البعثة الدبلوماسية:
كاتب الموضوع الأصلي: ناصر بن تنيبيك
تتطلب عملية التمثيل والتفاوض التي تجرى بين الدول وما يترتب عليها من أعمال فرعية اضطلاع عدد من الأشخاص بمهام محددة.
لذا جرت العادة بين الدول أن توفد كل منها مجموعة من الأشخاص للقيام بتلك المهام. وعادة يرأس المجموعة الموفدة شخص مسؤول يعتبر الممثل الأصيل لدولته لدى الدولة الموفد لديها ويقوم بإدارة المجموعة وتوزيع العمل بين أعضائها.
وتشكل المجموعة بما فيها الرئيس ما يسمى أو يعرف “بالبعثة الدبلوماسية” Diplomatic Mission وليس هناك حجم محدد من الأفراد للبعثة الدبلوماسية وإنما يعتمد عدد أفراد البعثة على المصالح التي تربط الدولة الموفدة للبعثة بالدولة الموفدة إليها.
وتتحدد، مرتبة البعثة الدبلوماسية حسب الأهمية التي تعلقها الدولة على العلاقات الدبلوماسية التي تتبادلها مع الدولة الأخرى أو حسب مبدأ المعاملة بالمثل.
إلا أنه من الملاحظ أن معظم البعثات الدبلوماسية تكون على مستوى “السفارة” والتي يرأسها ممثل دبلوماسي برتبة سفير. ويأتي بعد السفارة من حيث الأهمية التمثيلية “المفوضية” ويرأسها ممثل دبلوماسي برتبة “مبعوث فوق العادة” أو “وزير مفوض” كما قد يرأس البعثة الدبلوماسية “قائم بالأعمال”.
وتقوم البعثة الدبلوماسية بعدد من المهام التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بصناعة القرار السياسي الخارجي وبتنفيذ السياسة الخارجية للدولة.
أولى هذه المهام تمثيل الدولة الموفدة للبعثة لدى الدولة المعتمدة لديها. ويتولى رئيس البعثة ذاته مهمة التمثيل حيث يقوم بحضور الحفلات والاستقبالات الرسمية التي تقيمها الدولة المعتمد لديها وتدعى لها السلك الدبلوماسي الأجنبي.
كما يقوم رئيس البعثة الدبلوماسية بزيارات المجاملة التي جرى العرف على القيام بها في المناسبات المختلفة. وقيام رئيس البعثة بهذه المهمة له معنى خاص في العلاقات الدبلوماسية إذ أن حضوره ومشاركته يترجم الود والاحترام في حين أن غيابه قد يفسر على أنه موقف سلبي من قبل حكومته وهذا قد يؤثر على العلاقات بين الدولتين.
وبالإضافة إلى تلك المهمة تقوم البعثة بمهمة رئيسية أخرى هي التفاوض مع حكومة الدولة الموفدة إليها. وتتطرق المفاوضات إلى كل ما يهم الدولة الموفدة. ويتم التفاوض عادة بين رئيس البعثة ووزير خارجية الدولة الموفدة إليها. لذا تعمل البعثة الدبلوماسية كقناة للاتصال الدائم بين الدولة الموفدة للبعثة والدولة والموفدة إليها.
كما تقوم البعثة الدبلوماسية بمتابعة كافة ما يحدث في الدولة الموفدة إليها وإبلاغ حكومتها أولاً بأول بكل ما يهمها من الأحداث والتطورات. وعادة يستعين رئيس البعثة لمعرفة الأحداث في الدولة المعتمد لديها وتفسيرها بفريق من الملحقين السياسيين والتجاريين والعسكريين وعدد من الخبراء المختصين.
وتقوم البعثة الدبلوماسية كذلك بمتابعة تنفيذ الدولة الموفدة إليها لالتزاماتها تجاه الدولة الموفدة لها والتدخل لدى وزير خارجية الدولة الموفدة إليها البعثة كلما حصل إخلال بتلك الالتزامات. وما يلزم الإشارة إليه في هذا المجال هو أنه ليس لرئيس البعثة الدبلوماسية أو لأي من أعضاء البعثة حق التدخل مباشرة لدى السلطات المحلية وإنما يتم التدخل عن طريق وزارة الخارجية.
وتعلم البعثة الدبلوماسية كذلك على تحسين العلاقات السياسية والاقتصادية والثقافية بين الدولة الموفدة لها والدولة الموفدة إليها.
أخيراً تقوم البعثة الدبلوماسية بأعمال إدارية ذات صلة برعايا الدولة الموفدة للبعثة مثل حمايتهم وتسجيل المواليد والوفيات وعمل عقود الزواج والتأشير على جوازات السفر. وعادة تقوم القنصليات التابعة للسفارة بهذه المهام حيث أن معظم هذه الأعمال ليست ذات طابع سياسي كما أن ممارستها لا تؤثر على طبيعة العلاقات بين الدول.
القوات المسلحة: Military Power
تعتبر القوات المسلحة إحدى الوسائل الأساسية لتنفيذ السياسة الخارجية وإحدى المقومات الأساسية لنجاح الدبلوماسية.
ورغم أن القوات المسلحة تعتبر باهظة التكاليف إذا ما قورنت بالدبلوماسية وغير مرغوب في استخدامها في المجتمع الدولي كوسيلة لتحقيق الأهداف الخارجية، إلا أنها مع ذلك تحظى باهتمام بالغ لدى حكومات المجتمع الدولي ذلك أن الأداة العسكرية “تهيئ خلفية من الثقة والاستقرار لعمل الدبلوماسية وأن التفاوض من مركز القوة حكمة سليمة، إذ لا يمكن لدولة لا تسندها قوة عسكرية أن تمتنع عن إعطاء تنازلات تضر بمصالحها الحيوية إذا تعرضت لضغوط وتهديدات ليس بوسعها أن تقاومها”.
و القوات المسلحة تستخدم في أكثر من مظهر واحد. فبالإضافة إلى استخدامها التقليدي ونعنى به الاستخدام الفعلي وقت الحرب للدفاع أو الهجوم، تستخدم القوات المسلحة أيضاً وقت السلم للضغط والردع وما يترتب عليهما من رضوخ الأطراف الأخرى وتحقيق المصالح القومية.
إن استخدام القوات المسلحة كوسيلة للضغط والردع وقت السلم هو الذي يبرر النفقات الباهظة عليها ويزيد من قناعة المواطن العادي بأهمية النفقات وتحمل آثارها.
فعدم دخول القوات المسلحة في حرب دفاعية أو هجومية لا يعني توقف فاعليتها، بل إن استخدام القوات المسلحة في السلم للضغط والردع يفوق استخدامها في الحرب ذلك أن القتال استثناء والسلام هو القاعدة.
كما أن الضغط والردع، إذا تم من خلالهما تحقيق الهدف القومي، أكثر جدوى من الحرب حيث أنهما لن يكلفا الموطن والمواطن أي عبء إضافي في حين أن الحرب سيترتب عليها خسائر إضافية للوطن والمواطن وحجم هذه الخسائر يتوقف على طول أمد الحرب ونوعية الأسلحة المستخدمة فيها.
الاستخدامات المختلفة للقوات المسلحة:
تستخدم القوات المسلحة في أشكال مختلفة. ويمكن أن نحدد ثلاثة استخدامات رئيسية للقوات المسلحة.
فقد تستخدم القوات المسلحة كأداة للهجوم Offensive Capability. واستخدام القوات المسلحة للتوسع والسيطرة سمة من سمات العلاقات الدولية المعاصرة. إن احتلال إسرائيل للأراضي العربية، واحتلال الاتحاد السوفيتي لأفغانستان، وأمريكا للعراق مجرد أمثلة لحالات لاحصر لها.
ومما زاد من فاعلية وأهمية استخدام القوات المسلحة كأداة للهجوم هو نجاح هذه السياسة في تحقيق عدد من الأهداف القومية للدول التي أخذت بها.
كما أن الأخذ باستراتيجية الهجوم في الحرب يأتي من قناعة الدولة المهاجمة بأن الهجوم رغم ما يترتب عليه من مسؤوليات قومية وانتهاك للقوانين الدولية هو أفضل وسيلة للدفاع وتحقيق الأهداف القومية حيث أن الدولة التي تبدأ الهجوم عادة ما تختار الوقت المناسب والظروف الملائمة للقتال، وهذا عنصر هام في تحويل مجرى الحرب وتحديد نتائجها.
وقد تستخدم القوات المسلحة كأداة للدفاع Defensive War Capability واستخدام القوات المسلحة للدفاع استخدام مشروع حيث أن الدولة مضطرة للدفاع عن أمنها ومصالحها القومية.
كما أن الدولة التي تلجأ للدفاع تحظى بدعم وعطف الرأي العام العالمي حيث ينظر إليها على أنها دولة معتدى عليها.
لكن مقابل الشرعية والعطف العالمي تفقد الدولة التي تلجأ لاستراتيجية الدفاع مزايا عسكرية هامة منها فقدان زمام المبادرة والاستعداد وفرض الحرب عليها في وقت قد يكون غير مناسب ووفق ظروف غير ملائمة.
إن المحصلة النهائية لاستراتيجية الحرب الدفاعية تعتمد على قدرة وإمكانيات حكومة الدولة المدافعة والروح المعنوية لشعبها.
فقد تدخل الدولة في حرب دفاعية لكن نظراً لتوفر الإمكانيات لديها وقدرة حكومتها على التعبئة العسكرية وتضحية شعبها تحول الحرب الدفاعية إلى حرب هجومية بعد احتواء الهجوم المعادي وصده ومن ثم تحويل المعركة إلى أراضي الدولة المعتدية.
وفي هذه الحالة تتحول الاستراتيجية للدولة من استراتيجية دفاع إلى استراتيجية هجوم وهنا تكسب الدولة شرعية الحرب وتحقق مصالح قومية جديدة غالباً ما تكون مصالح استراتيجية.
وأخيراً تستخدم القوات المسلحة كأداة للردع Deterrent Capability والردع سياسة معقدة تعني في مفهومها المبسط أن الأسلحة تخزن والجيش يجهز لا بقصد الاستعمال في الهجوم وإنما بقصد إقناع الخصم بأنها ستستخدم فوراً لصد أي هجوم جدي يقوم به.
ونجاح سياسة الردع يتطلب توفر عدد من المتطلبات الأساسية. أول هذه المتطلبات حيازة الدولة الرادعة إمكانيات كافية من القوة لرد الدولة المهاجمة وإقناعها بان مسار المعركة في حال وقوعها قد يتحول ضد مصلحتها.
ثم لابد أن يكون هناك تصميم ملموس من قبل الدولة الرادعة على الاستخدام الفعلي للإمكانيات المتاحة لها لصد أي عدوان خارجي.
كما أن الدولة المهاجمة يلزم أن تعرف معرفة دقيقة الإمكانيات المتاحة لدى الدولة الرادعة. فمعرفة هذه الإمكانيات سيساعد على نجاح سياسة الردع وعدم معرفتها سيشجع الدولة المعتدية على الهجوم.
بالإضافة إلى ذلك يتطلب نجاح سياسة الردع معرفة الدولة الرادعة للقيم التي تحكم سلوك الدولة التي تهدد بالهجوم. فالطبيعية العدوانية للدولة المهاجمة سوف تحد من نجاح سياسة الردع إذ أن الدولة العدوانية عادة ما تقدم على المغامرات العسكرية بغض النظر عن احتمالات النجاح.
أخيراً لنجاح سياسة الردع يفترض أن المعتدي يتصرف بطريقة عقلانية ويقدر العائد والتكلفة للعمل العسكري ومدى خدمة هذا العمل للمصلحة القومية. فغياب العقلانية يعني انعدام التقييم الموضوعي للعمل العسكري والاستسلام للعواطف والرغبات. وهذا الاستسلام قد يدفع قادة الدولة المهاجمة إلى الدخول في مغامرة عسكرية بغض النظر عن محصلتها النهائية.[/size]