أ.د. أحمد محمد وهبان

لحركة الاسلامية في السودان..

كاتب الموضوع الأصلي: منصور العتيبي 3332

لابد من الاعتذار أولاً للأخوة القراء الذين يتابعون مقالات الحركة الاسلامية في السودان ولم يعجبهم عدم انتظامي في كتاباتها، وأقدم بين يدي هذا الاعتذار دواعي عدم الانتظام التي قد تكون مقبولة لدى قرائنا الكرام، فلما بدأت هذه السلسلة«الحركة الاسلامية في السودان المأزق والمخرج» كان العزم عندي أن أجعلها راتبة في ثلاثة أيام في الأسبوع على الاقل، إلا أن تداخل الأحداث المهمة وتكاثفها جعل هذا الالتزام مستحيلاً، إذ يشهد كل يوم، إن لم نقل كل ساعة حدثاً مهماً، ومتغيرًا جديدًا يستوجب الحديث والتعليق وأجد كثيرين من القراء يحاصرونني مطالبين بالرأي والتعليق على أحداث الساحة الجارية، ولذلك صرت أسعى بين هذه وتلك بما يتيسر ويستجد من أحداث دون انتظام، ووفقنا الله خلال الفترة الماضية على كتابة ثلاث حلقات، وندخل اليوم الرابعة باذنه تعالي.

عام 1964م كان عاماً مهماً في تاريخ الحركة الاسلامية في السودان، وكانت في ذاك الوقت قد استقرت على اسم «الأخوان المسلمون» وفي هذا العام عاد الدكتور حسن الترابي من بعثته للدراسات العليا في جامعة السوربون الفرنسية وتم تعيينه عميدًا لكلية القانون جامعة الخرطوم، وكان الدكتور الترابي قد انتظم في صفوف الجماعة بعد دخوله جامعة الخرطوم من مدرسة حنتوب التي درس فيها المرحلة الثانونة، وتم اختيار الدكتور الترابي أميناً عاماً للتنظيم والرجل يمتاز بشخصية كارزمية لها كل مؤهلات القيادة، وتسلح بالعلم والمعرفة وحفظ القرآن والاطلاع الواسع في العلوم الشرعية وغيرها، وله كسب كبير في الفقه، كما ويتميز بجرأة فائقة ومقدرة عالية على التعبير عن أفكاره وتوصيلها إلى الآخرين، ويعينه على ذلك فصاحة لسانه وبراعته الخطابية.
وفي أكتوبر عام 1964م نظمت الجماعة ندوة سياسية بجامعة الخرطوم عن مشكلة الجنوب قاد الحديث فيها الدكتور الترابي، وكان أهم ما قاله في هذه الندوة أن مشكلة ا لجنوب لايمكن أن تحل في ظل نظام عسكري شمولي قابض، فلابد من إزالة الحكم العسكري أولاً، واقامة نظام سياسي ديمقراطي يعين على حل هذه المشكلة التي تعتبر أم المشكلات في السودان، وكانت هذه الندوة بمثابة الشرارة التي أشعلت الشارع فانطلق وأسقط نظام الفريق الراحل ابراهيم عبود في الواحد وعشرين من شهر أكتوبر عام 1964م فكانت اكتوبر الثورة الظافرة.
وهذا القول أثبته رجل ظل على الدوام على خلاف سياسي وفكري مع الحركة الاسلامية، وهو محسوباً على اليسار، إن لم نقل من قبائله ولكنه رجل أكاديمي ومؤرخ صادق هو المرحوم البروفيسور محمد عمر بشير، ومن طرائف البروفيسور بشير ونوادره في الحديث عن الخلاف مع الاسلاميين، أنه كان كثير الانتقاد للانقاذ في عهدها الاول وكانت صحته عليلة على تلك الايام فزارته إحدى قريباته في المستشفى حيث كان يتلقى العلاج فوجدته، يتحدث عن الانقاذ بـ«حرقة» فحاولت هذه القريبة أن تخرجه من هذه الحالة وتواسيه فقالت له:«يا محمد يا أخوي ناس الانقاذ ديل ما بتقدروا عليهم إلا تشتكوهم لي الله» فرد عليها البروف يرحمه الله «الله ذاته معاهم».
فلقد شهد البروفيسور محمد عمر بشير في كتابه تاريخ الحركة الوطنية في السودان لجماعة الأخوان المسلمين، وقال إن اندلاع ثورة اكتوبر يعود لندوة اكتوبر التي انعقدت في جامعة الخرطوم عن مشكلة جنوب السودان وهي الندوة التي نظمتها جماعة الأخوان المسلمين، ونقول في ذلك:
ومليحة شهدت لها ضراتها
والفضل ما شهدت به الأعداء
وبعد نجا ح ثورة أكتوبر وسقوط نظام عبود وعودة الحياة الحزبية للبلاد في ظل ممارسة ديمقراطية مفتوحة، لجأت الحركة إلى العمل الجبهوي فأسست جبهة الميثاق الاسلامي التي شاركت فيها قوى اسلامية كثيرة منها طرق صوفية وكان أكثر المتصوفة الذين شاركوا في الجبهة ودعموها أهل الطريقة التجانية وكانت مشاركة أنصار السنة المحمدية ظاهرة، فبينما كانت روح التدين السودانية للجماعة سبباً لتعاطف المتصوفية معها، فإن سنيتها ورفعها الشعار الاسلامي للحكم كانت سبب جذب كثيرين من السلفيين من أنصار السنة لها.
هذه الدعوة الانفتاحية والاتجاه للعمل الجبهوي لم تحتملها كل عضوية الجماعة، ولقد كان بعض القيادات أيضاً على هذا الرأي، الا أن وقوف الأمين العام الدكتور حسن الترابي وقيادته للتيار الجبهوي رجحت كفة الجبهويين، وأوشك أن يقع انشقاق كبير في صفوف الجماعة في أبريل عام 1969م عقب المؤتمر العام للحركة الذي عقد في ذلك الشهر من ذاك العام وكان يمكن لهذا الانشقاق أن يشكل مأزقاً كبيرًا للحركة الاسلامية الحديثة، إلا أن المخرج جاء مع انقلاب الرئيس الأسبق المرحوم المشير جعفر محمد نميري الذي أصاب الفريقين معاً، دعاة الانفتاح ودعاة الانغلاق فصدقت فيهما مقولة «المصيبة تجمع المصابين» فتناسى الفريقان خلافاتهما ووحدا صفوفهما لمناهضته للانقلاب الذي وقع على البلاد.
كان الأخوان المسلمون من أشرس الذين تصدوا لانقلاب مايو مع الأنصار وحزب الأمة فلما تمترس الامام الشهيد الهادي المهدي في الجزيرة أبا لمنازلة النظام هاجر إليه الاخوان المسلمون شيوخاً وشباباً ، ومن أشهر الشيوخ الذين هاجروا إلى الجزيرة أبا، الشهيد الدكتور محمد صالح عمر الذي كان من أوائل شهداء المقاومة الوطنية لمايوفي «ربك» والشيخ المرحوم محمد محمد صادق الكاروري، ومن الشباب الاخ مهدي ابراهيم الذي أعانته معرفته للمنطقة على الهروب، والأخ عبدالمطلب بابكر«طلب» الذي وقع في الأسر وحكم عليه بالاعدام شنقاً حتى الموت، ولم ينقذه من حبل المشنقة شئ سوى صغر سنه الذي حول الحكم من الاعدام إلى السجن المؤبد، ولما جاءت المصالحة الوطنية في عام 1977م بين نظام مايو والجبهة الوطنية التي وقعها السيد الصادق المهدي رئيس الجبهة مع الرئيس الاسبق جعفر نميري بعد لقاء بورتسودان الشهير الذي رتبه المرحوم فتح الرحمن البشير، فلما جرت هذه المصالحة كان من بعض بنودها إطلاق سراح المعتقلين فتم إطلاق سراح الأخ طلب مع الذين فُتحت عنهم أبواب السجون والمعتقلات وكان من بين هؤلاء الامين العام للحركة الدكتور حسن عبدالله الترابي.
لم تقف مناهضة الأخوان المسلمين لنظام مايو عند حدود المشاركة في أحداث الجزيرة أبا، وإنما قادوا مع حزبي الامة والاتحادي تكوين الجبهة الوطنية المعارضة لنظام مايو في الخارج، وكان من أكثر قيادات الجماعة المشاركين في تكوين الجبهة وكانوا من رموزها السيد أحمد عبدالرحمن محمد والاستاذ عثمان خالد مضوي، ولقد أبلوا بلاءً حسناً في ذلك.
ومما ساعد على دعم التواصل بين الأخوان المسلمين وبين حزبي الامة والاتحادي، والتضامن في بناء الجبهة الوطنية المعارضة لمايو ما أشرنا له في حلقة سابقة من جذور أنصارية وختمية تعود اليها أصول أكثر الاخوان المسلمين، ويزيد عليها الخلفية الاسلامية للحزبين الكبيرين وتوجهاتهما، وكذلك اتفاقهم على رفض الشيوعية التي تحالفت مع بقية الفرق اليسارية وانفذت انقلاب مايو الذي قالوا عنه أنه جاء ليمزق ورقة الدستور الاسلامي الصفراء إلى الأبد.
وكان الطلاب الاسلاميون يمثلون رأس الرمح في مصارعة مايو، وكانت جامعة الخرطوم معقلاً لهذا الصراع ولقد أولى الطلاب ثقتهم للطلاب الاسلاميين، تقديرًا لدورهم النضالي، ولانهم كانوا يتمثلون شعارهم الانتخابي، وكان الذين يقدمونهم لقيادة الاتحاد يجسدون ما يقال عنهم ويكتب «أصلب العناصر لأصعب المواقف» ومن أشهر الطلاب الاسلاميين الذين قادوا اتحادات طلاب جامعة الخرطوم في تلك الفترة الحرجة التي كان فيها الصراع مع مايو على أشده الاخوان، علي عثمان محمد طه، أحمد عثمان مكي، داوود بولاد، والتجاني عبدالقادر.
أما الامتحان الأصعب والأعسر للحركة الاسلامية في تلك الفترة ، كان هو اختيار الجبهة الوطنية العمل المسلح والذي تم تنفيذه يوم الجمعة الثاني من يوليو عام 1976م بقيادة الشهيد العميد محمد نور سعد والذي نسميه«الانتفاضة الوطنية المسلحة» واسمته مايو واعلامها في ذاك الوقت «المرتزقة» ولقد ساد اسم مايو وطغى على اسمنا.
لقد كان الامتحان عسيرًا والمأزق حرجاً بالنسبة للحركة الاسلامية، ولكنها اجتازته بنجاح فالحركة الاسلامية كانت حتى ذاك الوقت حركة صفوية وكان الخريجون والطلاب هم أهم مكوناتها ولم تكن لها قواعد كبيرة خارج هذه الدائرة التي تعتبر عند الآخرين «الصفوة» فبينما دفع الانصار بالقواعد لتشكل قاعدة القتال الاكبر للحزب، قدم الاخوان المسلمون الصفوة الذين هم قادة وقيادة معاً ولقد قاد الاستاذ ابراهيم السنوسي فيلق الحركة المقاتل وكان من أبرز الذين قاتلوا معه الشهيد عبدالاله خوجلي والشهيد عبدالله ميرغني والشهيد حسن سليمان والاخ غازي صلاح الدين وكثيرون غيرهم، ولقد سجلوا ملحمة بطولية خالدة، وللرئيس نميري قول يشهد على هذه البطولة وكان النميري قد قال«لما دخلنا دار الهاتف وجدنا فلذات أكبادنا طلاب جامعة الخرطوم» وكان المقاتلون في دار الهاتف قد صمدوا صمود الابطال وقاتلوا بشراسة واستبسلوا إلى أن لقوا ربهم شهداء للدين والوطن، راضين مرضيين، تقبلهم الله عنده قبولاً حسناً وأسكنهم فسيح جناتهم مع الانبياء والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقاً.

لحركة الاسلامية في السودان..

كاتب الموضوع الأصلي: منصور العتيبي 3332

لابد من الاعتذار أولاً للأخوة القراء الذين يتابعون مقالات الحركة الاسلامية في السودان ولم يعجبهم عدم انتظامي في كتاباتها، وأقدم بين يدي هذا الاعتذار دواعي عدم الانتظام التي قد تكون مقبولة لدى قرائنا الكرام، فلما بدأت هذه السلسلة«الحركة الاسلامية في السودان المأزق والمخرج» كان العزم عندي أن أجعلها راتبة في ثلاثة أيام في الأسبوع على الاقل، إلا أن تداخل الأحداث المهمة وتكاثفها جعل هذا الالتزام مستحيلاً، إذ يشهد كل يوم، إن لم نقل كل ساعة حدثاً مهماً، ومتغيرًا جديدًا يستوجب الحديث والتعليق وأجد كثيرين من القراء يحاصرونني مطالبين بالرأي والتعليق على أحداث الساحة الجارية، ولذلك صرت أسعى بين هذه وتلك بما يتيسر ويستجد من أحداث دون انتظام، ووفقنا الله خلال الفترة الماضية على كتابة ثلاث حلقات، وندخل اليوم الرابعة باذنه تعالي.

عام 1964م كان عاماً مهماً في تاريخ الحركة الاسلامية في السودان، وكانت في ذاك الوقت قد استقرت على اسم «الأخوان المسلمون» وفي هذا العام عاد الدكتور حسن الترابي من بعثته للدراسات العليا في جامعة السوربون الفرنسية وتم تعيينه عميدًا لكلية القانون جامعة الخرطوم، وكان الدكتور الترابي قد انتظم في صفوف الجماعة بعد دخوله جامعة الخرطوم من مدرسة حنتوب التي درس فيها المرحلة الثانونة، وتم اختيار الدكتور الترابي أميناً عاماً للتنظيم والرجل يمتاز بشخصية كارزمية لها كل مؤهلات القيادة، وتسلح بالعلم والمعرفة وحفظ القرآن والاطلاع الواسع في العلوم الشرعية وغيرها، وله كسب كبير في الفقه، كما ويتميز بجرأة فائقة ومقدرة عالية على التعبير عن أفكاره وتوصيلها إلى الآخرين، ويعينه على ذلك فصاحة لسانه وبراعته الخطابية.
وفي أكتوبر عام 1964م نظمت الجماعة ندوة سياسية بجامعة الخرطوم عن مشكلة الجنوب قاد الحديث فيها الدكتور الترابي، وكان أهم ما قاله في هذه الندوة أن مشكلة ا لجنوب لايمكن أن تحل في ظل نظام عسكري شمولي قابض، فلابد من إزالة الحكم العسكري أولاً، واقامة نظام سياسي ديمقراطي يعين على حل هذه المشكلة التي تعتبر أم المشكلات في السودان، وكانت هذه الندوة بمثابة الشرارة التي أشعلت الشارع فانطلق وأسقط نظام الفريق الراحل ابراهيم عبود في الواحد وعشرين من شهر أكتوبر عام 1964م فكانت اكتوبر الثورة الظافرة.
وهذا القول أثبته رجل ظل على الدوام على خلاف سياسي وفكري مع الحركة الاسلامية، وهو محسوباً على اليسار، إن لم نقل من قبائله ولكنه رجل أكاديمي ومؤرخ صادق هو المرحوم البروفيسور محمد عمر بشير، ومن طرائف البروفيسور بشير ونوادره في الحديث عن الخلاف مع الاسلاميين، أنه كان كثير الانتقاد للانقاذ في عهدها الاول وكانت صحته عليلة على تلك الايام فزارته إحدى قريباته في المستشفى حيث كان يتلقى العلاج فوجدته، يتحدث عن الانقاذ بـ«حرقة» فحاولت هذه القريبة أن تخرجه من هذه الحالة وتواسيه فقالت له:«يا محمد يا أخوي ناس الانقاذ ديل ما بتقدروا عليهم إلا تشتكوهم لي الله» فرد عليها البروف يرحمه الله «الله ذاته معاهم».
فلقد شهد البروفيسور محمد عمر بشير في كتابه تاريخ الحركة الوطنية في السودان لجماعة الأخوان المسلمين، وقال إن اندلاع ثورة اكتوبر يعود لندوة اكتوبر التي انعقدت في جامعة الخرطوم عن مشكلة جنوب السودان وهي الندوة التي نظمتها جماعة الأخوان المسلمين، ونقول في ذلك:
ومليحة شهدت لها ضراتها
والفضل ما شهدت به الأعداء
وبعد نجا ح ثورة أكتوبر وسقوط نظام عبود وعودة الحياة الحزبية للبلاد في ظل ممارسة ديمقراطية مفتوحة، لجأت الحركة إلى العمل الجبهوي فأسست جبهة الميثاق الاسلامي التي شاركت فيها قوى اسلامية كثيرة منها طرق صوفية وكان أكثر المتصوفة الذين شاركوا في الجبهة ودعموها أهل الطريقة التجانية وكانت مشاركة أنصار السنة المحمدية ظاهرة، فبينما كانت روح التدين السودانية للجماعة سبباً لتعاطف المتصوفية معها، فإن سنيتها ورفعها الشعار الاسلامي للحكم كانت سبب جذب كثيرين من السلفيين من أنصار السنة لها.
هذه الدعوة الانفتاحية والاتجاه للعمل الجبهوي لم تحتملها كل عضوية الجماعة، ولقد كان بعض القيادات أيضاً على هذا الرأي، الا أن وقوف الأمين العام الدكتور حسن الترابي وقيادته للتيار الجبهوي رجحت كفة الجبهويين، وأوشك أن يقع انشقاق كبير في صفوف الجماعة في أبريل عام 1969م عقب المؤتمر العام للحركة الذي عقد في ذلك الشهر من ذاك العام وكان يمكن لهذا الانشقاق أن يشكل مأزقاً كبيرًا للحركة الاسلامية الحديثة، إلا أن المخرج جاء مع انقلاب الرئيس الأسبق المرحوم المشير جعفر محمد نميري الذي أصاب الفريقين معاً، دعاة الانفتاح ودعاة الانغلاق فصدقت فيهما مقولة «المصيبة تجمع المصابين» فتناسى الفريقان خلافاتهما ووحدا صفوفهما لمناهضته للانقلاب الذي وقع على البلاد.
كان الأخوان المسلمون من أشرس الذين تصدوا لانقلاب مايو مع الأنصار وحزب الأمة فلما تمترس الامام الشهيد الهادي المهدي في الجزيرة أبا لمنازلة النظام هاجر إليه الاخوان المسلمون شيوخاً وشباباً ، ومن أشهر الشيوخ الذين هاجروا إلى الجزيرة أبا، الشهيد الدكتور محمد صالح عمر الذي كان من أوائل شهداء المقاومة الوطنية لمايوفي «ربك» والشيخ المرحوم محمد محمد صادق الكاروري، ومن الشباب الاخ مهدي ابراهيم الذي أعانته معرفته للمنطقة على الهروب، والأخ عبدالمطلب بابكر«طلب» الذي وقع في الأسر وحكم عليه بالاعدام شنقاً حتى الموت، ولم ينقذه من حبل المشنقة شئ سوى صغر سنه الذي حول الحكم من الاعدام إلى السجن المؤبد، ولما جاءت المصالحة الوطنية في عام 1977م بين نظام مايو والجبهة الوطنية التي وقعها السيد الصادق المهدي رئيس الجبهة مع الرئيس الاسبق جعفر نميري بعد لقاء بورتسودان الشهير الذي رتبه المرحوم فتح الرحمن البشير، فلما جرت هذه المصالحة كان من بعض بنودها إطلاق سراح المعتقلين فتم إطلاق سراح الأخ طلب مع الذين فُتحت عنهم أبواب السجون والمعتقلات وكان من بين هؤلاء الامين العام للحركة الدكتور حسن عبدالله الترابي.
لم تقف مناهضة الأخوان المسلمين لنظام مايو عند حدود المشاركة في أحداث الجزيرة أبا، وإنما قادوا مع حزبي الامة والاتحادي تكوين الجبهة الوطنية المعارضة لنظام مايو في الخارج، وكان من أكثر قيادات الجماعة المشاركين في تكوين الجبهة وكانوا من رموزها السيد أحمد عبدالرحمن محمد والاستاذ عثمان خالد مضوي، ولقد أبلوا بلاءً حسناً في ذلك.
ومما ساعد على دعم التواصل بين الأخوان المسلمين وبين حزبي الامة والاتحادي، والتضامن في بناء الجبهة الوطنية المعارضة لمايو ما أشرنا له في حلقة سابقة من جذور أنصارية وختمية تعود اليها أصول أكثر الاخوان المسلمين، ويزيد عليها الخلفية الاسلامية للحزبين الكبيرين وتوجهاتهما، وكذلك اتفاقهم على رفض الشيوعية التي تحالفت مع بقية الفرق اليسارية وانفذت انقلاب مايو الذي قالوا عنه أنه جاء ليمزق ورقة الدستور الاسلامي الصفراء إلى الأبد.
وكان الطلاب الاسلاميون يمثلون رأس الرمح في مصارعة مايو، وكانت جامعة الخرطوم معقلاً لهذا الصراع ولقد أولى الطلاب ثقتهم للطلاب الاسلاميين، تقديرًا لدورهم النضالي، ولانهم كانوا يتمثلون شعارهم الانتخابي، وكان الذين يقدمونهم لقيادة الاتحاد يجسدون ما يقال عنهم ويكتب «أصلب العناصر لأصعب المواقف» ومن أشهر الطلاب الاسلاميين الذين قادوا اتحادات طلاب جامعة الخرطوم في تلك الفترة الحرجة التي كان فيها الصراع مع مايو على أشده الاخوان، علي عثمان محمد طه، أحمد عثمان مكي، داوود بولاد، والتجاني عبدالقادر.
أما الامتحان الأصعب والأعسر للحركة الاسلامية في تلك الفترة ، كان هو اختيار الجبهة الوطنية العمل المسلح والذي تم تنفيذه يوم الجمعة الثاني من يوليو عام 1976م بقيادة الشهيد العميد محمد نور سعد والذي نسميه«الانتفاضة الوطنية المسلحة» واسمته مايو واعلامها في ذاك الوقت «المرتزقة» ولقد ساد اسم مايو وطغى على اسمنا.
لقد كان الامتحان عسيرًا والمأزق حرجاً بالنسبة للحركة الاسلامية، ولكنها اجتازته بنجاح فالحركة الاسلامية كانت حتى ذاك الوقت حركة صفوية وكان الخريجون والطلاب هم أهم مكوناتها ولم تكن لها قواعد كبيرة خارج هذه الدائرة التي تعتبر عند الآخرين «الصفوة» فبينما دفع الانصار بالقواعد لتشكل قاعدة القتال الاكبر للحزب، قدم الاخوان المسلمون الصفوة الذين هم قادة وقيادة معاً ولقد قاد الاستاذ ابراهيم السنوسي فيلق الحركة المقاتل وكان من أبرز الذين قاتلوا معه الشهيد عبدالاله خوجلي والشهيد عبدالله ميرغني والشهيد حسن سليمان والاخ غازي صلاح الدين وكثيرون غيرهم، ولقد سجلوا ملحمة بطولية خالدة، وللرئيس نميري قول يشهد على هذه البطولة وكان النميري قد قال«لما دخلنا دار الهاتف وجدنا فلذات أكبادنا طلاب جامعة الخرطوم» وكان المقاتلون في دار الهاتف قد صمدوا صمود الابطال وقاتلوا بشراسة واستبسلوا إلى أن لقوا ربهم شهداء للدين والوطن، راضين مرضيين، تقبلهم الله عنده قبولاً حسناً وأسكنهم فسيح جناتهم مع الانبياء والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقاً.

المشكلات الراهنة للنظام الإسلامي

كاتب الموضوع الأصلي: منصور العتيبي 3332

المشكلات الراهنة للنظام الإسلامي
Reformism Nawaat.org › Feb 25, 05 › 0 comments

النهضة الإسلامية: أهي ثورة دينية أم سياسية؟

في النظام الإسلامي تتوحد عناصر الدين والتنظيم السياسي والاجتماعي جميعاً، فكيف نسعى لتحقيقه؟.. بنهضة دينية أم بثورة سياسية؟

إن الاجابة عن هذا السؤال هي: إنه لايمكن البدء في نهضة إسلامية بدون ثورة دينية كما أنه لا يمكن لهذه النهضة أن تواصل سيرها بنجاح وتكتمل إلا بثورة سياسية.
هذه الاجابة التي تحدد النهضة الإسلامية باعتبارها ثورة مزدوجة: أخلاقية واجتماعية، وتعطي أولوية واضحة للصحوة الدينية.. هذه الإجابة تنبثق من طبيعة الإسلام ومبادئه وليس من الواقع الكئيب الذي يطبع العالم المسلم في الوقت الحالي.
هذا الواقع يفصح عن خطورة الحالة المعنوية للعالم المسلم كما يكشف عن الانحراف وسيطرة الفساد والخرافة والكسل والنفاق وسيادة التقاليد والعادات غير الإسلامية وترسّخ المادية، والغياب المذهل للحماسة والأمل. فهل يمكن البدء بأي نوع من الإصلاح الاجتماعي أو السياسي مباشرة في مثل هذه الظروف؟.
وكل أمة -قبل دعوتها لأداء دورها في التاريخ – عليها أن تحيا فترة من التطهير “الجواني” والتسليم العملي بمبادىء أخلاقية أساسية معينة. إن كل قوة في العالم تبدأ بثبات أخلاقي، وكل هزيمة تبدأ بانهيار أخلاقي. فكل ما يراد تحقيقه لابد أن نبدأ بتحقيقه أولا في أنفس الناس.

فماذا نعني بالصحوة الدينية كمتطلب أساسي للنظام الإسلامي؟

إن الصحوة الدينية هي وعي واضح بالغاية الحقيقية للحياة: لِمَ نحيا؟ ولأجل أي هدف نحيا؟ وهل هذا الهدف هدف شخصي أم هدف مشترك؟ هل يتعلق الهدف بعظمة العنصر “الذي أنتمى إليه” أم مجد الأمة، أم تأكيد شخصيتي الفردية، أم هو هيمنة شريعة الله على الأرض؟.. بالنسبة لحالتنا: الصحوة الدينية تعني من الناحية العملية “أسلمة” الناس الذين يدّعون أنهم مسلمون، أو أولئك الناس الذين يدعوهم الآخرون بهذا الاسم. فنقطة الانطلاق في هذه “الأسلمة” هي الإيمان الراسخ بالله من جانب المسلمين والالتزام الدقيق الأصيل بقيم الإسلام الدينية والأخلاقية.
أما العنصر الثاني للصحوة الدينية فيتمثل في الاستعداد للقيام بالواجبات التي يفرضها الوعي بالهدف فالصحوة الدينية -لذلك – هي نوع من الالتزام الأخلاقي والحماسة، حالة من القوة الروحية على المادة، حالة من المثالية الحية العملية يصحب فيها الأشخاص العاديون قادرين على أعمال بطولية تتسم بالشجاعة والتضحية. ومن ثم فالصحوة الدينية خاصية جديدة للإيمان والإرادة، تتلاشى فيها قيمة المعايير اليومية المألوفة للممكن، ويرتفع فيها الفرد والجماعة معا إلى درجة أعلى من درجات التضحية في سبيل تحقيق مثلهم الأعلى.
وبدون هذه الحالة الجديدة للروح والشعور يستحيل تحقيق أي تغيير حقيقي في عالم المسلمين الحالي.
وعند النظر في هذه الامور تستبد بنا الحيرة -ولو للحظة قصيرة – فنتساءل: هل أقصر طريق للنظام الاسلامي هو الاستيلاء على السلطة التي ستقوم بدورها ببناء المؤسسات المناسبة وتقوم بتربية الشعب تربية دينية وأخلاقية وثقافية، كمقدمة ضرورية لبناء مجتمع اسلامي؟.
لكن هذه مجرد غواية، فالتاريخ لا يذكر لنا أي ثورة حقيقية جاءت عن طريق السلطة وانما عن طريق التربية وكانت معنية في جوهرها بالدعوة الأخلاقية.
إضافة إلى ذلك فإن الصيغة التي تقصر إقامة النظام الإسلامي على نوع من السلطة لا تجيب عن السؤال: من أين تأتي هذه السلطة ومن سيقيمها وينفذها؟ ومن أي نوع من الناس ستتألف هذه السلطة ومؤسساتها؟ وفي النهاية من الذي سيكبح سلوك هذه السلطة ويمنعها من أن تتحول إلى “غول” تخدم نفسها بدلا من أن تخدم الشعب الذي رحب بها؟
من الممكن استبدال مجموعة من الناس في السلطة بمجموعة أخرى وهذا ما يحدث كل يوم.. يمكن استبدال مجموعة من الطغاة بمجموعة أخرى من الطغاة.. “إن مُلاك السلطة، في هذا العالم قابلون للتغيير” ومن الممكن تغيير الاسماء والأعلام والسلام الوطني والشعارات.. ولكننا بهذا كله لا نستطيع أن نتقدم خطوة واحدة نحو تحقيق النظام الإسلامي من حيث هو تجربة جديدة في العالم.. وعلاقة جديدة مختلفة بين الإنسان ونفسه وبينه وبين الآخرين والعالم.
والتطلع الدائم إلى سلطة ما للمساعدة تكمن جذوره في الميل الطبيعي للإنسان إلى الهروب من المراحل الاولى الشاقة من الجهاد.. وأعني بذلك جهاد النفس، فإن تربية الناس مشقة، ولكن أشق منها تربية الذات.
والصحوة الدينية بحكم تعريفها تعني البدء بالذات.. بحياة الإنسان نفسه.. أما فكرة العنف والسلطة “كوسيلة للتغيير” فهي موجهة للآخرين، وهذا ما يجعل هذه الفكرة ذات إغواء.
لذلك لابد لأي حركة تتطلع إلى النظام الإسلامي كهدف أساسي لها أن تكون حركة أخلاقية. أن تستهدف إيقاظ الناس بالمعنى الأخلاقي، وأن تكون لها وظيفة أخلاقية تنهض بالناس وتصلح أحوالهم. وهذا هو الفرق بين الحركة الإسلامية وبين الحزب السياسي. فالحزب السياسي قد تتمثل فيه وحدة بين الافكار والمصالح ولكنه لا يتضمن معايير أخلاقية ولا يشغل الناس بنشاط أخلاقي.

لقد أعطت المصادر الإسلامية أولوية مطلقة للصحوة الدينية:
أولا: يقرر القرآن أن الصحوة الجوانية “تغيير النفس” شرط سابق على أي تغيير أو إصلاح أوضاع أي جماعة: (إن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم).
ثانياً: تأكدت هذه القاعدة عملياً في صدر الإسلام وفي جهاد الرسول (محمد صلى الله عليه وسلم) في سبيل إقامة أول نظام إسلامي في التاريخ، ويدل على هذا أن القرآن -طوال السنوات الثلاث عشرة الأولى من الدعوة الإسلامية – اقتصر في نقاشه على قضايا الإيمان وتأكيد المسئولية، ولم يتطرق في تلك الفترة لأية مشكلة اجتماعية أو سياسية ولم يقرر أي نوع من القوانين الاجتماعية المبنية على الإسلام.
إننا نتطلع إلى الصحوة الدينية في تحقيق ثلاثة أمور أخرى هامة:
1- الصحوة الدينية وحدها هي التي يمكن أن توفر العزم -دون تردد أو تساهل- على تطبيق أحكام القرآن ولاسيما تلك الاحكام التي تتعلق بالامراض الاجتماعية المتأصلة، أو التي من شأنها إحراج أصحاب السلطان ومحتكري الثروات العريضة. وتعنى الصحوة الدينية أن يتم تطبيق هذه الأحكام بدون عنف ولا كراهية. لأن كل المجتمع الذي استيقط فيه وعيه الديني “أو غالبيته” سوف يفقه هذه الأحكام ويرحب بها طاعة لأمر الله وتحقيقاً للعدل.
2- لا يمكن تصور نهضة إسلامية بدون استعداد الناس لتضحيات هائلة بالأموال والأنفس، ولا بدون درجة عالية من الثقة المتبادلة والتعاون المخلص فيما بينهم، وإلا فما الذي يحول دون استغلال هذه الجهود والتضحيات التي يفرضها على نفسه فريق من المجتمع لكي يستخدمها فريق آخر لدعم سيطرته وإشباع مطامعه؟ وما الذي يمنع من تكرار مأساة الهزائم الأخلاقية التي يتكرر ظهورها في التاريخ الحديث “للمسلمين”. إن كل نظام بما في ذلك النظام الإسلامي -يكون دائما أكثر تمثيلاً للناس الذين أقاموه من تمثيله للمبادىء التي ينادون بها.
3- نظراً للتخلف المذهل في العالم الاسلامي.. عليه أن يسير سيراً حثيثاً في مجالي التربية والتصنيع “جنبا إلى جنب” ذلك لأن التنمية المادية المتسرعة تكون عادة مصحوبة بأعراض مرضية خطيرة، تتمثل في الاستبداد والفساد وتحطيم الأسرة وانتهاب الثروات بطرق سريعة غير مشروعة، وبروز الانتهازيين ومعدومى الضمير في المقدمة، والتوسع في المدن “على حساب الريف” وانتشار الكحول والمخدرات وتفشي الدعارة. ولا يوجد سد يحول دون الفيضان الكاسح لهذا الخبث المضاد للثقافة والأخلاق إلا ذلك السد الذي يبنى على أساس من الايمان القوي الخالص بالله، والالتزام بتعاليم الدين من قبل جميع فئات الشعب، فالدين وحده هو الذي يضمن لنا ألا تقوض الحضارة أركان الثقافة. أما التقدم المادي والتقني المجرد كما رأينا بوضوح في كثير من الحالات فإنه قد يتحول إلى بربرية.

السلطة الإسلامية:

إننا أذا كنا نؤكد على أولوية الصحوة الدينية والأخلاقية فهذا لا يعني -ولا يصح تأويله ليعني – أن النظام الإسلامي يمكن أن يقوم بدون سلطة إسلامية، إنه يعني فحسب أن طريقنا لايبدأ بالاستيلاء على السلطة وإنما بكسب الناس، وأن الصحوة الإسلامية إنما هي ثورة في التربية تؤدي إلى ثورة في السياسة. فيجب علينا أن نكون أولا دعاة ثم بعد ذلك نكون جنوداً مجاهدين، وسلاحنا هو القدوة الشخصية والكتاب والكلمة فمتى تلحق القوة بهذا كله؟.
اختيار هذه اللحظة هو دائماً اختيار واقعي يعتمد على سلسلة من العوامل، وتوجد على كل حال قاعدة عامة: أن الحركة الاسلامية يمكنها بل يجب عليها أن تبدأ في السعي إلى السلطة عندما تجد في نفسها من القوة الأخلاقية والعددية مايمكّنها -ليس فقط – من تغيير الحكومة غير الإسلامية -بل أيضاً – من بناء حكومة إسلامية. وهذا التمييز بالغ الأهمية لأن تغيير النظام وبناء نظام آخر لايتطلبان نفس الدرجة من التهيؤ النفسي والمادي.
التسرع في هذه الامور خطر، شأنه في ذلك شأن التراخي، وتسلّم السلطة نتيجة توافر مجموعة من الظروف المواتية بدون إعداد أخلاقي ونفسي كاف وبدون توافر الحد الأدنى الضروري من الأفراد المدربين تدريباً عاليا متيناً يعني إحداث انقلاب آخر وليس ثورة إسلامية، “والانقلاب إنما هو استمرارية للسياسة غير الإسلامية مما تقوم به المجموعات الأخرى أو باسم مبادىء أخرى غير المبادىء الإسلامية”.

حل مشكلات العالم الإسلامي .. بالتربية

كاتب الموضوع الأصلي: منصور العتيبي 3332

العالم الإسلامي يواجه تحديات متشابكة ومتنوعة تحركها قوي الهيمنة ومعاداة الإسلام.

– المرونة والارتباط بالتقدم التكنولوجي والاحتكام إلي المعايير الأخلاقية أهم عناصر السياسة التربوية الإسلامية.

ليس من المبالغة أو “استسهال” التفسير التآمري القول بأن تضييق مفهوم التربية وحصره في عمليات فسيولوجية تسفر عن “نمو” الجسم مع بقاء العقل والفكر مشاعا لتربيهما أطراف أخري وفق ما يحابي مصالحها هو أمر متعمد وجزء من مخطط عدائي يستهدف عزل التربية عن مجال الفعل العام وتنحيتها عن المشاركة في حل المشكلات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تواجه عالمنا الإسلامي الذي يراد له أن يطبق نظريات تربوية تبعد به عن مجال الريادة، وأن يتم تسريب هذه النظريات عبر نخبة صنعها الاستعمار علي عينه لتكسبها مصداقية وقبولا.

والتربية في الرؤية الإسلامية تعمد إلي توجيه سلوك المجتمع – أفرادا ومؤسسات – إلي ما يخدم هدف الدولة الإسلامية المنشودة في التحليل الأخير، هذا الهدف الذي لايعني التقوقع علي الذات الحضارية، بل تنميتها وإنتاج المعرفة في كل المجالات في إطار الاحتفاظ بالهوية الثقافية للأمة الإسلامية.

والتربية جهد مستقبلي يهييء الأجيال الحاضرة لعبء المستقبل وتحدياته، أو هكذا يجب أن يكون.

نظام متكامل

هذا الجهد لا يفتقر إلي أدبيات وكتابات مخلصة تحاول تأصيله وتحديد دوره في مجابهة تحديات اليوم والغد، ولا يبقي إلا أن تجد هذه الأدبيات أطرا مؤسسية تطبق أطروحاتها وتنفذ مقترحاتها بشكل عملي.

من هذه الأدبيات بحث أعده د. محمود أحمد شوق – مستشار رئيس رابطة الجامعات الإسلامية – حول التحديات المستقبلية التي تواجه العالم الإسلامي ومهمات التربية في التغلب عليها.

هذه التحديات – كما يقول البحث – متعددة ومتنوعة ومتشابكة سواء كان مصدرها الأوضاع العالمية المعاصرة أو التقدم العلمي والتقني المعاصر، أو الوضعية الداخلية للعالم الإسلامي، وهي نظام متكامل تحركه قوي الهيمنة عبر تكتلاتها الاقتصادية والعسكرية التي تري في الإسلام عائقا أمام استكبارها وهيمنتها، وتسفر عن ذلك في شكل كتابات منظريها التي تجمع علي أن الثورة القادمة ستكون إسلامية، مما يحتم تمييع المبادئ والعقائد الروحية التي يؤمن بها المسلمون وعدم ترك الحركة الفدائية لتتخذ طابعا إسلاميا حتي لا تصبح شعلة من نار الحماس الديني، فالفداء إذا تملكته عقيدة دينية تلاشت أمامه كل العقائد الأخري بما فيها الماركسية.

وبالإضافة إلي هذا الموقف العدائي من الإسلام يواجه المسلمون نمطا من التغريب والتبعية في كل مجالات الحياة، كما انتقلت إليه بعض أنماط الانحرافات الأخلاقية من العالم المتقدم مثل المخدرات والشذوذ الجنسي.

أما التحديات المتعلقة بالتقدم التكنولوجي فهي حجب التقدم العلمي عن الدول النامية التي تحاول أن تنقل منه ما لا يلائم بيئاتها، والغزو الثقافي الناتج عن احتكار العالم المتقدم لتقنية البث المباشر، وضعف الهوية الثقافية، وتراجع العقائد نتيجة السطوة الإعلامية للغرب والصهيونية مع التخلف العسكري، والإنفاق الباهظ لاستيراد معداته، بما يؤثر علي القرار السياسي للدول النامية، ولا تنبع التحديات التي تواجه العالم الإسلامي من خارجه فقط، بل من داخله أيضا فمعظم الدول الإسلامية عازفة عن تطبيق الشريعة الإسلامية، مما يكرس التوجه الغربي فيها والتضامن الإسلامي غائب، كما أن المنتمين إلي الحركة الإسلامية يقع بعضهم في مصيدة الغلو والجمود، وهناك فجوة واسعة بينهم وبين الحكام الذين لا يستفيدون من طاقات أبناء الأمة بالقدر الكافي، كذلك يتسم الإعلام في الدول النامية بالتوجه العلماني، وتشيع داخلها الحروب الأهلية، مما يضعف قدرتها مع غياب التضامن بينها أيضا علي مواجهة تحديات النظام العالمي الجديد.

استثمار الفرص التعليمية

ويحدد البحث أهم معالم وعناصر السياسة الإعلامية التي تؤهلها لمواجهة التحديات السابقة وغيرها في:

– اعتبار التربية عملية استثمار ينبغي أن تتفوق مخرجاتها علي مدخلاتها، ومن ثم فإن تطويرها يجب أن يلازم جميع خطواتها.

– التقويم المستمر للعملية التعليمية لتصحيح مسارها أولا بأول.

– ترسخ العقيدة الإسلامية والمحافظة علي الهوية العقائدية للمسلمين.

– تقوية الانتماء الإسلامي وتعزيز الشعور بالواجب نحو توحيد الأمة الإسلامية لتواجه الكيانات الكبري.

– دعم حرية التعبير وفق الضوابط الإسلامية.

– حسن استثمار الفرص التعليمية لسد ثغرات الأمية وتنشيط الحراك الاجتماعي ورفع مستوي الإنتاج كما وكيفا لتحرير إرادة الأمة من قيد المعونات الخارجية.

– مرونة الحركة التعليمية وتنويع خططها ومناهجها لتتلاءم مع المشكلات القائمة في المجتمع وتوفر للمتعلمين آليات المشاركة في حلها.

– ربط التعليم بالمستحدثات التكنولوجية وحاجات المجتمع والاهتمام بالبحث والتجريب في العملية التعليمية.

– الاهتمام بمناهج الدراسات المستقبلية وتنمية مواهب الطلاب بعد اكتشافها بوسائل علمية وتربوية لتكون ثمرة العملية التعليمية شخصية فاعلة وكفاءات إدارية ومهارات فنية عالية.

– التنسيق الكامل بين مؤسسات الإعلام والتعليم والأسرة في العناية بالثقافة الإسلامية، وإيجاد التوازن الثقافي بين معطيات الدين والتقدم التكنولوجي.

– التنسيق بين جامعات العالم الإسلامي خاصة في التحقيقات العلمية الدقيقة استثمارا للخبرات وترشيدا للإنفاق.

– الاهتمام بإنشاء الأكاديميات التي تعني بالبحوث الأساسية علي مستوي العالم الإسلامي وتتوافر لها إمكانات تؤهلها لمنافسة نظائرها من المؤسسات الأجنبية.

التربية الجهادية

أما بالنسبة لدور المناهج الإسلامية في التصدي للتحديات المستبقلية التي تواجه العالم الإسلامي، فيمكن تحقيق أقصي فعالية له بالحرص علي مرونة المناهج ومواكبتها للتطورات العلمية المتسارعة، وتدعيمها بما يؤهل الطلاب لاكتساب الخبرات والقدرات البحثية علي أن يحكم تلك المناهج إطار أخلاقي وانفتاح علي تجارب العصر أيضا.

ومن الأهمية بمكان أن تراعي المناهج قدرات كل من الجنسين وتساهم في إعداده لأداء مهامه المستقبلية بكفاءة، وللمكتبة دور مهم في إنجاح العملية التعليمية علي أن يكون اختيار محتواها الثقافي وفق معايير علمية وتربوية تراعي حاجات المجتمع والمتعلمين والمعلمين.

ويجب أن تهتم المناهج التعليمية بالبيئة والوسائل الأمثل لاستثمارها.

وتوظيف المناهج في التربية الجهادية أمر ضروري أيضا لإكساب الطلاب مهارات الدفاع عن النفس وتهيئتهم لمناخ الحروب وتعريفهم بأساليب الحرب النفسية التي يستخدمها العدو، وهذا معني من معاني إعداد القوة لإرهابه.

ويجب أن تسهم المناهج في دراسة وتقصي أسباب مشكلات العالم الإسلامي وسبل التعاون بين الدول الإسلامية في حلها من خلال البحوث العلمية محلية وعالمية.

وفي مناخ التكتلات العلمانية يجب أن تتضمن المناهج الدراسية مفاهيم الوحدة الإسلامية، وآليات تحقيقها لإحداث التكامل بين دول العالم الإسلامي في كافة المجالات

حل مشكلات العالم الإسلامي .. بالتربية

كاتب الموضوع الأصلي: منصور العتيبي 3332

العالم الإسلامي يواجه تحديات متشابكة ومتنوعة تحركها قوي الهيمنة ومعاداة الإسلام.

– المرونة والارتباط بالتقدم التكنولوجي والاحتكام إلي المعايير الأخلاقية أهم عناصر السياسة التربوية الإسلامية.

ليس من المبالغة أو “استسهال” التفسير التآمري القول بأن تضييق مفهوم التربية وحصره في عمليات فسيولوجية تسفر عن “نمو” الجسم مع بقاء العقل والفكر مشاعا لتربيهما أطراف أخري وفق ما يحابي مصالحها هو أمر متعمد وجزء من مخطط عدائي يستهدف عزل التربية عن مجال الفعل العام وتنحيتها عن المشاركة في حل المشكلات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تواجه عالمنا الإسلامي الذي يراد له أن يطبق نظريات تربوية تبعد به عن مجال الريادة، وأن يتم تسريب هذه النظريات عبر نخبة صنعها الاستعمار علي عينه لتكسبها مصداقية وقبولا.

والتربية في الرؤية الإسلامية تعمد إلي توجيه سلوك المجتمع – أفرادا ومؤسسات – إلي ما يخدم هدف الدولة الإسلامية المنشودة في التحليل الأخير، هذا الهدف الذي لايعني التقوقع علي الذات الحضارية، بل تنميتها وإنتاج المعرفة في كل المجالات في إطار الاحتفاظ بالهوية الثقافية للأمة الإسلامية.

والتربية جهد مستقبلي يهييء الأجيال الحاضرة لعبء المستقبل وتحدياته، أو هكذا يجب أن يكون.

نظام متكامل

هذا الجهد لا يفتقر إلي أدبيات وكتابات مخلصة تحاول تأصيله وتحديد دوره في مجابهة تحديات اليوم والغد، ولا يبقي إلا أن تجد هذه الأدبيات أطرا مؤسسية تطبق أطروحاتها وتنفذ مقترحاتها بشكل عملي.

من هذه الأدبيات بحث أعده د. محمود أحمد شوق – مستشار رئيس رابطة الجامعات الإسلامية – حول التحديات المستقبلية التي تواجه العالم الإسلامي ومهمات التربية في التغلب عليها.

هذه التحديات – كما يقول البحث – متعددة ومتنوعة ومتشابكة سواء كان مصدرها الأوضاع العالمية المعاصرة أو التقدم العلمي والتقني المعاصر، أو الوضعية الداخلية للعالم الإسلامي، وهي نظام متكامل تحركه قوي الهيمنة عبر تكتلاتها الاقتصادية والعسكرية التي تري في الإسلام عائقا أمام استكبارها وهيمنتها، وتسفر عن ذلك في شكل كتابات منظريها التي تجمع علي أن الثورة القادمة ستكون إسلامية، مما يحتم تمييع المبادئ والعقائد الروحية التي يؤمن بها المسلمون وعدم ترك الحركة الفدائية لتتخذ طابعا إسلاميا حتي لا تصبح شعلة من نار الحماس الديني، فالفداء إذا تملكته عقيدة دينية تلاشت أمامه كل العقائد الأخري بما فيها الماركسية.

وبالإضافة إلي هذا الموقف العدائي من الإسلام يواجه المسلمون نمطا من التغريب والتبعية في كل مجالات الحياة، كما انتقلت إليه بعض أنماط الانحرافات الأخلاقية من العالم المتقدم مثل المخدرات والشذوذ الجنسي.

أما التحديات المتعلقة بالتقدم التكنولوجي فهي حجب التقدم العلمي عن الدول النامية التي تحاول أن تنقل منه ما لا يلائم بيئاتها، والغزو الثقافي الناتج عن احتكار العالم المتقدم لتقنية البث المباشر، وضعف الهوية الثقافية، وتراجع العقائد نتيجة السطوة الإعلامية للغرب والصهيونية مع التخلف العسكري، والإنفاق الباهظ لاستيراد معداته، بما يؤثر علي القرار السياسي للدول النامية، ولا تنبع التحديات التي تواجه العالم الإسلامي من خارجه فقط، بل من داخله أيضا فمعظم الدول الإسلامية عازفة عن تطبيق الشريعة الإسلامية، مما يكرس التوجه الغربي فيها والتضامن الإسلامي غائب، كما أن المنتمين إلي الحركة الإسلامية يقع بعضهم في مصيدة الغلو والجمود، وهناك فجوة واسعة بينهم وبين الحكام الذين لا يستفيدون من طاقات أبناء الأمة بالقدر الكافي، كذلك يتسم الإعلام في الدول النامية بالتوجه العلماني، وتشيع داخلها الحروب الأهلية، مما يضعف قدرتها مع غياب التضامن بينها أيضا علي مواجهة تحديات النظام العالمي الجديد.

استثمار الفرص التعليمية

ويحدد البحث أهم معالم وعناصر السياسة الإعلامية التي تؤهلها لمواجهة التحديات السابقة وغيرها في:

– اعتبار التربية عملية استثمار ينبغي أن تتفوق مخرجاتها علي مدخلاتها، ومن ثم فإن تطويرها يجب أن يلازم جميع خطواتها.

– التقويم المستمر للعملية التعليمية لتصحيح مسارها أولا بأول.

– ترسخ العقيدة الإسلامية والمحافظة علي الهوية العقائدية للمسلمين.

– تقوية الانتماء الإسلامي وتعزيز الشعور بالواجب نحو توحيد الأمة الإسلامية لتواجه الكيانات الكبري.

– دعم حرية التعبير وفق الضوابط الإسلامية.

– حسن استثمار الفرص التعليمية لسد ثغرات الأمية وتنشيط الحراك الاجتماعي ورفع مستوي الإنتاج كما وكيفا لتحرير إرادة الأمة من قيد المعونات الخارجية.

– مرونة الحركة التعليمية وتنويع خططها ومناهجها لتتلاءم مع المشكلات القائمة في المجتمع وتوفر للمتعلمين آليات المشاركة في حلها.

– ربط التعليم بالمستحدثات التكنولوجية وحاجات المجتمع والاهتمام بالبحث والتجريب في العملية التعليمية.

– الاهتمام بمناهج الدراسات المستقبلية وتنمية مواهب الطلاب بعد اكتشافها بوسائل علمية وتربوية لتكون ثمرة العملية التعليمية شخصية فاعلة وكفاءات إدارية ومهارات فنية عالية.

– التنسيق الكامل بين مؤسسات الإعلام والتعليم والأسرة في العناية بالثقافة الإسلامية، وإيجاد التوازن الثقافي بين معطيات الدين والتقدم التكنولوجي.

– التنسيق بين جامعات العالم الإسلامي خاصة في التحقيقات العلمية الدقيقة استثمارا للخبرات وترشيدا للإنفاق.

– الاهتمام بإنشاء الأكاديميات التي تعني بالبحوث الأساسية علي مستوي العالم الإسلامي وتتوافر لها إمكانات تؤهلها لمنافسة نظائرها من المؤسسات الأجنبية.

التربية الجهادية

أما بالنسبة لدور المناهج الإسلامية في التصدي للتحديات المستبقلية التي تواجه العالم الإسلامي، فيمكن تحقيق أقصي فعالية له بالحرص علي مرونة المناهج ومواكبتها للتطورات العلمية المتسارعة، وتدعيمها بما يؤهل الطلاب لاكتساب الخبرات والقدرات البحثية علي أن يحكم تلك المناهج إطار أخلاقي وانفتاح علي تجارب العصر أيضا.

ومن الأهمية بمكان أن تراعي المناهج قدرات كل من الجنسين وتساهم في إعداده لأداء مهامه المستقبلية بكفاءة، وللمكتبة دور مهم في إنجاح العملية التعليمية علي أن يكون اختيار محتواها الثقافي وفق معايير علمية وتربوية تراعي حاجات المجتمع والمتعلمين والمعلمين.

ويجب أن تهتم المناهج التعليمية بالبيئة والوسائل الأمثل لاستثمارها.

وتوظيف المناهج في التربية الجهادية أمر ضروري أيضا لإكساب الطلاب مهارات الدفاع عن النفس وتهيئتهم لمناخ الحروب وتعريفهم بأساليب الحرب النفسية التي يستخدمها العدو، وهذا معني من معاني إعداد القوة لإرهابه.

ويجب أن تسهم المناهج في دراسة وتقصي أسباب مشكلات العالم الإسلامي وسبل التعاون بين الدول الإسلامية في حلها من خلال البحوث العلمية محلية وعالمية.

وفي مناخ التكتلات العلمانية يجب أن تتضمن المناهج الدراسية مفاهيم الوحدة الإسلامية، وآليات تحقيقها لإحداث التكامل بين دول العالم الإسلامي في كافة المجالات

المشكلات الاقتصادية في المجتمعات الإسلامية (1)

كاتب الموضوع الأصلي: منصور العتيبي 3332

فإنَّ أمَّتنا المسلمة تعيش أزمات متتابعة، ومشكلات متصاعدة، وهمومًا متعدِّدة؛ فأزمات في العقيدة والفكر، ومشكلات في السياسة والعلاقات الدوليَّة، وإشكاليات في المجالات التقنيَّة وكذا الاجتماعيَّة، ومن تلك الأزمات والمشكلات التي شبَّت عن الطوق، وتفاقمَ الحديث عنها: المشكلات الاقتصاديَّة في المجتمعات الإسلاميَّة.

ولا ريب أنَّ لكلِّ زمنٍ مشاكلَه الاقتصاديَّة الخاصَّة به، وكذا لكلِّ دولة وقُطْرٍ من الأقطار همومه الاقتصاديَّة، إلاَّ أنَّ بصمات المشكلات الاقتصاديَّة في عالمنا الإسلامي لائحة واضحة لكل ذي عينين، وأزماته التي يُعانِي منها قد كثرت وتعدَّدت، وخصوصًا في عصر العولمة الاقتصاديَّة.

ومن هذا المنطلق، أحببتُ أن أُدلِي بدلوي، وأفرغ طاقتي، كتابة وبحثًا حول هذه القضيَّة المعاصِرة والمُلِحَّة، وإن كنت أرى أنَّ موضوع البحث كبير جدًّا، ويحتاج لدراسات متعدِّدة، تتناوَل زواياه وفروعه بالبحث العميق، والتأمُّل الدقيق، ولكن ما لا يُدرَك كلُّه لا يُترَك جُلُّه، وحسبك بالقلادة ما أحاط بالعنق، وبالسوار ما أحاط بالمعصم.

إنَّني إذ أكتب هذه السلسلة فلعلِّي أُحاوِل من خلالها أن أُصِيب هدفي الرئيس فيها، وذلك بأن أصل إلى لبِّ الإشكاليَّات التي تُعانِي منها مجتمعاتنا الإسلاميَّة، مرورًا بتعريف المشكلة إلى الحديث عن الإشكاليَّات أو المشكلات التي يُعانِي منها المجتمع الإسلامي، ومن ثَمَّ مظاهر وعوارض هذه المشكلة، ثمَّ أعقِّبُ ذلك بذكر العلاج الذي أراه نافعًا لحلِّ الإشكاليَّات التي ذكرتها، إن عَنَّ لي شيء من ذلك، أو أكون قد جمعتها من كتب المتقدِّمين أو المتأخِّرين من المتخصِّصين على وجه مختصر.

وقد يكون هذا البحث مليئًا بذكر الشواهد والاقتباسات، فيكون بعيدًا عن الاستِطراد الكلامي، والحديث الإنشائي؛ إذ إنَّ ذلك ليس من مقاصدي، فلعلَّ ذكر الشواهد واستِعراض الأدلَّة والبراهين خيرُ ما يمكن تقويته لمضمون هذا البحث.

كما إنَّي أقول: إنَّ كاتب هذه الأحرف لا يعدُّ نفسه متخصِّصًا، كما لو كان خبيرًا اقتصاديًّا، أو محلِّلاً للمال والأسواق العربيَّة؛ بل إنَّه يُسنِد الفضل لأهل الفضل من المتخصِّصين، ويعدُّ نفسه مرتشفًا من بحوثهم، جامعًا لما كتبوه أو دقَّقوه أو نثروه في أبحاثهم ودراساتهم، لعلِّي أعثر على ما يفيدني كباحث ويُفِيد المطالع له، والقارئ لحروفه.

وحتَّى يكون مرادي من هذا البحث واضحًا أمام نفسي ومَن قرأه، فإنَّني ضمَّنت بحثي هذا بعض المناهج البحثيَّة الحديثة، ومنها:
• المنهج التحليلي: بذكر الأسباب التي أدَّت لوجود تلك الإشكاليَّة الاقتصاديَّة، ومن ثَمَّ التفكير بطرق العلاج لتلك المشكلة والأزمة الاقتصاديَّة في واقع الشعوب الإسلامية.

• المنهج الوصفي: بذِكْر بعض المظاهر المتعلِّقة بتلك المشكلة الاقتصاديَّة، وإعطاء صورة ونبذة ولو متواضعة عن الصفة العامَّة والإشكالية الكبرى التي تطرَّقت إليها في واقع المجتمعات الإسلاميَّة.

أسأل الله – تعالى – أن يُعِينني على استِكمال دوائر البحث فيه، ومحاور النقاش وعناصره من خلاله، والله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوَّة إلا به.

تمهيد:
يهمُّ الباحث في أيَّة قضيَّة يتحدَّث عنها أن يُعَرِّف معناها وجذورها اللغويَّة، وأصولها التعريفيَّة، ومن خلال بحثي في التعريف لمعنى كلِّ كلمة من عنوان البحث: (المشكلات الاقتصاديَّة في المجتمعات الإسلامية)، فتكون معانيه على النحو الآتي:
(المشكلة): مأخوذ أصلُها من قولهم: (أشكل).

قال ابن منظور في “لسان العرب”: “وهذا شيء أشكل، ومنه قيل للأمر المشتبه: مُشْكِل، وأشكل عليَّ الأمر، إذا اختلط، وأشكلت عليَّ الأخبار وأحْكَلَت بمعنى واحد”[1].

وفي “المعجم الوجيز”: “أشكل الأمر: التبس… واستشكل الأمر: التبس… والإشكال: الأمر الذي يُوجِب التباسًا في الفهم، وإشكال التنفيذ”[2].

(الاقتصاديَّة):
جاء في “لسان العرب”: “القصد في الشيء: خلاف الإفراط وهو ما بين الإسراف والتقتير، والقصد في المعيشة: ألاَّ يسرف ولا يقتر، يقال: فلان مقتصد في النفقة”[3].

أمَّا مَجمَع اللغة العربيَّة فقد عرَّف كلمة: (اقتصاد) بقولهم: “الاقتصاد: علم يبحث في الظواهر الخاصَّة بالإنتاج والتوزيع والاستهلاك، ويكشف عن القوانين التي تخضع لها”[4].

وجاء تعريفه في “الموسوعة العربيَّة الميسَّرة” بأنَّه: “العلم الذي يبحث في شؤون إنتاج الثروة وإشباع الحاجات الماديَّة للأفراد”.

(المجتمعات):
من أقرب ما وجدته في التدليل على مراد هذه الكلمة مع مقصد البحث، ما ذكَرَه ابن منظور حيث قال: “مُجْتَمَع: أصل كلِّ شيء، أراد منشأ النسب وأصل المولد، وقيل: أراد به الفِرَق المختلفة من الناس”[5].

فالبحث في هذه السلسلة يبحث حول هذه المشكلات والإشكالات الملتبسة من القضايا الاقتصاديَّة في المجتمعات التي يعيش فيها المسلمون، وأقصد الذين يعيشون داخل الدول التي يدين أكثر أهلها بالإسلام، أمَّا الأقليَّات الإسلاميَّة فلم أتطرَّق لهم، فموضوعهم يستحقُّ أن يُفرَد ببحث أكاديمي علمي باحثٍ في تفصيلاته.

وقد عُرِّفت المشكلة الاقتصاديَّة بعدم إمكانيَّة الموارد الاقتصاديَّة المحدودة – المتناقِصة عادة، أو المتزايد بعضها بنسبة حسابيَّة أو أقل من حسابية – من تلبِيَة كافَّة الاحتياجات المتزايدة باضطراد وفق قانون تَزايُد الحاجات (بنِسَب حسابية وهندسية متفاوتة)[6].

ولذلك، فإنَّ “المشكلة الاقتصاديَّة من وجهة نظر الدراسات الاقتصاديَّة المعاصرة نتجت من وجود عنصرين متناقضين:
1- الحاجات أو الرغبات البشرية، وممَّا توصف به هذه الحاجات أنها متعدِّدة؛ أي: كثيرةٌ إذا نظر إليها في لحظةٍ ما، وهي أيضًا متجدِّدة مع الزمن، وكلما حصل الإنسان على رغبةٍ، ظهر له رغبات أخرى.

2- الموارد الاقتصاديَّة، وتسمَّى أيضًا عناصر الإنتاج، وتُطلَق على محل العناصر التي يُستَعان بها في إنتاج السِّلَع والخدمات، وهذه العناصر هي: العمل، والموارد الطبيعية، ورأس المال”[7].

إذًا فالمشكلات الاقتصاديَّة في عصرنا تحتلُّ مكان الصدارة بالنسبة لغيرها من المشكلات؛ لأنَّ الناس شُغِلوا بمعركة الخبز، ولقمة العيش، حتى “أصبح العامل الاقتصادي أبرز العوامل في قِيام الحكومات أو سقوطها، ونجاح السياسات أو إخفاقها، واشتعال الثورات أو خمودها، وكثيرٌ من حروب العصر الدائرة في قارَّات العالم الآن تكون ذات طابع اقتصادي”[8].

المشكلة الأولى:
في البدء كان الفقر!
حين نتطرَّق بالبحث عن المشكلات الاقتصاديَّة، فإنَّنا سنجد أنَّ أوَّل المشكلات انتشارًا في أوساط المجتمعات الإسلاميَّة، والتي طمَّت بواديها على القرى، وبلغ بها السيل الزُّبَى، معضلة الفقر.

لقد قال نيلسون مانديلا الرئيس السابق لجنوب إفريقيا بمناسبة اجتِماع وزراء ماليَّة الدول الصناعية السبع الكبرى: “الفقر الواسع النِّطاق، وانعدام المُساواة بشكلٍ فاحش، مِن أسوأ نكبات هذا الزَّمن، حتى إنَّه ينبغي اعتبارهما منَ المساوئ الاجتماعيَّة جنْبًا إلى جنب مع العُبُودية والفصل العُنْصري”[9].

فالفقر إذًا تحدٍّ كبيرٌ يُواجِه العالم الاقتصادي اليوم، ونُدرِك حينَها خُطُورة انتِشار مثل هذا الوباء الذي استَعاذ منه – عليه الصلاة والسلام – وقرَنَه بالكفر؛ فقال – صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((اللهم إنِّي أعوذ بك من الكُفر والفقر))[10]، وكما قالت العرب: “إذا ذهَب الفقرُ إلى بلد قال له الكفرُ: خذني معك”، حتَّى قال الصحابي الجليل أنس بن مالك – رضِي الله عنه – : “كاد الفقر أن يكون كفرًا”[11].

قال المُناوي في “فيض القدير”: “(كاد الفقر)؛ أي: الفقر مع الاضطرار إلى ما لا بُدَّ منه كما ذكره الغزالي، (أن يكون كفرًا)؛ أي: قارب أن يُوقِع في الكفر؛ لأنَّه يحمل على حسد الأغنياء، والحسد يأكُل الحسنات، وعلى التذلُّل لهم بما يدنس به عرضه ويثلم به دينه، وعلى عدم الرِّضا بالقضاء وتسخُّط الرِّزق، وذلك إن لم يكنْ كُفرًا فهو جارٌّ إليه، ولذلك استَعاذ المصطفى – صلَّى الله عليه وسلَّم – من الفقر.

وقال سفيان الثوري: لأن أجمع عندي أربعين ألف دينار حتى أموت عنها أحب إلي من فقر يوم وذلي في سؤال الناس، قال: ووالله ما أدري ماذا يقع منِّي لو ابتُلِيت ببلية من فقر أو مرض، فلعلِّي أكفر ولا أشعر؛ فلذلك قال: كاد الفقر أن يكون كفرًا؛ لأنه يحمل المرْء على ركوب كلِّ صعب وذلول، وربما يؤدِّيه إلى الاعتِراض على الله والتصرُّف في ملْكه…”[12].

لأجْل ذلك كان رسولُ الله – صلَّى الله عليه وسلَّم – يَستَعِيذ من الفقر والجوع، ويقول: ((اللهم إنِّي أعوذ بك من الجُوع))[13]، وقال – صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((اللهم إنِّي أعوذ بك من الفقر والقلة والذلة))[14]؛ ولهذا نسب للصحابي الجليل علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – وقيل: إنها لعمر بن الخطاب – رضي الله عنه – القول بأنَّه: “لو كان الفقر رجلاً لقتلتُه”، ومِمَّا نُقِلَ عن الصحابي الجليل أبي ذر – رضي الله عنه – قوله: “عجبت لِمَن لا يجد قوت يومه، كيف لا يخرج على الناس شاهرًا سيفه؟!”.

المبحث الأول: تعريف الفقر:
تطرَّقت كتب الاقتصاد إلى تعريف الفقر، إلاَّ أنَّ تعريفه في كثيرٍ من الأحيان غير الشيء المُتَداوَل والمعروف بين الناس، ولكن ضرورة لتعريف الفقر فقد جاء في تعريفه لدى الأمم المتحدة بأنَّه: “قصورٌ في القدرة البشرية، وهذا يعني: عدم قدرة الإنسان على توفير جوانب عديدة من حياته؛ مثل: الحاجات الأساسية للبقاء على الحياة والخدمات الأساسية؛ مثل: التعليم والصحة والعمل”[15].

وعرَّفه بعضُهم بأنه: “عدم القدرة على الحصول على الخدمات الأساسية من المسكن والملبس والغذاء والماء النظيف، ممَّا يوفِّر الحد الأدنى اللازم لتَمكِين الإنسان من العيش الكريم، ويساعده على القيام بحُقُوق الخلافة”[16].

وعرَّفه بعضهم بأنَّه: “عدم القدرة على تحقيق مستوى معيَّن من المعيشة المادية، والذي يمثِّل الحد الأدنى المعقول والمقبول في مجتمعٍ ما من المجتمعات في فترةٍ زمنيَّة محدَّدة”[17].

وفي تعريفٍ لبعض المنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة والبنك الدولي هو: “الحرمان الشديد من الحياة الرضية، والحرمان المادي من دخل وصحة وتعليم، والمعاناة من التعرُّض للمخاطر؛ كالمرض، وقلَّة الدخل، والعنف والجريمة، والكوارث، والانتِزاع من المدرسة، وعدم قدرة الشخص على إسماع صوته، وانعدام حيلته، وانعدام أو نقص الحريَّات المدنيَّة والسياسيَّة”.

لأجل ذلك، فإنَّ المنظمات الدولية تعتمد في قياسها للفقر في الدول النامية على نوعين خطيرين في الفقر، وهما:
1- الفقر المُدقِع: هو الحالة التي لا يستطيع فيها الإنسان – عبر التصرُّف بدخله – الوصول إلى إشباع حاجاته الغذائية لتأمين عددٍ معيَّن من السعرات الحرارية التي تمكِّنه من مواصلة حياته عند حدود معيَّنة.

2- الفقر المطلق: هو الحالة التي لا يستطيع فيها الإنسان – عبر التصرُّف بدخله – الوصول إلى إشباع حاجاته الأساسية المتمثِّلة في الغذاء، والمسكن، والملبس، والتعلم، والصِّحَّة، والنقل.

المبحث الثاني: أسباب الفقر:
بعد تأمُّل في جذور إشكاليَّة الواقع المُزرِي الذي تعيش فيه غالب بلادنا الإسلاميَّة تحت مطرقة الفقر، فيُمكِنني أن أقول بأنَّ لذلك أسبابًا عدَّة، ومنها أسباب تقع خارج إطار الفقراء، وأسباب بسبب الفقراء أنفسهم، ويُمكِن إجمال الأسباب بأنَّها: أسباب سياسية، وأسباب اجتماعية، وأسباب اقتصاديَّة.

ولكنَّنا سنُناقِش الأسباب بطريقةٍ أخرى، فنقول: هي أسباب داخلية، وأسباب خارجيَّة.

الأسباب الخارجية:
أمَّا الأسباب الخارجيَّة فيُقصَد بها تلك التي تكون خارج دائرة الفقراء، بل هي مفروضة عليهم، وهي على النحو الآتي – ولن أُطِيل عند كلِّ واحدةٍ منها إلاَّ بما يقتَضِي -:
1- الذنوب والمعاصي:
قد يستغرب متخصِّص في الاقتصاد كيف نُدخِل قضية الذنوب والمعاصي، وندَّعِي أنَّه أحد أهم الأسباب بل أوَّل الأسباب ذكرًا؟ بيد أنَّ الأمر في الحقيقة واضح، فمَن أطاع الشيطان واتَّبَع ما يغضب الله، وابتَعَد عن الصدقات والإحسان إلى الغير وإيتاء الزكاة، وبات شحيحًا بخيلاً جموعًا منوعًا، فإنَّه سيَتَعَرَّض للفقر، وقد يُبتَلَى به، فالله – تعالى – يقول: ﴿ الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا ﴾ [البقرة: 268].

جاء في “تفسير القرطبي” عند قوله – تعالى -: ﴿ الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ ﴾ ما نصُّه: “﴿ يَعِدُكُم ﴾ معناه: يخوِّفكم ﴿ الفَقْرَ ﴾؛ أي: بالفقر؛ لئلا تُنفِقوا، فهذه الآية متَّصِلة بما قبل، وإنَّ الشيطان له مدْخلٌ في التثْبيط للإنسان عن الإنفاق في سبيل الله، وهو مع ذلك يأمر بالفحشاء وهي المعاصي والإنفاق فيها، وقيل: أي بألاَّ تتصدَّقوا فتعصوا وتتقاطعوا، وقُرِئ: ﴿ الفُقر ﴾ بضم الفاء وهي لغة، قال الجوهري: والفُقر لغة في الفَقر؛ مثل: الضُّعف والضَّعف”[18].

ويقول – تعالى -: ﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ﴾ [النحل: 112]، وسبب الجوع والخوف هو الإعراض عن طاعة الله، وعدم شكره على نِعَمِهِ الوفيرة!

وبما أنَّ من المعلوم أنَّ الشكر قَيدُ النِّعَم، وأنَّ النعمة إذا شُكِرَت قرَّت، وإن كُفِرت فرَّت، فمن اللازم والواجب على عِباد الله أن يشكروا نعمة الله عليهم؛ لئلاَّ يُحرَموا منها، ولا يكون حالهم كحال أصحاب مملكة سبأ، والذي جعَلَهم الله – تعالى – لنا آية وعبرة وعظة لِمَن كان له سَمْعٌ؛ حيث يقول – تعالى -: ﴿ لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ * فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ * ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ * وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ * فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ﴾ [سبأ: 15 – 19].

وهنا نلحَظ أنَّ أهل سبأ كانوا في غنى وعيش حسن، وحياة الرفاهية والترف، لكنَّهم أعرضوا عن شكر نعمة ربِّهم، وتنكَّبوا طريق الهداية، فجازاهم الله – تعالى – بذلك خَراب مَحلَّتِهم، وكل ذلك بسبب الذنوب والمعاصي، والذي أخبر رسول الله – صلَّى الله عليه وسلَّم – أنَّ لها دورًا أكيدًا في حرمان الرزق؛ فقال – صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((وإنَّ العبد ليُحرَم الرزق بالذنب يصيبه))[19].

وعن أبي أمامة قال: قال – صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إنَّ روح القدس نفَث في رُوعِي أن نفسًا لن تموت حتى تستكمِل أجلها، وتستَوعِب رزقها، فاتَّقوا الله وأجمِلوا في الطلب، ولا يحملنَّ أحدكم استبطاء الرزق أن يطلبه بمعصية الله؛ فإن الله – تعالى – لا يُنال ما عندَه إلا بطاعته))[20].

2 – الظلم:
فهو رأس كلِّ بليَّة، ومصبُّ كلِّ رزيَّة، ويمكننا أن نقول: إنَّ غالب الأسباب تندَرِج تحت إطاره، وتنطَوِي داخل جلبابه الأغبر، فمن الظلم عدمُ العدالة في التوزيع؛ حيث أدَّى إلى نفور الناس واحتقار قوانين الدولة، وإجحاف جمعٍ من الناس غير قليلين، بإعطاء آخَرين نصيبًا أكثر من المال، والآخرون لا يأخذون إلاَّ القليل!

ولعلَّ ما يشهد لذلك ويُمكن الاقتصار عليه لوُضُوح هذه النُّقطة، تلك الدِّراسة البحثيَّة التي أعدَّها أستاذ العلوم التَّربوية والنفسية في كلية التربية الأساسية إحدى الجامعات بالعراق الدكتور عبدالسلام جودت؛ حيث ذكر أنَّ “أبرز الأسباب التي أدَّت إلى ارتفاع معدلات الفقر والبطالة في المجتمع العراقي جاءتْ نتيجة للسياسات الخاطئة التي انتهجَتْها الحكومات السابقة طوال العُقُود الأربعة الأخيرة، وخاصَّة الحروب المتتالية التي خاضَها النظام السابق، والافتِقار إلى إستراتيجية متكاملة لبناء الاقتصاد العراقي من قِبَلِ الحكومات التي أعقبت سقوط النظام، فضلاً عن انتشار مظاهر العُنف والفساد المالي والإداري، والغموض الذي رافق برامج القوات الأمريكيَّة في إعمار العراق”[21].

مستقبل الحركات الإسلامية السياسية

كاتب الموضوع الأصلي: منصور العتيبي 3332

ومن الكتب التى شاعت وأحدثت ضجيجا عاليا، كتاب عنوانه (مستقبل الإسلام السياسى) للباحث جراهام فولر، درس فيه الجانب السياسي للحركات الإسلامية في العالم الإسلامي، وحاول استقراء مستقبلها وتقويم عوامل نجاحها وفشلها. وقد تميز الكتاب من بين الكتب الغربية المماثلة، بسعة الإطلاع وجرأة الطرح ومحاولة الإنصاف. وتقدم السطور التالية مراجعة له وخلاصة لأهم فصوله، مع تعليق على بعض آرائه ونقدها واستجلاء ما له وما عليه، واستخراج ما يمكن أن يستفاد منها من موجهات لمخططات الغرب تجاه مستقبل مسيرة الإسلام.
ولمؤلف الكتاب جراهام فولر خبرة واسعة عن كثب بأوضاع العالم الإسلامي، تظهر بوضوح في ثنايا الكتاب، فقد عمل لمدة عشرين سنة في وزارة الخارجية الأمريكية، وشغل منصب نائب رئيس جهاز المخابرات الأمريكية سي آي إيه، وكان مسئولا عن قسم دراسات المستقبل الاستراتيجية للسياسة الأمريكية. ويعمل الآن في مؤسسة راند للبحوث، وله عناية خاصة بشئون العالم الإسلامي. وله عدد من الكتب والبحوث بالمجلات، وهو مساهم نشط في الجرائد والمجلات وقنوات التلفزيون.
الأسئلة الأساسية
يطرح الكتاب أسئلة أساسية ويحاول الإجابة عليها من خلال فصول الكتاب. ما الإسلام السياسي؟
وكيف يعمل لتحقيق الأهداف والغايات التى يسعى إليها ؟
وما التحديات التى يواجهها وما المخاطر التي يهدد بها العالم؟
وأخيرا ما مستقبله؟
وبالتحديد :
هل الإسلام السياسي تطور مرحلي مؤقت يمر به العالم الإسلامي للخروج من الأزمات والمشكلات التى يعيشها؟ أم أنه بداية جادة لمشروع حضاري ينقل به الإسلام نفسه من ظلمات الماضي إلى العصر الحديث؟
يستعمل الكاتب مصطلح الإسلام السياسي مرادفا لمصطلح الإسلاميين، الذين يعرفهم بأنهم كل من يؤمن بأن الإسلام ليس دينا فحسب بل نظاما سياسيا واجتماعيا صالحا لإصلاح العالم الإسلامي المعاصر، ويسعى لتطبيق ذلك في مجتمعه بالطريقة المتاحة. ويشمل تيار الإسلام السياسي جماعات كثيرة يفصل الكتاب القول عنها في الفصل الثالث من فصول الكتاب. ولكن محاولة الكاتب لتصنيف هذه الجماعات لا تأتي بجديد، بل تعيد نفس التصنيف والوصف الغربي لهذه الجماعات، وتستعمل نفس المصطلحات. وحسب رأيه أن الجماعات الإسلامية فئات كثيرة، فهناك التقليدون والأصوليون والإصلاحيون والعصرانيون والمتطرفون. ويعترف ابتداء أن هذه مصطلحات عامة وغير محددة، والسبب في ذلك في نظره أن الجماعات الإسلامية متعددة ومتشابكة ومن الصعب التمييز الدقيق بينها. ولكنه يخلص إلى أنه من الممكن القول عموما أنها تمثل قوس قزح، تتوزع ألوانه بين المحافظة والتقليد للماضي في طرف، وبين الإنعتاق والتحرر والحداثة في الطرف الأخر.
سر صعود الإسلاميين
لقد خرج الإسلاميون من رحم العالم الإسلامي، في ظروف صعبة وأزمات كبيرة تعصف به. فقد هوى من حضارة عالمية راقية كانت بيدها سيادة وقيادة الدنيا علميا وثقافيا وتقنيا لأكثر من ألف سنة، والتهمه وسلب خيراته الإستعمار الغربي، وقسمته وتنازعته الاختلافات المذهبية والعرقية والقومية، وسقط في حضيض الفقر والجهل والمرض. ومع كل هذه السيئات فقد حدثت تغيرات هائلة في العالم الإسلامي خلال القرن الأخير، يعرضها الكاتب ويسوقها في إشارات سريعة، منها سقوط الخلافة العثمانية، ونشأة الدول الإسلامية القومية العلمانية واستقلالها عن الاستعمار، وظهور الحركات الإسلامية وبلورتها لفكر سياسى واجتماعي على يد عدد من المفكرين المعاصرين، وقيام دولة اسرائيل، واكتشاف ثروة النفظ الهائلة وما ساقته من ثراء، ونجاح الثورة الإيرانية. وفي خضم هذه الأمواج المتلاطمة من الأحداث المتتالية، خرج الإسلاميون الذين استطاعوا أن يصبحوا في عقود قليلة أكثر التيارات تأثيرا ونموا في العالم الإسلامي، وقوة جعلت الدول الغربية تحسب لها ألف حساب.
فما السر الذي أتاح للإسلاميين هذا الصعود السريع للقمة؟
وهل هم قوة حقيقة أم فقاعة صابون وسحابة صيف سرعان ما تزول؟
يحاول الكاتب الإجابة على هذا السؤال الصعب، في فصل كامل من فصول الكتاب لعله أقيم وأمتع ما في الكتاب. ويسخر الكاتب بادئ ذي بدء من النظرة السطحية التى سيطرت على تفكير الغرب ردحا من الزمان، متهمة الحركات الإسلامية بالرجعية وعداء الحداثة الغربة والوقوف ضد الحرية وحقوق الإنسان والديمقراطية والإرهاب. ويرى أن نظرية صدام الحضارات رؤية أعور للإسلام، ينقصها الإنصاف هدفها إعفاء الغرب من المسئولية عن ازمات النظام العالمي المعاصر، لكن هذه الإزمات ليست من صنع الإسلام بل للغرب ضلع كبير فيها. وينصح الغرب بأن يقوِّم الإسلاميين تقويما منصفا ينطلق من نظرة شاملة تقيس الأمور من وجهة نظرهم ومن وجهة نظر الغرب.
وانطلاقا من ذلك يرى الكاتب أن الإسلاميين قد استطاعوا أن يملأوا فراغا كبيرا في العالم الإسلامي، لأنهم قد استجابوا لحاجات ملحة وواجهوا واقعا معقدا، وطرحوا حلولا لمشكلات عويصة، وتحملوا وظائف وأعباء جسيمة جعلت أوطانهم ترى فيهم الخلاص والمنقذ والمستقبل. وهكذا أصبح الإسلام الحل الوحيد المطروح بعد فشل كثير من المبادئ والأفكار في العالم الإسلامي من تغريب وعلمانية وشيوعية وقومية. ومن أهم ما قام به الإسلاميون أنهم عرَّفوا الأمة بهويتها، التي تجمع بين المحلية والعالمية وبين القومية والعرقية وبين الأصالة والمعاصرة. وسعوا من الناحية الفكرية لتجديد الإسلام من تقاليد الماضي العتيقة، ولهذا طرحوا أنفسهم بديلا لطائفة العلماء التقليديين الجامدين، وصاروا حربا لهم وللحكومات الفاسدة التي ساندوها بفتاواهم وخطبهم. وسعى الإسلاميون لإعادة صياغة االفكر الغربي المعاصر ونظمه من وجهة نظر إسلامية، وآمنوا بالدفاع عن الحريات والديمقراطية وحقوق الإنسان، خاصة لأنهم كأنوا أول ضحايا غيابها وأكثر من ذاق ويلات ضياعها. وطالبوا بحرية العمل السياسي وتكوين الأحزاب السياسية ومؤسسات المجتمع المدني، وطالبوا بأن تكون للمرأة حقوقها ومكانتها. ويخلص أنه ليمكن القول أن الإسلاميين ليسوا أعداء للفكر الغربي وما فيه من محاسن كالديمقراطية، بل لعلهم يكونون جسرا لتعديل النموذج الغربي للديقراطية وجعله أكثر ملاءمة لظروف العالم الإسلامي.
الإسلاميون والإرهاب
حتى تهمة الإرهاب التى يلصقها الغرب بالإسلاميين عموما، يرى الكاتب أن فيها إجحاف لأن الإرهاب والعنف محصور في فئات قليلة من بين الإسلاميين، ولا يصح تعميم وصف تياراتهم العريضة به. بل ويرى أن كثيرا من الإسلاميين قد عبروا عن سخطهم واستائهم لحوادث الحادي عشر من سبتمبر، ووقفوا موقفا معتدلا من استعمال العنف الذي لا يجيزونه ضد المدنيين والأبرياء. ويقول حتى لو لم يكن الشرق مسلما بل كان نصرانيا، لوقعت المواجهة بينه وبين الغرب لتضارب المصالح بين الطرفين. وينتقد الكاتب اتخاذ أمريكا الإرهاب عذرا لغزو أفغانستان والعراق، ويرى أن ذلك قد كان سببا لزيادة العداء ضد أمريكا ولزيادة الإرهاب وليس حربه وأضعافه.
محاولة للإنصاف
ولا شك أن هذا التحليل المسهب لأسباب نجاح خطاب الإسلاميين، ومقدرتهم على تجميع الجماهير وتحريكها، فيه كثير من الإنصاف لم يتصف به إلا قلة من الباحثين الغربيين. ويمثل ذلك اتجاها بدأ يقوى ويزداد، ولعل من أكبر دوافعه وأسبابه النقد الذاتي، الذي يوجهه كثير من المفكريين الغربيين لحكوماتهم وسياستها في المشكلات العالمية، بعد انهيار العالم الشيوعى وانفراد أمريكا وأوربا بالهيمنة على العالم. هذه الهيمنة التي بشر بعض المفكرين بأنها فاتحة خير للبشرية ونهاية مسيرة تارخها نحو العدل والسلام، لكن سرعان ما زال السراب واصطدمت الأحلام بالواقع وانكشف الغبار عن الحمار. ودفع هذا بعدد من الغربيين من ذوي االنظر الثاقب إلى التبصر والتفكر ومحاولة قراءة الواقع من وجهة نظر مختلفة. ولا يقتصر هذا الاتجاه على النخبة المفكرة وحدها بل تعداها الى بعض عوام الجماهير، التي شاركت في المظاهرات ضد حرب العراق وإدانة الكذب الصريح لتسويغ الحرب، وأصبحت صيحات الاحتجاج والنقد تتعالى حتى ضد إسرائيل التى كانت تتمتع بحصانة وقداسة لا تمس. ومن المؤسف أن العالم الإسلامي لم يستثمر مثل هذا الاتجاه المناصر لقضاياه والاستفادة منه وتوظيفه ودعمه، لكن ليس على الأعمى والأعرج حرج!!
الإسلاميون والسلطة
ويتناول الكتاب في فصل مستقل دور الإسلامين وبرامجهم السياسية في ظل ما تتيحه لهم الحريات في بعض بلدان العالم الإسلامي. ويقول أن الإستعمار والحكومات التى أعقبته حاولت إقصاء الإسلاميين عن العمل السياسي، واستعمال القوة والبطش لمنعهم من التأثير في القرار السياسي. ولكن مع هذه الصعاب والحواجز فقد قام الإسلاميون بجهد واضح وتحملوا أعباء ضخمة لإصلاح المجتمع من وجهة نظرهم. ويعدد الكتاب بعض إنجازاتهم منها التوعية الدينية والدعوة، ومنها إقامة مؤسسات طوعية تعليمية وخدمية واقتصادية، ومنها تكوين جبهات وتحالفات مع الأحزاب الأخرى لتكون جماعات ضغط تؤثر في القرار السياسي، ومنها خوض الانتخابات ودخول المجالس التشريعية والمحلية والمشاركة في الحكومة والسلطة في بعض الدول. ويكاد يجمع كل الإسلاميين على أن السلطة هي مفتاح التغيير للمجتمع وبوابة الإصلاح، لهذا يجدُّون في السعي للوصول إليها والتمكن منها. وإن كانوا يختلفون فيما بينهم في وسيلة الوصول، ففي حين يرى البعض أن الدعوة والتربية هي الطريق لأن الإصلاح يأتي من القاعدة، يرى فريق آخر أن الإصلاح يكون من القمة ومن أعلى إلى أسفل، فإذا صلح الرأس صلح الجسد. ولا يبدي الكاتب رأيا خاصا إزاء هذا الجدل، ولا يتوقع منه ذلك. ولا شك أن الأمران متلازمان ويقوى كل منهما الآخر، ولا يمكن الأخذ بطريقة واحدة واهمال الأخرى، سواء قبل التمكين والوصول للسلطة أو بعد ذلك.
وإذا استطاع الإسلاميون أن يقدموا كل هذا الطرح، وأن يخاطبوا الجماهير بما يدغدغ أشواقها ويبعث طموحاتها، فهل سينجح الإسلاميون في تطبيق شعاراتهم ونظرياتهم؟ يتوجه الكاتب بنظره إلى تقويم تجربة الإسلاميين في السلطة، ويختار لذلك تجربة البلدان الثلاثه التى نجح فيها الإسلاميون في الوصول للسلطة، وهي أفغانستان وإيران والسودان. ومن العجيب أنه يتجاهل تماما تجربة تركيا ولا يتعرض لذكرها. ويتساءل الكاتب عن المنطلق الذي تقوم به هذه التجارب، فيقول أن الغرب عامة وأمريكا خاصة، تخطئ حين تقوِّم هذه التجارب من زاوية مصالحها الخاصة، ويؤكد أنه ينبغي الحكم عليها من وجهة نظر شعوبها ومن معايير وأسس الحكم الصالح، وما تقدمه من خير وما تجلبه من شرور. وابتدأء يرى أن ثلاث تجارب فقط غير كافيه للحكم على القطاع العريض من الإسلاميين، الذين تتعدد حركاتهم وتتفاوت، ولكنها تعطي مؤشرات. كما أن عمر هذه التجارب قصير ولا يمكن الحكم من خلال فترة وجيزة على مشروع الإسلام السياسى بجوانبه الكثيرة وطموحاته الكبيرة، إذ أن بناء الدول والأمم والحضارات يحتاج لوقت ولا تظهر معالمه في زمان وجيز. ويرى الكاتب أن مجرد وصول الإسلاميين إلى السلطة إنجاز لعملهم وسعيهم المتواصل نحوها، ولكنه يعيب على الإسلاميين في هذه الدول الثلاثه، أن وصولهم للسلطة لم يكن عن اختيار ديمقراطي، بل كان عن طريق القوة، نتيجة حرب أهلية في افغانستان وثورة شعبية في إيران وانقلاب عسكري في السودان. ورغم اعترافه بأن هناك انفتاح في السنين الأخيرة في إيران والسودان، لكن لا زالت آثار النشأة تصبغ النظام بنوع من الشمولية والاستبداد. ويمدح الكاتب الذي جعل الديمقراطية مثله الأعلى للحكم، آخذ السودان وإيران بنموذج الحكومة الغربية، ويمدح ما تتمتع به من فصل بين السلطات ومن قيام انتخابات ومجالس تشريعية. ورغم أن النظامين قد مرا بتجارب من الإخفاقات ناتجة أساسا عن قلة الخبرة، إلا أنهما قد تمكنا من تعديل سيرهما حسب نظر الكاتب، ويوصي الكاتب المجتمع الدولي وأمريكا خاصة بمساعدتهما على التطور والإصلاح بدلا من شن الحرب عليهما. وهي نصيحة غالية من خبير ببواطن الأمور ولكن ينبغى الوقوف وإمعان النظر في نوع الإصلاح والتطور الذي تطالب به أمريكا، وبين الإصلاح الذي ينبع من داخل النظام وتمليه الخطط والأهداف النابعة من قلب النظام نفسه.
ولا ينبغى أن يغيب عن البال أن الكاتب رغم محاولته التزام الإنصاف والنظر من زاوية الإسلاميين ورؤيتهم للأمور، إلا أنه من الطبيعي أن يرى النموذج الغربي للدولة والديمقراطية، المثال الذي ينبغي للعالم أجمع الأخذ به واقتفاء آثاره. ولهذا فهو يمدح الإسلاميين حين جعلوا النموذج الغربي مثالهم، وهو مدح لا يغيب عن فطنة الذكي أنه توجيه خفي، والكتاب ملئ بمثل هذه الإيحاءات الخفية. ولكن نظرة فاحصة تبين أن فكر الإسلاميين السياسى لم يتجاوز هذه العقبة، وأن تقمصه للنموذج الغربي للحكم دون روية ودون نقد، وإلباسه هذا الجسم الغريب عن الإسلام لباس الإسلام، أمر يحتاج لمراجعة. إذ أن الحكومة المعاصرة وحش ضخم يسيطر على كل شئون المجتمع، ولا شك أن الحكومة الإسلامية في عصور الإسلام السابقة لم تكن تتحمل هذه الأعباء الجسام كلها، بل كانت تقوم ببعص الوظائف، وتترك للمجتمع الاستقلال بتدبير كثير من الخدمات من تعليم وصحة ومواصلات وطرق عن طريق مؤسسات وقفية، أوما أسمى اليوم يمؤسسات المجتمع المدنى. وليس هذا محل بسط هذه القضية.
المستقبل
وأخيرا يختم الكاتب بحوثه باستطلاع لآفاف مستقبل الإسلام السياسي. ويوطئ لذلك بنظرة سريعة للخريطة العالمية والقوى العاملة فيها، التى ستؤثر بثقلها على رسم مستقبل الإسلاميين. فمما لا شك فيه أن العالم يموج بعوامل كثيرة وتيارات متلاطمة، يسوق الكتاب عددا منها. ولعل أقواها تأثير الأفكار الغربية من انحسار الدين عن الحياة العامة وحصره في الحياة الخاصة، واتساع دائرة الحريات الشخصية، وسيطرة العلمانية والمادية الغربية ومذهب المتعة واللذه على شعب الحياة، وتعالي أصوات الأقليات والصراع بين حقوقها وحقوق الأغلبية، وازدياد مشاعر العرقية واالطائفية والمطالبة بحقوقها، وتضخم العولمة وهيمنة الدول العظمى على الأمور صغيرها وكبيرها. وتبحر سفينة الحركات الإسلامية في هذا الخضم الهائل، ولا تستطيع أن تنفرد بتقرير مستقبلها.
ومع هذا فإن الكاتب يرى أن الإسلاميين سيفرضون أنفسهم في المدى القريب، ويتنبأ بوصول الإسلاميين للسلطة في عدد من البلدان مثل مصر واليمن وباكستان، وسيحققون عددا من المكاسب رغم التحديات الكبيرة والعقبات التى تواجههم، خاصة في مجال الاقتصاد والتنمية. ولكنه يخشى أن ينشغل الإسلاميون بردود الفعل الوقتية، والمعارك الجانبية التى قد تستنزف كثيرا من جهودهم ومواردهم، وتصرفهم عن غاياتهم الكبرى ومشاريعهم الرئيسية. وهو خوف يعبر عنه بطريقة ذكية، فيها من التوجيه والإيحاء لإحدى طرق محاربة الإسلاميين، فهل يعى الإسلاميون النصيحة ويكونوا أكبر ممن يتشيطن عليهم بمثل هذه الطريقة الماكرة. ولا يفوت الكاتب أن يتنبأ أن المحك الأساسي لاختبار الإسلاميين هو فخ السلطة، التى إن فشلوا فيها كانت السم الترياق الذي يميتهم ويستأصلهم. وكأنه يحث أمريكا على دفع الإسلاميين إلى اعتلاء كرسي الحكم قبل أن يقوى عودهم وتكون لديهم المقدرة على تسيير دفة الحكم. ويقول “لا شئ يمكن أن يظهر الإسلاميين بأسوأ صورة من تجربة فاشلة في الحكم”. وهو قول صريح لا ينقصه الصدق، إلا أنه لا يأخذ في الاعتبار أن الإسلاميين يمدهم دينهم بايمان راسخ، أن النصر والتمكين والهزيمة والفشل، لا تعتمد فقط على الأسبباب المادية الظاهرية، بل إنما تحركها يد الله الخفية التى لا يستطيع الغرب أن يحسب حسابها. ولا شك أن الإسلاميين بشر وتجاربهم في الحكم فيها الخطأ والصواب، ولا أظن أن أحدا عاقلا يمكن أن يدعي أن خطأ أي تجربة بشرية للحكم الإسلامي في أي زمان ومكان، يؤاخذ بها الإسلام ويذم بسببها، أو تكون شاهدا ودليلا على فشله وعدم ملاءمته لحل المشكلات العصرية. ومثل ما كانت هناك عدة محاولات فاشلة في التاريخ الغربي المعاصر، إلى أن استطاعت دوله الوقوف على رجليها وبناء نظمها السياسية على أسس مبادئها النظرية التى نادى بها فلاسفتها ومفكروها، فإن التجربة والصواب والخطأ والنجاح والفشل، هو الوسيلة البشرية الوحيدة المتاحة لبلوغ الغايات والأهداف. ومثلما تعددت الجمهوريات الفرنسية من جمهورية أولى وثانية وثالثة، فإذا فشلت تجربة الحكومة الإسلامية الأولى، فأمام الإسلاميين الحكومة الإسلامية الثانية، والحكومة الإسلامية الثالثة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

مشكلات الصحوة الإسلامية في الصومال

كاتب الموضوع الأصلي: منصور العتيبي 3332

يعرف الجميع أن العالم الإسلامي يشهد منذ عقود مضت حالة من الصحوة الإسلامية التي تسعى لتجديد قوة الأمة وإحياء نهضتها، ونستطيع القول: إن هذه الصحوة الإسلامية قد وجدت في الصومال فرصة ملائمة للازدهار والتقدم، حيث تتميز هذه الساحة بأنها خالية من القيود الفكرية، والتضييق على الإسلاميين إلى حد كبير، وبالمقارنة مع غيرها من البلدان الإسلامية، ذلك لأنه ليس هناك حكومة قوية ولا دولة مرهوبة الجانب تستطيع فرض مثل تلك القيود.
ولكن هنالك سؤال يطرح نفسه وهو:
هل استفادت الحركة الإسلامية في الصومال من هذا الفراغ الفكري، ومن هذا الفراغ السياسي في الساحة الصومالية، إن الإجابة -ويا للأسف- هي لا؛ لأن الحركة الإسلامية في الصومال لم تغتنم هذه الفرصة للأسباب التالية:
1 ـ الجانب الفكري: لم تنجح الحركة الإسلامية أن تكسب الشعبية اللازمة من المجتمع الصومالي، ولم تقنع معظم القطاعات الشبابية، والقبلية من المجتمع بالأفكار التي تطرحها، وعلى الرغم من أن المجتمع الصومالي مجتمع مسلم بطبعه، ومتدين بالفطرة، إلا أن الحركة الإسلامية لم تنجح في صياغة خطاب يتناسب مع عقلية المجتمع، بل جاء خطابها وكأنه موجه إلى شعب آخر مثل الشعب المصري الحبيب، أو شعب المملكة العربية السعودية، أو شعب السودان، وليس إلى شعب الصومال.
ثم إن الحركة الإسلامية في الصومال غير مؤهلة لاستيعاب عدد أكبر من الشباب الصوماليين المثقفين بثقافات متعددة من غير الدول العربية والإسلامية، فعضوية الحركة الإسلامية في الصومال لا تتسع لخريجي الجامعات الغربية؛ لأنها لا تستطيع أن تتحمل هذا الكم الهائل من الكوادر البشرية.
2 ـ الجانب الاجتماعي: إن التركيبة القبلية للشعب الصومالي هي –أيضاً- من أهم العقبات التي واجهت رجال الحركة الإسلامية؛ إذ لم تستطع الحركة أن تتفهم الواقع المعيش في المجتمع الصومالي، فهذا المجتمع ليس فيه انقسامات ثقافية، أو طبقات اجتماعية، بل هو عبارة عن مجموعات قبلية والمحرك الأساسي السياسي والاجتماعي وحتى التجاري هو “القبيلة”، والانتماء للقبيلة يسبق أي انتماء آخر بشكل واضح.
ومن هذا المنطلق: وجهت الحركة الإسلامية خطابها الدعوي والسياسي والاجتماعي عبر القبائل خاصة الرئيسة منها، وكان من نتائج ذلك: أن اختلط الأمر بالنسبة للشباب، فلم يفرقوا بين الفكرة الإسلامية كفكرة مستقلة، وبين تبعيات القبيلة ودورها، ومدى التزام الفرد تجاهها، هذا فضلاً عن أن الحركة الإسلامية الصومالية لا تزال تعاني من نقص شديد في الكوادر الفقهية المؤهلة؛ للتعامل مع الواقع الصومالي القبلي ومشكلاته المعقدة.
3 ـ الجانب الاقتصادي: ليس للحركة الإسلامية في الصومال مصادر اقتصادية مستقلة، فالفصائل السياسية القبلية في الصومال لها مصادر اقتصادية مرتبطة بالدول الأجنبية، خاصة الدول المجاورة، وبعض الدول الغربية، ومن ثم أصبح الخطاب الدعوي والسياسي للحركة من دون جدوى في ظروف الفقر والتبعية.
4 ـ من حيث توجيه الدعوة: خطاب الحركة الإسلامية خطاب موجه إلى الأفراد والأسر، وإلى طبقات معينة، وليس خطاباً جماهيرياً، ومن ثمَّ فقد تشكلت للحركة الإسلامية مجموعات من الشباب لا يتعاملون مع باقي المجتمع، بل يتعاملون فقط فيما بينهم، وأصبحت الحركة الإسلامية منعزلة، عن محيطها الاجتماعي، ومنشغلة بشؤونها الداخلية، ومهتمة بمصالحها وليس بالمصالح العامة للمجتمع.
إيجابيات الحركة الإسلامية في الصومال:
على الرغم من كل هذه السلبيات والمشكلات التي تواجه الحركة الإسلامية الصومالية، إلا أن هنالك إيجابيات لها، وبخاصة في مجال التعليم، ومجال التربية الإسلامية، على الرغم من أن هذه الإيجابيات لا تزال محدودة جداً، ومحصورة في بعض الأقاليم والمدن.
ضرورة توحيد الرؤى الدعوية والسياسية للحركة الإسلامية، حيث إن هناك اختلافات كثيرة بين الجماعات والحركات العاملة، ويغيب عنها التنسيق والتعاون والتكامل.
والجدير بالذكر: أن الهدف الرئيس لكل الشركات الإسلامية هو إعادة المجد للإسلام والمسلمين، وتبليغ الدعوة الإسلامية، فهي حركات تكاملية، متعاونة وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان.
إن أمام الحركة الإسلامية في الصومال فرصة للقيام بدور كبير في تحقيق المصالحة الوطنية، ذلك بشروط أهمها:
أ ـ دعوة الأطراف كافة للمشاركة في جهود المصالحة الوطنية، بما في ذلك زعماء القبائل ورؤساء الفصائل، ورجال الدين التقليديين.
ب ـ إفساح المجال أمام الشباب المثقفين الصوماليين للمساهمة في تحقيق المصالحة الوطنية.
ج ـ العمل على تخفيف حدة الفقر لقطاع كبير ومهم من المجتمع وهم المليشيات المسلحة؛ لأجل الحصول على لقمة العيش، وتأمين مصدر كريم من خلال العمل بالمشاريع الاقتصادية، والانخراط في برامج التأهيل الحرفي والمهني للمتشردين؛ لاكتساب الرزق، حتى تتاح لهم الفرصة للمشاركة في إعادة بناء بلدهم والنهوض بها.

“الهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح” ومشكلات السياسة في مصر

كاتب الموضوع الأصلي: منصور العتيبي 3332

في ظل نظريات التحدي والاستجابة، تشهد مصر حالة من التحولات السياسية تعبر عن الحراك الاجتماعي، فقد تكونت “الهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح”، كتجمع لعلماء ودعاة أهل السنة والجماعة والشخصيات العامة، وذلك لتدعيم أواصر العلاقة بين الدعاة على أساس من هدي الإسلام ومراتب الإيمان والنصح والإرشاد والتعاون في نطاق مساحات الاتفاق للتعامل مع مستجدات الواقع، غير أن مسارات نشاط الهيئة يلقي بظلال على مسار تحقيق أهدافها في مستوياته المختلفة؛ الدينية والاجتماعية والسياسية، فرغم تطلع الهيئة للعمل كملتقى لمدارس الاجتهاد المختلفة، فإن دورها السياسي يشكل تحديا لتحقيق وظيفتها العلمية والإصلاحية.

أهداف الهيئة

يمكن القول إن الهيئة تحاول الوصول لفكرة “الجامعة الإسلامية”، حيث يشير الميثاق للسعي لتجميع الطوائف والمصالح لتكون منبراً للمدارس الإسلامية المختلفة وتقديم مصلحة الأمة على المصالح الحزبية والشخصية، وضبط الخلاف بضوابطه العلمية والعملية والأخلاقية، للوصول لاجتماع التيارات في تيار واحد يحترم خصائص الأفراد والجماعات، كتمهيد لترسيخ التنوع الفكري والديني والسياسي في المجتمع المصري.

وقد وضع الميثاق نظاماً لحقوق الأئمة والعلماء، وفيما اختزل حقوق الأمة في النصح ومساندة تصرفات وقرارات العلماء، كان من اللافت أن ركز الميثاق على وجوب السمع والطاعة للعلماء، ويبدو أن الميثاق انصرف إلى التداخل مع مؤسسات الدولة عندما اعتبر أن الهيئة تسعي للعمل كجهة استشارية للسلطة التشريعية كإحياء لدور العلماء في تدعيم الحريات وتحقيق الإصلاح.

وكان من الأولى في هذه الجزئية، أن يشير الميثاق إلى سياسات إصلاح المؤسسات الرسمية باعتبارها جهة الإلزام في المصالح العامة، ويتداخل مع هذه المسألة ما صار يعرف بالدور السياسي للمؤسسات الدينية، حيث زادت نزعة المنظمات الأهلية للانخراط في العمل السياسي وتبني خيارات دون أخرى، وهي مسألة لا يمكن مناقشتها فقط من وجهة المكون السياسي في الإسلام بقدر ما تتعلق بابتعاد المنظمات عن الحزبية والتحيز لمواقف دون أخرى.

وقد عرّفت الهيئة نفسها كهيئة علمية إسلامية وسطية مستقلة، تتكون من مجموعة من العلماء والحكماء والخبراء، وقد جاء تكوين الهيئة الشرعية في سياق الجدل حول مسار الفترة الانتقالية؛ حيث تمر مصر بتحولات كبرى تستوجب المشاركة الفعالة من جانب العلماء والحكماء لتحقيق الوحدة والاجتماع، والمشاورة في المستجدات، ولكنه رغم توضيح أن دور الهيئة هو ملتقى للتداول حول المسائل العامة وإبداء الرأي فيها، فقد ذهب البيان التأسيسي للمماثلة بينها وبين أهل الحل والعقد، وهو ما ينقل الرأي من باب المشاورة لمستوى الإلزام الديني والسياسي، وذلك رغم غياب العديد من الشروط اللازمة لممارسة هذه الوظيفة، حيث تعتبر الهيئة الإصلاح تجمعاً اختيارياً يُعبِّر عن تطلعات أعضائه المشاركين فيه ولا تمتد آثاره لمؤسسات الدولة أو لغير المشاركين فيه، لا يغير من ذلك وجود تجمع للعلماء حيث يظلون تعبيراً عن جانب من الاجتهادات لا يصادر الاجتهادات الأخرى.

لعل تعريف أهداف الهيئة الشرعية يُثير إشكالية العلاقة ما بين المؤسسات الدينية في الدولة والتي تتمثل الصلاحيات الدستورية للأزهر وهيئة كبار العلماء، ودار الإفتاء وتجمعات العلماء غير الرسمية وفرص بلورة التنوع، هذه المسألة لا تتعلق بأصول التوافق والاختلاف حول المسائل المعروضة بقدر ما تتعلق بقضية ولاية الدولة ومؤسساتها الدينية على الأفراد ودور الجمعيات الأهلية.

تركيبة العضوية

وبالنظر لطبيعة العضوية، كان من الملاحظ أن “الهيئة الشرعية” سعت لتنويع عضويتها، لتجمع بين علماء الشريعة والعلوم الاجتماعية والدعاة والمهنيين في التيارات والحركات الإسلامية بمختلف توجهاتها، من أكاديميين وباحثين ودعاة ومحامين ومستشارين ومعلمين وأطباء وغيرهم؛ والمنخرطين في الحركات السلفية وعلماء الأزهر وجماعة أنصار السنة المحمدية، والإخوان المسلمين، بالإضافة للمستقلين.

وخلال الشهر الأول تجاوزت العضوية أكثر من ثمانين رمزًا من رموز الحركات الإسلامية وبلغت 109 عضواً، وكان من اللافت توقيع العديد من الحركات الإسلامية على بعض البيانات بجانب “الهيئة الشرعية”، وهي «الدعــوة السلفية»، «الإخــوان المسلمـون»، «جماعــة أنصــار السنـة المحمـدية»، «الجماعـة الإسـلامية»، «مجلس شـورى العلماء»، «رابطة علماء أهل السنة»، «جبهة الإرادة الشعبية»، «ائتلاف شباب مصر الإسلامي»، «حزب الحرية والعدالة»، «حزب النور»، «حزب الإصـلاح»، «حزب الأصالة»، «حزب البناء والتنمية»، ورغم أن هذه الكتلة تشكل التيار الرئيسي في السياسة المصرية، فإنها لا زالت تعمل دون إطار مشترك يساعدها في التصدي لكثير من القضايا. وهي بشكل عام، تشكل العصب التنظيمي والفكري للهيئة الشرعية.

الدور السياسي

غير أن الأهداف المتعلقة بالعمل المشترك، صارت تتصادم مع تحيزات الهيئة سواء فيما يتعلق بالانتقادات الموجهة لحركات الشباب في يوليو 2011 بسبب الاعتصام بميدان التحرير واعتبرت أنه “..انسياق وراء مآرب (أجندات) خاصة، بدون الرجوع إلى الاتفاق والوفاق مع أهل العلم والرأي في الأمة”، فيما دعمت الهيئة الشرعية المجلس العسكري في بياناته الصادرة يومي 11/7/ 2011 و12/7/2011، وناشدت “المصريين بالالتزام بمضمونها وتفويت الفرصة على مثيري الفتن ومروجي الكذب والشائعات، والإنصات إلى صوت العقل والحكمة، وألا تتحول مطالبهم إلى نوع من الغوغائية المرفوضة أو الفوضى المشبوهة”.

وبشكل عام، يلاحظ على البيانات الصادرة عن الهيئة أنها ظلت تتناول المصالح العامة للمجتمع والدولة لأجل استكمال مكتسبات الثورة، لكنه فيما يتعلق بالموقف من حركات الشباب وانتخابات الرئاسة اتجهت لتفضيل خيار دون آخر، ومناقشة هذه المسألة لا تتعلق بطريقة الاختيار وآثاره ونتائجه، ولكنها تتعلق بخروج الهيئة عن السياق الفكري العام الذي وضعته لنفسها بأن تكون حركة أو ملتقى جامعا للأفكار الإصلاحية لنشر قيم الفضيلة واحترام التنوع والثراء الفكري.

وقد صارت الهيئة تميل لتبني واحد من الخيارات السياسية، وخاصة عندما عرضت رؤيتها لقرار تأييد مرشح حزب “الحرية والعدالة” لانتخابات الرئاسة، هذه الاختيارات تثير إشكالية العلاقة بين اتساع الخيارات الفكرية والفقهية والانحسار نحو خيار موقف سياسي يميل للحزبية، ووفقا للميثاق كان من باب أولى تجنب الانحياز للخيارات والتفاصيل السياسية والاقتصادية التي يتبناها أي حزب أو تيار فكري، حيث كان من اللافت أن يشير الميثاق إلى أنه من المهام الأساسية إقامة علاقات رشيدة بين الدعاة وتبني الخيارات التي تجمع ولا تفرق.

ولذلك يكون إدراج الخيارات السياسية – كاختيار مرشح الرئاسة – متعارضاً مع طبيعة “الهيئة” والتي توضحه (م42) من اللائحة الداخلية عدم الانضمام على أساس حزبي، ومن ثم فإن التحيز لخيارات حزبية سوف يؤدي لانخراط الهيئة في الحزبية السياسية وظهور مبدأ الأغلبية والأقلية والتحيز لدعم خيار الهيئة بغض النظر عن مدى حجيته وصلاحيته للدولة والجماهير.

ومن ثم، يُعدُّ ترجيح الهيئة الشرعية للمرشحين في الانتخابات والاستمرار في اتخاذ مواقف سياسية، لم تكن معبرة فقط عن التحيزات الفكرية أو السياسية ولكنها صارت تعكس اختلاف المواقف الداخلية فيما بين تيار الإخوان المسلمين والتيار السلفي، فإذا ما أخذنا الانتخابات الرئاسية كنموذج، فمع اشتداد الحملة الانتخابية، انخفض مستوى التوافق داخل الهيئة حول الموقف من انتخابات الرئاسة، وهناك العديد من المواقف الأخرى التي صارت تشكل تهديدا لكيانها.

ونظراً لتنوع العضوية وتنامي التنافس بين الحركات السلفية وجماعة الإخوان المسلمين، صارت الهيئة أمام تحدي التماسك وانبعاث الخلافات الفكرية، حيث انصرف بعض أعضائها للتعبير عن تفضيلاتهم الخاصة بتأييد أحد المرشحين لرئاسة الجمهورية، وهو ما قد يضع حداً لتطور الخبرة الوسطية التي كان ينشدها الكثير من الحركات الإسلامية، وهو ما يشكل تحدياً للفكر السياسي الإسلامي، حيث صار من المطلوب وضع إطار لإدارة النقاش العام حول الإصلاح والتعاون والتكامل كشرط لبعث نهضة جديدة تتجنب العثرات.

وفي الوقت الراهن، تواجه الهيئة الشرعية تحديات من جانبين: الأول ما يتعلق بعلاقتها مع الأزهر ومدى تعاونها وتلاقيها مع توجهاته، وخاصة بعد تعزيز وضعه الدستوري والسياسي، غير أن التحدي الأكثر أهمية، هو ما يتعلق بالخلاف السياسي بين التيار السلفي والإخوان المسلمين، فالخلاف بين هذين التيارين وحزبي “الحرية والعدالة” و”النور”، يهدد كيان الهيئة وذلك باعتبار حجم التمثيل في عضويتها وانتشارهما الشعبي.

وإذا ما كان الدور الأساسي للهيئة الشرعية يتمثل في انفتاح العلماء على كل المعارف العلمية والتلاقي بين العلوم الشرعية والاجتماعية لتطوير لدولة والمجتمع، فهذا الوضع لا يساعد على تحقيق أهدافها في تقديم اقترابات جديدة ومختلفة للمسائل الفكرية والفقهية.

مشكلات داخل الدولة الإسلامية

كاتب الموضوع الأصلي: منصور العتيبي 3332

مشكلات داخل الدولة الإسلامية:
هناك مجموعة من القضايا والأمور التي يعتبرها البعض مشكلات ومآزق سنقع فيها إذا ما أقمنا الدولة الإسلامية التي ندعوا إلى قيامها وتدعوا إليها الحركات الإسلامية في بلداننا فيقولون أننا إذا أقمنا هذه الدولة فستعترضنا ثلة من المشاكل تكون عائقا أمام التقدم الحضاري والتنموي داخل بلداننا من قبيل حالة الغير مسلمين داخل هذه الدولة فكيف سيكون دورهم وحالهم داخله…؟هل سيكونون أهل أمة؟ويدفعون الجزية أم مواطنون كاملو الحقوق والواجبات داخل هذه الدولة؟
ويقول مخالفونا و معارضو فكرة قيام الدولة الإسلامية كيف ستتعامل هذه الدولة ونظامها السياسي مع الحريات العامة داخل المجتمع…؟ فهل ستسمح هذه الدولة بالإلحاد مثلا ؟ وبقيام أحزاب أو حركات علمانية مخالفة لأصول هذه الدولة…..؟وكيف ستكون علاقة الدين بالتشريع…؟ فإذا شرع البرلمان قانون مخالف لأحكام الشريعة ورأى قادة الدولة أنه يحقق مصلحة هذه الدول كيف سيكون حلّ هذا الإشكال…؟.
وكيف ستكون علاقة الإسلام بالسياسة…؟ فالسياسة فن الممكن كما يعرفها البعض والسياسة مبنية على المكر وتحقيق المصلحة مهما كانت فكيف سيكون الدين الذي يعلي مكانة الأخلاق والقيم على المصلحة…؟
وكيف سيكون حال المرأة داخل الدولة الإسلامية ؟ هل ستكون لها نفس حقوق وواجبات الرجل أم ستكون مواطنة من الدرجة الثانية ؟.
فكان لزاما علينا أن نلقي الضوء على هذه القضايا علّها تنير الدرب وتزيل أوهام كل من يدعوا إلى قيام هذه الدولة ،وعلّها تزيل الشك والخوف عند المخالفين….
في الحقيقة إن هذه القضايا قد طرحت ودرست في الفقه الإسلامي القديم والحديث وقدمت فيها اجتهادات كبيرة من أصحابها من أخذ أجرين ومنهم من أخذ وأجرا إن أخطأ…. بينما نحن في هذه السطور المتواضعة سنحاول أن نلقي الضوء على الجانب السياسي منها والمتعلق بالدولة وبالسلطة السياسية.
*مشكلة المواطنة:
يرى بعض المخالفين أن المواطنة لا يمكن أن تحقق داخل الدولة الإسلامية لأن الدولة الإسلامية هي دولة عقيدة ,وبالتالي من لا يعتقد بالإسلام دينا من النصارى أو اليهود وغيرهم سيكونون مواطنون منتقصو الحقوق داخل هذه الدولة .
المواطنة كما يعرفها علماء القانون والسياسة هي المساواة التامة لجميع مواطني الدولة في الحقوق والواجبات سياسيا وقانونيا.
كان قديما في الدولة الإسلامية (دولة الخلافة) المخالفين في الدين من أهل الكتاب و غيرهم يسمون بأهل الذمة،والذمة في الفقه الإسلامي هي ((عقد مؤبد يتضمن إقرار غير المسلمين على دينهم وتمتعهم بأمان الجماعة الإسلامية وضمانها بشرط الجزية وقبول أحكام دار الإسلام في غير شؤونهم الدينية)).
لكن الوضع تغير بعد سقوط دولة الخلافة وتعرض البلدان الإسلامية للغزو الأوربي فقامت شعوب هذه المنطقة بمختلف ديانتها و معتقداتها تحارب هذا الإستعمار إلى أن تحررت هذه البلدان ،فولدت دولة جديدة شارك في بنائها المسلمون وغير المسلمين وبالتالي…. وبالتالي غير المسلمين يجب أن يحصلوا على جميع حقوقهم السياسية و القانونية في هذه الدولة التي دفعوا في تحررها دمائهم وأنفسهم أما قضية التأبيد في هذا العقد (عقد الذمة ) فدعنا ننقل رأي أحد أقطاب الفكر الإسلامي المعاصرين وهو محمد سليم العوا فيقول:”وليس معنى أن الذمة عقد ((مؤبد))- كما قال الفقهاء- أن يستعصي على أسباب الانتهاء المعروفة لكل عقد، وإنما التأييد هنا معناه عدم جواز فسخه بإرادة الحكام المسلمين وعدم جواز قبول ظلم أو سكوت المسلمين عليه –إن وقع – لأهل الذمة”.
أما قضية الجزية فمن المعروف في الفقه الإسلامي أن الجزية مبلغ مالي زهيد يفرض على البالغين القادرين من رجال أهل الذمة مقابل عدم مشاركتهم في الغزوات والحروب التي كانت تشنها الجيوش الإسلامية وهذا منطقي فكيف يشارك النصارى أو اليهود أو غيرهم من الديانات الأخرى في حروب لا يؤمنون بأهدافها ومبادئها الأساسية فكان الشرط هو توفير الأمن والسلام لأهل الذمة ،وقد علل جمهور الفقهاء علة الجزية بعدم مشاركة أهل الذمة في الدفاع عن دار الإسلام فان قرروا هم الدفاع عن دار الإسلام تسقط الجزية عنهم.
وإذا ما أنزلنا هذا الحكم على واقعنا المعاصر نجد أن النصارى أو اليهود أو غيرهم في دولنا العربية والإسلامية قد شاركوا في تحرير هذه الأوطان من الغازي المحتل وهم يشاركون في الجيوش وأجهزة الأمن في دولنا وبالتالي فالجزية لا تمسهم في هذه الحالة فهم مواطنون مثلهم مثل غيرهم يعيشون في دولة لها مرجعية إسلامية ومعظم سكانها مسلمون.
قد يقول قائل لماذا لا نحل الإشكال ونتخذ العلمانية مرجعا لهذه الدولة فنرضي كلا من الطرفين …..؟ في الحقيقة كما قلنا في فصل سابق أن هذه العلمانية ليست نظرة حيادية للحياة وإنما هي دين وضعي ابتكره ثلة من مفكرين عصر التنوير الأوربي فكيف نفرض على شعب مسلم أن يتخذ مرجعية منافية ومعارضة لدينه.
هذا من جهة ومن جهة أخرى فالإسلام ليس دين كسائر الأديان الأخرى إنما هو عقيدة يؤمن بها الناس فتطمئن قلوبهم وقانون إذا ما طبقه المجتمع حافظ على وجوده وحقق أهدافه التي يسعى إليها ومرجعية إذا ما اتخذتها دولة أو حركة في العالم أنقضت العالم مما هو فيه الآن…..ونحن لا نطالب أهل الكتاب في دولنا أن يعتقدوا بهذه العقيدة فهم أحرار في معتقداتهم بل أن كل مواطن في هذه الدولة الإسلامية هو حر في اعتقاده فليعتقد ما شاء.
((لا إكراه في الدين))
((فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ))
بل القرءان قد تكلم عن أناس ((إن الذين ءامنوا ثم كفروا ثم ءامنوا ثم كفروا….))أناس انتقلوا من عقيدة الإسلام إلى عقيدة الكفر ثم إلى الإسلام ….ولم يفرض عليهم الإسلام عقوبة إنما مردهم إلى يوم القيامة (يوم الحساب) .أما في الدنيا فالكل أحرار في معتقداتهم (( أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين ))
وهذه الدولة لا تفرض على أهل الكتاب قانونها الإسلامي فهم أحرار إذا شاءوا رضوا به قانونا لهم فبها ونعمت وإذا لم يشاءوا لهم قانونهم وشريعتهم الخاصة التي يريدونها.
وإنما تفرض هذه الدولة على أهل الكتاب وغير المسلمين في هذه الدولة أن يلتزموا بمرجعية هذه الدولة وهي المرجعية الإسلامية وهذا ليس بدعا في العالم فالدولة العلمانية مثلا مثل فرنسا فهي تفرض على كل الفرنسيين أن يلتزموا بهذه المرجعية فلا يمكن لهم أن يفعلوا ما يخالف هذه المرجعية وكذلك الدولة التي لها مرجعية رأسمالية في الاقتصاد مثلا لا يمكن لشعبها أن يفعل ما يخالف هذه المرجعية وإلا فانه خائن لهذه الدولة…….وهذا ما نطالب به في الدولة الإسلامية هو التزام مواطنيها بمختلف معتقداتهم وأديانهم بهذه المرجعية .
قد يقول قائل ما هي هذه المرجعية أصلا…..؟ هي النظرة الشاملة للحياة و للوجود وللإنسان في هذه الدنيا وعنها تنبثق القيم الأخلاقية و القوانين الاجتماعية التي تنتج عنها السياسات الاجتماعية والاقتصادية في هذه الدولة .
مثال بسيط :الدولة التي تكون مرجعيتها علمانية….هذه المرجعية التي تفترض أن الإنسان سيد للكون ولا سيد عليه وأن هذه الحياة الدنيا هي الوحيدة التي يعيشها هذا الإنسان وأنه لا بعث ولا حساب ولا جنة ولا نار …….فتنبثق عن هذه المرجعية مجموعة قيم أخلاقية قد تتقاطع بعض الأحيان مع القيم الأخلاقية الإسلامية ……وتنتج عن هذه القيم الأخلاقية والقوانين الاجتماعية سياسات اجتماعية واقتصادية تسعى إلى تحقيق وتجسيد هذه النظرة للحياة وللوجود وللكون ……….فنتج عن هذه المرجعية مثلا الاستعمار الغربي للدول الإسلامية لاستغلال طاقاتها في سبيل تحقيق رفاهية الشعب الأوربي ….فسياسات الدول الأوربية والأمريكية وكل السياسات العلمانية تسعى في الحقيقة إلى تحقيق رفاهية شعوبها دائما على الشعوب الأخرى فترى أن هناك شعوب لا تجد ما تأكل بينما الشعوب الأوربية و الأمريكية تتفنن في الأكل وتجد شعوب تعاني الأمراض والأوبئة وهذه الشعوب تعيش في رفاهية…. فلو علم الإنسان الإفريقي البسيط لقال في تساؤل …لماذا الشاب الأوربي يدرس أحسن دراسة ويعمل أحسن عمل ويعيش حياة كلها رفاه بينما أنا لأجد ما أغطي به حاجتي من طعام ولباس وقد يجد هذا الإفريقي جواب في الصحف أو في الكتب أن شعوب العالم الثالث الفقير التي تعاني البؤس والشقاء هذا بسبب تكاسلها وعدم قيامها بواجبها وفي الحقيقة هذا خطأ كبير فما تعانيه شعوب العالم الثالث هو نتيجة لسياسات الدولة الأوربية والأمريكية وليس بسبب تكاسلها وهذا ما سنفصله لاحقا في هذا الكتاب.
فالدولة الإسلامية التي ندعوا إليها هي التي تتخذ الإسلام كمرجعية لها ولجميع مواطنيها وكامل الحقوق السياسية والقانونية مهما كانت دياناتهم ومعتقداتهم .
لكن قضية تولي غير المسلمين لبعض المناصب الإدارية أو الوزارية ولمناصب عليا هذه الدولة قد يسبب إشكالا عند البعض.
في القديم كان الفكر الإسلامي والفقه يمنع غير المسلمين من تولي هذه المناصب داخل الدولة الإسلامية وهذا لأن الدولة في القديم يسيرها الأشخاص فرئيس الدولة يسوسها بشخصيته فهو الأمر الناهي أما الدولة المعاصرة فهي دولة مؤسسات ودولة قانون وإنما الأشخاص هم عبارة عن منفذين لهذه القوانين ولا يمكن لهم أن يخالفوا هذه القوانين.
وبالتالي فما يهمنا في هذه الدولة الإسلامية المعاصرة التي ندعوا إليها هو أسلمت قوانينها ومؤسساتها بينما الأشخاص فمهما كانت طبيعتهم فإذا تولوا هذه المناصب لا بدا أن يلتزموا بهذه القوانين الإسلامية وإلا فإن الشعب سيسقطهم أو أنهم سيعزلون لأنم خالفوا دستور هذه الدولة .
فالنظام القديم كان يعتمد على الوازع الأخلاقي فيمن يتولون مناصب عليا في الدولة الإسلامية والوازع الأخلاقي مهم وضروري ولكن ظروف الحياة وتقلباتها لا يضمن أن المتخلق سيبقى متخلق أو المؤمن سيبقى مؤمن أو….
أما الدولة الحديث فهي تعتمد على الوازع القانوني فإذا ما خالف أحد هذا القانون حتى وإن كان رئيس الدولة فهناك حامي لهذا القانون سيتخذ إجراءات ضدّ هذا المخالف حتى يعود إلى القانون وإلاّ فإنه سيعزل وتنتهي شرعيتين ونحن هنا لا نقول أنه بإمكان غير المسلمين داخل الدولة الإسلامية أن يتولوا مناصب علي كمنصب رئيس الدولة ولكننا نقول أن المهم في هذه الدولة هو من يسيرها ……المحرك الرئيسي لهذه الدولة هو المؤسسات الدستورية والقوانين وبالتالي لأسلمت هذه الدولة لا بدّ من أسلمت هذه القوانين والمؤسسات أما الأشخاص فهم محكمون بهذه القوانين والمؤسسات ….وقضية تولي هذه المناصب يرجع إلى طبيعة هذه الدولة فإن كان المسلمون ثم الأغلبية فمنطقي لا بدّا أن يكون الرئيس أو من يتولى مناصب سياسية مسلم أما ان كان المسلمون فيها يتقاسمون النسبة مع غير المسلمين فلا مشكل أن يتولى غير المسلمين هذه المناصب ,أما المناصب الدينية البحتة فهي مقتصرة على أصحاب الدين فلا يمكن لمسلم أن يتولى منصب رئيس الكنائس ……ولا يمكن لغير مسلم أن يتولى منصب إسلامي ……..وهذا في الحقيقة هو رأيي الذي بنيته بعد تأمل وتفكير عميق فالدولة الحديثة هي دولة مؤسسات ودولة قانون وبالتالي لأسلمتها لا بّدا من أسلمت مؤسساتها وقوانينها أما المناصب ,فالمنصب الذي يمثل رمز لهذه الدولة لابدّ أن يكون لمسلم أما المناصب الأخرى فلا اشتراط للدين فيه ……….. وهذا شيء منطقي في الدول المعاصرة فتركيا مثلا هي دولة علمانية من حيث الدستور والقوانين فلا يمكن لرئيسها إلا أن يكون علمانيا فلو قال إنه لا يؤمن ولا يلتزم بالعلمانية لفصل دستوريا .
*مشكلة المرأة :
يرى البعض أنه بإقامة الدولة الإسلامية سنحرم ونمنع نصف المجتمع من العمل العام سواءا كان سياسيا أو اقتصاديا أو ثقافيا .وهذه في الحقيقة افتراءات ما أنزل الله بها سلطان.
ومن يطلع على الأصول النظرية الأساسية للإسلام يرى ويعرف أن الإسلام قد ساوى بين الرجال والنساء في جميع الحقوق والواجبات بل وجعل النساء شقائق للرجال .
يقول (ص) ((النساء شقائق الرجال))
يقول تعالى ((من عمل منكم من عمل من ذكر أو أنثى ….))
((للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن ))
((والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض))
((يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر و أنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل،إن أكرمكم عند الله أتقاكم ))
يقول ((طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة))
لكن الخلاف بين النظرية الإسلامية والنظرية الغربية للمرأة هو أن الحضارة الغربية تجعل مبدأ التناقض قائم بين جميع المتقابلات في الحياة …..فالتناقض قائم بين ما هو مادي وما هو روحي….وبن ما هو أخروي وما هو دنيوي ……و بين ما هو ديني عقدي وبين ما هو علمي …….بينما الحضارة الإسلامية والعقيدة الإسلامية تجعل هذه المتقابلات متكاملة فيما بينها فالروحي يكمل المادي والأخروي يكمل الدنيوي والديني يكمل العلمي والمرأة تكمل الرجل.
وقد نتج عن هذا التناقض في النظرة الغربية بين الجنسين أن المرأة أو الجنس الأنثوي يسعى إلى الوصول إلى التساوي مع الجنس الذكري أو الرجل.
فهدف المرأة الأسمى في الغرب أن تتساوى مع الرجل بينما في الإسلام المرأة يمكن أن تتساوى مع الرجل ويمكن أن تتفوق عليه ويمكن أن تتخلف عليه ……..وهي في الحقيقة مكملة له فلا يمكن أن يعيش الرجل بلا امرأة والعكس صحيح ,بينما في الغرب بدأنا نسمع عن الشذوذ الجنسي واكتفاء الرجل بالرجل والمرأة بالمرأة وهذا الاختلاف يدركه العامي قبل المثقف ،كما راعى الإسلام الاختلاف النفسي بين شخصية المرأة وشخصية الرجل وهذا ما أقرّه العلم المعاصر فالمرأة في النظرة الإسلامية لا تساوي الرجل من الناحية البيولوجية بل تكمله وأيضا لا تساويه من الناحية النفسية بل تكمله بينما في نواحي الحقوق والواجبات الدينية فليس بين الذكر والأنثى اختلاف قط.
((من عمل عملا منكم من ذكر أو أنثى….))
فنتج عن هذا الاختلاف البيولوجي والنفسي بين الرجل والمرأة قضية القوامة التي جعلها ربنا جل و علا في يد الرجل…فإذا كانت الأسرة عبارة عن مؤسسة صغيرة والمؤسسة لا بدّا لها من مدير مسير ورئيس واحد يدير شؤونها والإسلام أعطى الرجل هذه القوامة لأنه هو الأصلح لها بحكم خبرته الحياتية وبحكم طبيعته البيولوجية .
كذلك بالنسبة لقضية الشهادة عند المرأة التي وردت في سورة البقرة:
((…..فأشهدوا شاهدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى…..)) .
فشهادة المرأة في هذه الحالة تساوي نصف شهادة الرجل وهذا ليس انتقاصا من شأن المرأة بقدر ما هو عدل في التعامل فقد عللت الآية سبب استشهاد امرأتين بدل امرأة واحدة هو النسيان ((…أن تضل إحداهما الأخرى…)) وهذا لأن المرأة في ذلك العصر بل وحتى الآن ليس لها خبرة واسعة في التعاملات المالية والتجارية.
لكن قف يقول قائل : هناك من النساء من هي أعلم من ألف رجل بالتعاملات المالية……نقول أن التشريع دائما يتعامل مع العموم فعموم النساء في العالم ليسوا كذلك فالقانون دائما لا يتعامل مع الحالات الخاصة وإنما مع العام .
إذن فعلة هذا الحكم هي النسيان كما أقرها الفقهاء والمفسرون….وكما قلنا من قبل أن الحكم يدور مع العلة في الفقه الإسلامي …….فإذا ما انتفت هذه العلة وأصبح عموم النساء لهم خبرة بالأمور المالية فالحكم حتما سيتغير حيث يقول الإمام محمد عبدو في هذه الآية ((…لقد تكلم المفسرون في هذا -التمييز بين شهادة المرأة وشهادة الرجل في الدين) ،وجعلوا سببه المزاج،فقالوا:إن مزاج المرأة يعتريه البرد فيتبعه النسيان ،وهذا غير محقق ،والسبب الصحيح :أن المرأة ليس من شأنها الانشغال بالمعاملات المالية ونحوها من المفاوضات ،فلذالك تكون ذاكرتها ضعيفة ولا تكون كذلك في الأمور المنزلية ،التي هي شغلها ،فإنها أقوى ذاكرة من الرجل ،يعني أن طبع البشر ذكرانا وإناثا أن يقوى تذكرهم للأمور التي تهمهم ويكثر انشغالهم بها ولا ينافي ذلك انشغال بعض نساء الأجانب في هذا العصر بالأعمال المالية ،فإنه قليل لا يعول عليه ،والأحكام العامة إنما تناط بالأكثرية في الأشياء وبالأصل فيها……)).
نفس الشيء بالنسبة لقضية الميراث ،فلإسلام أعطى للذكر مثل حظ الأنثيين في ميراث الأبناء لآبائهم:
((….فللذكر مثل حظ الأنثيين…)).
فالإسلام لمّا قرر هذا الحكم لم يقرره اعتمادا على طبيعة جنس الوارث ذكرا كان أم أنثى ،وإنما قرره اعتمادا على تبعات كل منهما ،فورث الأنثى نصف ما ورث الذكر .ولم يلزم الأنثى بالنفقة في البيت بشيء وإنما هذا النصف هو لها وحدها بينما الذكر فقد ألزمه بالنفقة على الأنثى وعلى بيته….فإذا نظرنا إلى هذا الحكم نظره عادلة موضوعية سندرك أن الإسلام قد كرّم المرأة هنا وأعطاها أكثر من الرجل.
وهناك حالات عدة الأنثى تأخذ في الميراث أكثر من الذكر وإنما هنا الأمر متعلق بالأبناء فقد كان العرب في الجاهلية يحرمون الأنثى من الميراث فجاء الإسلام وأعطاها هذا الحق .
ربما يقول قائل :لماذا لم يعط الإسلام الأنثى مثل الرجل في الميراث ويكلفها هي أيضا بالنفقة على البيت ونحل هذا الإشكال…..؟
نقول أن هذا الحكم فرع عن أصل قد قرره الإسلام وهو أن قوامة الأسرة تكون للرجل وليس للمرأة وهذا كما قلنا بسبب طبيعة كل منها النفسية والبيولوجية …..والقوامة لا تكون لأثنين لأن هذا سيؤدي إلى النزاع وإفشال هذه الأسرة ……..فأعطى الإسلام القوامة للرجل وألزمه بالنفقة على المرأة.وأعطى المرأة نصف حظ الرجل في الميراث ولم يلزمها بالنفقة على أحدو إنما هو خالص لها ………..فأي تكريم أكبر من هذا التكريم……؟
هذا بالنسبة لأحكام التي جاءت صريحة في القرءان والسنة النبوية بشأن المرأة .أما الأحكام التي وضعها الفقه الإسلامي فيما بعد بشأن المرأة فربما تتلخص في قضية تولي المرأة للولاية العظمى أما قضية منع الفقه الإسلامي لتولي المرأة للولاية العظمى (رئيس دولة الإسلامية) فجمهور الفقهاء بنوا هذا الحكم على حديث نبوي واحد وهو في الحقيقة ليس صريحا في تحريم هذه الولاية للمرأة.
ونص الحديث هو:
يروي الصحابي “أبو بكرة” رضي الله عنه هذا الحديث فيقول:
قال رسول الله :من يلي أمر فارس؟
قالوا: امرأة .
فقال رسول الله ما أفلح قوم يلي أمرهم امرأة.
فهذا الحديث في الحقيقة لا يقرر حكما فقهيا بتحريم ولاية المرأة للدولة وإنما هو عبارة عن نبوءة سياسية للنبي  بشأن دولة فارس التي انهارت فيما بعد على يد الدولة الإسلامية .
وفي الحقيقة هذا هو الحديث الوحيد التي يتكلم عن ولاية المرأة وهو كما قلنا لا يصرح بحكم التحريم بقدر ما هو نبوءة ووصف لحالة دولة فارس آنذاك .
بل القرءان الكريم لمّا تكلم عن مملكة سبأ التي كانت تقودها امرأة وصف سياسة هذه الملكة لدولتها وصفا يعتبر مدحا لهذه السياسة التي تنتهجها هذه الملكة بشأن مشاورة أهل الخبرة في الجيش بشأن الكتاب الذي بعث إليهم من عند سليمان عليه السلام.
يقول تعالى ((قالت يأيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم،إنّه من عند سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ،أن لا تعلوا علي وأتوني مسلمين قالت يأيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون قالوا نحن أولو قوة وأولو بأس شديد والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها……….))
أما قضية تولي المرأة للقضاء فقد اختلف الفقه الإسلامي في هذا الحكم، وهناك ثلاثة آراء شائعة في هذا الأمر وهي :
يرى فقهاء المذهب الشافعي أن المرأة لا يجوز لها أن تتولى القضاء وقد قاسوا هذا الحكم على الولاية العظمى فبما أن الولاية العظمى لا تصح للمرأة فكذالك القضاء …وقد تكلمنا عن قضية الولاية العظمى التي لم يمنعها الإسلام صراحة كما نعتقد بل النصوص الإسلامية الكلية العامة تقضي بأن لا نمنع المرأة من هذا المنصب بحكم جنسها ،و يرى فقهاء المذهب الحنفي أن المرأة يجوز لها تولي القضاء فيما عدا القضاء في القضايا (القصاص والحدود) وذلك لأنهم قاسوا تولي القضاء على الشهادة فأجازوا قضاءها فيما أجازوا شهادتها فيه أي فيما عدا (القصاص والحدود) .ونحن قد تكلمنا في شهادة المرأة وقلنا بأن حكم القرءان الكريم على أنها نصف شهادة الرجل بسبب قلة خبرتها في مجال المعاملات المالية وأنه إذا ما انتهى هذا السبب سيتغير الحكم إلى الإيجاب .
وفي الحقيقة ففي عصرنا الحالي القضاء أو منصب القاضي لا يصل إليه الفرد إلى بعد دراسة وخبرة ومسابقات تكون المرأة قد كسبت خبرة كافية لتولي هذا المنصب .
أما الرأي الفقهي الثالث هو رأي المذهب الظاهري ابتداءا بمؤسس المذهب الإمام محمد بن جرير الطبري فقد حكموا بذلك لقياس القضاء على الفتيا .والمرأة يجوز لها الفتيا بعد التعلم طبعا فكذلك القضاء يجوز لها بعد التعلم والتمكن .
وهناك أمر آخر هو أن القضاء الآن في وقتنا المعاصر يختلف في الحقيقة عن القضاء في القديم ،ففي القديم كان القاضي يحكم باجتهاده هو و استنباطه للحكم الفقهي بعد دراسته للقضية في ضوء الكتاب والسنة ….بينما في وقتنا الحاضر فالقاضي لا يجتهد في استنباط الحكم من النصوص المطلقة ( القرءان والسنة) وإنما هناك جهاز آخر له هذا العمل …بينما القاضي فينزل هذا الحكم فقط على القضية التي أمامه والاختلاف الآخر هو أنه في وقتنا المعاصر القاضي لا يعمل وحده وإنما هناك مستشارين ومحاميين يناقشون معه القضية التي بين يديه وهذه الأمور تدفع كل غلط يمكن أن يقع من القاضي ….وأيضا هناك درجات للمحاكم من استئناف ونقض وهذه الأمور كلها يجب أن نأخذها بعين الاعتبار في دراسة هذه القضية و في الحكم عليها بالجواز أو المنع.
فكل هذه الأمور تجعلنا نتريث أمام منع المرأة من هذا المنصب الذي هي تشغله في وقتنا الحاضر في معظم الدول الإسلامية وهي ناجحة فيه ولا يوجد أي إشكال يعترضها وبالتالي فلا مانع فقها من تولي المرأة للقضاء والله أعلم .
*مشكلة التشريع:
أيضا من المشاكل التي يتوهمها البعض عن قيام الدولة الإسلامية مشكلة التشريع واستصدار القوانين . وربما هذا هو المشكل الأساسي الذي جعل ثلة من المفكرين الإسلاميين يرفضون فكرة الديمقراطية في خمسينيات وستنيات القرن الماضي… حيث أن النظام الديمقراطي يعطي حق التشريع للسلطة التشريعية التي تتكون من مجلس أو مجلسين كما هو عندنا في الجزائر (مجلس الشعب ومجلس الأمة) وهذه السلطة هي التي لها الحق وحدها في استصدار القوانين داخل الدولة وبالطبع في النظام الديمقراطي هذه السلطة تمثل الشعب أي أن الشعب هو الذي انتخبها وفوضها هذه المهمة …وبالتالي فالتشريع في الحقيقة في النظام الديمقراطي هو للشعب ،فالشعب يشرع ما يشاء ويتماشى مع مصلحته … وهذا هو الذي جعل بعض المفكرين يظنون أن هذا الحق هو اعتداء على حق من حقوق الله جلّ شأنه والحاكمية التي لا تكون إلا لله ولا يمكن لأي أحد أن يعتدي على هذا الحق وإلاّ فإنه يدخل في دائرة الكفر .
يقول تعالى ((إن الحكم لله……))
يقول تعالى ((…ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون ))
ويقول ((ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون))
ونحن نقول هنا أن القانون في أي نظام ديمقراطي في العالم على ثلاثة أنواع هناك القانون الدستوري وهو القانون الأعلى في الدولة وهو القانون الذي بموجبه تنشأ الدولة فهو بمثابة عقد بين الحاكم والمحكوم توضع فيه كلّ البنود والقوانين الأساسية التي يتفق عليها هذا الشعب مع حاكمه فهو الذي يبين الخطوط والمبادئ الأساسية التي تسير عليها هذه الدولة .
وهناك القانون الذي يصدره البرلمان وهو أقل درجة من القانون الدستوري ويجب على هذا القانون أن لا يخالف القانون الدستوري ولو خالف هذا القانون الدستور يعتبر ملغي وغير صالح للتطبيق في هذه الدولة ….وهناك محكمة مختصة في هذا الشأن في النظام الديمقراطي هي المحكمة الدستورية التي تنظر في مدى دستورية هذه القوانين التي يصدرها البرلمان.
وهناك المراسيم الرئاسية واللوائح التنفيذية وهي عبارة عن قوانين موضحة ومفسرة للقانون البرلمان والدستوري ولا يمكن أن تخالف قانون الدولة بأي حال من الأحوال .
وبالتالي لو أقمنا دستور متماشي ومنسجم مع الشريعة الإسلامية فإننا سنحل هذه المشكلة ….والبرلمان مهما شرع فهو يشرع وفقا للدستور وفيما سمحت له الشريعة الإسلامية … لأن الشريعة الإسلامية ليس كما يتصورها البعض أنها كل الفقه الإسلامي أو كل القانون الإسلامي … فنحن هنا نتكلم عن الشريعة الإسلامية التي جاء بها القرءان الكريم والسنة النبوية المشرعة الصحيحة … وهي في الحقيقة مجموعة قليلة من المبادئ والأحكام التي أمرنا نحن كمسلمين بتطبيقها … أما الفقه الإسلامي فهو نتاج اجتهاد الفقهاء عبر العصور وفقا لزمانهم ومكانهم ونحن هنا سنأخذ منه ما يصلح لزماننا ومكاننا وسنجتهد لنضع قانون متماشية مع أحكام الشريعة ومناسب لزماننا ومكاننا .
فكما يقول علماء أصول الفقه أن هناك منطقة العفو التي سكت فيها القرءان الكريم والسنة النبوية … ونحن لا بدّ أن نجتهد في هذه المنطقة لنضع قانون متماشي مع مبادئ وأحكام الشريعة ومناسب لوقتنا الحاضر … أما الأحكام الثابتة الصريحة في القرءان والسنة فلا مجال للاجتهاد فيها ولا يجب مخالفتها بأي حال من الأحوال وإلاّ فقد اعتدينا على حق من حقوق الله جل وعلا ارتضيناه بموجب إيماننا واعتقادنا بالإسلام دينا.
((ومن أحسن حكما من الله لقوم يوقنون…….))
((وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن تكون لهم الخيرة من أمرهم ))
(( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما))
وبالتالي فنحن نقول أن مشكلتنا مع الدستور وليس مع السلطة التشريعية في الدولة الإسلامية التي ندعوا إليها ….فلو أقمنا دستورا إسلامي فلا مشكلة مع البرلمان لأنه سيشرع فيما سمح الله له في التشريع (في منطقة العفو) .ولا يمكن له أن يخالف الدستور الذي هو إسلامي متماشي مع الشريعة الإسلامية.
وهذا في أي دولة ديمقراطية في العالم فمثلا دولة فرنسا التي تقر العلمانية كعقيدة للدولة الفرنسية … فلا يمكن للبرلمان الفرنسي أن يشرع قانون مناقض للعلمانية وإلا فإنه ملغي وغير صالح للتطبيق وكذلك الدولة الإسلامية التي ندعو لها.
وهناك من يظنّ أنه إذا أقمنا دستورا إسلاميا فكأننا سنضع وصيا على الشعب وسنجعل الفقهاء أو رجال الدين كما يسميهم البعض مسيطرين على الدولة وهذا في الحقيقة لا يصح في الدولة الإسلامية وإن صحّ فإنه يصحّ مثلا في النظام الإيراني الشيعي الذي يتبنى ولاية الفقيه كنظام للحكم وهذه في الحقيقة عبارة عن وصاية للفقيه على الشعب الإيراني لكن عندنا أهل السنة والجماعة فالشعب هو الذي يحكم نفسه وفقا لمبادئ الشريعة الإسلامية التي أمن بها.
قد يقول قائل ومن سيدخل البرلمان ويشرع هذا القانون… هل سيدخل الفقهاء ورجال الدين أم من ينتخبهم الشعب بكل ديمقراطية وشفافية ؟
فنحن نقول أن البرلمان يجب أن تكون فيه شروط للترشح لهذا المنصب كما هي موجودة في معظم الدول الديمقراطية في العالم ولا يلزم أن يكون فقيها أو عالم دين إسلامي … وإنما هو إنسان مثقف منتخب يساهم في عملية التشريع واستصدار القوانين وهذه القوانين يجب أن تكون غير مخالفة للدستور وسيكون للبرلمان هيئات استشارية كما يوجد في الدول الديمقراطية وستكون هناك محكمة دستورية ترى مدى مواءمة هذه القوانين مع للدستور .
ونحن نقول أن ما يتماشى ولا يخالف الدستور ليس ما يخالف الفقه الإسلامي فنحن نقصد الثوابت التي جاءت بها الشريعة الإسلامية أما المتغيرات فهي خاضعة للاجتهاد المهم أن تسير وفقا للمبادئ الإسلامية .
وربما يقول قائل لماذا نضع سلطة تشريعية في الدولة الإسلامية لأن المشرع في الإسلام هو الله عز وجل فالعلماء يجتهدون ويستنبطون الأحكام الفقهية من الشريعة الإسلامية وعلى ولي الأمر الالتزام بها وتطبيقها وله أهل الحل والعقد يشاورهم ؟
نقول كما قلنا من قبل في ثنايا هذا الكتاب أن الإسلام لما يضع نظام للحكم يجب أن نلتزم به وإنما أوجب علينا الالتزام بالمبادئ الإسلامية والأحكام الشرعية الثابتة…وعلى كل عصر أن يختار النظام الذي يساعده في تطبيق وتحقيق هذه المبادئ … ونحن نرى أن هذا النظام الديمقراطي سيساعدنا في الالتزام بهذه المبادئ والأحكام إذا ما عرفنا كيف نضع دستور إسلامي عصري… أما قضية التشريع فلابدّ للدولة من قانون تسير به وفي كلّ مرة نأتي بقانون جديد وفق الحالة التي نعيشها فالقانون يمشي مع تطور المجتمع فلا يمكن أن نقول أن هذا هو القانون ويجب أن نلتزم به في كل زمان ومكان … لأن الإسلام لم يقل بذلك و إنما كما قلنا أن الإسلام قد وضع خطوط عريضة وأحكام ثابتة قليلة وترك باب الاجتهاد لكل عصر أن يجتهد وفق زمانه ومكانه ,المهم أن يلتزم بهذه الثوابت.