أ.د. أحمد محمد وهبان

مفهوم السلطة والتسلط وبعض المفاهيم ذات العلاقة

كاتب الموضوع الأصلي: محمد المعجل

مفهوم السلطة التسلط وبعض المفاهيم ذات العلاقة
1- السلطة:
يشير هذا المفهوم إلى الحق في ممارسة عمل ما، بما في ذلك الحق في صنع القوانين أو السياسة العامة. وبالخصوص يجب التمييز بين السلطة والقوة أو القدرة، فالأخير يقصد به القدرة على جعل الغير منقادين أو مطيعين لمن يمارس عليهم النفوذ والقوة المادية أو المعنوية. فمفهوم السلطة يتصل بمشكلة الطاعة أو الإذعان السياسي من جهة، وحقوق واستقلالية الأفراد من جهة أخرى. ويضع الدكتور مصطفى خشيم مدخلان رئيسيان يمكن من خلالهما فهم واستيعاب مصطلح السلطة والتي يجب أن يتم التمييز بينهما:-
أولاً- المدخل المرن، يستخدم مفهوم السلطة وفق هذا المدخل ليشير إلى أي نظام للنفوذ أو السيطرة الاجتماعية بحيث يحضى بالتأييد والشرعية من قبل أطراف محددة، وبذلك فإن محور التركيز في هذا السياق ينصب على وجود نمط معين من الاتجاهات بين الأفراد الذين يؤيدون النظام السلطوي القائم تحث أي ظرف من الظروف. وترتبط السلطة وفق هذا الاتجاه بوجود الجماعة السياسية المنظمة ونعكس وجود أنماط مختلفة من العلاقات في المجتمع. ومن أبرز مؤيدي هذا الاتجاه العالم المشهور ماكس فيبر.
ثانياً- المدخل البؤري، محور تركيز هذا المدخل هو تحديد طبيعة العلاقة الخاصة بين الحاكم والمحكومين، بقصد التمييز بين هذا النمط من العلاقة الخاصة وغيره من أنماط العلاقة الأخرى، فمعرفة مفهوم السلطة يستوجب استيعاب مفهومي الإجبار عن طريق القوة والإقناع عن طريق الجدال.
2- التسلط:
التسلط هو نمط من أنماط ممارسة السلطة يصف الوضع الذي يستحوذ فيه فرد أو مجموعة من الأفراد على الحكم دون الخضوع لأي قاعدة أو قانون، ودون أي اعتبار لجانب المحكومين, وما يميز هذا النمط من العلاقات بين أداة الحكم والرعية هو تدني درجة المشاركة السياسية، وتقييد الحرية الفردية, وحضر كافة المؤسسات التشريعية. ويتجسد التسلط في الممارسات القسرية للحكومات التي تختلف باختلاف أهدافها وأساليبها المختلفة التي تتباين باختلاف الأهداف والأساليب؛ ففي حين يحاول بعضها تغيير الواقع وفقا لجملة من المبادئ التي يقررها من بيدهم السلطة، فإن البعض الآخر يهتم أساساً بتركيز السلطة وممارستها بصورة بهيمية وقاسية.
وعلى أية حال فإن التسلط أساسه رفض الحوار والنقاش الموضوعي، وعدم تقبل الرأي المعارض، وسيادة علاقات أساسها الرضوخ وتقبل الأوامر العلوية، والرغبة المتأصلة في ممارسة التسلط والسيطرة على من هم أدنى في المرتبة. فالفرد الذي هو ذاته موضوعاً للتسلط ما أن يصبح في موقع المسؤولية حتى يتحول وبشكل غير مبرر إلى مشروع لمتسلط صغير، ولن يتواني أبداً في استخدام كل ما أوتي من وسائل القهر والإكراه[17].
3- الاستبداد:
يستخدم الاستبداد عادة كمرادف للتسلط، ولغة يعني التفرد بالشيء والاستئثار به، وهو غرور المرء برأيه والأنفة عن قبول النصيحة أو الاستقلال المفرط في الرأي والحقوق المشتركة، وهو تصرف فرد أو جمع في حقوق الجموع بالمشيئة وبلا خوف تبعه. والمستبدَ هو ذلك الشخص الذي يتفرد برأيه دون غيره فيما ينبغي المشورة فيه، إلا أن تعبير الاستبداد انصرف مع مألوف الاستعمال إلى نعت من نعوت الحكم المطلق المشوب بالجور والظلم الذي لا يأبه القائمون فيه بأية قيود أخلاقية أو قانونية، ويتبع المستبد أهوائه الخاصة بدلاً من تحكيم مقتضيات المصلحة العامة. وبذلك يخلو حكم المستبد من أية ضوابط رقابة على الحكم ومحاسبته أو أن تكون هذه الأجهزة معطلة. إن نظام الاستبداد هو حكم أو نظام مستقل بالسلطة فيه فرد أو مجموعة أفراد دون الخضوع لقانون أو قاعدة ودون النظر لرأي المحكومين.
وفي أصول اللغة اليونانية فإن اصطلاح الاستبداد despotes يتضمن معاني الظلم والجور والتفرد الأرعن بالرأي، بل أن هذه الكلمة تعني سيد البيت أو رئيس الجماعة، وأطلق أباطرة بيزنطة هذا الاسم على من كانوا يولّونهم من أبنائهم وأصهارهم حكّاماً لمقاطعات الإمبراطورية، ويعزى في هذا الصدد إلى اليكسيوس الثالث انجلوس البيزنطي الذي حكم من سنة 1195 إلى 1205م، إدخال هذا اللقب في مفردات تسلسل السلطة، وإضفاء رتبة عليا تأتي مباشرة بعد رتبة الإمبراطور مباشرة.
ثم تطور مصطلح الاستبداد فلازمته صفة الافتقار إلى الشرعية، فأصبح يشير إلى نظام لا يستند إلى أي تقليد أو عرف أو دستور، ويميل فيه القائمون إلى الظلم والانفلات من القيود, فوصفه أرسطو بأسوأ أنماط الحكم وأكثرها فساداً يدور فيه اهتمام الحاكم حول تأمين رفاهيته الشخصية من دون المصلحة العامة. ويصف أفلاطون المستبد, وطريقة حكمه بأنه الحاكم الذي يستولي على السلطة بالقوة، ويمارسها بوسائل قمعية وإكراهية ليتخلص من خصومه ومعارضيه، فهو يكثر الوعود ويلجأ لإثارة الحروب لإضعاف المواطنين ليسهل عليه الاستئثار بالسلطة.
الاستبداد السياسي كما يرى الكواكبي هو تصرف فرد أو جمع في حقوق قوم بالمشيئة دون خوف أو تبعة”. الاستبداد بشكل عام إفراز ذاتي للتخلف، فالفرد حين يفقد عزّته الحقيقية يبحث عنها بشتى الوسائل، فعندما لا يجد الظمآن الماء يتجه إلى السراب الذي “يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً”، ومن هنا ينشأ الاستبداد، فالمستبد إنسان فقد مثله الأعلى الذي يجد فيه ذاته وعزته، فراح يبحث عنها بشتى الوسائل, ومنها محاولته أن يفرض رأيه على من دونه، ويدفعه ذلك للتعصّب لرأيه دون سواه بل ويتشبث به, فالفرد موضوع الاستبداد هو في واقع الأمر مستبد في نفسه، ولو تمكن لجعل البشر جميعهم خاضعين لأمره.
أما عن كيفية مقاومة الاستبداد أمر الله عز وجل في القرآن الكريم المسلمين بضرورة حراسة دستورهم الأبدي القرآن الكريم، والدفاع عنه ضد استبداد الحاكمين، ولو باستخدام القوة إذا لزم الأمر، وحملهم مسئولية ما يصيبهم من استبداد وحرم التوكل ورجاء الإنقاذ لقوله تعالى ﴿لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)، ﴿وما كان ربك ليهلك القرى وأهلها مصلحون)، كما أمرهم بالتصدي للاستبداد والمستبدين لقوله تعالى ﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير وينهون عن المنكر)، وحرم عليهم قبول الظلم والاستبداد والسكوت عليه وأندر أولئك الذين يقبلونه لله تعالى ﴿إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيما كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك لهم جهنم وبئس المصير﴾,وأمرهم باستخدام كافة الوسائل لدفع الظلم ﴿وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنسائ ولدان الذين يقولون ربتا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها وأجعل لنا من لدنك ولياً وأجعل لنا من لدنك نصيراً).
4- الطغيان:
أما الطغيان فإنه يعني تجاوز الحد من الظلم والجور والتعدي على حرية وخصوصية الآخرين، كما ورد في قوله تعالى “اذهب إلى فرعون إنه طغى”، كما يفيد هذا المفهوم أيضاً الارتفاع كأن نقول طغى الماء، وهاج البحر وهذا يعني العلو، كما ورد في الآية الكريمة “إن فرعون علا في الأرض”، وقوله تعالى “إنه كان عالياً من المسرفين”. ويصل الطغيان في ذروته حد أدعاء الإلوهية كما فعل فرعون، لقوله تعالى “فقال أنا ربكم الأعلى”. وهذا مثال للطغيان والتجبر, وما دون ذلك فهي صفات الإلوهية ومحاولة لتبرير التسلط وقهر الرعية.[18]
عادة ما تتحول أنماط الحكم الشخصي في حالة انهيارها إلي حكم الطغيان، ومن منظور تاريخي مقارن يتسم الطغيان بوجود درجة عالية من الغموض وعدم الاستقرار وغياب الأمن, وحكم الطغيان لا يتفق مع مبدأ حكم القانون بل الأدهى أنه لا يخضع لأية ضوابط في ممارسة السلطة. ويعتمد الطاغية على مجموعة الاتباع من المنتفعين والمرتزقة يحيطون بالحاكم الطاغية الذي لا يملك رؤية أيديولوجية أو دينية أو قيمة أخلاقية عليا ليبرر بها نظام حكمه، ووسيلته في ذلك الترغيب والترهيب، بمنح المكافآت للمرتزقة المتعاونة معه، وإرهاب المعارضة بما في ذلك اللجوء للتصفيات والاغتيالات السياسية التي تعتبر من الملامح البارزة لهذا النمط الحكم.
ويصف أفلاطون الطاغية بأنه الحاكم الذي ينفق على حاشيته دون قيود، ويشدد الحراسة من حوله، ويعيش في تعتيم إعلامي، ويحيط نفسه بالوشايات والدسائس والمؤامرات، فلا مكان للأخلاق أو الشرف، ولا الصدق ولا الوفاء بالعهد، فكل الناس أعداءه، ويحيط نفسه بالمنافقين والمتملقين، ولا يهتم الطاغية بوضع رعاياه إن أثقلوا بالضرائب، فهذا يفيد بحيث يصبحوا منشغلين بالبحث عن قوت يومهم، ولا يحب الطاغية أصحاب الكرامة لذلك تجده يطارد الأخيار من الناس، كما يعمل على تدمير روح المواطنة ليصبحوا عاجزين.
والطغيان هو شكل من أَشكال الحكم يتمتع فيه الحاكم بسلطة غير محددة، فالطاغية لا يأبه لأحد، وقد يلجأ أحيانًا لاستخدام أقصى درجات القوة للحفاظ على سلطته. وقد أطلق على أواخر القرن الثامن عشر في أوروبا عصر الحكَّام الطغاة المستنيرين أمثال فريدريك الكبير ملك بروسيا وكاتْرينا العظمى قيصرة روسيا، وجوزيف الثاني إمبراطور النمسا، الذين بدلوا جهوداً حثيثة في سبيل إصلاح القوانين، وتشجيع التعليم والفنون، ويعتقد بعض هؤلاء الحكام بأن الحرية والتعليم يصنعان رعايا متمردين، ولذا فقد تخلوا عن فكرة الاستنارة, وخلفهم حكَّام هدموا ما أنجزه من سبقهم من الحكام المستنيرين.
ويصف أرسطو أساليب الطغاة والمستبدين في احتكار السلطة والاستفراد بها لضمان عدم خروجها من قبضتهم فيقول: لكي يتمكن الطغاة من الاحتفاظ بعروشهم يلجئون إلى تدمير روح المواطنين لجعلهم عاجزين عن فعل أي شيء إيجابي، وفي سبيل ذلك يعملون على القضاء – وبشتى الوسائل – على المثقفين الذين قد يشكلون خطراً على الحكم، كما يلجئون إلى منع الاجتماعات ويعملون ما في وسعهم لعزل كل من يساهم في تعليم الناس وتعزيز ثقتهم بأنفسهم، كما يعملون على تنمية روح الاغتراب لدى المواطنين العادين ومحاولة قطع الصلة بينهم وبين الوطن، كما أنه كثيراً ما يلجئون إلى تقييد حرية المواطنين وعدم السماح لهم بتجاوز أبواب مدينتهم، ويعمل على بث الجواسيس في كل مكان ليكونوا على اطلاع دائم ومستمر بكل ما يقوله الرعية.
في ظل النظام التسلطي تقمع المعارضة المنظمة و يحد من حركة و نشاط مؤسسات المجتمع,لكنه لا يحاول السيطرة عليها أما فيما يخص صور الصراع بين مكونات البناء الاجتماعي فانه يحاول حصرها دون ان يلغيها.
أما فيما يخص السلطة السياسية فنلاحظ أن من يمتلكونها قد لا يعترفون باية حدود لدستورية سلطة الدولة غير انهم في التطبيق يعترفون ببعض الحدودو في نفس السياق تحاول تعبئة المواطنين لتحقيق أهدافها السياسية لكنها لا تلغي التفرقة بين المجال العام و الخاص و غالبا ما لا تمس بالمجال الخاص بمعنى ان الفرد قد يكون محاصر من قبل ممثلي النظام السياسي لكنه مع ذلك يستطيع ان يهرب من المجال العام الى الاستقلالية النسبية.
وهذه الانظمة التسلطية ليس فيها الصلابة المتجمدة التي تميز الشمولية لكنها تفتقر ايضا الى مرونة النظام الليبرالي بحكم السيطرة الثقيلة للنظام السياسي,و بالتالي فهي تميل الى ان تكون ذات طابع قلق و غير مستقر[19].
على العموم فان هذه الانظمة تجابه خطريين هما:
1-صحوة ليبيرالية من خلال احياء سلطة الجماعات التي تم قهرها لفترة ما.
2-ظهور نظام شمولي من خلال تحالف عديد من الجماعات و المصالح.
في الاخير يلاحظ ان هذه الانظمة التسلطية تتسم بميلها الى الاستقلال الايديولوجي من خلال محاولة صياغة ايديولوجية وسطية لتصاغ بطريقة توفيقية او تلقيفية-حسب الاحوال-بحيث تقتبس بعض عناصر الماركسية و بعض عناصر الليبيرالية.

Leave a Comment