أ.د. أحمد محمد وهبان

رفاعة الطهطاوي ..

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالعزيز العليوي499

رفاعة رافع الطهطاوي (1216 هـ/1801 – 1290 هـ/1873) من قادة النهضة العلمية في مصر في عهد محمد علي باشا. وُلد رفاعة رافع الطهطاوي في 15 أكتوبر 1801، بمدينة طهطا إحدى مدن محافظة سوهاج بصعيد مصر، يتصل نسبه بالحسين السبط.[1]
لقي رفاعة عناية من أبيه، فحفظ القرآن الكريم، وبعد وفاة والده رجع إلى موطنه طهطا، ووجد من أخواله اهتماماً كبيراً حيث كانت زاخرة بالشيوخ والعلماء فحفظ على أيديهم المتون التي كانت متداولة في هذا العصر، وقرأ عليهم شيئا من الفقه والنحو. التحق رفاعة وهو في السادسة عشرة من عمره بالأزهر في عام 1817وشملت دراسته في الأزهر الحديث والفقه والتفسير والنحو والصرف.. وغير ذلك.

آثار فكرية :

على الرغم من كثرة المسئوليات التي تحملها رفاعة وأخذت من وقته الكثير، فإنه لم ينقطع عن الترجمة والتأليف فيما يعود بالنفع على الأمة، ولم يقض وقته إلا فيما فيه فائدة، وقد وصفه تلميذه النابه صالح مجدي بأنه “قليل النوم، كثير الانهماك على التأليف والتراجم”. وقد بدأ رفاعة إنتاجه الفكري منذ أن كان مبعوثًا في فرنسا، ومن أهم كتبه:
– مناهج الألباب المصرية في مباهج الآداب العصرية.
– المرشد الأمين في تربية البنات والبنين.
– أنوار توفيق الجليل في أخبار مصر وتوثيق بني إسماعيل.
– نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز، وهو آخر كتاب ألفه الطهطاوي، وسلك فيه مسلكا جديدا في تأليف السيرة النبوية تبعه فيه المحدثون.
أما الكتب التي قام بترجمتها فهي تزيد عن خمسة وعشرين كتابًا، وذلك غير ما أشرف عليه من الترجمات وما راجعه وصححه وهذبه.
ومن أعظم ما قدمه الرجل تلاميذه النوابغ الذين حملوا مصر في نهضتها الحديثة، وقدموا للأمة أكثر من ألفي كتاب خلال أقل من أربعين عامًا، ما بين مؤلف ومترجم.

الراديكالية

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالعزيز العليوي499

الراديكالية (الجذرية) هي تعريب للكلمة الإنجليزية (بالإنجليزية: Radicalism) وأصلها كلمة “Radical” ينبع من الكلمة اللاتينية Radis وتقابلها باللغة العربية حسب المعني الحرفي للكلمة “أصل” أو “جذر”، ويقصد بها عموما التوجه الصلب والمتطرف والهادف للتغيير الجذري للواقع السياسي أو التكلم وفقا له، ويصفها قاموس لاروس الكبير بأنها “كل مذهب متصلب في موضوع المعتقد السياسي”.
هي فلسفة سياسية تؤكد الحاجة للبحث عن مظاهر الجور والظلم في المجتمع واجتثاثها. ومصدر كلمة الراديكالية، Radis، وتعني الجذر أو الأصل. فالراديكاليون يبحثون عما يعتبرونه جذور الأخطاء الاقتصادية والسياسية والاجتماعية في المجتمع ويطالبون بالتغييرات الفورية لإزالتها.[1]
يختلف معنى كلمة راديكالي من بلد لآخر ومن وقت لآخر. ففي بلدان الغرب، غالبًا ما يساند الراديكاليون، بعض المفاهيم الاشتراكية، بينما كان الراديكاليون في بلدان أوروبا الشرقية يعارضون وجود الأنظمة الاشتراكية القائمة. إضافة لذلك، فإن من يعدهم جيل من الأجيال راديكاليين، قد يختلفون بقدر كبير في وجهات نظرهم عن الراديكاليين من الجيل السابق لهم، أو الذي يأتي من بعدهم.
ويمكن القول أيضا بأن الراديكالية هي نهج أو سياسة تسعى لإدخال إصلاحات جذرية على النظام الاجتماعي القائم، والأحزاب الراديكالية في بعض الدول اليوم يمثلها عادة الأجنحة السياسية اليمينية او اليسارية المتطرفة.
من معاني الراديكالية كذلك التطرف، أي النزعة إلى إحداث تغيرات متطرفة في الفكر والعادات السائدة والأحوال والمؤسسات القائمة.
وقد ظهرت في بداية الأمر للإشارة إلى تصلب رجال الكنيسة الغربية في مواجهة التحرر السياسي والفكري والعلمي في أوروبا، وللدلالة على تصلب رجال الكنيسة و”راديكاليتهم” (أي تعصبهم وتصلبهم وإصرارهم على الأصول القديمة دون تجديد).
ولكنها أصبحت تشير فيما بعد إلى العكس وإلى التغيير، ليس بمعنى “العودة للجذور” فقط، ولكن “التغيير عموما بشكل جذري”؛ حيث أصبحت تنسب إلى جذور الشيء، ويقال إن “الجذريون” أو “الراديكاليون” هم الذين يريدون تغيير النظام الاجتماعي والسياسي من جذوره، ولهذا فسرها البعض على أنها تعبر عن الإصلاح الأساسي ” حسب نظرة هؤلاء ” من الأعماق أو الجذور ..

تطور مفهوم الراديكالية :

في فرنسا، بعد أن حولت الثورة الفرنسية (1789-1799م) تلك الدولة إلى جمهورية. وخلال القرن التاسع عشر عَدَّ كثير من الراديكاليين الأوروبيين الثورة الفرنسية نموذجًا لهم، وسعوا بذلك لتأسيس جمهوريات في بلدانهم.
قام العديد من الراديكاليين الأوروبيين بتأسيس الحركة الاشتراكية، وطالبوا بإعادة البناء الكامل للمجتمع. وخلال السنوات الأخيرة من القرن التاسع عشر، انقسمت الحركة إلى قسمين : قسم معتدل وقسم متطرف. وسعى الاشتراكيون المعتدلون إلى التغيير من خلال الإصلاح التدريجي، أما الاشتراكيون الراديكاليون فقد أصروا على أن الثورة فقط هي الكفيلة بإصلاح المجتمع. ففي روسيا أُطلق على المعتدلين المنشفيك وعلى الراديكاليين البولشفيك . وقد استولى البولشفيك على السلطة عام 1917م وأقاموا حكومة شيوعية.

الصوفية ..

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالعزيز العليوي499

الصوفية أو التصوف وفق الرؤية الإسلامية ليست مذهبًا، وإنما هو أحد أركان الدين الثلاثة (الإسلام، الإيمان، الإحسان)، فمثلما اهتم الفقه بتعاليم شريعة الإسلام، وعلم العقيدة بالإيمان، فإن التصوف اهتم بتحقيق مقام الإحسان[1] (وهو أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)[2]، وهو منهج أو طريق يسلكه العبد للوصول إلى الله، أي الوصول إلى معرفته والعلم به[3]، وذلك عن طريق الاجتهاد في العبادات واجتناب المنهيات، وتربية النفس وتطهير القلب من الأخلاق السيئة، وتحليته بالأخلاق الحسنة. وهذا المنهج كما يقولون أنه يستمد أصوله وفروعه من القرآن والسنة النبوية واجتهاد العلماء فيما لم يرد فيه نص، فجعلوه علما سموه بـ علم التصوف، أو علم التزكية، أو علم الأخلاق، فألفوا فيه الكتب الكثيرة بينوا فيها أصوله وفروعه وقواعده، ومن أشهر هذه الكتب: قواعد التصوف، للشيخ أحمد زروق، وإحياء علوم الدين للإمام الغزالي، والرسالة القشيرية للإمام القشيري.
انتشرت حركة التصوف في العالم الإسلامي في القرن الثالث الهجري كنزعات فردية تدعو إلى الزهد وشدة العبادة، ثم تطورت تلك النزعات بعد ذلك حتى صارت طرقا مميزة متنوعة معروفة باسم الطرق الصوفية. والتاريخ الإسلامي زاخر بعلماء مسلمين انتسبوا للتصوف مثل النووي والغزالي والعز بن عبد السلام كما القادة مثل صلاح الدين الأيوبي ومحمد الفاتح والأمير عبد القادر وعمر المختار وعز الدين القسام.
نتج عن كثرة دخول غير المتعلمين والجهلة في طرق التصوف وما نتج عن ذلك من [محل شك]ممارسات خاطئة عرّضها في بداية القرن الماضي لهجوم المتعلمين في الغرب باعتبارها ممثلة للثقافة الدينية التي تنشر الخرافات، ثم بدأ مع منتصف القرن الماضي الهجوم من قبل المدرسة السلفية باعتبارها بدعة دخيلة على الإسلام.

الجامية ..

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالعزيز العليوي499

السلفية الجامية أو التيار الجامي أو الجامية هو تيار محلي داخل خريطة الإسلاميين في السعودية يطلق على شعبة من شعب التيار السلفي تتميز بخواص كثيرة أهمها العداء لأي توجه سياسي مناوىء للسلطة انطلاقاً مما يعتقدون أنه منهج السلف في السمع والطاعة وحرمة الخروج على الحاكم جرياً على مذهب الحنابلة والأوزاعي الذين يحرمون الخروج على الحاكم الجائر وإن خالف في هذا بعض الحنابلة مثل ابن رجب الحنبلي وأبو الوفاء علي بن عقيل وأبو الفرج بن الجوزي وعبد الرحمن بن رزين الذين يرون مشروعية الخروج ناهيك عن أبي حنيفة والشافعي ومالك وابن حزم الذين يجيزون الخروج على الحكام الظلمة.[1][2]
كان سبب ظهور هذا التيار اعتداء صدام حسين على الكويت وحشده لجيوشه على حدود المملكة العربية السعودية فأفتى العلماء وعلى رأسهم الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز بجواز الاستعانة بالكفار لدفع المعتدي ولحماية الدين والدولة من شره. فلم يكن إلا أن كثيراً من الأحزاب عارضت العلماء واتهمتهم بالباطل ورفضت هذه الفتوى فكان الشيخ محمد أمان الجامي من أبرز العلماء الذين تصدوا بالرد على الأحزاب والجماعات التي رفضت هذه الفتوى واعترضت عليها.[3] ولهذا ينسب إليه هذا التيار.

النشأة :

بداية نشأتهم تقريباً كانت في عام 1412 هـ في المدينة النبوية وكان منشئها الأول محمد بن أمان الجامي الذي توفي قبل عدة سنوات وكان مدرساً في الجامعة الإسلامية في قسم العقيدة وشاركهُ لاحقاً في التنظيرِ لفكر الجامية ربيع بن هادي المدخلي وهو مدرس في الجامعة في كلية الحديث وأصله من منطقة جازان. أما الظهور العلني على مسرح الأحداث كان في عام 1411 هـ وذلك إبان أحداث الخليج والتي كانت نتيجة لغزو العراق للكويت وكان ظهوراً كفكر مضاد للمشايخ الذين استنكروا دخول القوات الأجنبية وأيضاً كانوا في مقابل هيئة كِبارِ العلماء والذين رأوا في دخول القوات الأجنبية مصلحة إلا أنهم لم يجرموا من حرم دخولها أو أنكر ذلك فجاء الجامية واعتزلوا كلا الطرفين وأنشأوا فكراً خليطاً يقوم على القول بمشروعية دخول القوات الأجنبية وفي المقابل يقف موقف المعادي لمن يحرِم دخولها أو ينكر على الدولة ويدعو إلى الإصلاح بل ويصنفونه تصنيفات جديدة.[4]
وذكر بعض المشايخِ أن الجامية نشأت بمباركة من وزارة الداخلية حيث قامت بتوظيف مجموعة من الناس وذلك بقصد ضرب التيار الإصلاحي والذي كان يتنامى في تلك الفترة والذي كان على رأسه الشيخ العلامة سفر بن عبد الرحمن الحوالي وبقية المشايخِ ويدل عليه كذلك أن محمد أمان الجامي كتب في تلك الفترة مجموعة من البرقيات إلى وزارة الداخلية يحرضهم فيها على الشيخ سفر الحوالي ويطلب فيها منهم إيقافه ومسائلته على كلامه. والجامية لا ينكرون مبدأ العمل في المباحث أو مبدأ الترصد للدعاة بل ويتقربون إلى الله ببغضهم وبإلحاقِ الأذية بهم ومنهم من يستحل الكذب لأجل ذلك وقد سئل عبد العزيز العسكر عن حكم العمل مع المباحث – في شريط مسجل بصوته – فقال:«وماذا يضيرك لو عملت في المباحث وقمت بحماية الدولة من المفسدين والخارجين.[4]»
للسلفية الجامية أكثر من اسم ولقب منها الخلوف أو المرجفون في المدينة والبعض ينسبها إلى الشيخ ربيع المدخلي فيقول المدخلية أو المداخلة [5] ولكن أشهرها الجامية نسبه إلى محمد أمان الجامي, نشأت السلفية الجامية إبان حرب الخليج الثانية عندما اختلف العلماء في مشروعية استدعاء القوات الأمريكية إلى السعودية ونشطت في الفترة التي أعقبت الحرب إثر بروز دعاة الصحوة في السعودية مثل سفر الحوالي وسلمان العودة. ثم انتشرت هذه الجماعة فصار لها أتباع ورموز في الخليج العربي واليمن وخصوصاً في دماج وأيضا في مصر والأردن والجزائر وكذلك لهم امتداد بين المسلمين في أوروبا.
ويرفض هؤلاء الدعاة والعلماء المنسوبون إلى الجامية هذه التسمية ويعتبرونها من التنابز بالألقاب.[6] فيقول أتباعها أن بعض الناس يلمزون السلفيين أهل الحديث والأثر بالجامية وأن هذه التسمية لا حقيقة لها وما هي إلا لمز قصدوا به التشويش والتنفير. وقد لمزوا من قبله السلفيين بالبازية نسبة إلى الشيخ ابن باز أو العثيمينية نسبة إلى الشيخ ابن عثيمين فكان أن لمزوهم بالجامية لأن الشيخ محمد أمان الجامي أقل شهرة من الشيخين مثلاً ولربما لأنه من أصل حبشي.[3] ومع تواجد قوات التحالف على الأراضي السعودية بعد احتلال الكويت تنامت شهرة وتأثير أسماء رموز الصحوة الإسلامية السعودية وترافق كل ذلك مع ظهور ما عرف لاحقاً بسلفية المدينة الذين دشنت أفكارهم على يد العلامة الراحل محمد أمان الجامي المدرس بالمسجد النبوي وأستاذ العقيدة في الجامعة الإسلامية بالمدينة قبل الاحتلال بسنتين تقريباً أي في عام 1988. وجعلت السلفية الجامية من طاعة أولي الأمر والولاء لهم والانقياد التام لرغبة أولي الأمر في غير معصية هو نهجها ومرتكز أفكارها والمعيار الذي تقيم من خلاله كل العاملين في الساحة الإسلامية من دعاة ومرشدين وفقهاء.[7]
أما سبب إطلاق هذا اللقب فهو أن الشيخ محمد أمان وإخوانه من أهل العلم تعاضدوا وتآزروا في الرد على بعض الحركيين والحزبيين ومن تابعهم عن علماء وولاة لما أجاز العلماء كالإمام عبد العزيز بن باز والإمام محمد بن عثيمين والشيخ العلامة صالح الفوزان الاستعانة بالقوات الإمريكية من باب الضرورة فقام شيوخ الصحوة وأصدروا أشرطة ضد هؤلاء العلماء والحكام فما كان من الشيخ محمد أمان الجامي وإخوانه إلا الرد هؤلاء الحركيين.[8]
وقبل هذا الحدث في أواخر ثمانينيات القرن العشرين شهدت هذه الفترة انتعاشاً لما عرف بسلفية المدينة وأهل الحديث الجدد الذين أصبحوا يقدمون أنفسهم على أنهم الأكثر ولاء وإخلاصاً للسياسي وأن هذا التيار الذي عرف بالجامية شفع إعلان ظهوره بنقد وهجوم واتهام لشخصيات دينية كان منها أسماء ذات حظوة وقرب من أسماء كبيرة في الدولة حيث تمكن ممثلو هذا التيار من الإطاحة بعدد من أساتذة الجامعات وإقصائهم عن مجال التدريس وإحالة آخرين إلى التقاعد وتهميش مجموعة كبيرة من الدعاة والأكاديميين والإداريين طوال ما يربو على عشر سنوات. وكان من أسباب ظهور الجامية الوضع الإجتماعي لعدد من شرائح المجتمع السعودي المهمشة وقد اعتبر التيار نفسه الممثل الحقيقي لتعاليم الشيخ محمد بن عبد الوهاب ولهذا مارس أصحابه نقداً لعلماء المركز الذين كانوا رمزاً للحظوة الاجتماعية والنفوذ وقد طعنت الجامية في مصداقيتهم وتصادمت مع بعضهم لاحقاً.

المعتزلة ..

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالعزيز العليوي499

اختلف المؤرخون في بواعث ظهور مذهب المعتزلة، واتجهت رؤية العلماء إلى:
سبب ديني : الاعتزال حدث بسبب اختلاف في بعض الأحكام الدينية كالحكم على مرتكب الكبيرة. ويعتقد العلماء المؤيدون لهذه ا أن سبب التسمية هي:
وتمثله الرواية الشائعة في اعتزال واصل بن عطاء عن شيخه الحسن البصري في مجلسه العلمي في الحكم على مرتكب الكبيرة، وكان الحكم أنه ليس بكافر. وتقول الرواية أن واصل بن عطاء لم ترقه هذه العبارة وقال هو في (منزلة بين منزلتين), أي لا مؤمن ولا كافر. وبسبب هذه الإجابة اعتزل مجلس الحسن البصري وكوّن لنفسه حلقة دراسية وفق ما يفهم ويقال حين ذاك أن الحسن البصري أطلق عبارة (اعْتزِلنا واصل).[1]
سبب سياسي : يعتقد بعض العلماء أن الداعي لظهور هذه الفرقة ظرف حضاري أو تاريخي لأن الإسلام عند نهاية القرن الأول كان قد توسع ودخلت أمم عديدة وشعوب كثيرة في الإسلام ودخلت معها ثقافات مختلفة ودخلت الفلسفة ولم يعد المنهج النصي التقليدي النقلي يفي حاجات المسلمين العقلية في جدالهم. والمنهج الذي يصلح لذلك هو المنهج الطبيعي العقلي والذي سيصبح أهم المذاهب الكلامية من الناحية الخالصة فهو أكثر المذاهب إغراقا وتعلقا بالمذهب العقلاني ..

العقائد والأفكار :

بدأت المعتزلة بفكرة أو بعقيدة واحدة، ثم تطور خلافها فيما بعد، ولم يقف عند حدود تلك المسألة، بل تجاوزها ليشكل منظومة من العقائد والأفكار، والتي في مقدمتها الأصول الخمسة الشهيرة التي لا يعد معتزليا من لم يقل بها، ونبتدئ بذكر الأصول الخمسة:
1- التوحيد: ويعنون به إثبات وحدانيته الله ونفي المثل عنه، وقاوا أن صفاته هي عين ذاته فهو عالم بذاته قادر بذاته… لا بصفات زائدة عن الذات، وقد درج مخالفوهم من المغرضين على تفسير ذلك بأنهم ينفون الصفات عن الله
2- العدل: ويعنون به قياس أحكام الله على ما يقتضيه العقل والحكمة، وبناء على ذلك نفوا أمورا وأوجبوا أخرى، فنفوا أن يكون الله خالقا لأفعال عباده، وقالوا: إن العباد هم الخالقون لأفعال أنفسهم إن خيرا وإن شرا، قال أبو محمد بن حزم:” قالت المعتزلة: بأسرها حاشا ضرار بن عبد الله الغطفاني الكوفي ومن وافقه كحفص الفرد وكلثوم وأصحابه إن جميع أفعال العباد من حركاتهم وسكونهم في أقوالهم وأفعالهم وعقودهم لم يخلقها الله عز وجل “. وأوجبوا على الخالق الله فعل الأصلح لعباده، قال الشهرستاني:” اتفقوا – أي المعتزلة – على أن الله لا يفعل إلا الصلاح والخير، ويجب من حيث الحكمة رعاية مصالح العباد وأما الأصلح واللطف ففي وجوبه عندهم خلاف وسموا هذا النمط عدلا “، وقالوا أيضا بأن العقل مستقل بالتحسين والتقبيح، فما حسنه العقل كان حسنا، وما قبحه كان قبيحا، وأوجبوا الثواب على فعل ما استحسنه العقل، والعقاب على فعل ما استقبحه.
3- المنزلة بين المنزلتين: وهذا الأصل يوضح حكم الفاسق في الدنيا عند المعتزلة، وهي المسألة التي اختلف فيها واصل بن عطاء مع الحسن البصري، إذ يعتقد المعتزلة أن الفاسق في الدنيا لا يسمى مؤمنا بوجه من الوجوه، ولا يسمى كافرا بل هو في منزلة بين هاتين المنزلتين، فإن تاب رجع إلى إيمانه، وإن مات مصرا على فسقه كان من المخلدين في عذاب جهنم.
4- الوعد والوعيد: والمقصود به إنفاذ الوعيد في الآخرة على أصحاب الكبائر وأن الله لا يقبل فيهم شفاعة، ولا يخرج أحدا منهم من النار، فهم كفار خارجون عن الملة مخلدون في نار جهنم، قال الشهرستاني:” واتفقوا – أي المعتزلة – على أن المؤمن إذا خرج من الدنيا على طاعة وتوبة استحق الثواب والعوض. وإذا خرج من غير توبة عن كبيرة ارتكبها استحق الخلود في النار لكن يكون عقابه أخف من عقاب الكفار وسموا هذا النمط وعدا ووعيدا”.
5- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: وهذا الأصل يوضح موقف المعتزلة من أصحاب الكبائر سواء أكانوا حكاما أم محكومين، قال الإمام الأشعري في المقالات :” وأجمعت المعتزلة إلا الأصم على وجوب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر مع الإمكان والقدرة باللسان واليد والسيف كيف قدروا على ذلك” فهم يرون قتال أئمة الجور لمجرد فسقهم، ووجوب الخروج عليهم عند القدرة على ذلك وغلبة الظن بحصول الغلبة وإزالة المنكر.
هذه هي أصول المعتزلة الخمسة التي اتفقوا عليها، وهناك عقائد أخرى للمعتزلة منها ما هو محل اتفاق بينهم، ومنها ما اختلفوا فيه، فمن تلك العقائد :
6- نفيهم رؤية الله عز وجل: حيث أجمعت المعتزلة على أن الله لا يرى بالأبصار لا في الدنيا ولا في الآخرة، قالوا لأن في إثبات الرؤية إثبات الجهة لله وهو منزه عن الجهة والمكان، وتأولوا قول القرآن:{وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة} أي منتظرة.
7- قولهم بأن القرآن مخلوق: وقالوا إن الله كلم موسى بكلام أحدثه في الشجرة.
8- نفيهم علو الله، وتأولوا الاستواء في قول القرآن: “الرحمن على العرش استوى” بالاستيلاء. وقد وافقوا بذلك الأشاعرة وخالفوا أهل السنة والجماعة الذين يثبثون العُلو لله جل في علاه.
9- نفيهم شفاعة النبي لأهل الكبائر من أمته. قال الإمام الأشعري في المقالات: “واختلفوا في شفاعة رسول الله هل هي لأهل الكبائر فأنكرت المعتزلة ذلك وقالت بإبطاله”.
10- نفيهم كرامات الأولياء، قالوا لو ثبتت كرامات الأولياء لاشتبه الولي بالنبي.

ضياع مستقبل سورية الاقتصادي

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالملك السميح 704

صورة

يتسبّب النزاع السوري بتدمير الاقتصاد وبأزمة اقتصادية طويلة الأمد ستزيد من صعوبة التوصّل إلى سلام دائم في المستقبل. فمع تواصل المعارك، يستمر المسار الانحداري في الاقتصاد، ويتوقّع الخبراء أن يُسجّل الناتج المحلي الإجمالي تراجعاً إضافياً بنسبة 13.9 في المئة بحلول نهاية العام الجاري (يُضاف إلى الانخفاض الذي بلغ 14.4 في المئة عام 2012). فضلاً عن ذلك، يؤشّر تراجع التصنيع، والديون، والانقسام الجغرافي إلى انسداد في الأفق الاقتصادي للبلاد يتخطّى النزاع الحالي. لذلك، يجب أن تترافق عملية المصالحة السياسية مع العمل على معالجة الأزمة الاقتصادية واقتراح إجراءات فاعلة لتحقيق المعافاة الاقتصادية.

تعرّضت محرّكات الاقتصاد الأساسية إلى ضربة قوية، ومنها قطاع النفط السوري الذي يعاني من الجمود التام. فقد لحقت أضرار فادحة بالبنى التحتية الخاصة بقطاع الطاقة، وأتت النيران على آبار نفطية، وجرى تعليق العمل بالعديد من المشاريع. وقد تراجع إنتاج النفط الخام الذي كان يبلغ 380 ألف برميل في اليوم قبل النزاع إلى 20 ألف برميل، حسب وزير النفط السوري. وبحلول منتصف العام 2013، كان النظام قد فقدَ السيطرة على الجزء الأكبر من الأراضي الغنية بالنفط في البلاد (والتي تقع بغالبيتها في الشرق والشمال الشرقي). يقول جهاد اليازجي، رئيس تحرير النشرة الاقتصادية The Syria Report: “تخضع الحقول النفطية، بحسب موقعها، إما إلى سيطرة حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، في الشمال الشرقي، وإما إلى سيطرة الميليشيات الإسلامية القبلية المتعدّدة (في المنطقة الشرقية على مقربة من دير الزور)، وهذا مايفسّر التراجع في الإنتاج”. أما إنتاج الغاز فقد انخفض بمعدّل الثلث، ويُعزى هذا التراجع المعتدل نسبياً إلى وجود حقول الغاز في المناطق التي لاتزال خاضعة إلى سيطرة النظام، مثل تدمر وحماه. قبل النزاع، كان حوالى 90 في المئة من إنتاج النفط والغاز المحلي – مايشكّل 35 في المئة من مجموع عائدات الصادرات ونحو خمس الإيرادات الحكومية – يُباع إلى أوروبا، بيد أن العقوبات قضت على هذا المصدر الذي كان يؤمّن الدخل للبلاد.

وأدّى توسّع دائرة العنف هذا العام إلى تراجع حاد في مستويات الإنتاج الغذائي، بعدما كانت المناطق الزراعية قد حافظت على مستويات إنتاجية جيدة في العامَين الأولَين من الحرب. وقد تحدّثت تقارير عدّة عن قيام الجيش السوري بتلف المحاصيل بهدف الانتقام من السكّان المحليين. أما في المناطق التي نجت فيها الأراضي الزراعية من الدمار والتخريب، فتحوّل نقل المحاصيل إلى مهمّة شاقّة لابل مستحيلة. وقد فرّ العمّال من مناطق على غرار حمص ودرعا، الأمر الذي تسبّب بنقص في اليد العاملة وتراجع الإنتاج الزراعي. فعلى سبيل المثال، تراجع محصول القمح لهذا العام بمعدّل نحو 50 في المئة ليصل إلى 1.5 مليون طن.

تعرّض القطاع الصناعي الذي يتركّز حول دمشق وحلب إلى ضربة قاسية. فبحسب تقرير صادر عن بنك بيبلوس، توقّفت نحو 75 في المئة من المنشآت الإنتاجية في حلب عن العمل. يشكّل تراجع التصنيع واحداً من أهم العوامل التي ستؤثّر في مستقبل البلاد. وهو لايطرح إشكالية في ذاته، لكن عندما تواجهه بلدان نامية على غرار سورية كنتيجة من نتائج الحرب، يتعثّر مسارها نحو النمو. وجرّاء هذا الوضع، تتعطّل قدرة البلاد على زيادة مداخيلها، وتتأخّر في اللحاق بركب الاقتصادات المتطوّرة، ولاسيما أن سورية لاتملك بعد الأدوات التي تتيح لها التحوّل إلى اقتصاد خدمات مكتمل المواصفات (وهي الخطوة التي تلي عادةً الابتعاد عن التصنيع). فضلاً عن ذلك، تنتقل النخب الصناعية السورية إلى بلدان عربية أخرى. وقد نجحت مصر في استقطاب الشركات السورية بفضل قاعدتها الصناعية الواسعة وتكاليف الإنتاج المنخفضة. وكذلك انسحب المستثمرون الأثرياء الذين وظّفوا أموالهم في سورية بعد تحرير قطاعها الاقتصادي عام 2000، وعادوا إلى إنكلترا أو فرنسا أو الولايات المتحدة أو إلى بلدان أخرى كانوا يعملون فيها سابقاً. ليس هؤلاء السوريون الذين عادوا إلى المنفى سوى نموذج واحد عن حركة هروب الرساميل التي تشهدها سورية حالياً. فالدليل الآخر على هذه النزعة تجسّده بورصة دمشق، حيث خسرت الأسهم 86 في المئة من قيمتها منذ اندلاع الانتفاضة.

وفي السياق عينه، سجّلت الليرة السورية هبوطاً مدوياً، فقد انخفض سعر الصرف من 47 ليرة سورية مقابل الدولار عند اندلاع القتال إلى نحو 140 ليرة حالياً. بحسب الأرقام الرسمية، يبلغ التضخّم 68 في المئة، لكن النسبة الفعلية، كما تعكسها أسعار السلع المحلية، قد تكون في حدود المئات. كما أن الاحتياطي الأجنبي الذي كان يبلغ 18 مليار دولار قبل النزاع، تراجع إلى ما بين 2 و 3 ملايين دولار، بحسب التقديرات، وذلك بسبب لجوء الحكومة السورية إلى بيع العملات الأجنبية لتثبيت أسعار الصرف المتقلّبة – يلفت اليازجي، في هذا الإطار، إلى أن “مستوى الاحتياطي الأجنبي هو حالياً السر المحاط بالتكتّم الأكبر في البلاد”. لكن مازال بإمكان نظام الأسد الاعتماد على حلفائه، إيران وروسيا تحديداً، لمساعدته على تمويل الواردات وتحمّل التكاليف المتزايدة للحرب. وفي هذا الإطار، قدّمت إيران خطاً ائتمانياً لسورية قدره 3.6 مليارات دولار، إلا أن السؤال الكبير هو ما إذا كان بإمكان إيران، في خضم المصاعب الاقتصادية التي تتخبّط فيها، أن تستمرّ في إرسال الأموال إلى حليفتها في المدى الطويل.

يعتمد كل من النظام السوري والمجموعات المعارِضة المختلفة على شركائه في الخارج للحصول على احتياجاته من المواد الغذائية ومصادر الطاقة، الأمر الذي يؤدّي إلى انعدام التبادل التجاري بين المناطق السورية في المدى الطويل ويقود إلى مزيد من التفكّك الاقتصادي. وقد استُبدِلت العائلات السورية التي كانت تزاول التجارة في السابق بالمهرّبين والتجّار الصغار الذين يبدون استعداداً أكبر للمجازفة. كما ظهرت طرق تجارية جديدة بين سورية وميناء مرسين التركي على البحر المتوسط، حيث تصل البضائع المتّجهة إلى سورية ويُعاد توضيبها ومن ثم شحنها إلى الحدود. ويمكن قول الشيء نفسه عن لبنان، ففي حين تنظر عائلات التجّار التقليدية في بيروت بعين الارتياب إلى هذه الممارسات التجارية الجديدة، ينشط التجّار الصغار والمهرّبون الذين يعبرون المناطق المؤيّدة للثوّار السوريين على غرار عرسال لتسليم المواد الغذائية أو المحروقات.

مما لاشك فيه أن الديون الخارجية الكبيرة، والتراجع الشديد في التصنيع، والانقسام بين المناطق تجعل إعادة بناء الاقتصاد السوري مهمّة شاقّة. إلا أن بناء الاقتصاد يجب أن يكون جزءاً من عملية تهدف إلى وضع هيكلية متماسكة للسلطة. وهكذا، فيما يمضي الأفرقاء المعنيون قدماً بمحادثات السلام، يجب التطرّق إلى الإجراءات اللازمة لتحقيق المعافاة الاقتصادية إلى جانب المسائل السياسية والإثنية والدينية والمذهبية التي تقع في صلب النزاع. قد لاترتدي إعادة بناء الاقتصاد طابعاً ملحاً بقدر إنهاء القتال، إلا أن إيلاءها اهتماماً الآن يساعد على نجاح اتفاق السلام في المدى الطويل.

منى علمي صحافية لبنانية فرنسية تكتب عن الشؤون السياسية والاقتصادية في العالم العربي. تساهم بانتظام في صدى.

فيتوريو إمانويلي الثاني

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالملك السميح 704

صورة

الملك فيكتور ايمانويل الثانى (بالإيطالية: Vittorio Emanuele II) كان ملك إيطاليا (14 مارس 1820 – 9 يناير 1878) وملك بييمونتي، سفويا وسردينيا من 1849 حتى 1861.كان محط امال الوطنيين في سردينيا، حيث كان محبذا للوحدة الإيطالية وميّالا لمبادئ الاصلاح والعمران.وزاد تعلّق الإيطاليين به أكثر عندما قام باستدعاء الزعيم الوطني كافور عام 1852 حيث سلمه رئاسة الوزراء. وفي 18 فبراير 1861 حمل فيكتور ايمانويل الثاني لقب ملك إيطاليا ليصبح أول ملك لإيطاليا الموحدة وظل يحمل هذا اللقب حتى وفاته عام 1878.

وهو فيكتور ايمانويل الثانى بن ملك سردينيا تشارلز ألبرت وأبو ملكة البرتغال ماريا بيا زوجته ملك البرتغال لويس الأول.

وزوجته ملكة سردينيا أديلايد من (النمسا).

فن السعادة الأبدية

كاتب الموضوع الأصلي: يوسف الفوزان209

ينبغي أن تعلم، أن الإنسان إذا وُجد، فإنه بمجرد وجوده، يكون قد خُلق للسعادة الأبدية في كل لحظة تمر عليه. الإنسان لم يخلق للأحزان، وإنما خُلق للسعادة والفرح، منذ لحظة ميلاده، فسعادته لا تنتهي بل هي خالدة لا تفنى ولا تنقطع. فكلنا قد خلقنا الله للسعادة الأبدية إلا من أبى. والإباء نوعان: الأول يكمن في رفض الإيمان، فهذا من حرم نفسه من السعادة الأخروية حتماً، وقد يكون ممن خسر الدنيا والآخرة. والثاني: من آمن بالدين لكنه لم يعرف كيف يعيش سعيداً في كل لحظة تمر عليه في هذه الدنيا، فصار بذلك من السعداء في الآخرة لكنه عاش حزيناً، محروماً من السعادة في الدنيا. ولعل المتديّن الحزين في حياته هو أولى الناس بهذا الخطاب، والرسالة موجهة له أكثر من غيره. لقد خلقنا لسعادة الدارين. هذا ما دل عليه الإسلام. لكن الأوهام تشوش رؤية البشر أحياناً فلا يبصرون هذه الحقيقة الواضحة. السعادة باختصار هي أن نكون مع الله وفي حفظه بصورة متصلة.
وإذا كانت السعادة هي أسمى غاية للإنسان؛ فإنه لا بد من معرفتها معرفة دقيقة تمكننا من الوصول إلى الدرجة العليا القصوى منها. فمن الناس من تتحقق لهم درجة عالية من السعادة بلا معرفة. وهذا أقل ما يقال عنه إنه نقص ينبغي إتمامه، فالوعي بالسعادة هو مزيد منها. فالسعادة، وكذا التعاسة، كلاهما حالة ذهنية منفكة عن الأشياء التي في الخارج من الملاذّ الحسية التي يعتقد كثير من الناس أنها تجلب السعادة، ككثرة المال؛ إذ قد يكون الإنسان في قمة التعاسة مع كثرة ماله بسبب عين ذهنه التي يرى بها الأشياء، وبسبب رؤيته للكون والحياة وما بعد الحياة.
السعادة قضية كبيرة تحتاج للمعرفة العميقة التي تمكن من الوصول إليها وهي بلا شك تستحق ذلك البحث والتدقيق والتمحيص. إن جعل الإنسان قضية السعادة نصب عينيه بصورة دائمة هو أمر محمود؛ لأن التعرف عليها كلما زاد، كلما صار الإنسان أعرف بنفسه، وبالأشياء التي يجب عليه أن يفعلها والأشياء التي يجب أن يتحاشاها؛ ليحصل له مزيد من التحقق.
إن تحقيق السعادة مرتبط بأنشطة ذهنية وأخرى بدنية وبمقادير معتدلة ومنضبطة. هذه المقادير إذا اجتمعت فقد اكتملت وصفة السعادة. السعادة فن؛ ولذلك ينبغي للإنسان أن يحرص على كسب هذا الفن وتعلّمه وإتقانه. إن السعادة القصوى تكون ممكنة إذا نظرنا إليها كمهنة أو حرفة، فصاحب المهنة لكثرة مزاولته لها قد أصبح ماهراً فيها متقناً لها مع مرور الزمن، ككل إنسان داوم شطراً طويلاً من صباحاته وهو يمارس نفس العمل، كالنجّار والبنّاء والمهندس، أعني المهرة في صنائعهم. والسعادة كذلك ينبغي أن تعامل كمهنة، وهي جديرة بهذا الاجتهاد لتحصيلها.
الكاتب : خالد الغنامي

أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (رض)

كاتب الموضوع الأصلي: نواف آل الشيخ 704

إنه الصحابي الجليل علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- ابن عم رسول الله ، أبوه هو أبو طالب بن عبدالمطلب بن عبد مناف، وأمه السيدة فاطمة بنت أسد بن هاشم -رضي الله عنها-.

ولد علي -رضي الله عنه- قبل بعثة النبي بعشر سنين، وكان أصغر إخوته، وتربى في بيت النبي ، ولما نزل الوحي على رسول الله دعا عليّا إلى الإيمان بالله وحده، فأسرع -رضي الله عنه- بقبول الدعوة، ودخل في دين الله، فكان أول من أسلم من الصبيان.

ولما رآه أبو طالب يصلي مع رسول الله قال له: أي بني، ما هذا الدين الذي أنت عليه؟ فقال علي: يا أبي، آمنت برسول الله، وصدقت بما جاء به، وصليت معه لله واتبعته، فقال أبو طالب: أما إنه لم يَدْعُك إلا لخير، فالزمه.

وكان رسول الله يحب عليّا، ويثني عليه، فكان يقول له: “أنت مني وأنا منك” [البخاري]. وكان يقول له: “لا يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق” [مسلم].

وعندما أراد الرسول الهجرة إلى المدينة، أمر علي بن أبي طالب أن ينام في فراشه، وفي ليلة الهجرة في جنح الظلام، تسل مجموعة من كفار مكة، وفي يد كل واحد منهم سيف صارم حاد، وقفوا أمام باب بيت النبي ينتظرون خروجه لصلاة الفجر، ليضربوه ضربة رجل واحد، فأخبر الله نبيه بتلك المؤامرة، وأمره بالخروج من بينهم، فخرج النبي وقد أعمى الله أبصار المشركين، فألقى النبي التراب على رؤوسهم وهو يقرأ قول الله تعالى: (وجعلنا من بين أيديهم سدًا ومن خلفهم سدًا فأغشيناهم فهم لا يبصرون). [يس: 9].

ولما طلعت الشمس؛ استيقظ المشركون، وهجموا على البيت، ورفعوا سيوفهم، ليضربوا النائم، فإذا بهم لا يجدونه رسول الله، وإنما هو ابن عمه علي بن أبي طالب، الذي هب واقفًا في جرأة ساخرًا من المشركين، ومحقرًا لشأنهم.

وظل عليٌّ في مكة ثلاثة أيام بعد هجرة رسول الله إلى المدينة لكي يرد الودائع، كما أمره رسول الله ، ولما هاجر وجد النبي قد آخى بين المهاجرين والأنصار، فقال: يا رسول الله، آخيت بين أصحابك، ولم تؤاخ بيني وبين أحد. فقال له رسول الله : “أنت أخي في الدنيا والآخرة” [ابن عبد البر].

وقد بشره رسول الله بالجنة، فكان أحد العشرة المبشرين بها، وقد زوجه رسول الله من ابنته فاطمة -رضي الله عنها-، وقدم عليٌّ لها مهرًا لسيدة نساء العالمين وريحانة الرسول .

وعاش علي -رضي الله عنه- مع زوجته فاطمة في أمان وفاق ومحبة، ورزقه الله منها الحسن والحسين.

وذات يوم ذهب رسول الله إلى دار علم فلم يجده، فسأل عنه زوجته فاطمة الزهراء: “أين ابن عمك”؟ فقالت: في المسجد، فذهب إليه الرسول هناك، فوجد رداءه قد سقط عن ظهره وأصابه التراب فجعل الرسول ( يمسح التراب عن ظهره، ويقول له: “اجلس يا أبا تراب..اجلس يا أبا تراب”[البخاري].

وشهد علي مع النبي جميع الغزوات، وعرف بشجاعته وبطولته، وفي يوم خيبر قال النبي : “لأعطين الراية غدًا رجلا يحبه الله ورسوله أو قال: يحب الله ورسوله، يفتح الله على يديه” [البخاري].

فبات الصحابة كل منهم يتمنى أن يكون هو صاحب الراية، فلما أصبح الصباح، سأل النبي عن عليّ، فقيل له: إنه يشتكي عينيه يا رسول الله، قال: “فأرسلوا إليه، فأتوني به”.

فلما جاء له، بصق في عينيه، ودعا له، فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية، فقال علي: يا رسول الله، أقاتلتم حتى يكونوا مثلنا: “أنفذ على رسلك، حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحدًا خير لك من أن يكون لك حمر النعم” [البخاري]. فتح الله على يديه.

ولما نزل قول الله تعالى: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرًا [الأحزاب: 32]، دعا الرسول فاطمة وعليًا والحسن والحسين-رضي الله عنهم-في بيت السيدة أم سلمة، وقال: “اللهمَّ إن هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرًا” [ابن عبد البر].

وعرف علي -رضي الله عنه- بالعلم الواسع، فكانت السيدة عائشة -رضي الله عنها- إذا سئلت عن شيء قالت: اسألوا عليًّا وكان عمر كذلك.

وكان عليٌّ يقول: سلوني، فوالله لا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم، وسلوني عن كتاب الله، فوالله ما من آية إلا وأنا أعلم بليل نزلت أم بنهار، أم في سهل أم في جبل.

وكان أبو بكر وعمر في خلافتيهما بعد وفاة رسول الله يعرفان لعلي الفضل، وقد اختاره عمر ليكون من الستة أصحاب الشورى الذين يختار منهم الخليفة، ولما استشهد عثمان -رضي الله عنه- اختير عليّ ليكون الخليفة من بعده.

ولما تولي عليّ الخلافة نقل مقرها من المدينة إلى العراق، وكان -رضي الله عنه-يحرص على شئون أمته فيسير بنفسه في الأسواق ومعه درعه (عصاه) ويأمر الناس بتقوى الله، وصدق الحديث، وحسن البيع، والوفاء بالكيل والميزان.

وكان يوزع كل ما يدخل بيت المال من الأموال بين المسلمين، وقبل وفاته أمر بتوزيع كل المال، وبعد توزيعه أمر بكنس بيت المال، ثم قام فصلى فيه رجاء أن يشهد له يوم القيامة.

وكان -رضي الله عنه- كثير العبادة، يقوم من الليل فيصلي ويطيل صلاته، ويقول مالي وللدنيا، يا دنيا غرِّي غيري.

وقد جاءت إليه امرأتان تسألانه، إحداهما عربية والأخرى مولاة، فأمر لك واحدة منهما بكسر من طعام وأربعين درهمًا، فأخذت المولاة الذي أعطيت وذهبت، وقالت العربية: يا أمير المؤمنين، تعطيني مثل الذي أعطيت هذه وأنا عربية وهي مولاة؟ فقال لها علي -رضي الله عنه- : إني نظرت في كتاب الله -عز وجل- فلم أر فيه فضلاً لولد إسماعيل على ولد إسحاق -عليهما الصلاة والسلام-.

وفي آخر خلافة علي -رضي الله عنه- كانت الفتنة قد كبرت، وسادت الفوضى أرجاء واسعة من الدولة الإسلامية، فخرج ثلاثة من شباب الخوارج، وتواعدوا على قتل من ظنوا أنهم السبب المباشر في تلك الفتن وهم علي، ومعاوية،
وعمرو بن العاص، فأما معاوية وعمرو فقد نجيا، وأما عليٌّ فقد انتظره الفاسق عبد الرحمن بن ملجم، وهو خارج إلى صلاة الفجر، فتمكن منه، وأصابه في رأسه إصابة بالغة أشرف منها على الموت، وكان ذلك في سنة (40 ه)، وعمره آنذاك (65) سنة.

ودفن بالكوفة بعد أن ظل خليفة للمسلين خمس سنين إلا أربعة أشهر، وروى عن رسول الله أكثر من أربعمائة حديث، فرضي الله عنه وأرضاه.

الفلسفة والسعادة

كاتب الموضوع الأصلي: يوسف الفوزان209

الفلسفة لا يمكن أن تكون وحدها طريقاً للسعادة. وإن كنا نعذر الإغريق في اعتمادها طريقاً لهم. فقد عاشوا في حقبة زمنية سبقت الإسلام والمسيحية، فلم يكن لديهم وحيٌ يستنيرون به، سوى شذرات مما بلغهم من اليهودية التي كانت ديانة خاصة باليهود. واليهود كانوا متقوقعين على أنفسهم ولم يكونوا دعاة لدينهم. إلا أن هذا لم يمنعهم في ادعاء وجود دور لهم في تكوين الفلسفة الإغريقية. هناك عديد من الكتب لكتّاب معاصرين يهود، تدعي أن فلسفة أفلاطون الإلهية التوحيدية، إنما أخذت من التوراة. وهذا لا يخلو من صحة، وفي كتاب شيخ الإسلام ابن تيمية، درء التعارض بين العقل والنقل، إشارة لهذا. أقول إن الفلسفة ليست طريقاً للسعادة لأن العقل -أداة الفلسفة- لا يستطيع أن يتوحد على قول واحد. إن مساحة المسلّمات الراضخة لما يسمّى بالعقل الكوني ضئيلة، ولذلك تنافرت أقوال الفلاسفة وتعارضت وتفرقت لمذاهب شتى لا يمكن أن تؤمن بأحدها حتى تكفر بالآخر. وليس صحيحاً ما حاول الفيلسوف الألماني هيجل «1770 – 1831» أن يقنعنا به من كون الفلسفات ليست سوى فلسفة واحدة، وأن هذه الفلسفات المتعارضة من مادية ومثالية وشكوكية تنتهي لشيء واحد، وما اختلافها عنده، إلا اختلاف في لحظات الوعي الجمعي. إنه يرى الخلاف مثلما يختلف رأيك اليوم عن رأيك بالأمس وغدٍ، لكنه في النهاية هو رأيك في لحظات وعي مختلفة. إلا أن بطل فلسفته هو العقل البشري ككل وليس عقل فرد.إذن فالوعي في سيرورة تتجه نحو صيرورة، تسير نحو التشكل الكامل النهائي. ولنا أن نبطل فلسفة هيغل كلها بسؤال واحد يكشف عوراها: هل يقول هيجل باستمرار هذه الرحلة، رحلة الوعي وتطور العقل، للأبد؟ الجواب هو لا. إذ نجد أنه يناقض نفسه فيرفض الاستمرار إلى ما لا نهاية، فيجعل فلسفته هو الشخصية، هي نهاية الفلسفة، بل كل الفلسفة. ويجعل من نفسه الفيلسوف الأوحد الذي لا فيلسوف بعده، وفيما يتعلق بالوجه الديني لفلسفته نجد أنه يجعل من ديانته «البروتستانتية» نهاية رحلة الوعي الديني. ولو أنصف لقال إن البروتستانتية ليست سوى نسخة مشوهة من الإسلام، نشأت أول ما نشأت متأثرة به، معجبة بكونه دين اللا واسطة والعلاقة المباشرة مع الله في بيئة كانت لوقت قريب منا في القرن السادس عشر الميلادي، تحرّم ترجمة الإنجيل لغير اللاتينية، فتجد المسيحي الملتزم يضع كتابه المقدس إلى جوار سريره ولا يدري ما فيه. ولو طبق هيجل منطقه الجدلي بطريقة صادقة منطقياً لقال إن الإسلام هو نهاية رحلة الأديان، وهو المركب الذي اجتمعت فيه القضايا المتعارضة، والتقت فيه مزايا اليهودية «مثل وجود الشريعة» ومزايا المسيحية «مثل الدعوة للتسامح والرحمة» وزاد عليهما وتخلص من عيوبهما فكان له بذلك الكمال.
لكن التعصب -الذي يشتت حتى ذهن ذوي العقول الكبار- هو الذي صرف عقل هيجل عن هذه النتيجة التي أراها حتمية، وليس لنا أن نتعجب، فالعبقرية لا تكفي إن لم تصاحبها نزاهة. وحدّة الذهن لا تفيد أن لم يرافقها التواضع ونبذ الكِبر.
الكاتب : خالد الغنامي