرقاماً متسلسلة، وبالتالي فمن الممكن أن تكون أن تسرّبت عبر تجار السلاح من دول الاتحاد السوفييتي السابق ودول الكتلة الشرقية التي بعضها يمتلك وبعضها الآخر يصنع هذه الأنواع من الأسلحة، وقد يفهم من الرد الروسي أكثر من ذلك، أن الشكوى الإسرائيلية لن تحول دون بيع السلاح الروسي إلى سورية مجدداً.
• وفي البعد الاقتصادي، يرى رجال الأعمال الروس أن من الضروري مضاعفة التبادل التجاري، وأن يتم توقيع إتفاق حول التجارة الحرة بين البلدين، لتحقيق هذا الهدف.
• كما ينظر راسمو السياسات الاقتصادية في روسيا إلى أهمية ربط روسيا مع سورية والوطن العربي بشبكة من المصالح والعلاقات الاقتصادية، من خلال توظيف واستثمار رؤوس الأموال العربية في روسيا التي تعتبرُ تربة خصبة للاستثمار. وإلى كون سورية يمكن أن تلعب دوراً إيجابياً في الدفع إلى هذا الاتجاه وتطويره. وهذا ما سيؤدي بطبيعة الحال إلى التأثير على مسارات وتوجهات السياسة الروسية وتفعيل دورها في المنطقة.
مؤشرات ودوافع لاهتمام موسكو بالحليف السوري

لا يخفي الدبلوماسيون الروس أن موسكو بذلت كل ما في وسعها خلال السنتين الأخيرتين من اجل ‏أن تكون مواقف الأعضاء الآخرين في مجلس الامن الدولي تجاه سورية غير مسيسة وبدون أحكام ‏مسبقة قدر الامكان.
كما دعت روسيا إلى عقد لقاء أطراف “رباعي” الوسطاء الدوليين للتسوية في الشرق الأوسط. إذ قال سيرغي لافروف وزير الخارجية الروسي في حديث مع الصحفيين: “نحن نعتقد أن من المهم إجراء مثل هذا اللقاء بأسرع وقت ممكن”. وأن الأمر المثالي أن يجري لقاء “الرباعي” بعد أن يتم التوصل في فلسطين إلى اتفاق بصدد تشكيل حكومة الوحدة الوطنية. بحيث يضم هذا الرباعي كلاً من روسيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوربي والأمم المتحدة.
وموسكو مهتمة جداً بدعم الاستقرار في سورية، والمنطقة عموماً لأسباب سياسية واقتصادية. إذ تعتبر سورية بفضل موقعها في قلب منطقة الشرق الأوسط الجسر الذي تتقاطع فيه طرق المواصلات والتجارة وأنابيب نقل النفط والغاز بين بلدان الخليج وأوروبا.
وقد اعطى لقاء الرئيسين فلاديمير بوتين وبشار الاسد في ‏موسكو في كانون الثاني 2005 دفعاً قوياً لتطوير العلاقات بين البلدين لم تحصل عليه منذ ‏تفكك الاتحاد السوفياتي، كما فتحت تسوية مشكلة الديون الروسية المستحقة على سورية ‏آفاقاً جديدة للتعاون الثنائي واكسبته ديناميكية ايجابية. كما دخل رأس المال الروسي والتكنولوجيا الروسية الى الكثير ‏من قطاعات الاقتصاد السوري، بما فيها القطاع المصرفي، والنفط والغاز، ومنشآت البنى ‏التحتية للنقل، والطاقة، والزراعة والسياحة.
من جهة أخرى، يحتدم الجدل بين الاوساط البرلمانية والسياسية الروسية حول مسألخ خلافة الرئيس بوتين الذي تنتهي ولايته في آذار 2008، ويترافق هذا الجدل مع بحث احتمال إجراء تعديلات دستورية قد تسمح بإعادة انتخابه لفترة ثالثة. في الوقت يؤكد فيه بوتين نفسه استحالة إجراء أي تعديل دستوري في هذا الشأن، وإن لم يستبعد التفكير في احتمالات العودة عام 2012، باعتبار أن المادة /81/ لا تسمح بإعادة انتخاب الرئيس لأكثر من فترتين متتاليتين.
وبما أن المقربين من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يعرفون عنه دقته البالغةً في علاقاته وتحركاته السياسية، قد يمكن القول إن تكليفه نائب وزير الخارجية الروسي الكسندر سلطانوف نقل دعوته الى ‏الرئيس الاسد ورغبته بلقائه، في هذا الوقت بالذات له دلالات كثيرة، فسواء أراد بوتين البقاء في الحكم، أو العودة عام 2012، فإنه لا شك سيكون مهتماً كثيراً، لتأسيس وترسيخ علاقات تحالف مع دولة حساسة وهامة من وزن سورية، ومع رئيس شاب هو بشار الأسد، ليس غريباً إن استمر حتى ما بعد عام 2012.

Leave a Comment