أ.د. أحمد محمد وهبان

حرب امريكا على افغانستان

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالله المطيري 380

حرب حضارية في شكل عسكري لم يشهد التاريخ حرباً حضارية كتلك التي تدور رحاها في أفغانستان، إن الحرب في أفغانستان هي حربٌ علي الفكرة الإسلامية المتمثلة في قيام دولة للإسلام، أي كان شكل هذه الدولة وممارساتها السياسية والعقائدية، فالحرب ليست علي النقاب وعدم تعليم المرأة وغيرها، فقد صرح وزير الخارجية الإيطالي،في لقائه علي شاشة الجزيرة والذي قتلت طالبان 6 من جنود دولته في الأيام الأخيرة،” إن الحرب التي نخوضها في أفغانستان هي حرباً حضارية، فأفكار طالبان هي أفكار من الماضي ” هذا هوالتبرير الذي تقدمة أمريكا ومعها حلف الناتوفي شن هذه الحرب الشرسة علي أفغانستان .
لقد كان التكتل الغربي في هذه الحرب عجيباً ويكاد حدوثه أمر نادر تاريخياً، أن تجتمع كل هذه الدول علي حرباً واحدة، إنها بحق حرب حضارية من الدرجة الأولي، ها هي كل المؤشرات تدل علي إن طالبان هي سيدة موقف وهي شبه المنتصرة، والأمريكان وحلف الناتومع صباح كل يوم يدفنون قتلاهم وفي كل مرة يختلف العدد بين الزيادة والنقصان. ورغم ذلك لم نسمع كلمة الانسحاب مثلما سمعناه في العراق والصومال من قبل. حتى إن لندن بالأمس أعلنت أنها علي استعداد لزيادة عدد جنودها لوطلب منها ذلك، ومكريستال يعلن أن الهزيمة قادمة لوطلبه رفض من قبل الإدارة الأمريكية بزيادة عدد القوات، من 10 ألاف إلي 40 ألف جندي حسب اختلاف المصادر، حتى إيطاليا الذي فقدت عدد من جنودها وكندا وغيرها من بلاد الغرب لا تفكر في الانسحاب .
إن التفكير في مجرد انتصار طالبان في هذه الحرب مرفوض من قبل الساسة الغربيون، إنهم يعتبرون الهزيمة هي ليست هزيمة عسكرية فقط، بل هزيمة للرجل الغربي ومشروعه الفكري المتمثل في تطبيق ونشر المذهب الرأسمالي من حيث الاقتصاد (اقتصاد السوق ) ومن حيث نظام الحكم ( الديمقراطية )، وبناء علي هزيمة قوات الناتو سوف ينذر بسقوط الحلف أولاً وبانتصار الإسلام السياسي ثانياً . وسوف تصبح أفغانستان بحق (مقبرة الإمبراطوريات) وكما حدث من قبل مع الإتحاد السوفيتي ومن قبلها بريطانيا سوف يحدث مع أمريكا وحلفاؤها . هذه بعض تداعيات الهزيمة، والتي أصابت الغرب وقادته بهزة عنيفة تجدها في التصريحات الأخيرة لكل القادة الغربيين وعلي مستوي كل العواصم من بون إلي لندن إلي روما وواشنطن
هزيمة كل هذه الجيوش الكبرى معناه انهيار النظام الدولي برمته – بحسب رؤية الغرب – كما أن معناه صعود حركات أخري علي نهج طالبان في عديد من دول العالم الإسلامي، وقد تصل أوتقترب من الوصول إلي الحكم، وإن لم تصل إلي الحكم فقد تهمين بأفكارها علي الأنظمة الحاكمة في العالم الإسلامي مما يمهد لقيام حكومات إسلامية في المستقبل، تستطيع بعد ذلك من إيجاد نوع من التوحيد بينهما يتمثل في دولة الخلافة الإسلامية، والتي ينتظرها العالم الإسلامي ويتخوف منها الغرب، وهي الباعث الحقيقي وراء الهجمة الاستعمارية علي العالم الإسلامي في مطلع القرن العشرين، وامتداد للسيطرة الغربية في القرن الحادي والعشرون علي حكومات العالم الإسلامي خوفاً من عودة الخلافة مرة أخري .هذه هي احتمالات نهاية الحرب العسكرية الدائرة في أفغانستان .
رغم ذلك فداخل الولايات المتحدة تياران رئيسان حول الإستراتيجية المثلى لتعامل الإدارة الأميركية مع الحرب الأميركية في أفغانستان.
يدعو التيار الأول، والذي أضحى أكثر رواجًا في واشنطن، لسحب القوات الأميركية من هذا البلد وترك إدارة شئونه لأهله مستندين إلى الخبرة التاريخية في أنه عبر التاريخ لم تتمكن قوة من السيطرة على هذا البلد.
ويرون أنَّ على واشنطن المساعدة في التوصل إلى تسوية سياسية تضم المعتدلين من حركة طالبان تضمن عدم استخدام الأراضي الأفغانية لشن هجمات إرهابية ضد حلفاء الولايات المتحدة. ولكن الانسحاب الأميركي من أفغانستان، حسب هذا التيار، لا يعني عدم السعي الأميركي لملاحقة تنظيم القاعدة ، في حين يدعو التيار الثاني لضرورة وجود القوات الأميركية في أفغانستان؛ لترابط الحرب الأميركية في أفغانستان وتشابكها بعديدٍ من القضايا المحورية والمهمة بالنسبة لواشنطن كالحرب على الإرهاب والصراع على الطاقة في آسيا الوسطى والملف النووي الإيراني ومواجهة المحور الصيني – الروسي، ولذا يدعون إلى زيادة القوات الأميركية والدولية في أفغانستان للسيطرة عليها وتخليصها من تنظيم القاعدة وحركة طالبان.
إن احتلال أفغانستان واستباحة أرضها واستعمار موانيها ومطاراتها وتحويلها لقواعد أطلسية ليس له ‏أساس شرعي أوقانوني، غير حق القوة وشريعة القوي يستعبد الضعيف، ومن الغريب أن الرئيس اوباما ‏المسكون بعقدة العرق والاستعباد لا ينتبه إلى أن ما يجري في أفغانستان طرف من أطراف هذه القضية بل ‏ربما أبشع لأن الضحايا يموتون هنا تحت القصف الجوي والأرضي .
أما العالم الإسلامي، فهوموجود ويراقب والشعوب سيكون له حساب صعب مع المشروع الاستعماري ، ‏صحيح أن النظام الرسمي الموجود متواطئ مع المشروع الاستعماري ولكن كذلك هناك صحوة ويقظة على ‏امتداد العالم الإسلامي تطلب الخلاص والإنعتاق من السيطرة الاستعمارية ، كما أن المشهد الكائن يجعل الأعمى مبصراً ‏ويستطيع قراءة تداعيات الأحداث ومسلسل العدوان وما فيه من استكبار وطغيان، سيُهزم الجمع الأطلسي / ‏الأوروبي في أفغانستان كما هزم في العراق حتى ولوكان الثمن باهظاً وكبيراً وستؤدي هذه الولادة ‏الصعبة إلى حركة وعي وصحوة سيكون لها أثر فيما بعد .. والله أعلم.‏

مقدمة تاريخية لظهور الروس في القوقاز

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالله المطيري 380

مقدمة تاريخية لظهور الروس في القوقاز

كان الروس منذ زمن بعيد قد تعرفوا على القوقاز والجبليين. ففي سنة 1561 تزوج القيصر ايفان الرهيب من الاميرة ماريا تيمريوكفنا من كاباردين. ومنذ ذلك الحين طلب مختلف الامراء الجبليين عونا من موسكو وقبلوا المواطنة الروسية. وفي عصر ما يسمى بالفترة المظلمة، حيث كانت روسيا نفسها ضعيفة انقطعت العلاقات مع القوقاز، ولكن في زمن القياصرة الاوائل من سلالة رومانوف اعيدت العلاقات بسرعة. وفي وثائق الارشيف مجموعة كبيرة من طلبات الملوك والامراء الجبليين لمنحهم المواطنة الروسية.

وتشير الوثائق الاولية الى ان الاتصالات بين الروس والشيشان كانت في القرن السادس عشر متقطعة ولم تترك اي اثر في التاريخ. وببساطة طبيعية اهتم الروس بجورجيا الارثدوكسية، واهتم الجورجيون بروسيا. وتقع على الطريق بين موسكو وتفليس منطقة القوقاز الشمالي وشعوب جبلية مختلفة ومنهم الشيشان.

وتشير الوثائق الى انه بعد فترة وجيزة، اي في زمن القيصر الكسي ميخائيلوفيتش، ومن ثم ورثته، طلب الشيشانيون من القيصر الروسي بالحاح منحهم الحماية واعدين بطاعة ملك موسكو وتقديم المساعدة له في محاربته اعداء روسيا.

وفي زمن بطرس الأكبر نجل القيصر الكسي ميخائيلوفيتش الذي كان يحارب الفرس فان الجيوش الروسية ليس فقط لم تحصل على مساعدة من الشيشان، بل كانت مجبرين على رد هجمات هجماتهم. وبهذه الفترة بالذات، وردا على هذه الهجمات قام الروس بحملات عسكرية تنكيلية مشكوك في نجاحها ضد الجبليين. وبشكل عام يمكن اعتبار هذه المصادمات حوادث عابره، لان اهتمامات بطرس الاساسية كانت نحو الغرب وليس في القوقاز. اضافة لذلك فان المناطق المجاورة لبحر قزوين والتي اخضعها بطرس تنازل لاحقا عنها لفارس.

وبدأ في زمن الامبراطورة انا ايونوفنا بناء التدعيمات الروسية في القوقاز والتي سميت بخط القوقاز. ولم يكن الهدف من ذلك اخضاع الجبليين الذين كانت عواطفهم وكراهيتهم تتنقل بين روسيا وفارس وتركيا. بل كان هذا الخط يمثل ما يشبه الحدود التي تفصل مناطق النفوذ بين روسيا وتركيا،حسب معاهدة سنة 1739. اضاقة لذلك ساعد هذا الخط على الحفاظ على اتصالات دائمة مع جورجيا. مرات عديدة ساعد الروس الجورجيين، وقاتلت الفصائل الجورجية الى جانب الروس ضد الاتراك.

وفي عام 1785 عندما هدد عمر خان (قائد) العيفاريين جورجيا،اراد الروس تقديم المساعدة لهم ولكنهم لم يتمكنوا بسبب الحرب المندلعة في الشيشان. وحسب شهادات الكثيرين لم تكن بمنحى عن المشاركة الفعلية للاتراك. عندها بالذات كان على الروس ولاول مرة الصدام مع الشيشانيين. وبدأ الجيش الجبلي “حرب الجهاد ضد الكفرة” بقيادة راع فقير اعلن انه مختار من محمد،وباسم الشيخ منصور. وبالذات فان هذا الراعي الامي من قرية “الدي”وضع اسس الغزوات”حرب الجهاد” في شمال القوقاز.

منصور-الامام الكذاب

حسب شهادات العسكريين الروس كان تعداد قوات منصور في اوج قوته يبلغ 25 الف رجل، وشكل هذا خطورة جدية لكل خط القوقاز. وباءت بالفشل اول محاولة للقوات الروسية بقيادة العقيد يوري بيري الواثق من نفسه للوصول الى”مكان الامام الكذاب”. لقد اباد الشيشانيون تقريبا كل الفصيل الروسي. وكان نجاح منصور قصيرا، ولم تتكلل بالنجاح كل محاولاته اللاحقة لاقتحام التحصينات الروسية، وخاصة كيزلار، بل ادت الى خسائر بشرية كبيرة وفقدان نفوذه وهروب الكثير من اتباعه. وبدعم الاتراك بالمال و السلاح للامام الكذاب منصور تمكن لعدة سنوات من ازعاج القوات الروسية، وفي اكتوبر/تشرين اول عام 1787 هزم من قبل القوزاق ولم يتمكن من اعادة تنظيم نفسه. وكان انسحاب منصور خلال الجبال المغطات بالثلوج مأساويا، حيث عثر في الربيع في طريق انسحابه على جثث متجمدة كثيرة، اما منصور نفسه فقد لجأ الى قلعة “سودجوك-كالي” التركية حيث اسر صيف عام 1791 .

هنا نشير مباشرة الى ان دور تركيا وكذلك فارس وانجلترا في حوادث القوقاز اللاحقة سيكون نشطا. فانجلترا خاصة كالعادة تقيم التواجد الروسي في هذه المنطقة كتهديد لسيادتها في الهند، لذلك حاولت جاهدة (نادرا بشكل مباشر،في اغلب الاحيان بمساعدة الاتراك و الايرانيين) كلما سنحت الفرصة، التأثير على احداث القوقاز على ضوء مصالحها.

ومع كل مآسي الحرب الروسية ضد “الشيخ منصور”الكذاب والشيشانيين من مؤازري “حرب الجهاد ضد الكفار” وبرايي فانه حتى هذه الحادثة التاريخية لا يمكن اعتبارها بثقة كاملة نقطة البداية في المواجهة بين الروس والشيشان. ان اكثر اسباب المجابه كان بتأثير شخصية منصور نفسه و تعصبه الديني والتدخلات الاجنبية، وليس خلاف مبدئي بين روسيا و الشيشان، خاصة وان لروسيا تاريخيا علاقات طيبة مع المسلمين الروس ولم يكن من مصلحتها اثارة الحرب في المنطقة على ارضية دينية.

حرب القوقاز الاولى

ان الحرب المبدئية و القاسية في المصالح بين روسيا والشيشان بدأت فيما بعد، وقد املتها حالة جيوسياسية طارئة “حادثة تاريحية سيئة” حصلت للروس والشيشان. وتؤرخ بداية حرب القوقاز في الاعوام 1817-1864. ومن الجدير بالذكر ان سببها كان الانضمام الطوعي لجورجيا الى الامبراطورية الروسية. فاذا كانت المصادمات بين الروس والقبائل الشيشانية المتفرقة الى هذه اللحظة متقطعة فانه بعد انضمام جورجيا الى الامبراطورية اصبح شمال القوقاز، وبشكل خاص الشيشان جغرافيا داخل الامبراطورية وعلى الطريق المهم من مركز روسيا الى جورجيا.

ولم يكن قبول جورجيا ضمن روسيا ناتجا عن غطرسة امبراطورية، بل هو دين لاخوة في المعتقد، كانوا يتعرضون خلال قرون عديدة لملاحقة قاسية وتحت خطر الابادة الجماعية.(اقراؤا بالتفصيل في وثائق تاريخ جورجيا).

وعلى اساس هذا السياق التاريخي من الصعب اعتبار روسيا مسؤولة عن اشعال حرب القوقاز، ولا حاجة في اتهام الشيشان بذلك ايضا: فلم يكن لهم شأن في فواجع الجورجيين او كرامة الروس القادمين لمساعدة الجورجيين، فهم لم يروا غير القوزاق على ارضهم ويمكن ان نشفق على الشيشان، لانها وقعت تحت عجلة التاريخ، ويمكن ان نشفق على روسيا ايضا لانها سحقت بنفس العجلة ولكن بشكل خاص.

ويمكن مساواة اخضاع القوقاز من قبل روسيا باخضاع انجلترا للهتد والاسبان لامريكا. وهناك امثلة كثيرة غير هذه. ففي جميع الحالات المماثلة كانت الطرق المستخدمة تقريبا متطابقة و تضمنت كقاعدة السوط والحلوى. ونفس الشئ فعلته روسيا، فكانت في مكان ما تخضع الجبليين بالقوة، وفي مكان آخر تكسب اعيان المنطقة من خلال تقديم الهدايا لهم وتعيينهم . ولم يكن عدد الامراء القوقاز الذين قربوا من العرش الامبراطوري قليلا. واخيرا كان الكثيرون ينتقلون طوعا وبدون مقابل الى الجانب الروسي بحثا عن ظهير قوي، بعد ان تعبوا من الحروب الداخلية المحلية، آملين بالاستقرار وبفوائد اقتصادية والتعاون مع شريك قوي و متحضر.

وكان الاباطرة الروس متاكدين من انهم ينقلون الى القوقاز الحضارة،وكانوا مستعدين اذا تطلب الامر فرضها بالقوة، ولكن لم يكن هناك اي تعصب قومي(شوفيني ). ومن زمن بطرس الاكبر سلكت السلطة الروسية نفس الشئ، حتى مع رعاياها الاصليين، اي مع الروس انفسهم. وكان بطرس الاول، ومن اتى بعده، متأكدين بانه يجب تعليم المواطنين بالقوة، وقد فعلوا ذلك وبشكل دؤوب. ان اصلاحات بطرس العظيم وخاصة في المرحلة الاولى ترابطت مع انتفاضات عديدة سحقت بنفس القسوة التي سحقت فيها انتفاضات الجبليين لاحقا.

واخيرا، تمكنت روسيا، بهذا الشكل او ذلك، من الاتفاق مع الجميع بأستثناء الشيشان. واستمرت الهجمات على القوافل الروسية وعلى الجيران،واخذ الرهائن وتجارة الرق، بالرغم من جميع اشكال العلاقة مع الشيشان والاتفاق معهم. ومع الاسف الشديد فان القانون الدولي الاوربي الحضاري لم يعمل في القوقاز.

فالامبراطور الكساندر الاول مثلا غير سياسته تجاه الشيشان. في بادئ الامر كانت سياسة تمالك النفس. وعندما تصبح الهجمات غير مطاقة كان جواب الروس الاضطهاد. وبعد عدد من العمليات التأديبية والتي كانت خلالها القوات الروسية تحرق القرى”المذنبة” وفي عام 1813 اوعز الامبراطور الى الجنرال رتيشيف تغيير التكتيك “كمحاولة لاعادة الهدوء على خط القوقاز بمودة وتسامح” ولكن الشيشان اعتبروا ذلك ضعفا، فازدادت الهجمات على الروس. وبعد ذلك ومع ظهور الجنرال الكسي يرمولوف في القوقاز عام 1816 تم الرهان على استخدام القوة. ولكن مع تغيير طريقة تنفيذ العملبات العسكرية، بحيث تكون تدريجية: التحصن في المواقع المحتلة … شق طريق في الغابة للتخلص من الكمائن وبناء تحصينات جديدة. طريقة يرمولوف هذه في الحرب سارت ببطء، ولكن دائما سارت نحو الامام وابعاد الشيشان نحو الجبال ومعاقبتهم عن كل هجمة سطو ونهب.

الجنرال يرمولوف- مروض القوقاز وخبيره

كان الجنرال الكسي يرمولوف شخصية بارزة ونجاحاته في القوقاز تفسر بشكل كبير، ليس فقط معرفته الجيدة للوضع وعدم تخوفه من اتخاذ القرارات، بل وكونه احد القادة الروس القلائل في القوقاز الذين عرفوا جيدا نفسية الجبليين والمسلمين. وفي نفس الوقت كان يرمولوف يكرر دائما بانه ينحدر من اصل الوجيه التتري ارسلان، وان تصرفاته في القوقاز ونمط حياته مبني على الاسلوب الشرقي، مع علمه بانه مراقب دائما من قبل عيون فضولية لتقييمه. وقليلون يعلمون بان يرمولوف تزوج اثناء وجوده في القوقاز ثلاث مرات من زوجات مسلمات، عاقدا مع اولياء امورهن الاتفاق على الزواج المؤقت، مقدما لهم الهدايا الثمينة والمال، كما كان متبعا انذاك. وكان القصر الامبراطوري ينظر الى ذلك كنزوة جديدة. وعمليا من وجهة النظر المسيحية بقى الجنرال عازبا. وعندما انتهت خدمة الجنرال في القوقاز فان زوجاته المسلمات (مع بنات يرمولوف )عدن الى بيوتهن وتزوجن مرة ثانية، اما اولاده الثلاثة – فيكتور(باختيار ) وسيفير(اللهيار) وكلافدي (عمر) فانه اخذهم معه الى روسيا، حيث رباهم واصبحوا ضباطا مثاليين في الجيش الروسي.

ونشير الى ان جميع العسكريين الروس الذين استحقوا المجد وادخلوا الرعب في العدو في القوقاز متفقين على كيفية قيادة الحرب النفسية، اعتمادا على التقاليد والاعراف المحلية.

ومع ذلك فان سرعة البديهية واستخدام القوة لدى يرمولوف وعدد كبير من الضباط الروس جلبت لروسيا العديد من الانتصارات الحربية، الا ان كل هذه الانتصارات لم تتمكن بشكل جذري من حل المشكلة.

وطبعا يرمولوف لم يستخدم القوة و السخاء فقط، بل من المعلوم انه كانت له محاولات خرقاء لادخال الحضارة للمنطقة. فقد قام بجلب النساء من روسيا لتزويجهن من مرؤوسيه من القوزاق واسكانهن في القوقاز. وحسب طلب يرمولوف فقد ارسلت له من المركز عدة الاف من البنات الشابات والارامل مع اطفالهن. اي حسب خطة بطرس العظيم يتم ادخال الحضارة بواسطة الاجانب.

وكما نرى فان السلطة الروسية انذاك كانت متأكدة من ان احسن الطرق لادخال الحضارة الى المنطقة، ليس العمل مع السكان المحليين، بل اسكان الروس في المنطقة.

ولم يسأل لا السكان المحليين ولا المهجرين عن موافقتهم. ومن المعلوم فان المهجرين الروس تحملوا عذابا نتيجة تنفيذ الخطة الامبراطورية هذه.

واخيرا فان الشيشان لم ترغبوا بالتحضر، بل بالعيش على ضوء قواعدهم التي تختلف جذريا عن القوقازيين الاخرين. وعلى خلاف الاقوام الجبلية الاخرى، حيث ظهر الاعيان(الوجهاء) الذين كانت السلطة الروسية تتفق معهم، فان الشيشانيين اعتبروا نفسهم متساوين. وان شخصية الشيشاني لا تحدد بثروته ومعلوماته، ولا باصله، بل قبل كل شئ على اساس غنائمه الحربية. كما ان القيصرية لم تجد في الشيشان من تتباحث معه من قيادات وبنى اجتماعية يكون بامكانها ضمان تنفيذ الاتفاقات. وعندما كانت تظهر مثل هذه القيادات في القوقاز كانت السلطة الروسية تحاول الاتفاق معها وكسبها، واحسن مثال لذلك هو شامل الاسطوري.

الامام شامل

ان التاريخ الروسي الرسمي يسمي شامل باحترام بانه “قائد مشهور وموحد جبليي داغستان والشيشان قي نضالهم ضد الروس ومن اجل الاستقلال”. وشامل الداغستاني ولد حسب بعض المصادر في عام 1797 وحسب اخرى عام 1799 وكان من المناصرين للمذهب الجديد الداعي الى انقاذ الروح وغفران الخطايا، عن طريق حرب الجهاد المقدسة ضد الروس. وعند استلامه السلطة كامام لداغستان تمكن شامل من توحيد الداغستانين والشيشانيين تحت راياته، حيث استمرت سلطته 25 سنة. وتكللت الحرب الجارية مع روسيا بنجاحات واخفاقات، ولكن في نهاية عام 1843 اصبح شامل السيد المطلق لداغستان والشيشان مؤقتا. وقسمت في زمنه الشيشان الى ثمان مناطق – ادارها نوابه، وبلغ تعداد قواته في افضل الاوقات 60 الف رجل. وكان اقرب مساعدي النواب هم تلاميذ شامل، وهؤلاء شكلوا حرسه الخاص. وكانت القيادة العليا بيد رجال الدين. وحاول شامل فرض الشريعة الاسلامية على كل المناطق التي كانت تحت سيطرته، والتي تعارضت مع العادات الروسية القديمة.

وبقيت السلطة معتمدة على الايمان والقوة، اذ كان الجلاد يرافق شامل دائما. لقد اثارت نزوات الشيشان شامل والروس على حد سواء. وللامام غير قليل من وجهات النظر السلبية جدا حول الشيشانيين. واثناء المباحثات مع الروس نوه شامل مرات عديدة بان من مصلحتهم فسح المجال له “لتقييد “القوقاز المتمرد والشيشان خاصة.

وتنتشر حاليا بين القومييين القوقاز، والشيشانيين بشكل خاص، وجهة نظر بسيطة وبدائية عن شامل بعيدة جدا عن الواقع، فحواها يفيد بانه-“قرر الاستشهاد من اجل حرية الشعب في النضال ضد المستعمرين الروس”. وكتب شامل عام 1836 الى الجنرال كلوك فون كلوكين قائد القوات الروسية في داغستان: “مادمت باقيا على قيد الحياة ستجدونني مجدا وخادما لا يمكنه خيانة الحكومة الروسية”. وكان الشرط الوحيد هو “اطلب منكم فقط عدم التدخل في القتال فيما بيننا،وسوف ينتصر الاشجع منا ويتم اخضاع الجانحين، ويستتب النظام والسلطة وعندها يحل بعون الله الهدوء.” وطبعا ماجاء في وعود شامل كونه”خادم مطيع للحكومة الروسية” في اوج “حرب الجهاد ضد الكفرة”ماهي الا حيل دبلوماسية، الا ان فكرة “كبح”الجبليين تتطابق تماما مع رغبة الامبراطور.

وكانت الاساليب متقاربة فلقد اعترف شامل فيما بعد: “لقد استخدمت ضد الجبليين اساليب قاسية، وقتل الكثيرون تنفيذا لاوامري.. ضربت الشاتونيين والانديين وطالبوتين والاجكيريين، لقد ضربتهم، كما تعلمون لا بسبب طاعتهم لروسيا التي لم يظهيروها انذاك، بل بسبب طبائعهم الخبيثة التي تميل الى السرقة و السطو، التي من الصعب عليهم التخلص منها. لذلك فانا لا اشعر بالخجل من اعمالي ولا اخاف الاجابة عنها امام الله”.

وفي نهاية الامر هزم شامل واسره الروس في قرية “غونيب” عام 1859 حيث حاول الاختفاء. وتفيد المعلومات التاريخية بان الامام شامل توجه الى غونيب برفقة قافلة غنية، الا انه وصلها وهو لايملك شيئا سوى سلاحه الشخصي والفرس التي كان يركبها، لقد سرقه اثناء الطريق رجال من القرى المجاورة. عندما كان شامل قويا كانوا يهابونه، وعندما ضعف – سرقوه.

ولم يكن الاسر لشامل ثقيلا جدا. قال الكسندر الثاني، الذي برز في حرب القوقاز وقلد وسام”صليب غيورغي” عندما مثل الامام امامه: “انا سعيد جدا لانك اخيرا في روسيا،واسف لان هذا لم يحدث قبل هذا الوقت. سوف لن تندم، وسنصبح اصدقاء”. وتم نقل الامام الى كالوغا وخصص له راتبا جيدا، وبعد ان هدأت الامور في القوقاز، سمح له بالذهاب الى مكة المكرمة، حيث وافاه الاجل ودفن هناك. لقد عثر بعده على مجموعة من الرسائل معنونة الى الامبراطور الروسي والتي تضمن الشكر والولاء. وفي احدى المرات القى الامام خطبة قال فيها :”ان العجوز شامل يأسف لانه لن يولد مرة ثانية لكي يسخر حياته لخدمة القيصر الابيض الذي اعيش من نعمه”. يمكن الشك في مصداقية كلمات العجوز، ولكن من ناحية ثانية لم يجبره احد على قولها. ولم يعلن شامل عند مغادرته الى مكة عن رغبته في تجديد النضال ضد الروس. لقد دفن الامام الاسطوري في مقبرة جنة البقيع بالمدينة المنورة احد اولاده جنرالا روسيا وخدم روسيا بأخلاص، اما ابنه الثاني فاصبح جنرالا تركيا وحارب ضد الروس، فيما اصبح حفيده سعيد بك ضابطا فرنسيا، ساهم بنشاط في شهر سبتمبر/ايلول عام 1920 في محاربة السلطة السوفيتية في جنوب روسيا.

اوحى اسر شامل بقرب تسوية موضوع القوقاز بشكل نهائي. هذه الحرب التي استمرت للفترة من 1801 و1864 كلفت الروس، حسب بعض المعطيات، 77 الف قتيل. وبالتاكيد كلفت الجبليين اكثر من هذا، اذ لم يقم احد باحتسابها لعدم امكانية ذلك.

وكانت من نتائج الحرب هجرة جماعية للشيشانيين الى الخارج، وخاصة الى تركيا، التي وعدتهم باستقبال حافل. ولم تمنع روسيا ذلك، حتى ان هناك معلومات تؤكد منح المهاجرين مساعدات مالية قليلة. ونظرا لطلبات الكثيرين المقدمة الى الحكومة الروسية بالسماح لهم بالعودة الى بيوتهم، يمكن القول انه لم يكن استقبالهم في تركيا جيدا.

لقد وقع الشيشان بين نارين، فروسيا التي حاربت تركيا مرات عديدة لم تكن لها رغبة في قبول الذين كانوا “مستعدين باشارة واحدة الموت من اجل عظمة تركيا”، سيما وان العديد من هؤلاء بقوا في القوقاز. لقد وضع الامبراطور الكساندر الثاني تاشيرة على مجموعة طلبات للعودة وهي ” لايمكن الحديث عن العودة “. الا ان هناك من حصل على الموافقة بشكل فردي. وبقى الجزء الاكبر من المهاجرين في تركيا.

القوقاز: القرن العشرون. تهجير الشيشانيين

بعد سنة 1864 هدأ بركان القوقاز بعض الوقت، بالرغم من حصول بعض الحوادث، وخاصة في الشيشان. وانفجر هذا البركان من جديد بعد ضعف السلطة المركزية نتيجة ثورة عام 1917 والحرب الاهلية. في هذا الوقت يتم احتلال القوقاز مرة من قبل الحرس الابيض ومرة من قبل الجيش الاحمر، وبصعوبة كبيرة تم تثبيت السلطة السوفيتية في المنطقة.

ومن الصعب في هذه الفترة فصل النضال السياسي عن عمليات قطع الطرق. فازدادت الاشتباكات بين سكان الشيشان وداغستان بسبب السرقات واختطاف النساء، بهدف الحصول على الفدية. وهناك حقائق كثيرة لقيام الشيشان بالسرقات وخطف النساء. وردا على ذلك تبدأ عمليات تجريد القرى الشيشانية من السلاح الواحدة تلو الاخرى. وتشير التقارير الى جمع المئات والاف قطع السلاح بعد استخدام القوة فقط.، وتشبه طريقة عمل قوات الامن الروسية والجيش في تلك الفترة الى حد كبير الاسلوب الذي استخدم قبل الثورة، اي في البداية مباحثات مع الاعيان بهدف حل الموضوع سلميا، وكقاعدة كان هذا يرفض، على اثر ذلك تطلق طلقات تحذيرية يتبعها رمي حقيقي. بعد تهديم عدد من المنازل يفرض على القرية تسليم السلاح، ولكن بالكامل اذ ان التفتيش كان يزيد من عدد قطع السلاح المصادرة. وكما تشير الوثائق، كان هذا يحدث عمليا في جميع المناطق السكنية الشيشانية.

ومع كل هذه الاجرات فأنه في سنة 1929 حدثت انتفاضة تبعتها انتفاضة ثانية سنة 1932 وبعد القضاء على المقاومة يحصل هدوء مؤقت قبل اندلاع الحرب الوطنية العظمى (1941 – 1945 ). ففي خريف عام 1941 يحصل نشاط لحركات التمرد، مستفيدين من قرب خطوط الجبهة من شمال القوقاز. كانت الهجمات تتم على الكولخوزات والقطع العسكرية الصغيرة. وكما تشهد الوثائق تمكن بعض المتمردين من اقامة اتصالات مع القيادة الالمانية وقدمت المساعدة لقطعات المشاة الجبلية المتقدمة نحو الجنوب الشرقي التابعة لمجموعة جيوش “الجنوب”. وبعد طرد القوات الالمانية من القوقاز انشغل الجيش السوفييتي وقوات امن الدولة من جديد بالشيشان، وفي نهاية فبراير/شباط عام 1944 تم تهجير مئات الالاف من الشيشان بالقوة الى كازاخستان.

كل ماذكر اعلاه حقيقة واقعة، ونتيجة عمليات الاضطهاد والتنكيل نكب مئات الالاف من الناس، الذين اكثرهم كانوا بدون ذنب تماما. وبدأت العمليات هذه المرة بمبادرة من قبل يوسف جوكاشفيلي، احد سكان القوقاز الاصليين وهو نفسه ستالين- الشخص الذي بدون شك يعرف جيدا تاريخ المنطقة ونفسية الشيشان. اكثر من ذلك كان قائد الحزب يعرف جيدا الطرق التقليدية التي يستخدمها الجبليون في سطواتهم. لقد ترأس يوسف ستالين عام 1906- 1907 عمليات نزع الملكية وراء القوقاز وبمعنى آخر انه سطى على البنوك، وغيرها من الدوائر، وذلك لتمويل النشاط الثوري لحزب البلاشفة.

لفد تمت عمليات تهجير الشيشان وغيرهم من شعوب الاتحاد السوفييتي في زمن معمعان الحرب العالمية الثانية. ومن الصعب القول هل حقا ستالين “اب الشعوب” كما كان يسمى انذاك تذكر الماضي وتخوف فعلا من حدوث خيانات جماعية من جانب الشيشانيين، ام استخدم الحرب كحجة لبدء الاضطهاد. ونظرا لطبيعة ستالين المعقدة يمكن ان يكون السبب اي خيار. وبنهاية الامر يمكن ان تكون فكرة تهجير الشيشان حدثت ليس فقط في تاريخ روسيا، بل وفي التجربة الغربيةايضا : نذكر بانه في هذه الفترة بالذات تم في الولايات المتحدة الامريكية حجز اليابانيين في معسكرات اعتقال.

كل هذه الاحداث – حروب القوقاز في القرن التاسع عشر و تهجير الشيشان في الشيشان في اربعينيات القرن العشرين اوجد ارضية وايديولوجيا لحروب جديدة في الشيشان.

رفض الحكومة الليبية قرار الجامعة العربية

كاتب الموضوع الأصلي: أحمد الملحم (8)

رفضت الحكومة الليبية الاحد قرار الجامعة العربية الذي دعا مجلس الامن الدولي الى فرض حظر جوي عليها، واعتبرت انه وضع على ادعاءات كاذبة .

وقالت وزارة الخارجية الليبية في بيان نقلته وكالة الانباء الليبية الرسمية ان قرار الجامعة العربية أسس على ادعاءات كاذبة وتشويه صريح للحقائق، وما جرى على الأرض، والتي عملنا على ايضاحها واتاحتها أمام الجميع، بل وطالبنا مرارا بإيفاد لجان للتحقيق .

وقال بيان الخارجية انه كان الأولى بمجلس الجامعة أن يقرر إرسال لجنة لتقصي الحقائق أولا .

وتأتي هذه التطورات قبيل جولة لوزيرة الخارجية الامريكية هيلاري كلينتون التي ستسعى لايجاد سبل لمساعدة المعارضة الليبية على اسقاط ثالث زعيم عربي والحفاظ على زخم الثورات المطالبة بالديمقراطية.

وتبدأ كلينتون جولتها في باريس لاجراء لقاءات مباشرة مع المعارضة الليبية قبل التوجه الى تونس ومصر لتكون اول مسؤول أمريكي رفيع المستوى يزور هذين البلدين منذ اقصاء رئيسيهما زين العابدين بن علي وحسني مبارك.

كما تأتي جولة كلينتون بعد دعوة الجامعة العربية مجلس الأمن لفرض حظر جوي على ليبيا، وقررت الدول الاعضاء، في اختام اجتماع طارئ لوزراء الخارجية العرب في غياب ليبيا، البدء في الاتصال بالمجلس الانتقالي المعارض لنظام حكم الزعيم الليبى معمر القذافي.

واعتمد الوزراء قرارا اعتبر أن جرائم وانتهاكات السلطات الليبية تفقدها الشرعية ، كما نوهوا الى قرار سابق رفضوا فيه كافة اشكال التدخل الاجنبي في ليبيا ، لكنهم اعتبروا ايضا ان عدم اتخاذ الاجراءات اللازمة لانهاء هذه الازمة سيؤدي الى التدخل الاجنبي في الشؤون الداخلية الليبية.

ونقلت وكالة فرانس برس عن دبلوماسيين عرب قولهم إن الجزائر وسورية تحفظتا على قرار فرض الحظر الجوي على ليبيا.

وذكر الدبلوماسيون أن سفير سورية لدى الجامعة العربية اعتبر ان فرض منطقة حظر جوي على ليبيا ربما يمهد التطريق لتدخل عسكري خارجي هناك.

وقال الامين العام للجامعة العربية عمرو موسى في مؤتمر صحفي في ختام الاجتماع ان قرار التعاون مع المجلس الوطني الانتقالي في ليبيا هو اعتراف به عمليا.

وقد اكد سيف الاسلام القذافي نجل الزعيم الليبي ان بلاده لم تعد ترغب بعضوية الجامعة العربية التي علقت مشاركة ليبيا في اجتماعاتها احتجاجا على استخدام العنف ضد المتظاهرين.

ميدانيا قالت القوات المعارضة لقوات القذافي انسحابها كليا من بلدة البريقة النفطية الليبية الاحد بعد قصف شرس من جانب الاخيرة. واعلن التلفزيون الليبي بعد ذلك ان القوات الليبية قامت بـ تطهير البريقة، التي تبعد نحو ثمانين كم غرب اجدابيا.

وقال المتحدث باسم وزارة الدفاع الليبية ميلاد حسين الفقهي في مؤتمر صحافي ان قوات القذافي ستتقدم شرقا لاستعادة السيطرة على مزيد من المناطق الخاضعة لمن سماهم بالمتمردين.

وقال التلفزيون الليبي الرسمي الاحد إن الحكومة الليبية واثقة من الانتصار وانها سوف تدفن المعارضة المسلحة التي تقاتل لانهاء حكم القذافي.

وقال التلفزيون في رسالة بثها عبر شاشته إن الحكومة أكدت ايضا موقفها بان المعارضة المسلحة مرتبطة بتنظيم القاعدة واجهزة مخابرات اجنبية.

وقالت الرسالة ان اللجنة الشعبية العامة (مجلس الوزراء) تهنئ الشعب الليبي وانها واثقة من الانتصار مهما كان الثمن.

واضافت ان اعمال الانقسام سوف تدفن مع من ارتكبوها من المرتبطين بالمخابرات الاجنبية وتنظيم القاعدة الارهابي.

وتتقدم قوات النظام الليبي الى معقل الثورة في شرق ليبيا بعدما استعادت مدنا جديدة مستخدمة المدفعية والطيران بينما ما زالت منطقة الحظر الجوي موضع نقاش.

وتقدم خط الجبهة باتجاه الشرق بينما تسقط مدينة تلو الاخرى بايدي قوات نظام القذافي الذي اكد تصميمه على القضاء على الثورة على الرغم من الاحتجاجات والعقوبات الدولية.

وبعد العقيلة على الطريق الساحلية اصبحت قرية البشر شرقا تحت سيطرة الموالين

للقذافي الذين قاموا بقصف البريقة التي تبعد حوالى 240 كلم عن بنغازي مقر المجلس الوطني الانتقالي الذي يضم المعارضة.

وكان الثوار فروا السبت من العقيلة التي سقطت بايدي الموالين للقذافي وانتقلوا الى البريقة.

وفي بنغازي قطعت اتصالات الهواتف النقالة الاحد. ولم تكن الاتصالات في شركتي ليبيانا والمدار تعمل كما لم يعرف الى متى سيستمر هذا القطع.

وفي الطريق الى اجدابيا سادت الفوضى عملية الانسحاب التي شملت سيارات تنقل مدنيين.

وهرعت مئات السيارات المكشوفة المحملة بالاسلحة والشاحنات بسرعة فائقة لمغادرة المكان.

وتوقفت معظم الآليات على الطريق ولم تدخل الى اجدابيا التي تمركزت دبابة للثوار عند مدخلها وجرافة تمهد الارض لاعداد مواقع دفاعية واكياس من الرمل.

جاء ذلك فيما تمكنت القوات الموالية للقذافي من استعادة مدينة رأس لانوف الاستراتيجية المنتجة للنفط بشمال ليبيا من قوات المعارضة، وذلك بعد قتال استمر عدة أيام.

وقال العقيد بشير عبد القادر القيادي في صفوف المعارضة لوكالة رويترز خرجنا من رأس لانوف. أجبرونا على التراجع بالقصف.

وأضاف عبد القادر تراجعنا 20 كيلومترا من (موقعنا) الليلة الماضية لأننا نخشى كذلك من انفجار مصفاة النفط.

وكانت مقاتلات تابعة للقذافي شنت هجمات جوية على رأس لانوف يوم الجمعة. وأفادت أنباء بأن الطائرات قصفت معملا لتكرير النفط، ونقطة تفتيش أنشأها معارضو القذافي. لكن حكومة طرابلس نفت قصف المعمل.

رماد عادت به سارة

كاتب الموضوع الأصلي: خالد حمزي 4

بسم الله الرحمن الرحيم

هذي القصهـ مما خطته انامل الدكتور الحبيب محمد الحضيف وهي قصهـ لا اريد ان احرقها لانها تتحدث بشكل او بخر عن “حريق الحائر” والذي يبدو انهـ احرق انامل الدكتور حتى كتب هذهـ القصهـ فاياكم إياها:

دلفت إلى المكتب ، فهاجمتها رائحة السجائر ، التي امتزجت بكل شيء .. من الجدران ، إلى المقاعد البلاستيكية ، وحتى الورقة التي ناولها إيّاها الجندي ،الذي يجلس بملل ،خلف مكتب معدني عتيق . بكاء الأطفال الذين معها .. ومشاكساتهم ، لم يترك لها مجالاً لتملأ البيانات ، في الورقة التي طلب منها الجندي تعبئتها . انشغلت بتطييب خاطر أحدهم ، الذي كان قد تعثر في عتبة الباب . المكتب مصنوع من ألواح جاهزة ، من مواد مسبقة الصنع .. أقيم ارتجالاً ، في إحدى المساحات الفارغة ، القريبة من البوابة الرئيسية . مؤقت .. كما يقال .. واضح من طريقة بنائه العشوائية .. شأن كثير من قراراتنا ، وأمور حياتنا : مرتجلة ، مؤقتة .. وعشوائية . لم تكن العتبة .. سوى طوبتين اسمنتيتين ، وضعتا بدون نظام ، فانزلقت بينهما القدم الصغيرة ، فتقرح ظاهرها، وهو ما جعل الحذاء يزيد حدة الألم ، عند أي حركة ، فيتألم الطفل .. ويلجأ للبكاء . حين أكملت تعبئة البيانات المطلوبة ، توجهت إلى الجندي نفسه، الذي علق بصره عليها ، لحظة خرجت .. من وراء ستارة زرقاء بهت لونها، مثبتة في إحدى زوايا المكتب ، لتفصل مكان انتظار النساء عن بقية المكتب . كان الجندي يتأملها وهي مقبلة، ويغرز نظرتين حادتين في جسدها ، الذي التفت عليه العباءة ، فلا يظهر منها إلاّ أطراف أناملها .. التي ترى أن عيني الجندي تستقر عليها ، بعد أن تتفحصا جسمها ، فلا تجد شيئاً ” أبيض ” ، وسط ذاك السواد ، تقع عليه .. إلاّ هي . تناول الجندي الورقة منها ، بطريقة بدت ، كما لو أنه يحاول أن تلامس يده ، أطراف أناملها . وقفت تنتظر ، وهو يراجع الورقة بسرعة ، ليتأكد أن الخانات كلها مملوءة .. رفع عينية باتجاهها وبنفس النظرتين الحادتين ، المملؤتين رغبة .. اللتين لم تفارقاه .. خاطبها :
– اجلسي .. سنرفع الأوراق للضابط ..

استدارت عائدة ، وأخذت تحاول بدأب ، نزع يد الطفل ، الذي يتبعها و يتشبث بعباءتها ، فيبرز من جسمها ما تحاول أن تستره . كانت وهي تجاهد لتخليص عباءتها من يد الطفل ، يسيطر عليها إحساس أن نظرات الجندي تتبعها ، لتقع حيث يشد الطفل العباءة .. فتزداد توتراً ، وتعجل خطواتها لتتوارى خلف الستارة .

مضت أربعون دقيقة .. بطيئة .. قاتلة ، تأملت خلالها جدران المكتب ، المغطاة بمادة ( فلّينية ) لينة ،ذات لون أبيض مطفي .. حفر عليها بعض الزوار السابقين ( ذكرياتهم ) .. منظر أعقاب السجائر الهائلة ، المتكدسة على هيئة أكوام ، تحت مكاتب الجنود.. كان لافتاً . هناك بقع أوساخ على الأرض .. في كل ناحية ، وأثار تعرق داكنة ، خلّفها تعاقب الأيدي على الجدران ، و أسطح تلك المكاتب . مستوى النظافة في المكان جعلها تحاذر أن تضع يدها في أي مكان . لم تلهها مشاكسات الأطفال ،وأصواتهم المرتفعة ، عن التقاط جانب من حوارات الجنود التافهة ، التي لا تخلو من كلمات خادشة للحياء .. خصوصاً لامرأة مثلها . هذا السلوك .. ليس مقصوراً عليهم .. معظم مجالس الرجال الخاصة ، تدور فيها أحاديث ( جنسية ) .. حقيقة مجتمعية تعرفها .. أطرف تعليق سمعته حول هذه ( الظاهرة ) .. كان من إحدى الصديقات : ( نحن شعب ليس لديه قضية .. مجتمعنا حلت جميع مشاكله ) ..!

تعلم من زوجها الراحل ، الذي كان موظفاً مدنياً في قطاع عسكري ، أن المستوى التعليمي لهؤلاء الجنود متدن جداً ، وأن بعضهم ينحدر من مستويات اجتماعية ، يغلب عليها العوز والجهل . . وضعف مستوى الذوق العام ، في الخطاب والمعاملة . زوجها كثيراً ما اشتكى لها من فظاظة التعامل .. وسوء الخلق ، لدى الغالبية من هؤلاء الأفراد ، ونظرتهم الفوقية لعموم الناس .. بسبب إحساسهم المزيف بامتلاك ” سلطة “، تخولهم مساءلة غيرهم من الناس .. من غير العسكريين ، وتولد لديهم روح عداء ، تدفعهم أحياناً ، إلى التعدي على الآخرين . تذكر أن زوجها يرد السلوك العدواني لبعض هؤلاء الجنود ، والإحساس المزيف بالسلطة عند أكثرهم ، إلى ( الحس الأمني ) العالي ، الذي تضخه المؤسسة الأمنية فيهم ، فيتضخم الهاجس الأمني لديهم . هذا الوضع يؤدي ، كما فهمت منه ، إلى أن يتخيل الواحد منهم ، أنه ( وزير الداخلية ) ، وأن بقية أفراد الناس ، ليسوا إلا عناصر مشبوهة .. يجب إيقافهم ، ومساءلتهم ، وإظهار سطوة السلطة عليهم .. وأحياناً إذلالهم .. لتتحقق ( هيبة ) الدولة ..!

الوساخة والإهمال ، التي عليها المكتب ،والمواقف التي تتعرض لها ، من البوابة .. حيث ينزلها وأطفالها سائق ( الليموزين ) .. وإلى أن تصل إلى هنا ، إضافةً إلى نظرات بعض الجنود إليها.. كل ذلك ، زادها اقتناعاً بالرأي القديم لزوجها ، وموقفه تجاه هؤلاء، وهو ما حسبته يوماً ، تبرماً منه .. من واقع لم يقدر على التكيف معه . ترسخ لديها هذا الاقتناع ، بعد تكرار ترددها على المكان .. ومرورها بنفس الإجراءات الروتينية المملة .. وتعرضها لنفس الأسئلة .. أحياناً من نفس الأشخاص ، والموقف المريب لأحد الضباط ، الذي طلب منها في إحدى المرّات ، أن تأتي لوحدها .. من دون الأطفال ، إذا رغبت أن تقابله . أو ذلك الذي أخذ رقم الهاتف ، وتكررت اتصالاته عليها . كاد أن يتحول هذا الشعور تجاههم .. عندها ، إلى ما يشبه الاعتقاد ، لولا بعض المواقف الإنسانية ، التي تبدر من بعض الجنود .. على ندرتها، أو ذلك التصرف الشهم ، لأحد الضباط ، الذي نزل من سيارته ، وطلب من سائقه الخاص أن يوصلها إلى بيتها ، واستقل هو سيارة أجرة .

كانت سارحة ، تتذكر آخر لقاء لها مع زوجها الراحل ، الذي قتلته رافعة سقطت عليه ، في أحد المواقع الإنشائية ، أثناء قيامه بالإشراف على التنفيذ . في اللحظة التي انتزعت فيها آهة وجع من صدرها ، ورفعت يدها لتمسح دمعات تدحرجت على خديها .. أسى على فراق الغالي ، جاءها صوت الجندي عالياً :

– يا حرمة .. يا حرمة، الضابط يقول : أيش المطلوب .. ؟

سئلت هذا السؤال ، بعدد المرات الكثيرة التي جاءتها إلى هنا . صار يساورها الشك حول طبيعة الأسئلة ، والغرض من تكرارها . لماذا تسأل أسئلة أجابت عليها أكثر من مرّة .. ولماذا تشرح أمراً ، وضحته قولاً وكتابةً ، في كل مرّة أتت بها إلى هذا المكان ؟ .

تملأ ورقة مثقلة بالتفاصيل، وتنتظر أربعين دقيقة .. لتسأل بعدها : ماذا تريدين .. ؟ ! أربعون دقيقة اقتطعتها من إنسانيتها وكرامتها ، وهي تقذف مثل كرة ، من زمن لزمن .. ” تعالي بكره .. تعالي الأسبوع الجاي ” ، ومن عين ( جائعة ) لأخرى .. ” الموضوع ما هو عندي .. عند الضابط .. عند الرقيب ” . أربعون دقيقة .. نهبت من وسن تحتاجه أعين صغيرة ، أعياها السهاد .. يتماً ، وذلاً .. وليل طويل ، يملؤه شبح الأب الغائب ، وأنين امرأة جريحة : زوج طواه الردى ، وولد غيبته السجون ..! أحياناً تعزو ذلك الذي تتعرض له ، إلى سوء التنظيم .. أو ما كان يسميه زوجها الراحل ، الفوضى والتخلف .. بلعت غصة مملوءة بالمرارة ، وهي تخنق ابتسامة شاحبة ، حين تذكرت كلمات زوجها ، يوم عبرّ بإحباط ، عن واقع يشاهده يومياً ، في القطاع الذي يعمل فيه :

” لدينا في إدارتنا هذه .. وفي إدارات مشابهة ، لا يستحي التخلف .. بل يسير ” مرفوع الرأس ” .. حيث التعامل والممارسة هنا ، رذيلة .. يهون عندها التخلف ” .

كان صدى صوت الجندي .. يردد السؤال : ( أيش المطلوب .. أيش المطلوب ) ، يرن في أذنيها .. ويزرع غيظاً . لم تشأ أن ترد على سؤال الجندي ، وهي في مكانها حيث ستضطر لرفع صوتها ، خاصةً وأنها لاحظت ، في مرّات سابقة ، أن هناك تعمداً لتكرار السؤال ، والدخول في تفاصيل مفتعلة .. وأن تتكرر منها بالتالي .. الإجابة والردود ، فتدخل فيما يشبه الحوار . يستمتعون بسماع صوتها .. لقد سمعت أحدهم في إحدى المرّات ، يقول لصاحبه :

– أووف .. يا عليها صوت .. !

نهضت وتوجهت نحو الجندي ، حيث كان جالساً ، ينادي من وراء مكتبه . قالت بصوت خفيض :

– أنا طلبت زيارة ..

– زيارة أيش .. ؟

كان يحدق بها ، وهي ترمق عينيه الغائرتين ، من وراء غطاء وجهها ، وتتأمل شفتين يابستين ، ترك التدخين الشره ، أثاره عليهما .. فتراكمت فوقهما طبقة سوداء ، وبرزت فيهما تشققات دامية ، لا يفتأ بين وقت وآخر ، يمسحها بظاهر كفه . تنفرج شفتاه عن أسنان عاث السوس فيها ، وما نجا منها من التسوس ، تتلبد فوقه طبقة جيرية صفراء .. وبقايا طعام .

شعرت بالاشمئزاز ، حين تذكرت أنه في إحدى زياراتها الأولى ، أدخل أحدهم وجهه ، من نافذة سيارة الأجرة ، التي جاؤوا بها ، عندما كانت تستفسر منه ، عن بعض الإجراءات . وقتها لم تتبيّنه جيداً ، رغم أنها في لحظة من اللحظات ، كانت تشاهد الرذاذ المتطاير من فمه ، يقع على ملابسها . لج في ذهنها خاطر : أي فم يشتهي أن يقترب من هذه الأفواه ؟ ! إذا لم يردع هؤلاء دين وحياء .. ألا يردعهم ، التبصر في أشكالهم المقززة ؟ !

استفزها أسلوبه في السؤال : ( زيارة أيش ..؟ ) . من يمكن أن يكون خلف هذه الأسوار ، يضطر امرأة لتسفح حياءها .. في أماكن كهذه ، ويدفعها لتتردد بين ( كائنات ) تتشهاها .. لا ترى فيها إلا ( وعاء ) للرغبة ، يمكن .. مع بعض الابتزاز والمساومة حيازته ..؟

– زيارة ولدي .. كتبت هذا في الورقة .. التي طلبتم مني تعبئتها ..!

– ولدك مسجون ..؟

– نعم ..!

– أيش قضيته ..!

صمتت .. لم تجبه . تعرف أن الفضول سلوك اجتماعي رائج ، لكن .. لا يكون فجاً ، بليداً بهذا الشكل . لم ينتظر إجابتها .. أشار إليها أن تعود إلى مكانها .

بعد ربع ساعة فوجئت به يقف قريباً من الستارة . كان في وضع يستطيع فيه أن يراها . ارتبكت حينما رأته ، وأسرعت بتغطية وجهها ، وحاولت أن تجمع العباءة حول جسمها . كان يبدو أنه هناك .. منذ بعض الوقت ، واقف في مكانه يراقبها . فهو .. ما أن لاحظ ارتباكها ، بعد أن رأته ، حتى بادر قائلاً :

– الضابط يقول ما فيه زيارة اليوم ..

شعرت بالاحتقار ، وبالغيظ يأكل قلبها :

– كيف .. ؟ هذه ثالث مرّة أجيء ، وتقولون لي ما فيه زيارة ..!

– هذا كلام الضابط .. تقدرين تكلمينه .. إذا تريدين ..

– أكلمه .. لماذا ؟ هذا الذي تصنعونه بي حرام .. آتي أجرجر هؤلاء الأطفال ، من صباح رب العالمين .. من

( ليموزين ) إلى ( ليموزين ) .. وفي الأخير ..

قاطعها :

– والله ما أحد قال لك تجيئين ، بدون ما تتصلين .. وتعرفين مواعيد الزيارات .

خنقها البكاء .. فسكتت . دفعت الأطفال أمامها ، وتوجهت إلى المكتب ، الذي أشاروا لها أنه للضابط المناوب . حين دخلت ، أخذ يطيل النظر إليها ، ويصعد بصره فيها . كلهم سواء ، لا فرق بين جنديهم وضابطهم .. حدثت نفسها . أنا أمامهم .. لست أكثر من جسد يشتهى . لست أماً ملّوعة ،ابنها مكبل بقيوده ، خلف القضبان .

– أريد زيارة ابني ..

– ما قالوا لك ، ما فيه زيارة اليوم ؟ .. أنا أحب أساعدك ، لكن .. ما أقدر ..

– لكن المرّة الماضية .. والتي قبلها ،ومرّات أخرى كثيرة .. ردّيتوني ، وقلتم ما فيه زيارة ..

– صحيح .. المرّة الماضية ما كان ولدك موجوداً.. كان في المحكمة ..

– والتي قبلها ..؟

– أيضاً .. ما كان موجوداً .. كان في المحكمة ..

– في المحكمة مرتين .. وما خلص موضوعه .. ؟

– لا .. المرّة الأولى لم يأتوا خصومه .. وأجل الشيخ النظر في القضية .. والمرّة الثانية ما جلس الشيخ ..!

– ما جلس الشيخ .. ؟ !من هو الشيخ .. أين مكتبه ، أين يجلس ..؟

– الشيخ حمد المقفي .. مكتب رقم ( 19 ) ، في المحكمة المستعجلة ..!

المحكمة المستعجلة .. والولد يدخل شهره السابع في السجن ..؟! كيف لو لم تكن ( مستعجلة ) ؟ !.. تساءلت بصوت غير مسموع ، وشعرت بوجع يتراكم .. ويجثم على صدرها ..!

– …………………………………..

– أبو الولد .. زوجك موجود ..؟

– متوفى ..

– اذهبي .. واتركي تلفونك ، وأنا أتصل فيك ..

غامت الدنيا في عينيها .. وشعرت باختناق . أطبقت كفها على يد أصغر الأطفال ، وسحبته متجهة نحو الباب ، دون أن تقول شيئاً ..

– ما تبغين تتركين تلفونك ..؟

لم ترد عليه .. كانت مختنقة .. محبطة ،حزينة . قبل أن تضع قدمها خارج المكتب ، لمحت لوحة معلقة على الحائط المقابل .. قد إزدانت بآية كريمة :

” الذين آمنوا ، ولم يلبسوا إيمانهم بظلم . أولئك لهم الأمن وهم مهتدون ” .

لا تدري ما علاقة الآية بالسجن ..! ربما لشعور السجان أنه يحقق أمناً ، باحتجازه مراهقاً خلف القضبان لعدة أشهر ، لأن ( فضيلة ) القاضي يؤجل موضوعه .. شهراً بعد آخر ..!

” أجل الشيخ الجلسة .. لم يجلس الشيخ ” . عبارات كانت تنغرس في وجدانها ، كالحسك في عين عزلاء .. ليس إلا الدمع ، ماء ينسكب .. ويستل النور والحياة .

لم تقف في تفكيرها طويلاً .. عند الهدف من كتابة هذه الآية ، وتعليقها في لوحة ، في مكتب سجان . تذكرت أنها كانت قد رأت شيئاً ( مشابهاً ) .. عبارة مكتوبة على مكتب أحد الجنود.. خَطّها هو ، أو ربما أحد زملائه .. تقول : ( العدل أساس الملك .. صدق الله العظيم ) .. !

حين اجتازت البوابة الرئيسية .. إلى الشارع ، كانت الشمس تقترب من وسط السماء . شديدة التوهج .. شديدة الحرارة . حزم من أشعتها تقع على زجاج السيارات العابرة بسرعة ، فتحدث وميضاً ، يشل قدرتها على الإبصار للحظات .. فيزيدها توتراً .

مرّ وقت ، ولم تأت أي سيارة أجرة ، من سيارات ( الليموزين ) .. التي عادةً ما تمتليء بها الشوارع . موقع السجن ناء .. حتى عن أطراف المدينة ، ومن النادر أن ترتاده سيارات الأجرة . صهرتها الشمس ، وانكمش الأطفال من الحر، فلاذ بعضهم بها . وهج الشمس أجبرهم أن يمدوا سواعدهم الصغيرة النحيلة ، بمحاذاة أعينهم ، وأن يغمضوا إلى أقصى حد يستطيعوه، ليتقوا الضوء الشديد . أصحاب السيارات المارة ، توقف بعضهم ، وعرضوا عليها المساعدة . لم تشأ أن تستجيب لأي عرض ، رغم وطأة حرارة الشمس . لا تستطيع أن تميز مَن مِن هؤلاء الرجال ، يريد أن يساعدها حقاً .

تتذكر بكثير من الأسى حديث أمها عن قريتهم ، وحال الرجال والنساء ، يعملون جنباً إلى جنب .. في الحقول والمراعي . كانت ليلة رعب حقيقية ، يوم عادت هي وإياها .. وزوجة جارهم ، من المسجد المجاور لمنزلهم ، بعد صلاة التراويح . في الشارع المعتم قليلاً ، حاصرهن أحد الأشخاص ، وحاول التعرض لهن . عندما أفاقت الأم من صدمة الموقف .. فيما بعد ، ظلت تردد : ” لا .. ما هذي بديرتنا .. ما هذي بديرتنا ” .. !

ثم انطلقت تحكي قصصاً كالأحلام ، عن مجتمع كان .. تعطر بالبراءة ..!

الانتظار ممض ، تحت أشعة شمس ، تضج من حرّها الحجارة الصماء . لم تكن حرارة الشمس هو ما تشكو ، بقدر ما يفت كبدها الغبن والظلم ، الذي تحس ناره تتسعر في أحشائها .. وهي تتسول حقاً لها ، وتتعرض من أجله .. للابتزاز .

كان التساؤل يتضخم في ذهنها ، ويتمدد مثل ورم سرطاني :

” إذا كان قدر امرأة في مجتمعها ، أن تجد نفسها بلا ( رجل ) .. لماذا يلجئونها إلى أوضاع مهينة كهذه ؟ هل قدرها إذا فقدت الرجل ، أن تفقد الاحساس بالأمان .. وأن تفقد الكرامة ، والتعامل الكريم ، الذي يحمل عنها بعض آلام ( الفقد ) .. وما يخلفه من شعور بالعجز .. ؟ ! ” .

قررت أن تسير على قدميها . المسير .. حتى ولو طال ، يظل أرحم لامرأة .. من الانتظار تحت شمس حارة ، على قارعة طريق .. أمام سجن ..! سارت غير بعيد ، فبدأ الأطفال يتعثرون تعباً.. وعطشاً ، وهي .. قد امتلأت قنوطاً ..

” لا معنى للوقوف والانتظار ” .. كانت تصرخ فيهم .

توقفت إلى جانب الطريق سيارة ، ونزلت منها امرأة .. وقصدتها :

– نوصلكم .. يا أختي ..؟

اطمأنت لوجود المرأة ، لكنها لم ترد بسرعة على عرضها. الشمس .. والأطفال العطشى ، الذين هدّهم الإعياء ، لم يدع لها مجالاً للرفض .. فردّت بتردد :

– جزاك الله خيراً .. لكن بيتنا بعيد ..!

– لا يهم ..

– أخشى أن …

– لا .. لا يوجد أي مشكلة ..

جلست في المقعد الخلفي ، وتراص الأطفال حولها .

كانت حريصة ألا يقوموا بأي عبث في السيارة . فهي مرّة .. تسحب يد هذا من زر قفل الباب ، وتارةً تمنع يدالآخر من أن تمتد لزر زجاج النافذة . بين سحب يد هذا .. ومنع ذاك ، كانت كذلك ، تسعى للسيطرة على أصواتهم وحركاتهم :

( اجلس .. لا ترفعي صوتك .. عيب .. أزعل عليك … ) .

سلسلة من الأوامر والتوجيهات ، تتخللها ( قرصة ) أو ( ضربة ) ..!

الصمت الذي التزم به سائق السيارة ، والمرأة التي معه ، جعل مسموعاً .. ما يصدر منها ، من توجيهات وأوامر لأولادها .. وكذلك احتجاجاتهم على العقوبات ، التي توقعها بهم ، بسبب حركتهم الزائدة . شعرت بالحرج بسبب ذلك، لكنها لم تكن قادرة ، أن تترك الأطفال وشأنهم ، يزعجون الرجل ، وربما يتلفون شيئاً في سيارته .

كأنما بلغ بها التعب أشده .. أو أحست بالاحباط ، فانخرطت في بكاء .. يسمع له نشيج . كانت قد نهضت هذا الصباح، وأيقظت الأطفال في ساعة مبكرة . أوصلت البنت الكبرى ، التي تدرس في المرحلة المتوسطة ،إلى مدرستها ، وأعطتها مفتاح المنزل .. تخشى أن تتأخر عن موعد خروجها من المدرسة ، فتضطر البنت للبقاء في الشارع . في كل مرّات قدومها إلى هذا المكان ، لم تحضرها إلا مرّة واحدة .

يومها .. انتهبتها الأعين الجائعة . لقد صادف في تلك المرّة أنها لم تلبس جوارب ، وحينما نزلت من السيارة ، انكشفت ساقها . لاحظت أن عشرات الأعين لجنود ومراجعين ، كانت متسمرة على باب السيارة ، تنتظر لحظة نزولها ، وانكشاف ساقها .. مثل ( كاميرات ) ترصد حدثاً .. وتتأهب لوقوعه .

اتسعت الأحداق ،عند نزول البنت ، وارتفاع ثوبها .. لتستوعب المشهد . ثم حين استوت الفتاة على قدميها ، وأصلحت من وضعها ، وسارت لتلتحق بأمها وإخوانها .. استدارت العيون ، وتحركت الرؤوس .. ل ( اصطياد ) مزيد من التفاصيل ..!

تلاحظ هذا السلوك كثيراً .. حيثما تذهب . فما أن تهم امرأة بالنزول من سيارة ، حتى تتجه نحوها الأنظار .. وتتسمر عيون بعض الرجال على باب السيارة . يجري هذا معها هي .. ومع الأخريات . لم يحدث في أي مشوار سارته بالسيارة ، أن نجت من نظرات فضولي يتلصص عليها ، أو على نساء غيرها .. في السيارات التي بجانبها .

في ثرثرة مع إحدى الزميلات .. كان التساؤل ملحاً :

” لماذا بعض الرجال في مجتمعنا مهووسون .. جائعون جنسياً ؟ لماذا الافتراض أن ( كل ) امرأة ، تمشي في الشارع ، أو تقف على جانب الطريق ، أو حتى تتحدث على الهاتف .. لحاجة لها، هي هدف جنسي .. بالضرورة .. ” ؟ !

بكاؤها أثار انتباه الرجل والمرأة ، فتهامسا قليلاً . التفتت المرأة بعدها .. وقالت :

– فيه شيء .. يا أختي ..؟

أحست بالحرج ، وحاولت التوقف عن البكاء .. ولم ترد .

– نقدر نساعدك بشيء .. ؟

– ما تقصّرون .. !

– زوجي يقول أنه ثالث مرّة يشوفك هنا .. لحالك ، عند بوابة السجن .

– ………………………..

– سلامات .. عسى ما شر ..؟!

– ولدي مسجون .. وصار لي مدة ما شفته ..!

– شدة .. وتزول ، إن شاء الله . لكن .. صعب المرأة تأتي لوحدها ، لمثل هذه الأماكن ..!

– زوجي متوفى .. وجماعتي مشغولون..!

كأنما ذكر زوجها .. وحالة الإحباط التي تعيشها ، وانتقاد المرأة المبطن .. لحضورها لهذا المكان ، فتق جرحها وأيقظ حزنها .. وأثار في ذهنها خاطر :

” أكانت ستأتي .. لو كان هناك ( ترتيباً ) يصون حياءها ، ويحفظ كرامتها .. ؟ “.. فعاودت البكاء ثانية .

عادت المرأة للتهامس مع الرجل مرّة أخرى ،ولمدة أطول، ثم التفتت إليها .. وقالت بلهجة لا تخلو من أسى :

– آسفة .. أنا لم أقصد .. لكني أشفقت عليك من التردد على هذا المكان ، وما يمكن أن تتعرض له امرأة مثلك ، وكذلك .. رحمت هؤلاء الأطفال ..

– أنا أعيش ذلاً ، وأخضع لابتزاز .. في كل مرّة أجيء فيها .. من أجل أن أرى ابني .. !

– الله يكون في عونك .. سنحاول مساعدتك قدر استطاعتنا ..

خيم صمت على الجميع . بعد أن ساروا مسافة ، قطع الرجل الصمت ، بحديث خافت ،كان يتبادله مع المرأة.. توجهت المرأة بعده ، بالحديث إليها :

– زوجي ضابط في إدارة السجون ، وهو يسال إن كان بالإمكان أن تزودينا ببعض المعلومات .. لنستطيع مساعدتك .

– معلومات .. مثل ماذا .. ؟

– اسم الولد .. وقضيته .. ورقم هاتفك ليتم الاتصال بك ..

– من يتصل بي .. ؟ !

– زوجي .. أو أحد من الإدارة ..

– لا .. أرجوك . لا أريد أن يتصل بي أحد .. لقد أعطيت رقمي لأحدهم .. فكان يتصل في ساعات متأخرة من الليل .. بدعوى أنه يريد أن يسهل لي زيارة ابني ..!

– زوجي رجل صالح وشريف .. ولا ..

– عفواً .. أنا لا أتهم زوجك . لكني لا أريد أن يتصل بي أحد .. وأفضل أن يكون الاتصال بيني وبينك ..!

– معك حق .. لا تلامين ..! هل يمكن أن نعرف اسم الولد .. وقضيته ؟

– الولد اسمه منصور الناجي .. قضيته مضاربة ..!

– أنا جواهر .. أم عمر . إذا اتصلت .. أقول أم منصور ..؟

– نعم .. سارة .. أم منصور . جزاكم الله خيرا .. وصلنا ، هذا البيت .. الثالث على اليمين .

بعد أن نزلت سارة وأطفالها ، استدارت السيارة متجهة نحو الطريق العام . عند الإشارة .. كان هناك أطفال يبيعون مناديل وماء .. بعضهم حفاة ..

– مسكينة .. تكسر الخاطر ..!

– من .. ؟ !

– المرأة ..!

– صحيح ..

كان ساهياً .. ينظر إلى الأطفال ، الذين لفحت الشمس قسماتهم الغضة ، وتيبس العرق على أطراف جباههم . في الجريدة .. اليوم ، قرأ لرئيس التحرير.. في عموده اليومي ، حملة ضد هؤلاء الأطفال ، الذين سماهم أطفال الشوارع ، وذكر أنهم يشوهون الوجه ( الحضاري ) للمجتمع ، ويقدمون صورة سلبية عن الوطن .

قبل أسابيع زار مقر الصحيفة، ضمن وفد من الإدارة التي يعمل بها . استقبلهم رئيس التحرير ، وكان في وداعهم أيضاً . كان لطيفاً .. حسب تعبير الزملاء ، فحينما صحبهم إلى الخارج ليودعهم ، قصد سيارته المرسيدس (600 ) ، فتحها وأحضر مجموعة هدايا ، أطقم أقلام .. ووزعها عليهم . الزميل الذي بجانبه ، أسره المشهد الأخّاذ للسيارة الفارهة .. والطريقة الباذخة ، التي تنفتح فيها الأبواب .. وتغلق ، فمال عليه هامساً :

– السيارة روعة .. تصدّق إن سعرها نصف مليون ريال .. فقط .. ؟!

مشهد رئيس التحرير ، بحذائه الإيطالي ذي الألف ريال ، يختال في الممرات الرخامية لمبنى صحيفتة ،وسيارته ذات النصف مليون ريال ، يقف صارخاً أمام منظر الطفل حافياً .. جفت شفتاه ،يمد ساعده النحيل ، بزجاجة ماء ، قيمتها ريال .

بين المشهدين يتمدد مقال عن الوطنية ، يشتمل على حملة ضد أطفال ، لم يأتوا من الفضاء .. وإنما ( نبتوا ) على أرصفة شوارع الوطن ..!

بين المشهدين سيارة بنصف مليون ريال، وقدم صغيرة حافية .. وأفواه جائعة ، يتربص بها رئيس تحرير .. يرفل ب ( وطنية ) وطن .. لم يمش يوماً على أرصفته .. ولم تلفحه شمسه .. !

يذكر أن الصحيفة ، أعدت العام الماضي ملحقاً جميلاً عن السياحة ( الوطنية ) ، وتعرضت إلى ما تؤدي إليه السياحة في الخارج ، من هدر للمال الوطني ، يعد بمليارات الريالات . حينما صدر الملحق ، كان رئيس التحرير ، حسب خبر نشرته الصحيفة ، ” يستقبل في مقر إقامته الصيفي في جنيف ، وفداً أوروبياً ، للتعريف بالثقافة الوطنية ” .

– هذا المنافق ..!

قالها .. وهو يمد ورقة النقود للطفل ، ويتناول منه زجاجة الماء .. ثم يدفع الصحيفة جانباً .. بغيظ ، ليضع زجاجة الماء مكانها .

عرفت أنه يقصده . لأنه منذ عاد من زيارته تلك .. إلى الجريدة ، وهو لا يسميه إلاّ كذلك : كتب المنافق .. قال المنافق..! التقطت الصحيفة ، وفتحتها على الصفحة التي ينشر فيها عموده اليومي . وجدت المقال الذي استثاره : ” وطنٌ جميل بدون أطفال شوارع ..! ” .

حينما ناقشته مرّة .. عن سبب نقمته عليه ، قال : ” هذا وأمثاله ، هم أصل البلاء . لا ينشرون ، ولا يكتبون .. إلاً ما يرضي المسؤول الفاسد .. الذي يضمن لهم البقاء . يلمعون ( اللصوص ) ، ليأكلوا من فتات موائدهم .. ما علاقة هؤلاء بالوطن ..؟! ” .

حين فرغت من قراءة المقال .. أدارت رأسها تجاهه :

– صاحبك مرّة أخرى ..!

– هل يكتب هذا التافه .. عن حال هذه البائسة.. أو يحس بهؤلاء الجياع ،الذين يتناثرون على الأرصفة ؟!

عندما دخلت سارة البيت ، نظرت إلى ساعتها . الوقت قريب من الواحدة ظهراً . صلّت وشرعت في إعداد الغداء . نادت على ابنتها، وطلبت منها أن تنتبه للقدر على النار ، ريثما تجري اتصالاً هاتفياً .

– ألو .. السلام عليكم .. الإدارة القانونية .. ؟

– عليكم السلام .. نعم ، أي خدمة ؟

– لو سمحت ، أنا زوجة عبد الله الناجي .. موظف سابق .. أحب أن أسأل عن معاملته .. ماذا تم فيها ؟

– قصدك .. قضية الدية والتعويض ، لورثة الأستاذ عبد الله .. الله يرحمه .. ؟

– نعم .. الله يحفظك ..

– والله يا أختي ما صار فيها جديد ..! رجعت المعاملة إلى الإدارة القانونية . محامي الشركة المنفذة ، نقض الحكم الذي صدر من المحكمة ، وطلب التمييز ، وتحويل القضية إلى قاض ثان ..

– لكن .. يا أخي هذه رابع مرّة ، تنقل القضية إلى قاضي آخر .. لماذا المحكمة لا تلزم الشركة .. ؟

– والله ما أدري . هذا من صلاحيات القاضي .. وما أقدر أفصل لك ، أنت تعرفين ( البير وغطاها .. ! ) .

– طيب .. أنتم ما لكم دور .. أنتم تعرفون القضية بكل تفاصيلها .. ؟

– الأستاذ خالد مدير الإدارة ، مهتم .. ويقدر ظروفكم ، ويحاول يساعد ، لكن يبدو أن الموضوع ( أكبر ) منه .. يعني ما يخفاك ..!

زوجها كان قد توفي في حادث، قبل ما يقرب من ثلاث سنوات ، في موقع تحت الإنشاء ، يتبع للدائرة التي يعمل فيها . منذ ذلك التاريخ .. والشركة المنفذة للمشروع تماطل في دفع الدية ، بحجة أن الموظف ، حينما دخل موقع العمل ، لم يلتزم بشروط السلامة ، فهو لم يرتد الملابس الواقية ، المطلوبة في مثل هذه الأماكن . ثم لمّا لم تفلح هذه الحجة ، اختلقت الشركة ذريعة أخرى لتمتنع عن الدفع ، وهي أن الموظف لم تكن طبيعة عمله ميدانية ، وإنما جاء ( تطفلاً ) .. لذا فهو يتحمل مسؤولية الذي حدث له.. !

الشركة يملكها أحد أصحاب النفوذ ، وهو ما قصده الموظف في حديثه لها ،حينما ألمح إلى أن المحكمة لا تستطيع أن تلزم الشركة بالحكم ، الذي يقضي بدفع الدية .. فهذه هي ( البير وغطاها ) ..!

قضية التعويض التي تطالب بها ، وبقية حقوقهم المالية .. مرت بأطوار غريبة . أحد القضاة ، الذين وقعوا تحت تأثير صاحب النفوذ ، حكم مرّة .. إلا أن الحكم لم يُميّز ، بأن الحادثة ليس فيها دية ، لأن ورثة المتوفى، على حد قوله ، يقبضون راتباً تقاعدياً ..! حتى الراتب التقاعدي كاد ألاّ يأتي ، بسبب خطأ في إدخال البيانات الخاصة بزوجها ، ارتكبه الموظف الذي كتب مباشرته للعمل ، قبل سبع عشرة سنة .

استحقاقات نهاية الخدمة ، حرموا منها ، لأن إدارة شؤون الموظفين والمالية ، ( تأكد ) لها ، أنه توفي بعد وقت الدوام الرسمي .. الساعة الثانية وأربعين دقيقة . كما أنه ،إضافةً إلى ذلك ، لم يكن مطلوباً منه أن يذهب إلى موقع العمل ، بل ذهب بدافع الفضول . حرمانهم من استحقاقات نهاية الخدمة ، فسر على أنه موقف ( وطني ) من المدير ، لحفظ أموال الدولة..! هذه ( الذريعة ) أيضاً، هي التي أستندت عليها شركة ( صاحب النفوذ ) ، وأعدت على أساس منها تقريراً ، تماطل فيه ، في دفع الدية المقررة شرعاً .

– يا أخي .. أليس ظلماً أن يأكل ( هذا ) الرجل ،حقوق هؤلاء اليتامى ، وهو الذي ضاقت البنوك بملايينه ، وينقطع مدى النظر عن الأراضي التي يملكها ..؟ كيف يبيح القاضي لنفسه أن يحرمنا حقاً قرره الشرع لنا .. أليس هذا ظلماً ..؟

– هذا ليس ظلماً .. بل ( ظلمات بعضها فوق بعض ) .. !

قررت أن تذهب للمحكمة المستعجلة ، لتقابل الشيخ حمد المقفي ، الذي أحيلت إليه قضية ابنها ، لينظر فيها . في الصباح الباكر ، أخذت معها أحد أبنائها. عندما وصلت المحكمة ، بعد جولات طويلة ، قام بها سائق سيارة الأجرة .. بحثاً عن موقع المحكمة ، كانت الساعة تشير إلى الثامنة وعشرين دقيقة . الجندي الذي يقف على باب المحكمة ، أخبرها أن أغلب (المشايخ ) لا يحضرون إلاّ عند الساعة التاسعة ، وبعضهم لا يأتي إلاّ في العاشرة .

– الحمد لله ..

همست في سرها . كانت تخشى أن تكون قد تأخرت ، فانشغل الشيخ ، وربما يطلب منها العودة في يوم آخر ، مع بدء الدوام الرسمي ..!

انتظرت إلى العاشرة .. في صالة عند مدخل المحكمة، ولم يأت الشيخ . أخبرها بعضهم أن ( الشيخ ) قد يتأخر أكثر.. وربما لن يحضر اليوم . حينما قاربت الساعة الحادية عشرة والنصف ، والشيخ لم يحضر .. وقد حان موعد خروج الأطفال من المدارس ، قررت أن تعود إلى البيت ، وتتحدث مع الشيخ عن طريق الهاتف .

يتبع

رماد عادت به سارة

كاتب الموضوع الأصلي: خالد حمزي 4

بسم الله الرحمن الرحيم

هذي القصهـ مما خطته انامل الدكتور الحبيب محمد الحضيف وهي قصهـ لا اريد ان احرقها لانها تتحدث بشكل او بخر عن “حريق الحائر” والذي يبدو انهـ احرق انامل الدكتور حتى كتب هذهـ القصهـ فاياكم إياها:

دلفت إلى المكتب ، فهاجمتها رائحة السجائر ، التي امتزجت بكل شيء .. من الجدران ، إلى المقاعد البلاستيكية ، وحتى الورقة التي ناولها إيّاها الجندي ،الذي يجلس بملل ،خلف مكتب معدني عتيق . بكاء الأطفال الذين معها .. ومشاكساتهم ، لم يترك لها مجالاً لتملأ البيانات ، في الورقة التي طلب منها الجندي تعبئتها . انشغلت بتطييب خاطر أحدهم ، الذي كان قد تعثر في عتبة الباب . المكتب مصنوع من ألواح جاهزة ، من مواد مسبقة الصنع .. أقيم ارتجالاً ، في إحدى المساحات الفارغة ، القريبة من البوابة الرئيسية . مؤقت .. كما يقال .. واضح من طريقة بنائه العشوائية .. شأن كثير من قراراتنا ، وأمور حياتنا : مرتجلة ، مؤقتة .. وعشوائية . لم تكن العتبة .. سوى طوبتين اسمنتيتين ، وضعتا بدون نظام ، فانزلقت بينهما القدم الصغيرة ، فتقرح ظاهرها، وهو ما جعل الحذاء يزيد حدة الألم ، عند أي حركة ، فيتألم الطفل .. ويلجأ للبكاء . حين أكملت تعبئة البيانات المطلوبة ، توجهت إلى الجندي نفسه، الذي علق بصره عليها ، لحظة خرجت .. من وراء ستارة زرقاء بهت لونها، مثبتة في إحدى زوايا المكتب ، لتفصل مكان انتظار النساء عن بقية المكتب . كان الجندي يتأملها وهي مقبلة، ويغرز نظرتين حادتين في جسدها ، الذي التفت عليه العباءة ، فلا يظهر منها إلاّ أطراف أناملها .. التي ترى أن عيني الجندي تستقر عليها ، بعد أن تتفحصا جسمها ، فلا تجد شيئاً ” أبيض ” ، وسط ذاك السواد ، تقع عليه .. إلاّ هي . تناول الجندي الورقة منها ، بطريقة بدت ، كما لو أنه يحاول أن تلامس يده ، أطراف أناملها . وقفت تنتظر ، وهو يراجع الورقة بسرعة ، ليتأكد أن الخانات كلها مملوءة .. رفع عينية باتجاهها وبنفس النظرتين الحادتين ، المملؤتين رغبة .. اللتين لم تفارقاه .. خاطبها :
– اجلسي .. سنرفع الأوراق للضابط ..

استدارت عائدة ، وأخذت تحاول بدأب ، نزع يد الطفل ، الذي يتبعها و يتشبث بعباءتها ، فيبرز من جسمها ما تحاول أن تستره . كانت وهي تجاهد لتخليص عباءتها من يد الطفل ، يسيطر عليها إحساس أن نظرات الجندي تتبعها ، لتقع حيث يشد الطفل العباءة .. فتزداد توتراً ، وتعجل خطواتها لتتوارى خلف الستارة .

مضت أربعون دقيقة .. بطيئة .. قاتلة ، تأملت خلالها جدران المكتب ، المغطاة بمادة ( فلّينية ) لينة ،ذات لون أبيض مطفي .. حفر عليها بعض الزوار السابقين ( ذكرياتهم ) .. منظر أعقاب السجائر الهائلة ، المتكدسة على هيئة أكوام ، تحت مكاتب الجنود.. كان لافتاً . هناك بقع أوساخ على الأرض .. في كل ناحية ، وأثار تعرق داكنة ، خلّفها تعاقب الأيدي على الجدران ، و أسطح تلك المكاتب . مستوى النظافة في المكان جعلها تحاذر أن تضع يدها في أي مكان . لم تلهها مشاكسات الأطفال ،وأصواتهم المرتفعة ، عن التقاط جانب من حوارات الجنود التافهة ، التي لا تخلو من كلمات خادشة للحياء .. خصوصاً لامرأة مثلها . هذا السلوك .. ليس مقصوراً عليهم .. معظم مجالس الرجال الخاصة ، تدور فيها أحاديث ( جنسية ) .. حقيقة مجتمعية تعرفها .. أطرف تعليق سمعته حول هذه ( الظاهرة ) .. كان من إحدى الصديقات : ( نحن شعب ليس لديه قضية .. مجتمعنا حلت جميع مشاكله ) ..!

تعلم من زوجها الراحل ، الذي كان موظفاً مدنياً في قطاع عسكري ، أن المستوى التعليمي لهؤلاء الجنود متدن جداً ، وأن بعضهم ينحدر من مستويات اجتماعية ، يغلب عليها العوز والجهل . . وضعف مستوى الذوق العام ، في الخطاب والمعاملة . زوجها كثيراً ما اشتكى لها من فظاظة التعامل .. وسوء الخلق ، لدى الغالبية من هؤلاء الأفراد ، ونظرتهم الفوقية لعموم الناس .. بسبب إحساسهم المزيف بامتلاك ” سلطة “، تخولهم مساءلة غيرهم من الناس .. من غير العسكريين ، وتولد لديهم روح عداء ، تدفعهم أحياناً ، إلى التعدي على الآخرين . تذكر أن زوجها يرد السلوك العدواني لبعض هؤلاء الجنود ، والإحساس المزيف بالسلطة عند أكثرهم ، إلى ( الحس الأمني ) العالي ، الذي تضخه المؤسسة الأمنية فيهم ، فيتضخم الهاجس الأمني لديهم . هذا الوضع يؤدي ، كما فهمت منه ، إلى أن يتخيل الواحد منهم ، أنه ( وزير الداخلية ) ، وأن بقية أفراد الناس ، ليسوا إلا عناصر مشبوهة .. يجب إيقافهم ، ومساءلتهم ، وإظهار سطوة السلطة عليهم .. وأحياناً إذلالهم .. لتتحقق ( هيبة ) الدولة ..!

الوساخة والإهمال ، التي عليها المكتب ،والمواقف التي تتعرض لها ، من البوابة .. حيث ينزلها وأطفالها سائق ( الليموزين ) .. وإلى أن تصل إلى هنا ، إضافةً إلى نظرات بعض الجنود إليها.. كل ذلك ، زادها اقتناعاً بالرأي القديم لزوجها ، وموقفه تجاه هؤلاء، وهو ما حسبته يوماً ، تبرماً منه .. من واقع لم يقدر على التكيف معه . ترسخ لديها هذا الاقتناع ، بعد تكرار ترددها على المكان .. ومرورها بنفس الإجراءات الروتينية المملة .. وتعرضها لنفس الأسئلة .. أحياناً من نفس الأشخاص ، والموقف المريب لأحد الضباط ، الذي طلب منها في إحدى المرّات ، أن تأتي لوحدها .. من دون الأطفال ، إذا رغبت أن تقابله . أو ذلك الذي أخذ رقم الهاتف ، وتكررت اتصالاته عليها . كاد أن يتحول هذا الشعور تجاههم .. عندها ، إلى ما يشبه الاعتقاد ، لولا بعض المواقف الإنسانية ، التي تبدر من بعض الجنود .. على ندرتها، أو ذلك التصرف الشهم ، لأحد الضباط ، الذي نزل من سيارته ، وطلب من سائقه الخاص أن يوصلها إلى بيتها ، واستقل هو سيارة أجرة .

كانت سارحة ، تتذكر آخر لقاء لها مع زوجها الراحل ، الذي قتلته رافعة سقطت عليه ، في أحد المواقع الإنشائية ، أثناء قيامه بالإشراف على التنفيذ . في اللحظة التي انتزعت فيها آهة وجع من صدرها ، ورفعت يدها لتمسح دمعات تدحرجت على خديها .. أسى على فراق الغالي ، جاءها صوت الجندي عالياً :

– يا حرمة .. يا حرمة، الضابط يقول : أيش المطلوب .. ؟

سئلت هذا السؤال ، بعدد المرات الكثيرة التي جاءتها إلى هنا . صار يساورها الشك حول طبيعة الأسئلة ، والغرض من تكرارها . لماذا تسأل أسئلة أجابت عليها أكثر من مرّة .. ولماذا تشرح أمراً ، وضحته قولاً وكتابةً ، في كل مرّة أتت بها إلى هذا المكان ؟ .

تملأ ورقة مثقلة بالتفاصيل، وتنتظر أربعين دقيقة .. لتسأل بعدها : ماذا تريدين .. ؟ ! أربعون دقيقة اقتطعتها من إنسانيتها وكرامتها ، وهي تقذف مثل كرة ، من زمن لزمن .. ” تعالي بكره .. تعالي الأسبوع الجاي ” ، ومن عين ( جائعة ) لأخرى .. ” الموضوع ما هو عندي .. عند الضابط .. عند الرقيب ” . أربعون دقيقة .. نهبت من وسن تحتاجه أعين صغيرة ، أعياها السهاد .. يتماً ، وذلاً .. وليل طويل ، يملؤه شبح الأب الغائب ، وأنين امرأة جريحة : زوج طواه الردى ، وولد غيبته السجون ..! أحياناً تعزو ذلك الذي تتعرض له ، إلى سوء التنظيم .. أو ما كان يسميه زوجها الراحل ، الفوضى والتخلف .. بلعت غصة مملوءة بالمرارة ، وهي تخنق ابتسامة شاحبة ، حين تذكرت كلمات زوجها ، يوم عبرّ بإحباط ، عن واقع يشاهده يومياً ، في القطاع الذي يعمل فيه :

” لدينا في إدارتنا هذه .. وفي إدارات مشابهة ، لا يستحي التخلف .. بل يسير ” مرفوع الرأس ” .. حيث التعامل والممارسة هنا ، رذيلة .. يهون عندها التخلف ” .

كان صدى صوت الجندي .. يردد السؤال : ( أيش المطلوب .. أيش المطلوب ) ، يرن في أذنيها .. ويزرع غيظاً . لم تشأ أن ترد على سؤال الجندي ، وهي في مكانها حيث ستضطر لرفع صوتها ، خاصةً وأنها لاحظت ، في مرّات سابقة ، أن هناك تعمداً لتكرار السؤال ، والدخول في تفاصيل مفتعلة .. وأن تتكرر منها بالتالي .. الإجابة والردود ، فتدخل فيما يشبه الحوار . يستمتعون بسماع صوتها .. لقد سمعت أحدهم في إحدى المرّات ، يقول لصاحبه :

– أووف .. يا عليها صوت .. !

نهضت وتوجهت نحو الجندي ، حيث كان جالساً ، ينادي من وراء مكتبه . قالت بصوت خفيض :

– أنا طلبت زيارة ..

– زيارة أيش .. ؟

كان يحدق بها ، وهي ترمق عينيه الغائرتين ، من وراء غطاء وجهها ، وتتأمل شفتين يابستين ، ترك التدخين الشره ، أثاره عليهما .. فتراكمت فوقهما طبقة سوداء ، وبرزت فيهما تشققات دامية ، لا يفتأ بين وقت وآخر ، يمسحها بظاهر كفه . تنفرج شفتاه عن أسنان عاث السوس فيها ، وما نجا منها من التسوس ، تتلبد فوقه طبقة جيرية صفراء .. وبقايا طعام .

شعرت بالاشمئزاز ، حين تذكرت أنه في إحدى زياراتها الأولى ، أدخل أحدهم وجهه ، من نافذة سيارة الأجرة ، التي جاؤوا بها ، عندما كانت تستفسر منه ، عن بعض الإجراءات . وقتها لم تتبيّنه جيداً ، رغم أنها في لحظة من اللحظات ، كانت تشاهد الرذاذ المتطاير من فمه ، يقع على ملابسها . لج في ذهنها خاطر : أي فم يشتهي أن يقترب من هذه الأفواه ؟ ! إذا لم يردع هؤلاء دين وحياء .. ألا يردعهم ، التبصر في أشكالهم المقززة ؟ !

استفزها أسلوبه في السؤال : ( زيارة أيش ..؟ ) . من يمكن أن يكون خلف هذه الأسوار ، يضطر امرأة لتسفح حياءها .. في أماكن كهذه ، ويدفعها لتتردد بين ( كائنات ) تتشهاها .. لا ترى فيها إلا ( وعاء ) للرغبة ، يمكن .. مع بعض الابتزاز والمساومة حيازته ..؟

– زيارة ولدي .. كتبت هذا في الورقة .. التي طلبتم مني تعبئتها ..!

– ولدك مسجون ..؟

– نعم ..!

– أيش قضيته ..!

صمتت .. لم تجبه . تعرف أن الفضول سلوك اجتماعي رائج ، لكن .. لا يكون فجاً ، بليداً بهذا الشكل . لم ينتظر إجابتها .. أشار إليها أن تعود إلى مكانها .

بعد ربع ساعة فوجئت به يقف قريباً من الستارة . كان في وضع يستطيع فيه أن يراها . ارتبكت حينما رأته ، وأسرعت بتغطية وجهها ، وحاولت أن تجمع العباءة حول جسمها . كان يبدو أنه هناك .. منذ بعض الوقت ، واقف في مكانه يراقبها . فهو .. ما أن لاحظ ارتباكها ، بعد أن رأته ، حتى بادر قائلاً :

– الضابط يقول ما فيه زيارة اليوم ..

شعرت بالاحتقار ، وبالغيظ يأكل قلبها :

– كيف .. ؟ هذه ثالث مرّة أجيء ، وتقولون لي ما فيه زيارة ..!

– هذا كلام الضابط .. تقدرين تكلمينه .. إذا تريدين ..

– أكلمه .. لماذا ؟ هذا الذي تصنعونه بي حرام .. آتي أجرجر هؤلاء الأطفال ، من صباح رب العالمين .. من

( ليموزين ) إلى ( ليموزين ) .. وفي الأخير ..

قاطعها :

– والله ما أحد قال لك تجيئين ، بدون ما تتصلين .. وتعرفين مواعيد الزيارات .

خنقها البكاء .. فسكتت . دفعت الأطفال أمامها ، وتوجهت إلى المكتب ، الذي أشاروا لها أنه للضابط المناوب . حين دخلت ، أخذ يطيل النظر إليها ، ويصعد بصره فيها . كلهم سواء ، لا فرق بين جنديهم وضابطهم .. حدثت نفسها . أنا أمامهم .. لست أكثر من جسد يشتهى . لست أماً ملّوعة ،ابنها مكبل بقيوده ، خلف القضبان .

– أريد زيارة ابني ..

– ما قالوا لك ، ما فيه زيارة اليوم ؟ .. أنا أحب أساعدك ، لكن .. ما أقدر ..

– لكن المرّة الماضية .. والتي قبلها ،ومرّات أخرى كثيرة .. ردّيتوني ، وقلتم ما فيه زيارة ..

– صحيح .. المرّة الماضية ما كان ولدك موجوداً.. كان في المحكمة ..

– والتي قبلها ..؟

– أيضاً .. ما كان موجوداً .. كان في المحكمة ..

– في المحكمة مرتين .. وما خلص موضوعه .. ؟

– لا .. المرّة الأولى لم يأتوا خصومه .. وأجل الشيخ النظر في القضية .. والمرّة الثانية ما جلس الشيخ ..!

– ما جلس الشيخ .. ؟ !من هو الشيخ .. أين مكتبه ، أين يجلس ..؟

– الشيخ حمد المقفي .. مكتب رقم ( 19 ) ، في المحكمة المستعجلة ..!

المحكمة المستعجلة .. والولد يدخل شهره السابع في السجن ..؟! كيف لو لم تكن ( مستعجلة ) ؟ !.. تساءلت بصوت غير مسموع ، وشعرت بوجع يتراكم .. ويجثم على صدرها ..!

– …………………………………..

– أبو الولد .. زوجك موجود ..؟

– متوفى ..

– اذهبي .. واتركي تلفونك ، وأنا أتصل فيك ..

غامت الدنيا في عينيها .. وشعرت باختناق . أطبقت كفها على يد أصغر الأطفال ، وسحبته متجهة نحو الباب ، دون أن تقول شيئاً ..

– ما تبغين تتركين تلفونك ..؟

لم ترد عليه .. كانت مختنقة .. محبطة ،حزينة . قبل أن تضع قدمها خارج المكتب ، لمحت لوحة معلقة على الحائط المقابل .. قد إزدانت بآية كريمة :

” الذين آمنوا ، ولم يلبسوا إيمانهم بظلم . أولئك لهم الأمن وهم مهتدون ” .

لا تدري ما علاقة الآية بالسجن ..! ربما لشعور السجان أنه يحقق أمناً ، باحتجازه مراهقاً خلف القضبان لعدة أشهر ، لأن ( فضيلة ) القاضي يؤجل موضوعه .. شهراً بعد آخر ..!

” أجل الشيخ الجلسة .. لم يجلس الشيخ ” . عبارات كانت تنغرس في وجدانها ، كالحسك في عين عزلاء .. ليس إلا الدمع ، ماء ينسكب .. ويستل النور والحياة .

لم تقف في تفكيرها طويلاً .. عند الهدف من كتابة هذه الآية ، وتعليقها في لوحة ، في مكتب سجان . تذكرت أنها كانت قد رأت شيئاً ( مشابهاً ) .. عبارة مكتوبة على مكتب أحد الجنود.. خَطّها هو ، أو ربما أحد زملائه .. تقول : ( العدل أساس الملك .. صدق الله العظيم ) .. !

حين اجتازت البوابة الرئيسية .. إلى الشارع ، كانت الشمس تقترب من وسط السماء . شديدة التوهج .. شديدة الحرارة . حزم من أشعتها تقع على زجاج السيارات العابرة بسرعة ، فتحدث وميضاً ، يشل قدرتها على الإبصار للحظات .. فيزيدها توتراً .

مرّ وقت ، ولم تأت أي سيارة أجرة ، من سيارات ( الليموزين ) .. التي عادةً ما تمتليء بها الشوارع . موقع السجن ناء .. حتى عن أطراف المدينة ، ومن النادر أن ترتاده سيارات الأجرة . صهرتها الشمس ، وانكمش الأطفال من الحر، فلاذ بعضهم بها . وهج الشمس أجبرهم أن يمدوا سواعدهم الصغيرة النحيلة ، بمحاذاة أعينهم ، وأن يغمضوا إلى أقصى حد يستطيعوه، ليتقوا الضوء الشديد . أصحاب السيارات المارة ، توقف بعضهم ، وعرضوا عليها المساعدة . لم تشأ أن تستجيب لأي عرض ، رغم وطأة حرارة الشمس . لا تستطيع أن تميز مَن مِن هؤلاء الرجال ، يريد أن يساعدها حقاً .

تتذكر بكثير من الأسى حديث أمها عن قريتهم ، وحال الرجال والنساء ، يعملون جنباً إلى جنب .. في الحقول والمراعي . كانت ليلة رعب حقيقية ، يوم عادت هي وإياها .. وزوجة جارهم ، من المسجد المجاور لمنزلهم ، بعد صلاة التراويح . في الشارع المعتم قليلاً ، حاصرهن أحد الأشخاص ، وحاول التعرض لهن . عندما أفاقت الأم من صدمة الموقف .. فيما بعد ، ظلت تردد : ” لا .. ما هذي بديرتنا .. ما هذي بديرتنا ” .. !

ثم انطلقت تحكي قصصاً كالأحلام ، عن مجتمع كان .. تعطر بالبراءة ..!

الانتظار ممض ، تحت أشعة شمس ، تضج من حرّها الحجارة الصماء . لم تكن حرارة الشمس هو ما تشكو ، بقدر ما يفت كبدها الغبن والظلم ، الذي تحس ناره تتسعر في أحشائها .. وهي تتسول حقاً لها ، وتتعرض من أجله .. للابتزاز .

كان التساؤل يتضخم في ذهنها ، ويتمدد مثل ورم سرطاني :

” إذا كان قدر امرأة في مجتمعها ، أن تجد نفسها بلا ( رجل ) .. لماذا يلجئونها إلى أوضاع مهينة كهذه ؟ هل قدرها إذا فقدت الرجل ، أن تفقد الاحساس بالأمان .. وأن تفقد الكرامة ، والتعامل الكريم ، الذي يحمل عنها بعض آلام ( الفقد ) .. وما يخلفه من شعور بالعجز .. ؟ ! ” .

قررت أن تسير على قدميها . المسير .. حتى ولو طال ، يظل أرحم لامرأة .. من الانتظار تحت شمس حارة ، على قارعة طريق .. أمام سجن ..! سارت غير بعيد ، فبدأ الأطفال يتعثرون تعباً.. وعطشاً ، وهي .. قد امتلأت قنوطاً ..

” لا معنى للوقوف والانتظار ” .. كانت تصرخ فيهم .

توقفت إلى جانب الطريق سيارة ، ونزلت منها امرأة .. وقصدتها :

– نوصلكم .. يا أختي ..؟

اطمأنت لوجود المرأة ، لكنها لم ترد بسرعة على عرضها. الشمس .. والأطفال العطشى ، الذين هدّهم الإعياء ، لم يدع لها مجالاً للرفض .. فردّت بتردد :

– جزاك الله خيراً .. لكن بيتنا بعيد ..!

– لا يهم ..

– أخشى أن …

– لا .. لا يوجد أي مشكلة ..

جلست في المقعد الخلفي ، وتراص الأطفال حولها .

كانت حريصة ألا يقوموا بأي عبث في السيارة . فهي مرّة .. تسحب يد هذا من زر قفل الباب ، وتارةً تمنع يدالآخر من أن تمتد لزر زجاج النافذة . بين سحب يد هذا .. ومنع ذاك ، كانت كذلك ، تسعى للسيطرة على أصواتهم وحركاتهم :

( اجلس .. لا ترفعي صوتك .. عيب .. أزعل عليك … ) .

سلسلة من الأوامر والتوجيهات ، تتخللها ( قرصة ) أو ( ضربة ) ..!

الصمت الذي التزم به سائق السيارة ، والمرأة التي معه ، جعل مسموعاً .. ما يصدر منها ، من توجيهات وأوامر لأولادها .. وكذلك احتجاجاتهم على العقوبات ، التي توقعها بهم ، بسبب حركتهم الزائدة . شعرت بالحرج بسبب ذلك، لكنها لم تكن قادرة ، أن تترك الأطفال وشأنهم ، يزعجون الرجل ، وربما يتلفون شيئاً في سيارته .

كأنما بلغ بها التعب أشده .. أو أحست بالاحباط ، فانخرطت في بكاء .. يسمع له نشيج . كانت قد نهضت هذا الصباح، وأيقظت الأطفال في ساعة مبكرة . أوصلت البنت الكبرى ، التي تدرس في المرحلة المتوسطة ،إلى مدرستها ، وأعطتها مفتاح المنزل .. تخشى أن تتأخر عن موعد خروجها من المدرسة ، فتضطر البنت للبقاء في الشارع . في كل مرّات قدومها إلى هذا المكان ، لم تحضرها إلا مرّة واحدة .

يومها .. انتهبتها الأعين الجائعة . لقد صادف في تلك المرّة أنها لم تلبس جوارب ، وحينما نزلت من السيارة ، انكشفت ساقها . لاحظت أن عشرات الأعين لجنود ومراجعين ، كانت متسمرة على باب السيارة ، تنتظر لحظة نزولها ، وانكشاف ساقها .. مثل ( كاميرات ) ترصد حدثاً .. وتتأهب لوقوعه .

اتسعت الأحداق ،عند نزول البنت ، وارتفاع ثوبها .. لتستوعب المشهد . ثم حين استوت الفتاة على قدميها ، وأصلحت من وضعها ، وسارت لتلتحق بأمها وإخوانها .. استدارت العيون ، وتحركت الرؤوس .. ل ( اصطياد ) مزيد من التفاصيل ..!

تلاحظ هذا السلوك كثيراً .. حيثما تذهب . فما أن تهم امرأة بالنزول من سيارة ، حتى تتجه نحوها الأنظار .. وتتسمر عيون بعض الرجال على باب السيارة . يجري هذا معها هي .. ومع الأخريات . لم يحدث في أي مشوار سارته بالسيارة ، أن نجت من نظرات فضولي يتلصص عليها ، أو على نساء غيرها .. في السيارات التي بجانبها .

في ثرثرة مع إحدى الزميلات .. كان التساؤل ملحاً :

” لماذا بعض الرجال في مجتمعنا مهووسون .. جائعون جنسياً ؟ لماذا الافتراض أن ( كل ) امرأة ، تمشي في الشارع ، أو تقف على جانب الطريق ، أو حتى تتحدث على الهاتف .. لحاجة لها، هي هدف جنسي .. بالضرورة .. ” ؟ !

بكاؤها أثار انتباه الرجل والمرأة ، فتهامسا قليلاً . التفتت المرأة بعدها .. وقالت :

– فيه شيء .. يا أختي ..؟

أحست بالحرج ، وحاولت التوقف عن البكاء .. ولم ترد .

– نقدر نساعدك بشيء .. ؟

– ما تقصّرون .. !

– زوجي يقول أنه ثالث مرّة يشوفك هنا .. لحالك ، عند بوابة السجن .

– ………………………..

– سلامات .. عسى ما شر ..؟!

– ولدي مسجون .. وصار لي مدة ما شفته ..!

– شدة .. وتزول ، إن شاء الله . لكن .. صعب المرأة تأتي لوحدها ، لمثل هذه الأماكن ..!

– زوجي متوفى .. وجماعتي مشغولون..!

كأنما ذكر زوجها .. وحالة الإحباط التي تعيشها ، وانتقاد المرأة المبطن .. لحضورها لهذا المكان ، فتق جرحها وأيقظ حزنها .. وأثار في ذهنها خاطر :

” أكانت ستأتي .. لو كان هناك ( ترتيباً ) يصون حياءها ، ويحفظ كرامتها .. ؟ “.. فعاودت البكاء ثانية .

عادت المرأة للتهامس مع الرجل مرّة أخرى ،ولمدة أطول، ثم التفتت إليها .. وقالت بلهجة لا تخلو من أسى :

– آسفة .. أنا لم أقصد .. لكني أشفقت عليك من التردد على هذا المكان ، وما يمكن أن تتعرض له امرأة مثلك ، وكذلك .. رحمت هؤلاء الأطفال ..

– أنا أعيش ذلاً ، وأخضع لابتزاز .. في كل مرّة أجيء فيها .. من أجل أن أرى ابني .. !

– الله يكون في عونك .. سنحاول مساعدتك قدر استطاعتنا ..

خيم صمت على الجميع . بعد أن ساروا مسافة ، قطع الرجل الصمت ، بحديث خافت ،كان يتبادله مع المرأة.. توجهت المرأة بعده ، بالحديث إليها :

– زوجي ضابط في إدارة السجون ، وهو يسال إن كان بالإمكان أن تزودينا ببعض المعلومات .. لنستطيع مساعدتك .

– معلومات .. مثل ماذا .. ؟

– اسم الولد .. وقضيته .. ورقم هاتفك ليتم الاتصال بك ..

– من يتصل بي .. ؟ !

– زوجي .. أو أحد من الإدارة ..

– لا .. أرجوك . لا أريد أن يتصل بي أحد .. لقد أعطيت رقمي لأحدهم .. فكان يتصل في ساعات متأخرة من الليل .. بدعوى أنه يريد أن يسهل لي زيارة ابني ..!

– زوجي رجل صالح وشريف .. ولا ..

– عفواً .. أنا لا أتهم زوجك . لكني لا أريد أن يتصل بي أحد .. وأفضل أن يكون الاتصال بيني وبينك ..!

– معك حق .. لا تلامين ..! هل يمكن أن نعرف اسم الولد .. وقضيته ؟

– الولد اسمه منصور الناجي .. قضيته مضاربة ..!

– أنا جواهر .. أم عمر . إذا اتصلت .. أقول أم منصور ..؟

– نعم .. سارة .. أم منصور . جزاكم الله خيرا .. وصلنا ، هذا البيت .. الثالث على اليمين .

بعد أن نزلت سارة وأطفالها ، استدارت السيارة متجهة نحو الطريق العام . عند الإشارة .. كان هناك أطفال يبيعون مناديل وماء .. بعضهم حفاة ..

– مسكينة .. تكسر الخاطر ..!

– من .. ؟ !

– المرأة ..!

– صحيح ..

كان ساهياً .. ينظر إلى الأطفال ، الذين لفحت الشمس قسماتهم الغضة ، وتيبس العرق على أطراف جباههم . في الجريدة .. اليوم ، قرأ لرئيس التحرير.. في عموده اليومي ، حملة ضد هؤلاء الأطفال ، الذين سماهم أطفال الشوارع ، وذكر أنهم يشوهون الوجه ( الحضاري ) للمجتمع ، ويقدمون صورة سلبية عن الوطن .

قبل أسابيع زار مقر الصحيفة، ضمن وفد من الإدارة التي يعمل بها . استقبلهم رئيس التحرير ، وكان في وداعهم أيضاً . كان لطيفاً .. حسب تعبير الزملاء ، فحينما صحبهم إلى الخارج ليودعهم ، قصد سيارته المرسيدس (600 ) ، فتحها وأحضر مجموعة هدايا ، أطقم أقلام .. ووزعها عليهم . الزميل الذي بجانبه ، أسره المشهد الأخّاذ للسيارة الفارهة .. والطريقة الباذخة ، التي تنفتح فيها الأبواب .. وتغلق ، فمال عليه هامساً :

– السيارة روعة .. تصدّق إن سعرها نصف مليون ريال .. فقط .. ؟!

مشهد رئيس التحرير ، بحذائه الإيطالي ذي الألف ريال ، يختال في الممرات الرخامية لمبنى صحيفتة ،وسيارته ذات النصف مليون ريال ، يقف صارخاً أمام منظر الطفل حافياً .. جفت شفتاه ،يمد ساعده النحيل ، بزجاجة ماء ، قيمتها ريال .

بين المشهدين يتمدد مقال عن الوطنية ، يشتمل على حملة ضد أطفال ، لم يأتوا من الفضاء .. وإنما ( نبتوا ) على أرصفة شوارع الوطن ..!

بين المشهدين سيارة بنصف مليون ريال، وقدم صغيرة حافية .. وأفواه جائعة ، يتربص بها رئيس تحرير .. يرفل ب ( وطنية ) وطن .. لم يمش يوماً على أرصفته .. ولم تلفحه شمسه .. !

يذكر أن الصحيفة ، أعدت العام الماضي ملحقاً جميلاً عن السياحة ( الوطنية ) ، وتعرضت إلى ما تؤدي إليه السياحة في الخارج ، من هدر للمال الوطني ، يعد بمليارات الريالات . حينما صدر الملحق ، كان رئيس التحرير ، حسب خبر نشرته الصحيفة ، ” يستقبل في مقر إقامته الصيفي في جنيف ، وفداً أوروبياً ، للتعريف بالثقافة الوطنية ” .

– هذا المنافق ..!

قالها .. وهو يمد ورقة النقود للطفل ، ويتناول منه زجاجة الماء .. ثم يدفع الصحيفة جانباً .. بغيظ ، ليضع زجاجة الماء مكانها .

عرفت أنه يقصده . لأنه منذ عاد من زيارته تلك .. إلى الجريدة ، وهو لا يسميه إلاّ كذلك : كتب المنافق .. قال المنافق..! التقطت الصحيفة ، وفتحتها على الصفحة التي ينشر فيها عموده اليومي . وجدت المقال الذي استثاره : ” وطنٌ جميل بدون أطفال شوارع ..! ” .

حينما ناقشته مرّة .. عن سبب نقمته عليه ، قال : ” هذا وأمثاله ، هم أصل البلاء . لا ينشرون ، ولا يكتبون .. إلاً ما يرضي المسؤول الفاسد .. الذي يضمن لهم البقاء . يلمعون ( اللصوص ) ، ليأكلوا من فتات موائدهم .. ما علاقة هؤلاء بالوطن ..؟! ” .

حين فرغت من قراءة المقال .. أدارت رأسها تجاهه :

– صاحبك مرّة أخرى ..!

– هل يكتب هذا التافه .. عن حال هذه البائسة.. أو يحس بهؤلاء الجياع ،الذين يتناثرون على الأرصفة ؟!

عندما دخلت سارة البيت ، نظرت إلى ساعتها . الوقت قريب من الواحدة ظهراً . صلّت وشرعت في إعداد الغداء . نادت على ابنتها، وطلبت منها أن تنتبه للقدر على النار ، ريثما تجري اتصالاً هاتفياً .

– ألو .. السلام عليكم .. الإدارة القانونية .. ؟

– عليكم السلام .. نعم ، أي خدمة ؟

– لو سمحت ، أنا زوجة عبد الله الناجي .. موظف سابق .. أحب أن أسأل عن معاملته .. ماذا تم فيها ؟

– قصدك .. قضية الدية والتعويض ، لورثة الأستاذ عبد الله .. الله يرحمه .. ؟

– نعم .. الله يحفظك ..

– والله يا أختي ما صار فيها جديد ..! رجعت المعاملة إلى الإدارة القانونية . محامي الشركة المنفذة ، نقض الحكم الذي صدر من المحكمة ، وطلب التمييز ، وتحويل القضية إلى قاض ثان ..

– لكن .. يا أخي هذه رابع مرّة ، تنقل القضية إلى قاضي آخر .. لماذا المحكمة لا تلزم الشركة .. ؟

– والله ما أدري . هذا من صلاحيات القاضي .. وما أقدر أفصل لك ، أنت تعرفين ( البير وغطاها .. ! ) .

– طيب .. أنتم ما لكم دور .. أنتم تعرفون القضية بكل تفاصيلها .. ؟

– الأستاذ خالد مدير الإدارة ، مهتم .. ويقدر ظروفكم ، ويحاول يساعد ، لكن يبدو أن الموضوع ( أكبر ) منه .. يعني ما يخفاك ..!

زوجها كان قد توفي في حادث، قبل ما يقرب من ثلاث سنوات ، في موقع تحت الإنشاء ، يتبع للدائرة التي يعمل فيها . منذ ذلك التاريخ .. والشركة المنفذة للمشروع تماطل في دفع الدية ، بحجة أن الموظف ، حينما دخل موقع العمل ، لم يلتزم بشروط السلامة ، فهو لم يرتد الملابس الواقية ، المطلوبة في مثل هذه الأماكن . ثم لمّا لم تفلح هذه الحجة ، اختلقت الشركة ذريعة أخرى لتمتنع عن الدفع ، وهي أن الموظف لم تكن طبيعة عمله ميدانية ، وإنما جاء ( تطفلاً ) .. لذا فهو يتحمل مسؤولية الذي حدث له.. !

الشركة يملكها أحد أصحاب النفوذ ، وهو ما قصده الموظف في حديثه لها ،حينما ألمح إلى أن المحكمة لا تستطيع أن تلزم الشركة بالحكم ، الذي يقضي بدفع الدية .. فهذه هي ( البير وغطاها ) ..!

قضية التعويض التي تطالب بها ، وبقية حقوقهم المالية .. مرت بأطوار غريبة . أحد القضاة ، الذين وقعوا تحت تأثير صاحب النفوذ ، حكم مرّة .. إلا أن الحكم لم يُميّز ، بأن الحادثة ليس فيها دية ، لأن ورثة المتوفى، على حد قوله ، يقبضون راتباً تقاعدياً ..! حتى الراتب التقاعدي كاد ألاّ يأتي ، بسبب خطأ في إدخال البيانات الخاصة بزوجها ، ارتكبه الموظف الذي كتب مباشرته للعمل ، قبل سبع عشرة سنة .

استحقاقات نهاية الخدمة ، حرموا منها ، لأن إدارة شؤون الموظفين والمالية ، ( تأكد ) لها ، أنه توفي بعد وقت الدوام الرسمي .. الساعة الثانية وأربعين دقيقة . كما أنه ،إضافةً إلى ذلك ، لم يكن مطلوباً منه أن يذهب إلى موقع العمل ، بل ذهب بدافع الفضول . حرمانهم من استحقاقات نهاية الخدمة ، فسر على أنه موقف ( وطني ) من المدير ، لحفظ أموال الدولة..! هذه ( الذريعة ) أيضاً، هي التي أستندت عليها شركة ( صاحب النفوذ ) ، وأعدت على أساس منها تقريراً ، تماطل فيه ، في دفع الدية المقررة شرعاً .

– يا أخي .. أليس ظلماً أن يأكل ( هذا ) الرجل ،حقوق هؤلاء اليتامى ، وهو الذي ضاقت البنوك بملايينه ، وينقطع مدى النظر عن الأراضي التي يملكها ..؟ كيف يبيح القاضي لنفسه أن يحرمنا حقاً قرره الشرع لنا .. أليس هذا ظلماً ..؟

– هذا ليس ظلماً .. بل ( ظلمات بعضها فوق بعض ) .. !

قررت أن تذهب للمحكمة المستعجلة ، لتقابل الشيخ حمد المقفي ، الذي أحيلت إليه قضية ابنها ، لينظر فيها . في الصباح الباكر ، أخذت معها أحد أبنائها. عندما وصلت المحكمة ، بعد جولات طويلة ، قام بها سائق سيارة الأجرة .. بحثاً عن موقع المحكمة ، كانت الساعة تشير إلى الثامنة وعشرين دقيقة . الجندي الذي يقف على باب المحكمة ، أخبرها أن أغلب (المشايخ ) لا يحضرون إلاّ عند الساعة التاسعة ، وبعضهم لا يأتي إلاّ في العاشرة .

– الحمد لله ..

همست في سرها . كانت تخشى أن تكون قد تأخرت ، فانشغل الشيخ ، وربما يطلب منها العودة في يوم آخر ، مع بدء الدوام الرسمي ..!

انتظرت إلى العاشرة .. في صالة عند مدخل المحكمة، ولم يأت الشيخ . أخبرها بعضهم أن ( الشيخ ) قد يتأخر أكثر.. وربما لن يحضر اليوم . حينما قاربت الساعة الحادية عشرة والنصف ، والشيخ لم يحضر .. وقد حان موعد خروج الأطفال من المدارس ، قررت أن تعود إلى البيت ، وتتحدث مع الشيخ عن طريق الهاتف .

يتبع

السعوديه ترسل قوات درع الجزيره للبحرين

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالعزيز الشنفري٨

مجلس الوزراء السعودي رفض أي تدخل أجنبي في الشؤون الخليجية
قوات من “درع الجزيرة” تدخل البحرين تجاوباً مع طلب المنامة للدعم
دبي – العربية.نت

القوى الأمنية مقابل المتظاهرين في دوار اللؤلؤة

أكد مصدر سعودي مسؤول الاثنين 14-3-2011، أن اكثر من ألف عسكري سعودي من قوات “درع الجزيرة” دخلوا الى البحرين التي تشهد اضطرابات.

وذكر المصدر أنه بموجب الاتفاقيات ضمن مجلس التعاون الخليجي، فإن “أي قوة خليجية تدخل الى دولة من المجلس تنتقل قيادتها الى الدولة نفسها”.

وأشار المصدر الى أنه “تمّت الدعوة مراراً للحوار من قبل الحكومة البحرينية ولم تتم الاستجابة للدعوة”.

وكانت صحيفة “الايام” البحرينية قالت، الاثنين، إن قوات خليجية أرسلت الى البحرين للمشاركة في حفظ الأمن في المملكة، وذكرت الصحيفة التي تعد مقربة من السلطات أنه “عُلم من مصادر مطلعة أن قوات من مجلس التعاون لدول الخليج العربي تصل البحرين للمشاركة في حفظ الأمن والنظام”.

ونقلت عدة مواقع إخبارية خليجية معلومات مشابهة وتحدث بعضها بالتحديد عن “قوات سعودية”.
وكان مجلس الوزراء السعودي شدد، في جلسته التي عقدت اليوم برئاسة الملك عبدالله بن عبد العزيز، على ما تضمنه بيان المجلس الوزاري لدول مجلس التعاون من تأكيد على رفض دول المجلس وشعوبها، جملة وتفصيلاً، أي محاولات للتدخل الأجنبي في شؤونها، وأنها ستواجه بحزم وإصرار كل من تسوّل له نفسه القيام بإثارة النعرات الطائفية أو بث الفرقة بين أبناء المجلس ودوله أو تهديد أمنه ومصالحه، وأن أي إضرار بأمن دولة من دوله يعد إضراراً بأمن جميع دوله.

وفي هذا الإطار أكد مجلس الوزراء تجاوبه مع طلب البحرين الدعم في هذا الشأن، في وقت دخلت فيه قوات “درع الجزيرة” من دول الخليج العربي الى البحرين، فيما تنتظر قوات أخرى إشارة الدخول، وذلك لحفظ الأمن والاستقرار في البحرين التي تشهد حالة من الاحتجاجات والإضرابات العامة.
وكذلك أعلن وزير الدولة للشؤون الخارجية الإماراتية أنور قرقاش أن بلاده قررت إرسال قوة أمنية إلى البحرين، للمساهمة في حفظ الأمن والنظام، استجابة منها لطلب المملكة.

واعتبر قرقاش أن هذه الخطوة تعبّر بصورة ملموسة أن “أمن واستقرار المنطقة في هذه المرحلة يتطلب منا جميعا الوقوف صفا واحدا حماية للمكتسبات ودرءا للفتن وتأسيساً للمستقبل”.

ولفت إلى الإمارات “تتابع وباهتمام تطورات الأوضاع في البحرين، ومبادرة الحوار التي أطلقها ولي العهد الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، “وتدعو كافة فئات الشعب البحريني للتعامل مع هذه الدعوة بإيجابية ودون شروط مسبقة مما يسهم في تخفيف التوتر وتجاوز الأزمة الحالية وإيجاد الحلول المناسبة التي من شأنها أن تحافظ على مكتسبات الشعب البحريني” .

وكان الأمير سلمان أكد الاستعداد لطرح مسألة توسيع صلاحيات مجلس النواب وأن تكون الحكومة تمثل إرادة الشعب، مجدداً الدعوة الى البدء بالحوار الوطني في أسرع وقت.

ويوم الخميس الماضي، أكد وزراء مجلس التعاون الخليجي وقوفهم بقوة الى جانب الحكم في البحرين، كما أطلقوا صندوقاً تنموياً لهذا البلد بقيمة 10 مليارات دولار.

واعتبر مجلس التعاون أن أي مساس بأمن البحرين هو مساس بأمن المجلس ككل.

وتبدو الحياة شبه متوقفة، اليوم الاثنين، في البحرين حيث أغلقت المدارس والشركات والمصانع تلبية لدعوة الإضراب العام، فيما يسود توتر أمني وطائفي في المملكة غداة مواجهات قوية بين المتظاهرين والسلطات في دوار اللؤلؤة بوسط المنامة وبالقرب من مرفأ البحرين المالي.
جميع الحقوق للعربيه

شبكة السنة النبوية تطلق ملفا علميا عن الأحداث الراهنة

كاتب الموضوع الأصلي: أنس فاروقي 1

شبكة السنة النبوية تطلق ملفا علميا عن الأحداث الراهنة في البلدان العربية

أطلقت شبكة السنة النبوية وعلومها التابعة للمكتب التعاوني للدعوة والإرشاد وتوعية الجاليات بالربوة ملفا علميا عن الأحداث الراهنة في البلدان العربية وذلك على موقع الشبكة على الانترنت .
ذكر ذلك المدير التنفيذي للشبكة الدكتور محمد بن عدنان السمان والذي أوضح أن الملف يستعرض بالشرح والتفصيل ما يحدث في البلدان العربية بشكل خاص والعالم على وجه العموم وذلك عبر تقديم قراءة متأنية للأحداث تذكر بدايتها ومسبباتها وما ينتج عنها ويحاول وتقديم الحلول والاقتراحات لهذه البلدان العربية وفق منهج شرعي مستمد من كتاب الله وسنة رسوله المصطفى صلى الله عليه وسلم .
وبين السمان أن الملف يتضمن مقالات ورؤى وخطب للعديد من المشايخ والعلماء المختصين في العلم الشرعي عبر سلسلة من القراءات المتنوعة والموضوعات التي تواكب الأحداث الراهنة مضيفا أن الملف سيتم تغذيته بشكل دوري ومنتظم .
الجدير بالذكر أن ملف قراءات في الأحداث يعد سابع ملف علمي تقدمه الشبكة عبر موقعها حيث سبقها ملفات علمية في نصرة النبي عليه السلام ، وملف الصيف ، وملف رمضان ،ومختارات العيد ،وملف عن الحج ، وملف الوسطية في ضوء السنة النبوية ويمكن زيارة الموقع
والاطلاع على الملفات العلمية عبر رابط الشبكة على الانترنت . www.alssunnah.com

محاضرة الاثنين 9/4/1432

كاتب الموضوع الأصلي: فرحان العنزي 1

• تاريخ البشريه هو تاريخ الصراع من اجل ملكية أدوات الإنتاج :
وإن الحر والعبد , الشريف ورجل العامة , والبارون والتابع
كل هؤلاء في صراع دائم .. وكذلك الصراع الدائم بين الطبقات المستغِله والطبقات المستغله والمضظهِدون والمضظهدون
والطبقة الاولى هم الملاك والبرجوازيه ..
والطبقة الثانيه هم العمال والبروليتاريا والكادحون

والطبقة البرجوازية أنسأت سلطة الدولة لقهر الطبقة البروليتاريا وحماية الملكية الخاصة (وهي سلطةعارضة ومؤقته ترتبط وجوداً وعدماً بالملكية الخاصه )

وسينتهي هذا الصراع حتماً بإنتصار طبقة البروليتاريا وأنتزاع السلطة السياسيه من قبضتها

ثم لإقامة دولة إنتقاليه

ويتم خلال هذه المرحلة :

تصفية الملكية الخاصه ,تصفية الطبقات المستغلة ,والوصول الى مرحلة الشيوعيه (المرحلة العليا للشيوعية)

• وفي مرحلة الشيوعية :لا وجود للملكية الخاصه وإنما ملكية عامة ..
وبالتالي فإن السلطة السياسيه التي ارتبطت بالملكية الخاصه فإنها تموت وتندثر

*أما الملكية العامة :فإنه يسود التعاون الشيوعي وكلاً منهم على كل قدر طاقته
ولكل منهم حقة في حدود حاجته

*تآريخ اول ثورة طالبت بتطبيق فكر كارل ماركس لتحرير طبقة البروليتاريا هي روسيا عام 1917 م

وهي ثورة البلشفيه(نسبة الى الحزب البلشفي)
وبعد نجاح الثورة أصبح اسمه الحزب الشيوعي .

وكان زعماء الحزب الشيوعي هم (لينين-ستالين-تروتسكي)

*أصبح اسم روسيا بمقضتى دستور 1924م أصبح اسمها (الإتحاد السوفيتي)

ونص نظام الإتحاد السوفيتي انها دولة العمال والفلاحين

ويُراد منها التأكيد على سيطرة طبقة البروليتاريا على الدولة

*الماركسية في المجال السياسي : هو نظام سياسي شمولي

ويعني ..
الرجل الواحد(الزعيم) ,الحزب الواحد(الحزب الشيوعي),الرأي الواحد,الإعلام الموجه ,التعبير الموجه .,حكم الصفوة الواحدة,العقيدة الواحدة (1-إيدلوجياَ 2-دينياَ)

الرجل الواحد: يستند في حكمة الى مبدأ التخويف او قهر الشعب .وليس مبدأ الشرف

وانه لا مكان للمعارضين إلا في إحدى ظلمتين (ظلمة السجن أو ظلمة القبر)

والمعارضة تعني الخيانة و اللا وطنية

*الحزب الواحد : هو يحتكر الحياة السياسية ويهيمن على كافة المؤسسات في الدولة وعلى رأسها المؤسسات السياسيه والاجتماعيه والاقتصاديه

العلمانيـة

كاتب الموضوع الأصلي: فيصل المشوح 4

إمتلأت الساحة هذه الأيام بكثير من الكلمات التى يرددها البعض وتتناقلها الألسن مثل العَلمانية والدولة الدينية وكذلك الدولة المدنية إلى غير ذلك من المصطلحات .. والتى تُعج بها الساحة فى أيامنا هذه ، وفى تقديرى المتواضع ، أن نقطة البدء فى حسم هذا الموضوع ينبغى أن تبدأ من تحديد مفهوم العَلمانية وظروف نشأتها وعلاقتها بالدين وأثر ذلك فى الدولة المدنية ، وهو مما لا شك فيه سيحلُ كثيراً من الإشكاليات القائمة .

وأرجو منك أخى القارئ الكريم أن تُعيرنى إنتباهك ، فالكتابة فى مثل هذه الموضوعات تتسم بنوع من الجفاء يطلق عليه الجفوة العلمية .. فأرجوا _ أخى الكريم _ أن تلتمس لى عذراً وتتقبل هذه الجفوة برحابة صدر .. واسمح لى أن أتناول فى مقالى هذا ( فكرة العَلمانية ) أتحدث عنها وعن ظروف نشأتها ، وكيف دخلت إلى بلادِنا ، وذلك تمهيداً لمقالٍ آخر فيما بعد سأتناول فيه مفهوم الدولة المدنية المعاصرة .

وبدايةً أودُ القول بأن العَلمانية ( بفتح العين وليست بكسرها ) ليست مرادفاً لمعنى ( الدولة المدنية ) كما يزعم البعض .. كما أنها لاعلاقة لها بالعلوم الوضعية وليست من إشتقاقات كلمة العلم ، وإنما هى ترجمة لكلمة ( secularism ) وترجمتها الصحيحة : أللادينية أو الدنيوية ، وهى دعوة إلى فصل الدين عن الدولة ، أى إقصاء الدين من الحياة والسياسة وإبقاءه حبيساً فى ضمير الفرد لا يتجاوز ذلك العلاقة الخاصة بينه وبين ربه فى الشعائر التعبدية والمراسم المتعلقة بالزواج والوفاة ونحوها .

والحقيقة أن هذه الآفة لم تنشأ فى بلادنا الإسلامية وإنما هى نبتة نكدة وُلدت وتربت وترعرعت فى أوربا ( وقد يكون لها ما يبررها هناك ) فقد نشأت فى مطلع القرن الثامن عشر الميلادى ، أى فى نهاية العصور الوسطى المظلمة فى أوربا وبداية العصور الحديثة التى ارتبطت بظهور الثورات فى أوربا .

فقد نشأت هذه الشبهه فى أوربا نتيجةً لعدة عوامل أدت إلى تبنيها لهذه الفكرة وكان من أهم هذه العوامل :

1 ) طغيان الحكام واستبدادهم وقهرهم لشعوبهم : ( حيث كان يوجد ما يعرف بالحكم الثيوقراطى أو الحكم الإلهى المطلق ) ويعنى ذلك أن الملك يحكم بإسم الله وأنه خليفة الله فى الأرض ، ولأنه كذلك فهو فوق المسائلة ولا يملك أحدٌ كائناً من كان أن يحاسبه على أعماله ، ولأجل إضفاء هذه الصبغة الدينية على هذا النوع من الحكم فقد عمد الملوك إلى الإستعانة بالكنيسة ، مما أوجد تزاوجاً بين الدين والسياسة ترتب عليه منح الكنيسة كثيراً من الصلاحيات والسلطات الواسعة التى أدت بها هى الأخرى إلى وجود صورة بشعة لإستبداد رجال الدين ، وأدى ذلك فى نهاية المطاف إلى قهر الناس وظلمهم واستعبادهم وإفقارهم ، وحكمهم بالحديد والنار وذلك كله تحت مسمى الدين .

2 ) استبداد الكنيسة : فى مقابل أن أضفت الكنيسة الشرعية الدينية على الحكم الملكى المستبد ، فقد استحوذت هى الأخرى على الكثير من السلطات والصلاحيات التى أدت بها إلى الإستبداد ، وكان رجال الدين هم الحكام الفعليين ، أنشأوا ما يعرف بمحاكم التفتيش ، التى أذاقت الناس صنوفاً وألواناً من العذاب ، وعمدت إلى ملاحقة الكثيرين ممن يختلفون مع الكنيسة واضطهادهم ، وقتل الكثير من العلماء مثل جالليلو وكوبرنيكوس وجرادنو وغيرهم من العلماء والساسة وأصحاب الرأى والفكر ، حتى أن المسلمين فى الأندلس ( أسبانيا والبرتغال ) لم يسلموا من هذه الملاحقة ، ونالهم نصيبٌ وافر من ذلك الإضطهاد .. فقد ابتدعت الكنيسة الكثير من وسائل التعذيب وتفننت فيه ، وكانت تهمة المخالفين للكنيسة هى الهرطقة والسحر والشعوذة ، فيُأتى بصاحب هذه التهمة ويُلقى به فى النهر فإذا ما غرق دل ذلك على برائته ، أما إذا نجا من الغرق فيكون مذنباً وتكون عقوبته الحرق فى ميدان عام حتى الموت ( الغرق أو الحرق ) ، وقد فُعل ذلك بالعالم الذى تحدث عن كروية الأرض ، أضف إلى ذلك استيلاء الكنيسة على أراضى وثروات الشعوب وابتداع ما يعرف بصكوك الغفران وذلك كله لأكل أموال الناس بالباطل ، وهذا قليل من كثير فجرائم الكنيسة فى العصور الوسطى فى أوربا بلغت حداً لايمكن تخيله .

3 ) سيادة الإقطاع : حيث وجدت طبقة من الإقطاع وهى طبقة النبلاء والأشراف ، فئة قليلة تملك كل شئ ، تملك الثروات والأرض والسيادة ، والطبقة الأخرى هى عامة الشعب فئة كثيرة لاتملك أى شئ ، كانوا عبيداً لدى الطبقة الأولى ، يقيمون على أراضى النبلاء فى أكواخ صغيرة ، ويعملون في هذه الأرض لحساب الإقطاعى ولايجنون شيئاً لأنفسهم حتى قوت يومهم ويُعرفون فى التاريخ ( بأقنان الأرض ) يا سادة كان هذا حال أوربا حتى نهاية القرن السابع عشر واستمر لعقودٍ فى القرن الثامن عشر ، تفاوت طبقى رهيب ، فئة قليلة تملك كل شئ وأخرى هى الكثرة الغالبة من الشعب ولاتملك شيئاً سوى المرض والفقر الشديد المدقع والجوع والمهانة والذلة والإستعباد .

4 ) وجود اليهود فى أوربا : فى هذه الحقبة كان لليهود دورٌ ليس بالقليل ، وكما نعلم أن اليهود كعادتهم يُجيدون جمع الثروات واكتنازها فكان يلجأ إليهم الناس للإقتراض فيقرضونهم برباً فاحش أدى ذلك إلى تفاقم الأوضاع والقارئ لكتاب وليم شكسبير ( تاجر البندقية ) يدرك ذلك ، حيث تدور أحداث القصة حول تاجر يهودى فى مدينة البندقية الإيطالية يقرض الناس برباً فاحش ويشترط عليه فى عقد القرض ” أنه إذا تأخر أو عجز المدين عن سداد الدين فله أن يقتطع جزءاً من لحم المدين وجسده مقابل هذا الدين ” .

· أدت هذه العوامل إلى تفاقم الأوضاع فى أوربا ، شعوب تعانى الفقر والجوع والمرض وفوق ذلك كله المهانة والذلة والإستعباد ، وطبقة أخرى قليلة ( الملوك والنبلاء ورجال الدين ) تملك كل شئ فهى تملك السلطة و الثروة وتحكم بالقهر والإستبداد ، وعليه خرجت هذه الشعوب فى أوربا ثائرة ، فى انجلترا ثورةٌ عارمة على آل ستيوارت وفى إيطاليا وفى ألمانيا وأيضاً فى روسيا القيصرية ثورة ضد النظام القيصرى ، ولكن الثورة التى كانت حدثاً فاصلاً فى التاريخ البشرى فى العصر الحديث كانت الثورة الفرنسية سنة 1789، ثورة الجياع كما يحكى ذلك فيكتور هيجو فى كتابه ( البؤساء ) خرجت الجموع التى تعانى من المرض والفقر والجوع ذاهبة إلى قصر الملك لويس الرابع عشر غاضبة وثائرة تطالب برأس الملك المستبد والقضاء على رجال الدين الذين كرسوا لهذا الإستبداد والظلم وشاركوا فيه ، وكان شعار تلك الثورة ( اشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس ) ولأن هذه الطبقة دوماً تعيش فى عزلة عن شعبها ولا تشعر بآلامه ، عندما وصل الثائرون إلى قصر الملك الطاغية قالت الملكة مارى انطوانيت زوجته.. لماذا يشكو هؤلاء ، قيل لها من الجوع قالت .. لماذا لايأكلون البسكويت ( يال السخرية ) .. عموماً نجحت تلك الثورة وأطاحت بالملك المستبد وزوجته وأطاحت بحكم رجال الدين وسارت هذه الجموع الغوغائية لحرق سجن الباستيل وهدمه ، فقد كان رمزاً للقهر والإستبداد ، وتحول شعارها من الخبز إلى ( الحرية والمساواة والإخاء ) وجاءت الثورة بأول حكومة لادينية تحكم باسم الشعب .

· أدت هذه الأحداث إلى نتيجة مفادها ( أن الزاوج الذى حدث بن الحكم المستبد والكنيسة ) كان السبب فى الفساد والقهر والإستبداد ، وجاءت كتابات الثورة كلها لتنادى بالفصل التام بين الدين والدولة وإبعاد الكنيسة عن مؤسسة الحكم وعودتها إلى داخل جدران الكنيسة ولا شأن لها بما يخرج عن هذه الجدران ، ومن هؤلاء المفكرين جان جاك روسو 1778 فى كتابه العقد الإجتماعى والذى يعد بحق انجيل الثورة ، مونتسكيو فى كتابه روح القوانين ، وفولتير صاحب القانون الطبيعى 1804 ، ووليم جودين 1793 وكتابه عن العدالة السياسية ، وميرابو الذى يعد خطيب وزعيم وفيلسوف الثورة الفرنسية .

· وانتقلت إلينا هذه الشبهة مع حملة نابليون بونابرت 1798.. وقد أشار الجبرتى إلى ذلك بعبارات تدور حول معنى العلمانية وإن لم تذكر اللفظ صراحةً ، أما أول من استخدم هذا المصطلح ( العلمانية ) فهو نصرانى يدعى إلياس بقطر فى معجم عربى فرنسى من تأليفه سنة 1827 ثم جاء الخديوى اسماعيل وأدخل القوانين الفرنسية سنة 1833 وكان مفتوناً بالغرب ويريد أن يجعل مصر قطعة من أوربا .

· وكان للمستشرقين دورٌ خطير فى ذلك مثل دوركايم وغيره وكذلك من تتلمذ على أيديهم من أبناء الشرق من أمثال طه حسين وغيره فقد كانو مفتونين بأوربا ، وقالوا لكى ينهض الشرق فلابد أن يسير خلف أوربا حذواً بحذو وشبراً بشبر وذراعاً بذراع .. وإن كانت نهضة أوربا جاءت نتيجة فصل الدين عن الدولة والطلاق بينهما طلاقاً بائناً فإن الشرق لن ينهض إلا بذلك .

وأخيراً .. وبعد هذا الإستعراض .. وعذراً للإطالة .. فلابد من كلمة : نقول فيها إن ظهور هذه الفكرة فى أوربا له مايبرره من أحداث التاريخ الماضى .. وإن كان كثير من عقلاء الغرب ينادون بالعودة إلى القيم والأخلاق المستمدة من الدين والتى لاتنفصم عنه ، خاصةً بعدما عانت أوربا من ويلات الإباحية والفجور وأيضاً الحروب العالمية الطاحنة ( الأولى والثانية ) التى أودت بحياة ملايين البشر وكان ذلك كله سببه الرئيس البعد عن الدين .. نقول إذا كانت العَلمانية تتفق مع المسيحية فى فصل الدين عن الدولة وذلك واضح فيما يتردد عن السيد المسيح عليه السلام ” أعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله ” فإن الإسلام لايعرف هذه الثنائية ، فالمسلم حياته كلها لله والكون كله خاضع لمشيئته وقدره وتدبيره وحاشاه أن تخرج مخلوقاته عن سلطانه .. وأن الذين صدعوا رؤسنا بقولهم ( لادين فى السياسة ولا سياسة فى الدين ) فقد اتضح الأمر ، فهم إنما أرادوا بذلك أن ينعموا بالسلطة والثروة ويجمعوا بين الفساد والإستبداد ولا يملك أحد كائناً من كان محاسبتهم فى ذلك حتى لو كان الدين ذاته ، خاصة وأن عقيدتهم فى المحاسبة والوقوف بين يدى الله فى الآخرة لا وجود لها فى حياتهم …
منقول عن:
الدكتور/ عصام موسى … المحامى

كفاحي آدولف هتلر

كاتب الموضوع الأصلي: فهد الحيدر1

كفاحي
آدولف هتلر

( 1 )

آدولف هتلر
(1889 – 1945)
تمهيد :

قد يكون آدولف هتلر اهم الشخصيات السياسية في القرن العشرين .. ومن المعروف ان وجود صورته على ظهر كتاب يزيد مبيعاته بنسسبة 20% . وقد وُلد كما يقص في مذكراته لاسرة متواضعة ، وعاش جل اعوام طفولته وشبابه الاول خارج المانيا. ثم عاد لوطنه الام وساهم في تاسيس الحزب النازي. وخلال عشرة اعوام ، بات قائداً للامة الالمانية.
في كفاحي، يقص هتلر حكاية صراعه في سبيل الوصول للفلسفة التي يؤمن بها اولاً ، ثم الكفاح في سبيل تحقيق ما يعتبره طموحات الشعب الالماني. نختار اولاً وصف هتلر لطفولته الباكرة وحياته الاسرية الباكرة ثم معاناته من الفقر المدقع في فيينا ، وصولاً الى آرائه التي لم يغيرها ابداً بشأن القضية اليهودية .

كفاحي

الفصل الاول : طفولتي

يبدو وكأن القدر تعمد اختيار براوناو موقعاً لاولد فيه : فتلك المدينة الصغيرة تقع على الحدود بين دولتين سعينا نحن الجيل الجديد لتوحيدهما بكل ما لدينا من قوة.
فلابد من عودة المانيا النمساوية للوطن الام ، وليس بسبب أي دوافع اقتصادية. بل وحتى ان الحق الاتحاد اضراراً اقتصادية، فلابد منه. دمائنا تطلب وطناً واحداً ، ولن تستطيع الامة الالمانية امتلاك الحق الاخلاقي لتحقيق سياسة استعمارية حتى تجمع اطفالها في وطن واحد. وفقط حين تشمل حدودنا آخر الماني، ولا نستطيع تامين رزقه، سنمتلك الحق الاخلاقي في احتلال اراض اخرى بسبب معاناة شعبنا. سيصير السيف اداة الحرث ، ومن دموع الحرب سينبت الخبز للاجيال القادمة. وهكذا يبدو لي ان هذه القرية الصغيرة كانت رمزاً للمسؤلية الغالية التي انيطت بي ، ولكن هنالك صورة بائسة اخرى تذكرنا تلك المدينة بها. فقبل مائة عام، كانت مسرحاً لكارثة ماساوية ستخلد في صفحات التاريخ الالماني. فحين انحطت الاوضاع الى اسوء حال ممكن تحت وطئة الاحتلال الفرنسي، استشهد جوهانا، بائع الكتب، في سبيل الوطن الذي احبه. وقد رفض التخلي عن شركائه وشجب الذين كانوا افضل منه في قدراتهم. وقد ابلغ احد ضباط الشرطة الالمان عنه الفرنسيين ، وبقى العار ملحقاً باسمه حتى الساعة.

في هذه المدينة الصغيرة، المضيئة ببريق الشهادة في سبيل الوطن، والتي حكمتها النمسا وان كان دم شعبها المانياً ، عاش والدي في آواخر الثمانينات من القرن الماضي: وبينما كان والدي موضفاً حكومياً، رعت امي افراد الاسرة. ولم بيق حالياً في ذاكرتي سوى القليل عن هذا المكان لاننا سرعان ما رحلنا منه لبلدة باسو في المانيا.
وخلال تلك الايام كان التنقل مصيراً محتوماً على الموظف. وهكذا انتقل والدي مرة ثالثة الى لينز، وهناك اخيراً تمت احالته على التعاقد. ولكن ذلك لم يعن له الراحة ابداً. فمنذ طفولته كان لا يطيق البقاء في المنزل بلا عمل، وهرب في سن الثالثة عشر الى فيينا وتعلم حرفة وحصل على التجربة والنجاح قبل سن السابعة عشر، ولكنه ما قنع بكل هذا ، بل ان معاناة الاعوام الاولى دفعت للسعي وراء مستقبل افضل . وهكذا بحث على وظيفة حكومية، وبعد عشرين عاماً من الصراع الدؤوب ، عثر عليها. وهكذا حقق قسمه القديم ، وهو الا يعود لقريتة الصغيرة الا بعد ان يكون قد كون نفسه.
حقق الرجل حلمه ، ولكن لا احد في القرية تذكر الطفل الذي هاجر ، بل وبدت له قريته غريبة تماماً ، وكانه يراها لاول مرة. واخيراً، وفي سن السادسة والخسين، بعد تقاعده، ما استطاع احتمال الفراغ، فاقتنى مزرعة وعمل في زراعتها كما فعل اجداده من قبل.
وخلال تلك الفترة تكونت داخلي بوادر الشخصية الاولية. اللعب في الحقول، المشي الى المدرسة، وخصوصاً الاختلاط مع اصدقائي العنيفين الذي اقلقت علاقاتي معهم والدتي، كل هذه جعلتني من النوع النشط الذي لا يرتاح للبقاء في المنزل. وبالرغم من عدم تفكري بالحرفة المستقبلية، ما كانت عواطفي ابداً تتجه نحو المسير الذي اتخذه والدي لنفسة. اؤمن باني حتى آنذاك تمتعت بقدرات بلاغية مميزة ظهرت في شكل حوارات عنيفة مع زملاء الدراسة. بل وبت زعيماً لمجموعة: ونجحت في المدرسة بالفعل ، ولكني كنت شديد المراس. اشتركت في النشاطات الكنائسية ، واسكرتني عظمة هذه المؤسسة العريقة. وبدا لي القس مثالاً لما ينبغي ان اكونه، كما بدا لوالدي من قبل. ولكن الاخير فشل في التعامل مع قدرات ابنه البلاغية وما استطاع تصور مستقبل ممكن له، بل واقلقه هذا الوضع كثيراً.
هذا الحلم الكنائسي تخلى عني سريعاً ، بعد ان عثرت على بعض الكتب العسكرية التي وصفت العارك بين فرنسا والمانيا عام 1870 – 71. عشقت هذه النصوص ، وصارت الصرعات البطولية النشاط الفكري والخيالي الاساسي لكياني. ومنذ ذلك الوقت صرت اعشق كل ما له علاقة بالجنود. ولكن الاسئلة الصعبة بدأت تفرض نفسها على فكري : هنل هناك فوارق – بين الالمان الذين خاضوا تلك المعارك والاخرين؟ ولماذا لم تشترك النمسا فيها؟ ولماذا لم يطلب من والدي الاشتراك؟ الا ننتمي جميعاً لذات الوطن؟ الا ننتمي سوية؟ بدأت هذه التساؤلات تشغل بالي لاول مرة. طرحت الاسئلة واجابوني بحذر قائلين ان الالمان غير المحظوظين لا ينتمون لذات الدولة التي اسسها بسمارك ، وكان هذا الوضع عسيراً على الفهم ، ثم قالوا لي ان الاوان قد حان للذهاب للمدرسة الثانوية.
اكد والدي انه يرغب في ان اذهب لمدرسة خاصة لاعداد الموظفين. فهو – بسبب تجاربه الحياتية – ما راى طائلاً وراء المدارس العادية. كانت رغبته هي ان اصير موظفاً حكومياً مثله ، بل وافضل لانني كنت ساتعلم من اخطائه واستفيد من تجاربه ، لانه تصور استحالة ان ارفض السير على دربه، كان قراره واضحاً ، مؤكداً. معاناة عمر طويل ومشاق الحياة وهبته طبيعة متعسفة. وبدا له من المستحيل ان يترك الامر لابنه غير المجرب ، الغير قادر على احتمال المسئوليات. بل وتصور انه سيكون مذنباً ان لم يستخدم سلطته لتحديد مستقبله، وراى ان هذه مسؤولية تحتمها عليه الوظيفة الابوية.
ومع ذلك سارت الامور بطريقة مغايرة: فقد رفضت الفكرة بشكل قاطع، وما كان عمري اكثر من احدى عشر سنة. ولم ينجح الترغيب او الترهيب كليهما في تغيير رايي. وكل مساعي والدي الذي قص علي قصصاً عن تجاربه في العمل ، راجياً ان اقنع به واحبه، ادت لنتائج عكسية. تثائبت واهناً اذ تصورت انني ساقضي العمر امام مكتب ، بدون ان يكون وقتي ملكاً لي، قاضياً حياتي في تحويل الدنيا الى فراغات يقوم احدهم بملأها في صورة طلب او وظيفة. واي افكار كان يمكن لمشهد كهذا ان يخلقه في نفس طفل طبيعي؟ الوظائف المدرسية كانت سهلة ، وامتلكت الوقت الحر لدرجة ان الشمس عرفتني اكثر من حيطان حجرتي. وحين يبحث اعدائي السياسيين في الماضي البعيد، ويعثرون على ما يؤكد ان هتلر كان طفلاً شقياً ، اشكر الله على انهم قد اعادوا لفكري ذكريات بعض تلك الايام السعيدة. الغابات والحقول باتوا حلبات الصراع التي قضيت فيها حياتي ، والمدرسة الجديدة لم تغير هذا الوضع ، وطالما كانت معارضتي الاساسية لفكرة والدي نظرية ، استطعنا التعايش سوياً. فقد احتفظت بارآئي الخاصة، وما خالفته بصوت مرتفع. ولكن – وفي سن الثانية عشر – بدأت اطمع في ان اصير رساماً. ومع ان والدي كان يشجع هذه الهواية، الا انه لم يتصور ابداً ان اسير في هذا الاتجاه.

-“رسام”؟

تشكك حتى في عقلي ، وربما تصور انه لم يفهم ما اعنيه. ولكن بعد ان فهم ، عارض الفكرة بكل ما في طبيعته من عناد. “رسام! فقط بعد موتي.” ولكنة اكتشف ان ابنه قد ورث منه ذات العناد. وهكذا بقي الحال زمناً طويلاً . وما كانت النتائج طيبة. فقد اصابت المرارة نفس الرجل الكبير، وما كان باستطاعتي الرضوخ له. وهكذا حين اكد استحالة دراستي للفن، قررت ايقاف الدراسة بشكل عملي، متصوراً انه حين سيرى فشلي الدراسي ، سيسمح لي بالسير في الاتجاه الذي اختاره. كانت نتائجي المدرسية آنذاك غير طبيعية: فكل ما له علاقة بالرسم جلبت فيه افضل النتائج، وفي الباقي اسوءها. ولكن انجازاتي كانت مميزة في حقلي الجغرافيا والتاريخ الالمانيين، لانني عشقت هاتين المادتين وكنت افضل التلاميذ فيهما ، وحين اتطلع لتلك المرحلة الان، بعد مرور السنوات الكثيرة، الاحظ حقيقتين هامتين: فاولاً ، صرت قومياً، وثانياً ، تعلمت معنى التأريخ. ففي دولة متعددة الاجناس كالنمسا ، كان من الصعب جداً ان يعرف الرء معنى الانتماء لالمانيا. فبعد العارك الفرنسية الالمانية، قل الاهتمام بالالمان في الخارج، ونساهم البعض تماماً. ومع ذلك، فلو لم يكن الدم الالماني طاهراً قوياً ، لما استطاع العشرة مليون الماني ترك بصمتهم واضحة جلية في دولة تتكون من اكثر من خمسين مليون نسمة، لدرجة ان الناس تصورت ان النمسا كانت دولة المانية مستقلة.
القليلون ادركوا قسوة الصراع الوحشي الذي خضناه للحفاظ على اللغة الالمانية، المدارس الالممانية، والاسلوب الخاص للحياة: اليوم فقط، حين يحلم الملايين من الالمان بالعودة للوطن الام، ساعين على الاقل للحفاظ على لغتهم القوية، يدرك جل الناس صعوبة هذا الصراع، وربما يقدر بعضهم اهمية هؤلاء الافراد الذين حموا الوطن من الهجمات من الشرق، وحاربوا من اجل ابقاء اللغة المشتركة حين ما اهتمت الحكوات الالمانية الا بالمستعمرات البعيدة ، متناسية معاناة الالمان في الجوار. وحتى الاطفال اشتركوا في الصراع القومي: اذ رفضنا ترتيد الاغاني غير الالمانية، وارتدينا الثياب التقليدية ، بالرغم من التهديد والعقوبات. فمنذ طفولتي لم يعني شعور “الوطنية” أي شيء لي، بينما عنت المشاعر القومية كل شيء. وقد كانت دراسة التاريخ دافعاً قوياً لخلق الحس القومي، نظراً لعدم وجود تاريخ نمساوي مستقل. بل ان مصير هذه الدولة مرتبط بالممانيا لدرجة ان ظهور تاريخ نمساوي خاص يبدو مستحيلاً. فتقسيم المانيا لموقعين هو في حد ذاته جزء من التاريخ الالماني.
ضرورة توحيد الالمان والنمساويين كانت نتيجة حلماً بقي في قلوب الجماهير بسبب تذكرها للتاريخ الذي كان بئراً لا ينضب. وخاصة في اوقات النسيان ، سما التاريخ فوق الثراء المرحلي وهمس الماضي للشعب باحلام المستقبل.
تعليم التاريخ في ما يسمى المدارس الثانوية لا يزال حتى اليوم في حال يرثى لها. والقلة من الاساتذة تفهم ان الهدف من دراسته ليس حفظ ارقام او تواريخ، مثل يوم معركة، او ساعة ميلاد زعيم، او حتى حين وصول ملك للسلطة. فمعرفة التاريخ تعني معرفة القوى التي تسبب النتائج المسماة احداثاً تاريخية. والمعرفة هي : القدرة على تذكر الاساسي ، ونسيان كل ما هو غير ضروري.
وقد يكون احد اهم اسباب تشكيل شخصيتي الحالية دراستي للتاريخ مع احد القلة الذين عرفوا هذه القواعد وراعوها في التدريس، الاستاذ ليوبلد بوتش. فقد كان ذلك الرجل العجوز خيراً متقناً لمادته، وتمتع ايضاً بقدرة بلاغية مميزة سحرت اللب وجعلتنا، ونحن نستمع لبعض قصصه، ننسى الحاضر، وكانه ساحر ياخذنا لعصور ماضية، عبر ضباب عشرات السنين، صانعاً من الاحداث التاريخية واقعاً معاشاً. وقد كنا من المحظو ظبن جداً لان هذا المدرس عرف كيف ينير الماضي بامثلة من الحاضر، وكيف يجلب من الماضي وقائع تلقي الضوء على الحاضر. ونتيجة لهذه القدرة فهم اكثر من غيره المصاعب التي نعانيها، واستغل مشاعرنا القومية لتقويمنا، مستنشداً باحساسنا بالشرف للانتماء للوطن. وبهذه الطريقة نجح في تهذيبنا بشكل افضل من أي اسلوب آخر ، هذا المدرس جعلني عاشقاً للتاريخ. وهكذا بت ثورياً بدون ان يسعى هو متعمداً لذلك. فمن يستطيع دراسة التاريخ الالماني مع استاذ كهذا بدون ان يكره الدولة التي كادت تدمر مصير الامة؟
الم نعرف ان النمسا ما حملت للالمان سوى البغضاء؟ الم نشاهد افعالهم كل يوم؟ في الشمال والجنوب كان سم الدول الاخرى يدمر جسد وطننا ، وحتى فيينا تم تحويلها لمدينة لا المانية. فقد حاولت الاسرة الحاكمة جلب سكان البلاد الاخرى، وخصوصاً التشيك، بقدر الاستطاعة، وكان مقتل السيد فرانسز فوردناد، عدو الالمان الاول، على ايديهم دلالة على عدالة الرب الازلي.

كانت الاثقال التي ناء بحملها الشعب الالماني هائلة ، اذ دفعوا المال والدم ، وبلا فائدة . ولكن ما اغضبني ادعاء ان كل هذا نتج عن علاقات متميزة بين المانيا والنمسا، تنج عنها ان الشعب الالماني تم تديره بموافقة من الحكومة الالمانية ذاتها . وكانت نتيجة هذا النفاق هو ازدياد الكرهية للحكومة الالمانية لدرجة الازدراء. ولكن حكام المانيا ما فقهوا كل هذا ، ومثل رجل اعمى، عاشوا بجوار الجثة متصورين في سكون الموت ماعة ميلاد حياة جديدة. وهذا التصور الخاطيء ادى للحرب العالمية الاولى والدمار الناتج عنها.

ادركت في هذه الفترة ان الامة الالمانية ستبقى فقط لو تم تدمير النمسا، وما هو اهم ، ان الحس القومي يتعارض كلية مع مشاعر التبجيل للملك. عرفت ان هذه الاسرة الحاكمة لا هدف لها سوى اخماد نار الامة الالمانية. ومع ذلك احببت النمسا كجزء من الوطن الام.

طبع التفكير التاريخي الذي تعلمته خلال هذه الايام ما هجرني ابداً بعد ذلك. بات التاريخ العالمي مورداً لا ينضب عرفت عن طريقه مغزى الاحداث المعاصرة. وهكذا تحولت باكراً الى سياسي ثائر.

ما كان المسرح سيئاً في شمال النمسا. فقد شاهدت المسرحيات المحتلفة في سن الثانية عشر ، وبعض اعمال الاوبرا كذلك.

كل هذه العوامل دفعتني لرفض العمل الذي اراد والدي اعدادي له . ايقنت انني لن استطيع الوصول للراحة النفسية في أي وظيفة حكومية. ساكون رساماً، ولن تقدر أي قوة في العالم على جعلي موظفاً.

ومع ذلك ، تحولت مع مرور الاعوام الى حب المعمار اكثر من الرسم.

وعلى كل حال ، فقد تدخل القدر، واصيب والدي بالجلطة، وانتهت رحلته الدنيوية، وتركنا جميعاً في حالة من الحزن العميق. لقد كان طموحه الاخير مساعدة ابنه حتى لا يعاني كما عانى ويكرر ذات الاخطاء. وان لم ينجح الا ان البذور التي زرعها لعبت دورها في خلق مستقبل لم يستطع هو – ولا انا- ادراكه آنذاك.

وقد رغبت امي في ان استمر في الدراسة كما اراد والدي. ثم اصبت بمرض ساعدني على التغلب على هذا الصراع المنزلي. اذ اكد الطبيب انني لا استطيع البقاء في مكتب ، والح على ابتعادي عن المدرسة لعام كامل. وهكذا حققت لي الاقدار الهدف الذي سعيت له.

وافقت امي مكرهة اخيراً على ان ادرس في المعهد الفني. كانت اسعد ايام العمر امامي – الا انها بقت احلاماً لان والدتي توفيت بعد وفاة والدي بعامين نتيجة لمرض قاتل اصابها على حين غرة. احترمت والدي، ولكنني احببت امي، وقد احزنني رحيلها كثيراً.

وهكذا وجدت نفسي مضطراً لاتخاذ قرارات صعبة. الاموال القليلة المتبقية كانت قد اُنفقت في علاج امي، وما قدمته الحكومة للايتام ما كان كافياً حتى لشظف العيش . وهكذا كان امامي مسؤولية الاستقلال الاقتصادي.

وضعت ثيابي القليلة في حقيبة ، وفي قلبي ارادة جديدة، واتجهت الى فيينا. مثل والدي، قررت ان انتزع من القدر مصيراً ميزاً ، وان اكون شيئاً خاصاً ، أي شيء ، باستثناء موظف حكومي.

الفصل الثاني: اعوام الدراسة والمعاناة في فيينا . . .

حين ماتت والدتي ، حدد القدر اجزاء كثيرة من مصيري المستقبلي .

خلال الشهور الاخيرة من مرضها ، ذهبت الى فيينا لاجتياز الاختيار المبدأي لدخول المعهد الفني. كنت قد اعددت بعض اللوحات ، متاكداً من ان الامتحان سيكون في غاية السهولة . فقد كنت الافضل في الفصل في مجال الرسم دائماً ، ومنذ ذلك الوقت ، تقدمت قدراتي بسرعة، فاصابني الغرور .

ومع ذلك، شعرت بالمرارة لان قدراتي على الرسم الهندسي فاقت بكثير قدراتي كرسام. وكل يوم كان ولعي بالفنون المعمارية يتزايد – خصوصاً بعد رحلة لمدة اسبوعين قضيتها في فيينا في سن السادسة عشر. وقد كان هدف تلك المرحلة هو دراسة متحف الفن، وان وجدت نظراتي تتطلع اكثر لهيكل المتحف. فمنذ الصباح الباكر وحتى المساء، تجولت في الاروقة متابعاً كل ما يشغف فكري، وان كان جل اهتامي قد انصب على المتحف ذاته. لساعات وقفت اما مبنى الاوبرا، وبدا لي المكان ساحراً مثل قصور الف ليلة وليلة.

والان كنت في المدينة الخلابة للمرة الثانية، منتظراً على احر من الجمر نتائج الامتحان. كنت متاكداً من النجاح لدرجة ان سقوطي اصابني بذهول مطبق. وجين تحادثت مع المسؤول، وطلبت منه التوضيح، اكد لي ان اللوحات التي قدمتها تشير الى عدم توافر الموهبة المطلوبة للرسم لدي، وان اكد ان مجال الرسم الهندسي هو الملائم لي ولم يصدق انني لم ادرسه البتة. مكتئباً تركت البنى، لاول مرة في حياتي غير عارف بما يجدر بي فعله.

عرفت الان انه لابد لي ن دراسة الهندسة . وكان الطريق صعباً: فكل مارفضت دراسته خلال صراعي مع والدي بات ضرورياً. ما كان ممكناً دخول كلية الهندسة بدون الشهادة الثانوية. وهكذا بدا ان حلمي الفني لن يتحقق ابداً.

حين عدت لفيينا مرة تالثة، بعد وفاة والدتي، كان الطموح والعناد قد عادا لي. قررت ان اصير مخططاً هندسياً ، وكل الصعاب كانت التحدي الذي لابد لي من اجتيازه. كنت مصمماً على مواجهة العقبات، وامامي صورة ابي، الذي بدأ حياته مصلحاً للاحذية ، وصعد بجهوده الخاصة الى موقع حكومي جيد. توفرت لدي امكانيات اكثر، وهكذا بدا ان الصراع سيكون اسهل، وما بدا لي آنذك سوء الحظ، امتدح اليوم كمساعدة القدر الحكيم. فبينما ازدادت معاناتي اليومية، ازدادت ارادة المقاومة داخل ذاتي وفي نهاية المطاف تفوقت على غيرها من العوامل . تعلمت خلال تلك الايام الشدة ، وتحولت من طفل مدلل الى رجل قُذف به الى قلب المعاناة والفقر المدقع. ومن ثم تعرفت على اولئك الذين سادافع عنهم في ايام مستقبلية.

خلال تلك المرحلة ادركت وجود خطرين مدقعين يحيطان بالشعب الالماني، وهما اليهودية والشيوعية. ولا تزال فيينا، التي يتصورها الكثيرني مدينة اللذات البريئة، تجلب لذهني اسوء صور المعاناة الانسانية التي عرفتها لمدة خمسة اعوام اضطررت خلالها للعمل ، اولاً كمستاجر يومي، ثم كرسام.

ما جلبته من مال ما كفى حتى لاشباع الجوع اليومي. كان الجوع صديقاً لي آنذاك، وما تركني للحظة، بل شاركني في كل شيء. كل كتاب اقتنيته ، وكل مسرحية شاهدتها، جعلته اقرب الي. ومع ذلك، درست خلال تلك الايام اكثر من أي فترة اخرى. باستثناء زياراتي النادرة للاوبرا التي دفعت ثمنها جوعاً ، ما كان لدي أي لذة سوى القراءة. وهكذا خلال تلك الفترة قرات كثيراً وبعمق. كل وقت الفراغ المتاح لي بعد العمل قضيته في القراءة، وبهذه الطريقة جمعت خلال بضع اعوام المعارف التي تغنيني حتى الساعة .

خلال تلك الاعوام، تكونت في ذهني صورة للعالم تبقى القاعدة التي استخدمها في كل قرار اتخذه ، وكل تصرف اقوم به. وانا اليوم مقتنع بان كل سلوكياتنا تنبع من آراء تنتج اثناء شبابنا. فحكمة النضوج تحوي الاراء الخلاقة التي ينتجها الفكر الشاب ولا يمكن تطويرها آنذاك، مضافاً لها الحذر الذي يتعلمه الانسان بالتجربة. وهذه العبقرية الشبابية ستكون الاداة الاساسية لخطط المستقبل، التي سيمكن تحقيقها فقط لو لم تدمرها تماماً حكمة النضج.

كانت طفولتي مريحة، بلا قلق يذكر. كنت انتظر مجيء الصباح، بلا أي معاناة اجتماعية. فقد انتميت لطبقة الراسمالية الصغيرة ، وكنت لهذا السبب بعيداً عن الطبقات العاملة. وبالرغم من ان الفرق الاقتصادي بين الطبقتين كان محدوداً ، الا ان الفاصل بينهما كان شاسعاً . وقد يكون سبب العداء بين الطبقتين هو ان الموظف، الذي ما استطاع الا بصعوبة ترك الطبقات العاملة ، يخشى من العودة الى تلك الطبقة المحتقرة، او على الاقل ان يتصوره الناس جزءاً منها. هناك ايضاً الذكريات المخيفة للفقر، وانعدام المعايير الاخلاقية بين الطبقات المنحطة، وهكذا يخشى الراسمالي الصغير أي اتصال مع هذه الطبقة. وهذا الصراع عادة يدمر كل شعور بالرحمة. فصراعنا للبقاء يدر عواطفنا لاولئك الذين تخلفوا ورائنا.

اشكر القدر الذي اجبرني على العودة لعالم الفقر والخوف، لان التجربة ازاحت عن عيوني غشاء نتج عن تربية الرأسمالية الصغيرة. عرفت الان معاناة الانسانية ، وتعلمت التفرقة بين المظاهر الفارغة والكائن الموجود في داخلها.

كانت فيينا التي شاهدتها احدى اكثر مدن اوربا تخلفاً. الثراء الفاحش والفقر المدقع تجاورا. في مركز المدينة وحاراتها شعرت بنبض 52 مليوناً . اما المحكمة الفخمة والمناطق المجاورة لها، وخصوصاً المباني الحكومية،

فجذبت لها الذكاء والثراء. وهذه المناطق كانت كل ما يوحد الشعوب المختلفة الموجودة في هذه الدولة. فالمدينة كانت العاصمة الثقافية والسياسية والاقتصادية. مجموعة مديرى الشركات العامة والخاصة، موظفي الحكومة، الفنانين، والمدرسين والمثقفين، عاشت في مواقع قريبة بجوار الفقراء، وواجهت جيوشاً من العمال كل يوم. خارج القصور المعروفة تشرد الاف من العاطلين، وفي ظلال اسوارها رقد من لا يملكون مسكناً.

معرفة هذه الوضاع المزرية ودراستها لن يتم من مواقع عالية : لا احد ممن لم يسقطوا في اشداق هذه المعاناة يمكن له ان يفهم الآمها. ومن حاولوا دراستها من الخارج غرقوا في لغو الحديث والعاطفة ، وانا لا ادري ان كان تجاهل الاغنياء للفقير اكثر ضرراً من افعال اولئك الذين يدعون الشفقة عليه بتكبر وغرور. والنتيجة دائماً سلبية على كل حال، بينما تزداد الوضاع سوءاً. ولا يجدر بالفقير ان يرضى بصدقة بدلاً من ان تعاد له بعض حقوقه.

لم اعرف الفقر من بعيد: بل ذقت طعم الجوع والحرمان، ولم ادرسه بطريقة موضوعية، بل خبرته داخل روحي. وكل ما استطيع فعله الان هو وصف المشاعر الاساسية، وذكر بعض ما تعلمته من هذه التجارب.

لم يكن العثور على وظيفة صعباً ، نظراً لافتقاري للتجربة. وهكذا اضطررت للعمل كمساعد عامل او كعامل باجر يومي. حلمت بالهجرة الى امريكا. تحررت من الافكار القديمة عن الحرفة والمركز، المجتمع والتراث، وسعيت وراء أي فرصة متاحة، وتقبلت أي عمل، مدركاً ان أي عمل شريف لا يجلب العار لصاحبه. عرفت بسرعة ان العمل متوفر ويمكن الحصول عليه بسهولة، ولكن يمكن ايضاً بسهولة ان يفقده المرء. بدا لي ان عدم ضمان الوصول لرغيف العيش كل يوم كان اسوء ما عانيته.

العامل المدرب لا يجد نفسه في الشارع بيسر مثل العامل غير المحترف، الا انه قد يواجه ذات المصير ايضاً. ولذلك ترى العمال يضربون عن العمل: مما يؤدي للاضرار باقتصاد المجتمع ككل.

ذلك الفلاح الذي يهاجر الى المدينة، متخيلاً سهولة العمل، وقلة ساعاته، والاضواء الكهربائية الملونة، كان قد اعتاد على نوع من الضمان بخصوص لقمة العيش. ففي القرية، لن يترك عمله الا اذا ضمن لنفسه عملاً افضل منه. ونظراً لوجود حاجة دائمة للايدي العاملة في الفلاحة، تبقى امكانيات البطالة محدودة. ومن الخطأ تصور ان الفلاح الذي يهاجر للمدينة اكثر كسلاً من ذلك الذي يبقى في عقر داره. العكس هو الصحيح: فالمهاجر عادة يكون الاكثر صحة ونشاطاً. ولذلك لا يخاف من مواجهة الصعاب. هو يصل ايضاً للمدينة ومعه مدخراته. ولذلك لا يخاف ان لا يصل للوظيفة المرغوبة من اول يوم. ولكن الامور تزداد سوءاً ان عثر على وظيفة ثم فقدها. فالعثور على غيرها، خصوصاً في فصل الشتاء، سيكون شاقاً بل ومستحيلاً . ومع ذلك، سيعيش وستعاونه الفوائد الحكومية للعاطلين. ولكن، حين تنضب هذه الموارد مع مرور الوقت، ستبدأ المعاناة الحقيقية. سيتشرد الفتى الجائع في الشوارع، وسيبيع او يرهن ما يملك، وستسوء حال ثيابه، وينحط الى مستوى مادي وروحي في غاية التعاسة. فتتسمم روحه. وان فقد سكنه في الشتاء، وهو مايحدث كثيراً ، فستكون معاناته فظيعة. وفي نهاية المطاف، سيعثر على وظيفة اخرى، ثم تتكرر ذات القصة مرة ثانية وثالثة، وشيئاً فشيئاً يتعلم عدم الميالاة، ويصير التكرار عادة. وهكذا يتحول هذا الرجل النشيط سابقاً الى كسول يستخدمه الاخرين لمصالحهم. وقد عاش حياة البطالة لوقت طويل بدون ذنب حتى ما عاد بهمه طبيعة العمل الذي يقوم به، حتى ان كان هدفه تدمير القيم السياسية الثقافية الاجتماعية. وحتى ان لم تعجبه فكرة الاضراب، فلن يبالي بها. وقد شاهدت الاف القصص المشابهة للتي اقصها. وكلما شاهدت المزيد ، ازدادت كراهيتي للمدينة الكبيرة التي تمتص دماء الرجال وتدمرهم.

فحين جاءوا فراداً، انتمى كل منه للمجتمع، وبعد اعوام، ما انتموا لاي شيء.

وانا ايضاً عانيت وعثاء حياة المدينة: شعر جسدي بصعابها وامتصت روحي معاناتها. وقد شاهدت ايضاً ان التنقل السريع بين العمل والبطالة، وما ينتج عنه من تقلب اقتصادي، يدمر شعور الفرد باهمية الاقتصاد. بدا ان الجسد يعتاد على التبذير حين يتوفر المال، ويستحمل الجوع حين انعدامه. وبصراحة، ان الجوع يقضي على أي ارادة تسعى للتنظيم الاقتصادي حين يتوافر المال لانه يضع امام ضحيته المعذبة سراب الحياة السعيدة لدرجة ان الرغبات المريضة ستدمر أي قدرة على التحكم ساعة الوصول لاي موارد. وهكذا حين يصل الرجل للمال ينسى كل افكار تتعلق بالنظام والترتيب، ويعيش حياة البذخ ويسعى وراء اللذات الانية. وغالباً ما سيكون لهذا العامل زوجة واطفال وسيعتادون جميعاً على التبذير ثلاث ليال من الاسبوع، والجوع باقيه. وفي ساعات الظهيرة سيجلسون سوياً امام الصحون شبه الفارغة، منتظرين يوم وصول المرتب، متحدثين عنه، حالمين طوال ساعات الجوع بلذات التبذير.

وهكذا يعتاد الاطفال منذ طفولتهم على هذه الاوضاع السيئة.

وقد شاهدت هذه الاوضاع مئات المرات وتقززت منها اولاً، ثم فهمت حقيقة الماساة التي يعيشها هؤلاء الناس الذين باتوا ضحايا لظروف اجتماعية سيئة. وما كان اكثر بؤساً هو اوضاع السكن السيئة . بل انني اشعر بالغضب حتى هذه الساعة حين اتذكر الغرف الصغيرة والاكواخ الخشبية المحاطة بالقاذورات والاوساخ من كل جانب. وقد خشيت ذلك اليوم المرعب، حين سيخرج هؤلاء العبيد من اقفاصهم للانتقام من قسوة البشرية عليهم.

والمسؤولون والاثرياء يتركون الامور تسير على مجاريها: وبدون أي تفكير يفشلون حتى في الشك بان القدر يخطط للانتقام من هذا الجور. اما انا فعرفت ان تحسين هذه الاوضاع ممكن بطريقتين: فلابد من وجود احساس عميق بالمسؤولية لخلق اسس افضل للتقدم ، ومعه ارادة وحشية تدمر كل ما سيقف في طريقها ويعوق تقدمها. وكما لا تركز الطبيعة جهودها في الحفاظ على ما هو موجود، بل تسعى لخلق اجيال ستقبلية افضل، سيكون من الضروري صناعة قنوات جديدة اكثر صحية منذ البداية.

تجاربي المختلفة في فينا علمتني ان المشاريع الخيرية غير مفيدة ، والمطلوب تدمير الفوضى الاقتصادية التي تؤدي الى انحطاط الافراد الخلقي. بل ان عدم قدرتنا على استخدام الوحشية في الحرب ضد المجرمين الذين يهددون المجتمع سببها هو عدم تاكدنا من برائتنا التامة من الاسباب النفسية والاجتماعية لهذه الظواهر. شعورنا الجمعي بالذنب تجاه مآسي الانحطاط الاخلاقي يشل قدرتنا على اتخاذ اقل الخطوات قسوة في الدفاع عن مجتمعاتنا. وفقط حين نتحرر من سلطة عقدة الذنب هذه سنقدر على الوصول للقوة والوحشية والضروريين لتدمير الاعشاب الضارة والافكار المارقة.

وبما ان النمسا كانت عملياً بلا قانون اجتماعي صالح، لم تكن الدولة قادرة على التعامل مع هذه الامراض البتة.

ولا اعرف حتى الساعة ما ارعبني اكثر: هل كان سوء الاوضاع الاقتصادية لمن عرفت، ام انحطاطه الخلقي، ام الضعف الفكري؟

تصور مثلاً هذا المشهد: في شقة تتكون من حجرتين سكنت اسرة عامل تتكون من سبع اشخاص. بين الاطفال الخمسة، كان هناك طفل في الثالثة، وهو السن الذي تتكون خلاله انطباعات الفرد الاولى. هناك بعض الموهوبين الذين يتذكرون هذه الانطباعات حتى ارذل العمر. مجرد ضيق الشقة وازدحامها لا يؤدي لخلق ضروف صحية ونفسية ملائمة للنمو. قد تحدث مثلاً خلافات بسيطة بين افراد كل اسرة، وعادة يذهبون كل الى حجرة مختلفة، وينتهي الامر. اما في شقة صغيرة، فكل سيرى نفسه في مواجهة الاخرين طوال الوقت. بين الاطفال، الخلاف شيء طبيعي، وهم ينسون اسبابه بسرعة. ولكن ان شاهد الاطفال الابوين في حال خصام دائم، تستخدم خلاله الالفاظ النابية، وربما العنف، فستكون النتائج سلبية. سيتصور الطفل العالم بطريقة تخيف من يقدر على تصورها. فقد تم تسميممه اخلاقياً، وما تغذى جسده كما ينبغي. ومن ثم يذهب هذا المواطن الصغير الى المدرسة. بعد صراع مضن، قد يتعلم القراءة والكتابة، اما الواجب المنزلي، فانجازه مستحيل. بل ان والديه سيقذعان المدرسة بابشع الالفاظ. كل ما سيسمعه الطفل لن يعلمه احترام مجتمعه. سيكره المدرسين وكل انواع السلطة. وحين يُطرد من المدرسة بعد ذلك، سيلاحظ الناس غبائه، وجهله ، وكذلك سوء اخلاقه. أي موقع سيستطيع هذا الشاب االيافع لوصول اليه في ظروف مثل هذه؟ كل ما لديه هو كراهية المجتمع والبشرية. وبعد هذا، في سن الخامسة عشر، سيبدأ ذات الحياة التي عاشها والده، فيذهب للخانات، ويعود متاخراً لمنزله، وينتهي به الامر في السجن.

وكم من مرة غضب الرأسمالي اذ سمع العامل الفقير يقول انه لا يهتم سواء اكان المانياً ام لا، ما دام يجد الغذاء والكساء: فقدان الشعور القومي بهذه الطريقة فظيع. كم من الالمان في عصرنا يشعرون بالفخر ان تذكروا انجازات امتهم الثقافية والفنية؟ وهل يدرك المسؤولين ان الشعور بالفخر والعزة الوطنية لا يصل الا لقلة من افراد الشعب.

لذلك لا بد من تحسين الاوضاع المعيشية ومن ان يركز التعليم على قيم اساسية تتفشى في اذهان الناس عبر التكرار.

ولكن المانيا، بدلاً من الدفاع عن القيم القليلة الموجودة، تسعى لتدميرها. والفئران التي تبث سمومها في القلب والذاكرة تنجح في الوصول لغاياتها، بمساعدة الفقر والمعاناة: يوماً بعد يوم، في المسارح ودور السينما، نرى السم يُقذف على الجماهير، ثم يتحير الاثرياء عن اسباب انحطاط القيم الاخلاقية للفقراء، وانعدام الشعور الوطني بينهم.

قضية خلق الشعور الوطني اذاً تعتمد على توفير ظروف ملائمة لتعليم الافراد لان اولئك الذين يتعلمون عن طريق الاسرة والمدرسة فقط هم الذين سيستطيعون تقدير الانجازات الثقافية والاقتصادية والسياسية لوطنهم لدرحة الانتماء لذلك الوطن. استطيع ان احارب فقط من اجل ما احب، واحب فقط ما احترمه، واحترم على الاقل ما اعرفه.

ومع ازدياد اهتمامي بالقضايا الاجتماعية ، بدات اقرء المزيد عنها ، وفتح عالم جديد ابوابه لي.

( 2 )

خلال الاعوام 1900 -1910 تغيرت اوضاعي لانني ما عدت اعمل كعامل ، بل بدات العمل كخطاط وراسم بالالوان المائية. ومع ان المال ما كان كافياً ، الا انه كفى لتحقيق طموحي آنذاك. اذ استطعت الرجوع للمنزل وانا قادر على القراءة بدون ان يدفعني التعب من عمل اليوم للنوم فوراً. بات بعض وقتي ملكاً لي.

تصور الكثيرون انني غير طبيعي : ولكنني تابعت ما اعشق، الموسيقى والعمران. كنت اجد في الرسم والقراءة كل اللذات وسهرت كثيراً حتى الصباح مع لوحة او كتاب. وهكذا كبرت طموحاتي، وحلمت بان المستقبل سيحقق امالي، وان بعد حين. كذلك تابعت قضايا السياسة وقرات المزيد عنها لانني ارى ان التفكير في شؤونها وظيفة تقع على عاتق كل مواطن يفكر. وبدون معرفة شيء عن طبيعتها لا يحق للفرد النقد او الشكوى.

ما اعنيه بالقراءة يختلف عا يقوله دعاة الثقافة في عصرنا. فقد عرفت رجالاً قراوا كثيراً ، ولكنه ما كانوا مثتقفين. نعم، هم عرفوا الكثير من المعلومات، ولكنهم ا استطاعوا تسجيلها وتنظيمها. وهكذا افتقدوا فن تمحيص القيم من الغث، والتحرر مما كان بلا فائدة، والاحتفاط بالمفيد معهم طول العمر. فالقراءة ليست غاية في حد ذاتها، بل وسيلة لتحقيق الغايات. وظيفتها الاساسية هي ملأ الفراغ المحيط بالمواهب والقدرات الطبيعية للافراد. المفروض هو ان نقدم للفرد المعدات التي يحتاجها لعمله الحياتي بغض النظر عن طبيعة هذا العمل. كذلك، يجدر بالقراءة ان تقدم رؤية معينة للوجود. وفي كلا الحالين، الضروري هو الا تتحول محتويات الكتاب الى الذاكرة بجوار كتب لاحقة، بل ان توضع العلومة المفيدة بجوار غيرها لتوضيح الرؤية الاساسية في فكر القاريء. وان لم يحدث هذا، ستتجمع المعلومات بشكل فوضوي في الذهن، بلا قيمة سوى خلق الكبرياء. فالقاريء من هذا النوع سيتصور انه قد عرف المزيد ، وان كان في الواقع يبتعد اكثر فاكثر عن الواقع حتى ينتهي المطاف به في مستشفى المجانين.. او مجلس الشعب، وهو ما يحدث كثيرا. وهو لن يستطيع اذاً الاستفادة مما قراه.

اما القاريء الناجح، فيستطيع بسرعة ادراك ما سيستفيد منه وترك الباقي. المعلومة المفيدة ستصحح الاخطاء، وتوضح الصورة الكلية. ثم، حين تضع الحياة سؤالاً امام القاريء، ستعرف ذاكرته كيف تجلب الاجزاء المطلوبة للاجابة، وتقدمها للعقل حتى يختبرها ويتحقق بشانها، حتى تتم الاجابة على السؤال. وهذه هي القراءة المفيدة. ومنذ صباي حاولت القرائة بهذا الاسلوب، وفي هذا المسعى عاونني الذكاء والذاكرة. اما تجارب الحياة اليومية فقد دفعتني لقراءة المزيد والتفكر بشانه. وفي هذا السعى عاونني الذكاء والتجارب. وهكذا وجدتني اخيراً قادراً على الربط بين النظرية والواقع ، وعلى اختبار النظرية في ظل الواقع، ونجوت بهذه الطريقة من الكبت الذي تخلقه النظرية لمن لا يعرف سواها، ومن التفاهة التي يحياها من لا يعرف سوى الواقع اليومي المعاش.

خلال تلك المرحلة دفعتني تجارب الحياة الى دراسة سؤالين آخرين، كانت الماركسية احدها. فما عرفته عن الفكر الديمقراطي كان قليلاً وغير دقيق. آنذاك، اسعدتني فكرة الصراع من اجل حقوق الانتخاب. فحتى في ذلك الزمن الباكر، ادركت بان هذا سيضعف من سطوة السلطة الجائرة في المنسا. وكلما زادت اللغات المستخدمة في مجلس الشعب النمساوي الذي بات مثل – بابل – بدا تشتت تلك الدولة الحتمي وشيكاً ، ومعه ساعة تحرر الشعب الالماني.

نتيجة لكل هذا، لم اتضايق من حركات الديمقراطية الاجتماعية. بل ان ادعائاتها بمساعدة الطبقات الفقيرة بدت لي من العوامل التي وقفت في صفها. ولكني رفضت في هذه الحركات عدائها لكل محاولات المحافظة على الشخصية الالمانية، ومغازلتها “للرفاق السلاف”، الذين ما تقبلوا من افكارها الا ما سيستفيدوا منه، وتركوا الباقي باحتقار تام.

حدث لقائي الاول مع هذه الحركات خلال عملي كعامل بناء.

وكانت التجربة سيئة منذ البداية: كانت ثيابي نظيفة، ولغتي جيدة، وسلوكي حذراً. كنت لا ازال اسعى وراء مصيري لدرجة تجاهل الناس حولي. بحثت عن العمل فقط خوفاً من الجوع، وللاستمرار في الدراسة. ربما ما كانت القضية ستهمني البتة لو لم يطلبوا مني في اليوم لرابع الانضمام لتجمعهم. ونظراً لجهلي بالموضوع، رفضت موضحاً انني لا اعرف ما يكفي عنهم للانضمام اليهم. ربما لهذا السبب لم يعادونني ، بل ورغبوا في اقناعي بالانضمام الى صفوفهم. ولكنني خلال الاسبوعين القادمين عرفت افكارهم جيداً، وما عاد باستطاعتي البتة الانضمام لمجموعة بغضتها.

ساعة الظهيرة حين كنا نتناول الطعام في الحانة: كنت اشرب الحليب وآكل الخبر في زاوية متطلعاً لهم بحذر او متاملاً حظي السيء. وهكذا استمعت لهم، بل انهم جاءوا بجواري حتى استمع واتخذ موقفاً. وما كان امامي منفذ آخر لان ارائهم اغضبتني جداً: قالوا ان الحس الوطني نتج عن اعلام الطبقات الراسمالية، وانه عبارة عن سلاح يستخدمه الاثرياء لاستغلال العمال، والمدرسة ليست سوى مؤسسة لانتاج العبيد واسيادهم، اما الدين فادعوا انه اسلوب لتخدير الشعوب حتى تسهل السيطرة عليهم، والاخلاق ليست سوى دلالة على الغباء. ما كان هناك ما لم يلقونه في الوحل. في البداية لذت بالصمت، ولكنني سرعان ما بدأت باتخاذ مواقف فكرية مخالفة، وقرأت فكرهم وناقشتهم بشانه. واستمر النقاش حتى قرروا استخدام سلاح يقهر العقل بسهولة: وهو البطش والارهاب. وهكذا طلبوا مني الذهاب وهددوني بانهم سيلقونني في لخارج ان رفضت. وهكذا خسرت عملي، وفي نفسي سؤال مرير: هل هؤلاء فعلاً بشر؟ وهل يستحقون شرف الانتماء لامة عظيمة؟ وكان السؤال صعباً. وان كانت اجابته بالايجاب، فان الصراع في سبيل القومية لن يستحق التضحية والمعاناة، اما ان كانت الاجابة بالنفي، فان امتي ستفتقر بالفعل للانسان.

ومن المؤكد ان ملايين العمال بدأوا برفض الحركات اليسارية ، ولكن الراسماليين ذاتهم دفعوهم لاحضانها بطريقة مجنونة: اذ ان الاثرياء رفضوا كل محاولات تحسين اوضاع العمال، سواء اكان الهدف تحسين الاوضاع الصحية في المصانع عبر تطوير الالات، او منع عمالة الاطفال، او حماية المرأة الفقيرة اثناء فترة الحمل. وقد كان رفض هذه الافكار مخزياً بالفعل، ودفع العمال لاحضان اليسار. ولن تستطيع الراسمالية ابداً التحرر من اضرار رفضها للاصلاح الذي بذر الكراهية بين الغني والفقير ودفع بالعمال الى الاحزاب اليسارية.

خلال تلك الفترة، رفضت ايضاً اتحادات العال، وان كنت خاطئاً في هذا الاتجاه. ففي سن العشرين عرفت ان الاتحاد العمالي سعى للدفاع عن الحقوق الاجتماعية لهذه الطبقة، وان هدفه الاساسي كان تحسين اوضاعها الاجتماعية. فالعامل لا يستطيع ان ما رضي بعمله، استبداله بآخر. فاما ان يكون تحسين الاوضاع الاجتماعية في مصلحة المجتمع او لا يكون. وان كان ، فلابد من الصراع لتحسين هذه الاوضاع. ولكن العامل لا يقدر وحيداً على مواجهة قوة الراسمالي الثري. ولذلك كانت الاتحادات ضرورية . ولكنها منذ بدايات القرن العشرين بدات تفقد دورها الاجتماعي الاساسي ، ومع مرور الاعوام تحولت الى سلاح تستخدمه الاحزاب الشيوعية في صراعها الطبقي. وهكذا بات هدفها تدمير اقتصاد المجتمع، وتغييره، بدلاً من اصلاح الاوضاع السيئة – التي كان اصلاحها خطراً اذ انه قد يقنع العمال بتقبل اوضاعهم، ولا يسمح للشيوعيين باستغلالهم بذات الطريقة البشعة. تطلع زعماء الاتحادات بخوف لامكانيات الاصلاح لدرجة انهم رفضوا أي محاولة للتغيير للافضل، وهاجموها يقسوة شديدة. ثم تقدموا بطلبات مستحيلة ما كان للراسماليين بد من رفضها، ثم ادعوا ان هناك مؤامرة لتدمير العمال واستغلالهم. ونظراً لضعف قدرات هذه الطبقة الفكرية، ما كان النجاح صعباً.

وهكذا عرفت طبيعة العلاقة بين هذه العقيدة المدمرة والطبائع الحقيقية لاناس ما عرفت بعد أي شيء عنهم. وقد كانت معرفتي باليهود فقط هي ما اوضح لي الطبيعة الحقيقية الخفية لنشاطات اتحادات العمال، الديمقراطية ظاهراً، الشيوعية في الخفاء.

لا اتذكر بالضبط متى بدات بالتفكير بشكل جدي بالقضية اليهودية. لا اعتقد انني استمعت لهذه الكلمة في منزلنا اثناء طفولتي. اعتقد ان والدي كان سيتضايق من الاهتمام بهذه القضية بل ويعتبر التركيز عليها نوعاً من انواع التخلف. وبسبب تجاربه المختلفة، وصل لنوع من العالمية التي، بالرغم من وطنيته، اثرت على بشكل ما. وما رايت في المدرسة ما دفعني لتغيير افكاري. واتذكر الان وجود شاب يهودي معنا في المدرسة، ولم نكن نثق به بسبب تسريبه للاخبار من شخص لآخر. ولكن هذا لم يدفعني للتفكير بالامر بشكل جدي.

في سن الخامسة عشر، استمعت لحوارات دينية وسياسية تناولت القضية اليهودية، ولكني ضقت ذرعاً بها نظراً لطبيعتها الدينية. كان هناك بعض اليهود في لينز. ومع مرور القرون، تغيرت طباعهم ومظهرهم لدرجة انني اعتبرتهم الماناً. ياللبلاهة! تصورت انه لا فرق بيننا وبينهم سوى الدين. حقيقة معاناتهم للاضطهاد بسبب دينهم، كما تصورت واهماً ، دفعتني للغضب حين سمعت الناس ينتقدونهم.

ثم جئت الى فيينا.

وبسبب اهتمامي بالمعمار والصعاب التي واجهتها، لم الاحظ وجود مئتا الف يهودي بين المليونين الذي يقطنونها. غمرتني الافكار والقيم الجديدة. وفقط مع عودة الوعي والتروي وضحت الرؤية. في البداية ، اغضبتني للغاية انتقادات بعض الصحف المحلية لليهود، وتصورت انها رجعة لتطرف العصور الوسيطة. وبما ان المجلات المعنية ما كانت حسنة السمعة، تصورت ان القضية لا تزيد عن كراهية وحسد. واكد صحة هذا الراي الاسلوب النبيل الذي استخدمته الصحف الكبيرة في الرد على هذه الاتهامات، او رفضها احيان كثيرة مجرد التعليق عليها، وقتلها بالصمت المطبق.

قرات الصحافة الدولية واذهلني وسع افقها ومواضيع مقالاتها. احترمت سموها الفكري، وان ضايقني احياناً ما اعتبرته نوع من النفاق على حساب الحقيقة. فقد رايت مغازلة هذه الصحف للسلطة. وما حدث امر يتعلق بالحكومة، الا ووصفوه بحماس منقطع النظير. وفي ذات الان، كانوا احياناً يهاجمون الحكومة القيصرية في المانيا. كانت موضوعيتهم اذاً عبارة عن احترام مصطنع لاتفاقية بين دولتين. شعرت بسطحية هذه الصحافة، وبدات الاحظ نقاط ضعفها. قراتها الان بحذر، ولاحظت ان الصحافة المعادية لليهود، كانت اكثر صراحة احياناً. بل ان بعض ما نُشر على صفحات الاخيرة كان يدفع للتفكير.

وفي يوم لاحظت يهودياً في شوارع فيينا وتطلعت له متسائلاً: هل هذه الرجل الماني؟ كالعادة قمت بالقرائة عن هذا الموضوع، وكانت الكتب سيئة. الكتاب تصوروا ان القاريء يعرف كل ما هو ضروري عن اساسيات الموضوع، وجله قدم افكاراً غير علمية البتة. تراجعت، وخشيت ان تتكون لدي اراء غير عادلة بهذا الشان.

ما بات واضحاً لي هو ان اليهود ما كانوا الماناً ، بل شعباً خاصاً. فمنذ ان بدأت بدراسة الموضوع بت الاحظهم. وكانت تصرفاتهم واخلاقياتهم واشكالهم تخالف تماماً الالمان العاديين. بل اننني عرفت ان هناك بينهم حركة تدعى الصهيونية تؤكد على انهم شعب خاص. وكان واضحاً ان بعضهم وافقوا على هذه الفكرة، وعارضها آخرين. ولكن المعارضين للصهيونية بدوا لي كاذبين لانهم ما رفضوا الصهاينة كمارقين، بل كيهود يقدمون افكاراً خطيرة واساليب ضارة للتعبير عن هويتهم الدينية. وهكذا كانوا جميهاً جسداً واحداً ، الصهاينة وغيرهم.

خلال فترة قصيرة تقززت من الحوار بين اليهود الصهاينة واليهود غير الصهاينة لان الحوار بدا لي مبنياً على خداع كاذب لا يتلائم مع السمو الخلقي والطهارة التي يدعيها الشعب المختار لنفسه.

ثم لاحظت ايضاً الدور الذي يلعبونه في الحياة الثقافية: ولا ادري هل يوجد اي نوع من انواع الفساد الاخلاقي والثقافي بدون ان يكون احدهم وراءه. لاحظت دورهم في الصحافة، الفن، الادب ، المسرح. لم احتاج سوى لقراءة الاسماء وراء كل انتاج يسعى لهدم البنية الاخلاقية للمجتمع، وفي جميع الميادين. ان انتجت الطبيعة واحداً مثل جوثة، فهناك مقابله الاف من هؤلاء الذين يبثون السموم في ارواح الناس. وبدا كأن الطبيعة قد خلقت اليهود للقيام بمثل هذه الادوار.

تسعة اعشار القذرات في ميداني الادب والمسرح انتجها الشعب المختار، وهم لا يزيدون عن 1% من السكان. اما الصحافة الدولية التي احببتها يوماً فكان غالب كتابها منهم. ادركت الان ان اسلوبهم الموضوعي في الرد على مهاجميهم ، والتزامهم الصمت احياناً، ما كانا سوى خداعاً يهدف للسيطرة على الناس. لاحظت ان الاعمال المسرحية والادبية التي يمتدحونها هي التي يقدمها اليهود، اما الاعمال الادبية الالمانية، فانتقدوها دائماً بقسوة بالغة. ما اختبا وراء الوضوعية المصطنعة كان العداوة الشديدة لكل ما هو الماني.

ولكن ، لمصلحة من كان كل هذا؟

هل كان كله محض صدفة؟

بت غير واثق شيئاً فشيء.

ثم لاحظت الاخلاقيات اليهودية في الشارع. علاقتهم بالدعارة، بل وباستعباد البيض، كان واضحاً جداً في فيينا. وهكذا حين ادركت ان اليهودي هو ذلك المرابي البارد القلب، المنعدم الحياء، الذي يستثمر امواله في هذه التجارة الفاسدة التي تدمر المجتمع، ارتعشت اطراف جسدي.

بدات بمناقشة القضية اليهودية، وتعودت ان اراهم في مختلف فروع الحياة الثقافية. ولم استغرب حين عرفت ان زعيم الحزب الديمقراطي الذي تحدثت عنه اعلاه كان يهودياً.

وحتى في علاقاتي اليومية مع العمال، لاحظت قدراتهم المذهلة على تقبل اراء متعاكسة، متذبذبين بين اتجاه واخر احياناً خلال ساعات او ايام محدودة. لم استطع ان افهم كيف يمكن لاناس، حين تتحدث مع احدهم ، يبدو لك منطقياً واقعيا، ان يتحول فجاة تحت تاثير رفاقه لاراء معاكسة لكل منطق. احياناً شعرت بالياس التام المطبق. فبعد ساعات قضيتها في حوار مضني، شعرت بانني ساعدت في تحرير احدهم من هراء آمن به، وسعدت لنجاحي، ولكني سمعته يكرر ذات الهراء ثانية صباح اليوم التالي، وذهب جهدي هباء.

فهمت انهم ما كانوا قانعين باوضاعهم وبغضوا القدر الذي عاملهم بقسوة شديدة ، والرجال الذي بخسوهم الاجر وما فهموا معاناتهم، وانهم تظاهروا ضد ارتفاع الاسعار، كل هذا كان مفهوماً. ولكن ما لا افهمه كان كراهيتهم لجنسهم ووطنهم، واحتقارهم له، وتدميرهم لتاريخه. كان هذا الصراع ضد جنسهم وقبائلهم وبلادهم تدميراً للذات. وان امكن معالجتهم منه، فلساعات محدودة.

ثم لاحظت ان صحافة الديمقراطيين تحكم فيها اليهود: ومع ان ظروف العمل في هذه الصحف شابهت غيرها، الا انني لم اجد بينها واحدة يمكن اعتبارها حسب رؤيتي الخاصة، وطنية. كانت الصحافة التي يديرها اليهود شيوعية في العادة، واسعدني هذا. اذ عرفت ان الحزب الذي كنت اتصارع معه منذ شهور كان اجنبياً، فاليهود ما كانوا ابداً المانا.

عرفت الان من اغوى شعبنا لطريق الظلال.

عرفت ايضاً ان انقاذه ممكن.

اما اليهودي، فارائه الضالة لا تتغير ابداً.

فقد حاولت آنذاك مناقشتهم: تحدثت كثيراً واوضحت شرور الفكر الماركسي، ولكن بلا فائدة سوى ان يبح صوتي. واحياناً ،حين نجحت في اصابة احدهم بضربة فكرية مميتة، وشاهد جميع السامعين هذا، واضطر غريمك للموافقة، فانه سيعود صباح اليوم التالي لموافقه ذاتها، وكان أي تغيير لم يحدث.

وكان لكل هذا فائدة: فكلما فهمت اساليب اليهود وخداعهم بشكل افضل، زاد عطفي على العمال وادركت انهم ضحايا لهذه الاساليب واغوائها.

تراجعت عن الافكار الدولية وبت ناقماً على اليهود. وحين درست نشاطاتهم عبر القرون، تسائلت : هل كتب القدر لهم التوفيق والسيطرة على الاخرين، لاسباب لا نعرفها؟ هل يمكن ان يكون النصر حليفاً لامة ما عاشت الا للدنيا؟

تفكرت مرة اخرى في عقائد الماركسية ، وتعلمت اشياء جديدة: ان هذه العقيدة ترفض فكرة الصفوة الارستقراطية الموجودة في الطبيعة وتستبدل القوة الفكرية بالكثرة العددية. وهي لهذا السبب ترفض أي قيمة فردية، وتعارض الفكر القومي، وتسحب من الانسانية ثقافتها. انها فكرة كفيلة بتدمير أي حضارة، وان انتصر اليهودي بمعونة هذا الفكر، فان نصره سيكون الدمار النهائي للانسانية.
ولذلك اشعر انني اتصرف بمعاونة الخالق العظيم ومن اجل تحقيق اهدافه السامية لمصلحة البشرية حين ادافع عن نفسي ضد اليهودية واعلن الحرب عليها.