أ.د. أحمد محمد وهبان

العلاقات الدولية / واحترام العهود والمواثيق في الإسلام

كاتب الموضوع الأصلي: منصور العتيبي 3332

احترام العهود والمواثيق مبدأ صريح شدّد عليه الإسلام. وإذا ساءت العلاقات بين المسلمين وغيرهم فالطريق المتعين هو المسالمة والموادة والمعاهدة والتسوية السلمية. واسترداد حقوق المسلمين يتطلب المقاومة طبعاً، ولكن يتطلب إلى جانب ذلك ثلاثة أمور أساسية هي: الاعتراف المتبادل المتكافئ بين الدول، والاعتماد على الثوابت في إغناء الحوار، وتفعيله، والموضوعية والحياد في الوسطاء.
والإسلام في تشديده على حفظ العهود والمواثيق ألزم بالوفاء حتى بأحلاف الجاهلية ذات الطابع الخيّر الإنساني الرفيع.

تقديم
واقع العلاقات الدولية المعاصرة بين المسلمين وغيرهم ليس ذا صفة حسنة، لأن هذه العلاقات تميزت بالاضطراب واهتزت معايير الاحتكام فيها، وحار المفكرون والعقلاء في شأنها، فبدلاً من ضرورة تنميتها والتزامها وتتويجها بقيم الحق، والعدل، والسلام، والاعتدال، واحترام العهود والمواثيق، وأصول الأخلاق، ورعاية حقوق الإنسان سواء للفرد والدولة، واستقلال الأوطان، والدفاع المشروع عنها، وموازين الشريعة الإلهية والدولية، أصبحت هذه القيم تتعرض للهزات والنكسات، والعودة إلى الوراء، والاغترار بالقوة الجبارة، والاتصاف بالاستكبار العالمي، وسيطرة الأهواء والنزعات الخاصة، والتفسيرات الغريبة، والعصف بكل ماورثته الإنسانية، وقرره الحكماء، وأكدته التجارب العلمية، واستفاده البشر قاطبة من هدي الوحي الإلهي ورسالات الأنبياء الخالدة.
وكأن الحق صار باطلاً، والعدل ظلماً، والاعتدال تهوراً، والسلام بطشاً وحرباً مسعورة، والاستقلال تبعية، ومقاومة المحتل إرهاباً، والعهود والمواثيق حبراً على ورق، والأخلاق والفضائل رذائل وعيوباً، والمواثيق والمفاهيم الدولية غائبة عن الوعي والحسّ، وحقوق الإنسان مهدورة أو مجرد شعارات لحماية مصالح وأطماع الأقوياء والمستكبرين والمتهورين، والحوار الحضاري المتعدد الأنحاء أضحى صراعاً عنيفاً وتوتراً موجّهاً.
ولم يعد هناك أي تقديس للمفهوم الديني الصحيح، وأصبحت المقدسات والمعابد مجرد مبان حجرية لا حرمة لها ولا اعتبار أو احترام لروادها إلا في أذهان أتباعها، لأن العداء الديني، والتعصب الممقوت، والأحقاد السوداء طمس الحقائق كلها، وأعلن المخربون والمدمرون ودعاة الإباحية والفوضى بكل وقاحة أن هذه المقدسات لا قيمة لها، فليس لها في أنظارهم أي تقديس أو تعظيم وحماية.
فهل من صحوة تعيد الحق لنصابه، والأوطان لأهلها، والكرامة الإنسانية للشعوب المستضعفة، وتصان الثروة لأصحابها؟!
أو هل يبقى النفوذ والسيطرة والاستعلاء لمن يملك القوة وحدها، ويزيّف المعايير، ويقلب المفاهيم، ويفسر المبادئ لصالحه وأعوانه؟
نحن – المسلمين المؤمنين إيماناً ثابتاً راسخاً كالجبال الشامخة – نعرف بأن هذه الهزة العنيفة الآنية للعلاقات الدولية، ولاسيما بين المسلمين وغيرهم مجرد غمامة سوداء، لابد من أن تزول، فإن الخلود والبقاء للحق لا للباطل، وللصدق لا للكذب، وللعدل لا للظلم، وللإيمان بالله الواحد القهار لا للشيطان والإلحاد والضلال والأهواء.
ويقيننا ثابت قاطع بأن العلاقة بين المسلمين وغيرهم، إن اعتراها شيء من التشويه والتزييف والأباطيل، فإن كل ذلك غبار لا يحجب ضوء الشمس الساطعة.
إننا جازمون بأن كل علاقة اجتماعية وإنسانية كريمة سوف يكتب لها النصر والبقاء، وهذا ما يدعونا إلى صياغة واضحة للعلاقات الدولية بين المسلمين وغيرهم، من خلال التصورات والمنطلقات الإسلامية والثوابت الإلهية. ويكون التعرف على المحاور العلمية في هذا البحث سهلاً فيما يأتي:
ـ نمط العلاقات الدولية في العصر الحاضر.
ـ طبيعة العلاقات الخارجية في ضوء الإسلام.
ـ ضرورة تنمية العلاقات الدولية وتصحيحها بما يحقق الخير للإسلام والإنسانية.
ـ وجوب احترام العهود والمواثيق في الإسلام ومقارنته بالأعراف الدولية السائدة.

نمط العلاقات الدولية في العصر الحاضر:
فكرة العائلة أو الأسرة الدولية تحددت منذ مؤتمر وستفاليا سنة 1648م عقب انتهاء العصور الوسطى 1453م، وكانت مقصورة في أول الأمر على دول غرب أوروبا، ثم انضمت إليها سائر الدول الأوروبية المسيحية، ثم شملت الدول المسيحية غير الأوربية، ثم اتسعت في سنة 1856م، فشملت تركيا – الدولة الإسلامية، ودولاً أخرى غير مسيحية وإنما هي بوذية كاليابان والصين، أو هندوسية كالهند.
وأركان الدول الحديثة ثلاثة: الإقليم أو الوطن، والشعب، والسيادة العليا السياسية أو السلطة، فصارت الإقليمية ذات الحدود المعيَّنة في أرض محدودة، هي السمة البارزة لهذه الدول، وتتطلب الاعتراف بها أو إقرار الدول المنضمة لهيئة الأمم المتحدة بها، وعددها الآن (165)، دولة منها (56) دولة إسلامية.
ويتضمن الاعتراف بكل دولة ناشئة احترام استقلالها ومنع الاعتداء عليها، ولها الحق بمقتضى ميثاق الأمم المتحدة الدفاع عن شعبها وأراضيها، فذلك حق من حقوق الدولة الطبيعية المعترف بها في القانون الدولي المعاصر، وهي حق البقاء وحق الدفاع الشرعي، وحق المساواة وحق الحرية، وحق الاحترام المتبادل (1).
وقد قبلت الدول الإسلامية بهذه الحقوق، وانضمت إلى الأمم المتحدة، ولم يعد مشروعاً لأية دولة الاعتداء على أراضي دولة أخرى أو ضم أراضيها بالقوة أو الاحتلال العسكري، إلا إذا أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة أو مجلس الأمن الذي تهيمن عليه الدول دائمة العضوية والتي لها حق الفيتو (النقض) (2) مشروعية التدخل للسلامة الإجماعية أو الدفاع عن الإنسانية في حالة اضطهاد دولة للأقليات من رعاياها(3). وليس منها الآن احتلال أفغانستان أو العراق أو فلسطين.
وليس الجهاد المفروض في الشريعة الإسلامية أو حق المقاومة في حالات ثلاث
إلا صورة من صور الدفاع المشروع، وهذه الحالات هي:
أـ حالة الاعتداء على دعاة الإسلام، انطلاقاً من مبدأ أو حق الحرية الدينية المعترف به دولياً في ميثاق الأمم المتحدة، وهو المصرح به في القرآن الكريم: (لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ( (البقرة:256).
ب – الحرب المناصرة للمظلومين أو المستضعفين، وليس هذا تدخلاً في شؤون الغير، لأن التدخل اعتداء، والاعتداء محرم دولياً، لأن هذا التدخل مشروع في حال الدفاع عن الإنسانية، كما تقدم، أو عن الحقوق المغتصبة، أو بسبب الاعتداء على رعايا الدولة
أو الشعب المقهور كأهل فلسطين.
ج – الدفاع عن النفس أو الوطن، أو لصد عدوان أجنبي غير مشروع، أو احتلال بعض أراضي الدولة أو محاولة طرد السكان الأصليين من ديارهم وممتلكاتهم.
وتدخل هذه الحالات في مشتملات الآية القرآنية:(وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ( (البقرة:190).

طبيعة العلاقات الدولية الحديثة:
العلاقات الدولية بين مجموعة الدول الحديثة قائمة على أساس من الاعتراف بالدولة، والاحترام المتبادل، ولكل دولة حق المساواة مع الدول الأخرى، ولها سيادة أو سلطة عليا على أراضيها وشعبها، وفيها سلطات ثلاث: تشريعية وقضائية وتنفيذية (4)، ويعني ذلك الاعتراف باستقلال كل دولة على حدة، ولا يسمح لأية دولة بالتدخل في شؤون دولة أخرى، ويكون الاستعمار البغيض مرفوضاً جملة وتفصيلاً، وإنما لابد من احترام مقتضيات السلم والأمن الدولي، وهذه نظرة حضارية رفيعة، وإنسانية رشيدة، ولها أهميتها الملموسة من أجل رقي واستقرار الشعوب والأمم، وتمكين كل دولة من حل مشكلاتها وقضاياها بنفسها.
وتهيئة هذا المناخ السلمي والأمني يجعل العلاقات الدولية الخارجية قائمة على أساس من التعاون والتضامن والتكافل بين الأقوياء والضعفاء، والإسهام في مساعدة أية دولة تتعرض لكوارث طبيعية من زلازل وبراكين وأعاصير وفياضانات وأمراض فتاكة وغير ذلك.
وهذا ما قرره القرآن الكريم في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ((الحجرات:13).
ويؤكد القرآن الكريم على أن رسالة الإسلام هي الرحمة العامة بالعالمين في آية:
(وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ( (الانبياء:107).
وأصول التعاون الدولي بين المسلمين وغيرهم في خارج العالم الإسلامي هي المبادئ الدولية المعروفة وهي الحفاظ على السلام العالمي، والوفاء بالعهد والميثاق، واحترام كرامة الإنسان والحفاظ على حقوق الإنسان، والتزام معايير الأخلاق الكريمة والفضائل الإنسانية السوية، والتعامل بين المسلمين وغيرهم على أساس من المحبة والود، والرحمة، والعدالة، والحرية والمعاملة بالمثل.
وما أعظم التوجيه القرآني في هذا السبيل في حال وجوب التزام العدل مع الآخرين، حتى ولو كانوا أعداء، في قوله تعالى: ( وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ( (المائدة:8) أي لا يحملنكم بغض قوم وكراهيتهم على إلحاق الظلم بهم وترك ظاهرة العدل معهم، فالعدل أوجب وأقوم وأرضى لله ورسوله.
أما الكرامة الإنسانية: فهي مصونة في الإسلام، سواء في داخل الدولة أو خارجها، لعموم قول الله تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ …( (الاسراء:70) ، وتكريم الإنسان في شريعة الإسلام يشمل حالتي الحرب والسلم على السواء.
والمعاملة بالمثل المعروفة دولياً مقيدة في الإسلام بالتزام السمو الخلقي والأدبي الكريم، فلو ارتكب العدو ما يسمّ هذه القيم الخلقية والمبادئ السامية كالتمثيل بالقتلى أو التعذيب الوحشي، أو قتل الأسرى، أو تجويعهم وإهانتهم، أو الاعتداء على الأعراض ونحوها، أو معاملتهم معاملة غير كريمة، فإن الإسلام يمنع أتباعه من مجاراتهم أو مبادلتهم بما يكون دنواً أو حطّة في الأخلاق والمعاملات، لأن مبدأ المعاملة بالمثل في شريعة الإسلام مقيد باعتبارات الفضيلة وتقوى الله (عزوجل)، ومن أمثلة ذلك:
«.. ولا تغدروا ولا تمثلوا»(5). فقد نهى النبي(ص) عن التمثيل بالقتلى. وجاء في وصية أبي بكر الصديق لقائد جيوشه يزيد إلى الشام: «وإني موصيك بعشر: لا تقتلن امرأة، ولا صبياً، ولا كبيراً هرماً، ولا تقطعن شجراً مثمراً، ولا تخربن عامراً، ولا تعقرن شاة ولا بعيراً إلا لمأكلة، ولا تحرقن نخلاً، ولا تغرقنه، ولا تغلل ولا تجبن»(6) ومثل ذلك وصية الخليفة الراشدي عمر بن عبدالعزيز إلى عامله أو واليه.
السلام العالمي والأمن الدولي:
الإسلام دين السلام العادل والأمن والاستقرار، ونبذ الحروب، والدعوة إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة ، لأن دعوته العالمية لا تنتشر إلا بأرضية راسخة من السلم والتفاهم والإقناع، ولأن الإسلام دين الفطرة السليمة الوادعة الهانئة التي تتلقى العلوم والمعارف، وتكتسب الخبرات والمهارات، وتبني كل مقومات الحضارة والمدنية ليعيش الإنسان في هناءة ورخاء واستقرار.
غير أن الإسلام عزيز قوي منيع لا يقبل لأتباعه إلا العزة والقوة والكرامة، وصون الحقوق، وإقامة صرح العدل، على قاعدة وطيدة من السلم، وقائمة على أساس المساواة مع الآخرين، فلا يتوافر السلام من جانب واحد، وإنما من الجميع، ويستحيل أن يسمى هذا السلم الذي يكون لصالح الأقوياء والمتسلطين والغاصبين والمعتدين سلماً عادلاً أو صحيحاً متزناً ومستقراً، فيكون الدفاع عن الحقوق والمستضعفين واجباً مقدساً وشريفاً، وهو ما يقره العقلاء وتعترف به الشرائع الدولية، لذا كانت المقاومة للمحتل حقاً مشروعاً من غير أي شك.
فإن امتنع العدوان من الآخرين، ورفع الضرر والظلم، وتوقف الأعداء عن أطماعهم وتدخلاتهم المتكررة في التاريخ، كان المسلمون أشد الناس احتراماً لقاعدة السلم والأمن الدوليين، كما تقدم، بل وإشاعة المودة المتبادلة، وغرس المحبة والثقة، وانتزاع
فتيل الحرب.
ومن أجل هذا كان الأصل الطبيعي أو القاعدة العامة بين المسلمين وغيرهم هو السلم وليس الحرب، فالله هو السلام، وتحية المسلمين على الدوام السلام، والجنة دار السلام، والدنيا مهد السلام، ودعوات جميع الأنبياء والمرسلين هي دعوة الحق والعدل والسلام، والقيم العليا القائمة أساساً على الوسطية والاعتدال.
وما أكثر النصوص التشريعية في القرآن الكريم الداعية والآمرة بالسلام، وأن الحرب استثناء، وأن العالم كله كما قرر الإمام الشافعي دار واحدة، وتقسيمها إلى دارين أمر طارئ بسبب نشوب الحرب، وهو عين ما قرره فقهاء القانون الدولي: يترتب على قيام الحرب وجود فريقين: متحاربين، ومسالمين أو محايدين.
ومن آي القرآن الكريم الآمره بالسلام قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ( (البقرة:208)، وقوله تعالى: (وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ( (لأنفال:61). وقوله (عزوجل):
( فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً( (النساء:90) (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ( (الممتحنة:8).
والسلم في هذه الآيات: الصلح والسلام ودين الإسلام الحق المنسجم مع العقل والمنطق والحكمة والقيم السامية، واللفظ يشمل جميع معانيه التي يقتضيها المقام(7).
ولماذا ينكر الأعداء الاقوياء على المسلمين حقهم في الدفاع عن أنفسهم وأوطانهم وهم يتدخلون صراحة في شؤون الدول والشعوب الأخرى، ويعيثون في الأرض فساداً، ويشنون حروباً ظالمة على غيرهم من المسلمين ويحتلون دولهم، وينهبون ثرواتهم، ويدمرون تاريخهم وحضارتهم، تحت مظلة ما يزعمون من مقاومة الإرهاب، والإرهابيون مجرد أفراد لا يحتاجون لحرب دولية؟ وهل نجحت هذه الحروب وتحالف أمريكا مع دول كثيرة في أوروبا وغيرها بالقضاء على الإرهاب بعد أربع سنوات؟ إن كل هذه الحروب الضروس إنما هي في الدرجة الأولى لخدمة مصالح إسرائيل والصهاينة الغاصبين، ولتحقيق سيطرتهم وبسط نفوذهم على العالم، وتفردهم بتوجيه الآخرين من منطلق زعامة أو سيادة القطب الواحد، وإقامة إمبراطورية عالمية فريدة متحكمة في شؤون الدول الأخرى المستضعفة أو الموالية لهم خوفاً أو مجاملة على حساب العالم الإسلامي.
وتؤكد السنة النبوية مضمون الأوامر القرآنية الآمرة بالسلام لنبي الرحمة العامة بالعالم، وكذلك واقع الأنظمة الإسلامية وتاريخ المسلمين.
فمن النصوص النبوية: قولـه(ص): «أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف»(8) أي من أجل الثبات في المعارك الحربية التي تتطلب القوة والبأس والشجاعة، كما هو معلوم من طبيعة الحرب وحب الانتصار.
وأما تاريخ المسلمين في العهد النبوي والخلافة الراشدية والأموية والعباسية وغيرها: فواضح من تتبع هذا التاريخ، أنه لم يكن المسلمون يوماً ما المهاجمين المبتدئين بالاعتداء أو الحرب، وإنما كان غيرهم هم الذين اعتدوا على المسلمين، وشنوا عليهم الحروب، ويعذر بعض القادة المسلمين في الرد الحاسم على الأعداء إن فتحوا جبهة حربية في مواقع متعددة غير مباشرة مثل مصر والمغرب العربي، فتلك استراتيجية عسكرية مشروعة ومعلومة.
وأما الآيات الداعية إلى القتال على الإطلاق مثل: ( وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ( (التوبة:36) ومثل: (قَاتِلُوا الَّذِينَ
لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِر( (التوبة:29) فهي كما صرح النص فيهما في حال الحرب المعلنة من العدو، أو قيام حالة الحرب، والحرب لا تعرف عادةً الهوادة أو اللين، وإلا كان ذلك سخرية وعبثاً إن لم تتوافر الشدة والثبات، ويتقيد إطلاق هذه النصوص العامة بالآيات الأخرى مثل قوله تعالى: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ
وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ( (البقرة:190) فهذه الآية مقيد فيها تشريع القتال بحال رد العدوان، والآيات الأخرى مطلقة عن التقييد، ومن القواعد الأصولية في شرعنا: أنه يحمل المطلق على المقيد، أي يفسر المطلق في ضوء النص الوارد بالتقييد.
الباعث علىالقتال في الفقه الإسلامي في رأي أغلب الفقهاء ليس هو الكفر أو المخالفة في الدين، وإنما هو الاعتداء والحرابة أو دفع العدوان، والعمل على تمكين البشرية من ممارسة الحرية التي يصادرها قادتهم وحكامهم، وللعدوان مظاهر مختلفة، فكان في عهد النبي(ص) ذا منهجين أو صورتين:
إحداهما: أن يهاجم الأعداء جماعة المسلمين، فلابد من إحباط الهجوم وقمع العدوان، وقد خاض النبي(ص) سبعاً وعشرين معركة (9). كان المشركون ,وأعوانهم ومنهم الروم والفرس هم المعتدين، وقد صبر النبي وصحابته بأمر الله تعالى قرابة خمسة عشر عاماً (13 عاماً في مكة ونحو عامين في المدينة) على أذى الأعداء، والتزموا ظاهرة العفو والصفح عنهم، وآثر السلام معهم، حتى أذن للمسلمين بالقتال في قوله تعالى:
(أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ( (الحج:39).
والثانية: أن يَفتنوا المسلمين عن دينهم أي إنهم يحاولون ارتدادهم عن الدين، فكان على النبي وصحبه أن يمنع ذلك الاعتداء الواقع على حرية الفكر والعقيدة(10).
وأما الفقهاء المسلمون الذين يخطئ المستشرقون بفهم مذاهبهم وادعائهم أن مشروعية الجهاد في الإسلام قائمة على الهجوم لا مجرد الدفاع، فيكفيني أن أنقل تلك الكلمة الرائعة للفقيه المشهور عمرو بن الصلاح حيث قال مقرراً مذهب جمهور العلماء في أن الباعث على الحرب أو القتال في الإسلام هو الاعتداء لا الكفر: «إن الاصل هو إبقاء الكفار وتقريرهم، لأن الله تعالى ما أراد إفناء الخلق ولا خلقهم ليقتلوا، وإنما أبيح قتلهم لعارض ضرر وجد منهم، لا أن ذلك جزاء على كفرهم، فإن دار الدنيا ليست جزاء، بل الجزاء في الآخرة. فإذا دخلوا في الذمة (المعاهدة السلمية مع المسلمين) والتزموا أحكامنا (السيادة التشريعية أو سيادة القانون الداخلي الإسلامي) انتفعنا بهم في المعاش في الدنيا وعمارتها، فلم يبق لنا أرب في قتلهم، وحسابهم على الله تعالى، ولأنهم إذا مكنوا من المقام في دار الإسلام (الوطن الإسلامي) ربما شاهدوا بدائع صنع الله في فطرته، وودائع حكمته في خليقته.. وإذا كان الأمر بهذه المثابة، لم يجز أن يقال: إن القتل أصلهم»(11) أي إن الأصل أو القاعدة العامة هو السلم وليس الحرب أو القتال.

ضرورة تنمية العلاقات الدولية وتصحيحها بما يحقق الخير للإسلام والإنسانية:
إن توتر العلاقات الدولية أو الخارجية بين المسلمين وغيرهم ليس في الصالح الإسلامي، ولا سيما في وقتنا الحاضر، لأن المصلحة الإسلامية لا تقتصر فقط على تحقيق الانتصارات مثلاً في حرب ما، أو دفع الشر والعدوان، ووضع العراقيل أمام نشر الدعوة الإسلامية، لأن ما يتحقق في حال السلم أعمق وأوسع وأرسخ مما يتحقق في حال الحرب التي تتطلب توافر القوة المكافئة لقوى الأعداء، بمقتضى التوجيه القرآني:
(وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ( (لأنفال:60).
وإذا ساءت العلاقات بين المسلمين وغيرهم في عصرنا، فالطريق المتعين أمامهم لإعادة هذه العلاقات لطبيعتها الأصلية هي المسالمة العادلة والموادة، والمعاهدة، وتسوية المنازعات بالحلول السلمية والمساعي الحميدة، ونزع فتيل الأزمة أو شرارة الحرب.
والحوار الحضاري وإيثار حل المشكلات سلمياً هو سبيل إزالة التوتر أو سوء التفاهم أو تشويه سمعة جماهير المسلمين، لا بعض أفرادهم، واتهامهم باتهامات باطلة كالإرهاب والتعصب والتزمت والتشدد أو الأصولية ونحو ذلك من عبارات إعلامية منشؤها الحقد والكراهية والعداوة والبغضاء، وما تخفي صدورهم أكبر.
إن حوار الحضارات واللجوء إلى التسويات السلمية لاسترداد حقوق المسلمين المغتصبة وطرد المحتلين من ديارنا يتطلب عدا المقاومة المشروعة ثلاثة أمور أساسية وهي ما يأتي:
الأول: الاعتراف المتبادل على قدم المساواة بين الدول: فلا ينجح أي حوار أو مسعى سلمي إلا باعترافنا بوجود الآخر، واعتراف الآخر بنا، لأن هذا الاعتراف دليل الاحترام المتبادل، وتوفير حسن الظن والثقة، وأي حوار مسموع للضعفاء أمام الأقوياء المستكبرين والذين يريدون فرض هيمنتهم على غيرهم من الدول الضعيفة أو المستضعفة؟!
إن الحوار الناجح هو النابع من حسن النية، والحرص على حل المشكلات على أساس من الحق والعدل، والترفع عن الأطماع، والنيات الماكرة والبواعث الخبيثة.
والحوار الذي يحقق نتائجه سريعاً هو النابع أيضاً من مظلة العدل والإنصاف والمساواة،ونبذ التعنت والتنطع، والانطلاق من الشعور بالقوة الطاغية والاستكبار العالمي.
الأمر الثاني: الاعتماد على الأساسيات والثوابت والمرجعية في إغناء الحوار وتفعيله، أما إذا كان المراد من الحوار أو المفاوضات لحل المشكلات القائمة بين المسلمين وغيرهم هو إملاء الشروط وفرض الحلول الجاهزة، فهذا مرفوض لدى أي عاقل أو منصف.
ولا مانع لدى الجانب الإسلامي من الانطلاق من مبادئ الحق والعدل والشورى، وتسوية مشكلات حقوق الإنسان، واتباع الأساليب الديمقراطية التي يزعمون تصديرها للعالم الخارجي غير الغربي، بل ويقبل المسلمون في مبدأ الأمر ومع بعض التحفظات ما تقرره المواثيق والشرائع والقوانين الدولية دون إلحاق الظلم والتعسف وهضم الحقوق الأصيلة والعريقة.
الأمر الثالث: الموضوعية والحياد في الوسطاء ولا سيما أصحاب القوة والنفوذ والفوقية والعنصرية والتعصب من الآخرين بحيث لا يكون هناك تحيز لجانب على حساب آخر، ولا الكيل بمكيالين أو الوزن بميزانين.
وهذا معروف من سياسة أمريكا وحلفائها في الوقت الحاضر، حيث إنهم في القرارات الدولية قبل إصدارها أو بعد صدورها على استحياء في مجال التنفيذ والتطبيق، أو من أجل حل الصراعات في الشرق الأوسط يتحيَّزون بنحو واضح لصالح دولة (إسرائيل) حيث يمنحونها كل الإمدادات العسكرية المتطورة والأموال الضخمة السخية، ويحظرون أي محاولة لتملك المسلمين بعض مصادر أو وسائل القوة الدفاعية، الصناعية أو المستوردة بقيود شديدة ورقابة صارمة.
فهل هذه السياسة الازدواجية تحقق نجاحاً على مستوى الحوار، أو حل المشكلات العالقة بالوسائل السلمية، والمفاوضات، والخطط الكثيرة المعلنة مثل اتفاق أوسلو، وخارطة الطريق بين العرب وإسرائيل والتي هي للتخدير في الغالب، ثم تجميدها
في الواقع؟!
إننا نحن المسلمين وإن كنا ضعافاً في أنظار الآخرين، فإننا نملك قوى خالدة
لا تتزعزع، منها الإيمان بالله تعالى وقدراته، والصبر على الكفاح، والطاقات الكامنة لدينا، سواء كانت طبيعية، أو موقعية استراتيجية، أو ثوابت الحق الخالد والعدل والراسخ، أو المواقف السلبية المؤثرة، ومرور الزمان، فإن المستقبل بمشيئة الله لنا، والنصر في النهاية مهما تكاثفت الظلمات سيكون لأهل الحق: «لو بغى جبل على جبل لدك الباغي» وقال تعالى: ( وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ( (الحج:40)،
( وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ( (الشعراء:227).
بهذه الأصول أو المعايير يمكننا تنمية العلاقات الخارجية أو الدولية، والمسلمون حريصون على توطيد العلاقات فيما بينهم وبين غيرهم لتحقيق الغايات المشروعة، والمصالح المشتركة، ولإثبات مدى حسن النية، مع صون الحقوق واسترداد المغتصب أو المحتل منها، سواء الأوطان أو غيرها.

احترام العهود والمواثيق في الإسلام:
أـ تعريف العهد والميثاق والمعاهدة
العهد أو الميثاق في فقهنا الإسلامي لـه معنى أعم أو أوسع من كلمة «معاهدة» في القانون الدولي الوضعي.
ففي الشريعة أو الفقه: العهد: هو كل ما يتفق فيه شخصان أو فريقان من الناس على التزامه بينهما لمصلحتهما المشتركة، فإن أكداه ووثقاه بما يقتضي زيادة العناية بحفظه والوفاء به سمي ميثاقاً، وإن أكداه باليمين خاصة سمي «يميناً». وسمي عقد الزواج في القرآن الكريم ميثاقاً غليظاً، أي مؤكداً شديد التأكيد.
والمعاهدة: هي أساساً اتفاق الإرادتين بصرف النظر عن الشكل أو الإجراء.
والعرف السائد اليوم يدل على تمييز «العهد» عن «العقد» بإضفاء سمة الإجلال والسمو والتعظيم للعهد، وتخصيصه بالعقد الموثق بقصد الوفاء به بنحو مؤكد، سواء تم توثيقه بالكتابة أو باليمين، أو بغيرهما من وسائل التوثيق، فكل اتفاق هو عقد، وليس كل «عقد» هو «عهد».
والعرف الدولي يميز «العهد» عن «المعاهدة» فإن «العهد» أوسع معنى من «المعاهدة» كما في فقهنا فكل معاهدة هي عهد، وليس كل عهد معاهدة. والمعاهدة محصورة عرفاً بالاتفاق بين دولتين، بين الأفراد والجماعات، وموضوعها محصور في حكم علاقة دولية ذات طابع قانوني، أي إنها ذات معنى خاص ضيق من حيث الطرفان والموضع. فيقال للانفاقيات الدولية في معاملة الأسرى وقواعد الحرب وأحوال مشروعية القتال أو استخدام القوة: إنها معاهدة.
والمسائل الجزئية الجانبية ذات الأهمية المحدودة لا تنظمها المعاهدة التي لها طابع العنصر الدولي المهم، وإنما توصف بأنها اتفاقية مثل أمر الحاكم بإنهاء الحرب مع مدينة معينة أو شعب مجاور، ومثل اتفاقية تبادل الأسرى ونحو ذلك.
ب – أهمية المعاهدات والمواثيق ومشروعيتها
تضفي المعاهدات والمواثيق على أعمال الأمم والشعوب والدول والأفراد عنصر الثقة والاطمئنان، وتعمل على تخفيف حدة التوتر في العالم، وتكفل إلى حد بعيد تنفيذ الشروط والبنود وتحقيق المصلحة في وقت محدد، يعود على الطرفين بالخير والهدوء والراحة النفسية والاجتماعية.
وبالمعاهدة يحل مبدأ السلم محل الحرب، والأمن محل القلق والخوف، والحب والصفاء بدل الكراهية والكيد، وينعم الناس بنعمة الحرية التي لا قيود عليها، فيتفرغون لشؤون المعيشة، وتقدم المدنية والعمران، وتنشيط الصناعة وتطورها وتوجيهها وجهة لخير الإنسان وصالحة ونفعه، ولإنعاش الزراعة وحفظ المواسم، وتنمية التجارة، وفتح الأسواق أمام الصادرات والواردات، وتبادل المنتجات، فتكون المعاهدة أداة تفاهم وودّ، وتقدم وحضارة، ورفاه وسعادة.
والمعاهدة فضلاً عن كل ذلك أداة حاسمة وموثقة لتنمية العلاقات الدولية، وفض المنازعات والخصومات الخارجية. لذا عظّم الإسلام العهود والمعاهدات ورغب فيها، وشرعها وسيلة متعينة لتنظيم العلاقات الخارجية، وآثر فض المنازعات الجماعية بالوسائل السلمية، سواء في داخل الدولة المسلمة أو خارجها، ولتحقيق الأغراض الكريمة والغايات الإنسانية االنبيلة، بل إن نشر الدعوة الإسلامية في أرجاء المعمورة
لا يتم إلا في ظلها وفي ربوع الأمن والسلام وإشاعة الاستقرار والرخاء المتحقق بها.
والنصوص الشرعية في الإسلام كثيرة دالة على مبدأ مشروعية المعاهدات مع الأعداء حال السلم أو الحرب، في إطار من الشروط المتفق عليها بالتراضي والاختيار، مثل قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ( (المائدة:1)، وقوله سبحانه:
( وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ (
(لأنفال:72) أي إن حق الميثاق فوق حق الإخوة الإسلامية، حيث ينصر المعاهد غير المسلم، ولا ينصر المسلم الذي ليس بينه وبين المسلمين ميثاق(12).
وقولـه (عزوجل): (إِلاّ الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ( (التوبة:4).
وهذا كله دليل في الشريعة الإسلامية على قدسية المعاهدات ووجوب احترامها وإلزام الوفاء بها، قال النبي(ص): «ألا من ظلم معاهداً أو انتقصه، أو كلّفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئاً بغير طبيب نفس، فأنا حجيجه يوم القيامة»(13).
وروى الخطيب البغدادي في تاريخه عن أنس بن مالك(رضي الله عنه)، عن رسول الله(ص) قال: «من آذى ذمياً فأنا خصمه، ومن كنت خصمه خصمته يوم القيامة»(14).
ج – الوفاء بالعهد
الوفاء بالعهود والمواثيق فرض واجب لازم في الشريعة الإسلامية كأداء الفرائض الأخرى من العبادات وغيرها، فعلى المسلمين تنفيذ التزاماتهم التي تعهدوها في معاهداتم دون تلكؤ ولا تباطؤ ولا تسويف، ولم يسمح الإسلام بالغدر والخيانة أو نقض العهد والتحلل من الالتزامات أو بنود المعاهدة، لأن ذلك شيء مهين يخل بالثقة والاحترام، ولأن المسلمين يمثلون سمو الرسالة الإلهية وشرف الكلمة النابعة من الدين.
لذا لم تكن المعاهدات في الإسلام مجرد قصاصة ورق، كما هو الشأن المعروف عند الدول غير الإسلامية في الماضي أو الحاضر، ولا وسيلة لخداع العدو ولا ستاراً لتنفيذ أغراض معينة، ولا شعاراً لفرض القوي سلطانه على الضعيف أو المغلوب كما يفعل غير المسلمين عادة، حتى إذا قوي الضعيف نبذها، وقاتل للتحلل من قيودها والتخلص من سلطة العدو الأقوى، وهي أيضاً كانت عند غير المسلمين صورة أو مظلة لقوة الأقوياء لإملاء شروطهم غالباً وليست إجراء لتنظيم السلم العادل، وإنما كانت المعاهدات في شريعة الإسلام وتاريخ المسلمين مصونة عن أي غدر أو خداع أو قهر، أو لتحقيق مصلحة مادية رخيصة، أو من أجل فتح منافذ أسواق لتصريف السلع والمنتجات الصناعية، وفائض الزراعة، أو المواد الاستهلاكية الزائدة عن الحاجة، وبشرط عدم التأثير على أسعار السلعة محلياً، وإلا ألقي الفائض في البحار، ولم يصدَّر لأحد، كما تفعل بعض الدول الغربية المعاصرة من إلقاء فائض البن مثلاً في البحر.
ولم يستثن الفقهاء المسلمون من مبدأ الوفاء بالعهد إلا عقود الهدنة الحربية مع العدو عند توافر القرائن القاطعة على تحركات جيشة المريبة، والاستعداد لحرب جديدة، أو حال المعاملة بالمثل وحال نقض العدو المعاهدة من جانب واحد، وذلك لقول الله تعالى: (وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ(
(لأنفال:58) أي إن قامت القرائن على خيانة العدو عهده، نقض العهد وأعلم العدو بالنقض حتى يكون المسلمون وغيرهم متساوين في العلم بذلك.
وصرح فقهاء الحنفية بأن الهدنة لا تنتقض إلا باتفاق العدو على نقضها، أي لا عبرة بنقض الأفراد(15).
والإلزام القرآني باحترام العهود والمواثيق هو من أجل إقامة حالة سلم ثابتة تقوم على أقوى الدعائم، سواء في الداخل أو الخارج.
والبراهين على وجوب الوفاء بالعهود والمواثيق متوافرة متضافرة في القرآن الكريم والسنة النبوية.
فمن آيات القرآن: (وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ( (النحل:91)، ( وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً( (الاسراء:34)، ( فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ ( (التوبة:4)،
( فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ ( (التوبة:7)، أي إن الوفاء بالعهد من أصول الإيمان، وهو شأن المؤمنين خلافاً للمنافقين، لقوله تعالى في وصف المؤمنين: (الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ( (الرعد:20) ( وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا ((البقرة:177).
ومن الأحاديث الصحيحة في احترام العهود: «لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له»(16)، «لكل غادر لواء يوم القيامة يرفع له بقدر غدرته، ألا ولا غادر أعظم غدراً من أمير عامة»(17).
بل إن الإسلام ألزم بالوفاء بأحلاف الجاهلية ذات الطابع الخير والإنساني الرفيع، فقال عليه الصلاة والسلام: «أوفوا بحلف الجاهلية، فإنه لا يزيده – أي الإسلام – إلا شدة، ولا تحدثوا حلفاً في الإسلام»(18) أي إن الإسلام يقر التعاهد علىنصرة الحق والخير أياً كان مصدره، ويمنع التحالف على الشر والفتنة، والقتال القبلي، والعدوان الهمجي.
ولا يسمح الإسلام بالإخلال بالعهود أو الغدر، حتى ولو غدر العدو بالمسلمين وقاعدة الفقهاء في ذلك: «وفاء بعهد من غير غدر خير من غدر بغدر»(19) وهذا مأخوذ من قول أبي عبيدة الجراح حين غدر الروم بالمسلمين، فأمر ألا يعاملوا بمثل أفعالهم.
وجاء في الحديث «في العهود وفاء لا غدر»(20).

نقد مالك بن نبي للفكر السياسي الغربي الحديث

كاتب الموضوع الأصلي: منصور العتيبي 3332

مالك بن نبي مفكر مسلم حاول دراسة مشكلات أمته ووضع حلولًا لها مع الاحتفاظ بهويتها وأصالتها، وضع كتبه تحت عنوان رئيس هو مشكلات الحضارة.. ومن المعروف أن المفكِّر الجزائري مالك بن نبي كان ـ وما زال ـ ظاهرةً فكرية فريدة من نوعها في العالمين العربي والإسلامي في القرن العشرين الميلادي أتاح له اطّلاعُه الواسع على الثقافة الغربية (الفرنسية خصوصًا) إضافة إلى ثقافته الأصل، إدراكًا عميقًا للأوضاع في العالم الإسلامي وفي الغرب، مما مكَّنه من إنجاز قراءات واعية قدّمت نظرات ورؤى ومقترحات ذات قيمة وبإمكانها الإصلاح.

ومن أهم مؤلفاته: الظاهرة القرآنية ولبيك (رواية) تم ترجمتها إلى العربية هذا العام وشروط النهضة ووجهة العالم الإسلامي وفكرة الإفريقية الآسيوية والنجدة … الشعب الجزائري يُباد وحديث في البناء الجديد ومشكلة الثقافة والصراع الفكري في البلاد المستعمرة وفكرة كومنويلث إسلامي وتأملات في المجتمع العربي وفي مهبّ المعركة وميلاد مجتمع ومذكرات شاهد القرن.

وإنتاج المستشرقين وأثره في الفكر الإسلامي الحديث ومشكلة الأفكار في العالم الإسلامي والمسلم في عالم الاقتصاد.

ولقد صدر حديثًا في الجزائر كتاب تحت عنوان نقد مالك بن نبي للفكر السياسي الغربي الحديث للدكتور يوسف حسين أستاذ الفكر الإسلامي المعاصر ورئيس قسم العقائد والأديان في كلية العلوم الإسلامية بجامعة الجزائر، تناول المؤلف مالك بن نبي من خلال زاوية محددة وهي نظرة مالك بن نبي للفكر السياسي الغربي الحديث.

جاء الكتابُ في مقدمة قصيرة وفصلين، تناول المؤلف في الفصل الأول منهما وعبر ثلاثة مباحث ترجمة حياة مالك بن نبي الذي وُلد في مدينة قسنطينة شرق الجزائر سنة 1905م لأسرة متواضِعة، تنقَّل كثيرًا فيما بين الجزائر وفرنسا وفيما بينهما وبين أنحاء كثيرة من العالم العربي والإسلامي، كما تنقَّل بين وظائف عِدَّة، منها الإشراف في أواخر حياته على إدارة التعليم العالي في الوزارة المختصة ورئاسة جامعة الجزائر لفترة قصيرة قبل استقالته بغية التفرغ للعمل الفكري.

وافته المنية يوم 31 أكتوبر 1973 في الجزائر العاصمة ولما يبلغ السبعين من عمره، ثمَّ تحدَّث في المبحثين الثاني والثالث من الفصل عن دراسة ومؤلفات ومصادر فكر بن نبي ومكوّنات شخصيته والدراسات حول فكره..

أما الفصل الثاني فقد جاء تحت عنوان البديل الإسلامي للفكر السياسي الغربي، وتضمن فصلين، استعرض الأول موقف مالك بن نبي من الفكر السياسي الغربي، يبدؤه المؤلف بالإشارة إلى ملاحظة مالك بن نبي أن الفكر الإسلامي الحديث في العالم الإسلامي هو في ذاته عنصر متنافر؛ لأنه اقتباس لا يتفق وحالة ذلك العالم، ذلك أن المسلمين في هذا الميدان أو في غيره لم يبحثوا عن وسائل لنهضتهم بل اكتفوا بحاجات قلدوا فيها غيرهم.. ثم ينطلق في عرض رؤيته للمفاهيم السياسية الغربية وأهمها الديمقراطية وما تعلَّق بها، انطلاقًا من اليونان القدماء وديمقراطيتهم في أثينا التي كانت تعني الحرية والمساواة، إلا أنها تستثني الأجانب والأرقّاء الذين لم تكن لهم حقوق كالمواطنين الأحرار أهل البلد.. أما فيما يتعلَّق بالديمقراطية كمفهوم شامل يعني سلطة الإنسان فهو مناقِض لفكرة خضوع الإنسان إلى سلطة الله، لأن سلطان الأمة أو الإنسان في الديمقراطية الغربية سلطة مطلقة لذا تصبح قراراتُها قوانين واجبة التنفيذ، حتى وإن كانت مُخالِفة للقانون الأخلاقي ومتعارضة مع المصالح الإنسانية العامة، ومن هنا تبدو آثارها السيئة التي تُحدِث ضررًا للآخرين.. ثم يتابع بحثه بالنظر في مدى تحقُّق الديمقراطية وتجسُّدها في الواقع الأوروبي فيضع لذلك شروطًا ذاتية وأخرى موضوعية؛ الذاتية ولها وجهان: الشعورُ الديمقراطي نحو الأنا أو النفس والشعور نفسه نحو الغير أو الآخرين، وهنا يعرف الشعورَ الديمقراطي بشقيه الإيجابي والسلبي؛ الإيجابي هو الحدّ الإيجابي بين نافيتين.. نافية العبودية ونافية الاستعباد.. أما السلبي فهو الحد الوسط بين طرفين كلُّ واحد منهما يمثِّل نقيضًا بالنسبة للآخر: النقيض المعبِّر عن نفسية وشعور العبد المسكين من ناحية، والنقيض الذي يُعبِّر عن نفسية وشعور المُستعبِد المُستبِدّ.

ساق إثرها ثلاثة نماذج نافية للشعور الديمقراطي هي: نموذج نفسية العبد، نموذج نفسية المُستعبِد، والنموذج الثالث الذي يجمع النفسيتين.. لينتهي إلى نتيجة مفادها أن الديمقراطية الغربية لا تكفل الشروط الذاتية؛ لكونها تفتقر إلى الحواجز والمقدِّمات المدعِّمة للشعور الديمقراطي ليتساءل بعدها عما إذا كانت تكفل الشروط الموضوعية.. التي تتمثل في الحقوق والحريات السياسية والضمانات الاجتماعية، التي هي ضعيفة نظرًا لأنها لا تحمي الأفراد من الربا والاحتكار..

والنتيجة في نظر مالك بن نبي أن المجتمعات الغربية رغم اتخاذها الديمقراطية نظامًا للحكم فإنها لم تحقِّق في الواقع الاجتماعي ما تتضمنه الديمقراطية وتنصّ عليه من مساواة وعدالة وحقوق وحريات وضمانات اجتماعية، إذ لم تحقِّق الشروط المشار إليها ذاتية وموضوعية.

ينتقِل إثرها إلى توضيح العلاقة بين السياسة والدين والأخلاق، عبر تساؤل مفادُهُ: هل تتوفَّر السياسة الغربية على الشروط الكفيلة بتحقيق التجانس والتعاون بين عمل الدولة وعمل الفرد؟ يبادر بالإشارة إلى أن التعاون لا يتمّ إلا إذا توفَّر عاملٌ أساسي هو عامل العقيدة التي تستطيع وحدها جعلَ ثمن الجُهد مُحتملًا مهما كانت قيمته لدى صاحبه..

ومنه فإن الفصل بين الدين والدولة أو العلمانية لن يكون سياسة ناجِحة؛ لأنها لا تستند إلى ما من شأنه أن يغرس في نفسية الفرد والمواطن القابلية والاستعداد للتضحية والبطولة والإيثار، كما يقرِّر مالك بن نبي أن التجانسَّ بين عمل الدولة وعمل الفرد ينبغي أن يقوم وجوبًا على عامل أخلاقي؛ لأن السياسة بلا أخلاق خرابٌ للأمة.

ومنه وبما أن السياسة الغربية تقوم على مصالح عاجلة لا تعرفُ الثباتَ والاستقرارَ ولا تستند إلى قيم أخلاقية ثابتة فليس بإمكانها تحقيق التجانس المشار إليه، مما يؤدِّي إلى خلل ظاهر في صِلة الدولة بالوسط الاجتماعي وتدهور العلاقة بينهما، والحاصل في رأي مالك أن السياسة الغربية لا تقوم على الأخلاق أو العقيدة، ولذلك فإن الدول الغربية مهدَّدة بعدم الاستقرار في الداخل من جهة وتُهدِّدُ العالم بسياستها اللاإنسانية من جهة أخرى.

بينما خصّص المؤلف المبحث الثاني من الفصل الثاني من الكتاب لعرض تصور بن نبي للبديل السياسي الإسلامي، يبدؤه بالإشارة إلى أن الإسلام يقرّر في المجال السياسي خضوعَ الإنسان إلى سلطة الله في هذا النظام أو في غيره، مما يعني أن سلطة الأمة في النظام السياسي الإسلامي مقيدة بالشريعة..

لذا فالعقيدة تدعِّم التعاوُن بين الفرد والدولة وتمكِّنُ من تحقيق إنجازات ترتكزُ على الثقة في الأساس الأول ومبادئ وشروط الثقة التي من شأنها تمتين العلاقة بين الحاكم والمحكوم هي: حسن المُعاملة والطاعة والنزاهة والحنكة والكفاءة السياسية والنقد الذاتي وأخيرًا التواضع السياسي.

يواصل المؤلِّف في المطلب الثاني من هذا المبحث عرض رؤية مالك بن نبي الذي يرى بأن السؤال المعهودَ عمَّ إذا كانت توجد ديمقراطية في الإسلام، لا يتعلَّق ضرورة بنصٍّ فقهي مُستنبَط من القرآن والسنَّة بل يتعلَّق بروح الإسلام وجوهرِه بصفة عامة.. لذا يتطلبُ الحديثُ عن الإسلام والديمقراطية في نظر بن نبي الإجابة عن سؤالين شبيهين بمثيليهما المطروحين عند الحديث عن الديمقراطية الغربية.

أولهما هو: هل يكفل الإسلام عند الممارسة الشروط الذاتية التي من شأنها تحقيق الشعور الديمقراطي نحو الأنا ونحو الآخرين؟ الإجابة نعم؛ لأنه عمد إلى تدعيم مشروعه الديمقراطي بمقدِّمات تساهم في تحقيقه وإنجاحه منها: مبدأ تحرير الرقيق والتصريح بحقوق الإنسان.

السؤال الثاني: وهو هل يكفل الإسلام عند الممارسة الشروطَ الموضوعية التي من شأنها أن توفِّر للفرد الحقوقَ والحريات السياسية والضمانات الاجتماعية؟ الإجابة ستكون هنا أيضًا نعم، نظرًا لأن الإسلام يوفِّر:

بالنسبة للحقوق والحريات السياسية، شروطًا هي: حرية الضمير والعقيدة وحرية التعبير أو الرأي ومبدأ حصانة المنزل أو حرية المأوى.

وبالنسبة للضمانات الاجتماعية: أي المجال الاقتصادي وما يتعلَّق به من آثار، نجد هنا الزكاة وتحريم الربا ومقاومة الاحتكار، وكل الأمثلة عن هذه المبادئ والشروط وتطبيقاتها العملية مستقاةٌ من القرآن والسنة وتاريخ الحكم الإسلامي، لا سيما في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم أو عهد خلفائه الراشدين أو في عهود إسلامية أخرى.

المطلب الثالث من المبحث الثاني عنونه المؤلِّف بنحو بناء وحدة إسلامية، تتمثل في مُقترَح مالك بن نبي على العالم الإسلامي إنشاء مشروع كومنويلث إسلامي، وهي الفكرة التي استوحاها من الكومنويلث البريطاني بعدما هذَّبَه بما يتماشى والواقعَ الإسلامي الذي يتوفَّر حسبه على دعامة هامة لا تتوفَّر حتى للنموذج المقلَّد..

وهذا المبدأ هو الوحدة الروحية للعالم الإسلامي، ومنه يوضِّح الكيفيات والرؤى التي ستنشأُ عن هيئة من هذا القبيل في مختلف المجالات سياسيًّا واقتصاديًّا وفكريًّا واجتماعيًّا، من ذلك مثلًا إعادة النظر في مشكلة الخلافة وتحديدها تحديدًا جديدًا يتماشى مع التنوع الإسلامي سياسة وجغرافيًّا وأعراقًا، ليمارِس كلُّ شعب سيادتَه في مختلف المجالات..

وأولى خطوات هذه الوحدة ينبغي أن تكون في رأي بن نبي: توحيد الأعياد الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها، وإسناد الإشراف على كل طبعة للقرآن الكريم إلى الأزهر الشريف حتى نقطع الطريق على الطبعات المحرَّفة من إسرائيل وغيرها.. ويختم المؤلِّف كتابه بمطلب رابع للمبحث الثاني من الفصل الثاني ضمَّنه توجيهاتٍ سياسية من مالك بن نبي للحكومات الإسلامية منها: التزام مبدأ التبادل ويتعلَّق الأمر هنا باقتضاء الإسلام سلوكًا معيَّنًا من أفراده إذا انحرفوا عنه أُرغِموا على الاستقامة عليه والالتزام به، أي أنهم يُخضِعون المجتمع في الحكم وإدارة شئون البلاد والعباد إلى النقد.

ومن التوجيهات أيضًا إقرار وظيفة الحسبة، الوظيفة السياسية الإدارية التي كان مطلوبًا منها المحافظة على النظام والآداب في المجتمع، ومراقبة الأسواق وأهلها وبضائعها ومكاييلها..الخ، ومنها التزام الشورى في الحكم وتولية الأصلح وضرورة العمل على كسب ثقة الشعب وضرورة التخلي عن البوليتيك أي الدجل والنفاق السياسي الذي لا يمكنه الاستمرار حسب قول الرئيس الأمريكي أبراهام لنكولن في منتصف القرن التاسع عشر، وهو قول استشهد به مالك بن نبي: قد يُخدَعُ رجل كلَّ يوم، ويُخدَعُ شعبٌ بعض الأيام، إلا أنه لا يُخدَعُ شعبٌ كلَّ الأيام.

وتكمن مصداقية فكرِ بن نبي في سعة اطّلاعه وتمكنه من الفكر الغربي، مما مكَّنه من النقد الواعي لهذا الفكر ومقابلته بما يمكن أن يكون بديلًا.. هنا تكمنُ الأهمية الكبرى التي اتخذها بن نبي وفكرُه طيلة الثلاثين سنة المنقضية على وفاته، إذ لم يتوقف الباحثون عن دراسته وشرحه ونشره وإعادة نشره، ويعدّ هذا الكتاب دعوةً إلى إعادة اكتشاف هذا المفكر الفذّ بعد أكثر من 35 سنة على رحيله.

نقد مالك بن نبي للفكر السياسي الغربي الحديث

كاتب الموضوع الأصلي: منصور العتيبي 3332

مالك بن نبي مفكر مسلم حاول دراسة مشكلات أمته ووضع حلولًا لها مع الاحتفاظ بهويتها وأصالتها، وضع كتبه تحت عنوان رئيس هو مشكلات الحضارة.. ومن المعروف أن المفكِّر الجزائري مالك بن نبي كان ـ وما زال ـ ظاهرةً فكرية فريدة من نوعها في العالمين العربي والإسلامي في القرن العشرين الميلادي أتاح له اطّلاعُه الواسع على الثقافة الغربية (الفرنسية خصوصًا) إضافة إلى ثقافته الأصل، إدراكًا عميقًا للأوضاع في العالم الإسلامي وفي الغرب، مما مكَّنه من إنجاز قراءات واعية قدّمت نظرات ورؤى ومقترحات ذات قيمة وبإمكانها الإصلاح.

ومن أهم مؤلفاته: الظاهرة القرآنية ولبيك (رواية) تم ترجمتها إلى العربية هذا العام وشروط النهضة ووجهة العالم الإسلامي وفكرة الإفريقية الآسيوية والنجدة … الشعب الجزائري يُباد وحديث في البناء الجديد ومشكلة الثقافة والصراع الفكري في البلاد المستعمرة وفكرة كومنويلث إسلامي وتأملات في المجتمع العربي وفي مهبّ المعركة وميلاد مجتمع ومذكرات شاهد القرن.

وإنتاج المستشرقين وأثره في الفكر الإسلامي الحديث ومشكلة الأفكار في العالم الإسلامي والمسلم في عالم الاقتصاد.

ولقد صدر حديثًا في الجزائر كتاب تحت عنوان نقد مالك بن نبي للفكر السياسي الغربي الحديث للدكتور يوسف حسين أستاذ الفكر الإسلامي المعاصر ورئيس قسم العقائد والأديان في كلية العلوم الإسلامية بجامعة الجزائر، تناول المؤلف مالك بن نبي من خلال زاوية محددة وهي نظرة مالك بن نبي للفكر السياسي الغربي الحديث.

جاء الكتابُ في مقدمة قصيرة وفصلين، تناول المؤلف في الفصل الأول منهما وعبر ثلاثة مباحث ترجمة حياة مالك بن نبي الذي وُلد في مدينة قسنطينة شرق الجزائر سنة 1905م لأسرة متواضِعة، تنقَّل كثيرًا فيما بين الجزائر وفرنسا وفيما بينهما وبين أنحاء كثيرة من العالم العربي والإسلامي، كما تنقَّل بين وظائف عِدَّة، منها الإشراف في أواخر حياته على إدارة التعليم العالي في الوزارة المختصة ورئاسة جامعة الجزائر لفترة قصيرة قبل استقالته بغية التفرغ للعمل الفكري.

وافته المنية يوم 31 أكتوبر 1973 في الجزائر العاصمة ولما يبلغ السبعين من عمره، ثمَّ تحدَّث في المبحثين الثاني والثالث من الفصل عن دراسة ومؤلفات ومصادر فكر بن نبي ومكوّنات شخصيته والدراسات حول فكره..

أما الفصل الثاني فقد جاء تحت عنوان البديل الإسلامي للفكر السياسي الغربي، وتضمن فصلين، استعرض الأول موقف مالك بن نبي من الفكر السياسي الغربي، يبدؤه المؤلف بالإشارة إلى ملاحظة مالك بن نبي أن الفكر الإسلامي الحديث في العالم الإسلامي هو في ذاته عنصر متنافر؛ لأنه اقتباس لا يتفق وحالة ذلك العالم، ذلك أن المسلمين في هذا الميدان أو في غيره لم يبحثوا عن وسائل لنهضتهم بل اكتفوا بحاجات قلدوا فيها غيرهم.. ثم ينطلق في عرض رؤيته للمفاهيم السياسية الغربية وأهمها الديمقراطية وما تعلَّق بها، انطلاقًا من اليونان القدماء وديمقراطيتهم في أثينا التي كانت تعني الحرية والمساواة، إلا أنها تستثني الأجانب والأرقّاء الذين لم تكن لهم حقوق كالمواطنين الأحرار أهل البلد.. أما فيما يتعلَّق بالديمقراطية كمفهوم شامل يعني سلطة الإنسان فهو مناقِض لفكرة خضوع الإنسان إلى سلطة الله، لأن سلطان الأمة أو الإنسان في الديمقراطية الغربية سلطة مطلقة لذا تصبح قراراتُها قوانين واجبة التنفيذ، حتى وإن كانت مُخالِفة للقانون الأخلاقي ومتعارضة مع المصالح الإنسانية العامة، ومن هنا تبدو آثارها السيئة التي تُحدِث ضررًا للآخرين.. ثم يتابع بحثه بالنظر في مدى تحقُّق الديمقراطية وتجسُّدها في الواقع الأوروبي فيضع لذلك شروطًا ذاتية وأخرى موضوعية؛ الذاتية ولها وجهان: الشعورُ الديمقراطي نحو الأنا أو النفس والشعور نفسه نحو الغير أو الآخرين، وهنا يعرف الشعورَ الديمقراطي بشقيه الإيجابي والسلبي؛ الإيجابي هو الحدّ الإيجابي بين نافيتين.. نافية العبودية ونافية الاستعباد.. أما السلبي فهو الحد الوسط بين طرفين كلُّ واحد منهما يمثِّل نقيضًا بالنسبة للآخر: النقيض المعبِّر عن نفسية وشعور العبد المسكين من ناحية، والنقيض الذي يُعبِّر عن نفسية وشعور المُستعبِد المُستبِدّ.

ساق إثرها ثلاثة نماذج نافية للشعور الديمقراطي هي: نموذج نفسية العبد، نموذج نفسية المُستعبِد، والنموذج الثالث الذي يجمع النفسيتين.. لينتهي إلى نتيجة مفادها أن الديمقراطية الغربية لا تكفل الشروط الذاتية؛ لكونها تفتقر إلى الحواجز والمقدِّمات المدعِّمة للشعور الديمقراطي ليتساءل بعدها عما إذا كانت تكفل الشروط الموضوعية.. التي تتمثل في الحقوق والحريات السياسية والضمانات الاجتماعية، التي هي ضعيفة نظرًا لأنها لا تحمي الأفراد من الربا والاحتكار..

والنتيجة في نظر مالك بن نبي أن المجتمعات الغربية رغم اتخاذها الديمقراطية نظامًا للحكم فإنها لم تحقِّق في الواقع الاجتماعي ما تتضمنه الديمقراطية وتنصّ عليه من مساواة وعدالة وحقوق وحريات وضمانات اجتماعية، إذ لم تحقِّق الشروط المشار إليها ذاتية وموضوعية.

ينتقِل إثرها إلى توضيح العلاقة بين السياسة والدين والأخلاق، عبر تساؤل مفادُهُ: هل تتوفَّر السياسة الغربية على الشروط الكفيلة بتحقيق التجانس والتعاون بين عمل الدولة وعمل الفرد؟ يبادر بالإشارة إلى أن التعاون لا يتمّ إلا إذا توفَّر عاملٌ أساسي هو عامل العقيدة التي تستطيع وحدها جعلَ ثمن الجُهد مُحتملًا مهما كانت قيمته لدى صاحبه..

ومنه فإن الفصل بين الدين والدولة أو العلمانية لن يكون سياسة ناجِحة؛ لأنها لا تستند إلى ما من شأنه أن يغرس في نفسية الفرد والمواطن القابلية والاستعداد للتضحية والبطولة والإيثار، كما يقرِّر مالك بن نبي أن التجانسَّ بين عمل الدولة وعمل الفرد ينبغي أن يقوم وجوبًا على عامل أخلاقي؛ لأن السياسة بلا أخلاق خرابٌ للأمة.

ومنه وبما أن السياسة الغربية تقوم على مصالح عاجلة لا تعرفُ الثباتَ والاستقرارَ ولا تستند إلى قيم أخلاقية ثابتة فليس بإمكانها تحقيق التجانس المشار إليه، مما يؤدِّي إلى خلل ظاهر في صِلة الدولة بالوسط الاجتماعي وتدهور العلاقة بينهما، والحاصل في رأي مالك أن السياسة الغربية لا تقوم على الأخلاق أو العقيدة، ولذلك فإن الدول الغربية مهدَّدة بعدم الاستقرار في الداخل من جهة وتُهدِّدُ العالم بسياستها اللاإنسانية من جهة أخرى.

بينما خصّص المؤلف المبحث الثاني من الفصل الثاني من الكتاب لعرض تصور بن نبي للبديل السياسي الإسلامي، يبدؤه بالإشارة إلى أن الإسلام يقرّر في المجال السياسي خضوعَ الإنسان إلى سلطة الله في هذا النظام أو في غيره، مما يعني أن سلطة الأمة في النظام السياسي الإسلامي مقيدة بالشريعة..

لذا فالعقيدة تدعِّم التعاوُن بين الفرد والدولة وتمكِّنُ من تحقيق إنجازات ترتكزُ على الثقة في الأساس الأول ومبادئ وشروط الثقة التي من شأنها تمتين العلاقة بين الحاكم والمحكوم هي: حسن المُعاملة والطاعة والنزاهة والحنكة والكفاءة السياسية والنقد الذاتي وأخيرًا التواضع السياسي.

يواصل المؤلِّف في المطلب الثاني من هذا المبحث عرض رؤية مالك بن نبي الذي يرى بأن السؤال المعهودَ عمَّ إذا كانت توجد ديمقراطية في الإسلام، لا يتعلَّق ضرورة بنصٍّ فقهي مُستنبَط من القرآن والسنَّة بل يتعلَّق بروح الإسلام وجوهرِه بصفة عامة.. لذا يتطلبُ الحديثُ عن الإسلام والديمقراطية في نظر بن نبي الإجابة عن سؤالين شبيهين بمثيليهما المطروحين عند الحديث عن الديمقراطية الغربية.

أولهما هو: هل يكفل الإسلام عند الممارسة الشروط الذاتية التي من شأنها تحقيق الشعور الديمقراطي نحو الأنا ونحو الآخرين؟ الإجابة نعم؛ لأنه عمد إلى تدعيم مشروعه الديمقراطي بمقدِّمات تساهم في تحقيقه وإنجاحه منها: مبدأ تحرير الرقيق والتصريح بحقوق الإنسان.

السؤال الثاني: وهو هل يكفل الإسلام عند الممارسة الشروطَ الموضوعية التي من شأنها أن توفِّر للفرد الحقوقَ والحريات السياسية والضمانات الاجتماعية؟ الإجابة ستكون هنا أيضًا نعم، نظرًا لأن الإسلام يوفِّر:

بالنسبة للحقوق والحريات السياسية، شروطًا هي: حرية الضمير والعقيدة وحرية التعبير أو الرأي ومبدأ حصانة المنزل أو حرية المأوى.

وبالنسبة للضمانات الاجتماعية: أي المجال الاقتصادي وما يتعلَّق به من آثار، نجد هنا الزكاة وتحريم الربا ومقاومة الاحتكار، وكل الأمثلة عن هذه المبادئ والشروط وتطبيقاتها العملية مستقاةٌ من القرآن والسنة وتاريخ الحكم الإسلامي، لا سيما في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم أو عهد خلفائه الراشدين أو في عهود إسلامية أخرى.

المطلب الثالث من المبحث الثاني عنونه المؤلِّف بنحو بناء وحدة إسلامية، تتمثل في مُقترَح مالك بن نبي على العالم الإسلامي إنشاء مشروع كومنويلث إسلامي، وهي الفكرة التي استوحاها من الكومنويلث البريطاني بعدما هذَّبَه بما يتماشى والواقعَ الإسلامي الذي يتوفَّر حسبه على دعامة هامة لا تتوفَّر حتى للنموذج المقلَّد..

وهذا المبدأ هو الوحدة الروحية للعالم الإسلامي، ومنه يوضِّح الكيفيات والرؤى التي ستنشأُ عن هيئة من هذا القبيل في مختلف المجالات سياسيًّا واقتصاديًّا وفكريًّا واجتماعيًّا، من ذلك مثلًا إعادة النظر في مشكلة الخلافة وتحديدها تحديدًا جديدًا يتماشى مع التنوع الإسلامي سياسة وجغرافيًّا وأعراقًا، ليمارِس كلُّ شعب سيادتَه في مختلف المجالات..

وأولى خطوات هذه الوحدة ينبغي أن تكون في رأي بن نبي: توحيد الأعياد الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها، وإسناد الإشراف على كل طبعة للقرآن الكريم إلى الأزهر الشريف حتى نقطع الطريق على الطبعات المحرَّفة من إسرائيل وغيرها.. ويختم المؤلِّف كتابه بمطلب رابع للمبحث الثاني من الفصل الثاني ضمَّنه توجيهاتٍ سياسية من مالك بن نبي للحكومات الإسلامية منها: التزام مبدأ التبادل ويتعلَّق الأمر هنا باقتضاء الإسلام سلوكًا معيَّنًا من أفراده إذا انحرفوا عنه أُرغِموا على الاستقامة عليه والالتزام به، أي أنهم يُخضِعون المجتمع في الحكم وإدارة شئون البلاد والعباد إلى النقد.

ومن التوجيهات أيضًا إقرار وظيفة الحسبة، الوظيفة السياسية الإدارية التي كان مطلوبًا منها المحافظة على النظام والآداب في المجتمع، ومراقبة الأسواق وأهلها وبضائعها ومكاييلها..الخ، ومنها التزام الشورى في الحكم وتولية الأصلح وضرورة العمل على كسب ثقة الشعب وضرورة التخلي عن البوليتيك أي الدجل والنفاق السياسي الذي لا يمكنه الاستمرار حسب قول الرئيس الأمريكي أبراهام لنكولن في منتصف القرن التاسع عشر، وهو قول استشهد به مالك بن نبي: قد يُخدَعُ رجل كلَّ يوم، ويُخدَعُ شعبٌ بعض الأيام، إلا أنه لا يُخدَعُ شعبٌ كلَّ الأيام.

وتكمن مصداقية فكرِ بن نبي في سعة اطّلاعه وتمكنه من الفكر الغربي، مما مكَّنه من النقد الواعي لهذا الفكر ومقابلته بما يمكن أن يكون بديلًا.. هنا تكمنُ الأهمية الكبرى التي اتخذها بن نبي وفكرُه طيلة الثلاثين سنة المنقضية على وفاته، إذ لم يتوقف الباحثون عن دراسته وشرحه ونشره وإعادة نشره، ويعدّ هذا الكتاب دعوةً إلى إعادة اكتشاف هذا المفكر الفذّ بعد أكثر من 35 سنة على رحيله.

المشكلات السياسية التي تواجه العالم الاسلامي

كاتب الموضوع الأصلي: منصور العتيبي 3332

مشكلات سياسية وقانونية تواجهها الدولة الحديثة

أسباب ضعف الدول النامية خاصة العريية والإسلامية

عمان: «الشرق الأوسط»
شكلت ظاهرة الدولة بمفهومها السياسي والقانوني منذ قرون موضوع اهتمام الباحثين، لكن معظم الدراسات حاولت حصر الأسس السياسية لقوة الدولة ولم تحظ الأسس القانونية لهذه القوة بنفس المقدار.
وقد اختار الدكتور محمد بن عيد حمود العتيبي موضوع الأسس القانونية لقوة الدولة في دراسة نشرها مؤخراً تناول فيها ماهية هذه الأسس على ضوء مبادئ القوانين الوضعية بمذاهبها المختلفة من جهة، ثم على ضوء الشريعة الإسلامية من جهة أخرى.

يقول المؤلف في مقدمة الكتاب إنه حرص على تضمين بحثه أهم ما يقوي الدولة من الناحية الإدارية والقانونية والدستورية وحتى الأخلاقية نظراً لاستناد القانون الى الأخلاق.

وقد حدد لذلك الفرضيات التالية كأسس انطلاق للبحث وهي:

أ ـ الفرضية الأولى: أن التأمل في القوانين الوضعية قد بيّن مدى ارتباطها بالتطور التاريخي مما أعطاه صفة النسبية، الأمر الذي لم يسمح بتحقيق استقرار الدول وهو شرط أساسي لتحقيق قوتها.

ب ـ الفرضية الثانية: أن التناقض الذي ساد هذه القواعد أينما وجدت (التصور الغربي الرأسمالي، والتصور الشيوعي، وبينهما التصور الاشتراكي) قد جعل من هذه القوانين الوضعية مصدر نزاع وصراع (حتى داخل الدولة الواحدة)، وهو وضع يؤدي الى إضعاف قوة الدولة.

ج ـ الفرضية الثالثة: أن القوانين الوضعية جعلت بعض القيم الإنسانية والأخلاقية تتناقض في ما بينها وهذا حدث نتيجة تركيز المذهب الشيوعي وحتى الاشتراكي على قيمة المساواة على حساب الحريات والعكس في المذهب الراسمالي.

د ـ الفرضية الرابعة: أن الشريعة الإسلامية بإدارتها شؤون الدولة، وتحديد علاقة الحاكم بالمحكوم، وتركيزها على العدل كقيمة رئيسية، تجعل من العلاقة بين الحريات والمساواة علاقة توفيقية تساعد على انسجام المجتمع (الشعب السياسي والشعب الاجتماعي) وبالتالي تعمل على تعزيز قوة الدولة.

وللتأكد من هذه الفرضيات لجأ الباحث الى منهجين نظراً لطبيعة الدراسة وتشابك مواضيعها وهما المنهج التاريخي والنهج المقارن، حيث يهدف المنهج الأول الى تتبع تطور القوانين الوضعية عبر التاريخ وبذلك يساعد على تحديد الثابت والمتغير. أما المنهج الثاني فقد سمح للباحث بتحديد ما يميز مذهباً عن مذهب آخر في ما يخص القوانين الوضعية وآخر ما يميز الشريعة الإسلامية عن كليهما.

وتبرز الأهمية العلمية للبحث في طبيعة الموضوع ذاته والمتمثل في دراسة الدولة وقوتها في إطار القوانين الوضعية والشريعة الإسلامية، وهذا أثار جدلاً فكرياً واسعاً حول مساهمة هذه القوانين في حل المشكلات التي تواجهها الدولة الحديثة، كما أن اهمية هذا البحث تظهر أيضاً في الحاجة العلمية إليه نظراً لندرة الدراسات حوله.

وتبدو أهمية البحث العملية في أنه يعالج أسباب ضعف الدول النامية خاصة العربية والإسلامية منها والتي لم تستطع التوفيق بين الأصالة (التراث الديني) وبين العصرنة، أي التنظيم المؤسساتي، إذ يرى الباحث ان الدول التي تتميز بتراث ديني ومنها قسم كبير من الدول العربية والإسلامية فشلت في تحقيق مهامها، فلا هي دول دنيوية ناجحة ولا هي دول دينية موفقة.

وهو يتساءل عن أسباب هذا الوضع وارتباطها بطريقة تنظيم هذه الدول لشؤونها والعلاقات بين أفرادها حكاماً ومحكومين كما يعرض بشكل مفصل لأشكال الحكم في العالم، مقارناً بين النظام الديمقراطي والشورى حيث يرى أن النظام الديمقراطي شبه المباشر أقرب الأنظمة الى تحقيق الديمقراطية السليمة بالمفهوم الغربي وخاصة بعد ازدياد السكان في أغلب الدول، اذ يقلل من سيطرة الأحزاب على الناخبين، ويحول دون استبداد المجالس النيابية وتحقيق الانسجام بين البرلمان والشعب، ويعتبره أقرب أنظمة الحكم الى الشورى في الشريعة الإسلامية.

ويشرح المؤلف معنى الديمقراطية شبه المباشرة بأنها قيام الشعب بممارسة السلطة عن طريق وسيط، أي يقوم بانتخاب برلمان لينوب عنه في تعزيز القوانين وممارسة السلطة، ولكن لا يترك له جميع مقاليد الأمور في الدولة، بل يحتفظ الشعب لنفسه بحق المشاركة في بعض المسائل المهمة وخاصة التشريعية، ولهذا النوع من الديمقراطية مظاهر متعددة منها الاقتراع الشعبي حيث يتم اعداد مشروع القانون بمساهمة الشعب ليقدم للبرلمان للمناقشة وتشترط بعض الدساتير ان يوقع على هذا المشروع عدد كبير من أفراد الشعب، ويتم كذلك وبنفس الطريقة الاعتراض الشعبي على القوانين ، إضافة الى إجراء الاستفتاء الشعبي الذي نصت عليه العديد من الدساتير الحديثة، ومنح الناخبين حق إقالة ممثليهم في البرلمان وحتى حل البرلمان، بل حق عزل رئيس الجمهورية كما هو متبع في النمسا.

وبعد مقارنتة للأنظمة الديمقراطية المباشرة منها والنيابية والأنظمة الرئاسية وغيرها يخلص الى نتائج تبين الفروق بين هذه الأنظمة وسلبياتها وإيجابياتها، موضحاً بعد إيراد أمثلة واقعية وتاريخية على أن نظام الحكم في الإسلام يتضمن كافة الإيجابيات في القوانين والأنظمة الوضعية متجنباً السلبيات ، ولكن العبرة في التطبيق الدقيق والأمين لهذا النظام الذي يميزه الحرص على العدالة والمساواة والشورى والتوزيع العادل للثروات.

العالم الإسلامي بين التحديات الداخلية و الأخطار الخارجية

كاتب الموضوع الأصلي: منصور العتيبي 3332

يشكل العالم الاسلامي رقما صعبا في المعادلة الدولية.و منشأ الأهمية موقعه الجغرافي الاستراتيجي بين اسيا وافريقيا مع “جيوب” في البلقان.و تعداد سكانه البالغ مليارا و نصف المليار نسمة،فضلا عن ثرواته النفطية و الغاز الطبيعي بشكل أساسي.

لكن هذا العالم يعاني من مشكلات ذاتية تكبح تطوره و تتمثل في ثلاثة اسباب رئيسية و هي:

ـ التخلف العلمي و استيراده لمختلف التكنولوجيا و الصناعات بما فيها المنتجات العسكرية.

ـ و الثاني تخلف الأنظمة السياسية التي تحكمه و التي لا تراعي عملية تداول السلطة و تعميم الحريات و ترجمة ارادة الشعوب في السلطة و تختصر بالاستبداد.

ـ و الثالث ان العالم الاسلامي يعاني العديد من مشكلات بنيوية اجتماعية والمتمثلة في تراجع دور الدولة المدنية لصالح العصبيات الدينية و المذهبية و الاتنية و المناطقية و العشائرية. و في ظل غياب دولة المواطنة المتكافئة لا تزال ذهنية إلغاء الآخر هي المتحكمة في سلوكيات الأنظمة تجاه الشعوب و في رؤية المجموعات المختلفة لبعضها البعض.

ان نظرة الى المشكلات التي تعاني منها الجغرفيا الاسلامية نلحظ أربعة عناوين :

1 ـ مشكلات داخل كل دولة

ـ العصبيات الدينية بين المسلمين و غير المسلمين.

ـ العصبيات المذهبية بين المذاهب مثل السنة و الشيعة و العلويين و الوهابيين و الاباضيين و المالكيين و ما الى ذلك.

ـ العصبيات الاتنية بين المجموعات الكبيرة و تلك الصغيرة. مثل الاكراد و البربر و ما الى ذلك.

ـ المشكلات الاجتماعية و الاقتصادية الناتجة من الاختلال في توزيع الثروات و انتشار الفقر و من الفساد المستشري.

ـ المشكلات السياسية الناتجة عن الاستبداد و اغلاق الأبواب امام المشاركة الفاعلة للسواد العام من المجتمع في الحياة السياسية.

2 ـ مشكلات بين الدول الاسلامية نفسها و هي ناتجة عن الخلافات على ترسيم الحدود أو التنقيب عن النفط و الغاز برا و بحرا أو على تقاسم المياه العابرة للحدود او التي تحد بين دولتين أو اكثر. أو تدخل دولة في الشؤون الداخلية لدولة أخرى عبر دعم مجموعات معينة داخل الدولة الأخرى لأسباب مختلفة. أو التنافس بين الدول من اجل الهيمنة لأسباب ايضا متعددة.

3 ـ مشكلات بين دولة اسلامية و أخرى غير مسلمة أو لا تنتمي الى منظمة التعاون الاسلامي

و من ذلك وجود اسرائيل في المنطقة الاسلامية و الخلاف بين المغرب و اسبانيا، و بين تركيا و كل من قبرص و اليونان و ارمينيا، او بين باكستان و الهند، او السودان و جنوب السودان و ما الى ذلك.

4 ـ الأطماع الخارجية تعرض الجغرافيا الاسلامية الدائم لأطماع الدول الاستعمارية في ثرواتها و في موقعها الاستراتيجي و خوفا من تكتلها و اتحادها و إبقائها بالتالي مفتتة.

ان السعي الجاد لحل المشكلات بين الدول الاسلامية يبدأ من حل المشكلات داخلها.اذ ان جانبا مهما من المشكلات البينية ناتج من طبيعة الذهنية التي تحكم العلاقات بين المجموعات الداخلية.إن إحدى اكبر المشكلات التي تعاني منها الدول الاسلامية هي أن الأنظمة التي تحكمها لا تنظر بعين واحدة الى كل رعاياها بل يسود التمييز بينهم على أسس اتنية او دينية أو مذهبية.و هذا يفضي الى ثغرات تتيح الفرصة للخارج للتغلغل و استغلال التباينات لتعزيز الهيمنة و إضعاف قدرات الأمة.

إن البحث عن سبلٍ لتغيير الذهنية السائدة الدينية و المذهبية و الاتنية هو من أهم المهمات التي تتطلب التصدي لها و لا سيما من جانب مراكز البحث و الدراسات و وسائل الاعلام و هذا يتطلب جهودا هائلة و لا سيما من جانب المؤسسات الدينية و التربوية في المؤسسات التعليمية أيضا. و على الرغم من خصوصيات المجتمعات الاسلامية و طبيعة المشكلات التي تعاني منها فإن الاستفادة من تجارب المنظمات الاقليمية الأخرى سيكون امرا مهما و لا سيما تلك التي دخلت في حروب دامية لكنها نجحت في تجاوز العديد من المشكلات و من أبرز الأمثلة على ذلك “الاتحاد الأوروبي”.

منظمة التعاون الاسلامي: فلسفة الدور و آليات الحلول تحولت منظمة التعاون الاسلامي الى مؤسسة عاجزة عن ايجاد الحلول للخلافات بين دولها او في استباق المشكلات قبل انفجارها او في العجز عن إيجاد موقف مشترك قوي لمواجهة التدخلات الخارجية. و لا يمكن بالطبع تحميل المسؤولية لقيادة المنظمة لأنها في النهاية تعبير عن واقع العالم الاسلامي و عن الدول و القوى المؤثرة فيها.

و مع ان الكثير من المقترحات التي سنقدمها قد تضمنتها عشرات المبادرات و التقارير السايقة غير ان الزاوية التي يمكن النظر من خلالها الى أسس المعالجة هي التي قد تقدم مساهمة قد تكون جدية في هذا الإطار.إن تحديد فلسفة منظمة التعاون الاسلامي مهمة جدا هنا.

1 ـ ضرورة تحديد التهديدات الداخلية التي يواجهها العالم الاسلامي و التي تعاني منها المجتمعات و الدول الاسلامية و لا سيما التطرف و العنصرية الاتنية و التعصب المذهبي و الاستبداد و الفساد و التنمية غير المتوازنة.و المشكلة هنا هي المواربة و عدم المصارحة و الشفافية في تحديد هذه المشكلات.و هنا يمكن تشكيل لجنة حكماء خارج اللعبة السياسية الرسمية تقوم برسم خريطة المشكلات تمهيدا لمعالجتها. إن التشخيص السليم للمشكلات هو المدخل الوحيد لإيجاد حل لها.

2 ـ تحديد التهديدات الخارجية التي تستهدف دور و موقع و مكانة العالم الاسلامي على الخريطة الدولية.فالعالم الاسلامي لا يزال يتعرض منذ قرون الى هجمة استعمارية قاسية تنهب ثرواته و تحتل أرضه و تمعن تفتيتا في وحدته. و قد تناوبت عليه قوى و دول من انتماءات متعددة.

لقد كانت الشيوعية واحدة من المنظومات التي كانت تستهدف لأسباب دينية العالم الاسلامي. لكنها باستثناء غزو أفغانستان لم تسع بشكل جدي الى احتلال اي من دوله القريبة او البعيدة. و هي قد انتهت مع انتهاء الحرب الباردة .لكن الدول الغربية و لا سيما فرنسا و انكلترا كانت السباقة و الأكثر دموية في استهداف الجغرافيا الاسلامية منذ عصر النهضة و حتى اليوم. و في اللحظة الراهنة إن مسرح الحروب التي يشنها الغرب منذ نهاية الحرب العالمية الثانية بقيادة الولايات المتحدة خصوصا هو العالم الاسلامي (أفغانستان، العراق، ليبيا). إن تحديد الأطماع الغربية في العالم الاسلامي كواحدة من أكبر الأخطار و التحديات يتطلب الشجاعة الكاملة من منظمة التعاون الاسلامي لكي تنجح في رسم سياسات المواجهة و الدفاع عن الجغرفيا الاسلامية.

و رغم كل الأخطار التي ذكرنا غير أن واحدا منها يبقى الأكبر من دون لبس و هو تأسيس الكيان الصهيوني في قلب العالم الاسلامي و على أرض فلسطين و دوره في تهديد المسلمين و العرب في وجودهم و مستقبلهم و ثقافتهم و دينهم و عرقلة تنميتهم و في تشكيله رأس حربة لإبقاء المسلمين تحت الخطر و التبعية. و لعل من أكبر الأخطاء التي يرتكبها المسلمون أن يتراخوا في تشخيص وجود اسرائيل، و ليس فقط سياساتها، كخطر اول على العالم الاسلامي. و حرف البوصلة عن هذا الخطر الى رسم أخطار و همية أو تقديم أخطار أخرى.

3 ـ إن اعتبار الدفاع عن العالم الاسلامي و إعطائه الأولوية على ما عداه يجب ان يتقدم أي هدف من التحالفات بين دول اسلامية و اخرى غير اسلامية. إن من أهم الأخطار التي تتهدد المسلمين و وحدتهم و منعتهم هي تحالف قسم من الدول الاسلامية مع دول خارجية ضد دول اسلامية أخرى. و استمرار مثل هذه الذهنية في التعامل بين المسلمين يحول دون نجاح اي محاولة لحل المشكلات داخل العالم الاسلامي.

إن ابتعاد العالم الاسلامي عن سياسات المحاور و الاستقطابات الدولية و غليب المصالح الاسلامية أولا هو من شروط تجنيبه لمخاطر خارجية و عداوات الآخرين.

ان افتراض التوصل الى تحديد واضح للتهديدات الخارجية و التحديات الداخلية التي يتعرض لها المسلمون تسهل الانتقال الى تحديد آليات فض النزاعات بين الدول الاسلامية و حتى داخل كل دولة من دون اعتبارها تدخلا في شأن داخلي.

في آليات حل النزاعات:

مشكلات الحركات الإسلامية في العالم العربي

كاتب الموضوع الأصلي: منصور العتيبي 3332

علي الظفيري: نرحب بكم مشاهدينا الكرام وبضيوفي الدكتور بشير نافع والأستاذ محمد بن المختار الشنقيطي. دكتور بشير أكثر حكم يروج حول تجاب الإسلام السياسي في العالم العربي يقترب كثيرا من مسألة فشل هذه الحركات السياسية الإسلامية، هل فشل الإسلام السياسي بشكل دقيق فعلا في عالمنا العربي؟

بشير نافع: هو يعتمد على زاوية النظر فشل أم لم يفشل، إن كان المقياس هو وصول القوى الإسلامية للحكم في أغلب مناطق العالم الإسلامي في أغلب دول العالم الإسلامي فيمكن أن تقول إنه فشل لأنه لم يصل إلى الحكم إلا في مناطق محدودة، ولكن إن نظرنا إلى الظاهرة الإسلامية السياسية من منظار أوسع وأعمق من منظار السياق التاريخي الذي ولدت فيه الظاهرة الإسلامية السياسية في نهاية القرن 19 من مطلع القرن العشرين فأنا أعتقد أن الإسلام السياسي يعني حقق إنجازات كبرى.

علي الظفيري: ما هي؟

بشير نافع: مثلا، القوى الإسلامية السياسية وهي قوى طبعا كما ذكرت في التقرير متعددة التعبيرات وفي داخلها قدر كبير من التنوع، أعلت قيم الدين العليا وما نشهده الآن هو تراجع -يعني في المائة سنة الأخيرة- تراجع للإسلام الشعبوي أو القيم الدنيا للدين، الإسلام التصوف والإسلام الخرافي بينما هنا في مد مستمر للقيم العليا والقيم العقلانية والقيم الديناميكية للإسلام والقيم القادرة لإدارة الحوار مع الزمان الذي تعيشه، هذا إنجاز مش بسيط، الإسلام السياسي فتح باب الجدل على مصراعيه حول دور الدين ودور الإسلام في حياة العامة بغض النظر إذا كان هذا الأمر يعني له علاقة بالدولة نفسها وهذا أيضا أو هذا الجدل كما نعرف ولهذا..

علي الظفيري: هذا النقاش اليوم.

بشير نافع: أي نعم. وهذا الجدل مستمر ولم ينته وأنا أعتقد أنه ربما يعني أن مجتمعاتنا ربما لن تستقر في النهاية إلا بتحقق شرطين، شرط خارجي بمعنى كف أيدي التدخلات الخارجية عن العبث بشؤون هذه المجتمعات والدول وشرط داخلي هو إجابة إجماعية بمعنى إجابة يلتف حولها القطاع الأكبر من الشعوب على سؤال ما هو دور الإسلام في الحياة العامة.

علي الظفيري: أستاذ محمد بن المختار من زاوية استطاع الإسلام السياسي أن يحقق حضورا أكبر -الحركات السياسية الإسلامية- حضورا أكبر اليوم في المجتمعات العربية وهذا واضح وجلي، استطاعت أن تحدث تغييرا في تركيبة التيارات السياسية والفكرية الأخرى بشكل أيضا واضح وكبير،من زاوية أخرى لم تستطع أن تصل إلى الحكم إلا في شكل استثناءات عربية، من أي اتجاه نبدأ تقييمنا لفشل أو نجاح الإسلام السياسي في العالم العربي؟

محمد بن المختار الشنقيطي: الإسلام السياسي في العالم العربي نجح وفشل، نجح كما أشار الدكتور بشير نجاحات معتبرة وممكن أضيف إلى أنه نجح أيديولوجيا يعني حسم معركة الهوية لصالح الإسلام.

علي الظفيري: كيف؟

محمد بن المختار الشنقيطي: الإسلام اليوم ليس له منافس أيديولوجيا، ليست هناك أفكار مغرية..

علي الظفيري: تراجع اليسار، المشروع القومي العربي.

محمد بن المختار الشنقيطي: تراجع اليسار، تراجع المشروع القومي العربي على المستوى الأيديولوجي على الأقل، فيمكن أن يقال إن الإسلام السياسي حسم المعركة الفكرية لصالحه ولصالح الإسلام كدين لكنه لم ينجح في الجانب العملي لم يترجم نجاحه الفكري إلى خطة عملية، فأنا أعتبر أن الفشل هو في الثقافة العملية بالأساس، لم يستوعب الإسلاميون حتى الآن وسائل التغيير وفقه التغيير التي توفرها الحياة المعاصرة، فهم أقوياء في التمنع وفي الرفض وأقوياء في الصمود الفكري أمام أي تيار فكري آخر لكن يأتي الضعف إذا جاء التفصيل والبرامج العملية في مواجهات السلط الاستبدادية وغير ذلك.

علي الظفيري: إذا ما اتفقنا على أن الحكم هو الهدف المنشود لأي حركة سياسية، لماذا لم تستطع -دكتور بشير- حركات الإسلام السياسي أن تصل إلى الحكم في معظم البلدان العربية وهي الأقوى وهي الأكثر تأثيرا وهي الأكثر تحصينا على المستوى الفكري؟

بشير نافع: أنا أريد فقد ألاحظ ملاحظة بسيطة، اليسار تراجع في المنطقة العربية وفي العالم الثالث في العالم الإسلامي ككل لأنه أصلا صعود اليسار كان قصير العمر وكان غير طبيعي وغير منطقي وغير متسق مع تجربة هذه الشعوب التاريخية وقيمها، ولكن أنا لدي شك في مسألة تراجع الفكرة القومية يعني الذي حدث أن الأنظمة القومية العربية تهاوت واحدة بعد الأخرى يعني الأنظمة التي جعلت القومية العربية هي عمادها، هي عمادها الأيديولوجي هي التي هزمت في المعارك مع إسرائيل هزمت أو أنهكت في المعارك مع الغرب، ارتكبت أخطاء كبرى، الاستبداد وغيره..

علي الظفيري: لكن هذا برأيك لا يعني التراجع.

بشير نافع: ولكن لا يعني التراجع، العكس هو الصحيح الحقيقة، نحن نرى في المنطقة العربية على وجه الخصوص وهذا يعني لاحق بما حدث في مناطق إسلامية أخرى أنه يعني مثلا القوى الإسلامية السياسية التركية هي تركية الهوية، العرب كما نعرف أو نقول الإسلامية السياسية العربية لفترة من الزمن يعني ضعفت لديها الهوية العربية ولكنها الآن تسترد هذه الهوية كما حدث مع الآباء يعني، يعني كما كان أصلا مع الآباء الإصلاحيين كما كان أيضا مع حسن البنا والمؤسسين..

علي الظفيري: دكتور ثمة مراجعة جدية في هذه النقطة؟

بشير نافع: أنا أعتقد أنه في مراجعة جدية والآن في قناعة أن الإسلام، القوى الإسلامية السياسية رؤية القوى الإسلامية السياسية تصور القوى الإسلامية السياسية لمستقبل المنطقة له صبغة عربية واضحة وهذا الذي أقصد أن الفكرة القومية لم تتراجع على كل حال الفكرة القومية لم تتراجع في العالم ككل، هذا ما أنا أعتقده، يعني أعتقد أن بروز القومية الذي بدأ في القرن 18 يعني ربما أمامنا قرون قبل أن نرى تراجع الفكرة القومية واكتشاف العالم لمستوى آخر من مستويات الهوية..

علي الظفيري (مقاطعا): طيب هذا المبدأ الآخر، لماذا فشلت في الوصول إلى الحكم؟

بشير نافع: طبعا ربما أفضل لها.

علي الظفيري: ما الذي سيحدث؟ لماذا الأفضل؟ الأفضل لها أم الأفضل للآخرين؟

بشير نافع: أنا أعتقد أن القوى الإسلامية السياسية لم تقدم إجابة على سؤال الدولة، واحد من أكبر الأسئلة التي تواجه المجتمعات الإنسانية ككل منذ بروز الدولة الحديثة هو سؤال الدولة، إلى أي درجة هذه الدولة صحية؟ إلى أي درجة هذه الدولة إنسانية؟ إلى أي درجة هذه الدولة تجمع بين العدل وبين الحرية؟ والظاهرة الإسلامية السياسية -وأنا ما أردت أن أعلقه في البداية أصلا- الظاهرة الإسلامية السياسية ليست استمرارية للميراث الإسلامي بمعناه التقليدي وإنما الظاهرة الإسلامية السياسية هي استجابة حديثة على واقع حديث بدأ منذ منتصف القرن 19، هي ظاهرة حديثة، نحن لا نتكلم عن الإسلام السياسي الآن كما نتحدث عن ابن تيمية وعن الغزالي..

علي الظفيري: ظاهرة حديثة ولكنها مشتقة طبعا من موروث.

بشير نافع: طبعا طبعا تستند إليه وترجع إليه وهو يعني إطارها المرجعي ولكن هي كظاهرة اجتماع سياسي هي ظاهرة حديثة بالتمام، فأحد أهم الأسئلة أهم التحديات التي تواجه أو التي واجهت المجتمعات العربية والإسلامية منذ منتصف القرن 19 هو سؤال الدولة وهذا السؤال لم يتم الإجابة عليه بشكل مقنع في داخل القوى الإسلامية السياسية، هذا سبب، السبب الآخر طبعا هو التدخلات الخارجية أعتقد.

علي الظفيري: سنفصل في هذين الجزئين ولكن أيضا أستاذ محمد الشنقيطي في الإجابة على سؤال لماذا لم تصل إلى الدولة، أين الخلل في بنية هذه الحركات السياسية الإسلامية على الصعيد الفكري أو السياسي أو على البرنامج وأيضا في الإجابة على مثل هذه الأسئلة الذي أعاق وصولها إلى الحكم أو حال بينها على الأقل وبين الحكم؟

محمد بن المختار الشنقيطي: طبعا لأسباب مركبة طبعا.

علي الظفيري: دعنا نفصل فيها.

محمد بن المختار الشنقيطي: نعم. عدم وصول الحركات الإسلامية إلى السلطة الآن يمكن إرجاعه إلى عدة أسباب منها أسباب تتعلق بالفكر والخطاب ومنها أسباب تتعلق بالبنية، إن هذه الحركات لم تقدم حتى قدوة ممكن أن نقول في مجال البناء السياسي حتى في صفها الداخلي، وأنا أشرت إلى هذا كثيرا في بعض الكتابات التي كتبتها عليها، يعني أنت لا يمكن أن تبشر بالفكرة الديمقراطية إذا كنت لا تمارس داخل الصف، إذا كان المرشد يبايع مدى الحياة مثلا، أو كلما مات المؤسسة وقع انقطاع في المسيرة مثلا، هنالك خلل كبير في البنية التنظيمية للحركة، ثانيا هنالك مشكلة في الخطاب وهو الخطاب فيه نوع من المجانبة فيه نوع من الاستعلاء على المجتمع في نوع من بناء الأسوار بين الحركة وبين المجتمع، هي لم تحول نفسها إلى حركة المجتمع وإنما إلى حد ما بعض الحركات الإسلامية حولت نفسها إلى هوية داخل الهوية الإسلامية الاجتماعية..

علي الظفيري (مقاطعا): بمعنى؟ مزيدا من التفصيل في هذه النقطة.

محمد بن المختار الشنقيطي: بنت لنفسها.. حولت نفسها إلى طائفة أكثر منها تيارا اجتماعيا معبرا عن آمال الناس أو طموحاتهم، أيضا يمكن أن نقول إنها فرطت في اكتساب القوى النوعية، الدول المعاصرة ليست سهلة وليس من السهل الاستيلاء على السلطة في مجتمع منغلق مثل مجتمعاتنا إلا باكتساب القوى النوعية والقوى النوعية في المجتمعات المعاصرة هي الإعلام والمال والجيش وبالطبع الحركات الإسلامية لم تحقق كثيرا على هذه الجبهات الثلاث، في الدول الديمقراطية الحرة القوى النوعية هي المال والإعلام، في دولنا قوة الجيش والأمن أيضا هي القوة الثالثة وربما الأهم التي تحول بين من يسعى إلى التغيير وبين الوصول إلى السلطة، فطبعا هناك أسباب متعددة فكرية خطابية هيكلية علاقة بالمجتمع حتى الحركات الإسلامية مع الأسف -باستثناء النموذج التركي الذي ورد في التقرير- لم تطور عملا من داخل النظام أيضا، لا هي كانت قوية بنت كتلة اجتماعية قوية تهدم النظام القائم على الطريقة الإيرانية ولا هي سلمت بالواقع وعملت من خلال القنوات المتاحة، فعندنا في الدول العربية مشكلة شوية في..

علي الظفيري: تتفق دكتور بشير مع توصيف الأستاذ محمد؟

بشير نافع: في البعض وليس في الكل.

علي الظفيري: في ماذا تختلف معه؟

بشير نافع: يعني مثلا أي قوة تغييرية في المنطقة العربية لن تستطيع الوصول إلى الحكم في ظل الأوضاع الراهنة، في هناك مركب، مركب قائم ومكرس من الاستبداد الداخلي ومن النفوذ الأجنبي الذي سيطرت عليه يعني قوى رئيسية بعد الحرب الباردة وفي أغلب المناطق في العالم الإسلامي يعني مع الاستثناءات لها علاقة بتركيبات المجتمع التقليدية، في أغلب المناطق إذا أنت فتحت الباب للحريات وفتحت الباب للمنافسة الحرة على الحكم، القوى الإسلامية ستصل إلى الحكم وهذا الأمر يعني لم يعد فيه شك، نحن شهدنا هذا في الجزائر، المثال الذي ذكرته في المقدمة حول تونس، القمع الذي حدث للحركة الإسلامية في تونس هو كان جاء نتيجة للنتائج الحقيقية في انتخابات التسعين، في فلسطين هذا حدث..

علي الظفيري (مقاطعا): في مصر بشكل جزئي.

بشير نافع: في مصر لو سارت المرحلة الثانية والثالثة من انتخابات 2005 كما سارت المرحلة الأولى لكان الإخوان المسلمون سيطروا على البرلمان، هذا أم لم يعد فيه شك، هناك خطاب إعلامي، بالعكس نحن نقول إن الخطاب الإعلامي الإسلامي منتشر ومؤثر ويتهم أحيانا بالشعبوية حتى يعني لأنه نحن نبحث أحيانا عن تفسير لماذا هذا الانتشار الهائل بالغ التأثير في الشعوب من خطابات القوى الإسلامية السياسية، فالبعض يجد لأنها شعبوية، ولكن هذا المركب إما المركب بين النفوذ الأجنبي وبين الاستبداد الداخلي وأنا لا أتحدث عن قوى إسلامية سياسية فقط وإنما أتحدث عن أي تطور للتغيير في المنطقة، إما أن تواجه هذا المركب بحركة شعبية بانفجار شعبي هائل ومستديم لفترة من الزمن يستطيع يعني هزيمة هذا المركب أو أن يحدث تحول سلمي إلى نظام حر وديمقراطي، بدون هذا فالقضية يعني هذه المجتمعات ستبقى فيها الأمور على ما هي عليه بغض النظر عن إن كان التحدي الذي يواجه الدولة تحديا إسلاميا أو أي تحد من نوع آخر.

الحركة الإسلامية السياسية في السودان

علي الظفيري: نعم، التشخيص حقيقة يختلف بين حركة إسلامية استطاعت الوصول إلى الحكم وبين حركات -وهو نقاشنا العام- لم تستطع حتى الآن أن تصل إلى الحكم. كتبت أستاذ محمد، ألفت كتابا عن الحركة الإسلامية في السودان وهي الحركة الوحيدة التي استطاعت الوصول إلى الحكم والاستمرار في أي كانت الطريقة، كيف تشخص تجربة هذه الحركة الإسلامية السياسية في السودان في إدارة دولة على مدى عشرين عاما ويبدو أنها أيضا لديها متسع كبير من الوقت لإدارة أيضا الدولة..

بشير نافع: بعد النتائج الهائلة.

محمد بن المختار الشنقيطي: بالطبع الحركة الإسلامية في السودان هي تجربة فريدة من حيث الفاعلية، الفاعلية التنظيمية، القدرة على اختراق المجتمع، القدرة على اختراق الدولة، فهي كتجربة حركية وهذا الذي اجتذبني إلى دراستها والكتابة عنها ولكن كان من الواضح أيضا أن فقه الحركة لديها أنضج من فقه الدولة بكثير.

علي الظفيري: كيف؟

محمد بن المختار الشنقيطي: يعني وصلت إلى السلطة بقفزة إلى الأمام..

علي الظفيري (مقاطعا): يعني ما هي ملامح العجز في فقه الدولة بالنسبة للحركة الإسلامية في السودان؟

محمد بن المختار الشنقيطي: أولا حتى الحركة ذاتها لم يكن لديها تصور واضح حتى في الخطة، يعني كان هنالك تصور عن ثلاث سنوات تأمين بحسب المصطلحات السائدة في الأدبيات الإسلامية السودانية وبعدها التمكين..

علي الظفيري: تأمين الحكم يعني.

محمد بن المختار الشنقيطي: تأمين الحكم.

علي الظفيري: وجود الإسلاميين في الحكم.

محمد بن المختار الشنقيطي: نعم. ثلاث سنوات تأمين وبعدها مرحلة تمكين..

علي الظفيري: استمر التأمين إلى اليوم.

محمد بن المختار الشنقيطي: إلى اليوم، تأمين وإعادة التأمين الآن ما عاد مجرد تأمين. فالحركة مع الأسف كانت على مستوى عالي جدا من الفاعلية والنضج السياسي في السودان قبل أن تصل إلى السلطة ولكنها جاءت إلى السلطة بدون أفكار واضحة ولذلك ما كتبت أصلا على طريقة إدارة الدولة -وأنا تتبعت أدبياتها بتفصيل دقيق جدا- ما كتبوا عن إدارة الدولة وإنما كتبوا عن إدارة حركة وتنظيم حركة. أيضا طبعا المشكلات الهيكلية لأن اللي تحدثنا عنها من قبل رغم أن الحركة الإسلامية في السودان كانت من أحسن الحركات الإسلامية بناء قياديا في صفها الداخلي قبل أن تصل إلى السلطة ولم تكن القيادة فيها قيادة مشيخية تتمحور حول شخص ومع ذلك ظهر أنها أيضا لم تكن بالقوة المؤسسة الكافية للبقاء بعد الوصول إلى السلطة ولذلك جاء الانشقاق بين الترابي والبشير.

علي الظفيري: نعم. يتفق معك عبد الوهاب الأفندي الدكتور تيجاني عبد القادر، هما من الباحثين السودانيين الذين قدموا قراءة نقدية في تجربة الحركة الإسلامية السودانية. دكتور بشير إلى أي درجة أثر وصول الحركة الإسلامية في السودان إلى الحكم وتجربتها القائمة أثر بشكل سلبي على.. إلى أي درجة أثر بشكل سلبي على التجارب الأخرى؟

بشير نافع: طبعا نحن.. يعني أنا لا أعرف، يعني طبعا لأنه ليس لدينا القدرة على قياس يعني هذا الأثر سلبي ولا إيجابي. ولكن شوف، في مسألة كبرى تواجه المجتمعات العربية الإسلامية وتواجه القوى الإسلامية السياسية هذه المسألة تتلخص بالتالي، طبعا هذا ليس وقتا للمحاضرات ولكن أنا أريد أن أقول بشكل ملخص جدا، في التجربة الإسلامية التاريخية حتى منتصف القرن 19 الدولة لم تكن مسؤولة عن الدين، الدولة كانت مرجعية الدولة وشرعية الدولة مستمدة من الإسلام بشكل عام ولكن الدولة كانت محدودة القوة والسلطة أساسا، مثلا الدولة لم تكن تشرع، الذي كان يشرع هو العلماء، والدولة التي لا تشرع، تصور أنت دولة لا تستطيع أن تشرع، الدولة لم تكن تشرف على قطاعات هائلة في الاجتماع، الصحة والتعليم والاقتصاد كان حرا إلى درجة كبيرة، الدولة مسؤوليتها مسؤولية أمنية وتنظيمية، هذه الدولة، الدولة الإسلامية التقليدية أو ما نسميه أحيانا الدولة، هذه الدولة تعرضت لعملية تحديث هائل ومتصلة منذ منتصف القرن 19 ولدت لدينا الدولة المركزية نموذج الدولة المركزية هذا نموذج أوروبي بالأساس، نحن لم يكن في تجربتنا الداخلية تاريخية مثل هذه الدولة، الآن جاء الإسلاميون وقالوا إن هذه الدولة لا بد أن نؤسلمها، فهم يعني الخطاب الإسلامي في القرن العشرين لم ينتبه إلى حقيقة أن هذه الدولة المركزية الدولة ذات السيطرة الهائلة على الأرض وعلى المجتمع وعلى الشأن الاجتماعي أن هذه الدولة ليست نظير الدولة التقليدية المحدودة في التجربة التاريخية الإسلامية، أنت تأتي بهذه الدولة، هذه الدولة بالغة القوى والأثر والفعالية ثم تضع علامة على رأسها تصبح الدولة أكثر فاعلية وأكثر قوة وأكثر سيطرة وهذا الذي رأيناه في التجربة الإيرانية ورأيناه في التجربة السودانية وهذا هو الذي أنتج هذه الحالة من انفجار العنف والمعارضات الكبيرة في السودان وفي إيران، ما لم يحل هذا السؤال، هذا سؤال الدولة، ما هي الدولة التي نريدها وما هي علاقة هذه الدولة بالإسلام وبالمرجعية الإسلامية وبالهوية الإسلامية فنحن أمام مأزق.

علاقة الدولة بالدين في رؤية الحركات الإسلامية

علي الظفيري: أهلا بكم من جديد مشاهدينا الكرام في العمق يبحث الليلة تجربة الإسلام السياسي في العالم العربي مع الأستاذ محمد بن المختار الشنقيطي والدكتور بشير نافع. أستاذ محمد كيف نشخص الخلل الواقع في رؤية وفكر الحركات الإسلامية في مسألة علاقة الدولة بالدين وخاصة أن الدكتور بشير أثارها قبل قليل وقد أثيرت في الآونة الأخيرة بشكل مكثف، مسألة علاقة الدين بالدولة ما هي أوجه الخلل لدى الحركات السياسية الإسلامية في هذه المسألة؟

محمد بن المختار الشنقيطي: أعتقد يمكن اختزالها في ثلاثة جوانب، الجانب الأول هو أن الفكر السياسي المعاصر وبالذات فكر الحركات الإسلامية لم يستوعب بعد طبيعة العقد الاجتماعي الذي تتأسس عليه الدولة المعاصرة وهي دولة تتأس على الجغرافيا لا على الدين، قد يكون لها هوية دينية ولكنها في النهاية العقد الاجتماعي الذي يتأسس عليه دولة هو الجغرافيا، ليست مثل الإمبراطورية القديمة القائمة على أساس الاشتراك في المعتقد أو الاشتراك في العرق وهي دولة فتوح هنالك فاتح هو المواطن ومن سواه يعني أغلى أمانيه أن يحصل على حماية كمواطن من الدرجة الثانية..

علي الظفيري: تبّع.

محمد بن المختار الشنقيطي: فالدولة المعاصرة هي دولة قائمة على أساس الهوية الجغرافية، ثانيا الدولة المعاصرة لا بد أن تضمن المساواة السياسية بين مواطنيها لا مجال فيها لتشريع التفاوت في الحقوق بين المواطنين المسلمين وغير المسلمين أصلا، وأنا كتبت عنها مؤخرا وثار عليها مشكلة قضية.. أنه لا مانع من أن يكون غير مسلم رئيسا لدولة إسلامية.

علي الظفيري: زعلوا عليك المسلمين.

محمد بن المختار الشنقيطي: نعم. لماذا؟ لأنه أصلا أنت تريد أن تحمي منظومة قيم في الدولة المعاصرة منظومة قيم يحميها الدستور لا يحميها الشخص كما أن القاضي يحكم بالقانون لا يحكم باجتهاده ليس مثل الفقيه القديم. نحن مشكلتنا -وهذا اللي أشار له الدكتور طبعا بخلفيته التاريخية- لا نزال نستأثر لصور تاريخية تمنعنا من إدراك عميق لواقعنا المعاصر. المسألة الثالثة وهي قضية.. بعد المساواة السياسية والعقد القائم على الجغرافيا تتعلق بقضية الصلة بين القيم الدينية وبين السلطة أو قضية الفصل بين الدين والدولة وهذه طبعا مسألة شائكة، لا أعتقد أن العلمانية بمعنى الفصل التام بين الدين والدولة ممكن في المجتمعات الإسلامية، هو ممكن في المجتمعات المسيحية لأنه لا يوجد قانون مسيحي، أنا درست تاريخ الكنيسة وكان تخصصي في جامعة تكساس، لا يوجد شيء اسمه قانون مسيحي، يوجد قانون كنيسة ما يسمونه.. أما القانون الإسلامي الشرع الإسلامي الذي حكم هذه المجتمعات حوالي 12 قرنا أو أكثر لا يمكن إلغاؤه بجرة قلم، فلا بد من صيغة تحافظ على مركزية التشريع الإسلامي دون أن تميز بين المواطنين وأن يكون هنالك مستوى عال من الاجتهاد أيضا لتكييف النظم القانونية الإسلامية مع الواقع المعاصر.

علي الظفيري: دكتور بشير كيف نفصل في هذه المسألة تحديدا شكل العلاقة بين الدين والدولة، طبعا من الصعب أن يختار الإسلاميون مسألة العلمانية لكن ما هو الشكل الأكثر ملاءمة لإيجاد علاقة ما؟

بشير نافع: هو طبعا يعني لا بد أن نقر في البداية أنه ليس هناك علمانية واحدة، في هناك علمانيات في العالم، في هناك علمانية فرنسية في هناك علمانية بريطانية في هناك علمانية ألمانية في هناك علمانية بريطانية وفي كل من هذه العلمانيات في قدر من الاختلاف رغم أن الجميع يعني جاء من أصل واحد..

علي الظفيري (مقاطعا): ممكن تكون في علمانية إسلامية أو عربية في هذه العلاقة؟

بشير نافع: طبعا الآن في هذا الوقت في هذا الزمن هذا الاستخدام، الاستخدام لكلمة العلمانية لمصطلح العلمانية في داخل المجتمعات العربية الإسلامية في داخل الخطاب العام العربي والإسلامي استخدام يثير الاستفزاز، وهو لهذا أنا أثرت قبل قليل أن المشكلة هي سؤال الدول، فإذا أخرجنا هذا المصطلح الذي مثير للاستفزاز وضعناه جانبا وبدأنا الجدل مباشرة حول طبيعة هذه الدولة التي نريدها وحول دور الدين في الحياة العامة فأنا أعتقد -وربما أكون مخطئا- أنه في نهاية الأمر لن نسمح بأن تكون الدولة وصيا على الدين على أي دين على أي تصور للدين ولا ينبغي أن تكون الدولة وصية على الدين بمعنى أن هذه الدعوة إلى أن تصبح الدولة أن يصبح الدين يعني ليس فقط أساس شرعية الدولة وإنما أن يوضع الدين في يد الدولة -وهذا هو الخطاب الذي يميز بعض القوى الإسلامية السياسية- أنا أعتقد أن هذا خطر، وإنما ينبغي أن نعود إلى أصل الأمور أن المجتمع الجماعة هي مستودع الدين وليست الدولة هي مستودع الدين.

علي الظفيري: هذا أمر دكتور وأسأل عنه أستاذ محمد أنه فعلا كلما وصلت حركة سياسية إسلامية تحديدا إلى الحكم أو أصبح لها تمثيل أكبر في بلد ما سادت رؤيتها، في إيران ساد الإسلام السياسي الشيعي الجعفري الاثني عشري، في العراق أيضا من الواضح حتى أن ميلا لكثير من الكتاب منهم الدكتور بشير نافع منهم الشيخ راشد الغنوشي تحدثوا عن أن ربما العلمانية في صيغة القائمة قائمة العراقية هي الأقرب والأفضل والأكثر قبولا الآن مقابل تجارب إسلامية أخرى، في لبنان التجارب الإسلامية السياسية طائفية سواء شيعية أو سنية، في أكثر من مكان، في السودان أيضا سادت رؤية واحدة، كيف يمكن حل هذه المشكلة، هل تساعد في تعزيز شكل معين يفصل كما ذكر الدكتور بشير بين رؤية الحركة السياسية للدين وإدارتها للدولة؟

محمد بن المختار الشنقيطي: لا، أنا لا أعتقد أولا أن العلمانية هل الحل للمجتمعات الإسلامية رغم أنه كما أشار الدكتور طبعا هنالك فرق بين العلمانية اللي ما يسمونه الناعمة والعلمانية الصلبة soft secularism و hard secularism. أنا أعتقد أن ما نحتاجه اليوم هو الإجماع، المشكلة هي نقص في الإجماع السياسي وليست مشكلة إسلامية أو علمانية ويمكن حصول نوع من الإجماع على صيغة يراها العلمانيون علمانية ويراها الإسلاميون إسلامية وهذا ممكن فعلا لأنه..

علي الظفيري (مقاطعا): ملامح هذه الصيغة؟

محمد بن المختار الشنقيطي: مثلا إذا فصلنا، حددنا أولا التمييز بين ما يسميه بعض المفكرين الإسلاميين -وهذا طرح في المغرب منذ سنوات- التمييز بين مجال الدعوة والمجال السياسي ولا يعني الفصل بين الدين والدولة ولكن منطق الدعوة قائم على الاكتساب والمنطق السياس قائم على أساس المغالبة فلا بد من التمييز بين الاثنين. أنا أعتقد أن هناك تمييزا آخر لا يقل أهمية وهو التمييز بين الأخلاق والقانون في الشريعة الإسلامية، الشريعة الإسلامية 90% منها أخلاق وليست قوانين، يعني ليست مجالا يفترض أن تتدخل فيه الدولة بقوة القانون، ولكن من أكبر الخلط المنهجي السائد اليوم وحتى عند بعض الحركات الإسلامية هو أنها تريد أن تحول كل الأخلاق إلى تشريعات وهذا خطأ.

علي الظفيري: كل تفصيل في هذه الشريعة يراد له أن يتحول إلى قانون.

محمد بن المختار الشنقيطي: نعم، نعم، سلطة الضمير أهم من سلطة القانون في الأديان وإلا أصبح الناس يعبدون الدولة ولا يعبدون الله عز وجل..

بشير نافع: ولكن هذه هي طبيعة الدولة المركزية.

محمد بن المختار الشنقيطي: لا، نحتاج دولة حرة يكون فيها تدخل الدولة محصورا، تدخل القانون محصور وهناك فضاء مفتوح، أما هل هذا القانون، مصدر هذا القانون.. طبعا أيضا هذا أمر آخر يحتاج إلى حل وهو أنا أعتقد كل قانون لا يناقض الإسلام هو قانون إسلامي بدلا من أن نقول كل قانون ليس مأخوذا من القرآن والسنة ليس إسلاميا، لا، كل قانون لا يناقض الإسلام هو قانون إسلامي.

علي الظفيري: عدم مناقضة الإسلام وبالتالي.. بشير نافع له تعليق.

بشير نافع: يا أستاذ علي شوف، نحن نتحدث عن حلول مؤقتة لأوضاع طارئة ومؤقتة، يعني كيف؟ أنت أولا دعني أتفق في البداية مع السؤال اللي أنت طرحته، كل المجتمعات التي يوجد فيها تعدد طائفي ملموس يعني تعدد طائفي بقدر يعني واضح وملموس..

علي الظفيري: لبنان، العراق.

بشير نافع: الإسلام السياسي فيها أو البرنامج الإسلامي السياسي في الحكم هو خطر، لن ينتهي إلا إلى أنظمة طائفية، هذا أمر لم يعد محل جدل لأنه هذا وقع بالفعل..

علي الظفيري: في البلدان غير متعددة الطوائف.

بشير نافع: إيه في البلدان غير المتعددة الطوائف، أعتقد أنه في النهاية ينبغي أن تكون الدولة، وأنا أقول مرة أخرى أن هذا حل مؤقت لأنه إذا كانت إحنا أنا وأنت ومحمد المختار والمشاهدون إذا كنا نحن يعني نستبطن المثال العربي المنطقة العربية فهذه الكيانات بإسلام سياسي أو بغير إسلام سياسي غير قابلة للحياة بشكل طبيعي وصحي وينبغي في النهاية أن يوجد تصور وحدوي لهذه الكيانات تضعف فيه سلطة الدولة ويتسع في نطاق المجتمع ويتسع أيضا في نطاق الإجماع وفي النهاية هذه الوحدة هذه الكيانات الواسعة ستستطيع أن تجد حلا ولكن بشكل مؤقت يمكن أن يكون هناك قدر من المرجعية الإسلامية في بلدان مثل مصر في بلدان مثل الجزائر في البلدان التي لا تعيش وضعا طائفيا قلقا.

علي الظفيري: الغريب أنا أعتقد ربما يطرح أحد هذا السؤال عليكما تحديدا، لماذا يراد من الحركات الإسلامية السياسية أن تجيب بشكل.. أن تقدم إجابات نهائية ومكتملة لسؤال الدولة وهي لم يتح لها أي هامش للحركة؟ يعني لماذا لا يترك لها المجال في أن تتولى إدارة الدولة نظيرا لحجمها وتمثيلها الكبير في المجتمع وبعد ذلك هذا أمر خاضع للنضج، بعد التجربة تستطيع أن تحدد ما هي ملامح الإجابة على هذا السؤال الكبير.

محمد بن المختار الشنقيطي: بالطبع من حق الحركات الإسلامية أن تعطى فرصة كما من حق القوى الاجتماعية أن تتنافس في فضاء حر قائم على أساس احترام الجميع، لكن من حق الناس أيضا أن يطالبوا من يسعى إلى التغيير من يسعى إلى السلطة أن ينظروا في الأفق النظري الذي يقدمه، والإسلاميون يحتاجون إلى وضوح في أفقهم النظري.

علي الظفيري: عندنا تجربة الإخوان المسلمين في مصر في قضية كتابة دستور أو تنظيم أو رؤية..

بشير نافع: برنامج.

علي الظفيري: برنامج سياسي؟

محمد بن المختار الشنقيطي: نعم طبعا كتبوا دستورا وكتبوا ولذلك الأستاذ فهمي هويدي علق قال الإخوان في هذا الدستور ظالمون ومظلومون، يعني أنت تكون ضحية للظلم وفي نفس الوقت تسوغ نوعا من التفاوت وعدم المساواة بين المواطنين..

علي الظفيري (مقاطعا): ماذا سجل عليه من تحفظات؟

بشير نافع: هو برنامج وليس دستورا.

علي الظفيري: برنامج عفوا. برنامج ولكن هو أرضية.

محمد بن المختار الشنقيطي: حتى كان في مشروع دستور كمان أو مشروع حزب سياسي، عموما من حق الناس أن يطالبوا الإسلاميين بالوضوح النظري حول ما يريدون وخصوصا في مجال المساواة والحريات، هذا من حق أي مواطن..

علي الظفيري (مقاطعا): نذكر أنه جرت مقابلة مع الدكتور محمد حبيب فقط كان التحفظ على رئاسة الدولة اشتراط المسلم فيها وكان أيضا قضية تطرح دائما فيما يتعلق بحقوق غير المسلمين والمرأة تحديدا في هذه.. هل هناك تحفظات أخرى؟

محمد بن المختار الشنقيطي: هذه التحفظات الرئيسية لأنها تتعلق بالمساواة السياسية والمساواة السياسية أمر لا يقبل الجدل فيمن يريد أن يبني دولة معاصرة، مع ذلك أنا أريد أن أرجع إلى الوراء وأقول إنه لا أرى أن الطائفية مبرر للعلمانية والعلمانية لن تطبق في الدول الإسلامية إلا بالقهر والقهر ينافي أي حل سياسي منصف فيها يعني.

مقومات نجاح التجارب الإسلامية السياسية وآفاق المستقبل

علي الظفيري: التجارب تقاس بمثيلاتها، فقط لضيق الوقت، التجربة الإيرانية والتجربة التركية. دكتور محمد المهتدي الباحث في القضايا الإسلامية من إيران يجيب لماذا نجحت التجربة الإسلامية السياسية في إيران.

علي الظفيري: دكتور بشير ما الذي توفر في حركة سياسية إسلامية تنجح في إيران وأيضا مؤخرا في تركيا ولم يتوفر في العالم العربي؟

بشير نافع: شوف إحنا الحقيقة، طبعا تعود إلى السؤال الأول في الحلقة أنه الوصول للحكم يعني القبض على مقاليد الدولة، طبعا هذا حدث في إيران ولكن بعد ذلك التجربة واجهت كما نعرف صعوبات كبيرة لأنه في إيران في صعوبة مضاعفة في صعوبة من أن هذه الدولة دولة حديثة وأسلمناها، وفي صعوبة أخرى أنه في إشكالية لعلاقة الفكر السياسي الشيعي بمسألة الدولة، يعني الفكر السياسي السني هو أكثر مرونة في التعامل مع فكرة الدولة فهو في.. لكن لماذا نجحت هذه الثورة؟ نجحت الثورة لأنه في هناك قوانين تحكم الثورات الشعبية وهذه الثورة نجحت في 1979 لأنها اقتربت كثيرا بشكل غير عادي -منذ الثورة الشيوعية في روسيا في مطلع القرن العشرين- من القوانين الصحيحة للثورة، العلاقة بين القيادة والكتلة الشعبية، انفجار التناقض بين الكتلة الشعبية بين الجماعة والأمة وبين النظام المستبد. وطبعا الإسلام منذ.. أنا يعني طبعا لا مجال هنا للتفصيل ولكن الإسلام بالأساس والإسلام السياسي بجذوره هو.. والتوجهات الإسلامية الدستورية في نهاية القرن 19 هي في الحقيقة ولدت من مسألة الرد على الاستبداد يعني عندما ولدت الدولة الحديثة في بلادنا في النصف الثاني من القرن 19 كان لاحظ عدد كبير من رجال الدين ومن البيروقراطية ذات الخلفية الإسلامية أن هذه دولة مستبدة هذه دولة لا نعرفها يعني هذه دولة مش مستمدة من تاريخنا، فكيف أصبح الرد عليها؟ الرد عليها هو العودة إلى الشريعة، أصلا فكرة العودة إلى الشريعة الإسلامية هي ولدت في هذه اللحظة يعني أنت إذا قرأت كتابا في القرن الرابع الهجري أو الخامس الهجري، هذا الجدل حول الشريعة وتطبيق الشريعة لم يكن موجودا، فكرة تطبيق الشريعة ولدت في النصف الثاني من القرن 19 في الرد على استبداد الدولة الحديثة، فالمرجعية الإسلامية في إيران وظفت بشكل هائل وبشكل ناجح لأنه كان في لحظة قطيعة بين الشعب وبين نظام مستبد.

علي الظفيري: أستاذ محمد من الواضح أنه لا مجال، لا فرصة لتطبيق النموذج الإيراني نموذج الثورة والانقلاب على الدولة، لكن هناك نموذجا آخر النموذج التركي، ما هي الأسئلة التي تطرح في علاقات الحركات السياسية الإسلامية بالديمقراطية تحديدا كوسيلة اليوم لتكون بديلا مقبولا ومنطقيا لأنظمة الحكم السائدة؟

محمد بن المختار الشنقيطي: أنا أعتقد أن الحركات الإسلامية تحتاج إلى أن تغير من إستراتيجيتها أو أفقها من حركات ساعية إلى الحكم إلى حركات ساعية إلى التحرير، تحرير الشعوب يعني الاستبداد، نحن شعوبنا ليست بحاجة إلى من يحكمها، هي محكومة أكثر من اللازم أصلا، بحاجة إلى من يخفف عنها قبضة الحكم.

علي الظفيري: وكيف يتم هذا الأمر على صعيد البرنامج؟

محمد بن المختار الشنقيطي: هذا يتم أولا أن تتحول الحركة إلى جزء من كتلة اجتماعية لا تجعل الصراع بين الحركة والدولة أصلا، إذا استمر الصراع بين حركة سرية اسمها المخابرات العامة أو حركة سرية اسمها أي نوع، سمها أي اسم من أسماء الحركات الإسلامية أو غيره، هذا الصراع ليس صراعا اجتماعيا ليس الصراع ليس يولد كتلة اجتماعية قوية قادرة على مقارعة الاستبداد.

علي الظفيري: هل يدور شيء من هذا الحديث في مصر تحديدا مع حركة الإخوان المسلمين في تغيير النهج؟

محمد بن المختار الشنقيطي: طبعا، الإخوان المسلمون بصراحة في مصر يعيشون مخاضا فكريا جيدا وهنالك ديناميكية قوية جدا يعني متحركة في السنوات الأخيرة ما في شك في هذا، وهنالك صراع بس صراع داخل الحركة نفسها لا تزال بين.. بس أن الرجوع إلى ما تحتاج الحركات الإسلامية إليه، أولا تتحول إلى حركات تحرير لشعوبها، ثانيا لا تعزل نفسها، لا تكن حركة مواجهة للدولة وإنما مجتمع مواجه للدولة تتحول إلى حركة مجتمع، وهذا الذي نجح به الأتراك الحقيقة وأعتقد أن جذوره ترجع إلى الانفصام الخطير الذي وقع بين القومية والإسلام منتصف القرن العشرين، هذه المأساة العربية وأنا أعتقد أنه من أكبر الكوارث في تاريخنا المعاصر هو الصراع ما بين القومية والإسلام في الخمسينيات والستينيات، وهذا الذي تفاداه الإيرانيون فالحقيقة ثورة الإمام الخميني هي ثورة إسلامية لكنها قومية والأتراك الآن وهم إسلاميون قوميون أيضا، لم يقع التناقض الذي وقع مع مجتمعاتنا.

علي الظفيري: وأشرنا مع الدكتور بشير قبل قليل أشار إلى أنه في شيء من المراجعات تحدث في قضية العلاقة بين ما هو إسلامي وما هو قومي عربي. لم يتبق وقت كثير دكتور بشير أسألك أنت اطلعت كثيرا على تجارب الحركات الإسلامية العربية من خلال برنامج إسلاميون التقيت بمعظم.. تكاد التقيت بكل ربما أو معظم الإسلاميين في العالم العربي والحركات الإسلامية، إلى أين تتجه هذه الحركات برأيك، ما هو مستقبلها المنظور؟

بشير نافع: أنا أقول دائما إن الاتجاه الإسلامي السياسي ليس اتجاها ناجزا وإنما نحن في مواجهة process يعني في مواجهة عملية، في مواجهة عملية سائرة ولم تصل إلى نهاياتها ولم تأخذ ملامح نضجها بعد رغم كل هذا الزمن الطويل الذي أشرت أنت إليه في مقدمة البرنامج، وأعتقد -وربما أيضا أكون مخطئا- أعتقد أن الأمور تسير تدريجيا وبهدوء إلى شيء قريب مما يحدث في تركيا بمعنى أن المجال الإسلامي حر ومنفتح في داخل المجتمع والقوى الدينية الإسلامية في داخل المجتمع تعمل على نطاق واسع، مستشفيات ومدارس وحجاب وتدين، وهناك دولة مدنية، الدولة المدنية هذه تطرح سياساتها وتطرح قوانينها على الخيار الشعبي، الشعب هو الذي يقرر إلى أي مدى تقترب الدولة مما يسمى -بين قوسين- أيضا إسلام.

علي الظفيري: وهو يقيس كل شيء الإدارة المدنية يقيس هذا النشاط أيضا المجتمعي بشكل ويبدأ يعني ربما يطلق أحكامه.

بشير نافع: في النهاية أنا أعتقد أن الأمور تسير في العالم الإسلامي ككل يعني بهذا الاتجاه ولكن هذه الدول الصغيرة الضعيفة المقسمة حتى مثل هذا النموذج لن تستطيع احتماله لفترة طويلة وإنما لا بد أن توجد كيانات أكبر أن توجد وحدات أكبر حتى تستطيع أن تتحمل مثل هذا العبء.

علي الظفيري: أستاذ محمد أين تتجه؟ باختصار شديد إن تكرمت.

محمد بن المختار الشنقيطي: هذه الحركات الإسلامية لا يمكن أن نحملها الحقيقة مسؤولية التغيير ولا أين تتجه، هي جزء من حركة المجتمع، وكان نيلسون مانديلا في السجن كان يقول يا من منعك أهل السلطة الحرية فإن طريقك إلى الحرية هي السلطة. فنحن نحتاج أن يدرك أهل السلطة أن الجميع يحتاج إلى الحرية وألا يجعلونا جميعا طالبين للسلطة لأن هذه هي عقدة مجتمعاتنا اليوم.

مشكلات الحركات الإسلامية في العالم العربي

كاتب الموضوع الأصلي: منصور العتيبي 3332

علي الظفيري: نرحب بكم مشاهدينا الكرام وبضيوفي الدكتور بشير نافع والأستاذ محمد بن المختار الشنقيطي. دكتور بشير أكثر حكم يروج حول تجاب الإسلام السياسي في العالم العربي يقترب كثيرا من مسألة فشل هذه الحركات السياسية الإسلامية، هل فشل الإسلام السياسي بشكل دقيق فعلا في عالمنا العربي؟

بشير نافع: هو يعتمد على زاوية النظر فشل أم لم يفشل، إن كان المقياس هو وصول القوى الإسلامية للحكم في أغلب مناطق العالم الإسلامي في أغلب دول العالم الإسلامي فيمكن أن تقول إنه فشل لأنه لم يصل إلى الحكم إلا في مناطق محدودة، ولكن إن نظرنا إلى الظاهرة الإسلامية السياسية من منظار أوسع وأعمق من منظار السياق التاريخي الذي ولدت فيه الظاهرة الإسلامية السياسية في نهاية القرن 19 من مطلع القرن العشرين فأنا أعتقد أن الإسلام السياسي يعني حقق إنجازات كبرى.

علي الظفيري: ما هي؟

بشير نافع: مثلا، القوى الإسلامية السياسية وهي قوى طبعا كما ذكرت في التقرير متعددة التعبيرات وفي داخلها قدر كبير من التنوع، أعلت قيم الدين العليا وما نشهده الآن هو تراجع -يعني في المائة سنة الأخيرة- تراجع للإسلام الشعبوي أو القيم الدنيا للدين، الإسلام التصوف والإسلام الخرافي بينما هنا في مد مستمر للقيم العليا والقيم العقلانية والقيم الديناميكية للإسلام والقيم القادرة لإدارة الحوار مع الزمان الذي تعيشه، هذا إنجاز مش بسيط، الإسلام السياسي فتح باب الجدل على مصراعيه حول دور الدين ودور الإسلام في حياة العامة بغض النظر إذا كان هذا الأمر يعني له علاقة بالدولة نفسها وهذا أيضا أو هذا الجدل كما نعرف ولهذا..

علي الظفيري: هذا النقاش اليوم.

بشير نافع: أي نعم. وهذا الجدل مستمر ولم ينته وأنا أعتقد أنه ربما يعني أن مجتمعاتنا ربما لن تستقر في النهاية إلا بتحقق شرطين، شرط خارجي بمعنى كف أيدي التدخلات الخارجية عن العبث بشؤون هذه المجتمعات والدول وشرط داخلي هو إجابة إجماعية بمعنى إجابة يلتف حولها القطاع الأكبر من الشعوب على سؤال ما هو دور الإسلام في الحياة العامة.

علي الظفيري: أستاذ محمد بن المختار من زاوية استطاع الإسلام السياسي أن يحقق حضورا أكبر -الحركات السياسية الإسلامية- حضورا أكبر اليوم في المجتمعات العربية وهذا واضح وجلي، استطاعت أن تحدث تغييرا في تركيبة التيارات السياسية والفكرية الأخرى بشكل أيضا واضح وكبير،من زاوية أخرى لم تستطع أن تصل إلى الحكم إلا في شكل استثناءات عربية، من أي اتجاه نبدأ تقييمنا لفشل أو نجاح الإسلام السياسي في العالم العربي؟

محمد بن المختار الشنقيطي: الإسلام السياسي في العالم العربي نجح وفشل، نجح كما أشار الدكتور بشير نجاحات معتبرة وممكن أضيف إلى أنه نجح أيديولوجيا يعني حسم معركة الهوية لصالح الإسلام.

علي الظفيري: كيف؟

محمد بن المختار الشنقيطي: الإسلام اليوم ليس له منافس أيديولوجيا، ليست هناك أفكار مغرية..

علي الظفيري: تراجع اليسار، المشروع القومي العربي.

محمد بن المختار الشنقيطي: تراجع اليسار، تراجع المشروع القومي العربي على المستوى الأيديولوجي على الأقل، فيمكن أن يقال إن الإسلام السياسي حسم المعركة الفكرية لصالحه ولصالح الإسلام كدين لكنه لم ينجح في الجانب العملي لم يترجم نجاحه الفكري إلى خطة عملية، فأنا أعتبر أن الفشل هو في الثقافة العملية بالأساس، لم يستوعب الإسلاميون حتى الآن وسائل التغيير وفقه التغيير التي توفرها الحياة المعاصرة، فهم أقوياء في التمنع وفي الرفض وأقوياء في الصمود الفكري أمام أي تيار فكري آخر لكن يأتي الضعف إذا جاء التفصيل والبرامج العملية في مواجهات السلط الاستبدادية وغير ذلك.

علي الظفيري: إذا ما اتفقنا على أن الحكم هو الهدف المنشود لأي حركة سياسية، لماذا لم تستطع -دكتور بشير- حركات الإسلام السياسي أن تصل إلى الحكم في معظم البلدان العربية وهي الأقوى وهي الأكثر تأثيرا وهي الأكثر تحصينا على المستوى الفكري؟

بشير نافع: أنا أريد فقد ألاحظ ملاحظة بسيطة، اليسار تراجع في المنطقة العربية وفي العالم الثالث في العالم الإسلامي ككل لأنه أصلا صعود اليسار كان قصير العمر وكان غير طبيعي وغير منطقي وغير متسق مع تجربة هذه الشعوب التاريخية وقيمها، ولكن أنا لدي شك في مسألة تراجع الفكرة القومية يعني الذي حدث أن الأنظمة القومية العربية تهاوت واحدة بعد الأخرى يعني الأنظمة التي جعلت القومية العربية هي عمادها، هي عمادها الأيديولوجي هي التي هزمت في المعارك مع إسرائيل هزمت أو أنهكت في المعارك مع الغرب، ارتكبت أخطاء كبرى، الاستبداد وغيره..

علي الظفيري: لكن هذا برأيك لا يعني التراجع.

بشير نافع: ولكن لا يعني التراجع، العكس هو الصحيح الحقيقة، نحن نرى في المنطقة العربية على وجه الخصوص وهذا يعني لاحق بما حدث في مناطق إسلامية أخرى أنه يعني مثلا القوى الإسلامية السياسية التركية هي تركية الهوية، العرب كما نعرف أو نقول الإسلامية السياسية العربية لفترة من الزمن يعني ضعفت لديها الهوية العربية ولكنها الآن تسترد هذه الهوية كما حدث مع الآباء يعني، يعني كما كان أصلا مع الآباء الإصلاحيين كما كان أيضا مع حسن البنا والمؤسسين..

علي الظفيري: دكتور ثمة مراجعة جدية في هذه النقطة؟

بشير نافع: أنا أعتقد أنه في مراجعة جدية والآن في قناعة أن الإسلام، القوى الإسلامية السياسية رؤية القوى الإسلامية السياسية تصور القوى الإسلامية السياسية لمستقبل المنطقة له صبغة عربية واضحة وهذا الذي أقصد أن الفكرة القومية لم تتراجع على كل حال الفكرة القومية لم تتراجع في العالم ككل، هذا ما أنا أعتقده، يعني أعتقد أن بروز القومية الذي بدأ في القرن 18 يعني ربما أمامنا قرون قبل أن نرى تراجع الفكرة القومية واكتشاف العالم لمستوى آخر من مستويات الهوية..

علي الظفيري (مقاطعا): طيب هذا المبدأ الآخر، لماذا فشلت في الوصول إلى الحكم؟

بشير نافع: طبعا ربما أفضل لها.

علي الظفيري: ما الذي سيحدث؟ لماذا الأفضل؟ الأفضل لها أم الأفضل للآخرين؟

بشير نافع: أنا أعتقد أن القوى الإسلامية السياسية لم تقدم إجابة على سؤال الدولة، واحد من أكبر الأسئلة التي تواجه المجتمعات الإنسانية ككل منذ بروز الدولة الحديثة هو سؤال الدولة، إلى أي درجة هذه الدولة صحية؟ إلى أي درجة هذه الدولة إنسانية؟ إلى أي درجة هذه الدولة تجمع بين العدل وبين الحرية؟ والظاهرة الإسلامية السياسية -وأنا ما أردت أن أعلقه في البداية أصلا- الظاهرة الإسلامية السياسية ليست استمرارية للميراث الإسلامي بمعناه التقليدي وإنما الظاهرة الإسلامية السياسية هي استجابة حديثة على واقع حديث بدأ منذ منتصف القرن 19، هي ظاهرة حديثة، نحن لا نتكلم عن الإسلام السياسي الآن كما نتحدث عن ابن تيمية وعن الغزالي..

علي الظفيري: ظاهرة حديثة ولكنها مشتقة طبعا من موروث.

بشير نافع: طبعا طبعا تستند إليه وترجع إليه وهو يعني إطارها المرجعي ولكن هي كظاهرة اجتماع سياسي هي ظاهرة حديثة بالتمام، فأحد أهم الأسئلة أهم التحديات التي تواجه أو التي واجهت المجتمعات العربية والإسلامية منذ منتصف القرن 19 هو سؤال الدولة وهذا السؤال لم يتم الإجابة عليه بشكل مقنع في داخل القوى الإسلامية السياسية، هذا سبب، السبب الآخر طبعا هو التدخلات الخارجية أعتقد.

علي الظفيري: سنفصل في هذين الجزئين ولكن أيضا أستاذ محمد الشنقيطي في الإجابة على سؤال لماذا لم تصل إلى الدولة، أين الخلل في بنية هذه الحركات السياسية الإسلامية على الصعيد الفكري أو السياسي أو على البرنامج وأيضا في الإجابة على مثل هذه الأسئلة الذي أعاق وصولها إلى الحكم أو حال بينها على الأقل وبين الحكم؟

محمد بن المختار الشنقيطي: طبعا لأسباب مركبة طبعا.

علي الظفيري: دعنا نفصل فيها.

محمد بن المختار الشنقيطي: نعم. عدم وصول الحركات الإسلامية إلى السلطة الآن يمكن إرجاعه إلى عدة أسباب منها أسباب تتعلق بالفكر والخطاب ومنها أسباب تتعلق بالبنية، إن هذه الحركات لم تقدم حتى قدوة ممكن أن نقول في مجال البناء السياسي حتى في صفها الداخلي، وأنا أشرت إلى هذا كثيرا في بعض الكتابات التي كتبتها عليها، يعني أنت لا يمكن أن تبشر بالفكرة الديمقراطية إذا كنت لا تمارس داخل الصف، إذا كان المرشد يبايع مدى الحياة مثلا، أو كلما مات المؤسسة وقع انقطاع في المسيرة مثلا، هنالك خلل كبير في البنية التنظيمية للحركة، ثانيا هنالك مشكلة في الخطاب وهو الخطاب فيه نوع من المجانبة فيه نوع من الاستعلاء على المجتمع في نوع من بناء الأسوار بين الحركة وبين المجتمع، هي لم تحول نفسها إلى حركة المجتمع وإنما إلى حد ما بعض الحركات الإسلامية حولت نفسها إلى هوية داخل الهوية الإسلامية الاجتماعية..

علي الظفيري (مقاطعا): بمعنى؟ مزيدا من التفصيل في هذه النقطة.

محمد بن المختار الشنقيطي: بنت لنفسها.. حولت نفسها إلى طائفة أكثر منها تيارا اجتماعيا معبرا عن آمال الناس أو طموحاتهم، أيضا يمكن أن نقول إنها فرطت في اكتساب القوى النوعية، الدول المعاصرة ليست سهلة وليس من السهل الاستيلاء على السلطة في مجتمع منغلق مثل مجتمعاتنا إلا باكتساب القوى النوعية والقوى النوعية في المجتمعات المعاصرة هي الإعلام والمال والجيش وبالطبع الحركات الإسلامية لم تحقق كثيرا على هذه الجبهات الثلاث، في الدول الديمقراطية الحرة القوى النوعية هي المال والإعلام، في دولنا قوة الجيش والأمن أيضا هي القوة الثالثة وربما الأهم التي تحول بين من يسعى إلى التغيير وبين الوصول إلى السلطة، فطبعا هناك أسباب متعددة فكرية خطابية هيكلية علاقة بالمجتمع حتى الحركات الإسلامية مع الأسف -باستثناء النموذج التركي الذي ورد في التقرير- لم تطور عملا من داخل النظام أيضا، لا هي كانت قوية بنت كتلة اجتماعية قوية تهدم النظام القائم على الطريقة الإيرانية ولا هي سلمت بالواقع وعملت من خلال القنوات المتاحة، فعندنا في الدول العربية مشكلة شوية في..

علي الظفيري: تتفق دكتور بشير مع توصيف الأستاذ محمد؟

بشير نافع: في البعض وليس في الكل.

علي الظفيري: في ماذا تختلف معه؟

بشير نافع: يعني مثلا أي قوة تغييرية في المنطقة العربية لن تستطيع الوصول إلى الحكم في ظل الأوضاع الراهنة، في هناك مركب، مركب قائم ومكرس من الاستبداد الداخلي ومن النفوذ الأجنبي الذي سيطرت عليه يعني قوى رئيسية بعد الحرب الباردة وفي أغلب المناطق في العالم الإسلامي يعني مع الاستثناءات لها علاقة بتركيبات المجتمع التقليدية، في أغلب المناطق إذا أنت فتحت الباب للحريات وفتحت الباب للمنافسة الحرة على الحكم، القوى الإسلامية ستصل إلى الحكم وهذا الأمر يعني لم يعد فيه شك، نحن شهدنا هذا في الجزائر، المثال الذي ذكرته في المقدمة حول تونس، القمع الذي حدث للحركة الإسلامية في تونس هو كان جاء نتيجة للنتائج الحقيقية في انتخابات التسعين، في فلسطين هذا حدث..

علي الظفيري (مقاطعا): في مصر بشكل جزئي.

بشير نافع: في مصر لو سارت المرحلة الثانية والثالثة من انتخابات 2005 كما سارت المرحلة الأولى لكان الإخوان المسلمون سيطروا على البرلمان، هذا أم لم يعد فيه شك، هناك خطاب إعلامي، بالعكس نحن نقول إن الخطاب الإعلامي الإسلامي منتشر ومؤثر ويتهم أحيانا بالشعبوية حتى يعني لأنه نحن نبحث أحيانا عن تفسير لماذا هذا الانتشار الهائل بالغ التأثير في الشعوب من خطابات القوى الإسلامية السياسية، فالبعض يجد لأنها شعبوية، ولكن هذا المركب إما المركب بين النفوذ الأجنبي وبين الاستبداد الداخلي وأنا لا أتحدث عن قوى إسلامية سياسية فقط وإنما أتحدث عن أي تطور للتغيير في المنطقة، إما أن تواجه هذا المركب بحركة شعبية بانفجار شعبي هائل ومستديم لفترة من الزمن يستطيع يعني هزيمة هذا المركب أو أن يحدث تحول سلمي إلى نظام حر وديمقراطي، بدون هذا فالقضية يعني هذه المجتمعات ستبقى فيها الأمور على ما هي عليه بغض النظر عن إن كان التحدي الذي يواجه الدولة تحديا إسلاميا أو أي تحد من نوع آخر.

الحركة الإسلامية السياسية في السودان

علي الظفيري: نعم، التشخيص حقيقة يختلف بين حركة إسلامية استطاعت الوصول إلى الحكم وبين حركات -وهو نقاشنا العام- لم تستطع حتى الآن أن تصل إلى الحكم. كتبت أستاذ محمد، ألفت كتابا عن الحركة الإسلامية في السودان وهي الحركة الوحيدة التي استطاعت الوصول إلى الحكم والاستمرار في أي كانت الطريقة، كيف تشخص تجربة هذه الحركة الإسلامية السياسية في السودان في إدارة دولة على مدى عشرين عاما ويبدو أنها أيضا لديها متسع كبير من الوقت لإدارة أيضا الدولة..

بشير نافع: بعد النتائج الهائلة.

محمد بن المختار الشنقيطي: بالطبع الحركة الإسلامية في السودان هي تجربة فريدة من حيث الفاعلية، الفاعلية التنظيمية، القدرة على اختراق المجتمع، القدرة على اختراق الدولة، فهي كتجربة حركية وهذا الذي اجتذبني إلى دراستها والكتابة عنها ولكن كان من الواضح أيضا أن فقه الحركة لديها أنضج من فقه الدولة بكثير.

علي الظفيري: كيف؟

محمد بن المختار الشنقيطي: يعني وصلت إلى السلطة بقفزة إلى الأمام..

علي الظفيري (مقاطعا): يعني ما هي ملامح العجز في فقه الدولة بالنسبة للحركة الإسلامية في السودان؟

محمد بن المختار الشنقيطي: أولا حتى الحركة ذاتها لم يكن لديها تصور واضح حتى في الخطة، يعني كان هنالك تصور عن ثلاث سنوات تأمين بحسب المصطلحات السائدة في الأدبيات الإسلامية السودانية وبعدها التمكين..

علي الظفيري: تأمين الحكم يعني.

محمد بن المختار الشنقيطي: تأمين الحكم.

علي الظفيري: وجود الإسلاميين في الحكم.

محمد بن المختار الشنقيطي: نعم. ثلاث سنوات تأمين وبعدها مرحلة تمكين..

علي الظفيري: استمر التأمين إلى اليوم.

محمد بن المختار الشنقيطي: إلى اليوم، تأمين وإعادة التأمين الآن ما عاد مجرد تأمين. فالحركة مع الأسف كانت على مستوى عالي جدا من الفاعلية والنضج السياسي في السودان قبل أن تصل إلى السلطة ولكنها جاءت إلى السلطة بدون أفكار واضحة ولذلك ما كتبت أصلا على طريقة إدارة الدولة -وأنا تتبعت أدبياتها بتفصيل دقيق جدا- ما كتبوا عن إدارة الدولة وإنما كتبوا عن إدارة حركة وتنظيم حركة. أيضا طبعا المشكلات الهيكلية لأن اللي تحدثنا عنها من قبل رغم أن الحركة الإسلامية في السودان كانت من أحسن الحركات الإسلامية بناء قياديا في صفها الداخلي قبل أن تصل إلى السلطة ولم تكن القيادة فيها قيادة مشيخية تتمحور حول شخص ومع ذلك ظهر أنها أيضا لم تكن بالقوة المؤسسة الكافية للبقاء بعد الوصول إلى السلطة ولذلك جاء الانشقاق بين الترابي والبشير.

علي الظفيري: نعم. يتفق معك عبد الوهاب الأفندي الدكتور تيجاني عبد القادر، هما من الباحثين السودانيين الذين قدموا قراءة نقدية في تجربة الحركة الإسلامية السودانية. دكتور بشير إلى أي درجة أثر وصول الحركة الإسلامية في السودان إلى الحكم وتجربتها القائمة أثر بشكل سلبي على.. إلى أي درجة أثر بشكل سلبي على التجارب الأخرى؟

بشير نافع: طبعا نحن.. يعني أنا لا أعرف، يعني طبعا لأنه ليس لدينا القدرة على قياس يعني هذا الأثر سلبي ولا إيجابي. ولكن شوف، في مسألة كبرى تواجه المجتمعات العربية الإسلامية وتواجه القوى الإسلامية السياسية هذه المسألة تتلخص بالتالي، طبعا هذا ليس وقتا للمحاضرات ولكن أنا أريد أن أقول بشكل ملخص جدا، في التجربة الإسلامية التاريخية حتى منتصف القرن 19 الدولة لم تكن مسؤولة عن الدين، الدولة كانت مرجعية الدولة وشرعية الدولة مستمدة من الإسلام بشكل عام ولكن الدولة كانت محدودة القوة والسلطة أساسا، مثلا الدولة لم تكن تشرع، الذي كان يشرع هو العلماء، والدولة التي لا تشرع، تصور أنت دولة لا تستطيع أن تشرع، الدولة لم تكن تشرف على قطاعات هائلة في الاجتماع، الصحة والتعليم والاقتصاد كان حرا إلى درجة كبيرة، الدولة مسؤوليتها مسؤولية أمنية وتنظيمية، هذه الدولة، الدولة الإسلامية التقليدية أو ما نسميه أحيانا الدولة، هذه الدولة تعرضت لعملية تحديث هائل ومتصلة منذ منتصف القرن 19 ولدت لدينا الدولة المركزية نموذج الدولة المركزية هذا نموذج أوروبي بالأساس، نحن لم يكن في تجربتنا الداخلية تاريخية مثل هذه الدولة، الآن جاء الإسلاميون وقالوا إن هذه الدولة لا بد أن نؤسلمها، فهم يعني الخطاب الإسلامي في القرن العشرين لم ينتبه إلى حقيقة أن هذه الدولة المركزية الدولة ذات السيطرة الهائلة على الأرض وعلى المجتمع وعلى الشأن الاجتماعي أن هذه الدولة ليست نظير الدولة التقليدية المحدودة في التجربة التاريخية الإسلامية، أنت تأتي بهذه الدولة، هذه الدولة بالغة القوى والأثر والفعالية ثم تضع علامة على رأسها تصبح الدولة أكثر فاعلية وأكثر قوة وأكثر سيطرة وهذا الذي رأيناه في التجربة الإيرانية ورأيناه في التجربة السودانية وهذا هو الذي أنتج هذه الحالة من انفجار العنف والمعارضات الكبيرة في السودان وفي إيران، ما لم يحل هذا السؤال، هذا سؤال الدولة، ما هي الدولة التي نريدها وما هي علاقة هذه الدولة بالإسلام وبالمرجعية الإسلامية وبالهوية الإسلامية فنحن أمام مأزق.

علاقة الدولة بالدين في رؤية الحركات الإسلامية

علي الظفيري: أهلا بكم من جديد مشاهدينا الكرام في العمق يبحث الليلة تجربة الإسلام السياسي في العالم العربي مع الأستاذ محمد بن المختار الشنقيطي والدكتور بشير نافع. أستاذ محمد كيف نشخص الخلل الواقع في رؤية وفكر الحركات الإسلامية في مسألة علاقة الدولة بالدين وخاصة أن الدكتور بشير أثارها قبل قليل وقد أثيرت في الآونة الأخيرة بشكل مكثف، مسألة علاقة الدين بالدولة ما هي أوجه الخلل لدى الحركات السياسية الإسلامية في هذه المسألة؟

محمد بن المختار الشنقيطي: أعتقد يمكن اختزالها في ثلاثة جوانب، الجانب الأول هو أن الفكر السياسي المعاصر وبالذات فكر الحركات الإسلامية لم يستوعب بعد طبيعة العقد الاجتماعي الذي تتأسس عليه الدولة المعاصرة وهي دولة تتأس على الجغرافيا لا على الدين، قد يكون لها هوية دينية ولكنها في النهاية العقد الاجتماعي الذي يتأسس عليه دولة هو الجغرافيا، ليست مثل الإمبراطورية القديمة القائمة على أساس الاشتراك في المعتقد أو الاشتراك في العرق وهي دولة فتوح هنالك فاتح هو المواطن ومن سواه يعني أغلى أمانيه أن يحصل على حماية كمواطن من الدرجة الثانية..

علي الظفيري: تبّع.

محمد بن المختار الشنقيطي: فالدولة المعاصرة هي دولة قائمة على أساس الهوية الجغرافية، ثانيا الدولة المعاصرة لا بد أن تضمن المساواة السياسية بين مواطنيها لا مجال فيها لتشريع التفاوت في الحقوق بين المواطنين المسلمين وغير المسلمين أصلا، وأنا كتبت عنها مؤخرا وثار عليها مشكلة قضية.. أنه لا مانع من أن يكون غير مسلم رئيسا لدولة إسلامية.

علي الظفيري: زعلوا عليك المسلمين.

محمد بن المختار الشنقيطي: نعم. لماذا؟ لأنه أصلا أنت تريد أن تحمي منظومة قيم في الدولة المعاصرة منظومة قيم يحميها الدستور لا يحميها الشخص كما أن القاضي يحكم بالقانون لا يحكم باجتهاده ليس مثل الفقيه القديم. نحن مشكلتنا -وهذا اللي أشار له الدكتور طبعا بخلفيته التاريخية- لا نزال نستأثر لصور تاريخية تمنعنا من إدراك عميق لواقعنا المعاصر. المسألة الثالثة وهي قضية.. بعد المساواة السياسية والعقد القائم على الجغرافيا تتعلق بقضية الصلة بين القيم الدينية وبين السلطة أو قضية الفصل بين الدين والدولة وهذه طبعا مسألة شائكة، لا أعتقد أن العلمانية بمعنى الفصل التام بين الدين والدولة ممكن في المجتمعات الإسلامية، هو ممكن في المجتمعات المسيحية لأنه لا يوجد قانون مسيحي، أنا درست تاريخ الكنيسة وكان تخصصي في جامعة تكساس، لا يوجد شيء اسمه قانون مسيحي، يوجد قانون كنيسة ما يسمونه.. أما القانون الإسلامي الشرع الإسلامي الذي حكم هذه المجتمعات حوالي 12 قرنا أو أكثر لا يمكن إلغاؤه بجرة قلم، فلا بد من صيغة تحافظ على مركزية التشريع الإسلامي دون أن تميز بين المواطنين وأن يكون هنالك مستوى عال من الاجتهاد أيضا لتكييف النظم القانونية الإسلامية مع الواقع المعاصر.

علي الظفيري: دكتور بشير كيف نفصل في هذه المسألة تحديدا شكل العلاقة بين الدين والدولة، طبعا من الصعب أن يختار الإسلاميون مسألة العلمانية لكن ما هو الشكل الأكثر ملاءمة لإيجاد علاقة ما؟

بشير نافع: هو طبعا يعني لا بد أن نقر في البداية أنه ليس هناك علمانية واحدة، في هناك علمانيات في العالم، في هناك علمانية فرنسية في هناك علمانية بريطانية في هناك علمانية ألمانية في هناك علمانية بريطانية وفي كل من هذه العلمانيات في قدر من الاختلاف رغم أن الجميع يعني جاء من أصل واحد..

علي الظفيري (مقاطعا): ممكن تكون في علمانية إسلامية أو عربية في هذه العلاقة؟

بشير نافع: طبعا الآن في هذا الوقت في هذا الزمن هذا الاستخدام، الاستخدام لكلمة العلمانية لمصطلح العلمانية في داخل المجتمعات العربية الإسلامية في داخل الخطاب العام العربي والإسلامي استخدام يثير الاستفزاز، وهو لهذا أنا أثرت قبل قليل أن المشكلة هي سؤال الدول، فإذا أخرجنا هذا المصطلح الذي مثير للاستفزاز وضعناه جانبا وبدأنا الجدل مباشرة حول طبيعة هذه الدولة التي نريدها وحول دور الدين في الحياة العامة فأنا أعتقد -وربما أكون مخطئا- أنه في نهاية الأمر لن نسمح بأن تكون الدولة وصيا على الدين على أي دين على أي تصور للدين ولا ينبغي أن تكون الدولة وصية على الدين بمعنى أن هذه الدعوة إلى أن تصبح الدولة أن يصبح الدين يعني ليس فقط أساس شرعية الدولة وإنما أن يوضع الدين في يد الدولة -وهذا هو الخطاب الذي يميز بعض القوى الإسلامية السياسية- أنا أعتقد أن هذا خطر، وإنما ينبغي أن نعود إلى أصل الأمور أن المجتمع الجماعة هي مستودع الدين وليست الدولة هي مستودع الدين.

علي الظفيري: هذا أمر دكتور وأسأل عنه أستاذ محمد أنه فعلا كلما وصلت حركة سياسية إسلامية تحديدا إلى الحكم أو أصبح لها تمثيل أكبر في بلد ما سادت رؤيتها، في إيران ساد الإسلام السياسي الشيعي الجعفري الاثني عشري، في العراق أيضا من الواضح حتى أن ميلا لكثير من الكتاب منهم الدكتور بشير نافع منهم الشيخ راشد الغنوشي تحدثوا عن أن ربما العلمانية في صيغة القائمة قائمة العراقية هي الأقرب والأفضل والأكثر قبولا الآن مقابل تجارب إسلامية أخرى، في لبنان التجارب الإسلامية السياسية طائفية سواء شيعية أو سنية، في أكثر من مكان، في السودان أيضا سادت رؤية واحدة، كيف يمكن حل هذه المشكلة، هل تساعد في تعزيز شكل معين يفصل كما ذكر الدكتور بشير بين رؤية الحركة السياسية للدين وإدارتها للدولة؟

محمد بن المختار الشنقيطي: لا، أنا لا أعتقد أولا أن العلمانية هل الحل للمجتمعات الإسلامية رغم أنه كما أشار الدكتور طبعا هنالك فرق بين العلمانية اللي ما يسمونه الناعمة والعلمانية الصلبة soft secularism و hard secularism. أنا أعتقد أن ما نحتاجه اليوم هو الإجماع، المشكلة هي نقص في الإجماع السياسي وليست مشكلة إسلامية أو علمانية ويمكن حصول نوع من الإجماع على صيغة يراها العلمانيون علمانية ويراها الإسلاميون إسلامية وهذا ممكن فعلا لأنه..

علي الظفيري (مقاطعا): ملامح هذه الصيغة؟

محمد بن المختار الشنقيطي: مثلا إذا فصلنا، حددنا أولا التمييز بين ما يسميه بعض المفكرين الإسلاميين -وهذا طرح في المغرب منذ سنوات- التمييز بين مجال الدعوة والمجال السياسي ولا يعني الفصل بين الدين والدولة ولكن منطق الدعوة قائم على الاكتساب والمنطق السياس قائم على أساس المغالبة فلا بد من التمييز بين الاثنين. أنا أعتقد أن هناك تمييزا آخر لا يقل أهمية وهو التمييز بين الأخلاق والقانون في الشريعة الإسلامية، الشريعة الإسلامية 90% منها أخلاق وليست قوانين، يعني ليست مجالا يفترض أن تتدخل فيه الدولة بقوة القانون، ولكن من أكبر الخلط المنهجي السائد اليوم وحتى عند بعض الحركات الإسلامية هو أنها تريد أن تحول كل الأخلاق إلى تشريعات وهذا خطأ.

علي الظفيري: كل تفصيل في هذه الشريعة يراد له أن يتحول إلى قانون.

محمد بن المختار الشنقيطي: نعم، نعم، سلطة الضمير أهم من سلطة القانون في الأديان وإلا أصبح الناس يعبدون الدولة ولا يعبدون الله عز وجل..

بشير نافع: ولكن هذه هي طبيعة الدولة المركزية.

محمد بن المختار الشنقيطي: لا، نحتاج دولة حرة يكون فيها تدخل الدولة محصورا، تدخل القانون محصور وهناك فضاء مفتوح، أما هل هذا القانون، مصدر هذا القانون.. طبعا أيضا هذا أمر آخر يحتاج إلى حل وهو أنا أعتقد كل قانون لا يناقض الإسلام هو قانون إسلامي بدلا من أن نقول كل قانون ليس مأخوذا من القرآن والسنة ليس إسلاميا، لا، كل قانون لا يناقض الإسلام هو قانون إسلامي.

علي الظفيري: عدم مناقضة الإسلام وبالتالي.. بشير نافع له تعليق.

بشير نافع: يا أستاذ علي شوف، نحن نتحدث عن حلول مؤقتة لأوضاع طارئة ومؤقتة، يعني كيف؟ أنت أولا دعني أتفق في البداية مع السؤال اللي أنت طرحته، كل المجتمعات التي يوجد فيها تعدد طائفي ملموس يعني تعدد طائفي بقدر يعني واضح وملموس..

علي الظفيري: لبنان، العراق.

بشير نافع: الإسلام السياسي فيها أو البرنامج الإسلامي السياسي في الحكم هو خطر، لن ينتهي إلا إلى أنظمة طائفية، هذا أمر لم يعد محل جدل لأنه هذا وقع بالفعل..

علي الظفيري: في البلدان غير متعددة الطوائف.

بشير نافع: إيه في البلدان غير المتعددة الطوائف، أعتقد أنه في النهاية ينبغي أن تكون الدولة، وأنا أقول مرة أخرى أن هذا حل مؤقت لأنه إذا كانت إحنا أنا وأنت ومحمد المختار والمشاهدون إذا كنا نحن يعني نستبطن المثال العربي المنطقة العربية فهذه الكيانات بإسلام سياسي أو بغير إسلام سياسي غير قابلة للحياة بشكل طبيعي وصحي وينبغي في النهاية أن يوجد تصور وحدوي لهذه الكيانات تضعف فيه سلطة الدولة ويتسع في نطاق المجتمع ويتسع أيضا في نطاق الإجماع وفي النهاية هذه الوحدة هذه الكيانات الواسعة ستستطيع أن تجد حلا ولكن بشكل مؤقت يمكن أن يكون هناك قدر من المرجعية الإسلامية في بلدان مثل مصر في بلدان مثل الجزائر في البلدان التي لا تعيش وضعا طائفيا قلقا.

علي الظفيري: الغريب أنا أعتقد ربما يطرح أحد هذا السؤال عليكما تحديدا، لماذا يراد من الحركات الإسلامية السياسية أن تجيب بشكل.. أن تقدم إجابات نهائية ومكتملة لسؤال الدولة وهي لم يتح لها أي هامش للحركة؟ يعني لماذا لا يترك لها المجال في أن تتولى إدارة الدولة نظيرا لحجمها وتمثيلها الكبير في المجتمع وبعد ذلك هذا أمر خاضع للنضج، بعد التجربة تستطيع أن تحدد ما هي ملامح الإجابة على هذا السؤال الكبير.

محمد بن المختار الشنقيطي: بالطبع من حق الحركات الإسلامية أن تعطى فرصة كما من حق القوى الاجتماعية أن تتنافس في فضاء حر قائم على أساس احترام الجميع، لكن من حق الناس أيضا أن يطالبوا من يسعى إلى التغيير من يسعى إلى السلطة أن ينظروا في الأفق النظري الذي يقدمه، والإسلاميون يحتاجون إلى وضوح في أفقهم النظري.

علي الظفيري: عندنا تجربة الإخوان المسلمين في مصر في قضية كتابة دستور أو تنظيم أو رؤية..

بشير نافع: برنامج.

علي الظفيري: برنامج سياسي؟

محمد بن المختار الشنقيطي: نعم طبعا كتبوا دستورا وكتبوا ولذلك الأستاذ فهمي هويدي علق قال الإخوان في هذا الدستور ظالمون ومظلومون، يعني أنت تكون ضحية للظلم وفي نفس الوقت تسوغ نوعا من التفاوت وعدم المساواة بين المواطنين..

علي الظفيري (مقاطعا): ماذا سجل عليه من تحفظات؟

بشير نافع: هو برنامج وليس دستورا.

علي الظفيري: برنامج عفوا. برنامج ولكن هو أرضية.

محمد بن المختار الشنقيطي: حتى كان في مشروع دستور كمان أو مشروع حزب سياسي، عموما من حق الناس أن يطالبوا الإسلاميين بالوضوح النظري حول ما يريدون وخصوصا في مجال المساواة والحريات، هذا من حق أي مواطن..

علي الظفيري (مقاطعا): نذكر أنه جرت مقابلة مع الدكتور محمد حبيب فقط كان التحفظ على رئاسة الدولة اشتراط المسلم فيها وكان أيضا قضية تطرح دائما فيما يتعلق بحقوق غير المسلمين والمرأة تحديدا في هذه.. هل هناك تحفظات أخرى؟

محمد بن المختار الشنقيطي: هذه التحفظات الرئيسية لأنها تتعلق بالمساواة السياسية والمساواة السياسية أمر لا يقبل الجدل فيمن يريد أن يبني دولة معاصرة، مع ذلك أنا أريد أن أرجع إلى الوراء وأقول إنه لا أرى أن الطائفية مبرر للعلمانية والعلمانية لن تطبق في الدول الإسلامية إلا بالقهر والقهر ينافي أي حل سياسي منصف فيها يعني.

مقومات نجاح التجارب الإسلامية السياسية وآفاق المستقبل

علي الظفيري: التجارب تقاس بمثيلاتها، فقط لضيق الوقت، التجربة الإيرانية والتجربة التركية. دكتور محمد المهتدي الباحث في القضايا الإسلامية من إيران يجيب لماذا نجحت التجربة الإسلامية السياسية في إيران.

علي الظفيري: دكتور بشير ما الذي توفر في حركة سياسية إسلامية تنجح في إيران وأيضا مؤخرا في تركيا ولم يتوفر في العالم العربي؟

بشير نافع: شوف إحنا الحقيقة، طبعا تعود إلى السؤال الأول في الحلقة أنه الوصول للحكم يعني القبض على مقاليد الدولة، طبعا هذا حدث في إيران ولكن بعد ذلك التجربة واجهت كما نعرف صعوبات كبيرة لأنه في إيران في صعوبة مضاعفة في صعوبة من أن هذه الدولة دولة حديثة وأسلمناها، وفي صعوبة أخرى أنه في إشكالية لعلاقة الفكر السياسي الشيعي بمسألة الدولة، يعني الفكر السياسي السني هو أكثر مرونة في التعامل مع فكرة الدولة فهو في.. لكن لماذا نجحت هذه الثورة؟ نجحت الثورة لأنه في هناك قوانين تحكم الثورات الشعبية وهذه الثورة نجحت في 1979 لأنها اقتربت كثيرا بشكل غير عادي -منذ الثورة الشيوعية في روسيا في مطلع القرن العشرين- من القوانين الصحيحة للثورة، العلاقة بين القيادة والكتلة الشعبية، انفجار التناقض بين الكتلة الشعبية بين الجماعة والأمة وبين النظام المستبد. وطبعا الإسلام منذ.. أنا يعني طبعا لا مجال هنا للتفصيل ولكن الإسلام بالأساس والإسلام السياسي بجذوره هو.. والتوجهات الإسلامية الدستورية في نهاية القرن 19 هي في الحقيقة ولدت من مسألة الرد على الاستبداد يعني عندما ولدت الدولة الحديثة في بلادنا في النصف الثاني من القرن 19 كان لاحظ عدد كبير من رجال الدين ومن البيروقراطية ذات الخلفية الإسلامية أن هذه دولة مستبدة هذه دولة لا نعرفها يعني هذه دولة مش مستمدة من تاريخنا، فكيف أصبح الرد عليها؟ الرد عليها هو العودة إلى الشريعة، أصلا فكرة العودة إلى الشريعة الإسلامية هي ولدت في هذه اللحظة يعني أنت إذا قرأت كتابا في القرن الرابع الهجري أو الخامس الهجري، هذا الجدل حول الشريعة وتطبيق الشريعة لم يكن موجودا، فكرة تطبيق الشريعة ولدت في النصف الثاني من القرن 19 في الرد على استبداد الدولة الحديثة، فالمرجعية الإسلامية في إيران وظفت بشكل هائل وبشكل ناجح لأنه كان في لحظة قطيعة بين الشعب وبين نظام مستبد.

علي الظفيري: أستاذ محمد من الواضح أنه لا مجال، لا فرصة لتطبيق النموذج الإيراني نموذج الثورة والانقلاب على الدولة، لكن هناك نموذجا آخر النموذج التركي، ما هي الأسئلة التي تطرح في علاقات الحركات السياسية الإسلامية بالديمقراطية تحديدا كوسيلة اليوم لتكون بديلا مقبولا ومنطقيا لأنظمة الحكم السائدة؟

محمد بن المختار الشنقيطي: أنا أعتقد أن الحركات الإسلامية تحتاج إلى أن تغير من إستراتيجيتها أو أفقها من حركات ساعية إلى الحكم إلى حركات ساعية إلى التحرير، تحرير الشعوب يعني الاستبداد، نحن شعوبنا ليست بحاجة إلى من يحكمها، هي محكومة أكثر من اللازم أصلا، بحاجة إلى من يخفف عنها قبضة الحكم.

علي الظفيري: وكيف يتم هذا الأمر على صعيد البرنامج؟

محمد بن المختار الشنقيطي: هذا يتم أولا أن تتحول الحركة إلى جزء من كتلة اجتماعية لا تجعل الصراع بين الحركة والدولة أصلا، إذا استمر الصراع بين حركة سرية اسمها المخابرات العامة أو حركة سرية اسمها أي نوع، سمها أي اسم من أسماء الحركات الإسلامية أو غيره، هذا الصراع ليس صراعا اجتماعيا ليس الصراع ليس يولد كتلة اجتماعية قوية قادرة على مقارعة الاستبداد.

علي الظفيري: هل يدور شيء من هذا الحديث في مصر تحديدا مع حركة الإخوان المسلمين في تغيير النهج؟

محمد بن المختار الشنقيطي: طبعا، الإخوان المسلمون بصراحة في مصر يعيشون مخاضا فكريا جيدا وهنالك ديناميكية قوية جدا يعني متحركة في السنوات الأخيرة ما في شك في هذا، وهنالك صراع بس صراع داخل الحركة نفسها لا تزال بين.. بس أن الرجوع إلى ما تحتاج الحركات الإسلامية إليه، أولا تتحول إلى حركات تحرير لشعوبها، ثانيا لا تعزل نفسها، لا تكن حركة مواجهة للدولة وإنما مجتمع مواجه للدولة تتحول إلى حركة مجتمع، وهذا الذي نجح به الأتراك الحقيقة وأعتقد أن جذوره ترجع إلى الانفصام الخطير الذي وقع بين القومية والإسلام منتصف القرن العشرين، هذه المأساة العربية وأنا أعتقد أنه من أكبر الكوارث في تاريخنا المعاصر هو الصراع ما بين القومية والإسلام في الخمسينيات والستينيات، وهذا الذي تفاداه الإيرانيون فالحقيقة ثورة الإمام الخميني هي ثورة إسلامية لكنها قومية والأتراك الآن وهم إسلاميون قوميون أيضا، لم يقع التناقض الذي وقع مع مجتمعاتنا.

علي الظفيري: وأشرنا مع الدكتور بشير قبل قليل أشار إلى أنه في شيء من المراجعات تحدث في قضية العلاقة بين ما هو إسلامي وما هو قومي عربي. لم يتبق وقت كثير دكتور بشير أسألك أنت اطلعت كثيرا على تجارب الحركات الإسلامية العربية من خلال برنامج إسلاميون التقيت بمعظم.. تكاد التقيت بكل ربما أو معظم الإسلاميين في العالم العربي والحركات الإسلامية، إلى أين تتجه هذه الحركات برأيك، ما هو مستقبلها المنظور؟

بشير نافع: أنا أقول دائما إن الاتجاه الإسلامي السياسي ليس اتجاها ناجزا وإنما نحن في مواجهة process يعني في مواجهة عملية، في مواجهة عملية سائرة ولم تصل إلى نهاياتها ولم تأخذ ملامح نضجها بعد رغم كل هذا الزمن الطويل الذي أشرت أنت إليه في مقدمة البرنامج، وأعتقد -وربما أيضا أكون مخطئا- أعتقد أن الأمور تسير تدريجيا وبهدوء إلى شيء قريب مما يحدث في تركيا بمعنى أن المجال الإسلامي حر ومنفتح في داخل المجتمع والقوى الدينية الإسلامية في داخل المجتمع تعمل على نطاق واسع، مستشفيات ومدارس وحجاب وتدين، وهناك دولة مدنية، الدولة المدنية هذه تطرح سياساتها وتطرح قوانينها على الخيار الشعبي، الشعب هو الذي يقرر إلى أي مدى تقترب الدولة مما يسمى -بين قوسين- أيضا إسلام.

علي الظفيري: وهو يقيس كل شيء الإدارة المدنية يقيس هذا النشاط أيضا المجتمعي بشكل ويبدأ يعني ربما يطلق أحكامه.

بشير نافع: في النهاية أنا أعتقد أن الأمور تسير في العالم الإسلامي ككل يعني بهذا الاتجاه ولكن هذه الدول الصغيرة الضعيفة المقسمة حتى مثل هذا النموذج لن تستطيع احتماله لفترة طويلة وإنما لا بد أن توجد كيانات أكبر أن توجد وحدات أكبر حتى تستطيع أن تتحمل مثل هذا العبء.

علي الظفيري: أستاذ محمد أين تتجه؟ باختصار شديد إن تكرمت.

محمد بن المختار الشنقيطي: هذه الحركات الإسلامية لا يمكن أن نحملها الحقيقة مسؤولية التغيير ولا أين تتجه، هي جزء من حركة المجتمع، وكان نيلسون مانديلا في السجن كان يقول يا من منعك أهل السلطة الحرية فإن طريقك إلى الحرية هي السلطة. فنحن نحتاج أن يدرك أهل السلطة أن الجميع يحتاج إلى الحرية وألا يجعلونا جميعا طالبين للسلطة لأن هذه هي عقدة مجتمعاتنا اليوم.

افتتاح مؤتمر العالم الإسلامي المشكلات والحلول

كاتب الموضوع الأصلي: منصور العتيبي 3332

تحت رعاية خادم الحرمين الشريفين، الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود – حفظه الله – افتتح صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل أمير منطقة مكة المكرمة اليوم مؤتمر (العالم الإسلامي .. المشكلات والحلول) الذي تنظمه رابطة العالم الإسلامي وذلك بقاعة المؤتمرات بالرابطة بمكة المكرمة.

وكان في استقبال سموه عند وصوله إلى مقر المؤتمر معالي الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي وعدد من منسوبي الرابطة.

وبدأت الجلسة الافتتاحية للمؤتمر بتلاوة آيات من القران الكريم، ثم ألقى والي الولاية الشمالية في السودان الدكتور فتحي خليل محمد كلمة المشاركين نوه فيها بسعي المملكة ودأبها في ترسيخ مبدأ الحوار في علاج مشكلات العالم الإسلامي وتلمس الحلول الشرعية الناجعة لمواجهة التحديات الراهنة وفي مقدمتهم خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود وسمو ولي عهده الأمين وسمو النائب الثاني – حفظهم الله -.

وأكد أن المؤتمر يهدف إلى النظر في حال الأمة ومشكلاتها انطلاقاً من المسؤولية الدينية والإحساس بالمخاطر العظيمة والتحديات الجسيمة وذلك لدفع المخاطر والتعامل الجاد مع التحديات ، مشيرا إلى أنه يشارك في المؤتمر نخبة من العلماء من رجال الإفتاء والدعوة، والحكماء وقادة الرأي من السياسيين ورجال الاقتصاد ورؤساء الجمعيات والمراكز الإسلامية من شتى أنحاء العالم لتلمس ما يصلح بين الناس إذا تفاسدوا ويقرّب بينهم إذا تباعدوا، وللتباحث في كل شأن يوحد كلمة الأمة ويدفع عنها بلاء الانقسام ويحقن الدم الحرام.

ثم ألقى معالي الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي كلمة شكر فيها خادم الحرمين الشريفين الملكِ عبدِ الله بنِ عبدِ العزيز آلِ سعود – حفظه الله – لرعايته المؤتمر ولما تحظى به الرابطة من دعم متواصلٍ منه ومن سمو ولي عهدِهِ الأمين و سمو النائبِ الثاني – أيدهم الله – على خدمة الإسلام والدفاع عنه، والعنايةِ بشؤون المسلمين وتقديمِ العون لهم أينما كانوا، والسعيِ لجمع كلمتهم وتوحيدِ صفوفهم والإصلاحِ بينهم ، مبينا معاليه أن هذا مسلكٌ ثابتٌ في سياسة المملكة بوصفها دولة قامت على كتاب الله وسنةِ رسوله صلى الله عليه وسلم ، وطبقت شريعتَه.

وبين أن المؤتمر يهدف إلى تبادل الرأي فيما يجري في هذه الأيام في بعض بلاد المسلمين من أحداث وبيانُ وجهِ الحق فيها ، والإسهام في مواجهة ما تتعرض له من فوضى وفتن ، وقتل وتشريد وخوفٍ وفاقة ، وتدميرٍ للمنشآت والمرافق مما يستدعي من ذوي المسؤولية في الأمة – قادة وعلماء ومثقفين – المسارعةَ إلى بذل ما في وسعهم ، لإصلاح الأحوال قبل استفحالها ، وتفاقمِ مجرياتها ، تفاقماً يدخلها في سياق الهرج والمرج.

وأفاد أنه في تطبيق شرع الله مرونةٌ واسعة في التعامل مع متغيرات كلِ عصر ومستجِداته ، بما هو نافعٌ صالح لا يتعارض مع الدين . وقد أثبت تاريخُ المسلمين تحقيقَها حينما كانت مطبقةً للعدل والرخاء ، والأمن ، واستيعابَها لمختلف فئات المجتمع ، وتعاملَها الحسن مع مختلف المجتمعات وأتباع الديانات الأخرى ، مستشهدا على ذلك بالمملكة العربية السعودية ،فعملُها بالشرع الحنيف وخدمتُها للحرمين الشريفين وقاصديهما ، واهتمامُها بأحوال المسلمين منذ تأسست وإلى اليوم ، كان سبباً في الأمن والاستقرار والازدهار الذي تنعم به مع قوة ولاءِ المواطن لوطنه ، ووئامٍ تامٍ بين الحاكم والمحكوم .فالحاكمُ حريص على إقامة الدين والعدلِ بين الناس ، وتحقيقِ ما يُسعد المواطن .والمحكومُ تربطه بالحاكم المودةُ والحب ، ورعايةُ المصالح العليا للدولة والمجتمع.

وبين الدكتور التركي أن إبداء الرأي ، والنقدَ البناء ، والنصحَ للحكام والمحكومين حقٌ لكل مسلم وهو من الأمر بالمعروف والنهيِ عن المنكر ، والتعاونِ على البر . لكن الإسلامَ جعل له ضوابط ، بحيث لا تترتب عليه مفاسدُ أكبر ، في الأنفس والأموال والحقوق . والاستماعُ إلى الرأي الصحيح ، والنصحُ المنضبط بضوابط الشرع واجبٌ على الحاكم والمحكوم ، وبروح تعاونيةٍ بعيدةٍ عن العنف والفتن والفوضى وتاريخُ الإسلام خيرُ شاهد على ذلك .

وأكد أن على أهلِ العلمِ والرأي والمثقفين والنخبِ السياسيةِ ورجالِ الإعلام ، التأكيدَ على أهمية التقيد بالضوابط والآدابِ الشرعيةِ في نصح ولاة الأمر ، وإبداءِ الرأي البناء في أي تصرف مرتبطٍ بحياة الأمة وفي أي مشروعٍ إصلاحي ، والتعاونِ معهم على ترسيخ قيمِ الحق والعدل في المجتمع ، ومحاربةِ الفساد والأخذِ على أيدي المفسدين بعيداً عن الإساءة والعنفِ وسفكِ الدماء وتدميرِ الممتلكات .

وقال معاليه على الجميع الحذرُ من استغلال أعداءِ الإسلامِ للخلافات الداخلية وإثارةِ النعراتِ الطائفية والعرقية ، وكلِ ما من شأنه أن يزيد في التفرق والتمزق .

عقب ذلك ألقى سماحة مفتي المملكة رئيس هيئة كبار العلماء رئيس إدارة البحوث العلمية والإفتاء رئيس المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ كلمة حمد الله على هذا اللقاء المبارك سائلا الله أن يحقق هذا المؤتمر للأمة الإسلامية الخير و السلام.

وقال إن من سنن الله في هذه الحياة أن يواجه المؤمن أنواعا من الابتلاء وذلك ليمحص الله من كان ثابتا على الإيمان صابرا على الشدائد متجاوزا العقبات.

وأوضح سماحته الأمة الإسلامية ترضى بهذه السنة الكونية مادامت متمسكنة بكتاب ربها و سنة نبيها عاضة عليها بالنواجذ جامعة صفوفها موحدة أمام التحديات مشيرا إلى انه إذا ضعف تمسك الأمة بدينها دب الانقسام و الخلاف بين أبنائها .

وبين أن الأمة الإسلامية تمر في هذه الأيام بأخطر المراحل وتعاني أزمات شديدة وفتن بالداخل و انقسام بين أبنائها وحملات شرسة من أعدائها وتدخل سافر في شؤون حياتها فواجبنا حمايتها من هذه البلايا و المصائب و الخروج بها إلى بر الأمان و السلامة وان من أسباب قوة الأمة و تماسكها اعتصامها بكتاب ربها وسنة نبيه صلى الله عليه و سلم و تحكيمها الكتاب و السنة في جميع شؤونها الاجتماعية و السياسية و الاقتصادية و العلمية و كل شؤون حياتها وشدد مفتي عام المملكة على أن من أسباب القوة أيضا انتشار العلم بين أفرادها فالعلم مضاد للجهل فان العلم نور و الجهل ظلمات و العلم حياة و الجهل موت و العلم عز وقوة و الجهل ضعف و هوان

وقال :إن الالتحام بين الراعي والرعية والتقارب بين الحاكم والمحكوم وتطبيق ذلك على معالم الشرع وضوابط الشرعية لهو خير عامل لاجتماع الأمة وتماسكها وان من تأمل الشريعة الإسلامية رأى أن التلاحم بين الراعي والرعية والتقارب بين الحاكم والمحكوم ومعرفة كل منهما ماعليه من واجبات وحقوق يضمن سعادة الأمة وأمنها واستقرارها كما أن الحاكم يجب أن يحكم شرع الله في رعيته لان تحكيم الشرع إقامة للعدل ورفع للظلم وتحقيق للأمن والاستقرار.

وأفاد أن الأمة في حاجة إلى وضع نظام متكامل شامل يخدم مصالح الأمة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للوصول إلى ما تصبوا إليه من الأمن والاطمئنان وتطوير الحوار النافع بين أفراد الأمة من اجل تحقيق مصالح الأمة في الحاضر والمستقبل .

وأضاف أن المملكة خير دليل للأمة على الخير والصلاح فان سياستها الخارجية جنبت الأمة الكثير من المصائب لنظرتها الفاحصة والثاقبة ولتحكيمها شرع الله في جميع شؤونها مما جعلها بلداً آمنا يقوم عليه رجالاً مخلصون صادقون حرصوا على مصالح الأمة وسعوا في كل ما يحقق لهم أمنهم واستقرارهم ورقيهم العلمي ومادي بما جعل الله هذا البلد مكاناً مرموقا يؤمه ملايين البشر حجاجا ومعتمرين ينعمون بأمنه واستقراره بفضل الله ثم بتحكيم هذه الشريعة الإسلامية.

ودعا الله أن يوفق خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده الأمين وسمو النائب الثاني حفظهم الله على رعايتهم لشؤون الرابطة ودعمهم لها كما شكر سمو أمير منطقة مكة المكرمة لافتتاحه هذا المؤتمر .

عقب ذلك ألقيت كلمة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز حفظه الله ألقاها نيابة عنه صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل بن عبد العزيز

وفيما يلي نص الكلمة:

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله

سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ

معالي الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي

أصحاب الفضيلة والمعالي والسعادة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

احيي جمعكم الكريم وأرحب بضيوفنا الأفاضل من علماء الأمة الإسلامية ودعاتها ومفكريها على هذه البقعة المباركة التي اختارها المولى جل وعلا مهبطا للوحي الأمين على خاتم الأنبياء والمرسلين محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه بآخر الرسالات السماوية لتكون للبشرية منهجاً قويماً لا يأتيه الباطل من بين يده ولا من خلفه ونبراسا هاديا للإنسان إلى خير الدنيا والآخرة لا يزيغ عنه إلا هالك ونحمده جل ثناؤه -أن شرف أهل هذه البلاد بخدمة الحرمين الشريفين وضيوف الرحمن من الحجاج والزوار والمعتمرين وهدانا إلى التمسك بكتابه الكريم وسنة نبيه المشرفة شريعة ودستورا لا نحيد عنه ولا نميل ووفقنا إلى العمل على تحقيق الأخوة والتضامن بين المسلمين ومتابعة قضاياهم والاهتمام بالمشكلات التي تواجههم يقينا بان في الإسلام لكل مشكلة حلا وفي شريعته الغراء لكل معضلة علاجا مصداقا لقوله تعالى ما فرطنا في الكتاب من شيء وفي هذا السياق وإعمالا للمهمة الجليلة للعلماء ورثة الأنبياء كما جاء في الحديث الشريف فإنكم تجتمعون اليوم على أمر جلل لبحث المشكلات المستجدة ومدارسة مجريات الأحداث في بعض أرجاء عالمنا الإسلامي لاستنباط الحلول الناجعة لها من واقع شريعتنا الإسلامية الغراء القائمة على منهج الوسطية والاعتدال وإنها لمسؤولية جسيمة وانتم لها أهل وكفء بإذن الله تواجهون فيها محاولات تفريق الشعوب الإسلامية وتفكيك وحدة الأمة ورفع شعارات الطائفية والمذهبية مما يتعارض مع قول الحق سبحانه وتعالى إنما المؤمنون إخوة وقوله جل وعلا وأن هذه أمتكم امة واحدة وأنا ربكم فاعبدون .

ونظرا لمخرجات عصر العولمة وما صاحبه من التطورات والتحولات العالمية السريعة التي ضربت كل الأرجاء فقد أدركت المملكة العربية السعودية أهمية حماية المجتمع المسلم من الجنوح عن الأصالة الإسلامية والتأثر بتلك التحولات العالمية التي برزت معها آفة الإرهاب وآلته الضالة المدمرة فتصدت له المملكة بكل العزم والحسم وعالجته بوسطية الإسلام وفككت خلاياه ودحرت الفئة الضالة العاملة عليه وكشفت شذوذها الفكري فحققت بعون الله وتوفيقه الأمن والأمان للوطن والمواطنين والمقيمين وضيوف الرحمن إن النظرة الفاحصة المدققة لما يجري الآن من أحداث في بعض البلاد الإسلامية وما يهدد باستهداف بعضها الآخر تؤكد الحاجة الماسة إلى جهودكم معاشر العلماء والدعاة وقادة الفكر السديد في عالمنا الإسلامي ذلك أن المرجعية الغالبة لتلك الأحداث إنما تتمثل في الجهل بصحيح الدين الإسلامي وبتحقيق الإصلاح وتقديم الحلول الناجحة لكافة المشكلات من أجل ذلك توالت دعوتنا إلى تضافر جهود العلماء الراسخين في العلم مع جهود المؤسسات الرسمية في الدول الإسلامية لعلاج مشكلات الأمة وإصلاح أحوالها واليوم نبتهل فرصة هذا الجمع الكريم لهذه النخبة المباركة لنجدد الدعوة إلى تحقيق هذا الهدف الجليل من خلال عدة آليات نرى في مقدمتها أولا /علاج مشكلة الجهل بالإسلام من خلال بالتعريف بصحيح منهجه لاسيما للأجيال الشابة والتي نراها اليوم أحوج ما تكون إلى فهم مقاصد الدين والأخذ بمبادئه السامية ثانيا /تطبيق وسطية الإسلام العظيمة في كافة مجالات الحياة إعمالا لقوله تعالى وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا ثالثا وضع الآليات العملية الكفيلة بتحقيق وحدة الصف الإسلامي ونبذ الفرقة وما يؤدي إليها من دعوات طائفية مغرضة وتوجهات حزبية ضيقة وتشتت صفوف المسلمين وتعبث بوحدة الأمة رابعا/تفعيل العمل المشترك والتواصل بين قادة الأمة وعلمائها وأهل الرأي فيها والتعاون في علاج المشكلات وتحقيق الإصلاح بالرؤى والحلول الإسلامية إعمالا لقوله جل وعلا/ إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت واليه أنيب .

أيها الأخوة إننا ندعو من خلال مؤتمركم الموقر أن تقوم رابطة العالم الإسلامي بالتعاون مع العلماء وأهل الرأي في كافة الدول الإسلامية بوضع برنامج عمل إسلامي لعلاج مشكلات الأمة وتحصين شعوبها ضد أخطار الغزو من الخارج وتداعيات الجهل في الداخل ودعم أواصر الوحدة الإسلامية يعتمد الحوار الموضوعي بين الشعوب المسلمة وقياداتها ويتبنى برنامجا فاعلا للتثقيف والتوعية بما في الإسلام من حلول للتحديات والمشكلات المستجدة ويركز على أسباب تحقيق وحدة الأمة والتكامل والتضامن بين شعوبها ويحذر من مخاطر الفرقة على كيانها ويعمل على تفعيل الإصلاح والتنمية على أسس صحيح الإسلام ويحمي الأجيال الشابة من الجنوح نحو الإفراط أو التفريط بأصول الدين وحقوق أوطانهم اسأل المولى جل وعلا أن يوفقكم ويسدد خطاكم لما يحب ويرضى وان ينفع بجهودكم امتنا الإسلامية.

عقب ذلك تسلم سموه درعا تذكاريا بهذه المناسبة من معالي الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي.

حضر الحفل معالي وزير الثقافة والإعلام الدكتور عبد العزيز بن محيي الدين خوجة ومعالي رئيس المجلس الأعلى للقضاء الشيخ الدكتور صالح بن عبد الله بن حميد وعدد من أصحاب الفضيلة العلماء والمسئولين.

مشكلات النظام الدولي المعاصر وانعكاساتها

كاتب الموضوع الأصلي: منصور العتيبي 3332

بدأ تشكل العالم المعاصر بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، وإن كانت هذه الحرب هي نفسها نتيجة صراعات وتنافسات محمومة على الموارد البشرية والطبيعية للبلدان الضعيفة.

وبعد الحرب، دخل العالم مرحلة جديدة قامت على رسم الدول المنتصرة للخريطة الدولية، مع التحكم المباشر في توجهات السياسة الدولية وتوجيه بوصلة النظام الدولي، وفق ما تمليه مصلحة اللاعبين الكبار، وقد أثر هذا النظام بقوانينه وبسياساته القائمة على رعاية مصلحة الدول الكبرى في واقع الدول الإسلامية وسياساتها وتطلعاتها، فكيف ذلك؟

أولا – مشكلات النظام الدولي المعاصر:

بمجرد نهاية الحرب العالمية الثانية، بدأت تظهر بوادر الأزمة في النظام الدولي، ويمكن النظر إليها من زاويتين؛ لكل زاوية مرحلتها ومشاكلها:

أ/ مرحلة الحرب الباردة: ومن أبرز مشاكلها:

* التقسيم الدولي للعمل: هذا التقسيم أعطى الحق للدول المنتصرة في الانفراد بالصناعات العسكرية والحيوية واحتكار البحث العلمي الدقيق في العلوم الفيزيائية والبيولوجية والنووية والكيماوية والفضائية والتكنولوجيا الرقمية في حين تختص الدول الضعيفة بالإنتاج الزراعي والصناعات التقليدية والاستهلاكية؛ مما أفرز مع المدة مزيدا من اختلالات في ميزان العلاقات الدولية بين الشمال والجنوب.

* الحرب الباردة وما رافقها من سباق غير مسبوق نحو التسلح النووي بين قطبي العالم آنذاك الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، الأمر الذي أدى إلى تقسيم العالم بين معسكرين رأسمالي وآخر اشتراكي، وقد كان هذا الاهتمام بالتسلح النووي على حساب القضايا الإنسانية كالفقر والأمية والصحة والتنمية.

* التحكم في الدول الضعيفة وصنع أنظمة موالية لأحد القطبين: كان كل من القطبين يسعى إلى إيجاد أنظمة سياسية موالية له، وهكذا وجدت في العالم الإسلامي أنظمة سياسية اشتراكية وليبرالية كل منها يوالي أحد المعسكرين، وقد كلف ذلك العالم الإسلامي كثيرا بسبب الانقلابات والتغييرات المفاجئة والمتابعات والاغتيالات …ذهب ضحيتها أبناء البلد الواحد وضاعت فيها جهود ثمينة وفرص تاريخية لا تعوض في البناء الذاتي والتنمية البشرية الحقيقية.

* صنع الكيان الصهيوني ومساعدته على قيام دولته على أرض فلسطين المسلمة، وتمكينه من التسلح النووي: هذا الكيان تمكن بسبب الدعم الغربي من تكوين ترسانة عسكرية ونووية رادعة، وكانت لتجربته في الحرب مع الدول العربية فرصة لتقوية مكانته في المقابل ازدادت الدول العربية ضعفا، بسبب الحصار المضروب عليها لامتلاك قوة الردع.

* تأسيس منظمات دولية سياسية واقتصادية وقضائية مساعدة، للتحكم في البلدان الضعيفة وصنع سياساتها على المقاس المناسب للدول الكبرى مثل مجلس الأمن وهيأة المم المتحدة وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي وتعمل بقوانين الدول الكبرى وتتحكم فيها المنظمات الصهيونية واللوبيات اليهودية، مما يجعل عملها مشوبا بعدم العدل ويفتقد للمصداقية الحقيقية ..

ب/ مرحلة ما بعد سقوط الاتحاد السوفييتي:

وبعد سقوط الاتحاد السوفييتي وتلاشي المعسكر الشرقي الاشتراكي وانضمامه إلى السوق الحرة (المنظومة الرأسمالية) بدأت تتشكل معالم نظام عالمي جديد بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية في مرحلته الراهنة، وإلا فإن هذا النظام لا يزال في بدايات تشكله، وما زالت معالمه النهائية لم تتحدد بعد بشكل مستقر، وخلال هذه المرحلة من بداية التسعينات عرف العالم المعاصر مجموعة من المشاكل من أبرزها:

* خروج الولايات المتحدة عن الشرعية الدولية وقيادتها المبادرة للتدخل العسكري لتغيير أنظمة الدول، مثل (بنما وتشيليي وأفغانستان والعراق وفلسطين)، وتوليها قيادة حملة الدفاع عن منع انتشار الأسلحة النووية وتحريض دول مجلس الأمن ودول الاتحاد الأوروبي واليابان على المشاركة في فرض العقوبات التأديبية في حق الدول التي ترغب في امتلاك الطاقة النووية .

* المساندة الواسعة للكيان الصهيوني والتغاضي عن انتهاكاته لحقوق الشعب الفلسطيني والسماح له بامتلاك السلاح النووي واتخاذه كقوة للردع لصالحها ولصالح الصهيونية لفرض مزيد من الضغوط المذلة على الدول العربية والإسلامية، فمنذ تأسيس الكيان الصهيوني، وهو يمارس أبشع المظالم السياسية والإنسانية والمجموعة الدولية تكتفي في أحسن الأحوال بالتنديد المحتشم في حين لا تتورع الولايات المتحدة الأمريكية من استعمال حق الفيتو لحماية هذه الكيان من العقوبات.

* الحرب على الإرهاب: وقد تولت الولايات المتحدة بنفسها الحرب على الإرهاب واتخاذه ذريعة في أكثر المناطق لإشعال الحرب عليها والتدخل في دول أخرى لتغيير سياساتها وبرامجها التعليمية ودعم توجهات سياسية وثقافية معينة دون أخرى، كما اتخذت الولايات المتحدة وحلفاؤها مفهوم الإرهاب وسيلة لضرب المقاومة المشروعة في فلسطين والعراق والشيشان والبوسنة والهرسك والصومال وغير ذلك.

* منظومة العولمة: فالعولمة صيغة جديدة للتحكم في الدول الضعيفة وإدخالها في دورة التبعية الذليلة للدول الكبرى وخاصة الولايات المتحدة. والعولمة ليست اقتصادية فقط، وإنما هي منظومة متكاملة فكريا وسياسيا واجتماعيا واقتصاديا ودينيا.

وأصبحت هذه العولمة جهازا مفاهيميا وتصوريا للعالم وفق الرؤية الأمريكية الصهيونية، مدعما بترسانة قانونية تجبر الدول الضعيفة على التوقيع عليها كما تسندها قوة عسكرية للردع والإكراه في حق كل من تسول له طموحاته السياسية البقاء خارج هذه المنظومة التي تشكل أحد أبرز مظاهر القوة في النظام العالمي الجديد.

ثانيا:انعكاسات ذلك على واقع العالم الإسلامي ومستقبله:

نتج عن هذا الواقع الدولي لما بعد الحرب العالمية الثانية ولما بعد سقوط الأنظمة الاشتراكية مجموعة من المشاكل عرقلت مسيرة النمو في العالم الإسلامي من جملتها:

* تفتيت كيان الوحدة الإسلامية بتوزيع العالم الإسلامي إلى دول موالية أنظمتها السياسية إما إلى المعسكر الشرقي وإما إلى المعسكر الغربي، إضافة إلى زرع إيديولوجيات علمانية وإلحادية ودعمها وتشجيعها لتأسيس أحزاب سياسية وجمعيات ثقافية وتوجهات اجتماعية مناهضة للفكر الإسلامي وللصحوة الإسلامية عمقت الفرقة وأذكت جذوة الخلاف والصراع وفوتت فرصا كثيرة في البناء والنمو.

* ضعف وتيرة النمو الاقتصادي والاجتماعي بحكم تبعية الأنظمة الحاكمة لمراكز القرار الغربي بشقيه الرأسمالي والاشتراكي، وبسبب تحكم المراكز الدولية وتوجيهها للسياسات الرسمية والاقتصادية، وبسبب غياب سياسات حكيمة واستراتيجيات مستقبلية صادقة، وتزداد هذه الوتيرة ضعفا مع دخول الدول العربية والإسلامية عصر العولمة المفترسة التي تحد كثيرا من تكوين القدرات الذاتية وبناء اقتصاديات وطنية قوية وقادرة على المنافسة.

* وجود الكيان الصهيوني في المنطقة العربية والإسلامية، جعل التوجهات السياسية لدول العالم الإسلامي تتجه نحو التسلح والإنفاق العسكري وتقوية هذه الجوانب على حساب قضايا التنمية البشرية والاقتصادية.

* تأثر العالم الإسلامي بشكل كبير جدا بالحملة العالمية والأمريكية على الإرهاب، بل اعتبرت دول العالم الإسلامي والدين الإسلامي المسئول المباشر والأكبر في ذلك، مما جعله ضحية اتهامات دولية تحالفت على ذلك وتواطأت، ففرضت على الدول العربية والإسلامية الرضوخ للإكراهات الدولية، بتغيير السياسات والمناهج التعليمية والإصلاحات الاجتماعية، والتعامل المزدوج مع قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان، حيث تمنح للتوجهات العلمانية والطوائف الدينية غير المسلمة، وتُحرم منها الشعوب المسلمة وأحزابها وتياراتها بتهمة التطرف والإرهاب؛ فأغرق ذلك المجتمعات الإسلامية في بحر من الاحتقانات السياسية، وفرض على الدول انتهاج المعالجات الأمنية والإقصائية دون محاولة اعتماد المعالجة الشمولية للظاهرة، مما زاد على الدول الإسلامية تكاليف مالية ومخصصات إضافية تنفق في السياسات الأمنية بدل أن تنفق في معالجة القضايا الاجتماعية.

* احتلال أجزاء ودول من العالم الإسلامي كالعراق وأفغانستان والصومال بتهمة تهديد العالم الغربي ومصالحه، مع مواصلة تهديد دول أخرى كإيران وسوريا والسودان وباكستان، الأمر الذي يجعل المنطقة الإسلامية ـ وهي الأغنى عالميا بثرواتها ـ على حافة حرب حقيقة؛ وما عسكرة البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر والمحيط الهندي والخليج العربي، إلا دليل قوي على مخاطر التهديد باشتعال حرب في المنطقة، لا أحد يتوقع حجم مخاطرها وآفاقها.

وأخيرا، يمكن القول إن كثيرا من مشاكل العالم الإسلامي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية تدخلت في صنعها المنظومة الدولية في عهد الحرب الباردة أو ما بعدها، ولا يمكن النظر لهذه المشاكل بمعزل عن سياقها الدولي.

مشكلات النظام الدولي المعاصر وانعكاساتها

كاتب الموضوع الأصلي: منصور العتيبي 3332

بدأ تشكل العالم المعاصر بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، وإن كانت هذه الحرب هي نفسها نتيجة صراعات وتنافسات محمومة على الموارد البشرية والطبيعية للبلدان الضعيفة.

وبعد الحرب، دخل العالم مرحلة جديدة قامت على رسم الدول المنتصرة للخريطة الدولية، مع التحكم المباشر في توجهات السياسة الدولية وتوجيه بوصلة النظام الدولي، وفق ما تمليه مصلحة اللاعبين الكبار، وقد أثر هذا النظام بقوانينه وبسياساته القائمة على رعاية مصلحة الدول الكبرى في واقع الدول الإسلامية وسياساتها وتطلعاتها، فكيف ذلك؟

أولا – مشكلات النظام الدولي المعاصر:

بمجرد نهاية الحرب العالمية الثانية، بدأت تظهر بوادر الأزمة في النظام الدولي، ويمكن النظر إليها من زاويتين؛ لكل زاوية مرحلتها ومشاكلها:

أ/ مرحلة الحرب الباردة: ومن أبرز مشاكلها:

* التقسيم الدولي للعمل: هذا التقسيم أعطى الحق للدول المنتصرة في الانفراد بالصناعات العسكرية والحيوية واحتكار البحث العلمي الدقيق في العلوم الفيزيائية والبيولوجية والنووية والكيماوية والفضائية والتكنولوجيا الرقمية في حين تختص الدول الضعيفة بالإنتاج الزراعي والصناعات التقليدية والاستهلاكية؛ مما أفرز مع المدة مزيدا من اختلالات في ميزان العلاقات الدولية بين الشمال والجنوب.

* الحرب الباردة وما رافقها من سباق غير مسبوق نحو التسلح النووي بين قطبي العالم آنذاك الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، الأمر الذي أدى إلى تقسيم العالم بين معسكرين رأسمالي وآخر اشتراكي، وقد كان هذا الاهتمام بالتسلح النووي على حساب القضايا الإنسانية كالفقر والأمية والصحة والتنمية.

* التحكم في الدول الضعيفة وصنع أنظمة موالية لأحد القطبين: كان كل من القطبين يسعى إلى إيجاد أنظمة سياسية موالية له، وهكذا وجدت في العالم الإسلامي أنظمة سياسية اشتراكية وليبرالية كل منها يوالي أحد المعسكرين، وقد كلف ذلك العالم الإسلامي كثيرا بسبب الانقلابات والتغييرات المفاجئة والمتابعات والاغتيالات …ذهب ضحيتها أبناء البلد الواحد وضاعت فيها جهود ثمينة وفرص تاريخية لا تعوض في البناء الذاتي والتنمية البشرية الحقيقية.

* صنع الكيان الصهيوني ومساعدته على قيام دولته على أرض فلسطين المسلمة، وتمكينه من التسلح النووي: هذا الكيان تمكن بسبب الدعم الغربي من تكوين ترسانة عسكرية ونووية رادعة، وكانت لتجربته في الحرب مع الدول العربية فرصة لتقوية مكانته في المقابل ازدادت الدول العربية ضعفا، بسبب الحصار المضروب عليها لامتلاك قوة الردع.

* تأسيس منظمات دولية سياسية واقتصادية وقضائية مساعدة، للتحكم في البلدان الضعيفة وصنع سياساتها على المقاس المناسب للدول الكبرى مثل مجلس الأمن وهيأة المم المتحدة وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي وتعمل بقوانين الدول الكبرى وتتحكم فيها المنظمات الصهيونية واللوبيات اليهودية، مما يجعل عملها مشوبا بعدم العدل ويفتقد للمصداقية الحقيقية ..

ب/ مرحلة ما بعد سقوط الاتحاد السوفييتي:

وبعد سقوط الاتحاد السوفييتي وتلاشي المعسكر الشرقي الاشتراكي وانضمامه إلى السوق الحرة (المنظومة الرأسمالية) بدأت تتشكل معالم نظام عالمي جديد بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية في مرحلته الراهنة، وإلا فإن هذا النظام لا يزال في بدايات تشكله، وما زالت معالمه النهائية لم تتحدد بعد بشكل مستقر، وخلال هذه المرحلة من بداية التسعينات عرف العالم المعاصر مجموعة من المشاكل من أبرزها:

* خروج الولايات المتحدة عن الشرعية الدولية وقيادتها المبادرة للتدخل العسكري لتغيير أنظمة الدول، مثل (بنما وتشيليي وأفغانستان والعراق وفلسطين)، وتوليها قيادة حملة الدفاع عن منع انتشار الأسلحة النووية وتحريض دول مجلس الأمن ودول الاتحاد الأوروبي واليابان على المشاركة في فرض العقوبات التأديبية في حق الدول التي ترغب في امتلاك الطاقة النووية .

* المساندة الواسعة للكيان الصهيوني والتغاضي عن انتهاكاته لحقوق الشعب الفلسطيني والسماح له بامتلاك السلاح النووي واتخاذه كقوة للردع لصالحها ولصالح الصهيونية لفرض مزيد من الضغوط المذلة على الدول العربية والإسلامية، فمنذ تأسيس الكيان الصهيوني، وهو يمارس أبشع المظالم السياسية والإنسانية والمجموعة الدولية تكتفي في أحسن الأحوال بالتنديد المحتشم في حين لا تتورع الولايات المتحدة الأمريكية من استعمال حق الفيتو لحماية هذه الكيان من العقوبات.

* الحرب على الإرهاب: وقد تولت الولايات المتحدة بنفسها الحرب على الإرهاب واتخاذه ذريعة في أكثر المناطق لإشعال الحرب عليها والتدخل في دول أخرى لتغيير سياساتها وبرامجها التعليمية ودعم توجهات سياسية وثقافية معينة دون أخرى، كما اتخذت الولايات المتحدة وحلفاؤها مفهوم الإرهاب وسيلة لضرب المقاومة المشروعة في فلسطين والعراق والشيشان والبوسنة والهرسك والصومال وغير ذلك.

* منظومة العولمة: فالعولمة صيغة جديدة للتحكم في الدول الضعيفة وإدخالها في دورة التبعية الذليلة للدول الكبرى وخاصة الولايات المتحدة. والعولمة ليست اقتصادية فقط، وإنما هي منظومة متكاملة فكريا وسياسيا واجتماعيا واقتصاديا ودينيا.

وأصبحت هذه العولمة جهازا مفاهيميا وتصوريا للعالم وفق الرؤية الأمريكية الصهيونية، مدعما بترسانة قانونية تجبر الدول الضعيفة على التوقيع عليها كما تسندها قوة عسكرية للردع والإكراه في حق كل من تسول له طموحاته السياسية البقاء خارج هذه المنظومة التي تشكل أحد أبرز مظاهر القوة في النظام العالمي الجديد.

ثانيا:انعكاسات ذلك على واقع العالم الإسلامي ومستقبله:

نتج عن هذا الواقع الدولي لما بعد الحرب العالمية الثانية ولما بعد سقوط الأنظمة الاشتراكية مجموعة من المشاكل عرقلت مسيرة النمو في العالم الإسلامي من جملتها:

* تفتيت كيان الوحدة الإسلامية بتوزيع العالم الإسلامي إلى دول موالية أنظمتها السياسية إما إلى المعسكر الشرقي وإما إلى المعسكر الغربي، إضافة إلى زرع إيديولوجيات علمانية وإلحادية ودعمها وتشجيعها لتأسيس أحزاب سياسية وجمعيات ثقافية وتوجهات اجتماعية مناهضة للفكر الإسلامي وللصحوة الإسلامية عمقت الفرقة وأذكت جذوة الخلاف والصراع وفوتت فرصا كثيرة في البناء والنمو.

* ضعف وتيرة النمو الاقتصادي والاجتماعي بحكم تبعية الأنظمة الحاكمة لمراكز القرار الغربي بشقيه الرأسمالي والاشتراكي، وبسبب تحكم المراكز الدولية وتوجيهها للسياسات الرسمية والاقتصادية، وبسبب غياب سياسات حكيمة واستراتيجيات مستقبلية صادقة، وتزداد هذه الوتيرة ضعفا مع دخول الدول العربية والإسلامية عصر العولمة المفترسة التي تحد كثيرا من تكوين القدرات الذاتية وبناء اقتصاديات وطنية قوية وقادرة على المنافسة.

* وجود الكيان الصهيوني في المنطقة العربية والإسلامية، جعل التوجهات السياسية لدول العالم الإسلامي تتجه نحو التسلح والإنفاق العسكري وتقوية هذه الجوانب على حساب قضايا التنمية البشرية والاقتصادية.

* تأثر العالم الإسلامي بشكل كبير جدا بالحملة العالمية والأمريكية على الإرهاب، بل اعتبرت دول العالم الإسلامي والدين الإسلامي المسئول المباشر والأكبر في ذلك، مما جعله ضحية اتهامات دولية تحالفت على ذلك وتواطأت، ففرضت على الدول العربية والإسلامية الرضوخ للإكراهات الدولية، بتغيير السياسات والمناهج التعليمية والإصلاحات الاجتماعية، والتعامل المزدوج مع قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان، حيث تمنح للتوجهات العلمانية والطوائف الدينية غير المسلمة، وتُحرم منها الشعوب المسلمة وأحزابها وتياراتها بتهمة التطرف والإرهاب؛ فأغرق ذلك المجتمعات الإسلامية في بحر من الاحتقانات السياسية، وفرض على الدول انتهاج المعالجات الأمنية والإقصائية دون محاولة اعتماد المعالجة الشمولية للظاهرة، مما زاد على الدول الإسلامية تكاليف مالية ومخصصات إضافية تنفق في السياسات الأمنية بدل أن تنفق في معالجة القضايا الاجتماعية.

* احتلال أجزاء ودول من العالم الإسلامي كالعراق وأفغانستان والصومال بتهمة تهديد العالم الغربي ومصالحه، مع مواصلة تهديد دول أخرى كإيران وسوريا والسودان وباكستان، الأمر الذي يجعل المنطقة الإسلامية ـ وهي الأغنى عالميا بثرواتها ـ على حافة حرب حقيقة؛ وما عسكرة البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر والمحيط الهندي والخليج العربي، إلا دليل قوي على مخاطر التهديد باشتعال حرب في المنطقة، لا أحد يتوقع حجم مخاطرها وآفاقها.

وأخيرا، يمكن القول إن كثيرا من مشاكل العالم الإسلامي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية تدخلت في صنعها المنظومة الدولية في عهد الحرب الباردة أو ما بعدها، ولا يمكن النظر لهذه المشاكل بمعزل عن سياقها الدولي.