أ.د. أحمد محمد وهبان

النظم التسلطية

كاتب الموضوع الأصلي: محمد المعجل

أنماط النظم التسلطية
لفهم و حصر أنماط النظم التسلطية تم اللجوء إلى ذكر النماذج التسلطية الافريقية التي تلت فترة ما بعد الاستقلال للدول التي تميزت أنظمة حكمها بالتسلطية. و تميزت الفترة التي تلت استقلال معظم الدول الإفريقية، بظهور نظم الحزب الواحد في الحكم في غالبية دول القارة، فأقل من خمس دور من بين تسع وأربعين دولة مستقلة في القارة هي التي يمكن وصفها فقط بأنها دول متعددة الأحزاب، وهذا يعني أن اغلب الدولة قد أتبعت نظام الحزب الواحد الذي مكن القيادات الإفريقية من ترسيخ علاقات التسلط والاستبداد, بل أضافت إليها جاهدة أنماط جديدة في سبيل المحافظة على السلطة التي أنتجت في نهاية المطاف أوضاع استبدادية وتسلطية على كافة المستويات, ساد الاعتقاد بأن الدول الإفريقية المستقلة سوف تسير على ذات النهج الذي سارت فيه النظم السياسية الغربية من حيث شكل نظام الحكم، وطبيعة المؤسسات السياسية القائمة التي تتميز بأن مركز الثقل في النظام السياسي يميل لصالح السلطة التشريعية إلى جانب التعددية والتنافس الحزبي. هذا ربما يعود إلى أن الدول الاستعمارية السابقة قد حاولت نقل نظمها السياسية والاقتصادية للمستعمرات السابقة عند الاستقلال, بهدف خلق دويلات تابعة تدور في فلك الدول الاستعمارية السابقة.
1- هيمنة نمط الحزب الواحد:
ارتبطت الظاهرة الحزبية في إفريقيا جنوب الصحراء بنظام الحزب الواحد أي أنها تدخل في إطار النظم اللاتنافسية، ويعود وجودها إلى أواخر الحقبة الاستعمارية، والسيطرة الأجنبية، ومحاولات التخلص من هذا الوضع، وبناء كيانات جديدة مستقلة، فالنظم الاستعمارية على اختلاف انواعها تركت أثاراً واضحة على سياسات ما بعد الاستقلال في إفريقيا، وبذلك فقد ساهمت على انتشار نمط الحزب الواحد بشكل أو بآخر. ويرى البعض أن نظام الحزب الواحد هو وريث النظام الاستعماري التسلطي، وربما الاختلاف الوحيد هو أن الأول نظام وطني وليس أجنبي مفروض من جانب المستعمر فالإدارة الاستعمارية عودت شعوب المستعمرات على الطاعة والخضوع لإرادة مفروضة من الخارج مصدرها الحاكم، واستمرت هذه العادة في الفترة ما بعد الاستقلال، وإن كان الإداريون الأوروبيون قد حل محلهم إداريون سود، ويستدل البعض على ذلك بأن إتباع فرنسا للمركزية الشديدة، والسلطة الهيراركية في ظل نظام الحكم المباشر كان وراء انتشار نمط الحزب الواحد, وخاصة في المناطق التي كانت تحت سيطرة الاستعمار الفرنسي، كما أن التنظيم الداخلي للحزب الواحد قد بني على نفس التقسيمات الإدارية الموروثة عن الحقبة الاستعمارية، وفي ظل الاستعمار البريطاني، فإن وجود حزب قوي تحت رئاسة زعيم مسيطر قوي كان شرطاً أساسياً لمنح الاستقلال للوطنيين. وهو ما شجع أحزاب “الصفوة” تعتمد عليها الإدارة الاستعمارية في تنفيذ سياساتها، بحيث يستمر الولاء لها حتى ما الاستقلال, بحيث نجد أن النخبة أو الصفوة الجديدة من المثقفين الأفارقة في ظل النظم الاستعمارية كانوا أكثر الفئات تعبئة من الناحية الاجتماعية، ويلاحظ أن الكثير من هؤلاء المثقفين أصبحوا فيما بعد قادة لدولهم، وتأثروا بنمط الحزب الواحد الذي يتناسب مع النزعة التسلطية التي جبلوا عليها إبان الحقبة الاستعمارية.
كما تأثرت الأحزاب السياسية الناشئة بالتغيرات الاقتصادية والاجتماعية التي صاحبت الحقبة الاستعمارية حيث ظهرت قوى اجتماعية ونخب قوية مرتبطة بالحكم الأجنبي، إلى جانب بروز حركات قومية تحاول تغيير الأوضاع القائمة وتأسيس حكومات وطنية في الدول القطرية حديثة الاستقلال على أنقاض الحكم الاستعماري، فأغلب الأحزاب السياسية التي عرفتها الدول الأفريقية قد نشأت في ظل تدابير دستورية تبلورت إبان الحقبة الاستعمارية، وهذا يعنى أن عمر الأحزاب السياسية الناشئة يعتبر قصير نسبياً بمعنى أنها ظهرت للوجود بعد الحرب العالمية الثانية، وتبلورت مطالبها أساساًُ في المشاركة في الحكم.
كما ساهم الوجود الأجنبي في تعزيز الحركات القومية التي واجهته، بمعنى أن الاستعمار كان بمثابة عامل موحد ساعد على تكوين جبهة معارضة في شكل حركات تحرر وطنية تعمل على مقاومته التي انتشرت في اغلب الدول الأفريقية، ويعتبر ذلك بمثابة مناخ ملائم لنشأة نظام الحزب الواحد الجماهيري، إلى جانب ذلك ظهرت بعض الأحزاب ذات التوجهات الإقليمية والقبلية في مواجهة الحركات الوطنية واعتمادها على الولاءات الأولية في تنفيذ سياساتها بدلاً من الولاء للوطن. ورغم محاولات السلطات الاستعمارية بزرع نظم سياسية على غرار نظم الدولة الأم تقوم على أساس التمثيل النيابي والتنافس الحزبي، فقد تحولت معظم الدول الأفريقية إلى نظام الحزب الواحد المسيطر الذي لا يحتكر الحياة السياسية ولكنه يسيطر عليها سيطرة تامة، ويترك لغيره فرصة للتواجد ولكن لا يسمح لها بأن تتحداه، ومنه إلى نظام الحزب الوحيد أو الأوحد الذي يحتكر الحياة السياسية ولا يترك لغيره فرصة التعايش معه, وبذلك فقد أصبح نظام الحزب الواحد هو القاعدة العامة في إفريقيا بعد أن كان موجوداً في بادئ الأمر في الدول التي كانت تحت سيطرة الاستعمار الفرنسي.
تتفق النظم الحزبية في إفريقيا في الفترة ما بعد الاستقلال في أنها أحزاب جماهيرية ولو من حيث المبدأ، وبذلك فهي ليست أحزاب بالمعنى التقليدي حيث أن الحزب يمثل الجزء للكل وليس الكل، وبذلك درجت العادة على وصف أغلب الأحزاب السياسية في إفريقيا بالأحزاب الجماهيرية التي نشأت نتيجة إقرار نظم الانتخاب العام وصعود الأنظمة البرلمانية، وكانت في البداية مقتصرة على القوى اليسارية الصاعدة التي كانت تهدف إلى توعية الطبقة العاملة وتنظيمها سياسياً ونقابياً، ولكن بعض الأحزاب اليمينية أو البرجوازية التي كانت مقتصرة في البداية على النخب والوجهاء، أدركت أهمية الانفتاح على الجماهير، وبذلك عمدت على تبني الهياكل التنظيمية التي كانت تتبعها الأحزاب الجماهيرية. وتستمد هذه الأحزاب قوتها من الجماهير بمعنى آخر من الأعضاء المنتسبين إليها الذين يعول عليهم في تمويل النشاط السياسي، وذلك من خلال دفع للاشتراكات بصورة دائمة لإن الأحزاب الجماهيرية تفتح أبواب العضوية فيها لكافة طوائف الشعب بدون تمييز, كما أنها تدعي تمثيل مصالح الجماهير، وبذلك فهي تضم في صفوفها اكبر عدد من الأفراد، وتتميز بأنها تقوم على المركزية في علاقة أعضاء الحزب مع بعضهم البعض ومع القيادة. وتندرج تحت هذا النوع من الأحزاب الشمولية، والأحزاب ذات المضامين الاجتماعية والاقتصادية والبيئية.
يتميز نظام الحزب الواحد في إفريقيا بالتنظيم الهرمي والمركزية والسلطة الهيراركية، ويتكون التنظيم الهرمي للحزب في الغالب من عدة مستويات تنظيمية تتراوح من 3-5 مستويات، يكثر وحداتها الأساسية في المستوى القاعدي، ويقل في المستويات العليا، ومن أهم خصائص التنظيم الداخلي للحزب الواحد في إفريقيا هو اتساع قاعدته لتبنى على التنظيم الإداري للدولة. كما أن دعامة التنظيم الهرمي للحزب وأساسه المركزية الإدارية التي تضمن التناسق بين مستويات التنظيم الحزبي المختلفة وسير عملها.
يخضع الحزب الواحد في إفريقيا لسلطة الزعيم القومي، وهو ذاته رئيس الحزب ورئيس الدولة، وهذا يعني أن الحزب مرتبط مباشرة بسلطة شخص هذا الزعيم وأداته في الحكم يده بدلاً من أن يصبح وسيلة في إيجاد مؤسسات سياسية قوية، تعكس إرادة جموع الشعب، كما أن قرارات الحزب هي قرارات الرئيس، وهذا يخلق فراغ تنظيمي على المستوى الحزبي، وأن القضاء على الزعيم يؤدي إلى انهيار المؤسسات القائمة، ولهذا الأساس نجد أن أغلب الانقلابات العسكرية خطط لها عندما كان الرئيس خارج البلاد. ومن أبرز الأمثلة على ذلك
انقلاب العسكري الذي قاده عيدي أمين عام 1971 على الرئيس ميلتون أوبوتي عندما كان الأخير خارج البلاد في مؤتمر للكومنولث، وكذا الحال مع الرئيس نكروما عندما كان في زيارة لبكين.
إن الضعف التنظيمي لنظام الحزب الواحد وعجزه عن تحريك الجماهير وتعبئتها، واتجاهها بدلاًمن ذلك للاعتماد على القوة والقمع بصورة متزايدة لتحقيق الطاعة والولاء، والقضاء على المعارضة السياسية أدى إلى ضعف الأحزاب السياسية المسيطرة لتفسح المجال لتنامي سلطة العسكريون والاتجاه نحو عسكرة السلطة.
2- العسكريون وعسكرة السلطة:
شهدت إفريقيا جنوب الصحراء خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي تنامي ظاهرة الانقلابات العسكرية وسيطرة العسكريون على السلطة بحيث تلعب المؤسسة العسكرية دوراً سياسياً بارزاً في الحياة السياسية، ويتجلى في أحدى الصور التالية:
– النفوذ العسكري الذي يمارسه العسكريون في شكل جماعة مصالح, ويوجد هذا النمط في الدول التي تتميز باستقرار ورسوخ التقليد الخاص بالسيطرة المدنية على القوات المسلحة.
– المشاركة العسكرية حيث يشارك العسكريون في عملية صنع القرار, وإدارة الهيئات والمؤسسات الهامة في الدولة.
– سيطرة العسكريون المباشرة على مقاليد العملية السياسية بحيث يتحكمون في عملية توزيع القيم والموارد داخل المجتمع.
ويرجع تنامي ظاهرة تدخل العسكريين في السياسة إلى الخبرة التاريخية التي تعتبر من أهم عوامل التنشئة المهنية والسياسية والاجتماعية للعسكريين. ويرى روستو بأهمية دور المواريث التاريخية في إفريقيا من زاوية الدور المعاصر للعسكريين في المجتمع والسياسة.
إن سيطرة العسكريون على زمام الأمور يصبح مطلباً ملحاً في الدول التي يسودها هذا النمط من أنماط الحكم. فالنظم البرلمانية التي وجدت في بعض الدول عند الاستقلال تحولت بعد سنوات قليلة إلى نظام الحزب الواحد ثم النظم العسكرية فيما بعد، ويرجع ذلك إلى ضعف المؤسسات المدنية، والمشاركة المفرطة والافتقار إلى الشرعية السياسية، وفضلاً عن عدم الاستقرار الاقتصادي، وقد ساهمت هذه العوامل في تسهيل استيلاء الجيش على السلطة في إفريقيا خلال الستينيات. كما أن النزعة التسلطية الكامنة دفعت البعض لاستغلال المؤسسات العسكرية وذلك لاحتكارها شبه الكامل لمصادر القوة في المجتمع مما يجعلها القوة الوحيدة القادرة للسيطرة على الدولة. ويوصف النظام السياسي بأنه عسكري عندما يسيطر العسكريون على مقاليد العملية السياسية فيتحكمون في عملية القيم والموارد داخل المجتمع. ويشير الجدول التالي إلى كيفية تولي الرئاسة في أغلب الدول الأفريقية جنوب الصحراء إذ يلاحظ أنه من بين 24 دولة التي خضعت للدراسة ست دول فقط كان التغيير فيها سلمياً سواءً بالاستقالة أو الوفاة، أما الباقي فتم من خلال الانقلابات العسكرية بما يؤكد تأصل نزعة التسلط عند أغلب القيادات السياسية.
المبحث الثالث: الدولة التسلطية في الوطن العربي
مايمكن تفسير به الأنظمة العربية هو نفسه نادى به عدد كبير من الفقــهاء والباحــثين وهو أقصى ما يطمح إليــه الإنسان العربي أن يتمتع بالأمن والاستــقرار في ظل حــاكم مستبد يتصدى لجشع الأقوياء، ويشــعر الجــميع بواجب الطــاعة إليه خوفا من عقابه.
استمر موروث «المستبد العادل» طويلا في الفـكر العربي الحديث، وما زال حاضرا بقوة في دراسات تصف بنية النظــام الســياسي العربي بأنها تسلطية وتجدد نفسها بأشكال مختلفة على امتــداد الوطن العربي. فــباتت الأنظــمة السياســية العربية متشــابهة إلى حد بعيــد، رغم توصيــفها بين نـــظم ملــكية أو جمهــورية. وذلــك يطرح تساؤلات منهجية حول مستـقبل هذا النـظام في عصر العولمة منها:
1ـ أن البنى الاقتصادية والاجتمـاعية القــبلية والــطائفية ساهمت في توليد النظم السياسية التســلطية العربية. مما يعطي أهمية استثنائية لمقــولات ابن خلدون عن العصــبية، والــبداوة، وأطوار الدولة، والعمران الحضري، وتحول العصبية القبلية المتحالفة مع العصبية الدينية إلى ملك. وبرز تشابه لدرجة التطابق في البنى السياسية العربيــة التي تولدت عنها أنظمة تسلطية تمارس الحكم على طريقة زعيم القبلية المســتبد لا الــعادل. وما زالت الشعوب العربية تعيش حالة مزرية من الفقر، والأمية، والبطالة كما دلت جميع تقارير التنمية العربية الصادرة عن الأمم المتـحدة خلال السنوات الماضية.
2ـ ليس من شك بأن شرعية الدولة العربيــة ليــست نتاج علاقة سليمة مع مواطنيها، لأنهم لا يعاملون كمواطــنين بل كرعايا لدولة تسلطية تجيد كل أشكال القمع، ولا تقدم الحد الأدنى من العدالة والمساواة والرعاية الاجتماعية. وبرزت فــوارق هائلة بين القوى التسلطية والجماهير الشعبية التي تشكو غياب الخدمــات على أنواعهــا، وفرص الــعمل، وتدني الدخل الفردي ومستوى التعليم وغيرها. بالمقابل، تكدست ثروات طائلة من الأمــوال النفــطية وغيرها، لكنها لم توظف في عملية التــنمية البشرية والاقتــصادية المستدامة داخــل الوطن العربي بل نُقلت إلى الخارج، واستــخدم قسم كبير منها في البورصة، وشراء الأسلحة التي لم تســتخدم في المعـارك القومــية، وفي شراء الســلع الاستهلاكية الغالية الثمن والقصور الفاخرة. فانتــهى مفـعول الطفرة النفــطية الأولى والثــانية إلى هــدر للإمكانات الاقتصادية المتوافرة في بلاد العـرب دون تطــوير ملحوظ للبنى الاقتصادية والاجتــماعية. وارتفع حجم الأموال العــربية الهالكة بعد انفجــار الأزمة الرأسمالية العالمية الحالية إلى أكثر من ثــلاثة آلاف ملـيار دولار كان بإمكانها إحــداث قفـزة نوعيـة في الوطن العربي.
3ـ فصيغة المستبد لا العــادل هي التي سادت في الوطن العربي. وقد بدأت فردية عــبر زعماء الأسر الحاكمة وشيوخ القــبائل، ثم تطــورت إلى حكم عسكري عبر الانــقلابات المتلاحـقة في أكثر من بلد عربي. ورفعت في البداية راية الإصلاح السياسي والاقتصادي والتحديث الاجتماعي، لكنها سرعان ما تحولت إلى معوق أساسي للحداثة السليمة، والديموقراطية، وبناء الحــكم الصالح. واتجه بعضها إلى بنـاء الحــزب الواحــد، وأوكـــل إدارة الــحكم إلى أجــهزة الاستخــبارات التي باتــت الحاكم الــفعلي في الوطــن العــربــي. وقطــعت الطريق أمــام أي تغــيير ديــموقراطــي، وأقــامت شــبكة من العلاقات الممــتازة في ما بيــنها، وحدّثت أجهزة القمع حتى باتت أفضل مما هي عليه في الدولــة المتطورة.
4ـ أصبح شعار «تحــديث النظام التسلطي»، الهاجس الرئيسي لكل مـن تسلــم السلــطة في أي بلد عربي. فالنــظام لا يحــمي نفــسه عبر ضمان الحقــوق الفـردية والجــماعية، ونشر العدالة والمســاواة، وروح المواطــنة، والتنمية المستدامة بل بالقمــع وحــده. فالحاكم العــربي القــوي هو الذي يضمن لنــفسه الاستــمرارية في الســلطة أطول فــترة ممكنة، ويمارس كل أشكال التسلط لضمان الاستقرار الداخلــي، وتأمــين الوراثة من الآباء إلى الأحــفاد. ويُغيّب الفرد المســتقل أو المواطن الحــر بــصورة شــبه تامــة بحيث بات عاجـزا عن القــيام بأي دور فاعــل في عمـلية التــغيير الســياسي والاجتماعي. وما زال النظام التســلطي العربي يخوض معركة مفتوحة ضد ثقافــة التغــيير والمثقــفين المتــنورين، وإجبــارهم عــلى السكوت تحت طائلة السجن، والتهــجير، ومصـادرة أعــمالهم الإبداعية. فيما فتحت أبواب الوظائف العــليا وجمــع الثروة أمام أعداد كبيرة من المثقفين الذين ساندوا السلطة، وتســلموا وزارات الدولة، وباتوا أعضاء في مجالسها البرلمانـــية بعدما أعلــنوا ولاءهم التام للنظام التسلطي، وكالوا المديــح لقادة مـستبدين دون أن يكـونوا عادلين.
5ـ نـــجح النظــام التسلــطي في السيــطرة عــلى مؤسسات المجتمع الأهلي ومؤسـسات المجتــمع المدني، عبر مختــلف وسائل الترغيب والترهيب، وإلحاقها قسريا بأجـهزة الدولة التســلطية. كما نجح أحيانا في تهدئة العصبيات القبــلية والطائفية الموروثة إبان مرحلة الاستقرار، ثم استفاد من تناقضاتها الكثيرة في زمن الأزمات الحادة.
فلم يسع الزعيم التسلطي أبدا إلى ضرب العصبيات التقليدية السابقة على ولادة الدولة العربية الحديثة، واعتبرها، إلى جانب الأجهزة الأمنية، خط الدفاع الثاني عنه.
ويواجه الآن معركة مصـيرية في زمــن العــولمة والتــكتلات السياسية والاقتصادية الكبيرة التي تسعى إلى نشــر ديموقراطية تتلاءم مع طبيعة النظام العالمي الجديد. ومع إســقاط النــظام العراقي، والبدء بمحاكمة نظام البشير في السودان أمام محكمة دولية، شعرت بعض الأنظمة العربية بمصير مشابه، وكأن هــناك مخططا لتفكيك المنطقة العربية بهدف إدماجها قسريا بمشروع الشرق الأوسط الجديد.
نخلص إلى القول إن النظام التسلطي، فردا كان أم حزبا، أو جماعة انقلابية، ساهم في تغييب المواطن العربي الحر الذي يشكل القاعدة الأساسية للتغير العقلاني الشامل.
فيــما المرحلــة الراهنة تضــج باحــتمالات كثــيرة للتغــيير الجــذري علــى غــرار ما يجــري في دول أميــركا اللاتيــنية. ونــجاح عملــية التغــيير رهن بــضمان الحــريات العــامة والخاصة، وبناء الديموقراطية، وتشجــيع المجتمــع المدني، ونشر العلوم العصرية والتكنولوجيا المتطورة، والانفتاح على جميع الثقافات، والعمل على كسر التبعية مع الغرب وإقامة التوازن بين الأصالة والمعاصرة.
لذلك تخشى الدولة التسلطية العربية من مسار الديموقراطية الحقيقية وتستعيض عنها بديمــوقراطــية شكلية هدفها إحكام سيطرة الدولة على المجتمع بطرق مرنة من خلال جذب الأفراد، والجماعات، والنقــابات، والأحــزاب الســياسية، والمهن الحرة وإلحاقهــا بالدولة. وقد نجــحت في تــحديث أجــهزة الدولة التسلطــية بوضـوح في الـدول التي تــسيطر عــلى الاقتــصاد الريعي، وتتحكم بمــراكز الإنتاج الأساسية وطرق توزيعه على المناصرين لها وحــرمان المعارضــة منــها. ولم تنجح تلك السياسة إلى حد ما في الدول التي يتمــتع فــيها القـطاع الخاص بنــوع من الحــرية التنافســية الـتي تجــعله عصيا على الخضوع، ولديه شبكات أمان مع الخارج.

Leave a Comment