أ.د. أحمد محمد وهبان

أرييل شارون ( جوار صبيا و شاتيلا )

كاتب الموضوع الأصلي: صالح عبد القادر 3332


أرئيل شارون
(رئيس وزراء إسرائيل. ولد في قرية كفار ملال بفلسطين أيام الانتداب البريطاني، اليوم في وسط إسرائيل. كان اسم عائلته الأصلي شاينرمان وكان والداه من اليهود الأشكناز الذين هاجروا من شرقي أوروبا. إذ ولد أبوه في بولندا بينما ولدت أمه في روسيا. يعدّ شارون من السياسيين والعسكريين المخضرمين على الساحة الإسرائيلية. والرئيس الحادي عشر للحكومة الإسرائيلية.
هو شخصية مثيرة للجدل في داخل إسرائيل وخارجها. وبينما يراه البعض كبطل قومي يراه آخرون عثرة في مسيرة السلام. بل ويذهب البعض إلى وصفه كمجرم حرب بالنظر إلى دوره العسكري في الاجتياح الإسرائيلي لجنوب لبنان عام 1982. وقد اضطـُرّ سنة 1983 إلى الاستقالة من منصب وزير الدفاع بعد أن قررت اللجنة الإسرائيلية القضائية الخاصة للتحقيق في مذبحة صبرا وشاتيلا أنه لم يفعل ما يكفي للحيلولة دون المذبحة.[1] أما في 2001 ففاز بأغلبية ساحقة في الانتخابات الإسرائيلية العامة إذ تبنى مواقف سياسية أكثر اعتدالا. وفي سنة 2004 بادر شارون بخطة فك الارتباط الأحادية الإسرائيلية من قطاع غزة. في يناير 2006 غط في غيبوبة بعد جلطة دماغية.
دراسته
وجَّه “صامويل” ولدَه “إرئيل” إلى دراسة الزراعة، وعمِل بالفعل في مزارع (الموشاف)، لكنه فضَّل بعد فترةٍ دراسةَ التاريخ والقانون بدلاً من الزراعة، فالتحق بالجامعة العبرية بالقدس، ودرس التاريخ والعلوم الشرقية عام 1953م، ثم درس الحقوق في جامعة (تل أبيب) 1958م- 1962م، وأتقن أثناء دراسته العبرية والإنجليزية والروسية.
حياته العسكرية
انخرط شارون في صفوف منظمة الهاجاناه عام 1942 وكان عمره آنذاك 14 سنة. وانتقل للعمل في الجيش الإسرائيلي عقب تأسيس دولة إسرائيل. شارك في معركة القدس ضد الجيش الأردني ووقع أسيرا بيد الجيش العربي الأردني في معارك اللطرون عام 1948 وقد أسره يومها النقيب حابس المجالي –المشير فيما بعد- الذي عالجه ونقله إلى الخطوط الخلفية، ثم إلى المفرق في الأردن حيث أقيم معسكر اعتقال الأسرى اليهود، وتم تبديله بأسير عربي عندما جرى تبادل الأسرى بعد الهدنة الثانية.
وبعد فترة انقطاع عن الجيش قضاها على مقاعد الجامعة العبرية، عاود الجيش الإسرائيلي سؤاله للانضمام للجيش وترأّس الوحدة 101 ذات المهام الخاصّة. وقد أبلت الوحدة 101 بلاءً حسنا في استعادة الهيبة لدولة إسرائيل بعد خوض الوحدة لمهمّات غاية في الخطورة إلا أن وحدة شارون العسكرية أثارت الجدل بعد مذبحة قبية في خريف 1953 والتي راح ضحيّتها 170 من المدنيين الأردنيين. قام بمجزرة بشعة في اللد عام 1948 وحصد خلالها أرواح 426 فلسطينيا بعد أن اعتقلهم داخل المساجد
اتهم شارون بالمسؤوليه عن جرائم عديده منها :
• مجزرة قبية 1953م.
• قتل وتعذيب الأسرى المصريين 1967م.
• اجتياح بيروت.
• مجزرة صبرا وشاتيلا.
• استفزاز مشاعر المسلمين بإقتحامه للمسجد الأقصى المبارك سنة 2000م.
• مذبحة جنين 2002م.
• عملية السور الواقي.
• القيام بالكثير من عمليات الاغتيال ضدَّ أفراد المقاومة الفلسطينية وعلى رأسهم اغتيال الشيخ أحمد ياسين.
حياته السياسية
حصل شارون على مقعد في الكنيست الإسرائيلي بين الأعوام 1973 و1974، وعاود المشاركة في الكنيست من العام 1977 إلى الوقت الحاضر. وعمل شارون كمستشار أمني لإسحاق رابين ثم شغل منصب وزير الزراعة بين الأعوام 1977 إلى 1981. وفي فترة رئاسة مناحيم بيغن للحكومة الإسرائيلية، عمل شارون كوزير للدفاع.
وفي عام 1982 وخلال تولّيه تلك الوزارة، ارتكبت الميليشيات المسيحية اللبنانية مجزرة فلسطينية في مخيم صبرا وشاتيلا في العاصمة بيروت. وكانت هذه الميليشيات اللبنانية قد تحالفت مع إسرائيل وتعاونت مع قوات الجيش الإسرائيلي خلال احتلال الجيش الإسرائيلي لبيروت في يونيو 1982. فطالبت المعارضة الإسرائيلية بإقامة لجنة لتحقيق دور الحكومة الإسرائيلية في ممارسة المجزرة.
وقد شمل تقرير لجنة التحقيق الإسرائيلية توصية بتنحية وزير الدفاع شارون بسبب تجاهله للإنذارات بإمكانية حدوث المجزرة وعدم اتخاذه الإجراءات الملائمة لوقف المجزرة عندما بلغه حدوثها، ولكن التقرير لم يلق علية مسؤولية مباشرة على المجزرة. رفض شارون قبول توصية تقرير لجنة التحقيق، ولكنه اضطر على التنحي عن منصب وزير الدفاع عندما زادت الضغوط عليه، فتعين وزيرا للدولة، ثم تولى منصب وزير الإسكان.
في عام 1987، أصدرت مجلة “تايم” الأمريكية مقالا يشير إلى تورط شارون بمجزرة صبرا وشاتيلا فقام شارون برفع دعوى قضائية على المجلة، ولم يكن بمقدور مجلة “تايم” تقديم أدلة كافية للإثبات ضد شارون. فانتهت مناقشات المحلفين بقرار أن المعلومات المنشورة عن شارون كاذبة ولكنه برئ هيئة التحرير من المسؤولية لاعتبار النشر مجرد الإهمال، أي بدون قصد واضح لشتم شارون [
في بداية 2001، أقام أقارب ضحايا مخيم صبرا وشاتيلا دعوى قضائية في بلجيكا ضد شارون لتورطه في أحداث المجزرة إلا أن محكمة الاستئناف البلجيكية أسقطت القضية لعدم اختصاص القضاء البلجيكي بالنظر فيها، وذلك في يونيو 2002.
في 28 سبتمبر 2000 (الخميس) قام شارون بزيارة الحرم الشريف بالقدس رغم معارضة شديدة من قبل لجنة الوقف الإسلامي التي تدير الحرم والقادة الفلسطينيين. وأدت الزيارة إلى اشتباكات بين الشرطة الإسرائيلية والمصلين الفلسطينيين الذين تظاهروا ضدها، انتهت ب20 قتيلا وب100 جريح من بين المتظاهرين فلسطينيين و25 جريحا من بين الشرطيين الإسرائيليين. وفي اليوم التالي انتهت صلاة الجمعة في مسجد الأقصى بمظاهرات ضد ما سماه الفلسطينيين ب”تدنيس شارون للحرم الشريف”، فتدهورت المظاهرات إلى اشتباكات عنيفة مع الشرطة الإسرائيلية وكانت أول حدث فيما يسمى اليوم بانتفاضة الأقصى التي استمرت 4 سنوات تقريبا. وقدد قتل 9000 مسلم بين فلسطيني خلال 3 سنوات فقط. تولي رئاسة الوزارة عقب تسلمه رئاسة حزب الليكود بعد بنيامين نتنياهو، واستطاع التغلب على إيهود باراك في الانتخابات التشريعية ليقود حكومة يمين ليكودية مارست سياسة اغتيالات عنيفة ضد أبرز القيادات الفلسطينية التي تعتبرها إسرائيل إرهابية، كما باشر بناء الجدار الفاصل لفصل أراضي إسرائيل عن الضفة الغربية وقطاع غزة.
بعد الانتخابات التشريعية الثانية في عهده اضطر شارون لتأليف حكومة ائتلافية مع حزب العمل بقيادة شمعون بيرس، ليتابع ممارسة سياسته لتدعيم أمن إسرائيل، وأبرز خططه في هذه الفترة كانت خطة فك الارتباط : بمتابعة بناء السور الفاصل والانسحاب من قطاع غزة مع تفكيك المستوطنات فيه.
يشار إلى أن شارون انشق عن الليكود واقام حزب كاديما في 21 نوفمبر 2005 (بصحبة 13 عضو كنيست من الليكود)، وذلك على خلفية رغبته في الانفصال من غزة الأمر الذي أدى إلى تمرد في صفوف الحزب ضده والدعوة إلى الإطاحة به..
ونتيجة لهذا التمرد، قام بصياغة دقيقة للنظام الداخلي للحزب الجديد “كاديما”، وتمكن بذلك من توفير الحماية لخلفه ايهود أولمرت، ما يجعل أمر الإقاله من الحزب عسيرًا إن لم يكن مستحيلا.
فحين تمرد بعض أعضاء الكنيست عن حزب الليكود ضد رئيس الحزب في ذلك الوقت ارئيل شارون، وحاولوا إقصاءه وتعيين آخر مكانه يتفق مع توجهاتهم السياسية، قرر شارون الانسحاب من الليكود وإقامة حزب كاديما في خطوة وصفت حينها بالهرب إلى الأمام واختراق الحصون.. وحتى يتجنب شارون حدوث أمر مماثل في حزبه الجديد الذي فصله على مقاسه، قرر صياغة نظامه الداخلي شخصيًا وبطريقة تجعل أمر إقالة رئيس الحزب الجديد أمراً عسيرا جدا إن لم يكن مستحيلا.
ويقضي النظام الداخلي لحزب كاديما والذي صاغه شارون بان رئيس الحزب هو مرشح الحزب لرئاسة الحكومة وانه لا يمكن إقالته أو الخروج عليه إلا في حالة وفاته أو تقديم موعد الانتخابات العامة ما يعني بالضرورة إجراء انتخابات داخلية تسبق الانتخابات العامة بتسعين يوما.
وإمعانًا في حماية نفسه وتحصين موقع رئيس الحزب أضاف شارون في نظامه الداخلي بان أعضاء الحزب لا يستطيعون تغيير هذه القاعدة إلا بعد إجراء استفتاء عام بين أعضاء الحزب ما يعني عمليًا نشر صناديق اقتراع في كافة أنحاء البلاد لأخذ رأي 60 ألف منتسب يحق لهم التصويت حتى يتمكن أعضاء الحزب من تعديل النظام الداخلي وإقالة رئيس الحزب.
مشاكل صحية
يوم الإربعاء 4 يناير 2006 أصيب بجلطة سببها نزيف دماغي حاد سبب له فقدان وعيه. أدخل شارون إلى مستشفى هداسا عين كرم في القدس حيث أجريت له عملية أولى دامت 6 ساعات. ورغم استقرار حالته الصحية نتيجة العملية، فلم يعد شارون إلى وعيه. منذ ذلك، اضطر الأطباء إلى إعادته لغرفة العمليات بضع مرات بعد أن اكتشفوا وجود مناطق أخرى في الدماغ تعاني من النزيف، ومشاكل طبية أخرى تميز حالة عدم الوعي. في 28 مايو 2006 نـُقل إلى مستشفى “شيبا” في رمات غان بجانب تل أبيب) وفي مقابلة صحافية مع إذاعة غالي تساهل في 17 سبتمبر 2008 قال الطبيب المسؤول عنه إنه في حالة “الوعي الأدنى” حيث يحس بالألم ويرد ردًا أساسيًا على سماع صوت أقربائه، ولكنه ما زال في حالة خطيرة دون أن يطرأ تحسن ملموس في حالته الصحية منذ نقله إلى المستشفى.
وفي يوم 12 نوفمبر، 2010 تم نقل ارييل شارون إلى منزله في مزرعة الجميز لمدة 48 ساعة كبداية لسلسلة من الزيارات لأجل إعادته إلى منزله. الخطة النهائية هي إعادته بشكل دائم إلى المنزل توفير التسهيلات المناسبة والرعاية الطبية.[2][3]
أقواله
“جميعنا يجب أن يتحرّك، أن يركض، يجب أن نستولي على مزيد من التلال، يجب أن نوسّع بقعة الأرض التي نعيش عليها. فكل ما بين أيدينا لنا، وما ليس بأيدينا يصبح لهم” – أرئيل شارون، وزير الخارجية الإسرائيلي في خطاب عبر الإذاعة الإسرائيلية. 5 نوفمبر 1998.

نيلسون مانديلا

كاتب الموضوع الأصلي: متعب العصيمي 704

نيلسون روليهلا مانديلا[1] ( من مواليد 18 يوليو 1918 – توفي 5 ديسمبر 2013 [2]) سياسي مناهض لنظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا وثوري شغل منصب رئيس جنوب أفريقيا 1994-1999. وكان أول رئيس أسود لجنوب أفريقيا، انتخب في أول انتخابات متعددة وممثلة لكل الأعراق. ركزت حكومته على تفكيك إرث نظام الفصل العنصري من خلال التصدي للعنصرية المؤسساتية والفقر وعدم المساواة وتعزيز المصالحة العرقية. سياسيا، هو قومي أفريقي وديمقراطي اشتراكي، شغل منصب رئيس المؤتمر الوطني الأفريقي (African National Congress : ANC) في الفترة من 1991 إلى 1997. كما شغل دوليا، منصب الأمين العام لحركة عدم الانحياز 1998-1999.

ولد في قبيلة الكوسا (Xhosa) للعائلة المالكة تيمبو (Thembu). درس مانديلا في جامعة فورت هير وجامعة ويتواترسراند، حيث درس القانون. عاش في جوهانسبورغ وانخرط في السياسة المناهضة للاستعمار، وانضم إلى حزب المؤتمر الوطني الأفريقي، وأصبح عضوا مؤسسا لعصبة الشبيبة التابعة للحزب. بعد وصول الأفريكان القوميين من الحزب الوطني إلى السلطة في عام 1948 وبدأ تنفيذ سياسة الفصل العنصري، برز على الساحة في عام 1952 في حملة تحد من حزب المؤتمر الوطني الأفريقي، وانتخب رئيس لفرع حزب المؤتمر الوطني بترانسفال وأشرف على الكونغرس الشعبي لعام 1955. عمل كمحام، وألقي القبض عليه مرارا وتكرارا لأنشطة مثيرة للفتنة، وحوكم مع قيادة حزب المؤتمر في محاكمة الخيانة 1956-1961 وبرئ فيما بعد. كان يحث في البداية على احتجاج غير عنيف، وبالتعاون مع الحزب الشيوعي في جنوب أفريقيا شارك في تأسيس منظمة اومكونتو وي سيزوي المتشددة (Umkhonto we Sizwe : MK) في عام 1961، ألقي القبض عليه واتهم بالاعتداء على أهداف حكومية. وفي عام 1962 أدين بالتخريب والتآمر لقلب نظام الحكم، وحكمت عليه محكمة ريفونيا بالسجن مدى الحياة.

مكث مانديلا 27 عاما في السجن، أولا في جزيرة روبن آيلاند، ثم في سجن بولسمور وسجن فيكتور فيرستر. وبالموازاة مع فترة السجن، انتشرت حملة دولية عملت على الضغط من أجل إطلاق سراحه، الأمر الذي تحقق في عام 1990 وسط حرب أهلية متصاعدة. صار بعدها مانديلا رئيسا لحزب المؤتمر الوطني الأفريقي ونشر سيرته الذاتية وقاد المفاوضات مع الرئيس دي كليرك لإلغاء الفصل العنصري وإقامة انتخابات متعددة الأعراق في عام 1994، الانتخابات التي قاد فيها حزب المؤتمر إلى الفوز. انتخب رئيسا وشكل حكومة وحدة وطنية في محاولة لنزع فتيل التوترات العرقية. كرئيس، أسس دستورا جديدا ولجنة للحقيقة والمصالحة للتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان في الماضي. استمر شكل السياسة الاقتصادية الليبرالية للحكومة، وعرضت إدارته تدابير لتشجيع الإصلاح الزراعي ومكافحة الفقر وتوسيع نطاق خدمات الرعاية الصحية. دوليا، توسط بين ليبيا والمملكة المتحدة في قضية تفجير رحلة بان آم 103، وأشرف على التدخل العسكري في ليسوتو. امتنع عن الترشح لولاية ثانية، وخلفه نائبه تابو إيمبيكي، ليصبح فيما بعد رجلا من حكماء الدولة، ركز على العمل الخيري في مجال مكافحة الفقر وانتشار الإيدز من خلال مؤسسة نيلسون مانديلا.

أثارت فترات حياته الكثير من الجدل، شجبه اليمينيون وانتقدوا تعاطفه مع الإرهاب والشيوعية. كما تلقى الكثير من الإشادات الدولية لموقفه المناهض للاستعمار وللفصل العنصري، حيث تلقى أكثر من 250 جائزة، منها جائزة نوبل للسلام 1993 و ميدالية الرئاسة الأمريكية للحرية ووسام لينين من النظام السوفييتي. يتمتع ماندبلا بالاحترام العميق في العالم عامة وفي جنوب أفريقيا خاصة، حيث غالبا ما يشار إليه بإسمه في عشيرته ماديبا أو تاتا ، وفي كثير من الأحيان يوصف بأنه “أبو الأمة”.

الحرب الأهلية: أشباح وأوهام

كاتب الموضوع الأصلي: ناصر الخريجي 380

د. رضوان السيد
قبل أيام قُتِل بطرابلس بلبنان شيخ اسمه سعدالدين غيّة، لأنه مُوالٍ لـ«حزب الله»، ومُوالٍ أكثر للتنظيمات المسلّحة بالمدينة والتي ما تزال تعمل عند الاستخبارات السورية. وظاهرة قتل مَن لا تتواءمُ سلوكياتُه مع سلوكيات طائفته جديدةٌ على الطائفة السنية، وقد عُرفت الظاهرة من قبل لدى المسيحيين أولاً ثم لدى «حزب الله»، ولدى الدروز… وها هي تظهر لدى أهل السنة. ولا يدلُّ ذلك على سوء الوضع وتوتره بطرابلس فقط؛ بل ويدلُّ على تصاعد الكراهية بين السنة والشيعة، وسعي كل طائفة إلى تطهير صفوفها، وتصفية «الخونة» من بينهم!

قبل أيام قُتِل بطرابلس بلبنان شيخ اسمه سعدالدين غيّة، لأنه مُوالٍ لـ«حزب الله»، ومُوالٍ أكثر للتنظيمات المسلّحة بالمدينة والتي ما تزال تعمل عند الاستخبارات السورية. وظاهرة قتل مَن لا تتواءمُ سلوكياتُه مع سلوكيات طائفته جديدةٌ على الطائفة السنية، وقد عُرفت الظاهرة من قبل لدى المسيحيين أولاً ثم لدى «حزب الله»، ولدى الدروز… وها هي تظهر لدى أهل السنة. ولا يدلُّ ذلك على سوء الوضع وتوتره بطرابلس فقط؛ بل ويدلُّ على تصاعد الكراهية بين السنة والشيعة، وسعي كل طائفة إلى تطهير صفوفها، وتصفية «الخونة» من بينهم!
موضوعات ذات صلة

النظام السياسي العربي بين الركود والعشوائية!
حلقة نقاشية: وضع إيران الإقليمي في ظل رئاسة روحاني
«جنيف 2» مناورة أم مؤامرة.. وهل سيعقد أم لا؟!
سورية: موازين القوى ترجّح «تسوية مع النظام»
من طرابلس إلى «لبنان الكبير»

إن هذه الظاهرة في مرحلتها الحالية مستورَدة من العراق وسوريا، بعد أن كانت قد خمدت بلبنان على أثر انتهاء الحرب الأهلية عام 1990. وبعد عام 1990 صار معروفاً أنّ كل مَن يُقتل أو يُُغتال تكون المخابرات السورية أو عملاؤها أو المتعاونون معها هم الذين قاموا بذلك. أما في العراق فنحن نعرف أنه عندما تطور النزاع بعد الغزو الأميركي عام 2003، أقبلت الفئات المتشنجة من السنة والشيعة أو العاملة مع إيران والنظام السوري على الاقتتال الطائفي حيث تهجر مئات الأُلوف، وقُتل مئات الألوف. ثم جاء الزرقاوي (2005-2007) لا ليُسعّر الحرب الطائفية وحسْب؛ بل وليصفّي صفوف السنة من «الخَوَنة». والخونةُ عنده كانوا يتراوحون بين مَن يعمل مع الأميركيين، إلى من يقول بالمسالمة بين السنّة والشيعة. وفي الوقت نفسه انصرفت ميليشيات فوضوية، وأُخرى منظمة من جانب الإيرانيين، ومن جانب بعض المشاركين في السلطة الجديدة على تصفية «الخونة» من الشيعة تحت عنوان اجتثاث «البعث». وقتل «الإرهابيين» من السنة تحت عناوين «القاعدة» والوهابية والنقشبندية… إلى حزب «البعث»! وهذا الأمر يحدث مثيله في سوريا منذ سنتين. إنما الأمر في سوريا مختلف عما كان عليه في العراق. فالعراقيون الشيعة الذين شكّلوا السلطة الجديدة مع الأميركيين، ما كانوا يريدون الحرب الأهلية؛ بل يريدون أن يستتبّ الأمر لهم. بينما كان الإيرانيون يريدون الفوضى لتصفية الدولة العراقية التي قاتلتهم في ثمانينيات القرن العشرين. والسنّة المتطرفون يريدون الحرب لإزعاج المحتلين الأميركيين، وللانتقام من السلطة الجديدة التي جاءت على ظهر الدبابات الأميركية. أما النظام السوري والذي اعتاد على الاستثمار في الحروب الأهلية والفوضى في لبنان والعراق؛ فقد تعمََّد تسليح «شبيحة» من العلويين لنهب منازل السنة، وقتل العائلات والأطفال؛ ليقوم الريفيون السنة بالأعمال ذاتها ضد العلويين. وأطلق من سجونه مئات المتشددين السنّة الذين اخترقهم بالطبع، لكي يثيروا الفِتَن في المناطق التي يسيطر عليها الثوار. ولأن الإيرانيين و«حزب الله» كانوا مضطرين للتدخل العسكري خوفاً من سقوط الأسد، فقد أقبل الأمين العام للحزب على الدعوة لقتال «التكفيريين» وحماية المزارات المقدسة منهم، لأنهم يريدون تخريبها. وبذلك فقد قال علناً بقتل المسلمين الآخرين، لأن إطلاق النار على بلدات القصير والسفيرة وغيرها واقتحامها، لا يمكن فيه التفرقة بين المتشدد وغيره! فالفرق بين سوريا والعراق، أن النظام السوري هو الذي أراد الحرب الأهلية، لكي تتشبث به الطوائف العلوية والمسيحية والدرزية والإسماعيلية والشيعية بالبلاد خوفاً من المتطرفين السنة. ولكي يُقبل السنة المستثارون والمستضعفون بدورهم على التسلُّح والردود العشوائية، فيظهروا بمظهر الإرهابي القاتل الذي لا يستطيع إقامة نظام سياسي بديل لنظام الأسد!

تقوم الحروب الأهلية على ثلاثة أوهام: شيطنة الخصم من أجل استحلال إبادته، والتصديق بإمكان الإبادة، كما التصديق بطهارة الذات وضرورة الاستمرار في تنظيفها بالدم. بيد أن هذه «الأَوهام» إنما تستقرُّ في أخلاد العامة المقاتلة، وليس في أخلاد المحترفين القائمين على هذه الحروب. ولهذه الجهة فإن القتلة الدوليين والإيرانيين والنظام السوري هم الأكثر احترافاً في صناعة الأوهام القاتلة وإنفاذها بدون هوادة. وتأتي بعدهم «القاعدة» والشبكات التابعة لها في سنوات عزّها (1998-2008). بيد أنها الآن، بل ومنذ سنوات، عرضة للاختراقات الكثيرة، وللتضليل عبر تحديد الأهداف الخاطئة، والإضرار بنفسها من حيث تريد الإفادة والاستفادة. إنما مرةً أُخرى فإن «حزب الله» أشدّ ضرراً لناحيتين: أنه يستند في تصرفاته إلى قوة دولة كبرى وسطوتها، ثم إنه يتسبب أكثر من «القاعدة» ونظام الأسد في إثارة الفتنة بين الشيعة والسنة.

من هم أصحاب المصلحة إذن في الحروب الأهلية المندلعة اليوم في سوريا والعراق ولبنان واليمن والسودان؟ المصلحة الأولى بالطبع للنظامين السوري والسوداني. أما المصلحة بالدرجة الثانية فللإيرانيين وأنصارهم. ذلك أن النظام أولويته بالطبع فرض الاستقرار عن طريق القمع. لكنه إن يئس من ذلك، فليُطل أمد النزاع وليكثر من التكتيكات، وليستقدم عدة أطراف إلى الداخل للضعضعة والإضرار بصدقية الثائرين عليه، ودفع الآخرين إلى اليأس من سقوطه. أما الإيرانيون فإن إطالة أمد الحرب مفيد لهم من عدة نواح: فهم أقلية في كل مكان رغم تفوقهم بالسلاح والحشد، والقلة لا تستطيع تحقيق الانتصار الكاسح، فتطيل أمد النزاع لإرهاق الخصوم وإرغامهم على التفاوُض والمُساومة. والناحية الثانية أنهم يعتبرون الحروب في مناطق النفوذ وعليها أوراق بأيديهم، وقد ظلوا حتى الآن لا يساومون عليها العرب، بل الأميركيين والإسرائيليين. وهم الآن في ذروة هذه المساومة التي قد تطول وإن يكن المسار قد بدأ، ولذا فالأرجح أن يطول الأمر وتبقى الأزمة في سوريا على اشتعالها. وربما يداخلها الخمول كما في الحالة أو الحالات بالحرب الأهلية اللبنانية. والسبب الثالث أنّ الإيرانيين وهم يحاولون إثارة الشيعة في العراق ولبنان واليمن، نشروا فتنةً بين الشيعة والسنة ما أمكن لـ«القاعدة» نشرها. ولو أنّ إيران بدأت تُهدّئ الموقف الآن، لاحتاج الأمر إلى سنوات لكي تُستعاد الثقة بين السنة والشيعة. قال لي صديق تونسي إنّ ابن أخته اعتبر فجأةً أن أهل السنة في خطر نتيجة قتال إيران و«حزب الله» ضدهم في كل مكان، لذلك ترك أُسرته وجاء إلى سوريا حيث قتل فيها. إنها موجة عالية من الكراهية والاستهداف تسبّب فيها الإيرانيون، وأدخلوا فيها الشيعة العرب تضليلا وإمعاناً في تخريب المجتمعات والدول.

لقد كانت السطور السابقة وصفاً لبعض أَوهام الحروب الداخلية وخيالاتها. وهي حروب لها صنّاعها ومحترفوها كما سبق أن أوضحنا. وطرابلس بلبنان مدينة نال منها الحصار والاستنزاف على مدى ثلاثين عاماً وأكثر. إنما رغم ذلك، يبقى مقتل الشيخ سعد الدين غيّة جريمةً لسببين: إنه سفك للدم الحرام، ودخول في العقلية المدمِّرة للحرب الأهلية، وأن الدم يستسقي الدم، وهو دخول في الفتنة والخراب!

* نقلا عن صحيفة الاتحاد

هل تشعل سياسات أردوغان صراعًا اجتماعيًا في تركيا؟

كاتب الموضوع الأصلي: ناصر الخريجي 380

إبراهيم غالي
عمل حزب العدالة والتنمية التركي خلال السنوات العشر الماضية على السيطرة الكاملة على البلاد بأسلوب هادئ ومتدرج، تمكن خلالها من الحد من نفوذ القوات المسلحة والقضاء باعتبارهما أكبر المؤيدين للدولة العلمانية، كما يسعى الحزب خلال السنوات العشر القادمة إلى إعادة صياغة الهوية التركية وإعادة هندسة المجتمع على أسس مختلفة تعتمد على “أسلمة” المجتمع التركي ونقض الركائز “الأتاتوركية” التي تأسست عليها تركيا الحديثة، بما دفع بعض الاتجاهات إلي القول بأن الحزب ربما يرغب في إنهاء هذه العملية قبل مرور مائة عام على تدشين الجمهورية ذات الصبغة العلمانية في عام 1923.
الهوية التركية مرة أخرى

تشير “حزمة الإصلاحات الديمقراطية” التي أعلن عنها رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان في 30 سبتمبر الفائت بوضوح إلى أن حزب العدالة والتنمية بدأ ينتقل من مرحلة الهيمنة على مؤسسات الدولة إلى مرحلة إعادة تشكيل هوية تركيا مجددًا، إذ على الرغم من أن هذه الإصلاحات تتضمن إدخال تعديلات على النظام الانتخابي والحياة الحزبية وعلى الجوانب المتعلقة بالحريات الشخصية وحقوق الأقليات الدينية والمذهبية والعرقية، فإن تلك الخطوات تعيد تشكيل هوية تركيا وتخاطب بالأساس الوسط الإسلامي المتدين من جانب، وربما تدشن مرحلة جديدة من احتمال عودة الصراع الاجتماعي داخل تركيا من جانب آخر.

ويلفت النظر بداية أن أردوغان تعمد في خطاب الإعلان عن هذه الإجراءات أن يطلب من الأتراك بشكل غير مباشر التوقف عن رؤية أنفسهم كمواطنين يعيشون في دولة علمانية، وعوضًا عن ذلك قال إن ثمة أقليات تعيش في دولة غالبيتها من المسلمين السنة، وأن حكومته وحزبه يعملان على تقوية حقوق هذه الأقليات، فيما يمكن أن يطلق عليه “العثمانية الجديدة”، حيث أشار أردوغان إلى معركة “مانزيكرت” للترويج لحزمته الإصلاحية، وهي تلك المعركة التي انتصر فيها السلطان السلجوقي ألب أرسلان في عام 1071 على الإمبراطور البيزنطي رومانس، لتكون أول معركة كبرى ينتصر فيها الجيش المسلم العثماني على المسيحيين في منطقة آسيا الوسطى، في محاولة للتذكير بانتصارات الإسلام، وهو ما يعيد ترسيخ هوية تركيا الإسلامية.

بيد أن إجراءات أردوغان، وإن كانت تتضمن إجراءات إصلاحية، إلا أنها تحمل في طياتها مخاوف من إشعال صراع اجتماعي في المستقبل، بدأت بوادره في الظهور مع احتجاجات ميدان “تقسيم” في شهر يونيو الماضي، ولا تزال تداعياته تلقي بظلالها على تركيا كما يظهر في تصاعد حدة الخطاب التقسيمي في تركيا في وسائل الإعلام وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، وبروز مقولة “نحن وهم”، وظهور استقطاب اجتماعي واضح لدى تناول القضايا الداخلية وسياسة تركيا الخارجية يكاد يبلغ حد العداء الأيديولوجي؛ الأمر الذي يشير إلى تغير ديناميات المجتمع التركي كما يتضح على سبيل المثال في النقاش حول فقدان تركيا فرصة استضافة دورة الألعاب الأوليمبية في عام 2020 أو في المشكلة التي حدثت خلال مباراة كرة القدم بين فريقي “جلاطة سراي” و”بشكتاش” التي تحولت لأعمال عنف، أو حتى خلال النقاشات حول مواقف الحكومة من التغيير السياسي في مصر والحرب الأهلية في سوريا.

وتحمل الاحتجاجات التي شهدتها تركيا في الأشهر الأخيرة إشارات واضحة إلى طبيعة الصراع الاجتماعي بين قطاع عريض من الشباب وبين النخبة الحاكمة، وهو ما يخلق فجوة “جيلية”، إذ لم تهدف مظاهرات الشباب إلي إسقاط النظام التركي ولا يمكن اختزالها كذلك في أنها صراع بين المحافظين المتدينين والعلمانيين الليبراليين، بقدر ما أنها عبرت عن فجوة كبيرة بين رؤية الشباب والطبقة الوسطى المطالبة بالمزيد من التعددية والحريات الفردية الأساسية مثل الحق في التجمع السلمي وحق رقابة ومحاسبة الحكومة، وبين رؤية طبقة حاكمة تعاملت مع هذه الاحتجاجات بأسلوب قسري واستبدادي.

إصلاحات أردوغان والصراع الاجتماعي

يؤشر تركيز أردوغان على إعادة صياغة المجتمع والهوية التركية إلى احتمالات عودة الصراع الاجتماعي بين فئات المجتمع التركي، حيث يرى المعارضون أن تدابير أردوغان هي مجرد امتداد للبقايا غير الديمقراطية لدستور 1982 الذي كتب في ظل الأحكام العرفية، وأنها لا تزال بعيدة عن حل المشكلات المستعصية في البلاد ولا تتناسب مع تعهده خلال الانتخابات الأخيرة بإعطاء المواطنين الأتراك حقوقًا متساوية. وتظهر أفق هذا الصراع الاجتماعي في مؤشرين: يتعلق الأول بوضع الأقليات ويرتبط الثاني بـ”أسلمة المجتمع” من خلال مدخل الحقوق الفردية، إذ على الرغم من أن تأكيد الحكومة التركية على أن إجراءات أردوغان تتماشى ومتطلبات حقوق الإنسان، فإن ذلك التحول يثير العديد من التحديات المستجدة التي ربما تشكل تهديدًا لتركيا في المستقبل القريب.

وعلى سبيل المثال فقد أعاد أردوغان بشكل مفاجئ الأصول القديمة للأقلية الليزغينية والقوقازية التي كادت أن تذوب بمرور الوقت في وعاء الهوية التركية، حيث وعد بالسماح لأعضاء هذه الأقلية بتعليم الأطفال في المدارس الخاصة بلغتهم، علمًا بأن ما يقارب من 20% من سكان تركيا من أصول ليزغينية وقوقازية أخرى من بينهم الشركس والكراتشيين والداغستانيين والأدمريين، بينما لم يقدم في الوقت ذاته سوى القليل للأقلية التي تمكنت من الحفاظ على هويتها على مدى العقود التسعة الماضية، أي الأكراد الذين يشكلون أكثر من 15% من سكان تركيا.

وبالمقابل لم يرد أي ذكر لحقوق الأقلية العلوية في حزمة الإصلاحات ليس فقط بسبب تأييدهم للتوجه العلماني للدولة التركية ولكن أيضًا لاستمرار عدم تضمين تعاليمهم الدينية ضمن برامج مديرية الشئون الدينية التي تعد معبرًا فقط عن المسلمين السنة، في وقت لا يزال العلويون ممنوعين من الحصول على تراخيص لبناء مساجد خاصة بهم. أما الإصلاحات الخاصة بالأقليات المسيحية فتمثلت فقط في إعادة أراضٍ وكنائس إلى الطائفة الآشورية وضعت الدولة التركية يدها عليها في السابق، فيما لم يتم السماح مثلا للبطريركية الأرثوذكسية اليونانية بعودة فتح الجامعة اللاهوتية في إحدى الجزر القريبة من اسطنبول، ولم يتم منح الأرمن وعدًا بإمكانية فتح تحقيقات شفافة حول المذابح التي ارتكبت في عام 1915.

القضية الثانية التي ربما سوف تثير صراعًا اجتماعيًا في تركيا تتعلق بمساعي أردوغان لـ”أسلمة” المجتمع التركي والقضاء على بقايا الأتاتوركية. ولا يعود ذلك إلى ما تضمنته حزمة الإصلاحات من رفع الحظر عن الحجاب في كل المؤسسات العامة والخاصة، والسماح للمحجبات بالعمل في مؤسسات حكومية، باستثناء الجيش والقضاء اللذين سيضعان إجراءات خاصة بعمل المحجبات داخلهما لاحقًا، والحكم بسجن كل من يعيق أداء شخصٍ آخر طقوس عبادته، ولكن يعود إلى أن زوجة الرئيس التركي لا تزال تواجه عداءً من بعض الفئات بسبب الحجاب، وهو ما يشير إلى احتمال تحول العداء للمحجبات سابقًا إلى عداء غير المحجبات في المستقبل، لأن معركة الحجاب التي استمرت تسعين عامًا في تركيا شكلت دائمًا محور صراع ضاريًا بين العلمانية والهوية الإسلامية.

خلاصة القول، إن سياسة أردوغان الهادفة إلى الحفاظ على تقدم حزب العدالة والتنمية الانتخابي من جانب والسعي لإعادة تشكيل الهوية التركية من جانب آخر ربما تفتح مجالا للصراع بين فئات عديدة داخل تركيا: بين القوميين والإسلاميين والأقليات، وبين المحافظين والعلمانيين، وبين المرأة وبقية المجتمع، وبين قطاعات الشباب والطبقة الوسطى والنخب السياسية، كما أنها تثير التساؤل بشأن مدى قبول نصف الأتراك الذين يعارضون حزب العدالة والتنمية لإجراءات أردوغان المختلفة، حيث لا يشارك هؤلاء الإسلاميين حلم استعادة الدولة الإسلامية التركية ولا يؤيدون فرض برامج وسياسات إسلامية رغم طبعهم المحافظ بوجه عام.

(*) باحث بالمركز الإقليمي للدراسات الاستراتيجية في القاهرة

نيلسون مانديلا .. إنغلاق زمن الأساطير .. بقلم فهد الشقيران

كاتب الموضوع الأصلي: صالح العبيسي 333

تتآكل الشخصيات النضالية الأسطورية تباعا، ذلك أن زمن الأيقونات التي تقود الشعوب نضاليا ضمن المفاهيم المتعارف عليها في القرن العشرين مع صعود التيارات الشمولية قد انتهى بتسيد النمط الفردي المنسجم مع نظم الاقتصاد العالمي، وزمن العولمة وتساوي الرؤوس، وانفجار المعلومة وسيلانها من المكتبة إلى شبكات المعلومات، بالإضافة إلى تحوّل المجتمعات إلى جحافل تعيش في الواقع الافتراضي، كل تلك العوامل ساهمت في تآكل الأساطير الكبرى النضالية وانتهائها كليا، ورحيل نيلسون مانديلا الذي كان له دور في محاربة العنصرية، وأدوار أخرى في أفريقيا والعمل الإنساني إنما يعجّل بنضج هذه الفكرة التي قيلت مع انتهاء القرن العشرين، حين يكون مركز الإنسان ليس قائده وصنمه ومعبوده، وإنما ظلّه.. وربما أشبع رغبته في صنع أسطورته ليجدها في اللاعب الرياضي المبدع، أو الفنانين والفنانات في عالم السينما والغناء.

أخذت شخصية مانديلا بعدا نضاليا إلى درجة جعلت منه مرجعا في عالم الإصرار على السجن، أو التعلق بمبادئ الحزب أو التيار، بسبب من سجنه الذي ناهز الربع قرن وأزيد. جعل من مذكراته: «رحلتي الطويلة من أجل الحرية» رفيقا للمناضلين بل وللحركيين من الأصوليين والشموليين، حتى إن هذه المذكرات انتشرت وبكثافة في أوساط الأصوليين الإسلاميين في الخليج والعالم باعتبارها قصة ضخمة لشخص لم يبع مبادئ حزبه وأصر على الوصول إلى النهاية، وبخاصة أن الخاتمة في مسيرة نضال مانديلا تعجب الأصوليين إذ انتهت بالخروج من السجن إلى «العرش».

مانديلا ليس المهاتما غاندي، هو شخصية سياسية لها إيجابياتها وسلبياتها، أبدع في موضوع مقاومة العنصرية ضد السود، ومن ثم انتقل لمنازعة إسرائيل على المواقف ضد الفلسطينيين، وتدخل لإنهاء أكثر من نزاع، ورأى فيه بيل كلينتون «قديسا» واعتبره مثالا له، ولهذا يمكن اعتباره من الشخصيات السياسية الإشكالية التي يجب أن تناقش مواقفها بهدوء بعيدا عن منطق الحق المطلق، والتقديس التام، ثمة علامات سلبية في تاريخه النضالي، بالإضافة إلى المشروعية الأخلاقية لمطالبه فيما يتعلق بالعنصرية. غير أنه مارس الأسلوب المتشدد بمساهمته مع الحزب الشيوعي في جنوب أفريقيا لتأسيس منظمة «أومكونتو وي سيزوي».

بانتهاء مسيرة مانديلا نتذكر السحر الآسر الذي أسست له سيرته الذاتية، إلى درجة جعلت الكثير من الأصوليين ينظرون إليه على أنه متكامل لولا أنه لم يُسلم، فأرسل إليه بعضهم طالبا منه المبادرة في الدخول إلى الدين. سيرة السجن التي كتبها أججت الكثير من أحلام الآيديولوجيات في المنطقة، وصل البعض إلى محاولته لأن يحاكي أسلوب مانديلا في السيرة الذاتية فبدا مضحكا في سيرته الذاتية وهي سيرة السجن ضمن تيار الأصولية، لا ضمن المطالبة بالحقوق المشروعة كما يدّعون.

وبطبيعة حال النضال التي التصقت بسيرة مانديلا فقد وقف حتى مع بعض القضايا الخاسرة، فهو يدعم أحيانا بعض القضايا لا لمشروعيتها وإنما لضعف أصحابها. من هنا تكوّنت الشعبية العارمة له في مجاهل أفريقيا والشرق الأوسط وقطاعات كثيرة من المجاميع الحقوقية، وأولع به أهل الهتافات من اليساريين ومن لفّ لفيفهم من الحركيين في أنحاء الأرض.

على الرغم من قوة مواقف مانديلا الداعمة لمواضيع الحرية والحق بالعيش الكريم للمجتمعات العربية ومن بينها الشعب الفلسطيني، غير أن هذا التأييد لم يأت ضمن رؤية «لاعنفية» كما يظن البعض، فهو يؤيد حركة حماس وغيرها من جماعات النضال، وعليه فإن المشكلة تكمن في توصيف مواقفه وتحليلها، فهو ليس «غاندي» أفريقيا، غير أنه مناضل شرس عنيد، أراد أن يحقق ما يريد ولو بالسجن والقوة أحيانا. وهذا ليس على سبيل النقد أو الانتقاص بقدر ما نضعه على طاولة التشريح والمساءلة لئلا تخلط المواقف أو الانتماءات.

ولى زمن المناضلين الأساطير، وأصبحنا أمام عالم لا تحكمه الخطب والضجيج، وإنما تحكمه السياسات والاستراتيجيات والمصالح والصفقات والتفاوضات. لم يعد هذا الزمن ملائما لمنطق الشعارات حول الكرامة والزعامة والهزيمة، بل أمام زمن «التواصل» وأعراف «التفاوض» والقوة لا تحل المشكلات وإنما تزيدها تعقيدا. والكثير من القضايا كان يمكن أن تحل بالتفاوض لو أنها عولجت به كمنهج حداثي عالمي يأتي في سياق مستجدات هذا القرن الذي لن يتيح بطبيعة نظامه انتصار الميليشيا والشمولية والزعامات النضالية التي لا تجيد رسم الخطط وتعميم الحوار، نعم الحوار مع أي عدو مهما كانت خطورته.

برحيل مانديلا نودع آخر الزعامات النضالية الكبرى، وتختم صفحة من نمط شارف على التآكل، وصفحة انطوت وذوت. عاش مثيرا للجدل في كل تفاصيله، واستحق هو بكاريزماه كل هذا الجدل الكبير.

الحرب العالمية الأولى , الدوافع و الاسباب .

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالإله العيسى30

اسباب الحرب العالمية الاولى:

1) رغبة فرنسا بالثار لهزيمتها مع المانيا 1870 . خسرت فرنسا هذه الحرب واجبرت على التوقيع على صلح فرانكفورت 1871. بموجب هذا الصلح تخلت فرنسا عن مقاطعتين الالزاس والاورين ودفعت غرامة مالية تقدر بخمسة مليارات فرنك من الذهب.
2) سياسة الاحلاف والاحلاف المضادة .هذة الحلاف ساعدت على زيادة التوتر ما بين الدول الاوروبية في هذة الاحلاف حلف القياصره الثلاثة المانيا , النمسا , روسيا. بسبب الخلاف ما بين النمسا وروسيا حول منطقة البلقان ,انسحبت روسيا من الحلف, فرنسا اشعلت الوضع وتحالفت مع روسيا وانضمت اليهم بريطانيا وتكون حلف دول المركز (المانيا ,النمسا,الامبراطورية العثمانية)وحلف دول الحلفاء(فرنسا,روسيا,بريطانيا,ايطاليا)وانضمت اليهم الولايات المتحدة سنة1917
3) السلم المسلح:شهدت اوروبا في القرن الثامن عشر توازن قوى غير ان هذا المبدا افتل في القرن التاسع عشر خاصة بعد الوحدة الالمانية , المانيا ظهرت دولة قويه واخذت تسلح نفسها . فرنسا دخلت سباق التسلح واخذت هي الاخرى في بناء قوتها العسكرية وهذة السياسة ساعدت على زيادة التوتر مابين الدول الاوروبية
4) السباق الاستعماري :كان لمعظم الدول الاوروبية مستعمرات فيما وراء البحار , المانيا دخلت السباق الاستعماري وهذا زاد من التوتر ما بين الدول الاوروبية
5) شهدت اوروبا في القرن التاسع عشر يقظة فكرية قومية هذه اليقظة حققت نجاح كبير بعد الوحده الالمانية والوحدة الايطالية . في اوروبا العديد من القوميات والشعوب .هذه القوميات بدات تطالب بالحريه والاستقلال وحق تقرير المصير وهذا سيؤدي الى حروبات وصدامات وخلافات خاصة في منطقة البلقان حيث القوميات متشابكة ومتداخلة ووصفت منطقة البلقان على انه برميل بارود قابل على الانفجار في اي لحظة .

السبب المباشر لنشوب الحرب العالمية الاولى:
كان السبب المباشر لنشوب الحرب العالمية الاولى مقتل ولي عهد النمسا وقد جاء مقتله على خلفيه قومية ,الصرب طالبوا بالحرية وعندما رفضت النمسا ناضل الصرب في سبيل الحصول على حق تقرير المصير وعندما زار ولي العهد النمساوي الصرب اغتيل على يد جماعة الكف الاسود الصربيه فارسلت النمسا انذارا شديد اللهجه الى الصرب ز

الانذار النمساوي:
· على الصرب ان تعزل الموظفين والقواد المعادين لنمسا
· على الصرب منع ايه دعاية معادية للنمسا
· اغلاق الصحف والمجلات المعادية للنمسا
· الاشتراك في التحقيق الجاري بشان مقتل ولي العهد
هذا النذار مهين بحق الصرب بما فيه تدخل في شؤونها الداخليه فرفضت الانذار فاعلنت النمسا الحرب على الصرب .

الخطط العسكرية
شعرت الدول الاوروبيه ان الحرب قريبة لذلك تهيات لها بوضع خطط عسكرية
خطة المانيا العسكريه:
خطه شليفين, على اسم قائد الجيش الالماني 1905 جرى على هذة الخطة عدة تعديلات وهي خطة هجومية تعتمدعلى عامل السرعة والزمن وتقتضي بهجوم المانيا على فرنسا ليس عن طريق حدودها المباشرة وانما عن طريق الدول المحايدة فتحتل فرنسا خلال اسبوعين ثم تسحب قواتها الى الجبهة الشرقيه لمحاربة روسيا في نفس الوقت تضع المانيا حاميات عسكرية على حدودها المباشره مع فرنسا وعلى حدودها مع روسيا
خطة فرنسا العسكرية
الخطه 17 وهي خطة دفاع ,اقامه سلسله من التحصينات والقلاع على حدودها المباشرةمع المانيا تحسبا من دخول الجيش الالماني الى فرنسا من الحدود المباشره
خطة بريطانيا العسكرية
ارادت بريطانيا ان تحافظ على توازن القوى في اوروبا واهتمت بمستعمراتها واسطولها البحري .ففي حالة نشوب حرب في اوروبا فانها ستساعد فرنسا ب 200 الف جندي .

سير العمليات العسكرية خلال الحرب
بدات المانيا بالهجوم على فرنسا تحقيقا لخطة شليفين العسكريه ,هاجمت الجيوش الالمانية فرنسا بثلاث جيوش:الجيش الاول من ميتز الى نانسي
الجيش الثاني عبر لوكسمبورغ
الجيش الثالث في الاراضي البلجيكية
الالماني غير ان تقدم الجيش الالماني اعيق في بلجيكا لمدة 12 يوما وبعد 18 يوما دخلت الجيوش الالمانية الاراضي الفرنسيه حتى وصلت الى مسافة كيلو متر من مدينة باريس غير ان الجيش الفرنسي بمساعدة الجيش البريطاني صد الجيش الالماني الى الوراء لتصبح الحرب بين الطرفان حرب خنادق فحصن كل جيش في خنادق واستمرت حرب الخنادق ثلاث سنوات على جبهة بطول 1500 كيلو متر .خلال الحرب جرت عدة معارك منها معركة المارن ,معركة فردان ومعركة السوم في هذة المعارك تكبد الطرفان خسائر فادحة في الارواح والممتلكات .

الجبهة الشرقية في الحرب العالميه الاولى
رغم ان الجيش الالماني على الجبهة الشرقيه كان قليلا الا ان قائد الالمان “هندنبرغ” استطاع من احراز الانتصارات في عدة معارك على الجيش الروسي حتى ان روسيا بدات تفكر في الانسحاب من الحرب.
اسباب انسحاب روسيا
1) الهزائم العسكرية المتتالية للروس على الجبهة
عدم وصول المؤن والمعدات العسكرية من دول الغرب لروسيا لان دول حلف المركز,الامبراطورية النمساوية المجرية,بلغاريا ,الامبراطورية العثمانيةوالمانيا )شكلوا حاجزا امام وصول المساعدات لروسيا
2) انتشار الاوبئة والامراض والمجاعة في صفوف ابناء الشعب الروس
3) نظام الحكم القيصري الظالم

نتيجة لهذة الاسباب كان على روسيا ايقاف الحرب والانسحاب منها غير ان القيصر رفض الانسحاب من الحرب فنشبت ثورات شملت غالبية روسيا ادى الى اجبار القيصر التنازل عن السلطة ووصول حكومة ليبرالية الى السلطة في روسيا غير ان هذه الحكومه لم تعمل على ايقاف الحرب فنشبت ثوره جديدة في اوكتوبر 1917 اوصلت الاشتراكيين الى الحكم (لينين ورفاقه ). هؤلاء ارادوا بناء مجتمع العدل والمساواة ولتحقيق هذة الغاية يجب الانسحاب من الحرب وجرت المفاوضات ما بين روسيا والمانيا انتهت بصلح بريست-لوتفسك بموجبها انسحبت روسيا من الحرب مقابل خسارتها العديد من المناطق.

الولايات المتحدة ودورها في الحرب
حتى سنة 1914 اعتمدت الولايات المتحدة سياسه الحياد حسب مبدا مونرو(رئيس الولايات المتحدة الامريكية)والذي نص على عدم تدخل امريكا في الشؤون الاوروبية رغم ذلك دخلت الولايات المتحدة الحرب سنة 1914.

نتائج الحرب العالمية الاولى
(1) من الناحية المادية والانسانية:قتل من جراء الحرب 9 ملايين جندي وجرح ضعف هذا العدد وكلفت 400 مليار دولار
(2) من الناحية السياسية
انتصرت دول الحلفاء على دول المركز .سقوط اربع امبراطوريات (المانيا ,النمسا,العثمانية ,وروسيا).ظهور دول جديدة على الخارطه السياسيه في اوروبا مثل بولنداوتشيكوسلوفاكيا وظهور انظمة جديدة في اوروبا (النظام الاشتراكي في الاتحاد السوفييتي ,النظام النازي في المانيا,والنظام الفاشي في ايطاليا)
(3) من الناحية الاقتصادية
اصاب اوروبا ازمات ماليه ,بطاله ,تضخم مالي وارتفاع في الاسعار

الصعود السياسي للمؤسسات الدينية في مصر وتركيا

كاتب الموضوع الأصلي: ناصر الخريجي 380

محمد عبد القادر خليل
جرت العادة أن ثمة وزارات سيادية في الدول ليس من بينها وزارة أو إدارة تُعنى بالخدمات الدينية التي تضطلع بها مؤسسات دينية ترتبط بالدولة بشكل أو بآخر، غير أن هناك تطورات ذات مغزى شهدتها المؤسستان الدينيتان في كل من مصر وتركيا، حيث الأزهر الشريف في مصر، ورئاسة شئون الأديان في تركيا، والتي تعرف باسم “ديانات”، بما جعل هاتين المؤسستين أقرب ما تكونان إلى الوزارات السيادية. فقد تعدت الأدوار السياسية المهام الدينية، وأضحت المحركات الأساسية للوظائف السياسية ترتبط بنمط السياق المحلي، وطبيعة العلاقات والتفاعلات الشائكة بين الفاعلين المحليين حيال قضايا علاقة الدين بالدولة.
ففيما يتعلق بمصر، لعب الأزهر الشريف أدوارًا سياسية بعد ثورة 25 يناير جعلت منه -في أحيان- فاعلا مستقلا عن الدولة، وفي أحيان أخرى مؤسسة تابعة لها، كما قام في بعض الأحيان بدور الوسيط بين الدولة ذاتها وبعض التيارات السياسية-الدينية، كما كان في أوقات عديدة موضعًا للصراع، وهو أمر تفادته رئاسة شئون الأديان في تركيا، كون وظائفها ارتبطت منذ نشأتها بمهام حددتها الدولة، وإن كانت الوظيفة المشتركة تتمثل في تأكيد القيم المعتدلة للإسلام ومواجهة “الإسلام الراديكالي”.

عناصر التشابه والاختلاف

لا يمكن بأي حال من الأحوال المقارنة بين الدور التاريخي الذي لعبه الأزهر الشريف عبر العالم في نشر تعاليم الإسلام إلى مختلف شعوب العالم، والدور الذي تضطلع به مديرية الشئون الدينية في تركيا، التي يمكن مقارنتها بوزارة الأوقاف في مصر، فالجهتان تابعتان بصورة مباشرة لرئاسة الوزراء، واضطلعتا بالدور المركزي في تعيين الأئمة والخطباء، والإشراف النسبي على شئون المساجد في الدولة. ويمكن تحديد أوجه التشابه والخلاف بين المؤسسات الدينية في مصر وتركيا من خلال التعرض لعدد من القضايا الرئيسية.

* الدين والدولة: على الرغم من أن الأزهر لعب دورًا سياسيًّا مركزيًّا في عملية التحرر الوطني، وفي مناصرة القضايا القومية، وفي تأكيد الهوية الإسلامية لمصر، من خلال عمليات الإفتاء والتعليم، وتأكيد وسطية الإسلام؛ فإن “ديانات” لعبت دورًا لم تقم به حتى وزارة الأوقاف في مصر، حيث كان الهدف من إنشاء هذه المؤسسة ليس خدمة شئون الإسلام، بقدر الحفاظ على علمانية الدولة ذاتها من جهة، ومواجهة أية تيارات إسلامية راديكالية من جهة أخرى.

وقد بدا ذلك واضحًا من سياق النشأة، حيث أُسست في 14 مارس عام 1924، وذلك في إطار مجموعة من الإجراءات التي تبنتها الدولة الوليدة وقتذاك لإبعاد الدين عن المجال العام، ومنع تشكيل الأفكار المضادة للجمهورية، والتي تطالب بإعادة إحياء السلطنة العثمانية. ورغم أن الدولة التركية تم تعريفها آنذاك باعتبارها دولة علمانية، إلا أن الدين تم إدماجه ضمن الجهاز البيروقراطي للدولة من خلال إنشاء “ديانات”.

وعلى جانب آخر فإن المؤسستين عبرتا عن هوية الدولة في كل من مصر وتركيا، فالأزهر الشريف يمثل “الإسلام السني” في العالم، ويجسد باعتداله الطبيعة الوسطية لهوية مصر العربية، فيما تؤدي “ديانات” الدور ذاته في تركيا، ذلك أنها تعبر عن الهوية التركية التي تتشكل من رافدي “الإسلام السني” والقومية التركية.

* التعليم الديني: على العكس من مؤسسة الأزهر التي لديها عدد ضخم من المدارس الدينية لمختلف الأعمار (بلغت نحو 8600 مدرسة ومعهدًا بنهاية عام 2011) وعدد كبير من الكليات في مختلف التخصصات (تضم نحو 350 ألف طالب)، فإن رئاسة الشئون الدينية في تركيا، لم يُلحق بها أي مؤسسة تعليمية، حيث تبعت هذه المؤسسات وزارة التعليم التي ارتبطت سياساتها بنمط توجهات الحكومة التي سمحت بعد ذلك لـ”ديانات” بتقديم دروس تعليم القرآن في المساجد، وهي الوظيفة التي توسعت بعد وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم، ليُقبل على هذه الدروس نحو 3 ملايين طالب يتم تدريبهم بواسطة نحو 115 ألف معلم، وذلك بعد أن تم إلغاء قيود السن القانونية للتلاميذ المسموح لهم بحضور دورات تعليم القرآن الكريم.

هذا في حين ساهمت سياسات حكومة حزب العدالة في تضاعف عدد مدارس الأئمة والخطباء؛ حيث كان هناك قبل عام 2002 نحو 450 مدرسة، وصلت في عام 2012 إلى نحو 1807، ومن المقرر أن تزداد خلال العام الحالي بنحو 250 مدرسة أخرى. كما أضحى عدد كليات اللاهوت في تركيا نحو 12 كلية، أصبحت تشارك من خلال خريجيها على نحو متزايد في الوظائف الأكاديمية والعامة.

* وضعية الشيعة: واحدة من الإشكاليات المركزية التي واجهت عمل المؤسسات الدينية في الدولتين، وإن بدرجات متفاوتة، تعلقت بوجود أقليات شيعية، ذلك أن مؤسسة الأزهر تدرس فيها كافة مذاهب الإسلام، ولا توجد بمصر أعداد كبيرة من المواطنين الشيعة مقارنة بتركيا، التي لا تعترف بالشيعة كأقلية دينية، فدستور عام 1982 يقصر تعريف الأقلية على مواطني تركيا من غير المسلمين، بما يحرم نحو 20 مليون شيعي من حقوقهم الدينية في إقامة حسينيات.

وعلى الرغم من أن مواد الدستورين المصري (1971-2012) والتركي (1982) ينصان على الحق في حرية ممارسة الشعائر الدينية (للأديان السماوية الثلاث)، غير أن الشيعة تمتعوا في مصر بدرجة أعلى من الحرية قبل ثورة 25 يناير في مصر، ذلك أن تصاعد الأدوار السياسية للتيارات السلفية بعد ثورة يناير قد وضع المؤسسات الدينية المصرية أمام تحدي القدرة على ضمان حقوق المواطنين الشيعة، واحتواء غضب التيارات السلفية التي “تكفر” مواطني مصر من الطائفة الشيعية. هذا في حين أوجد عدم اعتراف الدولة التركية بالعلويين كأقلية، مشكلات تتعلق بالوضعية القانونية لأماكن عبادة المواطنين من الطائفة العلوية.

وعلى الرغم من أن عددًا من الجمعيات العلوية دأبت على المطالبة بتمويل إنشاء الحسينيات، غير أن رئاسة “ديانات” تركزت رؤيتها حيال هذه القضية في مقولات عديدة منها: أنه لا أماكن بديلة للعبادة عن المسجد، وأن أي حدث مناقض لذلك سيعني أن العلويين الأتراك يعتنقون دينًا مستقلا، بما يؤدي إلى “اغتراب العلويين”.

التبعية والاستقلال عن الدولة

شكلت قضية العلاقة بين المؤسسات الدينية وبين الدولة مسألة مركزية في مصر وتركيا، ذلك أن السلطة السياسية في الدولتين عملت دائمًا على ألا تخرج هذه المؤسسات عن إطار رؤى وتوجهات الدولة، وكان ضمان ذلك مكفولا عبر عدد من الأدوات.

* التمويل: شكلت قضية تمويل المؤسسات الدينية مسألة مركزية في تبعية هذه المؤسسات للسلطة الحاكمة، وعلى الرغم من أن كلا من مؤسسة الأزهر ووزارة الأوقاف تتسم ميزانيتاهما بالانخفاض النسبي مقارنة بأغلب وزارات الدولة، خصوصًا الداخلية والتعليم والصحة، غير أن ميزانية رئاسة الشئون الدينية تتجاوز المخصصات المالية لأحد عشر وزارة، بما فيها الكبرى منها، كوزارتي الداخلية والخارجية، وكانت ميزانية هذه المؤسسة قد تلقت زيادة تقترب من مليار ليرة تركية عن ميزانيتها الأخيرة لتصل نحو 4.6 مليارات ليرة، وذلك بعد أن قدرت في عام 2012 بنحو 3.89 مليار ليرة.

* “التعيين”: ارتبطت المؤسسات الدينية الرسمية في مصر وتركيا بالدولة من حيث تعيين القيادات، ورغم أن ذلك لم يكن محركًا كافيًا لضمان تبعية الأزهر الكاملة للحكومة في مصر، وإنما التبعية النسبية، فإن رئاسة الشئون الدينية كانت تابعة على نحو كامل للسلطة السياسية، وذلك لكونها مؤسسة إدارية لا تتمتع بأدنى استقلالية في مواجهة الحكومة، كونها، من ناحية، تابعة تنفيذيًّا لرئاسة الوزراء، ومن أخرى ارتباطًا بأن المهمة الأساسية الموكلة لها تتعلق بالحفاظ على الطابع العلماني للدولة.

وعلى الرغم من أن منصب شيخ الأزهر كان يتم اختيار شاغله من قبل رئاسة الجمهورية في مرحلة ما قبل ثورة 25 يناير، غير أن دستور عام 2012، قد وضع حدًّا لاختيار شيخ الأزهر من خلال السلطة الحاكمة، حيث نص في مادته الرابعة على أن “الأزهر الشريف هيئة مستقلة جامعة، يختص دون غيره بالقيام على كافة شئونه، وشيخ الأزهر مستقل غير قابل للعزل، يحدد القانون طريقة اختياره من بين أعضاء هيئة كبار العلماء”. وقد تم إقرار ذات المادة في دستور عام 2013.

وفي مقابل ذلك، فقد عُدل القانون الخاص برئاسة الشئون الدينية الموجود منذ عام 1965، بما يسمح لمجلسها الأعلى باختيار ثلاثة أشخاص يختار رئيس الوزراء واحدًا من بينهم، يتم تعيينه بعد تصديق الرئيس، على أن ينتخب لمدة 5 سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة. وعلى الرغم من أن القانون الجديد دخل حيز التنفيذ في يوليو 2010، ويعطي ديانات استقلالية نسبية أكبر، غير أنه في حقيقة الأمر لم يغير من معادلة علاقات القوة مع الحكومة التركية.

* “الاختراق”: حاولت السلطة الحاكمة في كل من مصر وتركيا الهيمنة على المؤسسات الدينية، ليس من خلال تعيين من يعد أقرب لها على رأس هذه المؤسسات فحسب، وإنما أيضًا من خلال منع اختراق هذه المؤسسات من أسفل، وذلك من قبل تيارات إسلامية تتسم بالراديكالية.

وقد بدا “الاختراق العكسي” واضحًا في تجربة رئاسة الشئون الدينية بتركيا، ذلك أن النظرة الفاحصة على تطور أعداد موظفي “ديانات” يوضح أن حزب العدالة والتنمية يتحرك بفاعلية للسيطرة عليها من خلال عمليات “اختراق منظمة”، فعلى الرغم من ارتفاع عدد الموظفين بشكل مطرد على مدى السنوات الخالية بما يتناسب مع معدلات النمو العام للسكان في تركيا، فإن السنوات الأخيرة باتت تشهد زيادة عدد موظفي “ديانات” بمعدلات أعلى، ففي عام 2010 وحده تم تعيين نحو 15 ألف شخص.

الأدوار السياسية للمؤسسات الدينية

برزت الأدوار السياسية للمؤسسات الدينية في كل من مصر وتركيا خلال السنوات الأخيرة، وتجلت في العديد من المظاهر، وذلك بفعل التطورات السياسية المحلية.

* تدين المجال العام: على الرغم من قيام عبد الناصر بمصادرة الأوقاف الدينية والأهلية، والسعي لإحكام سيطرة الدولة على مؤسسة الأزهر، بما ساهم في إفقاده جزءًا كبيرًا من القدرة على التواصل مع المجتمع، غير أنه استطاع أن يؤدي دورًا مركزيًّا في تأكيد هوية مصر الإسلامية، وفي ترسيخ قيم الإسلام من خلال عدد هائل من خريجي جامعة الأزهر ومدارسه، كما أدى علماؤه دورًا رئيسيًّا في تأكيد حضور القيم الدينية في المجتمع من خلال أحاديثهم العامة، وخطبهم في المساجد، ولقاءاتهم بوسائل الإعلام.

وفي المقابل من ذلك فإن مؤسسة “ديانات” التي تشرف على معظم المساجد في تركيا، شأنها في ذلك شأن وزارة الأوقاف المصرية؛ لم يكن لها دور مركزي في تدين المجال العام خلال السنوات السابقة على حكم حزب العدالة والتنمية، غير أنها في السنوات الأخيرة وبدعم من الحزب الحاكم لعبت دورًا مركزيًّا في دعم توجهات و”أجندة” الحزب الدينية من خلال الدفاع عن القضايا التي يناصرها.

وقد اتضح ذلك في مواقف هذه المؤسسة من قضايا الحجاب، ومنع “الإجهاض”، والدفاع عن سياسات الحكومة في عدم تقديم المشروبات الكحولية على طائرات الخطوط الجوية التركية، والفصل بين طلبة الجامعة في السكن، وتقييد بيع المشروبات الكحولية للشباب.

* مرآة للصراع الأيديولوجي: كان الأزهر على الدوام موضع صراع بين الدولة التي تبغي ضمان تبعيته الدينية والسياسية لها، وبعض التيارات التي لم تنجح في اختراقه على نحو مؤثر، بما أفضى إلى غياب أي تمايز بين النظام الحاكم في مصر ومؤسسة الأزهر، ومع أن حركة الإخوان المسلمين وبعض التيارات السلفية عملت على “اختراقه”؛ إلا أن هذا لم يكن بالأمر اليسير، ذلك أن الأزهر ذاته لعب دورًا رئيسيًّا في محاولة إنهاء بعض الصراعات السياسية التي شهدتها الدولة بعد ثورة 25 يناير، بما حوله في كثير من الأحيان من موضع للصراع إلى “وسيط” بين أطرافه.

وفي المقابل من ذلك فإن مؤسسة “ديانات” التركية، كانت موضعًا رئيسيًّا للصراع السياسي بين الأحزاب السياسية في تركيا، ويتضح ذلك في المناقشات الخاصة بوضع هذه المؤسسة في إطار دستور تركيا الجديد، ففيما يطالب العلويون بإلغاء المديرية على خلفيات الاختلاف الطائفي ووظيفة المديرية ودورها “التعجيزي” بالنسبة للعلويين؛ فإن حزب السلام والديمقراطية (BDP) يرى أنه لا ينبغي إدراج المديرية في الدستور، هذا في حين يطالب حزب الشعب الجمهوري (CHP) بإبقاء المؤسسة تحت سيطرة “الدولة العلمانية”، هذا في وقت تتمحور فيه رؤية حزب العدالة الحاكم (AKP) في الإبقاء على وضع المؤسسة في الدستور على أن تعمل وفق مبدأ الحياد السياسي لا العلمانية، وهي الرؤية التي يؤيدها أيضًا حزب الحركة القومية (MHP).

* أداة للتعايش المجتمعي: كان للمؤسسات الدينية في كل من مصر وتركيا إسهام ملموس في تعزيز قيم التعايش والتسامح، ففيما يخص دور الأزهر، فقد تجلت بعض إسهاماته في خطابه المعتدل حيال الأقباط في مصر، وفي التواصل مع الكنيسة المصرية لإنهاء العديد من “الأزمات الطائفية”، فضلا عن قيامه بمحاولات لوضع حدٍّ للصراعات السياسية بين القوى المدنية والدينية في العديد من الخطوات يأتي على رأسها مجموعة من المشروعات سميت كل منها بـ”وثيقة الأزهر” إحداها تعلق بدور الأزهر ذاته في دولة ما بعد 25 يناير، وثانية تعلقت بالحريات العامة، فضلا عن الوثيقة التي أصدرها الأزهر في يونيو 2011 بشأن مستقبل مصر.

وفي مقابل ذلك، لعبت مؤسسة “ديانات” أدوارًا رئيسية في تعزيز مبدأ التعايش والتأكيد على أهمية تماسك ووحدة الدولة التركية من خلال تصريحات ومبادرات مسئوليها، التي تؤكد على أهمية إنهاء أية مظاهر للصراعات الطائفية والعرقية داخل تركيا، ويأتي ذلك في إطار محاولة إنفاذ المادة 136 من دستور تركيا، والتي تشير إلى أن المهمة الأساسية لهذه المؤسسة تتعلق بـ”تعزيز وتوطيد التضامن والوحدة الوطنية”.

ويمكن القول، إن المؤسسات الدينية لعبت دورًا بارزًا على الساحتين المصرية والتركية خلال السنوات الأخيرة، ففيما أفضت الثورة المصرية إلى تصاعد الأدوار السياسية لمؤسسة الأزهر، وهو ما تجلى في عدد من المواقف أبرزها رمزية حضور شيخ الأزهر لخطاب الفريق أول عبد الفتاح السياسي في 3 يوليو 2013، فإن مؤسسة “ديانات” باتت بدورها تلعب أدوارًا مماثلة على الصعيد السياسي بفضل الدعم الذي تتلقاه من قبل الحزب الحاكم في تركيا، فضلا عن الشعبية التي يحظى بها رؤساء هذه المؤسسة خصوصًا في أوساط المواطنين الأكثر تدينًا، على النحو الذي دفع أغلب الأحزاب السياسية إلى التنافس من أجل ضم رؤسائها إلى قوائمهم الانتخابية، ليتجه إلى العمل السياسي ثمانية من أصل سبعة عشر يمثلون إجمالي عدد الرؤساء السابقين لهذه المؤسسة.

(*) باحث في الشئون التركية
نشرت في التحولات الداخلية
من أرشيف RCSS

تركيا

المزيد في هذه الفئة : « هل تستطيع مصر بناء “تيار رئيسي” بعد الثورة؟ هل يعيد قانون التظاهر رسم خارطة التحالفات في مصر؟ »
رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة
نص التعليق * أدخل رسالتك هنا… اسم * البريد الإلكتروني *
عد إلى الأعلى
مقالات

النظام السياسي العربي بين الركود والعشوائية! النظام السياسي العربي بين الركود والعشوائية!
السـيد يسين
مانديلا الذي تمنته منطقتنا مانديلا الذي تمنته منطقتنا
طارق الحميد
توجهات الرأي العام الإيراني توجهات الرأي العام الإيراني
جيمس زغبي

In Depth

دوافع التحركات الفرنسية من مالي إلى سوريا دوافع التحركات الفرنسية من مالي إلى سوريا
إيمان أحمد عبد الحليم

ملفات RCSS

العلاقات الأمريكية- الإيرانية من الصدام إلى الصفقة ( ملف) العلاقات الأمريكية- الإيرانية من الصدام إلى الصفقة ( ملف)
إعداد: عمرو عبد العاطي

Ads4

القضايا
التحولات الداخلية
العلاقات الأقليمية
القضايا الأقتصادية
الأمن الأقليمى
الرأى العام

التحليلات
التقديرات
التقارير
المقالات

الأصدارات
حالة الأقليم
دراسات الشرق الاوسط
حالة العالم

الأنشطة
الندوات العامة
حلقات النقاش
ورش العمل
المحاضرات العامة
اللقاءات الخاصة

المشروعات
مستقبل الثورة المصرية
حالة النظام الأقليمى
الرأى العام العربى

الخبراء

Copyright © 2012 . All Rights Reserved RCSS

Powered by Nile-Tech
Facebook

نيلسون مانديلا

كاتب الموضوع الأصلي: الحسن صبياني 36

نيلسون روليهلاهلا مانديلا[1] ( من مواليد 18 يوليو 1918 – توفي 5 ديسمبر 2013 [2]) سياسي مناهض لنظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا وثوري شغل منصب رئيس جنوب أفريقيا 1994-1999. وكان أول رئيس أسود لجنوب أفريقيا، انتخب في أول انتخابات متعددة وممثلة لكل الأعراق. ركزت حكومته على تفكيك إرث نظام الفصل العنصري من خلال التصدي للعنصرية المؤسساتية والفقر وعدم المساواة وتعزيز المصالحة العرقية. سياسيا، هو قومي أفريقي وديمقراطي اشتراكي، شغل منصب رئيس المؤتمر الوطني الأفريقي في الفترة من 1991 إلى 1997. كما شغل دوليا، منصب الأمين العام لحركة عدم الانحياز 1998-1999.
ولد في قبيلة الكوسا للعائلة المالكة تيمبو . درس مانديلا في جامعة فورت هير وجامعة ويتواترسراند، حيث درس القانون. عاش في جوهانسبورغ وانخرط في السياسة المناهضة للاستعمار، وانضم إلى حزب المؤتمر الوطني الأفريقي، وأصبح عضوا مؤسسا لعصبة الشبيبة التابعة للحزب. بعد وصول الأفريكان القوميين من الحزب الوطني إلى السلطة في عام 1948 وبدأ تنفيذ سياسة الفصل العنصري، برز على الساحة في عام 1952 في حملة تحد من حزب المؤتمر الوطني الأفريقي، وانتخب رئيس لفرع حزب المؤتمر الوطني بترانسفال وأشرف على الكونغرس الشعبي لعام 1955. عمل كمحام، وألقي القبض عليه مرارا وتكرارا لأنشطة مثيرة للفتنة، وحوكم مع قيادة حزب المؤتمر في محاكمة الخيانة 1956-1961 وبرئ فيما بعد. كان يحث في البداية على احتجاج غير عنيف، وبالتعاون مع الحزب الشيوعي في جنوب أفريقيا شارك في تأسيس منظمة اومكونتو وي سيزوي المتشددة في عام 1961، ألقي القبض عليه واتهم بالاعتداء على أهداف حكومية. وفي عام 1962 أدين بالتخريب والتآمر لقلب نظام الحكم، وحكمت عليه محكمة ريفونيا بالسجن مدى الحياة.
مكث مانديلا 27 عاما في السجن، أولا في جزيرة روبن آيلاند، ثم في سجن بولسمور وسجن فيكتور فيرستر. وبالموازاة مع فترة السجن، انتشرت حملة دولية عملت على الضغط من أجل إطلاق سراحه، الأمر الذي تحقق في عام 1990 وسط حرب أهلية متصاعدة. صار بعدها مانديلا رئيسا لحزب المؤتمر الوطني الأفريقي ونشر سيرته الذاتية وقاد المفاوضات مع الرئيس دي كليرك لإلغاء الفصل العنصري وإقامة انتخابات متعددة الأعراق في عام 1994، الانتخابات التي قاد فيها حزب المؤتمر إلى الفوز. انتخب رئيسا وشكل حكومة وحدة وطنية في محاولة لنزع فتيل التوترات العرقية. كرئيس، أسس دستورا جديدا ولجنة للحقيقة والمصالحة للتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان في الماضي. استمر شكل السياسة الاقتصادية الليبرالية للحكومة، وعرضت إدارته تدابير لتشجيع الإصلاح الزراعي ومكافحة الفقر وتوسيع نطاق خدمات الرعاية الصحية. دوليا، توسط بين ليبيا والمملكة المتحدة في قضية تفجير رحلة بان آم 103، وأشرف على التدخل العسكري في ليسوتو. امتنع عن الترشح لولاية ثانية، وخلفه نائبه تابو إيمبيكي، ليصبح فيما بعد رجلا من حكماء الدولة، ركز على العمل الخيري في مجال مكافحة الفقر وانتشار الإيدز من خلال مؤسسة نيلسون مانديلا.
أثارت فترات حياته الكثير من الجدل، شجبه اليمينيون وانتقدوا تعاطفه مع الإرهاب والشيوعية. كما تلقى الكثير من الإشادات الدولية لموقفه المناهض للاستعمار وللفصل العنصري، حيث تلقى أكثر من 250 جائزة، منها جائزة نوبل للسلام 1993 و ميدالية الرئاسة الأمريكية للحرية ووسام لينين من النظام السوفييتي. يتمتع ماندبلا بالاحترام العميق في العالم عامة وفي جنوب أفريقيا خاصة، حيث غالبا ما يشار إليه بإسمه في عشيرته ماديبا أو تاتا ، وفي كثير من الأحيان يوصف بأنه “أبو الأمة”.

دلالات رفض الرأي العام الأمريكي للتدخل العسكري في سوريا

كاتب الموضوع الأصلي: ناصر الخريجي 380

إبراهيم غالي
يشير موقف الرأي العام الأمريكي من التدخل العسكري في سوريا إلى تنامي الشعور لدى الأمريكيين بضرورة تقليل الولايات المتحدة استخدام الخيار العسكري في التعامل مع القضايا الدولية، والاتجاه نحو سياسة الانعزال، مع الاهتمام أكثر بالقضايا الداخلية. إذ تكشف استطلاعات الرأي العام الأمريكية عن استمرار ظاهرة معارضة أغلبية الجمهور للتدخل العسكري الأمريكي في سوريا، ويسري ذلك خلال ثلاث مراحل مختلفة؛ أولها قبل تواتر الأنباء عن استخدام نظام بشار الأسد للأسلحة الكيماوية ضد المدنيين في 21 أغسطس الماضي، وثانيها بعد ورود تقارير دولية تؤكد قيام النظام السوري بذلك وحديث الرئيس الأمريكي باراك أوباما عن توجيه ضربة عسكرية قريبة ضد سورية، وثالثها عقب الاتفاق الأمريكي – الروسي الذي يقضي بنزع الأسلحة الكيماوية السورية، وانضمام سوريا إلى منظمة حظر الأسلحة الكيماوية.
استمرار الرفض

ويبدو أن هذا الرأي العام الضاغط هو ما جعل أوباما يلجأ في البداية إلى دعوة الكونجرس لمنحه تفويضًا لتوجيه ضربة عسكرية في سوريا، فوفقًا لاستطلاع للرأي نشرته شبكة “إيه بي سي” في 30 أغسطس الفائت، ذكر 80% من الأمريكيين أن على أوباما الحصول على موافقة الكونجرس في حال قرر التدخل في سوريا، وأكد 50% أنهم ضد هذا التدخل العسكري تحت أي ظرف، بينما قال 44% إنه يجب التدخل في حال ثبوت استخدام الأسد للأسلحة الكيماوية.

ولهذا يلاحظ -وفقًا لاستطلاع للرأي أجراه “مركز بيو للأبحاث” خلال الفترة من 12 إلى 15 سبتمبر الجاري- موافقة 67% من الجمهور الأمريكي على قرار أوباما بتأجيل الضربة العسكرية، ومواصلة الجهود التفاوضية مع روسيا من أجل إيجاد حل لأزمة الأسلحة الكيماوية السورية، وإقناع سوريا بالتخلي عنهامقابل معارضة 23%، وذلك على الرغم من وجود أغلبية تبلغ نسبتها 57% لا تعتقد أن سوريا سوف تتخلى عن أسلحتها الكيماوية، مقابل 26% فقط يعتقدون عكس ذلك، وأغلبية أكبر تصل إلى 63% قالت إنه لا يمكن الوثوق في نظام الأسد على الإطلاق، و22% قالوا إنهم لا يثقون به كثيرًا، أي ثمة 85% من الأمريكيين لا يثقون بالنظام السوري.

وبالمثل لا توجد ثقة لدى الجمهور الأمريكي في روسيا راعية الاتفاق مع الولايات المتحدة، فثمة 24% فقط قالوا إنه يمكن الوثوق في روسيا بوجه عام، مقابل نسبة أكبر كانت تبلغ 33% في العام الماضي، وهو ما يؤكده استطلاع للرأي نشرته “مؤسسة جالوب لاستطلاعات الرأي العام” في 19 سبتمبر الجاري، حيث يعتبر 50% من الأمريكيين أن روسيا إما عدو أو دولة غير صديقة، في نسبة هي الأعلى منذ 15 عامًا، بما يشير إلى تنامي التوجهات السلبية ضد روسيا.
التأييد الأقل للتدخل العسكري في 20 عامًا

يتضح مما سبق أن فكرة التدخل العسكري الأمريكي في سوريا تحظى بشعبية أقل من سائر العمليات العسكرية الأمريكية فيما وراء البحار منذ عشرين عامًا، وأن الرأي العام الأمريكي السلبي ربما مثل أحد العوامل التي أدت إلى إرجاء الضربة العسكرية، وإفساح المجال للجهود الدبلوماسية التي أفضت إلى الاتفاق على إجراء تفتيش على ترسانة سوريا الكيماوية الشهر المقبل، وبدء تفكيكها في العام القادم، حتى مع تكرار إدارة أوباما التأكيد على أن عدم تعاون سوريا في تلك المسألة بشكل كامل يعني إمكانية اللجوء لخيار الضربات الجوية العسكرية مرة أخري.

وفي هذا الصدد أجرت “مؤسسة جالوب” مقارنة لنسب التأييد والرفض الشعبي للعمليات العسكرية الأمريكية بالخارج، وذلك بالعودة لاستطلاعات أجرتها المؤسسة قبل بدء هذه العمليات بأيام قليلة (بلغ متوسط تأييد الأمريكيين للتدخل في بداية الصراع نسبة 68%)؛ لتوضح أن الحالة السورية مختلفة إلى حد كبير، لأنها الأقل شعبية وتأييدًا لدى الجمهور الأمريكي،

عصبة الامم

كاتب الموضوع الأصلي: بندرالعنزي3621

عصبة الأمم (بالإنجليزية: League of Nations؛ بالفرنسية: Société des Nations؛ بالإسبانية: Sociedad de Naciones) هي إحدى المنظمات الدولية السابقة التي تأسست عقب مؤتمر باريس للسلام عام 1919، الذي أنهى الحرب العالمية الأولى التي دمّرت أنحاء كثيرة من العالم وأوروبا خصوصًا. كانت هذه المنظمة سلفًا للأمم المتحدة، وهي أوّل منظمة أمن دولية هدفت إلى الحفاظ على السلام العالمي. وصل عدد الدول المنتمية لهذه المنظمة إلى 58 دولة في أقصاه، وذلك خلال الفترة الممتدة من 28 سبتمبر سنة 1934 إلى 23 فبراير سنة 1935. كانت أهداف العصبة الرئيسية تتمثل في منع قيام الحرب عبر ضمان الأمن المشترك بين الدول، والحد من انتشار الأسلحة، وتسوية المنازعات الدولية عبر إجراء المفاوضات والتحكيم الدولي، كما ورد في ميثاقها.[1] من الأهداف الأخرى التي كانت عصبة الأمم قد وضعتها نصب أعينها: تحسين أوضاع العمل بالنسبة للعمّال، معاملة سكّان الدول المنتدبة والمستعمرة بالمساواة مع السكّان والموظفين الحكوميين التابعين للدول المنتدبة، مقاومة الاتجار بالبشر والمخدرات والأسلحة، والعناية بالصحة العالمية وأسرى الحرب، وحماية الأقليّات العرقية في أوروبا.[2]
مثّلت فلسفة الدبلوماسية التي أتت بها عصبة الأمم نقلة نوعيّة في الفكر السياسي الذي كان سائدًا في أوروبا والعالم طيلة السنوات المائة السابقة على إنشائها، وكانت العصبة تفتقد لقوة مسلحة خاصة بها قادرة على إحلال السلام العالمي الذي تدعو إليه، لذا كانت تعتمد على القوة العسكرية للدول العظمى لفرض قراراتها والعقوبات الاقتصادية على الدول المخالفة لقرار ما، أو لتكوين جيش تستخدمه عند الحاجة، غير أنها لم تلجأ لهذا أغلب الأحيان لأسباب مختلفة، منها أن أعضاء العصبة كان أغلبهم من الدول العظمى التي تتعارض مصالحها مع ما تقرّه الأخيرة من قرارات، فكانوا يرفضون التصديق عليها أو الخضوع لها والتجاوب معها، وغالبًا ما قام بعضهم بتحدي قراراتها عنوة وأظهر احتقارًا لها ولمن أصدرها، فعلى سبيل المثال، اتهمت العصبة جنودًا إيطاليين باستهداف وحدات من الصليب الأحمر أثناء الحرب الإيطالية الحبشية الثانية، فجاء رد رئيس الحكومة الإيطالية بينيتو موسوليني يقول: «إن العصبة لا تتصرف إلا عندما تسمع العصافير تصرخ من الألم، أما عندما ترى العقبان تسقط صريعةً، فلا تحرّك ساكنًا».[3]
أثبتت العصبة عجزها عن حل المشكلات الدولية وفرض هيبتها على جميع الدول دون استثناء، عندما أخذت دول معسكر المحور تستهزئ بقراراتها ولا تأخذها بعين الاعتبار، وتستخدم العنف تجاه جيرانها من الدول والأقليات العرقية قاطنة أراضيها، خلال عقد الثلاثينيات من القرن العشرين. فعلى سبيل المثال، رفع أحد اليهود، واسمه فرانز برينهايم، شكوى إلى العصبة يتحدث فيها عن معاملة الإدارة الألمانية العنصرية له ولأبناء دينه وشعبه في سيليزيا العليا، فما كان من الألمان إلا أن أرجأوا تنفيذ القرارات المعادية لليهود وغير الآريين حتى سنة 1937، عندما انتهت المدة التي تسمح بإشراف خبراء العصبة على وضع الأقليات في ألمانيا، فجددوا القوانين التي تنص على ملاحقة غير الآريين، ورفضوا تجديد إقامة الخبراء في البلاد.[4] كانت حجة ألمانيا وغيرها من دول المحور للانسحاب من العصبة، أن بعض البنود الواردة في ميثاق الأخيرة تنتهك سيادتها، وكان نشوب الحرب العالمية الثانية بمثابة الدليل القاطع على فشل العصبة في مهمتها الرئيسية، ألا وهي منع قيام الحروب المدمّرة، وما أن وضعت الحرب أوزارها حتى تمّ حل العصبة، وخلفتها هيئة جديدة هي هيئة الأمم المتحدة، التي ورثت عدد من منظمات ووكالات العصبة.