أ.د. أحمد محمد وهبان

عمان

كاتب الموضوع الأصلي: خليل احمد الدخيل 411

السياسة الخارجية

ان الدبلوماسية العمانية المهتدية بالفكر السامي لجلالة السلطان قابوس تحرص في الحاضر والمستقبل على صداقة العالم وزرع العلاقات الحسنة والمتكافئةمع كل دولة تخطو خطوات ايجابية على طريق التعاون معها بشكل خاص ، والالتزام بالمواثيق الدولية ومبادىء الامم المتحدة في سبيل تحقيق التقدم والتطور وتثبيت دعائم الاستقرار العالمي.
ومن هنا يتأكد ان تفاعل السياسة الخارجية العمانية تجاه كل الأحداث التي مرت بالمنطقة والعالم كان حصيفاً وواعياً ، فلم تسمح للأحداث حتى في أقصى لحظات استعارها ان تؤثر عليها.

وهذه السياسة الخارجية مرتكزة على الحكمة والتعقل والهدوء والاتزان لذلك اصبحت السلطنة تحتل مكانة دولية مرموقة جعلت منها مركز استقطاب اقليمي وعالمي مهم .

وتحظى السياسة الخارجية العمانية منذ عام 1970م بتقدير العالم لما تقوم به من جهود فعالة ومساهمات على مختلف الاصعدة العالمية مثل ذلك الانفتاح على العالم والمساهمة بنشاط وبفعالية في أحداثه والمشاركة في مؤسساته ومنظماته السياسية وغير السياسية لهذا كله سارت مسيرة التنمية الاقتصادية جنبا إلى جنب مع مسيرة السياسة الخارجية النشطة.

إن المكانة التي حققتها السلطنة نتيجة لسياستها مكّنتها من القيام بدور فعّال في معالجة كثير من القضايا، وفي المساهمة في حل العديد من المشاكل على كافة الاصعده بمصداقية مشهودة ، وبعد نظر في الرؤية السياسية وحكمة وجرأة في اتخاذ القرار .

إن المرتكزات التي انطلقت منها السياسة الخارجية العمانية تنبع من حقائق تاريخية وحضارية معينة ، اتصفت بها عمان وأثرت في مواقفها السياسية منذ أقدم العصور.

ومن أهم هذه المرتكزات :

1- خصوصية الموقع:

تطل عمان على بحر العرب وخليج عمان والخليج العربي وتجاور ايران في الحدود البحرية لمضيق هرمز ذي الأهمية الاستراتيجية الكبيرة، ولموقعها هذا اثره في ربط السلطنة بكثير من الدول التي تطل على مياه المحيط الهندي وعلى الخليج العربي وعلى بحر العرب وكــان لا بد أن يكون لهذا الموقع تأثيره في رسم سياستها الخارجية، وفي علاقاتها مع الدول القريبة والبعيدة.

2- واقع تجاربها التاريخية:

أن سلطنة عمان لها تجارب تاريخية عديدة مرت بها في الماضي البعيد والقريب، وهي تعمل على ضوء خبرتها التاريخية الطويلة هذه في اقامة علاقات متينة مبنية على أساس حسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية وتحقيق المصالح المشتركة بين الدول على امتداد الخريطة العالمية .

3- مناصرتها للعدل والانصاف في العلافات الدولية:

وإذا كانت خصوصية الموقع وتنامي الخبرات التاريخية أديا بعمان إلى اتباع سياسة خارجية واضحة ومستقلة ، فهي تعمل بكل جهد ممكن الى مناصرة قضايا الحق والعدل والانصاف في المحافل الدولية .

4- الحفاظ على الأمن والسلم الإقليمي والدولي:

أن تحقيق الأمن والسلم على المستوى الاقليمي والدولي والحفاظ عليهما اصبح من أهم أهداف الأمم والشعوب. لــذا فإن سلطنة عمان كانت ولاتزال تعمل بكل جدية من اجل تحقيق السلم والأمن الدوليين الذي تنشده البشرية جمعاء.

5- الواقعية في فهم التطورات والأحداث والعلاقات الدولية:

تقوم سياسة السلطنة في عدم الانفعال والمبالغة لتقدير الأمور، أو في النظرة إلى المشاكل التي تقع في الساحة العربية أو الدولية، وإنما التقدير المبني على أساس الواقع وعلى الاتزان والحكمة وبعد النظر والتحسب لعواقب الأمور، وعلى حسن التصرف واللباقة في اتخاذ المواقف السياسية والثبات على هذه المواقف عن اقتناع كامل ووعي رشيد وليست مبنية على حقائق ردود الأفعال .

ولذا فقد رسمت السلطنة بناء على هذه المرتكزات التي تقوم على أساس الواقع الجغرافي والتاريخي والحضاري لعمان، سياستها الخارجية وبذلك أستطاعت عمان أن تكون لها سياسة خارجية ناجحة، ومتوازنة في بيئة اقليمية ودولية مليئة بالمتناقضات والتقلبات .

الثوابت الأساسية للسياسة الخارجية:

ولأن السلطنة عنصر فاعل ومؤثر في المنظومة الدولية نراها دائما تؤكد على الثوابت والمبادىء الأساسية التي تقوم عليها السياسة الخارجية العمانية التي تقف بجانب الحق وتناصره وتدعو على العمل المتواصل مع بقية الدول المحبة للسلام وعلى تسوية النزاعات الدولية بطرق الحوار والمفاوضات .

وان ثوابت السياسة العمانية تنطلق أساسا من مبدأ السلام والذي نعتقد ان تفعيله يجب ان يكون في اطار القانون الدولي وفي احترام المبادىء والاعراف التي يقوم عليها والتحلي بروح التسامح بين مختلف الجماعات والاجناس .

لذا فقد أدركت السلطنة المهتدية بالفكر المستنير لجلالة السلطان قابوس المعظم أهمية وضرورة الاستفادة من موقعها الاستراتيجي المتميز إلى مركز إقليمي متطور للتجارة والاستثمار والاتصــــالات وتحقيق الاستفادة القصوى من علاقاتها المتميزة مع العديد من الدول على امتداد المعمورة في تفاعل وتواصل حضاري يمثل امتدادا للإسهام العماني العريق في الحضارة الإنسانية وعلى نحو يعزز التفاهم والحوار بين الشعوب.

وفي هذا المجال أكد جلالة السلطان المعظم في خطابه بالعيد الوطني السابع والعشرين المجيد، (إننا نعتقد جازمين أن بناء الثقة بين الشعوب وتأكيد أواصر الصداقة مع الدول والعمل على تحقيق المصالح المشتركة ومراعاة الشرعية الدولية والالتزام بالمعاهدات والقوانين. كل ذلك من شأنه أن يؤدي إلى مزيد من التفاهم الواعي والتعاون البناء من أجل انتصار الأمن والسلام وشيوع الطمأنينة والرخاء).

دور جلالة السلطان في خدمة الأمن والسلم الدولي:

لقد رسم جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم سياسة عمان الخارجية وفق أسس ومبادئ راسخة تقوم على اخلاقية الموقف الثابت والمتوازن ومبادىء الوضوح والتكافؤ في التعامل في مختلف القضايا الأقليمية والدولية .

وعلى امتداد السنوات السابقة قدمت السلطنة وعلى العديد من المستويات .. نموذجا يحتذى به في علاقتها مع الأشقاء والأصدقاء .. وتجلى ذلك في إدارتها لهذه العلاقات على مبدأ لاضرر ولاضرار.. والرغبة الحقيقية في تحقيق المصالح المشتركة والمتبادلة .. والحوار الايجابي كسبيل للوصول الى اقصى درجة ممكنة من الاتفاق .. وتجاوز أية خلافات.. وتوظيف العلاقات الخارجية لخدمة التنمية الوطنية وكان لذلك تقديره الواسع على كل المستويات لجلالة السلطان المعظم وعلى امتداد العالم رسميا وشعبيا .

وقد تمكنت سلطنة عمان من خلال الفكر المستنير لجلالة السلطان قابوس المعظم في تطوير علاقات حسنة والحفاظ عليها مع كل الدول المجاورة، واتباع سياسة منفتحة ذات منظور دولي يتفق مع التقاليد العمانية العريقة، في إقامة العلاقات الثنائية يأخذ في الاعتبار الحقائق الجيوستراتيجية بدلاً من المواقف الأيديولوجية المؤقتة بهدف ترسيخ دعائم الأمن والاستقرار من خلال التعاون الثنائي والمتعدد الأطراف للمصالح المشتركة .

واستطاعت السياسة الخارجية العمانية مواجهة تقلبات المحيط الاقليمي والدولي والتعامل معها بثقة وفاعلية، كما شكلت اعتبارات المصالح الاقتصادية- إلى جانب الاعتبارات الأخرى- دوراً متزايد الأهمية في تطبيق هذه المبادئ وإرساء علاقات السلطنة مع الدول الأخرى على قواعد تخدم المصالح المشتركة ، فاتسعت دوائرها وتطلع إليها الكثيرون كنموذج يحتذى به موقفاً وسلوكاً وممارسة.

فمن منطلق السياسة الحكيمة، والنهج الدبلوماسي الواعي، الذي تتعامل به حكومة سلطنة عمان، مع الأحداث والقضايا ذات الصلة بعلاقاتها مع جيرانها من الدول الخليجية والعربية والصديقة، والمتسمة بالحنكة وبعد النظر، فقد توصلت الى إتفاقيات دولية لتحديد وترسيم حدود السلطنة مع جيرانها ومن ثم تحويل هذه الحدود الى معابر خير وجسور مودة وصداقة وتعاون مع الأشقاء والأصدقاء وبذلك قدمت نموذجا يحتذى به في هذا المجال للتعامل مع الجيران والأشقاء في التوصل إلى حل لقضايا الحدود .

واتساقا مع الرؤية الحضارية لجلالة السلطان المعظم .. فقد نبه جلالته ومنذ عدة سنوات الى أهمية وضرورة ايجاد وتعميق التفاهم والثقــة والحوار بين الشعوب .. كسبيل للتقارب ومد الجسور بين الحضارات .. تعزيزا للسلام والاستقرار من اجل خلق مناخ مواتي للتنمية الشاملة في العالم ..

ومما له دلالة عميقة أن جلالته أكد في نوفمبر عام 1998م على ان : ” اوجب الواجبات في نظرنا ونحن على أعتاب قرن جديد .. أن تعمل الدول على التخلص من مظاهر الظلم والاستبداد .. ولسياسات التطهير العرقي وامتهان كرامة الانسان .. واحتلال أراضي الغير .. وإنكار حقوقة المشروعة .. وأن تسعى الى اقامة ميزان العدل انصافا للمظلومين وترسيخا للامن والسلام والطمأنينه فـي مختلف بقاع الأرض “.

جائزة السلام الدولية:

في الوقت الذي جسدت فيـه استراتيجية ونهج السلام جوهر الممارسة السياسية لجـلالة السلطان قابوس المعظم مند بداية مسيرة النهضة العُمانية الحديثـة انطلاقاً من حقيقة أن عمليات البناء والتنمية الوطنية وتشييد الدولة العصرية يتطلب توفير مقومــــات ضرورية في مقدمتها المناخ المواتي لذلك محلياً واقليميأ ودولياً باعتبار أن السلام كل لايتجزأ.

فإن السلام كقيمة عليـا لدى جـلالة السلطان المعظم شكل محور السيـاسات العمـانيـة على المستويـات المختلفة خـليجـيـا واقليمياً ودولياً دون تفريط أو افراط وامتلكت السلطنة – بفضــــل توجيهات جـلالتـه وايمانـه العميق بالسلام – القدرة والشجـاعة ليس فقط على التعبير بكل الوضوح والصراحـة عن مواقفها ورؤيتها حيال مختلف المواقف والتطورات الخليجية والعربية والدولية، ولكنها عملت بجد والتزام كذلك من اجل وضع ذلك موضع التنفيذ في علاقاتها مع الدول الأخرى وفي اطار الثوابت العُمانية.

وفـى حدث بارز زاخر بالمعاني والدلالات جـاء الإجماع الذي التقت عليه ثلاث وثلاثون جـامعة ومركز أبحاث ومنظمة أمريكية على منـح جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم “جائزة السلام “الدولية في 16 اكتوبر 1998م ويأتي منح جلالته لهذه الجائزة ليس فقط كـامتداد للإجماع الذي يحظىٍ به على كل المستويات رسمياً وشعبيا ولكن ايضا ليؤكد شمولية هذا الإجماع وامتداده إلى المؤسسات العلمية المشهـود لها والتي تشكل في الواقع جـانباً حيوياً في الفكر والسياسة الدولية عبر دورها المؤثر أمريكيا وعالميا وفي مقدمتها جـامعة هارفارد العريقة.

وفي العهد الزاهر لحضرة لصاحب الجلالة السلطان المعظم تم استهداف المرأة العمانية كمواطنة لها كافة الحقوق وعليها كل الواجبات. وقد تم سن القوانين العُمانية كلها منذ النهضة على أساس المواطنة كتعبير عن هوية المجتمع ووحدة مكوناته كلها بما في ذلك عضوية مجلس الدولة وحق الانتخاب والترشيح لعضوية مجلس الشورى فاستكملت المرأة العُمانية مسيرتها جنباً إلى جنب مع أخوتها الرجال في كل مرافق الحياة حسب رغبتها واستطاعتها.

وتم إنشاء وتطوير هياكل وأجهزة ومؤسسات الدولة العصرية إدارية وتنفيذية، وفي مجال الشورى والسلطة القضائية كذلك، فإن النظام الأساسي للدولة كفل كل الضمانات ليتمتع المواطن العُماني بحقوقه وليمارس واجباته في إطار يقوم على المساواة والعدل وسيادة القانون أو من خلال الأجهزة المحلية في الولايات والتي تضطلع بدور حيوي في إدارة مصالح المواطنين في مختلفة المناطق.

وفي هذا الإطار سجلت تجربة الشورى العُمانية خطوة بالغة الأهمية على صعيد التطور الديمقراطي وذلك من خلال انتخابات الفترة الخامسة لمجلس الشورى (2004-2007م) وهي الانتخابات العامة التي جرت في الرابع من أكتوبر 2003م بمشاركة كل المواطنين الذين بلغوا سن الحادية والعشرين وتتوفر فيهم الشروط القانونية رجالاً ونساءً لانتخاب ممثلي الولايات في مجلس الشورى وعددهم 83 عضواً.

جدير بالذكر انه في الوقت الذي تم فيه تعديل بعض بنود نظام مجلس الدولة والشورى وذلك بموجب المرسوم السلطاني رقم 74/2003 في (19 أكتوبر 2003م) لإعطاء دفعة كبيرة للشورى العُمانية وتفعيل أداء مجلس الدولة والشورى ومد فترة العضوية في كل من المجلسين إلى أربع سنوات قابلة للتجديد، أكد السلطان قابوس المعظم مجدداً على “ترسيخ منهج الشورى العُمانية وتطويره بما يلبي مصلحة الوطن ويستجيب لتطلعات المواطنين” وهو ما انعكس بشكل ملموس على أداء مجلسي الدولة والشورى منذ بداية الفترة الثالثة لمجلس الدولة والفترة الخامسة لمجلس الشورى، وذلك في إطار نقلة نوعية تعزز مشاركة المواطنين في صنع القرار وتوجيه التنمية الوطنية حيث أكد على أهمية وحيوية الدور الذي يضطلع به أعضاء المجلسين وعلى مسؤوليتهم في دعم هذه التجربة “لكي تؤتي ثمارها الطيبة ” ومن هنا تعود إلى المواطنين مسؤولية كبيرة في تفعيل الشورى العُمانية والآفاق الرحبة أمامها.

Leave a Comment