أ.د. أحمد محمد وهبان

المسلم البريطاني وعقدة الضحية

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالمجيد بديوي411

لم يكن زعيم الاكثرية في البرلمان البريطاني جاك سترو يرغب بأكثر من فتح النقاش حول مسألة شكلية تتلخص بارتداء بعض النساء في دائرته الانتخابية (بلاكبورن) للنقاب، حتى انهالت عليه الانتقادات من بعض الناطقين باسم الجاليات الاسلامية كان أقلها التعبير عن القلق من التعليق، بينما بث آخرون رسالة حادة عبر الفضائيات العربية تعبر عن الغضب من هذا التدخل بشؤون المسلمين، بينما لم يقل الرجل أكثر من أن ظاهرة ارتداء النقاب تقلقه، وهو لم يتحدث باسم الحكومة ولم يطالب بمنع النقاب.
هذا الانفعال يزعج الكثيرين من ابناء الجالية المسلمة في بريطانيا أمام تعليق هادئ النبرة نشر في صحيفة محلية للوزير سترو، المعروف برصانته وموضوعيته ازاء العديد من القضايا في العالم من بينها وقوفه مع انضمام تركيا كبلد مسلم الى الاتحاد الاوروبي عندما كان وزيرا للخارجية بينما عارضه وزراء اوروبيون آخرون. ردود الافعال الحادة هذه باتت سمة لمن يطرحون انفسهم ممثلين للجالية المسلمة، بتصريحاتهم العنيفة في وجه مجتمع يقدم بدائله الديموقراطية لايصال وجهات النظر. على هذه الجاليات ان تستمع للصوت الآخر فيها وتدرك انها لا يجب أن تكتفي بمطالبة المجتمعات التي تعيش فيها ان تتقبل ثقافتها وسلوكها وطقوسها، من غير ان تفعل هي الامر نفسه أيضا.
لماذا يعتقد المسلمون في اوروبا أنهم فوق المجتمعات الغربية، وان طرح اي قضية تخصهم يدفعهم الى تحويل النقاش العام الى حرب نفسية هم ضحايا لها، منطلقين من وهم ان العالم كله يتآمر ضدهم!
تطرح المواقف المتشنجة لبعض المسلمين في اوروبا تساؤلا حول مدى استعدادهم للاندماج في هذه المجتمعات كمواطنين يدافعون عن قيمها الديموقراطية، لا كأعداء لها. واذا اخذنا المجتمع البريطاني تحديدا فبريطانيا من الدول التي تركت للجاليات المهاجرة ان تعيش حياتها من خلال مجتمعات موازية للمجتمع الاصلي، فتمتع المسلمون مثلا بمحلات اللحوم الحلال وبدور العبادة وبالمدارس الدينية وبممارسة طقوس حياتهم اليومية بطريقة هي الاقرب لما اعتادوا عليه في مجتمعاتهم الاصلية، بالاضافة الى جوازات السفر والضمانات الاجتماعية. وهي سياسة ينتقدها البعض الآن كما فعل رئيس حزب المحافظين في مؤتمرهم الاخير، منطلقا من انها عرقلت اندماج الاقليات في المجتمع البريطاني. هذه الحرية الكبيرة ساهمت في خلق «غيتو» جعل الجالية تعيش خارج ثقافة المجتمع الجديد، متجاهلة أنظمته التي تقوم على الحريات والتعددية. بل وصل التمادي الى حد انه صار مطلوبا من البريطانيين ان يلووا عنق ثقافتهم وتقاليدهم لتتلاءم مع قناعة المتشددين من المسلمين.
لقد ساهم عصاب الخوف على الثقافة الاصلية والدين لدى الجاليات المسلمة في اوروبا في عدم استيعابها لطبيعة مجتمعات تخلصت من ثقل الموروث ومن وصاية رجال الدين على الافراد والمؤسسات. مجتمعات تطرح كل قضاياها علنا للنقاش والجدل بمشاركة وسائل الاعلام، ولا يستثنى من ذلك رئيس دولة أو مسؤول. أما رفض المسلمين لأن يناقش المجمتع الاوروبي القضايا التي تخصهم فيجعلهم يبدون كمرضى هستيريين لا يمكن ان يتحاوروا بغير الصوت العالي والانفعال الحاد. انها ظاهرة تميز الجاليات المسلمة الآن في اوروبا عن المسلمين الآخرين. في اوروبا والغرب عموماً يسيس المسلم دينه وثقافته ويقدمهما للآخرين بصورة تتسم بالعنف وأحادية النظرة، ومن مخاطرها ليس فقط تقديم صورة سيئة عن الاسلام والمسلمين، بل استثارة التوجهات اليمينية واعطاؤها الحجج لاعلان عنصريتها ومطالبتها بالتخلص من الاجانب، على رغم ان المجتمع البريطاني صارم في هذه النقطة ولا يسمح بأي تجاوز للتنظيمات العنصرية. ولكن حتى المتعاطفون مع المسلمين، كبعض الصحف الرصينة، باتت تبدي انزعاجها من حساسية المسلمين لأي نقد. وقد أكدت بعض المقالات التي تناولت تعليق سترو حول النقاب على مبدأ انه «من حق المرأة المسلمة ان ترتدي ما تشاء، لكن من حق جاك سترو ان يقول رأيه ايضا».
هذه القاعدة الخاصة بحق الاخر في التعبير عن رأيه تبدو بعيدة الاستيعاب عند البعض الذي جعل مضمون الاسلام يتمحور حول مظاهر شكلية من الاقمشة والاغطية الخاصة بالرأس حتى اخمص القدمين. فقبل سنتين انشغل المجتمع البريطاني بقضية الطالبة المسلمة التي رفضت ادارة مدرستها السماح لها بالدخول بثوب هو اقرب الى الجلابية وربحت الفتاة القضية على اية حال. غير أن مثل هذا التركيز يهمل في الطريق قضايا اخرى يجب التركيز عليها خدمة لهذه الجالية، من بينها مسألة البطالة المنتشرة بين افرادها مقارنة بمواطني البلد الآخرين.
كل الشؤون الخاصة بالجالية المسلمة وبالاسلام يمكن طرحها وتقديمها بصوت عقلاني رصين يحسن من صورة المسلم في بريطانيا، بعد ان تعقدت الامور منذ احداث 11 سبتمبر وبعد تفجير القطارات في لندن في تموز (يوليو) 2005 على يد شبان مسلمين من اصول آسيوية. وكان على الجالية المسلمة التي تجيد تحريك التظاهرات الزاعقة عند كل قضية، ان تتحرك لتبدي حسن نياتها بعد تفجيرات لندن، فتخرج بمسيرة تستنكر ذلك الارهاب، على الاقل لترد الجميل لشعب أخرج أكبر تظاهرة شهدتها بريطانيا والعالم ضد الحرب على العراق، مع رفع لافتات تشكك وتكذب الحجج الرسمية لشنها ورفض المتظاهرين ان تكون الحرب باسمهم. الا ان المسلمين ممثلين بالمنظمات الرسمية في بريطانيا لم يفعلوها ولم يهدئوا من روع المجتمع البريطاني بالتأكيد على أنهم ضد ما يهدد أمنه وسلامته، واكتفوا بتنديد شفوي، على استحياء.
على الجاليات المسلمة ان تخرج من حالة الضحية الى اثبات انها جزء أساسي من المجتمعات الاوروبية لا تتوقف همومها عند حدود الشأن الاسلامي، بل تمتد الى المصلحة العامة للبلد، على الاقل للتأكيد على ان مشكلة المسلمين في الاساس هي مع الاستبداد لا مع سيكولوجياتهم التي تبنت روح هذا الاستبداد.

Leave a Comment