أ.د. أحمد محمد وهبان

الطاعة السياسية

كاتب الموضوع الأصلي: منصور العتيبي 3332

أولا: نتائج الدراسة
عادة ما تكون المفاهيم بما فيها تلك المفاهيم ذات الأصل القرآني عرضة للعديد من التطورات، فالممارسة البشرية المحاطة بجملة من العناصر المتداخلة، والظروف والملابسات المعقدة، تضفي على المفاهيم ظلال التجربة البشرية وتخضعها لمقتضياتها في الكثير من الأحيان، وقد يصل الأمر إلى حدوث بعض التغييرات في المحتوى المعرفي لتلك المفاهيم كتعبير عن الاستجابة الإرادية لمتغيرات الواقع.
والتحدي الذي تواجهه المفاهيم ذات الأصل الشرعي – لا سيما السياسية منها- تتمثل في مدى قدرتها على استيعاب متغيرات الواقع مع الاحتفاظ في ذات الوقت بهويتها وقوامها النظري، ولعل حركة التطور التاريخي لمفهوم الطاعة السياسية كانت محكومة بذلك التحدي، ففي الوقت الذي حرص فيه المسلمون على الاحتفاظ بجوهر مفهوم الطاعة السياسية وممارسته وفق تحديداته القرآنية في عهد الخلافة الراشدة، ظهرت تطورات جوهرية في منظومة الحكم السياسي منذ العهد الأموي، دفعت بالمفهوم إلى إنتاج “صيغ تاريخية” لربط المفهوم بحركة الواقع كي لا يبدو متخلفا عنها، وأهم تلك الصيغ التي شاركت في إنتاجها الدوائر العلمية المختلفة خارج إطار المحتوى القرآني والدلالات الأصلية للمفهوم، هي طاعة المتغلب، وطاعة الفاسق، وطاعة الجائر.
لقد ظهرت منذ ما بعد منتصف القرن الأول الهجري أنماط جديدة من الحكم السياسي، استدعت تطوير بدائل فقهية واقعية كان غرضها إحكام الربط بين الشريعة والسياسة، كي لا تتجه الممارسة السياسة بعيدا عن الشريعة، ومن هنا كان الفكر الإسلامي أكثر استعدادا لإعادة تأويل وقراءة النصوص الشرعية لتنسجم مع الحالة السياسية الجديدة، وبدا أن تلك الخطوة كاملة الشرعية لما تحققه من مكاسب اجتماعية وشرعية على رأسها “حفظ الدين”، وقد تعزز ذلك الاتجاه التأويلي ابتداء من القرن الثالث الهجري حيث أعاد علماء الحديث ترسيم المفهوم على أساس الأحاديث التي دونت في المسانيد ثم في كتب الصحاح، وكثير منها لم يكن معروفا لدى فقهاء العصر الأول، بما فيهم أئمة المذاهب الأربعة باستثناء الإمام أحمد بن حنبل الذي مثل نقطة تحول تم عبرها الانتقال من ثقافة الخروج والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمفهومه الواسع إلى ثقافة الطاعة السياسية ذات الصبغة التأويلية.
ووفقا لمعطيات النسق الحديثي الذي تواكب مع دخول الفقه مرحلة التقليد منذ القرن الرابع الهجري، أصبحت طاعة الفاسق والجائر والمتغلب جزءا من الشريعة، حيث جرى إحكام ربط تلك المدركات بها، وترسخت قاعدة حرمة الخروج على الحاكم الجائر، وهي القاعدة التي تبين من خلال الدراسة أنها مجرد دعوى تاريخية، ظهرت بفعل تراكمات سلبية تشكلت بموجبها ثقافة الطاعة الكاملة منذ منتصف القرن الثاني الهجري تقريبا.
لقد فرض استقرار أنظمة الجور السياسي في بعض المراحل ونمو تقاليد سياسية لا علاقة لها بأسس التصور الإسلامي للمسألة السياسية – كـ”ولاية العهد” و”إمارة الاستيلاء”- مجموعة هائلة من التحولات بحيث ابتعدت الممارسة السياسية الإسلامية عن الشورى في الحكم، وعن مفهوم البيعة الصحيحة القائمة على الرضا والاختيار، كما تم إسقاط العدل كشرط أساس لمن يتولى الحكم بسبب غياب “الحكام العدول”، وهذا ما عبر عنه العز بن عبد السلام في إشارته إلى القبول بحكم “الأقل فسوقا” لغلبة الفسوق على الحكام، وعلى ذلك أعيد إنتاج تصور واقعي للحكم لا يقوم على العدل وإنما على “الأقل فسوقا”.
وقد وجدنا هذا التصور واضحا عند مفكري وفقهاء “الآداب السلطانية” كابن المقفع والطرطوشي وابن الطقطقى وغيرهم فيما أطلقنا عليه وصف “تثبيت الطاعة وتحريك العدل”، فالطاعة – بحسب هؤلاء- قيمة ثابتة لا علاقة لها بعدل السلطة أو جورها، كما أن انحراف السلطة يغدو مبررا إضافيا للمزيد من سلوكيات الطاعة – كالدعاء لها مثلا- وفق مقولة أساسية فحواها “السلطان لا تصلحه إلا الطاعة”، وهذا الاختلال في منظومة القيم الإسلامية دفع بشكل مطرد باتجاه تفريغ مفهوم الطاعة السياسية من مضامينه القرآنية، وتكريس مفهوم “طاعة الضرورة” الذي راح يكتسب مع الوقت شرعية فقهية واجتماعية.
ذات التحولات طرأت أيضا على مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فالتحليل التاريخي يظهر أن الممارسة السياسية الإسلامية قامت – في الصدر الأول- على شمول هذا المبدأ الذي كان يتضمن إنكار المنكر السياسي باليد، واستمر ذلك حتى منتصف القرن الثاني الهجري تقريبا، فقد شهد التاريخ الإسلامي العديد من حركات إنكار المنكر السياسي كثورة الحسين بن علي (ر) (61هـ)، وثورة أهل المدينة على يزيد بن معاوية (63هـ)، وثورة عبد الله بن الزبير (ر) في مكة (64هـ)، وثورة الفقهاء على الحجاج بن يوسف الثقفي وعبد الملك بن مروان (81- 84 هـ)، وثورة زيد بن علي على هشام بن عبد الملك (121هـ)، ثم ثورة محمد النفس الزكية وأخوه إبراهيم على أبي جعفر المنصور (سنة 145هـ).
غير أن عوامل تاريخية ظهرت منذ منتصف القرن الثاني الهجري كان لها الأثر الكبير في التحول من “ثقافة الخروج” بغرض تغيير المنكر السياسي، إلى “ثقافة الطاعة السياسية الكاملة”، وقد أظهر التحليل التاريخي أن أهم تلك العوامل تمثلت في ظهور عصر التدوين الذي أعيد فيه تنظيم العلوم والمعارف الإسلامية ومن ضمنها المعرفة السياسية – التي لم تكن قد تبلورت بصورة مستقلة حتى ذلك الوقت- ضمن مشروع ثقافي كبير تبنته السلطة العباسية، كما كان لقيام الدولة العباسية على أنقاض الحكم الأموي والمضمون الاجتماعي الذي جسدته قبل أن تنحرف عنه لاحقا أثر في ذلك التحول، غير أن إخفاق حركات تغيير المنكر السياسي وما صاحبها من سفك للدماء وانتهاك للحرمات من قبل أنظمة الجور كان له الأثر الأكبر في ذلك التحول الذي لم يتوقف عند حدود دائرة الفقه السني، بل شمل المعتزلة والزيدية، فقد شهد منتصف القرن الثاني الهجري آخر الثورات التي شارك فيها المعتزلة، ولا حقا قام القاضي عبد الجبار بإعادة صياغة مفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي يعد أحد أصول المعتزلة، ولحمه بالنظرية السنية التي كانت قد استقرت آنذاك.
في ذات الوقت لاحظنا ميلا أقل للثورة عند الزيدية، وتظهر الكتابات المتأخرة لعلماء الزيدية خفوتا واضحا لمبدأ الخروج على الحاكم الظالم، واقترابا من فقه السياسة الشرعية مع الاحتفاظ بجوهر التصور الزيدي حول أحقية أهل البيت بالخلافة، أما الشيعة فإنهم من حيث الأصل لا يرون الثورة وإن تعاطفوا مع ثورات أهل البيت بصورة أو بأخرى، ويتضح من ذلك أن الفكر الإسلامي اتجه بتياراته المختلفة وبدرجات متفاوتة إلى إفساح المجال – إن لم يكن – تعضيد ثقافة الطاعة السياسية الكاملة.
وهكذا تمكنت الدراسة من إثبات صحة المقولة الأولى حول الأثر التاريخي في تطور مفهوم الطاعة السياسية وانعكاس ذلك على التحديدات القرآنية للمفهوم، والخصائص التي اكتسبها في عهد النبوة، ولكن مع ملاحظة تفاوت حضور ذلك الأثر بالنسبة لمجمل تيارات الفكر السياسي الإسلامي، فالمعتزلة والشيعة والزيدية وإن اتجهوا إلى التعامل مع الواقع السياسي إلا أنهم أحجموا عن التنظير له على أساس ديني، أو تحويل معطياته إلى ما يشبه القواعد الشرعية الإجماعية، إذ لم نجد أثرا لدى هؤلاء لمقولات وجوب طاعة الجائر، أو الاعتراف الشرعي بحكم المتغلب، أو الإقرار بولاية الفاسق ولاية عامة، كما هو الحال بالنسبة للفكر السياسي السني، وربما كان السبب في ذلك احتفاظ تلك التيارات بمواقعها خارج السلطة السياسية (سلطة الخلافة)، بوصفها قوى معارضة من الوجهة التاريخية، وإن تقاطعت في بعض المراحل مع نظم الحكم القائمة بصورة أو بأخرى، أو وصلت إلى الحكم في بعض الأطراف.
أما المقولة الثانية للدراسة فقد تحققت بصورة كاملة، حيث أنتج المفهوم خلال حركته في التاريخ العديد من الإشكاليات المرتبطة بالعلاقة بين السلطة والأمة، لقد كان واضحا أن مفهوم الطاعة السياسية في الدائرة السنية يتجه بفعل القراءات التأويلية المتواصلة للنصوص تحت ضغط الواقع السياسي إلى الابتعاد عن محتواه القرآني وأهم مظاهر ذلك تمثلت في الآتي:
1- إسقاط المواصفات القرآنية لمفهوم أولي الأمر، وإلغاء الصفة الجماعية لهذا المفهوم، بحيث بات يطلق على كل متغلب وصف “ولي الأمر” بما يحمله من دلالات شرعية مغتصبة، أما من حيث الأصل فإن مفهوم أولي الأمر – كما توصلت الدراسة- هو مفهوم جماعي لا يتجه إلى أي نوع من التحديدات الفئوية (علماء / حكام) وإنما يستوعب ضمن بنيته الشرعية الجانب الرسمي من الظاهرة السياسية، دون أن يستغرق القوة الاجتماعية للأمة المسلمة، بحيث يظل المفهوم المقابل “أهل الحل والعقد” مفهوما فاعلا وموازنا، أما مواصفات أولي الأمر القرآنية فهي: الحكم بالعدل، أداء الأمانة، الاختيار الاجتماعي، الرد إلى الله والرسول عند التنازع، وعلى هذا الأساس قامت الدراسة بالتفريق بين نوعين من النظم السياسية الأول: هو سلطة أولي الأمر، والثاني هي نظم الضرورة بصورها المختلفة في التاريخ الإسلامي.
2- اعتبار طاعة أولي الأمر في القرآن الكريم مطلقة، وقد ترتب على النظر إلى مفهوم الطاعة السياسية في القرآن الكريم بوصفه مفهوما غير مقيد، إسقاط القيود القرآنية عن المفهوم، فلم يعتبر العدل قيدا، ولا الشورى، ولا الرد التشريعي إلى الله والرسول (الحكم بالشريعة)، وانحصرت حدود المفهوم – وفقا للفهم الحرفي لأحاديث الطاعة- في قيدي المعصية والمنكر، واللذين يأخذان – في الكثير من الأحيان- معنى واحدا، ويفقدان قدرتهما على الضبط والتقييد في المجال السياسي.
3- الخلط بين الطاعة الدينية والطاعة السياسية، عبر القول بأن طاعة أولي الأمر في غير المعصية هي طاعة لله والرسول، وقد قامت الدراسة بمراجعة ذلك الفهم، عبر إثبات الطبيعة الاستخلافية لمفهوم الطاعة السياسية، فالمفهوم ليس مفهوما تعبديا (طاعة الله)، ولا تصديقيا (طاعة الرسول)، ومن هنا يتضح الفرق بين الطاعة الدينية التي هي مطلقة وكاملة وثابتة وترتبط بعقيدة المؤمن، وبين الطاعة السياسية بوصفها نسبية، ومتغيرة، ومحددة، ومقيدة ، وخاضعة لشروط الواقع، وترتبط بدرجة أساسية بسلوك المؤمن إذ لا يترتب عليها كفر أو إيمان.
كما أن أفعال وتصرفات أولي الأمر السياسية قد لا توافق مقصود الله ورسوله – حتى مع افتراض تحريها ذلك- وبالتالي فهي ليست عين طاعة الله ورسوله، لذلك فإن التداخل بين الطاعة الدينية والطاعة السياسية، وعدم تحديد مجال الطاعة السياسية والتمييز بينه وبين مجال العقيدة، سمح بإضفاء صبغة دينية على السلطة السياسية، ومنحها صلاحية التدخل في شئون العقيدة والعبادة، وإهمال وظائفها التنموية والسياسية والحضارية.
4- القول بحرمة الخروج ساعد على وجود ألوان عديدة من الخروج التكفيري، بسبب أن تكفير السلطة مثل شرطا تاريخيا للخروج عليها، وهكذا صبغت الصراعات السياسية بصبغة دينية بسبب عدم التفريق بين الخروج السياسي بغرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والذي هو حق للأمة، وبين الخروج لأسباب عقدية، كما منح السلطة السياسية حصانة من العزل السياسي باستثناء اقترافها للكفر البواح وعند القدرة على ذلك.
5- الخوف من الفتنة حال دون تطوير آليات مؤثرة للتعامل مع السلطة السياسية، وتسبب في إقصاء قواعد الشورى، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمعارضة وغيرها، وهو الأمر الذي أسهم من الوجهة التاريخية في إنتاج المزيد من الفتن التي أضعفت الدولة والمجتمع في آن.
6- ظهرت مشكلة الاستبداد السياسي كنتيجة للميل المتزايد إلى مسايرة السلطة السياسية وما تنتجه من مركبات إيديولوجية تخدم حاجياتها في البقاء والاستمرار، وقد ظهر ذلك الميل من خلال تعقيد شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإطلاق الصبر، واستحضار الخوف من الفتنة، وتعطيل الشورى، والتخلي المسبق عن التفكير في تطوير الممارسة السياسية والاكتفاء منها بالحد الأخلاقي الأدنى، وحدث نتيجة لذلك تضخم في فقه الطاعة السياسة في مقابل ضمور شديد في المنظومة القيمية، ساعد على إيجاد بيئة ملائمة للاستبداد السياسي.
لقد وجدت تلك المشكلات بصور وكيفيات مختلفة عبر مسار تطور المفهوم، ومع وجود ما يؤشر إلى أن بعض العلماء سعوا إلى الحد من تضخم فقه الطاعة السياسية فإن الاتجاه الغالب في الفكر السياسي السني كان يصب في دائرة الطاعة السياسية الكاملة بوصفها مطلبا شرعيا، لهذا السبب فإن المحاولات الإصلاحية التي ظهرت في التاريخ الإسلامي إما أنها تجنبت المساس بـ”عقيدة الطاعة السياسية” كما هو الحال بالنسبة للفقه المقاصدي لدى العز بن عبد السلام، والشاطبي وغيرهما، لتوقف خطابها الفقهي عند حدود ما استقر العمل به، أو أنها تولت إنجاز الصياغة النهائية لفقه الطاعة السياسية وتكريسه كما هو الحال بالنسبة لفقه السياسة الشرعية الذي ظهر كحركة إصلاحية وانتهى إلى ترسيخ سلطة ولي الأمر في المجالين السياسي والشرعي.
لذلك فإن استقرار فقه الطاعة السياسية وتراكمه غير الحميد حد من تأثير حركات الإصلاح في العالم الإسلامي، بما فيها تلك التي ظهرت في مطلع القرن التاسع عشر على أيدي مفكري النهضة، فرغم الإسهامات النظرية لمفكري النهضة فيما يتصل بتحريك ثقافة الطاعة السياسية وربطها بالشورى والمحاسبة ومسئولية الحاكم، ورغم توسيع المرجعية التطبيقية عبر الاستعانة بآليات الفكر الديمقراطي الحديث، فإن الدراسة لاحظت أن الأثر النهضوي فيما يتصل بفقه الطاعة السياسية كان محدودا للغاية.
تلك النتيجة قادت إلى المقولة الرئيسية الثالثة للدراسة حيث تبين استمرار الحضور التاريخي لإشكاليات فقه الطاعة السياسية في الفكر الإسلامي المعاصر بما في ذلك بنية الفقه الدستوري الحديث، وقد عمدنا إلى تنظيم إشكاليات الطاعة في الفكر الإسلامي المعاصر في ثلاث مجموعات ترتبط الأولى بتبديد مفهوم أولي الأمر وتوظيفه سياسيا فتتبعنا مظاهر ذلك في الخطاب الإسلامي المعاصر محاولين الكشف عن مساحة الوعي بالعلاقة الكامنة بين الحالة الاستبدادية الراهنة وبين “الأحادية السلطوية” المتمثلة بما يسمى “ولي الأمر”، أما الأخرى فتتعلق بالاختلال المفاهيمي الذي أحدثه فقه الطاعة السياسية ومظاهره في الفكر الإسلامي المعاصر، وارتبط المجموعة الثالثة بإشكالية الخروج ومقارباته التنظيرية في الخطاب الإسلامي المعاصر.
وعموما أمكن القول من خلال التحليل النقدي لبعض أدبيات الفكر السياسي الإسلامي المعاصر أن هناك نزوعا مستمرا للانعتاق من فقه الطاعة السياسية التقليدي عبر محاولات جزئية للتجديد في النسق المفاهيمي الذي ينتمي إليه مفهوم الطاعة السياسية، ولكن مع ملاحظة بقاء بعض مركبات فقه الطاعة السياسية حاضرة بشكل واضح وفاعلة في النقاش الفكري حول حدود الطاعة السياسية، والسقف السياسي أم العقدي لمفهوم الخروج، والقيود السياسية على الطاعة، وتوصيف الحاكم الدستوري وصلاحياته وعلاقة ذلك بمفهوم أولي الأمر.
وقد خلصت الدراسة بناء على ملاحظة منحنيات التطور في مفهوم الطاعة السياسية وطبيعة إشكالياته، وتعيين مساحات تلك الإشكاليات ووجودها الفعلي في خارطة الفكر السياسي الإسلامي إلى اقتراح نموذج تشغيلي لمفهوم الطاعة السياسية، يراعي العلاقة التكاملية بين هذا المفهوم وبين غيره من المفاهيم المشكلة لمنظومة القيم الإسلامية، كما يراعي أيضا الحاجات التنموية والضرورات الحضارية للأمة، وفكرة النموذج التشغيلي وإن لم تكن كافية لتقويم المفهوم في الممارسة العملية فإنها تطرح أمام الفكر الإسلامي مجموعة من الأفكار التي يمكن أن تساعد في تقويم المفهوم من الناحية النظرية عبر كسر “الحتمية التراثية” المتمثلة بفقه الطاعة السياسية التقليدي.
ثانيا: توصيات الدراسة
من الصعوبة بمكان القول إن الفكر الإسلامي لم يلتفت إلى خطورة مسألة الطاعة السياسية وما أفرزته من إشكاليات، لكن السقف النظري كما هو الواقع العملي وتداخل أولويات الفكر لم يسمح ببلوغ البحث في هذه المسألة إلى نتيجة تؤسس لخطاب جديد، وبسهولة كبيرة يمكن أن نلحظ حالة من الارتداد لتبني القديم كلما زاد واقع الاستبداد والاستعمار تغولا، وعادة ما يحدث ذلك لأسباب متنوعة منها فقدان الثقة بتغيير الواقع، أو تأجيل البحث في هذه المسألة تحت وطأة الشعور بوجود تحديات حضارية أكثر خطورة وهي مسألة ناقشناها في هذه الدراسة، وأوضحنا أن التحدي الحضاري يفرض مواجهة إشكالية الطاعة السياسية وليس تأجيلها.
إننا ندرك أن البحث المباشر لمسألة الطاعة السياسية ليس هو معيار الاهتمام بهذا الموضوع، كما أن تدني الإنتاج المعرفي بهذا الخصوص لا يعد مؤشرا على إغفال مسألة على قدر كبير من الأهمية كتلك، إن التجديد في فكر الطاعة السياسية قد يمر عبر التجديد في الأوعية الفكرية التي يمر من خلالها المفهوم أو المنظومة المفاهيمة التي ينتمي إليها، لكننا مع ذلك نشير إلى ضعف الشعور العام بمشكلة الطاعة السياسية في الفكر الإسلامي المعاصر، وعدم الانتباه إلى خطورة تمدد فقه السياسة الشرعية بمركباته التاريخية وملابساته الفقهية وأهمها الطاعة السياسية بصورتها التقليدية في خارطة الفكر السياسي الإسلامي المعاصر، كما نشير إلى إغفال تقاطعات مشكلة الطاعة السياسية مع مشكلة الاستبداد، وغياب الشورى، وتغييب الأمة عن الفعل الحضاري، ناهيك عن عدم الكشف عن النسبية التاريخية لمفهوم “ولي الأمر”.
لهذا الغرض نقترح توجيه المزيد من الجهود البحثية إلى مضمار البحث التراثي التأصيلي، والاعتناء بالبحث التطوري للمفاهيم السياسية بغرض استعادة الهوية الشرعية لتك المفاهيم كما تحددها النصوص التأسيسية لا كما ترسمها الممارسة التاريخية، ومن بين تلك المفاهيم مفهوم الشورى، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما نرى أهمية دراسة بعض المفاهيم التاريخية التي اتجهت في مسار عكسي أي تحولت من مفاهيم تاريخية إلى مفاهيم شرعية كمفهوم “حراسة الدين”، وهي مسألة تلتقي فيها “أسلمة الفكر” مع “الخطاب الوسطي” التجديدي، ونرى أن شرط تحقق مثل ذلك الالتقاء يكمن في اتجاه خطاب الأسلمة نحو تحييد وعزل الأثر التاريخي التراكمي على المفاهيم الإسلامية والعودة بها إلى أصولها، مع مواصلة السعي في مواجهة ظاهرة الاستلاب القيمي تجاه مفاهيم الغرب ومنظومته القيمية، كما يتطلب إنجاز الخطاب الوسطي مهمته التاريخية في إنهاض الأمة، التنحي عن أية ممارسة تبجيلية لمفردات فقه السياسة الشرعية والاعتراف بتاريخيته.
لكل ذلك نرى الحاجة ملحة لإعادة تنظيم العلاقة بين المدركات الثلاثة (الشريعة/الأمة/السلطة) كسبيل لنفي الإشكالية الثنائية الخادعة حول العلاقة السلبية بين الدين والدولة، والتي قادت الفكر السياسي الإسلامي في معاركه ضد العلمانية إلى الدفاع عن مركبات تاريخية بما فيها “سلطة ولي الأمر”، فنؤكد على أهمية تنظيم تلك العلاقة بما يحول دون نسج السلطة علاقة مباشرة مع الشريعة تتجاوز الأمة التي تمثل “الوسيط الحيوي” في العلاقة بين الشريعة والسلطة، والتي بدون استيعاب حقائقها وحقوقها لا يمكن إيجاد علاقة مستقيمة بين السلطة والشريعة.
يتطلب الأمر أيضا التنبيه إلى أهمية دراسة الأحاديث النبوية الصحيحة من حيث المتن، وإعادة تنظيمها موضوعيا في أبواب غير تلك التي وجدت عليها تاريخيا، بحيث تمثل كل مجموعة من الأحاديث وحدة موضوعية، تنهي حالة “الاستبداد الفكري” بالأحاديث النبوية عبر الاستشهاد بها في إثبات الشيء وضده، وبحيث يكون لكل حديث مقصود أصلي يستخدم في التدليل عليه، وإن تعددت أغراض الحديث بعد ذلك، وهذا يستدعي ربط الأحاديث النبوية المسببة بأسباب ورودها، وكذلك مناقشة ما يمكن أن يكون زيادات تاريخية في بعض الأحاديث النبوية كما هو الحال في حديث عبادة (ر) “إلا أن تروا كفرا بواحا” وحديث حذيفة (ر) “اسمع واطع وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك”، وهي مسألة أعرض الباحث عنها لعدم أهليته من الناحية العلمية في جلاء مثل تلك المسائل الدقيقة، خاصة في ضوء تكريس علماء الحديث قاعدة “قبول الزيادة من ثقة”.
كما لا حظنا مسألة أخرى عند الرجوع المتكرر لكتاب ابن القيم “أعلام الموقعين عن رب العالمين” وهو أنه اعتبر معظم الأحاديث التي وردت في باب الطاعة من قبيل الفتوى، ولم نتبين منه أو من غيره ما دلالة ذلك على وجوب العمل بتلك الأحاديث، وهل ينطبق عليها ما ينطبق على الفتوى من شروط المحدودية المكانية والزمانية.
من جهة أخرى تبدو الحاجة ملحة لدراسة الآيتين (59) و(83) من سورة النساء دراسة فقهية أصولية، تحدد دلالة الأمر بالطاعة في الآية الأولى، والموقف – بخصوص هذه الآية تحديدا- من الجدل الأصولي حول ما إذا كان الأمر للوجوب أم الندب أم غيره، وتلك مسألة اكتفينا بالإشارة لها في هذه الدراسة لعدم وجود مادة مباشرة تخدم هذا المبحث أي انعكاس الجدل الأصولي حول دلالة الأمر على الآية المذكورة.
كما نوصي في هذه الدراسة بتطوير البحث المقاصدي وإسقاطه على المجال السياسي، في سبيل تقديم دراسة مقاصدية تجديدية بالمعنى الحقيقي في موضوع الطاعة السياسية.
تلك مسائل أعرضنا عنها – وعن غيرها – امتثالا لقوله تعالى ” وإذا قلتم فاعدلوا”، ولرسوخ اعتقادنا بأن ما توصلنا إليه في هذه الدراسة ليس هو الكلمة الأخيرة قطعا.

مشكلات الأمة الإسلامية بين السياسة والإجتماع

كاتب الموضوع الأصلي: منصور العتيبي 3332

لاشك أن المأزق التاريخي الذي تعاني منه الأمة الإسلامية ومؤشراته من انحطاط في سلم الحضارة وتخلف عن ركبها، وليد عوامل عديدة يجدر بالمهتمين بشؤون هذه الأمة أن يتعرفوا عليها وأن يتدارسوها ليتداركوها.

وعلى رأس هذه العوامل ذلك العَطَنَ والعَطَبَ الذي أصاب الحياة السياسية في بلادنا منذ أن فُرضت قوانين الطوارئ لتحمى الفساد وتمهد للطغيان. وفساد الحياة السياسية عامل كافٍ لأن يسلب أمة حيويتها ورغبتها في التقدم وأن يلقي بظلال الركود على عقول ابنائها فيقتل الخيال العلمي ويمحق النظر التجريبي ويجعل ابناء الأمة يخلدون إلى التافه من الأمور إذ يمنعهم يأسهم من التقدم أن يطلبوا المعالي. ثم يتغلغل أثر الدكتاتورية المصحوبة بالفساد إلى كافة مناحي الحياة الإجتماعية في الأمة، فترى أبناؤها يتناحرون ويتصايحون، وكأن تحقيق المراد موكول بنبرة الصوت الأعلى، لا منطق ولا إقناع، بل مهاترة وتشدق، ثم تراهم فقدوا إهتمامهم بالزمن والوقت، فلا إحترام لموعد ولا حفاظ على عهد، ولا دقة في التنفيذ أو مهارة في الأداء، تجرأ الكثير منهم على السرقة والرشوة والتعدى، وبدت الكراهية في تصرفاتهم تجاه أحدهم الآخر، أسوة بما يرونه من كراهية حكامهم لهم وتعدّيهم عليهم وسطوتهم على أرزاقهم واستهتارهم بمستقبلهم.

الخراب السياسي لا ينشأ عنه إلا أمة لا أمل لها في المستقبل، إذ إن المستقبل لا يملكه إلا من له حقّ التطلع الحرّ والترقب الطليق، والطير المأسور لا يغنى إلا نواحاً! والحرية السياسية، أو حرية الكلمة – إن شئت – هي الهواء الذي يتنفسه الأحرار، وهي النور الذي يضيئ طريقهم وهي الدافع الذي يحركهم للأمام في طريق الرقي.

ولا يتوقف أثر الخراب السياسي على ما تقدم، بل إنه يتعدى الحياة الإجتماعية إلى الحياة الإقتصادية، ولا ندري أالخراب الإقتصادي وليد الإنحطاط الإجتماعي أم هو مسؤول عنه؟ ولكن المؤكد أن كليهما نتيجة مباشرة للخراب السياسي وفساد النظام. والحياة الإقتصادية، والنظام الإقتصادي العالمي أصبح لا يقبل تلك الأمم التي تتكاسل وتتقاعد، وينصرف أبناؤها عن الإنتاج المميّز إلى إنتاج من الدرجة الرابعة، فالمنافسة العالمية شديدة لا يفوز فيها إلا الأفضل. وكما رأينا، فإن انعدام الدافع للتقدم يجعل ابناء الأمة ينحصر إهتمامهم في تحقيق الكسب السريع بغير جهد ولا مشقة، فهم يرون حكامهم يكسبون الملايين أو البلايين دون جهد أو تعب، وصدق الشاعر:

إذا كان ربُّ البيتِ بالدفِّ ضارباً فشيمةُ أهلِ البيتِ كلُهُمُ الرقصُ

ولكن فضلَ الله عظيم، فإن الأمة، على الرغم من الطفيليات السياسية التي عشّشت على مسرحها السياسي زمناً متطاولاً، وما أفرزته تلك الطفيليات من جراثيم إجتماعية وإقتصادية، لا تزالُ تحمِل بين جُنُبَاتها إيمانٌ لا يخبـو، إن قُدِّر أن ترفع عنه القيود لرَفَعَ هذه الأمة إلى مكانتها التي تليق بها بين الناس، وإنه لواقع إن شاء الله.

سياسة الإسلام في محاربة الفقر

كاتب الموضوع الأصلي: منصور العتيبي 3332

جاء الدين الإسلام ومن أهدافه : معالجة المعضلات الإنسانية على أسس وخصائص ثابتة تميزه. ومنها : (الربانية, الشمولية, الواقعية) ونعرض هنا لسياسة الإسلام في معالجة واحدة من هذه المشكلات وهي (مشكلات الفقر) .

استخدم الإسلام أساليب متعددة لمحاربة الفقر يمكن إجمال بعضها تحت مجالين :

أولاً : مجال الفكر والتصور.

ثانياً : مجال السلوك والتصرف.

أولاً : مجال الكقر والتصور : يقول العلماء : ” التصرف ناتج عن التصور ” وقد أراد الله – سبحانه وتعالى – أن يميز المسلم بالتصور الناضج لقضية الفقر (الحرمان والحاجة) وأن ينطلق من نظرة صحيحة نحوها تمهد للمواقف المتخذة في معالجته ومحاربته.

لذا نجد أن الإسلام – من خلال نصوص القرآن والسنة – له تصوره المتميز لهذه القضية, حيث :

1- يعتبر أن الفقر مصيبة وآفة خطيرة توجب التعوذ منها ومحاربتها, وأنه سبب لمصائب أخرى أشد وأنكى .

2- ينكر النظرة التقديسية وكذلك الجبرية للفقر والحرمان, فكيف تُقدَّس الآفات ذات الأثر السيئ على دين الأمة ودنياها؟ وكيف ينظر إلى الفقر على أنه قدر الله المختوم, ولا يُعدُّ الغنى كذلك قدرٌ يدفع به الفقر لتصلح الأوضاع وتعتمر الأرض ويتكافل الناس؟

3- حث الإسلام على الدعاء بطلب الغنى : ورد في صحيح مسلم من دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم : “اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى” رواه مسلم, ح/4898 , ومن أدعية الصباح والمساء : ” اللهم إني أسألك علماً نافعاً ورزقاً طيباً وعملاً صالحاً متقبَّلاً” رواه البخاري, ح/5859.

4- جعل من دلائل حب الآخرين وابتغاء الخير لهم الدعوة لهم بوفرة المال : أورد البخاري في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا لصاحبه وخادمه : ” اللهم أكثر ماله” (رواه ابن ماجة, ح/915.), وكذا دعا لعبد الرحمن بن عوف وعروة بن جعد بالبركة في تجارتهما كما في صحيح البخاري.

5- اعتبر الغنى بعد الفقر نعمة يمتن الله على عباده بها : قال – تعالى – : (وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى) الضحى : 8 . وقال – تعالى – : (الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ) قريش : 4.

6- أكد أن المال ركن هام لإقامة الدين والدنيا : يقول الله – تعالى – (وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا) النساء : 5 . وفي الحديث القدسي يقول – تعالى – : ” إنا أنزلنا المال لإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة” صحيح الجامع من حديث أبي واقد الليثي. وفي الصحيح يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” ما نفعني مال قط ما نفعني مال أبي بكر” (أخرجه أحمد وابن ماجة عن أبي هريرة – رضي الله عنه. وقد قدّم الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس في معظم المواضع القرآنية.

7- جعل الرزق الوفير ثمرة يُرغِّب إليها إتيان الصالحات : قال – تعالى – : (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ) الأعراف : 96. وفي الحديث يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” من أحب أن يُبسط له رزقه وينسأ له أثره فليصل رحمه” رواه البخاري, ح/1925.

8- جعل الحرمان والحاجة نتيجة يُرهبُ بها من اجترح السيئات : يقول – تعالى – : (…فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) النحل : 112 , ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الحسن : ” أن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه” رواه ابن ماجة, ح/4012.

9- جعل الغني المنفق أحد اثنين تمدح غبطتهم, حيث يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : “لا حسد إلا في اثنين , رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق…” رواه البخاري, ح/71.

10- رغَّب في الإنفاق والصدقة وهي لا تتحقق غالباً إلا في ظل الغني.

11- ميز بين الغني المنفق والفقير الآخذ : في الحديث المتفق عليه من حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : “اليد العليا خيرٌ من اليد السفلى, واليد العليا هي المنفقة, واليد السفلى هي السائلة” (رواه البخاري, ح/4012.

12- اعتبر المال خيراً فُطِرَ الإنسان على حبه : قال – تعالى – : (وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ) العاديات : 8 , وقال – تعالى – : (وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا) الفجر: 20

ثانياً : في مجال السلوك والتصرف :

لم يكتف الإسلام بصياغة النظرة المتفردة لأتباعه تجاه الفقر, بل حدد مجالات السلوك والتصرفات التي يستوجبها ذلك التصور, وقدّم حلولاً عملية واقعية يأخذ بها الناس ليدرؤوا عن أنفسهم شبح الفقر والحرمان وما ينجم عنه, ومن ذلك :

1- العمل والسعي :

يعتبر الخبراء أن العمل أساس الاقتصاد الإسلامي, فهو المصدر الرئيس للكسب الحلال. والعمل مجهود شرعي يقوم به الإنسان لتحقيق عمارة الأرض التي استخلف فيها والاستفادة مما سخره الله فيها لينفع نفسه وبني جنسه في تحقيق حاجاته وإشباعها.

وقد حث الإسلام على السعي والعمل من خلال :

أ. الامتنان بنعمة تسخير الأرض وما فيها, وطلب الاستفادة منها عبادةً لله : قال تعالى : (وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ) الأعراف : 10, وقال تعالى : (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ) الملك : 15.

ب. جعله دليلاً على صدق التوكل على الله والثقة به: في صحيح الجامع الصغير من حديث عمر رضي الله عنه يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” لو أنكم تَوَكَّلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصاً وتروح بطاناً ” رواه الترمذي, ح/2266.

والشاهد من الحديث : ” تغدو, تروح ” سعياً وحركة, وليكن شعار المسلم : ” ابذر الحَبَّ … وارجُ الثمار من الرب “.

ج. الحث على أنواع المهن والحرف ومن ذلك :

التجارة : وقد اشتغل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتجارة, وتاجر مع عمه ثم مع أم المؤمنين خديجة بنت خويلد – رضي الله عنها – واشتغل صحابته الكرام بذلك ومنهم : أبو بكر, وعثمان, وعبد الرحمن بن عوف, وطلحة بن عبيد الله – رضي الله عنهم – وغيرهم, وقد تواصى السلف فيما بينهم ومع تلامذتهم أن : “الزموا السوق” وفي كتب الفقه تُخَصَّص كتب للبيوع وما يتعلق بها وغيرها من الكتب حول التجارة ومعاملاتها.

الزراعة : ففي صحيح البخاري ومسلم من حديث أنس – رضي الله عنه – يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” ما من مسلم يغرس غرساً أو يزرع زرعاً فيأكل منه طير أو إنسان إلا كان له به صدقة” رواه البخاري, ح/2152.

وعند الترمذي وغيره من حديث جابر وسعيد بن زيد يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” من أحيا أرضاً ميْتة فهي له” رواه الترمذي, ح/1299.

الصناعات والحرف : ففي البخاري يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” ما أكل أحدٌ طعاماً قَطُّ خيراً من أن يأكل من عمل يده” رواه البخاري, ح/1930. وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” أي الكسب أفضل؟ ” قال : ” عمل الرجل بيده وكل بيع مبرور” رواه أحمد, ح/16628. وقي صحيح البخاري ومسلم يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم :” لأَنْ يحطب أحدكم على ظهره خير من أن يسأل أحداً فيعطيه أو يمنعه” رواه البخاري, ح/1932.

د. اعتبار العمل والكسب من الصدقات ووسيلة إليها : في الحديث المتفق عليه من حديث أبي موسى الأشعري – رضي الله عنه – يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” على كل مسلم صدقة ” قالوا : فإن لم يجد؟ قال: “فيعمل بيده فينفع نفسه ويتصدق” رواه البخاري, ح/5563.

هـ. تربية صفوة البشر من الأنبياء على العمل لاتخاذهم قدوة : فقد عمل الأنبياء في أعمال وحرف عدة ومنها رعي الأغنام, وصناعة الحديد, والتجارة, وغيرها, ومما ورد في ذلك من الأدلة :

قول الرجل الصالح لموسى – عليه السلام – وهو من أولي العزم من الرسل : (قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَةَ حِجَجٍ) القصص : 27.

وفي البخاري من حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – قال رسو الله صلى الله عليه وسلم : ” ما بعث الله نبياً إلا رعى الغنم, وأنا كنت أرعاها لأهل مكة بالقراريط” رواه البخاري, ح/2102.

وفي البخاري أيضاً من حديث المقدام – رضي الله عنه – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ” وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده” رواه البخاري, ح/1930. وهكذا فعل ورثة الأنبياء من العلماء الربانيين فاشتهرت أسماء أمثال : البزَّاز, الجصَّاص, الخوَّاص, القطَّان, الزجَّاج.

و. عدم الاعتراف بالملكية التي لا يكون مصدرها العمل والطرق المشروعة : فحرّم الإسلام أعمال الغصب والسلب والسرقة والنصب والمقامرة والربا وما ينشأ عنها من مكاسب مالية, واتخذ إزاء ذلك العقوبات الرادعة, وفي ذلك إلزام لأفراد المجتمع في البحث عن الكسب المشروع, وأغلب ذلك لا يتأتى إلا عن طريق العمل.

ز. الترهيب من التسوّل والاحتيال على الآخرين : ففي القرآن الكريم الحث على الاهتمام بالذين لا يتسوّلون وتحسس أحوالهم ورعايتهم : قال – تعالى – (لِلفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمْ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنْ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا) البقرة : 273.

وروى الشيخان من حديث ابن عمر – رضي الله عنه- يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : “ما يزال الرجل يسأل الناس, حتى يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مُزعة لحم” رواه مسلم, ح/1724. وفي مسلم من حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “من سأل الناس أموالهم تَكثُّراً فإنما يسأل جمراً, فليستقلَّ, أو ليستكثر” رواه مسلم, ح/1726.

ح. النهي عن التصدق على غير المحتاج : أخرج الإمام أحمد وغيره في صحيح الجامع الصغير من حديث ابن عمر وأبي هريرة – رضي الله عنهما – قول رسول الله صلى الله عليه وسلم :” لا تحل الصدقة لغني, ولا لذي مِرَّةٍ سوي” رواه الترمذي, ح/589. ذو المرة السوي : القوي سليم الأعضاء .

وفي الحديث الذي أخرجه أصحاب السنن الأربعة وحسنه الترمذي يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” إن المسألة لا تصلح إلا لثلاثة : لذي فقر مدقع, أو لذي غرم مفظع, أو لذي دم موجع”. رواه الترمذي, ح/590. مدقع: شديد, مفظع: ثقيل, دم موجع: دية باهظة.

مسؤولية ولي الأمر (الدولة) :

تتجلى هذه المسؤولية فيما تهيئة من سبل العمل للعاطلين وتزودهم بأدواته وإعدادهم مهنياً لذلك والاطمئنان على يسرهم : روى أصحاب السنن من حديث أنس بن مالك – رضي الله عنه : أن رجلاً من الأنصار أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : “أما في بيتك شيء؟ ” قال : بلى : حِِلْسُ نلبس بعضه ونبسط بعضه, وقعب نشرب فيه الماء, قال : “ائتني بهما” فأتاه بهما فأخذهما رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : ” من يشتري هذين ؟ قال رجل :أنا آخذهما بدرهم, قال : من يزيد على درهم؟ مرتين أو ثلاثاً. قال رجل : أنا آخذهما بدرهمين, فأعطاهما إياه, وأخذ الدرهمين, وأعطاهما الأنصاري, وقال : اشترِ بأحدهما طعاماً وانبذه إلى أهلك, واشترِ بالآخر قدوماً فائتني به .. فشد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم عوداً بيده ثم قال له : ” اذهب فاحتطب وبِعْ.. ولا أرينَّك خمسة عشر يوماً. فذهب الرجل يحتطب ويبيع, فجاءه وقد أصاب عشرة دراهم, فاشترى ببعضها ثوباً,وببعضها طعاماً .. على آخر الحديث ” رواه أبو داود, ح/1398.

وقد أشار الفقيه الكبير أبو يوسف – رحمه الله – إلى جواز إقراض المحتاج من بيت المال كما نقل عنه الفقيه ابن عابدين : “يدفع للعاجز – أي العاجز عن زراعة أرضه الخراجيه لفقره – كفايته من بيت المال قرضاً ليعمل ويستغل أرضه ” أصول الدعوة, د.عبد الكريم زيدان.

مسؤولية أصحاب العمل وولاة الأمر (الدولة) عن حفظ حقوق الأجراء والعمال :

وقد حكى الله تعالى عن الرجل الصالح أنه قال لموسى عليه السلام : (…وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ) القصص : 27, وفي الحديث المتفق عليه من حديث أبي ذر – رضي الله عنه – يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” إِخوانكم خَوَلُكم, جعلهم الله قنيةً تحت أيديكم, فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه من طعامه, وليلبسه من لباسه, ولا يكلفه ما يغلبه, فإن كلّفه ما يغلبه فليعنه” رواه البخاري, ح/29.

وفي الحديث الحسن من حديث أربعة من الصحابة : (ابن عمر – أبي هريرة – جابر – أنس) رضي الله عنهم يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه ” رواه ابن ماجة, ح/2434.

أخرج أبو داود والحكم كما في صحيح الجامع الصغير من حديث المستورد بن شداد – رضي الله عنه – قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” من كان لنا عاملاً فلم يكن له زوجة فليكتسب زوجة, فإن لم يكن خادم فليكتسب خادماً, فإن لم يكن له مسكن فليكتسب مسكناً, من اتخذ غير ذلك فهو غالٌ أو سارق ” رواه أبو داود, ح/2556.

بل لقد توعّد الله تعالى في الحديث القدسي الذي أخرجه البخاري وابن ماجه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه توعّد ذلك الذي يبخس العمال أو الأجير حقه, فقال : ” ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة ومن كنت خصمه خصمته .. ورجل استأجر أجيراً فاستوفي منه ولم يعطه أجره ” رواه البخاري, ح/2075.

2. الجهاد :

من الوسائل التي شرعها الإسلام لمحاربة الفقر والحاجة وسيلة الجهاد لنشر نور الهدى الإسلامي, وفتح مصاريع البلاد أمامه, وتحطيم عروش الطغاة الذين يحولون بينه وبين عباد الله, واغتنام الأموال المستخدمة في عصيان الله ومبارزته بالحرب واستعباد عبيده من أجل استغلالها في تعمير الأرض وعبادته.

لذا فقد رغب الإسلام في الجهاد من خلال الوعد الأخروي وكذا الفتح الدنيوي والغنائم. قال تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ…) الصف : 10-13. وقال تعالى : (وَعَدَكُمْ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ …) الفتح : 20.

وفي صحيح الجامع الصغير من حديث ابن عمر – رضي الله عنهما – بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : (بُعِثْتُ بين يدي الساعة بالسيف حتى يُعْبَدَ الله وحده لا شريك له, وجُعِلَ رزقي تحت ظل رمحي ” رواه أحمد, ح/4868.

لقد كان الجهاد في الفتوحات إبان الخلافة الإسلامية الراشدة أكبر مصدر لواردات بيت مال المسلمين مما أمكن من توزيع العطاءات على كل مسلم.

3- كفالة المجتمع :

لا يخلو مجتمع من العاجزين عن العمل والجهاد والكسب من كدّ اليد والاعتماد على النفس من أمثال الأرامل واليتامى والشيوخ وأصحاب العاهات المعوّقة, وكذلك الذين لا يكفيهم دخلهم من العمل أو القادرين الذين لم يتيسر حصولهم على عمل, وهؤلاء جميعاً لم يتركهم الإسلام هملاً وعرضة لآفة الفقر والحرمان تسحقهم وتلجئهم مكرهين إلى ذل السؤال والتكفف, بل عمل كفالتهم من قِبَلِ المجتمع المسلم الذي ينتمون إليه ويُحسَبون عليه.

ويمكن تقسيم كفالة المجتمع المسلم للفقراء المحتاجين إلى قسمين :

* كفالة الأرحام والأقارب.

* كفالة الآخرين.

1. كفالة الأرحام والأقارب :

قرن الله – تعالى – حق القربى في الإحسان بحقه – سبحانه وتعالى – : (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى) النساء :36

وأمر الله – تعالى – بإعطائهم ما يحتاجون فقال : (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى) النحل : 90.

وجعل لهم حقاً فقال – تعالى – : (وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ) الإسراء : 26 . وقال سبحانه : (فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ) الروم : 38.

وفي الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة – رضي الله عنه – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ” من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه ” رواه البخاري, ح/5673.

بل جعل النبي صلى الله عليه وسلم صلة الأرحام ومواساتهم سبباً في سعة الرزق, ففي الحديث المتفق عليه عن أنس بن مالك – رضي الله عنه – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ” من أحب أن يُبسط له في رزقه, ويُنسأ له في أثره فليصل رحمه” رواه البخاري, ح/1925.

وعن عائشة – رضي الله عنها – قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” الرحم معلّقة بالعرش تقول : من وصلني وصله الله, ومن قطعني قطعه الله ” رواه مسلم, ح/4635.

ومن أهم مظاهر صلة الأرحام كفالتهم وإعانتهم مادياً وعدم الالتزام بذلك بعد قطيعة لهم , ولنقرأ ما يقوله ابن القيم كما نقل عنه د. يوسف القرضاوي : ” وأي قطيعة أعظم من أن يراه يتلظى جوعاً وعطشاً ويتأذى غاية التأذي بالحرّ والبرد, ولا يطعمه لقمة ولا يسقيه جرعة ولا يكسوه ما يستر عورته ويقيه الحر والبرد ويسكنه تحت سقف يظله ؟! انظر كتاب: مشكلة الفقر, للدكتور يوسف القرضاوي, ص 51, 52.

يتبين مما سبق أن الأقارب والأرحام ملزمون بكفالة قريبهم الفقير وإعانته من أموالهم حقاً وصلة.

2- كفالة الآخرين :

هذه الكفالة العامة من قِبَلِ أفراد المجتمع للفقراء والمحتاجين تتم عن طريق :

أ. زكاة المال :

وهي ركن من أركان الإسلام يمثل الحد الأدنى المحدد الثابت المفروض في أموال أغنياء المجتمع ليرد على فقرائهم وبقية الأصناف الثمانية التي ذكرتها الآية (60) من سورة التوبة التي بينت في آخرها أنها فرض واجب. قال – تعالى – : (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) التوبة :60. وقد جاء في الحديث المتفق عليه الذي رواه ابن عباس – رضي الله عنها – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أرسل معاذاً على اليمن وبعد أن أمره بدعوتهم إلى التوحيد ثم الصلاة قال له : ” فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم ” رواه البخاري, ح/1308.

تعد الزكاة من أهم الموارد التي تستحق بشروطها الأقارب والأرحام في قول الله – تعالى – (وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ) النساء : 36. لتؤكد حق الجار في الإحسان إليه.

كما ورد في الحديث المتفق عليه عن ابن عمر وعائشة – رضي الله عنهما – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : قال :” ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورّثه ” رواه البخاري, ح/5555.

الكفارات : العقوبات الدنيوية المكفّرة لبعض الذنوب مثل :

كفارة اليمن : قال – تعالى – : (…فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ…) المائدة : 89.

كفارة الجماع في نهار رمضان : وهو ما يبطل الصيام ويوجب القضاء والكفارة وقد بيّنها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي أخرجه الجماعة عن الرجال الذي وقع على امرأته في نهار رمضان, فقال له : ” هل تجد ما تعتق رقبة؟ هل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ فها تجد ما تطعم ستين مسكيناً؟ ” رواه البخاري, ح/6217.

كفارة الظهار : والظهار أن يقول الرجل لزوجته : أنت علي كظهر أمي, وقد بيّن القرآن وكذا السُّنَّة كفارة الظهار, ففي القرآن وردت الآيات (3 ,4) من سورة المجادلة, وفي السنة أخرج الترمذي وحسنه أبو داود (وهو حديث صحيح) من حديث مسلمة بن صخر البياضي ما يبين كفارة الظهار بما يتماثل كفارة الجماع في رمضان.

ففدية ارتكاب المعذور لمحظور من محظورات الإحرام :

قال – تعالى – : (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ) البقرة : 196.

وقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما تفصيل ذلك في حديث كعب بن عجرة – رضي الله عنه – قول النبي صلى الله عليه وسلم للرجل الذي آذى رأسه الهوام : ” احلق ثم اذبح شاة نسكاً, أو صم ثلاثة أيام, أو أطعم ثلاثة آصع من تمر على ستة مساكين” رواه أبو داود, ح/1582.

– ففدية الصيام : قال – تعالى -: (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ) البقرة : 184.

وقد بيّن ابن عباس المقصود منها كما في صحيح البخاري وكما روى عطاء أنه سمع ابن عباس يقرأ : (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ) قال ابن عباس : ليست بمنسوخة, هو الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فليطعما عن كل يوم مسكيناً.

ومن الفقهاء من يرى أن تفدي المرأة الحال والمرضع التي تفطر خوفاً على نفسيهما أو أولادهما.

– النذور : يقول تعالى (وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ) البقرة :270, وقد أخرج البخاري ومسلم من حديث ابن عمر – رضي الله عنه – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عن النذر : ” وإنما يستخرج به البخيل ” رواه البخاري, ح/6118.

د. الأطعمة والذبائح : ومن ذلك :

الهدي : التي تذبح ضمن مناسك الحج ويكون للفقراء منها نصيب قال – تعالى – : (فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ) الحج : 36.

الأضحية : التي تذبح في عيد الأضحى المبارك وفيها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن واقد ( في آخر الحديث ) : ” فكلوا وادخروا وتصدقوا ” رواه مسلم, ح/3643.

العقيقة : التي تذبح عن المولود في اليوم السابع, شاتان للغلام وشاة للجارية, ويكون للفقراء فيها نصيب, بل قد ورد في الحديث الحسن الذي أخرجته أحمد في مسنده والبيهقي في السنن الكبرى من حديث أبي رافع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لابنته فاطمة : ” احلقي شعره وتصدقي بوزنه من الورق على الأوقاص أو على المساكين ” رواه أحمد, ح/25941. تحقيق محمد الحلاق على متن الدرر البهية للشوكاني, ص266. الورقِ : الفضة – الأوقاص : أهل الصفة.

هـ. الصدقات الاختيارية :

يقصد بها نافلة الواجبات المالية التي تُترك لإيمان الإنسان ونفسيته الخيِّرة الكريمة بأن يعطي دون طلب , وينفق دون سؤال وإنما يؤمن بالخَلَف, ويبتغي مزيد الأجر والمثوبة.

قال – تعالى – : (وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا) المزمل/20 ، وقال – تعالى – : (وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) سبأ : 39

ويكفي أن نختار من أحاديث الحث على الصدقات ما رواه الشيخان عن أبي هريرة – رضي الله عنه – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ” من تصدّق بعدْل ثمرة من كسب طيب – ولا يقبل الله إلا طيب – فإن الله يقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فُلُوَّه أول ما يولد حتى يكون مثل الجبل ” رواه البخاري, ح/1321.

ومن الصدقات الاختيارية : الصدقة الجارية ( الوقف الخيري ) : وقد حث عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم وغيره من حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ” إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة أشياء : صدقة جارية …. ” رواه الترمذي, ح/1297.

واستجاب المسلمين لهذا الترغيب فأصبحت الصدقات الجارية من الكثرة والضخامة ما يجعلها مفخرة وميزة للنظام الإسلامي, إذا تتبع المسلمين مكامن الحاجات الاجتماعية الظاهرة والخفية فأرصدوا لها الأوقاف المختلفة التي شملت كافة احتياجات الإنسان والحيوان.

رابعا : كفالة ولي الأمر ( الدولة ) :

أوجب الإسلام رعاية الإمام (ولي الأمر) أو ما يطلق عليه في عصرنا (الدولة أو الحكومة) لجمهور الناس عامة وأصحاب الحاجة خاصة, وجعله مسؤولاً عن ذلك أمامهم ثم بين يدي الله تعالى ، قال جل جلاله – : (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) النساء : 58, كما رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه : ” كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته, فالإمام راع مسؤول عن رعيته … ” رواه البخاري, ح/844.

وقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم مسؤولية ولي الأمر تجاه الفقراء والمحتاجين وإعالتهم في الحديث الذي أخرجه الإمام مسلم من حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – فقال : ” أنا أوْلى بالمؤمنين في كتاب الله, فأيكم ماَّ ترك ديناً وضيعة (عيالاً) فادعوني فأنا وليه ” رواه مسلم, ح/3041.

أما الموارد التي يستعين بها ولي المر ( الدولة) في كفالة الفقراء وأصحاب الحاجات ورعايتهم فهي :

الزكاة : التي يجمعوها ولي الأمر ويأخذها من الأغنياء ليردها على الفقراء. قال تعالى : (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا) التوبة 103.

خُمس الغنائم : والغنائم : المال المأخوذ من الكفار بالقتال يؤخذ خمسه لبيت مال المسلمين, قال تعالى : (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ) الأنفال :41

الفيء : ما أخذه المسلمون من الكفار بغير قتال, فال تعالى (مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ) الحشر : 7

الخراج : ضريبة مالية على الأراضي المفتوحة عنوة وتركت بيد أهلها يزرعونها ويستغلونها.

الجزية : ما يؤخذ من الذمي بشروط محدودة مقابل الحماية والمنع.

العشور : ضريبة تجارية يخضع لها الذميون والمستأمَنون في أموالهم المعدة للتجارة التي تدخل وتنتقل في ديار الإسلام ويختلف مقدارها باختلاف التجارة والبلاد ومدة الإقامة والمعاملة بالمثل.

خمس الركاز : يقصد به ما وجد مدفوناً من كنوز الأرض في أرض موات أو طريق سابل وهو من ضرب الجاهلية, أما كان من ضرب الإسلام (علامات تدل على ذلك) فهو لقطة تجري عليها أحكامها.

غلة أراضي الدولة وعقاراتها.

الضوائع والودائع التي تعذر معرفة صاحبها.

التعزيرات المالية التي يحكم بها القضاء على مرتكبي المخالفات الشرعية.

ميراث من لا وارث له.

الضرائب : ويقصد بها ما تفرضه الدولة على الأغنياء في حالة عدم تحقيق الكفاية من الموارد السابقة الذكر, وقد ورد في الحديث الذي أخرجه الإمام الترمذي عن جماعة من الصاحبة : ” إن في المال حقاً سوى الزكاة ” رواه الترمذي, ح/595.

وهو ما يدل على إعطاء صلاحيات واسعة في جباية الأموال اللازمة من الموسرين في الحدود اللازمة للإصلاح ولتحقيق الكفاف لأصحاب الحاجات أو لمتطلبات البلاد الضرورية مثل الدفاع عن أهلها وردّ العدوان وفداء الأسرى وغيرها.

وقد نقل الدكتور عبد الكريم زيدان عن (المحلّى) ما قاله الفقهية المعروف ابن حزم : ” وفرض على الأغنياء من أهل كل بلد أن يقوموا بفقرائهم ويجبرهم السلطان على ذلك إن لم تقم الزكاة بهم, فيقام لهم مما يأكلون من القوت الذي لابد منه ، ومن اللباس للشتاء والصيف بمثل ذلك وبمسكن يكنهم من المطر والصيف والشمس وعيون المارة ” انظر كتاب : أصول الدعوة, للدكتور عبد الكريم زيدان, ص 246

وتقل كذلك في الصفحة نفسها عن القرطبي في تفسيره : ” واتفق العلماء على أنه إذا نزلت بالمسلمين حاجة بعد أداء الزكاة فإنه يجب صرف المال إليها. قال مالك – رحمه الله – : يجب على الناس فداء أسراهم وإن استغرق ذلك أموالهم وهذا إجماع أيضاً ” .

وأخيراً

فتلكم كانت النصوص التي تدل على أن الإسلام قد وضع الأدوية المتعددة لداء الفقر, وبيَّن الحلول المتنوعة لمعضلة الحاجة والحرمان, ولم يكن ذلك مجرد مبادئ نظرية يتم الحديث عنها بعيداً عن صلاحيتها للواقع, بل إن المسلمين قد طبقوها وأقاموها في مجتمعاتهم فحصل ما تكلم عنه التاريخ بفخر واعتزاز, حتى إن تأريخ الأمة الإسلامية ليشرُف بذلك العهد الزاهي الذي لحق عهد الخلفاء الراشدين ونقصد به عهد خلافة الإمام العادل عمر بن عبد العزيز, ولنقرأ معاً ما رواه ابن كثير في البداية والنهاية فيقول : ” كان منادي عمر ينادي كل يوم : أين الغارمون؟ أين الناكحون؟ أين المساكين؟ أين اليتامى؟ حتى أغنى كلاً من هؤلاء”

وفي تاريخ الخلفاء يذكر السيوطي : ” قال عمر بن أسيد : والله ما مات عمر حتى جعل الرجل يأتينا بالمال العظيم فيقول : اجعلوا هذا حيث ترون, فما يبرح حتى يرجع بماله كله, وقد أغنى عمر الناس”.

فهل لولاة أمر المسلمين أن يعودوا إلى دين ربهم وشرعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسوسوا شعوبهم ودولهم بها, فيجتنوا خير الدنيا ونعيم الآخرة, وينعموا بالعيش والحكم بعيداً عن نُفايات الغرب والشرق واستغلالهم؟ لعلهم يفعلون, والله نسأل أن يرد الجميع إلى دينه رداً جميلاً, ويبصرهم الحق والسداد.

مشكلات سياسية وقانونية تواجهها الدولة الحديثة

كاتب الموضوع الأصلي: منصور العتيبي 3332

شكلت ظاهرة الدولة بمفهومها السياسي والقانوني منذ قرون موضوع اهتمام الباحثين، لكن معظم الدراسات حاولت حصر الأسس السياسية لقوة الدولة ولم تحظ الأسس القانونية لهذه القوة بنفس المقدار.
وقد اختار الدكتور محمد بن عيد حمود العتيبي موضوع الأسس القانونية لقوة الدولة في دراسة نشرها مؤخراً تناول فيها ماهية هذه الأسس على ضوء مبادئ القوانين الوضعية بمذاهبها المختلفة من جهة، ثم على ضوء الشريعة الإسلامية من جهة أخرى.

يقول المؤلف في مقدمة الكتاب إنه حرص على تضمين بحثه أهم ما يقوي الدولة من الناحية الإدارية والقانونية والدستورية وحتى الأخلاقية نظراً لاستناد القانون الى الأخلاق.

وقد حدد لذلك الفرضيات التالية كأسس انطلاق للبحث وهي:

أ ـ الفرضية الأولى: أن التأمل في القوانين الوضعية قد بيّن مدى ارتباطها بالتطور التاريخي مما أعطاه صفة النسبية، الأمر الذي لم يسمح بتحقيق استقرار الدول وهو شرط أساسي لتحقيق قوتها.

ب ـ الفرضية الثانية: أن التناقض الذي ساد هذه القواعد أينما وجدت (التصور الغربي الرأسمالي، والتصور الشيوعي، وبينهما التصور الاشتراكي) قد جعل من هذه القوانين الوضعية مصدر نزاع وصراع (حتى داخل الدولة الواحدة)، وهو وضع يؤدي الى إضعاف قوة الدولة.

ج ـ الفرضية الثالثة: أن القوانين الوضعية جعلت بعض القيم الإنسانية والأخلاقية تتناقض في ما بينها وهذا حدث نتيجة تركيز المذهب الشيوعي وحتى الاشتراكي على قيمة المساواة على حساب الحريات والعكس في المذهب الراسمالي.

د ـ الفرضية الرابعة: أن الشريعة الإسلامية بإدارتها شؤون الدولة، وتحديد علاقة الحاكم بالمحكوم، وتركيزها على العدل كقيمة رئيسية، تجعل من العلاقة بين الحريات والمساواة علاقة توفيقية تساعد على انسجام المجتمع (الشعب السياسي والشعب الاجتماعي) وبالتالي تعمل على تعزيز قوة الدولة.

وللتأكد من هذه الفرضيات لجأ الباحث الى منهجين نظراً لطبيعة الدراسة وتشابك مواضيعها وهما المنهج التاريخي والنهج المقارن، حيث يهدف المنهج الأول الى تتبع تطور القوانين الوضعية عبر التاريخ وبذلك يساعد على تحديد الثابت والمتغير. أما المنهج الثاني فقد سمح للباحث بتحديد ما يميز مذهباً عن مذهب آخر في ما يخص القوانين الوضعية وآخر ما يميز الشريعة الإسلامية عن كليهما.

وتبرز الأهمية العلمية للبحث في طبيعة الموضوع ذاته والمتمثل في دراسة الدولة وقوتها في إطار القوانين الوضعية والشريعة الإسلامية، وهذا أثار جدلاً فكرياً واسعاً حول مساهمة هذه القوانين في حل المشكلات التي تواجهها الدولة الحديثة، كما أن اهمية هذا البحث تظهر أيضاً في الحاجة العلمية إليه نظراً لندرة الدراسات حوله.

وتبدو أهمية البحث العملية في أنه يعالج أسباب ضعف الدول النامية خاصة العربية والإسلامية منها والتي لم تستطع التوفيق بين الأصالة (التراث الديني) وبين العصرنة، أي التنظيم المؤسساتي، إذ يرى الباحث ان الدول التي تتميز بتراث ديني ومنها قسم كبير من الدول العربية والإسلامية فشلت في تحقيق مهامها، فلا هي دول دنيوية ناجحة ولا هي دول دينية موفقة.

وهو يتساءل عن أسباب هذا الوضع وارتباطها بطريقة تنظيم هذه الدول لشؤونها والعلاقات بين أفرادها حكاماً ومحكومين كما يعرض بشكل مفصل لأشكال الحكم في العالم، مقارناً بين النظام الديمقراطي والشورى حيث يرى أن النظام الديمقراطي شبه المباشر أقرب الأنظمة الى تحقيق الديمقراطية السليمة بالمفهوم الغربي وخاصة بعد ازدياد السكان في أغلب الدول، اذ يقلل من سيطرة الأحزاب على الناخبين، ويحول دون استبداد المجالس النيابية وتحقيق الانسجام بين البرلمان والشعب، ويعتبره أقرب أنظمة الحكم الى الشورى في الشريعة الإسلامية.

ويشرح المؤلف معنى الديمقراطية شبه المباشرة بأنها قيام الشعب بممارسة السلطة عن طريق وسيط، أي يقوم بانتخاب برلمان لينوب عنه في تعزيز القوانين وممارسة السلطة، ولكن لا يترك له جميع مقاليد الأمور في الدولة، بل يحتفظ الشعب لنفسه بحق المشاركة في بعض المسائل المهمة وخاصة التشريعية، ولهذا النوع من الديمقراطية مظاهر متعددة منها الاقتراع الشعبي حيث يتم اعداد مشروع القانون بمساهمة الشعب ليقدم للبرلمان للمناقشة وتشترط بعض الدساتير ان يوقع على هذا المشروع عدد كبير من أفراد الشعب، ويتم كذلك وبنفس الطريقة الاعتراض الشعبي على القوانين ، إضافة الى إجراء الاستفتاء الشعبي الذي نصت عليه العديد من الدساتير الحديثة، ومنح الناخبين حق إقالة ممثليهم في البرلمان وحتى حل البرلمان، بل حق عزل رئيس الجمهورية كما هو متبع في النمسا.

وبعد مقارنتة للأنظمة الديمقراطية المباشرة منها والنيابية والأنظمة الرئاسية وغيرها يخلص الى نتائج تبين الفروق بين هذه الأنظمة وسلبياتها وإيجابياتها، موضحاً بعد إيراد أمثلة واقعية وتاريخية على أن نظام الحكم في الإسلام يتضمن كافة الإيجابيات في القوانين والأنظمة الوضعية متجنباً السلبيات ، ولكن العبرة في التطبيق الدقيق والأمين لهذا النظام الذي يميزه الحرص على العدالة والمساواة والشورى والتوزيع العادل للثروات.

نظرة نقدية للمشروع السياسي الإسلامي

كاتب الموضوع الأصلي: منصور العتيبي 3332

تمثل مصر في المشروع السياسي الإسلامي الإقليم القاعدة‏,‏ إذا ما استعرنا هذا المفهوم من المفكر القومي الراحل نديم البيطار‏,‏ إبان صعود المد القومي والتحرري لمصر الناصرية‏;‏ فمصر هي المؤهله‏,‏ لقيادة المشروع السياسي الإسلامي‏
وتعميم النموذج الذي يمكن أن يفضي إليه حكم الإسلاميين في العالم العربي.
ويرتبط بمصير التجربة الإسلامية في الحكم في مصر مصير ومستقبل تجارب الحكم الإسلامية في العالم العربي سواء تلك التي سبقت مصر أو تلك التي قد تلحق بها, وذلك بحكم تاريخ مصر الحديث والذي تميز بقدرتها علي تصميم وتقديم النموذج الذي يتجاوز في تأثيره حدود مصر, بحكم ثقلها التاريخي والبشري والرمزي إن في علاقتها بالعالم العربي أو بالعالم الإسلامي أو بالعالم أجمع.
ويخطئ من يتصور من الإسلاميين أو من غيرهم, بأن السيطرة علي مقاليد الحكم هي نهاية المطاف, أو أنها تعني اجتياز المشروع الإسلامي السياسي للاختبارات اللازمة للسيطرة علي الحكم, ذلك أن وصول الإسلاميين إلي الحكم تم في لحظة تاريخية ومصادفة تاريخية, أعقبت ثورة الخامس والعشرين من يناير عام2011, والفراغ الذي أعقب انهيار النظام ورموزه, وافتقاد الثورة والثوار للتنظيم ولرؤية لليوم التالي لنجاح الثورة, وهكذا أتيح للإسلاميين الأكثر تنظيما والأوفر قدرة إيديولوجيا وماديا الصعود المفاجئ للحكم, وفق المسار الذي أيدوه ووقفوا بكل قوتهم وراءه رغم معارضة القوي الثورية.
علي النقيض من ذلك فإن السيطرة علي الحكم كشفت عن حجم التحديات والاختبارات التي تواجه المشروع الإسلامي السياسي في المدي المنظور والمتوسط; تلك التحديات والاختبارات التي تمثل الخلفية العميقة والمصدر الرئيسي لارتباك الحكم واهتزاز المؤسسات واستفحال التناقضات والانقسامات في مقدمة هذه التحديات يجيء الانتقال المفاجئ من المثال السياسي والفكري إلي الواقع المعقد بمشكلاته المتراكمة عبر العقود, وهو ما عني أيضا الانتقال من صفوف المعارضة إلي الحكم دون تدرج في ممارسة الوظائف القيادية في المستوي الوسيط او المحلي ودون معرفة بدهاليز الإدارة البيروقراطية في الدولة المصرية العريقة.
يعيب هذا الانتقال أمران الأول أنه تم دون رؤية شاملة, تتسع لتعقيدات الواقع المصري ومشكلاته المتراكمة اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا وثقافيا, بل وقفت هذه الرؤية لدي شعارات تستعصي علي الترجمة إلي قرارات وسياسات واقعية; شعارات تقف عند الطقوس والشعائر بأكثر مما تقف عند التشخيص الدقيق للمشكلات وبلورة الحلول الواقعية الممكنة; مثل شعار الإسلام هو الحل أو حتمية الحل الإسلامي أو تطبيق أحكام الشريعة وعديد من الشعارات الأخري التي تضع الإخوان والحركات الإسلامية في مواجهة المجتمع وبعض الشرائح النشطة والفاعلة وكذلك في مواجهة بعض مؤسسات الدولة المصرية.
والحال أن غياب الرؤية أو اقتصارها علي الشعارات, صادر إمكانية تطور هذه الرؤية أو تعزيز مرونتها علي ضوء الممارسة السياسية, وتحمل مسئوليات الحكم, حيث يصعب التنازل عن الشعار الذي يعتقد أصحابه أنهم وصلوا للحكم بسببه.
أما الأمر الثاني الذي عاب هذا الانتقال فيتمثل في أن الانتقال من المثال إلي الواقع والاصطدام بتعقيد المشكلات ومضاعفات ومسئوليات الحكم, لم يقترن به تحفيز خلق وصياغة رؤي وإسهامات واجتهادات تواكب هذا التعقيد وتتعامل معه وتحول دون تراكم هذه المضاعفات, بل علي العكس اقترن ذلك إما باعتبار هذه التعقيدات تتم بفعل فاعل, أو من قبل مؤامرة تحاك خيوطها داخليا وخارجيا, أو بتبني سياسات سبق للنظام السابق تبنيها وثبت عدم فاعلياتها.
وفي الحالين تراكمت المشكلات وتعمقت الانقسامات وارتفعت وتيرة الاحتجاجات الشعبية والمطلبية, وانفصل مسار الحكم والسلطة عن مسار الثورة ومطالبها, وأصبح التعويل علي عنصر الزمن ضروريا في غياب آفاق الحلول, وفي انتظار إنهاك المعارضين والمحتجين في نهاية المطاف وقبولهم وتسليمهم بالأمر الواقع الجديد.
أما التحدي الثاني فيتعلق بضرورة التكامل بين الإسلام والعصر, أي أن يقدم الإسلام والإسلاميون الذين يتخذونه مرجعية إسهامه الكوني للحضارة الحديثة بالقدر الذي يستفيد به المسلمون من الحضارة العالمية المعاصرة; ذلك أن المعادلة التي حكمت العلاقة بين الإسلام والعصر الحديث, هي بوضوح علاقة المستقبل والمرسل, الأول بصفته متلقيا غير فاعل والثاني باعتباره الفاعل والمؤثر والمنتج إن للقيم أوان للسلع المادية, وهو الأمر الذي يفترض أن تكون بداية حكم الإسلاميين نقلة نوعية في طبيعة هذه العلاقة وآلياتها وإعادة هيكلة هذه العلاقة, بحيث يكون العالم الإسلامي مساهما في تعميق الجانب الروحي والمعنوي في الحضارة وإغناء الحداثة والعصرنة عبر إيجاد تكامل بين الجوانب الاخلاقية والجوانب المادية تماما بذات القدر الذي تزودنا به الحضارة الحديثة من مقومات لتعزيز وترقية الوجود المادي والمعيشي.
وهذا الامر بالتأكيد يقتضي النظر إلي الإسلام ليس فحسب كعقيدة, ولكن أيضا بنظرة تاريخية, تمكننا من فهم الإسلام التاريخي والحضاري, وكيف كان معلما لأوروبا في الفلسفة والمنهج العلمي والتراث اليوناني, واقتباس الديناميات الفكرية والعقلية التي مكنت الإسلام والعلماء المسلمين من شغل هذه المكانة الريادية وثالث هذه التحديات يكمن في الفصل بين مسار الثورة ومطالبها ومسار السلطة ومتطلباتها, وهذا الفصل تعسفي إلي حد كبير وهو ما يفسر قول الكثيرين من النشطاء والثوار حول اختطاف الثورة من قبل الإسلاميين, وهذان المساران مرتبطان ارتباط السبب بالنتيجة, فوصول الإسلاميين إلي الحكم لم يكن ممكنا إلا في سياق التداعيات والمناخ الذي خلقته الثورة, والسلطة والثورة في مصر ما بعد الثورة لا ينفصلان بل يمثلان وجهين لعملة واحدة فالسلطة ينبغي أن تكون معبرة عن الثورة ومطالبها.
في حين أن واقع الحال وطوال الشهور التي أعقبت انتخاب الرئيس بقيت مطالب الثورة عالقة علي الأبواب, وعندما تذكر فلمجرد إبقاء الأمور علي ما هي عليه وتأمين السير في المسار الذي تحدد بمعزل عن الثوار وممثليهم السياسيين, وبمعزل عن المطالب الشعبية, لقد اختزل هذا المسار الثورة في صندوق الانتخاب واعتبر هذا الصندوق أنه كل الثورة وليس جزءا منها وأصبح القائلون بغير ذلك جزءا من الثورة المضادة. وما لم يتمكن الإسلام السياسي من صياغة أجوبة واضحة ومتوازنة لهذه التحديات فإنه من الصعب القول بنجاح المشروع.
إن غياب النقد والتقييم والمراجعة واحتجاب فضيلة الاعتراف بالأخطاء تمثل المرجعية المثالية للاستمرار في الارتباك وتآكل المصداقية, والوصفه النموذجبة للفشل وإعادة إنتاجه.

الإسـلام السـياسي‏..‏ والدولـة الوطـنية

كاتب الموضوع الأصلي: منصور العتيبي 3332

قد لا نستطيع أن نفهم تلك الخصومة الصريح منها والمضمر التي تحملها قوي الإسلام السياسي إزاء مؤسسات الدولة الوطنية والحديثة وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين وحزب الحرية والعدالة والرئيس الذي ينتمي إليها وإليه أي الجماعة والحزب‏
إذا ما اقتصرت النظرة علي الوضع الراهن والظروف الراهنة, وإذا ما اعتبرنا أن هذا العداء وتلك الخصومة التي تظهرها قوي الإسلام السياسي لمؤسسات الدولة هي لحظة استثنائية أو طارئة أو مفاجئة.
كانت إشكالية النهضة في فكر الجيل الأول من روادها مع بداية القرن التاسع عشر متمثلة في فكر رفاعة رافع الطهطاوي في مصر وخير الدين التونسي في تونس وجمال الدين الأفغاني والإمام محمد عبده وغيرهم من رموز هذا الجيل, هي التوفيق بين الإسلام والحضارة الغربية الحديثة, وأن الفجوة بين الغرب والعالم الإسلامي ليست فجوة جينية أو طبيعية, وإنما هي فجوة معرفية وتنظيمية وثقافية وعلمية, يمكن تجاوزها; إذا ما صدقت النية وتوفرت الإرادة, وكانوا يرون أن الإسلام يمتلك قدرة وإمكانيه علي التجدد والتجديد عندما تتوفر البيئة المناسبة للاجتهاد والتأويل.
تمكن هذا التيار النهضوي المؤسس من التمييز بين ثقافة الغرب والبعد المعرفي والتنظيمي والعلمي في هذه الثقافة وبين السياسات الغربية الاستعمارية.
تزامنت هذه الموجه الاصلاحية مع ظهور معالم الإصلاح إن في الخلافة العثمانية أو في مصر, وتدعم نفوذ هذا التيار وإنجازاته بدعم الدولة الوطنية التي كانت بحاجة لتسويغ الإصلاحات من الناحية الشرعية والدينية.
وقد تمكن هذا التيار من تشكيل منظومات فكرية متسقة ومتجانسة, بصدد عدد كبير من القضايا التي تعترض مسيرة الإصلاح الديني والسياسي مثل التعليم والتمثيل النيابي والدستوري, وقبول الثقافة الغربية الوافدة دون التحصن بمقولات الهوية والانعزال والخوف, من فقدان الذات, بل علي العكس كانوا يرون أن تأكيد الذات الحضارية لا يتأتي إلا عبر تمثل واقتباس الحضارة الغربية; استرشادا بما قام به المسلمون في العصور الوسطي عندما كانوا أول من ترجم أرسطو إلي اللغة العربية وتمثلوا التراث الفلسفي الإغريقي والهيليني والذي انتقل لأوروبا فيما بعد.
ورغم الطابع الرمزي للخلافة الإسلامية في اسطنبول, إلا أن انهيارها فعليا قد أفضي إلي ردود فعل واسعة في العالم العربي والإسلامي وبدأت دوائر عديدة من المفكرين الإسلاميين في البحث عن إعادة بناء الخلافة في بلد آخر غير تركيا والبحث عن خليفة آخر غير تركي, منيت هذه المحاولات بالفشل وترتب علي ذلك عمليا تجذر أسس وبني الدولة الوطنية, وكان لهذه التحولات مردودها في الواقع الثقافي حيث تم فك الارتباط بين تيارات الإصلاح في الدولة العثمانية وتيارات الإصلاح في مصر والعالم العربي, وفقد المصلحون من هذا الجيل المظلة الكبيرة التي كانوا يستظلون بها, وارتد بعضهم الشيخ رشيد رضا عن النزعات الإصلاحية التي كانوا يؤمنون بها, ولحقت بهم تيارات الأصالة والذاتية الإسلامية والعودة للأصول ورفض الغرب والدولة الوطنية في آن معا, وذلك خلال العشرينيات والثلاثينيات من القرن العشرين وهي تيارات هدفت إلي حفظ الموروث والتمسك بالهوية والأصالة ومقاومة الوافد والجديد في مختلف مناحي الحياة, ظهرت آنذاك الحركة السلفية وجماعة أنصار السنة والجمعية الشرعية وحركة الإخوان المسلمون(1928) والشبان المسلمين في مصر, وحركة الشبيبة الإسلامية بمدن الشام وجمعية العلماء بالجزائر والرابطة الإسلامية.
ساهم ظهور هذه التيارات وتجلياتها التنظيمية في تغيير المشهد الثقافي برمته في مصر والأقطار العربية المهمة, حيث أدار المشهد الثقافي آنذاك ظهره لتيارات التجديد والإصلاح والتوفيق بين الإسلام والعصر, وأنصت لتيارات الأصالة والهوية والعزلة عن العصر.
وترتب علي هذا الانقلاب عمليا إعادة النظر في كافة المقدمات التي أسس عليها تيار الإصلاح والتجديد الأول مساهماته الفكرية والسياسية في الإصلاح, فلم تعد مقاصد الشريعة هي الأساس في تمثل الاقتباس والتأويل, بل الشريعة ذاتها وأحكامها, ولم تستمر التفرقه والتمييز بين الثقافة الغربية والسياسات الغربية, بل أصبح الاثنان وجهين لعملة واحدة, ولم يقتصر الهجوم علي الغرب علي الاستشراق بل امتد ليشمل الغرب عموما بكافة عناصره, بل وأصبحت الدولة الوطنية التي حاولت أن تحيد الدين وأن تبعده عن المجال العام أو تفصل بينه وبين الدولة, أصبحت هذه الدولة دولة ذات طبيعة استشراقية علمانية غريبة عن المجتمع, وعن الأصول التي تستند إليها هذه التيارات وباستكمال مقومات مشروع الدولة الوطنية الحديثة وتبنيها القومية الاشتراكية والليبرالية ومختلف الصيغ والأيديولوجيات الحديثة, استمر النقد للغرب حضاريا وثقافيا واستمر نقد الدولة الوطنية التي استوحت مبادئها وجذورها من الثقافة الغربية وحذت حذو الدول الغربية الحديثة.
يضاف إلي هذه الخلفية التاريخية للعلاقة بين الإسلام السياسي والدولة الوطنية عجز وقصور الدولة الوطنية عن تعزيز المشاركة والديمقراطية والفشل في تحقيق التنمية المستدامة وعدالة التوزيع إذا ما استثنينا الحقبة الناصرية والتهميش الذي مارسته إزاء العديد من الفئات, وهو الأمر الذي أفضي بهذه الفئات إلي الانخراط في الشبكات الاجتماعية والثقافية التي بادر الإسلام السياسي إلي بنائها مع انسحاب الدولة جزئيا وتخليها عن حماية الفقراء.
من الممكن القول أن الدولة الوطنية لم تتبني نهجا ناجحا في التعامل مع هذه التيارات واكتفت بالتعامل الأمني العنيف, كما يمكن أيضا توجيه ذات النقد لهذه التيارات أنها لم تعرف كيف تدير علاقاتها بالدولة الوطنية وأنها عمقت الشقاق والانقسام الذي أفضي إلي المشهد الراهن.
علي ضوء ما سبق يمكن القول أن عداء وخصومة الإسلام السياسي مع مؤسسات الدولة الحديثة الوطنية وفي مقدمتها القضاء والأزهر الشريف والمخابرات والقوات المسلحة ليس طارئا في رؤية هذه التيارات لأن هذه الرؤية تتجاوز الحدود الوطنية ولها امتداداتها خارج الدولة الحديثة ويراودها حلم ووهم استعادة الخلافة الإسلامية.

تمصير الإسلام السياسي هو الحل

كاتب الموضوع الأصلي: منصور العتيبي 3332

ما إن ظهرت خريطة الطريق عقب الموجة الثانية لثورة الخامس والعشرين من يناير عام‏2011‏ في الثلاثين من يونيو عام‏.2013‏
حتي ظهر بند المصالحة الوطنية كأحد أهم بنودها الذي يحظي ولايزال بالنقاش والجدل ومع احترامي لكل القائلين بالمصالحة الوطنية من الساسة والمسئولين فإن خطاب المصالحة حتي الآن لم يستوعب بعد بالكامل الرسالة التي حملتها الموجة الثانية للثورة التي تلخصت ودون لبس في رفض حكم جماعة الإخوان المسلمين ورفض إقحام الدين في السياسة باعتبار أن كلا من الدين والسياسة له مجاله الخاص وطبيعته الخاصة, وخلط الأمرين معا يفسد كليهما, ويفضي إلي الانقسام والطائفية ويلحق الضرر بمبدأ المواطنة والمساواة وهما أساس أي ديمقراطية ناشئة أو عريقة.
في تقديري أن العلاج الممكن- إن لم يكن الوحيد- للمصالحة الوطنية في الظروف الحالية والمستقبلية لا يتأتي إلا عبر ما يمكن أن نسميه تمصير حركة الإخوان المسلمين والإسلام السياسي عموما, وبالتأكيد فإن التمصير الذي نقصده هو عملية ثقافية فكرية سياسية تتوزع أعباؤها بين الدولة والمجتمع وحركة الإخوان المسلمين وجماعات الإسلام السياسي تهدف إلي إدماج الإخوان المسلمين وتيارات الإسلام السياسي في إطار الوطنية المصرية وقيمها ومرجعياتها عبر تطورها التاريخي.
لقد ناصب الإسلام السياسي وفي مقدمته حركة الإخوان المسلمين الدولة الوطنية بمؤسساتها الحديثة العداء, لأنها لا تحكم بالإسلام والشريعة, ولأن الإسلام السياسي يتبني نهج الأممية الإسلامية والخلافة ولا يعترف بالحدود الوطنية للدول الحديثة.
وتفسر هذه النظرة سر التوجس من الدولة الوطنية لدي دوائر الإسلام السياسي وتوجس الدولة الوطنية من صعود هذا التيار وقاد هذا التوجس المتبادل إلي استحكام العداء بينهما وتبني العنف من كليهما إزاء الطرف الآخر.
بصعود الإخوان والإسلام السياسي إلي الحكم بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير, وجد هذا العداء والتوجس المحبوس والمكتوم الطريق إلي حيز الواقع, حيث ناصب الإخوان المسلمين مؤسسات الدولة الوطنية المصرية العداء سواء تمثل ذلك في العداء للجيش أو مؤسسة القضاء أو الإعلام أو الأجهزة الأمنية, كان هم الإخوان في المقام الأول إما تفكيك وإضعاف هذه المؤسسات- وذلك في أضعف الأحوال- أو تطويع هذه المؤسسات لسياساتهم وأهدافهم تلك السياسات والأهداف التي تتجاوز المصلحة الوطنية وحدود الدولة لتصب في إطار إقليمي أوسع وفضاء يفترض أنه إسلامي.
ابتعدت حركة الإخوان المسلمين عبر تاريخها عن المجري العام للحركة الوطنية المصرية ونضالاتها ضد الملك والقصر والاحتلال تحت شعار الجلاء والدستور ولم تنظر بعين الارتياح للنضال الوطني المصري لتأسيس الحالة الوطنية المصرية وترسيخ مبادئ الوطنية المصرية الحديثة, وانتهجت في تربية وإعداد أعضائها وقادتها منهجا مغايرا للوطنية المصرية يعتمد علي فهم وتصور حركة الإخوان للإسلام باعتبار الإسلام مناقضا للوطنية والدولة الوطنية وليس إطارا جامعا للحالة الوطنية, في اعتصام رابعة العدوية غير السلمي ظهر موقفان بارزان أحدهما قبل الثلاثين من يونيو والثاني بعد هذا التاريخ أما الأول فقد عبر عنه أحد قياديي الإخوان محمد البلتاجي حيث قال ما معناه مخاطبا خصومه لقد تركناكم60 عاما تحكمون فجئتم بنكسة1967, أما الموقف الثاني فقد عبر عنه أحمد عامر حيث طالب هذا الأخير جمهور المعتصمين باستبدال علم مصر بعلم آخر ويعبر كلا الموقفين عن الموقف العدائي للإخوان من الوطنية المصرية, فالموقف الأول يتبني صيغة خطابية تتمحور حول نحن وهم نحن الإسلاميين ومؤيديهم في مواجهة هم أي أعضاء المعسكر الآخر أي خصوم الإخوان من اليساريين والليبراليين والعلمانيين, وهي صيغة تعني أن ثمة فريقين متعارضين أو إن شئت شعبيين كلاهما في مواجهة الآخر, والأهم من ذلك أن الإسلاميين وهذا ما عناه صاحب هذا الموقف لم يكونوا معنيين بالهزيمة ولم يتأثروا بها لأن من وقعت الهزيمة علي يديه لم يكن منهم, وكأن الهزيمة لم تكن لمصر كلها بمختلف فئاتها وطبقاتها, إن هذه الصيغة أي نحن وهم تطرح عادة في مواجهة الغرباء والأجانب أو الغرب عموما وقد يكون لها ما يبررها أما استخدامها في حالة الحديث عن مصر وبين فريقين من المصريين مختلفان سياسيا, فأمر يجد تفسيره في القطيعة النفسية والفكرية التي يحرص الإخوان علي تأكيدها والتي تميزهم في مواجهة الآخرين.
أما الموقف الثاني فيعبر عن احتقار كافة الرموز الوطنية ومن بينها العلم المصري, الذي ارتبط بالدولة الوطنية الحديثة وخاض المصريون حروبهم في مواجهة عدوهم تحت هذه الراية وبالطبع من يريد تجاهل العلم يريد أيضا ولا يعترف بالنشيد الوطني أو رموز الوطنية المصرية من أحمد عرابي ومصطفي كامل مرورا بمحمد فريد وسعد زغلول ومصطفي النحاس وعبدالناصر, كما يرفض أيضا القيم التي ضحي من أجلها هؤلاء قيم التضحية وحب الوطن والإخلاص له تلك القيم التي تؤسس مرجعية الوطنية المصرية.
وبناء علي ذلك فإن تمصير الإخوان يعني بداية اعتراف الإخوان بالوطنية المصرية بحدودها الرمزية والجغرافية والسياسية والقيم التي تأسست عليها وبدء صفحة جديدة تعيد دمج تاريخ الإسلام السياسي وحركة الإخوان ضمن أفق الوطنية المصرية الحديثة وما يتضمنه ذلك من ضرورة الاتفاق حول معالم الدولة الوطنية المصرية الحديثة وتميز الوطنية المصرية والدولة الوطنية والمصلحة الوطنية عن ماعداها من الدعوات الأممية الدينية وغير الدينية التي تتجاوز حدود الدول والأوطان وذلك لا يعني إنهاء أشكال وأساليب التضامن الدولي المعترف به والمتبادل بين الدول إسلامية أو غير إسلامية في حالة الكوارث والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان أو ارتكاب جرائم الإبادة والجرائم ضد الإنسانية.
ومن الطبيعي أن ذلك لا يتأتي عبر الاعتراف به شكلا أو علي الورق والوثائق ولكن ينبغي أن يترجم هذا الاعتراف في تبني واعتماد نظم جديدة في الثقافة والتربية العقائدية والتنظيمية عبر بلورة اجتهادات وإضافات وإضاءات جديدة تصب في تعزيز الثقافة الوطنية وتحقيق التجانس والتلاحم بين مكوناتها الدينية والوطنية وجسر الهوة التي تفصل بينهما.
ويضاف إلي ذلك ضرورة أن يتوافق تعامل الإخوان والإسلام السياسي مع الدين بطريقة تقترب إن لم تكن تتلاءم مع نمط التدين لدي الغالبية من المصرين.
وكما يتحمل الإخوان المسلمون الجزء الأكبر من مسئولية تمصير توجهاتهم وأهدافهم فإن الدولة والمجتمع بدورهما لهم نصيب من هذه العملية, عبر إرساء قواعد الديمقراطية والانتقال الحقيقي لدولة القانون والمواطنة وإدارة الحوار والمصالحة علي قواعد سياسية ومجتمعية مقبولة وحاسمة ومجردة.

الثورة المصرية والتحديات الراهنة

كاتب الموضوع الأصلي: منصور العتيبي 3332

ككل الثورات‏,‏ طريق الثورة المصرية ليس بالضرورة ممهدا‏,‏ أو مفروشا بالورد‏,‏ ولكنه طريق متعرج يصعد حينا ويهبط حينا آخر‏,‏ يزخر بالتحديات تارة‏,‏
وبإمكانات التجاوز تارة أخري, وفق درجة وعي الثوار وتنظيمهم وتطور الواقع وآلية النقد والمراجعة والتقويم.
الفارق بين الزمن العادي والمألوف والزمن الثوري الاستثنائي, يكمن في أن المواطنين في هذا الأخير, يستوعبون ويتعلمون بدرجة تفوق كثيرا, ما يمكنهم أن يستوعبوه ويتعلمونه في الزمن المألوف والعادي, ما يتعلمه المواطنون في الزمن الثوري في عام قد يفوق بعقود ما يمكن أن يتعلموه في الزمن العادي, وذلك بسبب اختلاف طبيعة اللحظة الثورية وقدرتها علي استدعاء الطاقات واليقظة والتغير النوعي في الوعي والاستجابة.
لقد فهم المصريون ــ أو أغلبهم علي الأقل ــ طبيعة وأبعاد التوجهات الإخوانية داخليا وخارجيا, وبسرعة تفوق التخيل, عرفوا واستوعبوا طبيعة الإخوان وسياساتهم وتحيزاتهم, في عام واحد بأكثر بكثير مما عرفوه واستوعبوه عن حركة الإخوان المسلمين طيلة خمسة وثمانين عاما.
ومع ذلك فإن سقوط حكم الإخوان ليس نهاية المطاف, كما أنه ليس نهاية الثورة, هو خطوة في ذلك الطريق المتعرج, الذي يكفل السير فيه مواجهة التحديات التي تواجه الثورة ومآلها.
أول هذه التحديات هو بناء وتأسيس دولة القانون, التي تكفل المواطنة والمساواة واحترام أحكام ومبادئ القانون والقضاء, ويعني ذلك في السياق الحالي في مصر وعقب فض اعتصامات رابعة والنهضة وانطلاق العنف الإخواني والإرهابي ضد الدولة ومؤسساتها وضد المواطنين, أن دولة القانون لا تمارس الانتقام أو التشفي في الخصوم السياسيين, أيا كانت أخطاؤهم, كما أنه لا يجوز لدولة القانون أن تحاكي خصومها في ممارسة العنف فهي تحتكر العنف الشرعي والقانوني في مواجهة من تبني العنف والإرهاب وارتكب جرائم تقع تحت طائلة القانون, كما أنه لا ينبغي للدولة والإعلام التابع لها أو الخاص التدخل في التحقيق بعد القبض علي المتهمين, وإذاعة اعترافاتهم وأجوبتهم علي أسئلة التحري والبحث والتحقيق, فثمة شبهة للتأثير علي القضاء والأحكام والاغتيال المعنوي للمتهمين الذين لم تثبت بعد إدانتهم.
أما ثاني هذه التحديات التي تواجه الثورة فتتعلق بالنظام الاقتصادي والاجتماعي القائم, تشابكات ومصالح النخب المختلفة من رجال الأعمال وبيروقراطية الدولة والرأسماليين ذوي الدخول الريعية والطفيلية, فهذا التشابك لايزال قائما رغم موجات الثورة المتعاقبة, وقد عزز بقاء واستمرار هذا النظام أن الشعارات التي رفعتها الثورة لم تكن معرفة بدقة وكان من السهل علي هذه الفئات المتنفذة, أن تتأقلم مع شعارات الثورة وأن تتكيف معها وتجاري تطلعات الثوار والمواطنين التي لم تترجم في برامج اقتصادية واجتماعية واقعية وملزمة.
غموض وعمومية الشعارات التي طالب بها الثوار والمواطنون والثورة وعدم ترجمتها في الواقع إلي برامج اقتصادية واجتماعية ثورية ومحددة هو الذي فتح الباب لنخبة النظام السابق علي ثورة25 يناير عام2011 خاصة نخبة رجال الأعمال والمال لاستعادة نفوذها القديم في بنية الاقتصاد, كما أنه أيضا سهل انخراط نخبة رجال الأعمال المنتمين للإخوان في مرحلة ما بعد الثورة.
أما ثالث هذه التحديات فيتمثل في التشتت التنظيمي للقوي الثورية والوطنية والشعبية وعدم انخراط القوي الثورية والسياسية الجديدة في بناء منظمات ذات قواعد شعبية عريضة راسخة في مختلف المدن والأقاليم المصرية في الريف والحضر وتركز غالبية الفاعليات السياسية والتنظيمية في المراكز الحضرية الكبري القاهرة والجيزة والإسكندرية. ويفاقم من هذا التحدي الوضع الناشئ عقب الموجة الثورية الثانية في30 يونيو وما رافقها وأعقبها من إزاحة الإخوان وتغييبهم من المشهد السياسي, إذ يلقي ذلك مسئولية نوعية علي القوي الوطنية والثورية لملء هذا الفراغ التنظيمي أي بناء منظمات حزبية تكفل الفوز في الانتخابات المقبلة النيابية والرئاسية.
ولا شك أن هذا التشتت التنظيمي للثوار والقوي الثورية والوطنية يعود ضمن أسباب أخري إلي السقوط السريع والمدوي إن للنظام السابق علي الثورة ـ أي ثورة25 يناير عام2011 ـ أو سقوط نظام الإخوان وانهياره في أيام معدودة, ففي الحالتين لم تتح الفرصة للثوار لتنظيم أنفسهم وإيجاد وصناعة منظمات بديلة, هذا بافتراض وجود هذه النية وانعقاد العزم علي ذلك, الانهيار السريع لم يتح الوقت للتفكير في ذلك وهو الأمر الذي يفسر أن الثوار لم يحكموا حتي الآن بل لم يشاركوا بفاعلية في إدارة نظام ما بعد الثورة بموجاتها المتعاقبة حتي لو فوضوا وزكوا آخرين للمشاركة باسمهم.
ولا شك أن التشتت التنظيمي لقوي المعارضة ونخبها وعدم قدرتها علي بناء منظمات حزبية قوية ذات جذور في الواقع السياسي المصري بمحيطه الجغرافي الممتد, كان هو السبب في التطلع إلي استدعاء دور الجيش والقوات المسلحة المصرية بمكانها وتأثيرها في العقل الجمعي للمصريين وعلاقتها التاريخية بمختلف مراحل تطور الحركة الوطنية المصرية, حيث أدركت قيادة المؤسسة العسكرية بحسها وخبرتها ووطنيتها عجز البنية التنظيمية للمعارضة الوطنية والشعبية وقصورها عن إنجاز مهمة إسقاط نظام الإخوان بمفردها.
ولا شك أن استمرار الوضع علي ما هو عليه حتي الآن ـ أي ضعف البنية التنظيمية للمعارضة والقوي الوطنية في النظام ـ يمثل خطرا مزدوجا, بمعني أنه في أي انتخابات مقبلة تشريعية أو رئاسية لا يمكن ضمان فوز القوي الوطنية فيها بالأغلبية دون منظمات قوية وجماهيرية في أعماق الوادي والدلتا, خاصة أن خطر انبعاث قوة الإخوان تحت مسميات حزبية جديدة وفق ما يتم إقراره من قوانين وقواعد للممارسة السياسية الجديدة لا يزال قائما, ذلك أن التوجه الحالي لنظام ما بعد30 يونيو لا يتبني بالضرورة سياسة اقصائية بقدر ما يتبني هذه السياسة في مواجهة مرتكبي جرائم العنف والترويع والمحرضين عليها وهم فئة ليست كبيرة مقارنة بالقاعدة العريضة للإخوان في القري والمدن. من ناحية أخري فإن استمرار ضعف القوي الوطنية والشعبية بمختلف تنويعاتها القومية واليسارية والليبرالية سيعزز نوعا من التواكلية والاعتمادية لاستدعاء القوات المسلحة باعتبارها المنقذ والمخلص, وهذا الأمر وإن كان مطلوبا وبقوة في عهد الإخوان ولإسقاط نظام الإخوان فهو ليس مطلوبا بذات القوة في مرحلة استكمال البناء الديموقراطي وإعادة التأسيس الثانية للجمهورية الثانية التي بدأت منذ30 يونيو الماضي.

نقد خطاب الهوية في الأحزاب الإسلامية

كاتب الموضوع الأصلي: منصور العتيبي 3332

خطاب الهوية الإسلامي لا يوجد منعزلا أو وحيدا منفردا في المجتمع ولكنه بالضرورة وبحكم طبيعة الأشياء يوجد في حقل تنافس مع الخطابات الأخري حول الهوية وفي حالة صراع معها ومحاولة للاستحواذ علي الرموز
والمكونات الرمزية والمعنوية التي تتشكل منها هذه الخطابات ويحاول نزع المصداقية والمشروعية عن الخطابات المنافسة.
ومن ثم فخطاب الهوية الإسلامي ليس مسالما أو طبيعيا أو غير عدائي, فهو في حالة هجومية إزاء الخطابات الأخري حول الهوية الوطنية والقومية. ومن خلال دراسة برامج الأحزاب الإسلامية; حزب الحرية والعدالة وحزب النور وحزب البناء والتنمية وحزب الوسط حول الهوية ومكوناتها يمكننا أن نسوق الانتقادات التالية:
1- المكون الإيديولوجي في مفهوم الهوية: نستخدم مفهوم الإيديولوجيا في هذا السياق بمعني الصيغة الفكرية والسياسية التي تستخدم كأداة سياسية للحشد والتعبئة واختزال الواقع وتبسيطه وإخفاء مكوناته الأخري المختلفة وانتقاء ما يتناسب مع الجماعة التي تتبني هذه الإيديولوجيا من الواقع وإقصاء واستبعاد ما لا يتلاءم مع أهداف هذه الجماعة ومراميها ومصالحها إن بالمعني السياسي او الاقتصادي أو الثقافي.
ووفقا لذلك فإن مفهوم الهوية الذي تبنته هذه الأحزاب تميز بالاختزال والتبسيط والإخفاء أي السكوت علي المكونات والعناصر الأخري الداخلة في تكوين الهوية وكمثال علي ذلك اختزل مفهوم الهوية الإسلامي في برامج هذه الأحزاب تاريخ المجتمع المصري الغارق في القدم منذ آلاف السنين في حقبة تاريخية واحدة هي التاريخ الإسلامي, ولأن هذا الخطاب الإسلامي حول الهوية يعرف التركيب المعقد والمركب لتاريخ مصر والمصريين فإنه لا يملك إلا الإشارة العابرة لمختلف الحقب التاريخية الفرعونية والقبطية والحديثة وغيرها, في حين أن هذه الإشارة العابرة في سياق نص البرنامج لم تكتسب أي أهمية تذكر, ولم يرتب ذكرها أي نتائج في صياغة مفهوم الهوية( ربما باستثناء نظرة حزب الوسط) وكأن هذا الخطاب أراد بهذه التذكرة إعفاء صاحبه من الجهل بتاريخ مصر, أو كأنه أراد سرد هذه الحقب التاريخية والقول بأنها عابرة, لم تؤثر في الطابع الإسلامي الحضاري للأمة المصرية أو كأن هذا الطابع الإسلامي لهوية مصر ينسخ ويلغي ما قبله من تاريخ.
2- التعالي والتسامي فوق التاريخ: يتجاهل مفهوم الهوية الإسلامي التاريخ بوقائعه وحادثاته فالطابع الإسلامي للهوية جوهر ثابت سرمدي لم يتغير ولم يخضع لوقائع التاريخ ومنطقه ما هو قديم منه وما هو حديث, ومن ثم فهو يفترض أن الطابع الإسلامي للهوية خارج التاريخ وفوق التاريخ وعابر للتاريخ, فلم يطرأ علي مصر الإسلامية أو غيرها من البلدان الإسلامية والعربية أي تغيير, وبقيت كما هي بمعزل عن العالم الحديث والحضارة الحديثة بمبادئها ومثلها وقيمها ومنتجاتها ومعارفها العلمية والتكنولوجية كما لم يترك ما يفوق القرنين من الزمان من التوسع الاستعماري والإمبريالي والحداثة والتحديث الطوعي والقسري والاندماج في السوق الرأسمالية العالمية ولم تترك العولمة بأبعادها المختلفة أي أثر علي هوية مصر أو غيرها من البلدان العربية والإسلامية وما تركته هذه الظواهر العالمية التي لم يقتصر تأثيرها فحسب علي البلدان العربية بل امتد للعالم كله ــ من تأثير لم يغير من هذا الجوهر وتلك الطبيعة الإسلامية لهذه المجتمعات من مدارس عامة وجامعات ونظم حديثة في إدارة الدولة وفنون وعلوم, إذ يكفي أن تقوم مصر وغيرها من البلدان الإسلامية بنفض هذا الغبار والتخلص منه بين عشية وضحاها. كما أن التعالي علي التاريخ يقصر النظرة إلي هذه الوقائع التاريخية العالمية علي أنها مجرد مؤامرة لمحو وتذويب الهوية الإسلامية وفك الارتباط بين العرب وبين ديانتهم الإسلامية ويحول دون النظر إلي هذه التطورات كسنن كونية تمتد بامتداد التاريخ البشري وصراعات القوة والنفوذ علي الصعيد العالمي وفق علاقات وموازين القوي, هكذا كان العالم قديما وحديثا وقد يستمر علي هذه الوتيرة ما لم تتوافر الإرادة الإنسانية السياسية والفكرية والأخلاقية علي تغيير هذه القوانين.
3- عدم تجانس المرجعيات: قد يفضي الإطلاع غير المدقق لبرامج الأحزاب الإسلامية الدينية التي عالجنا موقفها من الهوية إلي التثبت من مرجعيتها الدينية الإسلامية أو أن هذه المرجعية الإسلامية هي مرجعيتها الوحيدة نظرا لكثرة الإشارات الدينية وتعدد الدلالات المرجعية الإسلامية. بيد أن التدقيق في محتوي هذه البرامج المختلفة ومحاورها الاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية سوف يجعل المرء يفاجأ باختلاط هذه المرجعية الدينية الإسلامية بمرجعيات أخري لا دينية أو علمانية إذا ما استخدمنا تعبيرات هذه الأحزاب.
ذلك أن غالبية المبادئ الاقتصادية والسياسية والاجتماعية خاصة إذا ما استثنينا قضية الشريعة ومبادئها ومقاصدها تكاد تكون هي ذاتها المبادئ والآليات الحديثة والمستحدثة والمقتبسة من الحضارة الغربية الحديثة في حقل السياسة والاقتصاد, فعلي سبيل المثال لا الحصر, تبني الديمقراطية باعتبارها تطابق الشوري الإسلامية والفصل بين السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية والمساواة والمواطنة وحقوق الإنسان واحترام الاتفاقيات والمعاهدات الدولية.
يربط حزب النور بين تحقيق الديموقراطية وإطار الشريعة الإسلامية وهو ما يعني تكوين الأحزاب وكفالة حريتها في النشاط في ضوء الالتزام بالنظام العام والتداول السلمي للسلطة, ولن يؤثر ذلك بطبيعة الحال علي الديمقراطية من حيث إنها غربية وأصبحت عالمية.
أما حزب البناء والتنمية, فعندما يعالج محيط الأمن القومي المصري فإنه يشمل وفق هذا البرنامج الدوائر الثلاث الدائرة العربية والدائرة الإسلامية والدائرة الإفريقية وهي علاقات ضرورية لحفظ الأمن القومي وحماية العمق الاستراتيجي, وهي ذات الدوائر الثلاث التي طرحها الزعيم الراحل جمال عبدالناصر في حقبة الخسمينيات, أضاف إليها حزب البناء والتنمية دائرة أخري أسماها الدائرة القطرية ويقصد بها مصر, ربما للتمييز والتميز عن دوائر عبد الناصر الثلاث.
من الممكن أن نفهم اختلاط المرجعيات وعدم تجانسها علي أكثر من نحو, حيث يمكن فهم ذلك استنادا إلي أن هذه الأحزاب الإسلامية لا تريد أن تغرق في الرمزية الدينية والإشارات الدينية حتي لا تفقد التواصل مع المواطنين بتنوعهم واختلاف مرجعياتهم وحتي تتجنب سوء الفهم والاتهام بالتخلف والانفصال عن الواقع المعاصر, كما يمكن أن يفهم اختلاط المرجعيات علي أساس قصور أصحاب ومنظري المرجعية الإسلامية عن خلق وبلورة تصورات وفضاءات سياسية واقتصادية واجتماعية من داخل الإسلام والثقافة الإسلامية, وأخيرا وليس آخرا قد يفهم ذلك علي أنه مجرد مناورة لحرف الانتباه عن حقيقة هذه المرجعية الدينية أو للاكتفاء بما هو أساسي من هذه المرجعية أي تطبيق الشريعة ومبادئها وأسلمة المجتمع والدولة.

أهداف الثورة في الخطاب السياسي الإسلامي

كاتب الموضوع الأصلي: منصور العتيبي 3332

يكمن تفرد وتميز أي خطاب سياسي في قدرته علي التعبير عن مشكلات الواقع‏,‏ والاقتراب منها بقدر ما تسمح به الظروف التي تحيط بالخطاب‏,‏ وكذلك مصداقية هذا الخطاب وصدقيته‏.‏
وإذا ما سلمنا جدلا بصحة هذه المعايير لنجاح الخطاب السياسي والحكم عليه وتقويمه, فإنه بمقدورنا أن نصيغ مقاربة لتقويم خطاب الإسلام السياسي في مصر بعد الثورة, ذلك الخطاب الذي تتبناه قوي الإسلام السياسي في مصر التي تتخذ من الإسلام مرجعية حاكمة لها. وهذا الخطاب الإسلامي يعني به مجموعة المفاهيم والأفكار والمقترحات والتصورات لحل مشكلات المجتمع المصري الراهنة, ومعالجة علاقته بالماضي, وعلاقاته بالمستقبل, وكذلك العلاقات التي تربطها بجوارها الإقليمي وبالعالم أيضا.
وتنصرف هذه المفاهيم التي ينتظمها الخطاب الإسلامي السياسي إلي معالجات مشكلات المجتمع المصري والدولة بعد ثورة25 يناير عام2011, تلك التي تلخصت علي نحو واضح لا لبس فيه من خلال الشعارات والمطالب التي رفعتها الثورة, ألا وهي الدولة المدنية والعدالة الاجتماعية والحرية والديمقراطية.
وفيما يتعلق بالدولة, المدنية فإن هذا المفهوم في الخطاب الإسلامي السياسي ينصرف إلي الدولة التي لا يحكمها العسكريون, والمقصود هنا اختزال المفهوم في المقابلة بين المدنيين والعسكريين وقصر المعني المقصود بالدولة المدنية والدولة العسكرية علي هوية القابضين علي زمام الأمور في الدولة وطبيعة الزي الذي يرتدونه; اللباس المدني والزي العسكري, وليس علي طبيعة القوانين والمبادئ والأسس التي تميز بين الدولة المدنية والدولة العسكرية, ولا شك أن هذا المعني للدولة المدنية يبرئ المدنيين من النزوع إلي التسلط والاستبداد, فهم بطبعهم أي المدنيين لا يحملون جينات الاستبداد, علي عكس أقرانهم من العسكريين الذين يجنحون بطبعهم إلي الاستبداد والتسلط.
ولا شك أن اقتصار مفهوم الدولة المدنية علي حدود التمييز بين المدنيين والعسكريين يتأسس علي ملائكية المدنيين وشيطنة العسكريين في حين أن الواقع بتجاربه وخبراته يتجاوز هذه الثنائية التبسيطية, من ناحية أخري, وذلك هو الأهم فإن هذا الفهم للدولة المدنية في الخطاب الإسلامي السياسي يستند في العمق إلي مقولة أن الدولة الإسلامية هي مدنية بطبيعتها; ذلك أن الإسلام لم يعرف لاهوتا أو كهنة كما كان الحال في الكنيسة الغربية الأوروبية, ولا شك أن عدم وجود لاهوت أو كهانة في الإسلام بعكس الحال في أوروبا في العصر الوسيط, لا ينفي استناد الحكم في الدولة الإسلامية إلي الدين وعلماء الدين المقربين من الحاكم لتأكيد مشروعية الحاكم الدينية, باعتباره أميرا للمؤمنين. ولأن أي خطاب بما في ذلك خطاب الإسلام السياسي- لا يوجد منفردا بل يوجد في حقل للخطابات والمواقف الأيديولوجية المتنافسة والمتنازعة حول القضايا المختلفة, يحاول جميعها الاستحواذ علي وعي المواطنين وطرح الحلول والتصورات حول المشكلات المجتمعية, فإن تأكيد خطاب الإسلام السياسي علي مدنية الدولة في الإسلام يستهدف الرد علي الخطابات المدنية الأخري للقوي السياسية الوطنية حول الدولة المدنية وانتزاع هذه الفكرة أي فكرة الدولة المدنية من هذه القوي.
أما العدالة الاجتماعية في أفق خطاب الإسلام السياسي فلا تمثل سوي عودة إلي مجتمع السلف الصالح في صدر الدعوة الإسلامية, ويحوطها التخوف من الإساءة والتنكر لهذه الصورة فهي تتأسس علي الزكاة والصدقة والهبات والأوقاف, وتتنكر لكافة الإنجازات الاجتماعية والإنسانية لمفهوم العدالة الاجتماعية باعتباره حجر الزاوية في الاستقرار والسلم الاجتماعيين, ولا يزال هذا الفهم للعدالة الاجتماعية يراوح بين الصورة الأولية للعدالة في صدر الدولة الإسلامية, وبين مكتسبات هذا المفهوم الحديث في الفكر السياسي والاقتصادي والاجتماعي الحديث, ولا تعني هذه المراوحة بالتأكيد المفاضلة بينهما, بقدر ما تعني ثبات الصورة الأولية للعدالة الإسلامية, مع إدراك حجم المشكلات وردود الأفعال التي قد تنجم عن قصر المفهوم علي صورته الإسلامية الأولي, وعدم قدرة هذه الصورة علي الاستجابة لمطلب العدالة الاجتماعية كما طرحته الثورة, أو للتعقيد المرتبط بها.
وفي حين يركز الخطاب الإسلامي علي الأخلاق والهوية فإنه يتجاهل المسألة الاجتماعية ومطالب الفئات الاجتماعية المختلفة وتبني هذا الخطاب في الاقتصاد عقيدة الاقتصاد النيوليبرالي, الذي يعتمد علي إطلاق حرية المشروع الخاص والخصخصة وتحرير التبادل التجاري وتشجيع الاستثمارات, أي في المجمل يتبني عقيدة رأسمالية متطرفة في رأسماليتها لأنها تعتمد علي الزواج بين السلطة والمال ويقدم النظام القائم نفسه باعتباره تعبيرا عن مختلف مكونات الرأسمالية المصرية بما فيها تلك المكونات التي تنتمي للنظام السابق.
ولا شك أن لجوء النظام لسياسة الاقتراض من البنك الدولي ينطوي علي مضاعفات كثيرة تحول دون تحقيق العدالة الاجتماعية, والاستجابة للمطالب العمالية والاجتماعية غير القابلة للتأجيل والمساومة, من بينها إجراءات التقشف, وخفض الدعم, والمزيد من الخصخصة, ودفع العمال نحو البطالة وهي بعض البنود التي تتضمنها روشتة البنك الدولي للإصلاح الاقتصادي والتي فشلت في إخراج الدول من دائرة التخلف بل ومسئولة عن عدم الاستقرار السياسي في تلك البلدان.
لن يكون بمقدور الحكومة والنظام الحالي فتح الطريق أمام العدالة الاجتماعية دون إعادة توزيع الثروة والأعباء والانحياز للبسطاء والمنتجين من العمال والفلاحين بل وتحديد حد أقصي لملكية وسائل الإنتاج وآخر للثروة العقارية, وعدم تخلي الدولة وانسحابها من التزاماتها الاقتصادية والاجتماعية.
أما فيما يتعلق بمجال الحريات العامة والخاصة والديمقراطية, فالخطاب الإسلامي السياسي ينزع نحو الاستكبار والاستقواء بالأغلبية التي حصل عليها في ظروف ما بعد الثورة, والتي تميزت بالانشقاق والانقسام, وافتقاد أرضية التنافس النزيه والمتكافئ وتحديد القواعد والمبادئ التي تؤطر المجال العام, حيث يعتمد هذا الخطاب علي مفهوم للأغلبية, يجعل منها وصية علي المجتمع, ومفوضة باسمه لتحديد الصواب والخطأ, والحقيقة والكذب, والسلوك الصالح, والسلوك الطالح, وكأن الشعب الذي شكل هذه الأغلبية لا يحق له مراجعتها, وتقييم أدائها, ومعرفة ما إذا كانت هذه الأغلبية التي منحها أصواته تترجم عمليا وواقعيا تطلعاته وأهدافه.
وقد أفضي خطاب الحرية والديمقراطية الإسلامي إلي نسج خيوط جديدة للتسلط والاستبداد وإعادة إنتاجهما في الدولة والمجتمع تحت شعار جديد إسلامي هذه المرة, حيث تم وضع الدستور والاستفتاء عليه من قبل الشعب في ظل انقسام واضح واستقطاب خطير, ودون توافق مجتمعي, يؤمن له أي للدستور المنعة والحصانة والاتفاق, وتضررت فيه ومنه حقوق فئات عديدة في المجتمع, وحصن الرئيس المنتخب نفسه بصلاحيات غير مسبوقة في مواجهة القانون والقضاء والإعلانات الدستورية السابقة علي توليه الحكم, وكأن إزاحة المجلس العسكري من المشهد السياسي بالسهولة التي تم بها قد منحته قوة مضافة في مواجهة الشعب تخول له الاستحواذ مع جماعته علي مفاصل الدولة, وكأن الحريات التي يتحدث عنها الخطاب هي للحزب الذي ينتمي إليه الرئيس والجماعة التي خرج من أحشائها والمنتمين إليها. ولا شك أن هذا الخطاب مفارق للواقع بتعقيده وتطلعاته, خاصة بعد الثورة, حيث لا يزال المجتمع المصري في حالة ثورية ويعاني من مشكلات خطيرة من بينها القصاص للشهداء والضحايا, وتحقيق العدالة الاجتماعية والحرية, وما لم يعترف النظام بوجود هذه المشكلات وما لم يقم بتشخيص لهذه المشكلات, والاعتراف بها فإن الأزمة الراهنة مرشحة للتفاقم.