أ.د. أحمد محمد وهبان

هل ينقذ الدستور الجديد تحالف 3 يوليو؟

كاتب الموضوع الأصلي: ناصر الخريجي 380

محمد شومان
أنهت لجنة الخمسين تعديل دستور 2012 «الإخواني» واستحدثت 42 مادة من أصل 247 مادة عكست في مجملها تجارب ومخاوف من تكرار أخطاء وتجاوزات سنوات حكم حسني مبارك الطويلة، وحكم «الإخوان» السريع، والأهم تأثرت بمناخ الاستقطاب والاضطراب السياسي بين «الإخوان» والقوى المدنية من جهة، والصراعات بين القوى والأحزاب التي تشكل تحالف 3 يوليو، وتدعم الحكم الجديد من جهة ثانية، لذلك كانت عملية كتابة الدستور صعبة ومعقدة، خضعت لمواءمات وتسويات سياسية واجتماعية عديدة أنتجت في الأخير دستوراً جديداً وليس مجرد تعديل شامل.
الدستور الجديد حرص على إرضاء كل أطراف تحالف 3 يوليو المهدد حالياً بالانهيار، كما حرص وبالدرجة نفسها على تأكيد الاختلاف مع دستور «الإخوان»، لذلك لا يمكن المقارنة بين الدستورين، نظراً لاختلاف الرؤية والمسلمات التي أسست لمواد كل دستور، فقد نص على مدنية الدولة وأن أحكام المحكمة الدستورية هي المرجع في تفسير مبادئ الشريعة الإسلامية، وألغى المادة 219 التي كانت تفسر مبادئ الشريعة، وتوسع الدستور الجديد في تحديد وتأكيد الحقوق والحريات والالتزام بالمعايير الدولية الإنسانية، ونص لأول مرّة على الضرائب التصاعدية، وعلى تحديد نسب للإنفاق الحكومي على التعليم والصحة والبحث العلمي تتصاعد تدريجياً حتى تتفق مع المعدلات العالمية، وجاءت المقدمة الأدبية الطويلة في مقدمة الدستور لتحدد رؤية تصالحية منفتحة لتاريخ مصر، لا تختزله في المرحلة الإسلامية أو تتحيز لمكون من مكونات الهوية الوطنية.

في المقابل ترك الدستور كثيراً من التفاصيل المهمة للقانون كي ينظمها، وهي عملية سيئة السمعة في الخبرة المصرية حيث تخضع غالباً لأهواء غالبية مهيمنة على البرلمان. أيضاً جرّد الدستور البرلمان من حق مناقشة موازنة القوات المسلحة، حيث نص على أن مجلس الدفاع الوطني يختص بمناقشة الموازنة والتي تدرج رقماً واحداً، كما يؤخذ رأيه في مشاريع القوانين المتعلقة بالقوات المسلحة، وأبقى الدستور الجديد على محاكمة المدنيين أمام القضاء العسكري في تهم تتسم بالغموض والتعميم، واستحدث مادة انتقالية مدتها 8 سنوات، تشترط موافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة على قرار رئيس الجمهورية بتعيين وزير للدفاع، ووضع الدستور عراقيل أمام قيام البرلمان بإقالة الرئيس (المادتان 137 و 161) في حالة فشل الاستفتاء الشعبي على قراره بحل البرلمان.

الدستور إذن عزز من الحريات والحقوق ومن وضعية الجيش في السياسة والاقتصاد، كما منح استقلالية كاملة تقريباً للأزهر والكنيسة والقضاء من دون رقابة شعبية! كما استجاب لكثير من المطالب الفئوية والجهوية والاجتماعية، وحاول التوصل إلى صيغة وسط بين النظام البرلماني والرئاسي مع تغليب كفة النظام الرئاسي، ورغم المجهود الكبير والعمل المتواصل لأعضاء الخمسين إلا أن فائض المواءمات وسخونة الصراع السياسي لا يضمنان تحقيق التوافق أو الانتقال السلس إلى شرعية جديدة، وبالتالي فإن نهاية الاستقطاب والصراع حول شرعية 3 تموز (يوليو) تبدو بعيدة، وبكلفة إنسانية واقتصادية عالية، تضاعف من متاعب غالبية المصريين الذين عانوا من طول الفترة الانتقالية – قاربت ثلاث سنوات – وعثراتها، والمفارقة أن الدستور الجديد لم يحسم ثلاث قضايا ذات علاقة مباشرة باستكمال خريطة الطريق، وتركها لقانون يصدره رئيس الجمهورية الموقت، ما قد يثير مشاكل في المستقبل وهي:

1- الجدل حول قانون انتخاب البرلمان بالنظام الفردي أم بالقوائم النسبية.
2- كوتا لتمثيل العمال والفلاحين والمرأة والشباب والمسيحيين وذوي الاحتياجات الخاصة، تضمن تمثيلهم تمثيلاً ملائماً.
3- إمكانية تقديم الانتخابات الرئاسية على البرلمانية.

ترك هذه القضايا لسلطة رئيس الجمهورية يثير مخاوف مشروعة خاصة بعد قانون التظاهر الذي أصدره الرئيس وأدى إلى ارتباك في صفوف تحالف 3 يوليو، حيث رفضه شباب الثورة وعديد من الأحزاب المدنية، ودافعت عنه القوى التقليدية (الفلول وحزب الكنبة) ورجال الدولة، ونشبت بين الطرفين مواجهات كلامية واتهامات بالخيانة ومن دون أدلة أو محاكمات، ما صب في مصلحة «الإخوان» الذين يراهنون على انهيار تحالف 3 يوليو والتحاق شباب الثورة بمطالبهم ضد حكم العسكر وعودة الدولة البوليسية. ورغم صعوبة تحقق هذا السيناريو إلا أن كل شيء يمكن حدوثه في ظل توترات وتحولات المراحل الانتقالية التي تعيشها مصر، وكانت القوى الشبابية قد ميّزت بوضوح بين رفضها لـ «الإخوان» وبين معارضتها قانون التظاهر وعودة الدولة البوليسية وحكم العسكر.

في هذا السياق يسود خطاب بين القوى والأحزاب التي تشكل تحالف 3 يوليو بأنه لا بديل عن تأييد الدستور وبغض النظر عن كل الاختلافات أو التحفظات على بعض المواد التي وردت فيه، حيث يصور هذا الخطاب:

أولاً: أن تمرير الموافقة وبنسبة كبيرة على الدستور الجديد هو فرصة لرأب الصدع في جبهة 3 يوليو التي تضم قوى وأحزاباً بينها تناقضات أساسية حول الثورة ومفهوم العدالة الاجتماعية والحرية وطبيعة النظام السياسي وأداء حكومة الببلاوي، وقانون الانتخاب والتمييز الإيجابي للعمال والفلاحين والمرأة والشباب والمسيحيين.

ثانياً: إن الموافقة على الدستور تعني تأييد ثورة 25 يناير – 30 يونيو، وهي علاقة مفترضة قد لا تكون صحيحة تماماً، فمن المتوقع أن تعارض بعض الائتلافات الشبابية الدستور أو تقاطع الاستفتاء، رغم مشاركتها النشطة والمتواصلة في أحداث الثورة.

ثالثاً: أن مشاركة غالبية الناخبين – تقدر أعدادهم بحوالى 53 مليوناً – وموافقتهم حاجة ضرورية لتأسيس شرعية انتخابية وعبر الصناديق لتحالف 30 يونيو، تدعم من شرعية الملايين التي خرجت في الشوارع مرتين في الصيف الماضي دعماً لانقلاب الجيش، لكن ثمة جدل ونقاش بشأن تقدير أعدادها، وهل تمثل غالبية الشعب. إذن يجري تصوير الاستفتاء على أنه المعركة الشعبية الأخيرة ضد «الإخوان»، ولا بد من خوضها، وكسبها، وهو افتراض غير صحيح تماماً، لأن المعركة ستطول طالما لم يتوصل طرفا الاستقطاب والصراع إلى تسوية ما، كما أن الشرعية لا تتحقق من خلال الصندوق فقط وإنما تكتسب بالتوافق والرضا العام، إضافة إلى تحقيق منجزات على الأرض تشعر غالبية المواطنين بالتغيير والتحسن في أحوالهم المعيشية وتمنحهم الأمل في المستقبل، وهي أمور لم يتعلمها «الإخوان» خلال حكمهم لمصر، حيث ركزوا على نتائج الصندوق وتجاهلوا الرضا العام وشرعية الإنجاز، ومن الخطر أن يكرر تحالف 30 يونيو والحكم الجديد الخطأ نفسه. في هذا السياق ظهرت في الشوارع وعديد من القنوات حملات حشد وتعبئة تدعو المواطنين للمشاركة وبعضها يطالبهم بالتصويت بنعم! ما يتعارض وضمان نزاهة وشفافية عملية التصويت ويذكّر بحملات التعبئة والتوجيه في عصر مبارك. والغريب أن تلك الحملات انطلقت قبيل الانتهاء من كتابة الدستور، ولم تفصح عن الجهة أو الجهات التي تقف خلفها، ما يثير مخاوف من الآن على نزاهة الاستفتاء وعلى مجمل عملية التحول الديموقراطي في المرحلة الانتقالية الحالية، لكن اللجنة المشرفة على الانتخابات أكدت من جهتها الحرص على نزاهة الاستفتاء، وموافقتها على مراقبة جمعيات حقوقية مصرية ودولية، وهي ضمانات مهمة لكنها تنتظر التجربة الفعلية.

وبغض النظر عن نسب المشاركة ونتائج الاستفتاء، فمن المهم للدولة أن تنجح في ضمان نزاهة عملية التصويت وفي تأمينها ضد أي تظاهرات أو تهديدات أمنية من جماعة «الإخوان» وأنصارها، سيما أن ارتفاع وتيرة التهديدات الأمنية يثير الخوف لدى المواطنين ويقلّص من معدلات المشاركة، وهو ما يقلق تحالف 30 يونيو، وفي كل الأحوال من المرجّح أن توافق غالبية الناخبين على الدستور بحثاً عن الاستقرار لكن يظل التحدي في نسبة هذه الموافقة قياساً إلى أعداد من يحق لهم التصويت، وهل يشارك «الإخوان» ليصوّتوا بلا، أم يقاطعوا، ويسعوا إلى عرقلة عملية التصويت؟

* نقلا عن صحيفة الحياة

الركيزة الغائبة لتحقيق الاستقرار السياسي في مصر

كاتب الموضوع الأصلي: ناصر الخريجي 380

إبراهيم غالي
عكست المطالب الرئيسية لثورة 25 يناير 2011، ممثلة في ثلاثية “العيش والحرية والعدالة الاجتماعية” مفهومًا ربما لم تنتبه إليه أو تعمل لأجله كافة الحكومات المصرية المتعاقبة منذ الثورة، وهو “الأمن الاجتماعي”، الذي مثل أحد أبرز الأسباب والمحددات الجوهرية لقيام ثورة 30 يونيو 2013 ضد جماعة الإخوان المسلمين، وعلى الأرجح سيكون المحك الأساسي لإمكانية نجاح الثورة الثانية بما يتضمنه ذلك من عودة الاستقرار السياسي والمجتمعي.
ولعل أكثر ما يلفت النظر هو ضجر المواطنين سريعًا من سياسات جماعة الإخوان المسلمين، ومن أول رئيس مدني منتخب، لأسباب تتعلق بثورة توقعات متزايدة طالما انتظرها الشعب المصري، فبمجرد الخروج الجزئي من المرحلة الانتقالية الأولى عقب ثورة يناير، انتظر المصريون أن يخرج عليهم الحكام الجدد بسياسات اجتماعية واقتصادية وبرامج تنموية لتحسين حياتهم، أمنيًّا ومعيشيًّا واجتماعيًّا، لكن فجائيًّا كادت مصر أن تنتقل إلى ما يعرف بـ”مجتمع المخاطر”، والذي يعكس مفهوم “اللا أمن الاجتماعي” كما قدمه روبير كاستل، الذي يعرف مجتمع المخاطر بأنه “مجتمع الكارثة حيث التهديد بأن تصبح الحالة الاستثنائية حالةعادية”، ويعرفه أولريخ باك بأنه “المجتمع الذي يشرف على الهلاك، حيث يمكن أن ينتج أقلُّ قرار من قياداته أخطرَ كارثة”.

وإذا كانت سلطة الحكم الانتقالي التالية لثورة يناير ثم جماعة الإخوان المسلمين قد ورثتا نقائص عديدة، ومخلفات سياسية واجتماعية واقتصادية سلبية من نظام مبارك؛ فإن السلطات الانتقالية عقب ثورة 30 يونيو لم ترث فقط هذه السلبيات الخطيرة، بل أُضيفَ إليها بعد أمني محض يرتبط بالعنف الممنهج الذي تمارسه بعض أطياف تيار الإسلام السياسي منذ عزل الرئيس محمد مرسي في 3 يوليو الفائت، وهو ما يزيد من الأعباء الملقاة عليها -وعلى نظام الحكم الجديد فيما بعد- في مجال تحقيق الأمن الاجتماعي.

مفهوم وأبعاد الأمن الاجتماعي

تطور مفهوم الأمن الاجتماعي منذ ظهوره في ثلاثينيات القرن الماضي بشكل متدرج يتماشى مع ظروف ومتطلبات العصر، فقد بدأ كنوع من الرعاية الاجتماعية الخاصة بكبار السن في الولايات المتحدة وبعض الدول الغربية، ثم اتسع ليستخدم للدلالة على مجموعة متنوعة من أشكال دعم الدخل، وخاصة بالنسبة للعمال، ثم أصبح يشتمل على ما توفره بعض دول الرفاه الاجتماعي من برامج اجتماعية متكاملة تتضمن على سبيل المثال الضمانات الاجتماعية الخاصة بمعاشات التقاعد، والأمراض، والإعاقة، والشيخوخة، وتعويض دخل الأسرة، وإعانات البطالة، وتعويضات العجز، والضمانات ضد حوادث العمل.. إلخ، فيما أطلق عليه بعض الاقتصاديين الغربيين مسمى “الليبرالية الاجتماعية الجديدة”، ومع الوقت اتسع المفهوم أكثر من مجرد فكرة الضمان الاجتماعي ليصبح مجالا أرحب من أجل حماية المجتمع بأسره من كافة المخاطر الاجتماعية.

وفي كافة هذه التطورات كان الهدف من حماية الأمن الاجتماعي يرتبط بأمن الدولة الداخلي، وبتوفير حقوق المواطنين للعيش بهدوء وسلام يقود لزيادة الإنتاج، وتوزيع العوائد بما يضمن نسبيًّا توفير نوع محدد من العدالة الاجتماعية تختلف في مضمونها وأشكالها بين دولة وأخرى، لكن مع بروز متغيرات عالمية جديدة في مطلع التسعينيات، أضحى هذا المفهوم يتداخل إلى حد بعيد مع مفهومين آخرين، أولهما الأمن الوطني، الذي يتعلق بحماية الدولة ورعاياها ضد أية أخطار تهددها ككيان سياسي ذي سيادة، بما يتطلبه ذلك من صون وحماية وجاهزية الأمن الداخلي، وبسط النظام وسيادة القانون، وثانيهما الأمن الإنساني، الذي يركز على الإنسان الفرد وليس على الدولة، حيث من متطلبات سياسة الدولة تحقيق أمنالفرد إلى جانب أمن الدولة من خلال صون الكرامة الإنسانية، وتلبية احتياجات الفرد المادية والمعنوية على السواء، وحمايته من أية مخاطر من أي نوع.

وفي الواقع فإنه يمكن القول إن الأمن الاجتماعي يعد بمثابة الحلقة الوسطى بين المفهومين السابقين، فهو يعد أحد المداخل الجوهرية لتحقيق الأمن في بعده الإنساني، ومكونًا أصيلاً وثابتًا للأمن القومي، لا سيما بعد أن أضحت أكبر المخاطر على الدولة تأتي من الداخل في عصر العولمة، وتغير أنماط الصراعات على الساحة الدولية منذ انتهاء الحرب الباردة، إذ أضحى تحقيق الأمن الاجتماعي مكونًا استراتيجيًّا لدى تخطيط السياسات الاقتصادية وسياسات الأمن القومي للدولة في القرن الحادي والعشرين، ويستدل على تلك الحقيقة بأن الأزمة الاقتصادية العالمية بدأت تهز الأركان الاجتماعية الثابتة في العديد من دول الاتحاد الأوروبي، والتي تسعى لعلاج هذه الاختلالات لما لها من تأثيرات سياسية ومجتمعية تعصف بالاستقرار، وتزيد من الاحتجاجات الشعبية التي تتواصل منذ عام 2008.

وتتعدد تعريفات الأمن الاجتماعي بناءً على النظريات المختلفة، فالنظرية السياسية التقليدية القائمة على أن أهم وظائف النظام هي “التوزيع السلطوي للقيم” ترى أن السلطة تقوم بهذا البعد لتحقيق السيطرة السياسية، بينما تقوم النظريات المعيارية على الأبعاد الخاصة بحماية المجتمع من التهديدات المباشرة وغير المباشرة باعتبارها أفضل السبل لتحقيق الاستقرار السياسي، فيما ثمة نظريات ثالثة تقوم على مفاهيم “الفاعلية السياسية” تتوسع في أبعاد الأمن الاجتماعي ليشتمل على مناحٍ متعددة من حياة المواطنين، وفق النموذج الديمقراطي القائم على المشاركة السياسية والمجتمعية الفاعلة في صنع السياسات العامة للدولة.

ولهذا فالتعريف الضيق لمفهوم الأمن الاجتماعي يقتصر إما على الأبعاد الخاصة بالضمان الاجتماعي كوسيلة لحماية المجتمع من المخاطر القائمة والمتوقعة، وإما على الأبعاد الأمنية الخالصة بما يعني توفير حالة الأمن والاستقرار والطمأنينة في المجتمع، بحيث يستطيعالأفراد التفرغ للأعمال الاعتيادية التي يقومون بها، ويتضمن ذلك سلامة الأفراد والجماعات من أخطار القتل والاختطاف والاعتداء على الممتلكات بالتخريب أو السرقة، فمعيار الأمن الاجتماعي هنا منوط بقدرة مؤسسات الدولة على الحد من الجريمة، والتصدي لها من خلال فرض النظام، وبسط سيادة القانون، وتحقيق العدالة بواسطة الأجهزة القضائية والتنفيذية، واستخدام القوة إن تطلب الأمر، لأنه في حالة غياب الأمن يصبح المجتمع في حالة شلل يقود لتراجع الإنتاج.

أما المفهوم الأوسع للأمن الاجتماعي، والذي يعتبر الأكثر شيوعًا في الوقت الراهن، فهو الذي يرتكز على بناء المجتمعات الحديثة من خلال جملة من الأهداف، أبرزها: توثيق الثوابت الوطنية التي تبرز الهوية والروح الوطنية، وتحفظ النسيج الاجتماعي والثقافي والانصهار الاجتماعي، وتحقق العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص، وحفظ حقوق الأفراد من خلال تحقيق الأمن المادي، والأمن من الخوف، أي ما يسمى “الأمن العام”، الذي يعني اطمئنان الفرد والمجتمع على أنفسهم وأموالهمودينهم وأعراضهم من الاعتداءات والمخاطر، سواء من هم في قمة السلم الاجتماعي أو من يقعون في المستويات الأقل.

وبهذا المعنى السابق، تتضمن أبعاد تحقيق الأمن الاجتماعي بعدًا سياسيًّا يضمن الحفاظ على الكيان السياسي للدولة، وحماية مصالحها العليا، وممارسة حريات التعبير بما يكفل أمن الوطن واستقراراه، وبعدًا اقتصاديًّا يوفر أسباب العيش الكريم لكافة المواطنين، ويلبي الاحتياجات الأساسية من تحسين ظروف الحياة، وخلق فرص العمل، ورفع مستوى الخدمات والسكن والتعليم والرعاية الصحية وغيرها، وبعدًا مجتمعيًّا يوفر الترابط الاجتماعي، وينمي الشعور بالهوية والانتماء والإحساس الوطني، وتعزيز وسائل التكافل الاجتماعي، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وإحداث قدر مقبول من التوازن بين فئات وشرائح المجتمع، وبعدًا اعتقاديًّا يضمن قيم المجتمع الأساسية وفق دين معين مع احترام حرية الأقليات في اعتقادها، لأن هذا يمثل واحدة من ضمانات استقرار المجتمع، هذا فضلا عن أبعاد أخرى مثل البعد البيئي الذي يهدف إلى حماية المجتمع من أخطار التلوث المختلفة، والاحتباس الحراري، ومثل البعد النفسي، وحتى الجانب التربوي داخل الأسرة وفي مؤسسات التعليم المتعددة.

مؤشرات الأمن الاجتماعي بعد ثورة يناير

ووفقًا لما سبق، وأخذًا في الاعتبار أن لا مجتمعًا إنسانيًّا يتمتع بحالة من الأمن الصافي، أو يتمتع بالمساواة والعدالة المطلقة، يمكن إيجاز أهم المؤشرات الخاصة بالأمن الاجتماعي في مصر منذ ثورة يناير وحتى الآن فيما يلي:

1- الانفلات الأمني وتفشي العنف، وهي ظاهرة انتشرت عقب ثورة يناير، لكنها لم تشهد منهجية متعمدة لإشعال العنف السياسي، بل تعود إلى ما تعرفه المجتمعات تلقائيًّا من انفلات أمني عقب ثورة كبرى، وتغير مفاجئ لنظام الحكم، ولم يكن الصراع السياسي هو العنوان العريض الذي يقوم عليه العنف العشوائي حتى ثورة 30 يونيو رغم حدوث اشتباكات متعددة وسقوط قتلى وجرحى، ويبرز هذا الانفلات على سبيل المثال فيما رصده المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية خلال عام 2012 من تنفيذ 581 وقفة احتجاجية، و561 حالة قطع طرق، و558 حالة تظاهر، و500 اعتصام، و514 إضرابًا عن العمل، و163 حالة تجمهر، ومعظمها حالات لم يتم التعامل معها من سلطات الدولة بالحكمة المطلوبة، وإنما عبر أشكال ما من التعسف مثل الفصل والوقف عن العمل، والتحويل للتحقيق، في مظهر يؤكد على قدر العنف المتبادل بين الدولة والمواطن.

أما عقب ثورة 30 يونيو 2013، فقد عمدت جماعة الإخوان وحلفاؤها إلى إشعال العنف والإرهاب بغرض إضعاف وتفكيك الدولة والسلطة التنفيذية، وإثارة العنف الطائفي، وإضعاف السلطةالقضائية، وإحداث إرباك مجتمعي من خلال الشلل المروري، والفوضى، وانعدام الأمن، وتعدد حوادث إضرام النيران والحرق في الممتلكات العامة والخاصة من قبل أنصار الرئيس المعزول مرسي، وكلها أعمال تخل بالأمن الاجتماعي.

وفي هذا السياق، رصد المركز التنموي الدولي تصاعدًا غير مسبوق لأحداث العنف السياسي خلال شهر أغسطس الماضي، والتي بلغت 557 حالة عنف، منها 104 حوادث وقعت خلال الـ16 ساعة التالية لفض اعتصامي رابعة والنهضة يوم 14 أغسطس في 22 محافظة، وأدت إلى خسائر اقتصادية تقدر بنصف مليار جنيه، ثم انخفضت حوادث العنف والإرهاب إلى 311 حادثًا في الفترة ما بين الأول من سبتمبر والسادس من أكتوبر، أي بنسبة 60%، ليؤكد ذلك أن مؤسسات الدولة والمواطنين المعارضين للإخوان يسعون إلى بسط هيبة الدولة وسيادة القانون، أخذًا في الاعتبار أن ثمة حوادث يتم فيها قدر من الانتهاك للحريات نظرًا لطبيعة الظروف الراهنة.

وبشكل إجمالي يلاحظ طغيان الصراع السياسي على خارطة الاحتجاجات المصرية منذ عزل الرئيس مرسي، إذ بات الإخوان هم المحرك لحوالي 79% من الاحتجاجات التي تتخذ طابع العنف السياسي المنظم من أجل عودة الرئيس المعزول، وذلك مقارنة على سبيل المثال، كما يرصد المركز، بأن نسبة 70% من التظاهرات والاحتجاجات خلال عهد مرسي لم تكن خلال الأشهر التسعة الأولى لأسباب سياسية، بل لمطالب اقتصادية واجتماعية، وهو الأمر الذي يعكس ضرورة إكمال جهود مؤسسات الدولة في استقرار الأمن الداخلي، والقضاء على الإرهاب والعنف المنظم في شبه جزيرة سيناء وسائر محافظات مصر لتثبيت دعائم الأمن الاجتماعي بمضمونه الصلب المرتبط بأمن المواطن ومنع ترويعه.

2- تصاعد الاحتجاجات الاجتماعية والمطلبية المختلفة، فعلى الرغم من أن مطالب العدالة الاجتماعية والاقتصادية كانت في صميم شعارات ثورة يناير، فإن الحكومات الانتقالية حتى 30 يونيو لم تفعل سوى القليل من الاستجابات المطلبية بناءً على ضغوط من أربابها، وهو ما يعود بالأساس إلى فشل السياسات الاقتصادية السابقة على ثورة يناير، وعدم التعاطي الجدي من السلطات اللاحقة لاتخاذ مبادرات تصب في خانة تحقيق العدالة الاجتماعية، إذ تشير دراسة أعدها المركز التنموي الدولي في شهر إبريل الفائت إلى أن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية تحتل أكثر من 70% من مطالب وأولويات المواطن المصري، بما يعكس ضعف قدرة الدولة على توفير الحاجات الأساسية، وأن 30% من أولوياته تتعلق بكفالة الحقوق والحريات المدنية والسياسية، وكلاهما أمران لم تنجح فيهما الدولة منذ ثورة يناير.

والغريب أن الاحتجاجات الاجتماعية والمطلبية لم تخفت منذ ثورة يناير؛ بل على النقيض ازدادت من عام لآخر، فخلال الربع الأول من العام الجاري، وفي ظل رئاسة الدكتور محمد مرسي، تضاعفت نسب الاحتجاجات إلى أكثر منثلاثة أضعاف مقارنة بعام 2012 بنسبة 340%، كما تضاعفت عن عام 2010 بنسبة 426%، أي أكثر من أربعة أضعاف، حيث شهدت الأشهر الثلاثة الأولى لعام 2013 حوالي 2782 احتجاجًا، وذلك مقارنة بـ2210 في عام 2011، و2532 احتجاجًا في عام 2012. كما ازدادت الفئات المشاركة في تلك الاحتجاجات من 30 فئة اجتماعية في عام 2010 لتصل إلى 40 فئة في عامي 2012 و2013.

3- تنامي المشكلات الاقتصادية والاجتماعية، فقد أدى غياب الاستقرار السياسي، ودخول الدولة في أزمة اقتصادية عقب ثورة يناير، وفشل الحكومات المتعاقبة في معالجة المشاكل المرتبطة بعدم المساواة وارتفاع نسب الفقر والتهميش والبطالة، إلى القضاء على ثورة التوقعات الاجتماعية والاقتصادية، واستمرار الخلل الكامن وراء غياب الأمن والحماية الاجتماعية، فبحلول يوليو 2013 وصل سعر الجنيه المصري إلى أدنى مستوياته منذ عام 2004، وانخفضت احتياطات مصر من النقد الأجنبي إلى “المستوى الحرج” وبلغ عجز الموازنة 11.5%، وبالتالي زادت الأزمة الاقتصادية من معاناة الفقراء والمهمشين مع ارتفاع نسبة التضخم نتيجة ارتفاع أسعار السلع الغذائية والسكن والرعاية الصحية، وارتفعت نسبة الأسر الضعيفة التي لا يغطي دخلها نفقاتها الشهرية من 78.9% في سبتمبر 2011 إلى 88.9% في مارس 2013، وارتفعت نسبة البطالة وفقًا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء إلى 13.2% في الربع الأول من عام 2013 مقارنةً بنسبة بلغت 9% في عام 2010، ثم 12% في عام 2011 و12.8% في عام 2012، علاوة على ارتفاع نسبة الفقر لتصل إلى حوالي ثلث السكان تقريبًا مقارنة بنسبة 25.2% في عام 2010/2011.

4- تزايد الحرمان الاجتماعي، ويعزى ذلك، علاوة على فشل السياسات الاقتصادية، إلى استمرار تغلغل الفساد داخل هيئات الدولة، حيث احتلت مصر المرتبة 118 من أصل 176 بلدًا في مؤشر الفساد الصادر عن المنظمة العالمية للشفافية عن عام 2012، وإلى غياب الشفافية كما يبرز مثلاً في تمرير قانون الإصلاح الضريبي في ديسمبر 2012، والذي ذكر ارتفاع أسعار المنتجات الفاخرة فقط، لكنه أدى لارتفاع في السلع الأساسية.

ومن بين المؤشرات الدالة على تصاعد هذا الاتجاه إغلاق 500 مصنع في بداية العام الجاري نتيجة زيادة أسعار البترول والمازوت، ووضع أكثر من 10 آلاف عامل وموظف خارج الوظيفة، وزيادة نسبة إسهام الاقتصاد غير الرسمي في الناتج المحلي، بما يحمله من تبعات عدم توفير ظروف عمل جيدة وغياب الضمان الوظيفي والرعاية الصحية للعاملين بهذا القطاع، ناهيك عن استمرار كافة المشكلات المتعلقة بالرعاية الصحية، إذ لم تستطع الدولة توفير أكثر من 4.5% من الناتج المحلي لهذا الغرض، مع استمرار ذات السياسات الصحية الخاطئة، ويسري الأمر ذاته في مجالات التعليم، والإسكان، والحصول على المياه النظيفة، والصرف الصحي، والأسرة والطفل، وحقوق المرأة. ووفقًا لمرصد الغذاء المصري، وهو مبادرة مشتركة بين مركز دعم واتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء المصري وبرنامج الغذاء العالمي، فإن حوالي 86% من الأسر الأكثر احتياجًا غير قادرة على تلبية احتياجاتها الغذائية، كما يظهر الحرمان الاجتماعي في استمرار وجود 1221 منطقة عشوائية في مصر تفتقد لمقومات الحياة الطبيعية، وتخلق بؤرًا للتطرف والعنف، وانتشار الأمراض الاجتماعية.

ومما سبق يجوز القول إن السلطات الانتقالية الحالية تواجه معضلات معقدة أمام تحقيق الأمن الاجتماعي بمفهومه الشامل، لكنها تسعى لاتخاذ بعض الإجراءات التي تحاول التأكيد على إدراك هذا البعد، مثل: تحديد الحد الأدنى للأجور، وتحمل الدولة لنفقات المدارس العامة، هذا فضلا عن قدرة ثورة 30 يونيو في القضاء جزئيًّا على موجة الغلو والتطرف الديني التي كادت تسود المجتمع المصري، وتهدد السلم الاجتماعي والتعايش المشترك، كما أن مؤسسات الدولة تعمل بقوة من أجل استعادة فكرة الدولة وهيبتها، وتبذل جهودًا كبيرة في هذا المجال ولو عبر القوة لحفظ الأمن الداخلي، لكن ثمة حاجة إلى مزيد من الجهود في سائر هذه القضايا، وبداية تمهيد الطريق أمام الحكم الجديد عبر وضع خطة اقتصادية تعتمد سياسات اجتماعية أكثر فاعلية للحد من هذه المخاطر السابقة، وربما تكون نقطة البداية في وضع نظام ضريبي عادل وصارم، واعتماد إنفاق أكبر على قطاعي التعليم والصحة، مع إصلاح الخلل القائم في المنظومتين، ووضع نظام أكثر عدلا وكفاءة للدعم الحكومي، والعمل على إدماج الاقتصاد غير الرسمي لصيانة حقوق العاملين، واعتماد الشفافية فيما يتعلق بالمعلومات والقرارات المختلفة، والإسراع في إنهاء الفترة الانتقالية في موعدها المحدد حتى يكفل ما سبق الاستقرار السياسي الذي لا يمكن تحقيقه دون حماية الأمن الاجتماعي، إن بمضمونه الصلب أو بمضمونه الحياتي والإنساني.

(*) باحث بالمركز الإقليمي للدراسات الاستراتيجية

عمر المختار

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالمجيدالنفيسة٣٢

عُمر بن مختار بن عُمر المنفي الهلالي (20 أغسطس 1861 – 16 سبتمبر 1931)، الشهير بعمر المُختار، المُلقب بشيخ الشهداء، وشيخ المجاهدين، وأسد الصحراء، هو قائد أدوار السنوسية في ليبيا،[2] وأحد أشهر المقاومين العرب والمسلمين. ينتمي إلى بيت فرحات من قبيلة منفة الهلالية التي تنتقل في بادية برقة.[3][4]
مُقاوم ليبي حارب قوات الغزو الإيطالية منذ دخولها أرض ليبيا إلى عام 1931. حارب الإيطاليين وهو يبلغ من العمر 53 عامًا لأكثر من عشرين عامًا في عدد كبير من المعارك، إلى أن قُبض عليه من قِبل الجنود الطليان، وأجريت له محاكمة صوريّة انتهت بإصدار حكم بإعدامه شنقًا، فنُفذت فيه العقوبة على الرغم من أنه كان كبيرًا عليلًا، فقد بلغ في حينها 73 عامًا وعانى من الحمّى. وكان الهدف من إعدام عمر المُختار إضعاف الروح المعنويَّة للمقاومين الليبيين والقضاء على الحركات المناهضة للحكم الإيطالي، لكن النتيجة جاءت عكسيَّة، فقد ارتفعت حدَّة الثورات، وانتهى الأمر بأن طُرد الطليان من البلاد.
حصد عمر المُختار إعجاب وتعاطف الكثير من الناس أثناء حياته، وأشخاص أكثر بعد إعدامه، فأخبار الشيخ الطاعن في السن الذي يُقاتل في سبيل بلاده ودينه استقطبت انتباه الكثير من المسلمين والعرب الذين كانوا يعانون من نير الاستعمار الأوروبي في حينها، وحثت المقاومين على التحرّك، وبعد وفاته حصدت صورته وهو مُعلّق على حبل المشنقة تعاطف أشخاص أكثر، من العالمين الشرقي والغربي على حد سواء، فكبر المختار في أذهان الناس وأصبح بطلًا شهيدًا. رثا عدد من الشعراء المختار بعد إعدامه، وظهرت شخصيَّته في فيلم من إخراج مصطفى العقَّاد من عام 1981 حمل عنوان “أسد الصحراء”، وفيه جسَّد الممثل المكسيكي – الأمريكي أنطوني كوين دور عمر المختار.

حصنوا أمن البلاد بإطعام أهلها .. بقلم السيد شبل

كاتب الموضوع الأصلي: صالح العبيسي 333

الأمن القومي، على إتساع الجهد المطلوب من أجل الحفاظ عليه، وعلى تشابك العديد من الأطراف من أجل تحصينه، إلا أنه ليس لغزًا أو أمرًا مبهمًا يتجاوز الأمور البديهية، فسُلّم الأمن.. أولى درجاته هي رغيف العيش، وباقي درجاته هي زجاجة الدواء وفرصة العمل والمدرسة اللائقة والسكن الملائم والمناخ المهيأ للإبداع وتحقيق الطموح، وعمدانه هي الأجهزة الأمنية التي تراقب وترصد وتجمع المعلومات، في إطار الدور المرسوم لها قانونا.

فتردّي الأحوال المعيشية بشقيها الإقتصادي والإجتماعي، هو المحرّك الأساسي لأي إنتفاضة أو إنفجار شعبي، وتجاهل أي نظام حاكم لهذه الحقيقة، لا يتسبب فقط في إسقاطه أو زعزعة أركانه.. وإنما يتسبب في وجود ذريعة خطيرة يمكن لأي عدو متربّص البناء عليها وتسخيرها وتوظيفها لصالحه، عن طريق شبكة من العملاء الذين يُظهرون التضامن بينما هم يباركون تنامي الأزمة.. مثال في العالم العربي، “النشطاء الإجتماعيين والإعلاميين” المرتبطين برأس المال الأجنبي والشركات متعددة الجنسيات والمعاهد الغربية.

وعند وقوع الإنفجار الشعبي “الحتميّ مع استمرار تردّي الأوضاع”، وما يترتب عليه في حالة غياب القيادة الثورية من انسيابية للأحداث، تصبح الساحة مناسبة تمامًا لتتخطى النتائج، مسألة إسقاط النظام الفاسد، إلي إسقاط الدولة نفسها وتمزيقها وتخريبها وتحويل مؤسساتها إلي أطلال وما يترتب على ذلك من إنفلات الأمني وفوضى عامة تستغلها كما ساهمت في صنعها أي قوة خارجية.

ومن هذا المنطلق يصبح أول سبيل لحفظ الأمن القومي وتحصينه هو العمل على تحقيق العدالة الإجتماعية وضمان الحد الأدنى من الحياة الكريمة، ليكون الحفاظ على مصلحة الوطن العليا مرتبط بالضرروة لدى المواطن العادي بمصلحته الشخصية، في تناغم، يعضّده الحس الوطني الفطري الموجود لدى الإنسان بحكم حاجته للانتماء، مع دعمه.

إلقاء العبء على الأجهزة الشرطية – السيادية – وحدها في مسألة حفظ الأمن لا يحقق المراد، ويورّط أفرادها في أخطاء بسبب تحمّلهم تبعات قصور النظام السياسي في حل مشكلات متعلقة بالأسعار والتعليم والصحة والسكن وإلخ، مما يوسّع دائرة الإنفجار ويوفّر ذرائع جديدة يمكن للجهات المعادية البناء عليها تحت دعاوى الدفاع عن حقوق الإنسان ودعم الحريّات.

الدائرة المفرغة، التي سارت فيها الدول الفاشلة، حتى فشلت، يمكن اختصارها – مع إثبات دور العوامل الخارجية – في واقع مرير يصنعه النظام السياسي الحاكم بانحيازه ضد مصالح الإغلبية من الفقراء ومحدودي الدخل، تعجز الأجهزة الأمنية عن التعامل مع هذا الواقع وعن التصدي للنتائج السلبية العشوائية المترتبة عليه بل تزيدها في أحد المراحل، فتسقط ويسقط معها كيان الدولة.. وتبدأ الفوضى.

– حماية البلاد وحفظ أمنها ووحدتها وتماسكها، تكون بسد الذرائع التي يبني عليها أي عدو خارجي محتمل، والسعي لهذا يبدأ من إطعام الناس وتوفير حاجاتهم.. ثم يأتي كل شيء.

دلالات تزايد اهتمام موسكو بمنطقة الشرق الأوسط

كاتب الموضوع الأصلي: ناصر الخريجي 380

في ظل تزايد نشاط السياسة الخارجية الروسية في الشرق الأوسط، أصبح الحديث عن “حقبة” روسية تساهم في إعادة تشكيل المنطقة، يجد صدى له، في ظل تعدد الأدوار المؤثرة التي أصبحت روسيا تلعبها في المنطقة، خاصة فيما يتعلق بالقضايا التي استعصت على الحل طوال الفترة الماضية، ولكن استقرار هذه “الحقبة” يرتبط بحجم التفاهم بين روسيا والولايات المتحدة، على تلك الأدوار، ومدي استعداد روسيا لتحمل تكلفتها.
“فرص” استراتيجية:

هناك مجموعة من التطورات التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط في الفترة الأخيرة، والتي خلقت مجموعة “فرص” بالمعنى الاستراتيجي، استدعت سياسة روسية أكثر نشاطًا عن ذي قبل، وسمحت بإعادة تموضعها في الشرق الأوسط ربما كـ”قوة موازية” للقوة الأمريكية، وهو ما عبر عنه وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في كلمته أمام الدورة الـ 68 للجمعية العامة للأمم المتحدة، في 27 سبتمبر الماضي، بقوله أن “روسيا قلقة من التصريحات المتكررة بشأن حق بعض الدول في استخدام القوة من أجل ضمان المصالح الذاتية بمنطقة الشرق الأوسط”، وقد كان ذلك
تعليقًا على ما ورد في كلمة الرئيس الأمريكي باراك أوباما حول حق بلاده في حماية مصالحها باستخدام القوة، خاصة في ظل اتضاح محدودية النفوذ الذي يمكن أن تمارسه واشنطن في المنطقة، واتباعها سياسات تجاه هذه التطورات لم تحظ بقبول أو ترحيب من قبل حلفائها الرئيسيين، على عكس السياسات الروسية، وتتمثل أهم هذه التطورات فيما يلي:

1- تشكل تحالف “4+2″، الذي يضم مصر والسعودية والإمارات والبحرين والكويت والأردن، بعد سقوط حكم الإخوان المسلمين في مصر، وتعثر تجربتهم في غيرها من الدول، وهو تحالف ظل يبحث عن دعم أمريكي له، ولكن نظرًا لتبني واشنطن سياسة رافضة لدعم التغيير الذي فرضته ثورة 30 يونيو في مصر، والذي مثل الأساس الذي تكون هذا التحالف بناءً عليه، اتجهت هذه الدول إلي روسيا، خاصة وأنها تحفظت منذ البداية على أي صعود سياسي لجماعة الإخوان المسلمين، في مصر وغيرها من الدول، وظلت محتفظة بتصنيفها كـ”جماعة ارهابية” على قوائمها الخاصة، وبالتالي أصبحت روسيا الطرف الداعم لهذا التحالف الإقليمي، ومثلت ما يشبه “العازل” الذي يقلص حدة الضغوط التي تمارسها واشنطن على دول هذا التحالف.

2- استمرار تماسك نظام الرئيس السوري بشار الأسد، بدعم روسي وإيراني، وتردد واشنطن في تبني أي سياسة تؤدي إلى تدخل عسكري لإسقاطه، وهو ما كشف عنه عدم تمسك أوباما بـ”الخط الأحمر” الخاص باستخدام الأسلحة الكيماوية، وقبوله المقترح الروسي الخاص بتفكيك ترسانة سوريا من هذه الأسلحة.

3- تزايد ضغوط الوضع الاقتصادي في روسيا، خاصة مع استمرار انخفاض معدل نمو الاقتصاد الروسي مقارنة بالمعدل العالمي، وهو ما دفعها إلي التقارب مع الدول التي تستطيع أن تنعش اقتصادها، الذي يقوم على مرتكزين هما تجارة السلاح والطاقة، وتعد دول الخليج هي “المنقذ” لها، خاصة في ظل سعي هذه الدول إلي تنويع مصادر السلاح بعيدًا عن الولايات المتحدة، ولضمان مستوي مستقر لأسعار النفط، وذلك من خلال التحكم في حجم الإنتاج، وهو ما يتفق والتوجه الروسي، حيث تسعى روسيا إلى شراكة استراتيجية بالمعنى الاقتصادي والتقني، تستند بالأساس إلى الطاقة والتعاون العسكري.

أدوار متعددة لموسكو:

إن الحديث عن دور روسي في منطقة الشرق الأوسط، يستدعي دومًا مناقشة علاقة هذا الدور بالنفوذ الامريكي في المنطقة، الذي رغم محدوديته التي تكشفت مؤخرًا، إلا أنه لا يمكن تجاهله، فأي دور يمكن أن تلعبه روسيا في المنطقة، سيكون مرتبطًا بتوافق ما مع الولايات المتحدة، حوله، ومن المتوقع أن تكون هناك أدوار روسية، ترتبط بالقضايا الأكثر استعصاءًا على الحل في المنطقة، والتي عجزت واشنطن عن إدارتها بصورة منفردة طوال الفترة الماضية، في إطار من “التفاهم المرن” بين الدولتين. وتتمثل هذه الأدوار فيما يلي:

1- “الضامن الدولي” لتسوية الصراع في سوريا، ويرتبط هذا الدور بالمبادرة التي طرحتها روسيا، والتي قضت بإخضاع ترسانة سوريا من الأسلحة الكيماوية للرقابة الدولية تمهيدًا للتخلص منها. وتعد الكيفية التي انتهى بها الجدل الخاص بتوجيه الضربة العسكرية لنظام الأسد، انتصارًا للدبلوماسية الروسية على نظيرتها الأمريكية، خاصة أن موسكو نجحت في الحصول على تنازلات من واشنطن حول كيفية تسوية الصراع في سوريا، ترجم في قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2118، حيث حالت موسكو دون أن يتم استخدام القضية الكيماوية كمبرر لتوجيه ضربة لنظام الأسد من أجل تسوية الصراع مع المعارضة، مع موافقة واشنطن على الحل السياسي للصراع، والذي يستند إلى اتفاق “جنيف-1” الذي أقر تشكيل حكومة انتقالية لها سلطات تنفيذية، والذي يمهد الطريق أمام عقد مؤتمر “جنيف- 2”. ويلاحظ أن هناك حرصًا أمريكيًا – روسيًا على تحريك الجهود الخاصة بعقد مؤتمر “جنيف- 2″، من خلال تكثيف المساعي الخاصة بحل معضلة تمثيل المعارضة السورية في المؤتمر، وفي هذا الإطار أعلن نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف، في 6 نوفمبر الحالي، عن استعداد بلاده لاستضافة لقاء غير رسمي في موسكو بين ممثلين عن السلطات السورية والمعارضة قبل الانعقاد الرسمي للمؤتمر.

2- “الصديق” الداعم لتحالف “4+2″، ولمصر العضو في هذا التحالف على وجه التحديد، خاصة وأن تشكل هذا التحالف ارتبط بالثورة الثانية التي شهدتها مصر في 30 يونيو، وقد كشفت الزيارة التي قام بها وزيرا الخارجية والدفاع الروسيان سيرغي لافروف وسيرغي شويغو للقاهرة، عن أبعاد هذا الدعم، الذي لا يقف عند المجال الاقتصادي فقط، وإنما يمتد إلي المجال العسكري أيضًا، حيث تم الاتفاق على صفقة لتوريد الأسلحة الروسية إلى مصر تفاوتت التقديرات بشأنها وسط حديث عن قيام السعودية والإمارات بدور في إتمامها.

3- المسهل “”facilitator لحل الأزمة الإيرانية، ليس علي صعيد البرنامج النووي فحسب، وإنما أيضًا علي مستوي القضايا غير النووية التي تهمها مثل الصراع في سوريا، حيث مازالت روسيا تحتفظ بأوراق مهمة في أزمة البرنامج النووي باعتبارها عضوًا في مجموعة “5+1” وكذلك عضوًا دائمًا في مجلس الأمن، وقد تحدث الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في 18 نوفمبر الجاري، عن أن روسيا ترى “فرصة حقيقية” لتسوية مشكلة النووي الإيراني، وذلك قبل استئناف المفاوضات النووية الدولية في 20 نوفمبر الحالي. وقد يساعد التوافق “المرن” بين واشنطن وموسكو الخاص بتسوية الصراع في سوريا، على حل أزمة النووي الإيراني، التي قد تتطلب توافقًا من نوع آخر، قد يعيد ترتيب الأوضاع في المنطقة، خاصة وأنه يبدو أن روسيا لن تتخلى عن دعم القدرات النووية الإيرانية، وقد تسعى إلى إبرام اتفاق مشابه للاتفاق الخاص بـ”الكيماوي” السوري، ليس بهدف نزع القدرات النووية الإيرانية، وإنما بهدف خلق واقع جديد يحفظ لها نفوذًا ما.

أدوار “مرحلية”؟

رغم تزايد تأثير روسيا في التفاعلات الشرق أوسطية خلال الآونة الأخيرة، وتحولها إلى طرف مباشر لا يمكن إغفاله في تحليل الوضع في المنطقة، إلا أن استمرار أدوارها في المنطقة، على نحو يسمح بالحديث عن “حقبة روسية”، يظل رهنًا بمجموعة من المتغيرات، يتمثل المتغير الأول في حجم الاهتمام الأمريكي بالشرق الأوسط، خاصة في فترة ما بعد أوباما، وهو ما قد يضع حدًا للتمدد الروسي في المنطقة، ففي نهاية المطاف، لن تنجح روسيا في لعب أدوار في المنطقة دون تفاهم ما مع واشنطن.

وينصرف المتغير الثاني إلى قدرة روسيا على مواصلة لعب هذه الأدوار، خاصة إذا بدأت تفرض عليها تكلفة اقتصادية قد لا تستطيع تحملها في المدى الطويل، فحتى الآن، ما تمارسه من أدوار في المنطقة، تحصل على مقابل اقتصادي له، وهو ما تشير إليه على سبيل المثال، صفقة الأسلحة الأخيرة مع مصر والتي تقدر قيمتها بـ2 مليار دولار.

فيما يتعلق المتغير الثالث، باستمرار القضايا التي تسمح لروسيا بلعب هذه الأدوار، فعودة الاستقرار في المشرق، وانتهاء التوتر بين واشنطن ودول تحالف “4+2″، فضلا عن التوصل لصفقة مع إيران، قد يضطر روسيا إلى العودة لنمط السياسات “الهادئة” التي اتبعتها في الفترة السابقة على الثورات العربية، كما أن تنامي التوقعات في المنطقة حول دور روسي محتمل في تسوية القضية الفلسطينية، قد يصطدم بالواقعية الروسية والتي حالت دون تدخل موسكو المباشر في هذا الملف منذ مؤتمر مدريد للسلام 1991.

(*) باحثة بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

(**) باحثة بوحدة العلاقات الإقليمية- المركز الإقليمي للدراسات الاستراتيجية في القاهرة

نشرت في العلاقات الأقليمية
من أرشيف RCSS

مصر

المزيد في هذه الفئة : « لماذا تؤيد تركيا توجيه ضربة عسكرية للأسد؟ دوافع التحركات الفرنسية من مالي إلى سوريا »
رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة
نص التعليق * أدخل رسالتك هنا… اسم * البريد الإلكتروني *
عد إلى الأعلى
مقالات

النظام السياسي العربي بين الركود والعشوائية! النظام السياسي العربي بين الركود والعشوائية!
السـيد يسين
مانديلا الذي تمنته منطقتنا مانديلا الذي تمنته منطقتنا
طارق الحميد
توجهات الرأي العام الإيراني توجهات الرأي العام الإيراني
جيمس زغبي

In Depth

دوافع التحركات الفرنسية من مالي إلى سوريا دوافع التحركات الفرنسية من مالي إلى سوريا
إيمان أحمد عبد الحليم

ملفات RCSS

العلاقات الأمريكية- الإيرانية من الصدام إلى الصفقة ( ملف) العلاقات الأمريكية- الإيرانية من الصدام إلى الصفقة ( ملف)
إعداد: عمرو عبد العاطي

Ads4

القضايا
التحولات الداخلية
العلاقات الأقليمية
القضايا الأقتصادية
الأمن الأقليمى
الرأى العام

التحليلات
التقديرات
التقارير
المقالات

الأصدارات
حالة الأقليم
دراسات الشرق الاوسط
حالة العالم

الأنشطة
الندوات العامة
حلقات النقاش
ورش العمل
المحاضرات العامة
اللقاءات الخاصة

المشروعات
مستقبل الثورة المصرية
حالة النظام الأقليمى
الرأى العام العربى

الخبراء

Copyright © 2012 . All Rights Reserved RCSS

Powered by Nile-Tech
Facebook

وضع إيران الإقليمي في ظل رئاسة روحاني

كاتب الموضوع الأصلي: ناصر الخريجي 380

نظم المركز الإقليمي للدراسات الاستراتيجية بالقاهرة، يوم الأربعاء الموافق 4 ديسمبر 2013، حلقة نقاشية بعنوان “إيران الجديدة: التحولات “المحتملة” لوضع إيران الإقليمي في ظل رئاسة حسن روحاني”، في ظل موجة من التفاؤل الخاصة بمستقبل سياسة إيران الخارجية، بعد فوز حسن روحاني في انتخابات الرئاسة الإيرانية، ومستقبل وضعها في الشرق الأوسط، خاصة في منطقة الخليج، وهو ما انعكس في تصريحات الدول الغربية على وجه التحديد، سواء فيما يتعلق بالبرنامج النووي الإيراني، والذي كلل باتفاق جنيف بين إيران ومجموعة 5+1، أو فيما يتعلق بدور محتمل يمكن أن تقوم به إيران في تسوية الصراع الدائر في سوريا منذ مارس 2011، حيث إن هناك انطباعًا في الدوائر الأكاديمية والسياسية الغربية، أن حسن روحاني والنخبة المحيطة به أكثر رغبة في حل المشاكل والأزمات في علاقات إيران الخارجية، خاصة مع الدول الغربية، لا سيما الولايات المتحدة، في مقابل الحصول على “شرعية” إقليمية ودولية.
وقد افتتح حلقة النقاش الدكتور عبد المنعم سعيد، مدير المركز الإقليمي للدراسات الاستراتيجية، وأدار الحلقة الدكتور محمد مجاهد الزيات، رئيس المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط، بمشاركة متحدث رئيسي هو الأستاذ محمد عباس ناجي، الباحث المتخصص في الشئون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية، وتحدث عن التحولات المحتملة لوضع إيران الإقليمي في ظل رئاسة حسن روحاني، وعدد من المعقبين هم: الأستاذة إيمان رجب، الباحث المتخصص في شئون الخليج بمركز الأهرام للدراسات السياسية، وتحدثت عن مداخل تعامل دول الخليج مع إيران في ظل رئاسة حسن روحاني، والدكتورة إنجي مهدي، أستاذة العلوم السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، التي تحدثت عن أبعاد التقارب الأمريكي-الإيراني في ظل رئاسة حسن روحاني، والدكتورة مروة وحيد، رئيس وحدة الدراسات الإيرانية بالمركز القومي لدراسات الشرق الأوسط، وتحدثت عن الدور الإيراني “المحتمل” في تسوية الصراع في سوريا، فضلا عن مشاركة مجموعة من النخبة الدبلوماسية والخبراء المتخصصين في الشأن الإيراني والخليجي.

وافتتح الدكتور عبد المنعم سعيد حلقة النقاش بالتشديد على أن المركز الإقليمي يولي أهمية كبيرة لموضوع إيران، وهو ما انعكس في عقد عدد من ورش العمل حول إيران، وهو أمر اعتبره “بالغ الأهمية” خاصة مع التغيير في القيادة الإيرانية، والتوصل إلى اتفاق جنيف بين إيران ومجموعة 5+1.

من جانبه، طرح الدكتور محمد مجاهد الزيات العديد من التساؤلات لمحاولة الإجابة عليها، ومنها: ما هي التحولات المحتملة لوضع إيران الإقليمي؟ هل نحن بصدد “إعادة تموضع” إيران في الإقليم، في ظل وجود متغير رئيسي وهو رئيس إيراني جديد يوصف بـ”الملا الدبلوماسي”، بما لديه من أفكار مختلفة؟ وهل يعد هذا “تغييرًا” في توجه السياسة الخارجية أم الآليات؟ وما هو الموقف الأمريكي من إعادة “تموضع” إيران في الإقليم؟ وكذلك الموقف الخليجي؟.

حدود “تغيير” السياسة الخارجية الإيرانية بعد فوز روحاني

من خلال عرضه للورقة الرئيسية لحلقة النقاش، ركز الأستاذ محمد عباس ناجي على حدود التغيير وعلاقة هذا التغيير بوصول روحاني للرئاسة. واعتبر ناجي أن المسألة تتصل بوجود اتجاه وليس ارتباطًا بوصول رئيس، وإن كان الرئيس في شخصية روحاني واعتداله يكون أحد أسباب التوصل إلى اتفاق وليس السبب الرئيسي. وعلى الرغم من وجود تحديات داخلية مثل الحرس الثوري الإيراني فإن “الانفتاح” على الخارج يعبر عن اتجاه يمثله خامنئي لتجربة مسار آخر غير المواجهة مع الغرب، ووجود “نضوج” لظروف دفعت إيران من الأرجح إلى تجربة مسار آخر للدخول في تفاهمات مع الولايات المتحدة الأمريكية.

وتطرق الباحث في ورقته لبعض التوجهات التي تشير إلى أن استبعاد الضربة العسكرية الأمريكية ضد النظام السوري، جاءت نتيجة وجود تفاهمات سرية بين الطرفين دفعت واشنطن في النهاية إلى تفضيل المسار السياسي، ولكنه لا يغفل الدور الروسي.

وأبدى ناجي عددًا من الملاحظات حول اتفاق جنيف، منها أن النتيجة الأساسية لهذا الاتفاق أوقفت الساعة الإيرانية دون نزع عقارب الساعة، بكونه اتفاقًا مرحليًّا ومؤقتًا، حيث يكتنفه بعض الغموض، ووجود تأثيرات محتملة للاتفاق على الوضع في الإقليم مثل الملف السوري، وأمن الخليج، والملف اللبناني. ولكنه اعتبر أن أي تأثير محتمل على الوضع في الإقليم سيرتبط بعاملين. يتمثل أولهما في النتيجة الأساسية للاتفاق وما يعقبه. ويتعلق ثانيهما بمدى قبول دول مجلس التعاون الخليجي الانخراط مع وضعها الجديد.

وأكد في نهاية ورقته البحثية أن أي تطورات جديدة في الملفات الإقليمية المتعددة لن تشهد تطورات كبيرة خلال الشهور المقبلة، واعتبرها خطوة “مؤجلة” لاستشراف ما قد يحدث في المستقبل، فإيران ليست من مصلحتها حلحلة الأزمات في المنطقة لحين استشراف ما قد يحدث.

من جانبها، ترى الدكتورة إنجي مهدي، أن استفادة إيران الاقتصادية، خاصة لو حدث توافق مع الدول الأوروبية وعدم النظر لإيران على أنها دولة إرهابية؛ سيسهم في إعطاء إيران “ثقلا” في المنطقة. واعتبرت أن التوافق الأمريكي-الإيراني سيكون بداية لحل الكثير من القضايا العالقة برغم الضغوط التي يتعرض لها الطرفان.

هل تقبل دول الخليج “الانخراط” مع إيران؟

حاولت الأستاذة إيمان رجب، الإجابة على تساؤلين رئيسيين في هذا المضمار وهما: كيف تعاملت دول الخليج مع إيران؟ وهل ترى أن إيران مع روحاني إيران جديدة أم قديمة بسياسات مختلفة؟ وقالت في البداية إن دول الخليج ليست كتلة صامتة، فهي ست دول تختلف في تقييمها مع إيران من ناحية المصالح والخبرة التاريخية، وبالتالي فالعلاقات بينهما “معقدة”، حيث تنظر دول الخليج إلى إيران باعتبارها مصدر تهديد ولكن بدرجات مختلفة، ومع ذلك توجد مصالح استراتيجية بين دول الخليج وإيران، سواء على مستوى الزيارات أو مصلحة تأمين العبور في مضيق هرمز.

وأضافت أن هناك تيارًا رئيسيًّا في دول الخليج يسيطر على دوائر صنع القرار يصور إيران أنها مصدر كل المشاكل في الخليج، ويرى أن الغرب على استعداد لأن يبيع دول الخليج مقابل تطبيع علاقاته مع إيران. ومع ذلك، تدرك دول الخليج عدم إزالة إيران من الخريطة، لذلك تتعامل ببراجماتية، واتباع سياسة “”congagement، وقبول فكرة الحوار “المشترط”.

يوجد شرطان أساسيان لبدء الحوار مع إيران. يتمثل أولهما في وجود سياسات إيرانية فعلية لحل القضايا مع دول الخليج العربي، وبالتالي عدم كفاية النوايا الحسنة، وهذه القضايا أهمها عدم التدخل في الشأن الداخلي، والتحكيم في جزر الإمارات الثلاث، وعدم إخفاء الدور السعودي في حلحلة الأزمة السورية. بينما ينصرف العامل الثاني إلى وجود ضامن لاحترام إيران لالتزاماتها للتوصل إلى حوار.

وأجابت رجب على التساؤلات التي طرحتها في البداية، بالقول إن دول الخليج لا ترى تغييرًا في إيران باعتبار أن عقيدتها ما زالت موجودة، ولكن ما تغير هو الظروف المحيطة، وهو ما أرغم دول الخليج على التعامل معها ببراجماتية دون تخلي دول الخليج عن أنها مصدر تهديد.

الدور الإيراني المحتمل في حل الأزمة السورية

بدورها، ترى الدكتورة مروة وحيد أن الأزمة السورية مرتبطة بالدور الإيراني، الذي يدعم نظام بشار الأسد سياسيًّا وعسكريًّا، وكذلك استخباراتيًّا. وهذا الدعم يشمل أولا: دور الحرس الثوري الإيراني لتسليح بشار الأسد وتمويل بعض المليشيات الخاصة بنظام الأسد. ثانيًا، تقديم بعض المعلومات الاستخباراتية لنظام الأسد، وإمداد الخطوط الجوية الإيرانية لنقل المعدات، واستخدام الممرات البديلة أيضًا، مما أحدث توترًا على النقاط الحدودية. ثالثًا، تقديم إيران أوجه الدعم عبر وكلاء إقليميين مثل حزب الله، وتقديم معلومات استخباراتية لتأمين الحدود اللبنانية السورية، وأهمها معركة القصير.

وأشارت إلى وجود “ثلاثة” متغيرات مرتبطة بعقد مؤتمر جنيف 2 في 22 يناير المقبل. يتمثل أولها في وجود ممثل لنظام الأسد، حيث كان يشترط في السابق ضرورة إسقاط نظام الأسد قبل بدء الحوار. ويتعلق ثانيها بالتغيرات الإقليمية والدولية، وأهمها الاتفاق الروسي-الأمريكي، والإقرار بالحل السياسي باعتباره المسار الوحيد لإنهاء الصراع الدائر في سوريا. وينصرف ثالثها إلى اختلاف توجهات الغرب والتوجهات الإيرانية أيضًا عن جنيف-1، فهناك اعتراف بأهمية وجود إيران في حلحلة الصراع السوري، في ظل وجود انفتاح مع الغرب.

وأنهى الدكتور محمد مجاهد الزيات حلقة النقاش بالقول إن أوراق الحلقة اتفقت على أن هناك بداية إكساب إيران “شرعية” في المنطقة، وتوجهًا أمريكيًّا بعدم المواجهة، كما أن سوريا ستبقى ورقة أساسية في يد إيران، ولن تتنازل عن موقفها.

تابع الحلقة: ريهام مقبل، باحثة بالمركز الإقليمي للدراسات الاستراتيجية بالقاهرة.

رحيل مانديلا

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالمجيدالنفيسة٣٢

رحيل مانديلا يخطف أضواء المحافل السياسية والرياضية في العالم
أثار رحيل نلسون مانديلا، بطل النضال ضد نظام الميزالعنصري، موجة ردود فعل في أنحاء العالم لتوجيه تحية الى هذه الشخصية الاستثنائية. بل وخطفت وفاته الأضواء في جميع المحافل الرياضية والسياسية الدولية التي أقيمت الجمعة.
Brasilien Fussball WM 2014 Gruppen-Auslosung
لم يحظ أي رئيس دولة أو مقاوم سياسي أو حائز على جائزة نوبل أو سجين رأي بمثل هذا الكم الهائل من تحيات الاحترام والتعبير عن الحزن من كل أنحاء العالم، كما حظي به نلسون مانديلا، بطل النضال ضد نظام الميز العنصري، والذي توفي مساء الخميس عن عمر ناهز 95 عاما.
وباشرت جنوب إفريقيا والعالم بأسره الجمعة تكريم مانديلا، وتوالت الإشادات من جميع عواصم العالم طول النهار. ففي الولايات المتحدة أمر باراك اوباما، بتنكيس الأعلام حتى مساء الاثنين وأعلن في بيان:”اليوم خسرت الولايات المتحدة صديقا مقربا وخسرت جنوب إفريقيا محررا لا مثيل له وخسر العالم مصدر وحي للحرية والعدالة والكرامة الإنسانية”.
بدوره، أشاد الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون بمانديلا معتبرا انه كان “مصدر الهام” للعالم. وأعلن الدالاي لاما الحائز جائزة نوبل للسلام انه خسر “صديقا عزيزا”.

جنوب افريقيا في حداد على رحيل مانديلا
بدوره نعى الرئيس الألماني يواخيم غاوك نيلسون مانديلا، ووصفه بأنه “رجل دولة كبير جسد التصالح والسلام والعدالة في شخصه”. وكتب غاوك في خطاب عزاء لأرملة الزعيم الراحل الحائز على جائزة نوبل للسلام، غراسا ماشيل، ان منديلا “قدم كإنسان وسياسي نموذجا في كيفية تجاوز الكراهية والعنف والعنصرية”. وأضاف غاوك: “نيلسون مانديلا لم يثبت فحسب أنه من الممكن الحصول على الحرية السياسية بطريقة سلمية، بل أيضا أنه يتعين صياغتها والمحافظة عليها بمسؤولية. هذا هو إرث نيلسون مانديلا، وأيضا تكليفه لنا جميعا”.
أما المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل فأشادت بنيلسون مانديلا معتبرة أنه “اسم ساهم إلى الأبد في المعركة ضد قمع شعبه”، حسب ما جاء في بيان رسمي. وقالت المستشارة الألمانية: “نحن مع شعب جنوب إفريقيا في حالة حداد بألمانيا على نيلسون مانديلا” مضيفة أن “اسمه سيبقى أبدا ملازماً للمعركة ضد قمع شعبه والنصر على نظام الفصل العنصري”.
Trauer um Nelson Mandela
جنازة وطنية لمانديلا في 15 كانون الاول/ديسمبر
دعوة لاستلهام ارث مانديلا
ووسط تنكيس الأعلام ومراسم التكريم وسيل الردود، ألقت وفاة مانديلا بثقلها على قمة باريس لإحلال الأمن والسلام في إفريقيا، والتي دعا اليها الرئيس الفرنسي فرنسوا اولاند منذ وقت طويل. ووعد أولاند ونظراؤه الأفارقة الذين وجهوا تحية حارة إلى نلسون مانديلا، باستلهام إرث أول رئيس اسود لجنوب إفريقي لإحراز تقدم على صعيد الدفاع المشترك عن القارة حيث بدأت باريس للتو تدخلها العسكري الثاني في القارة في اقل من سنة.
وقال أولاند إن “العالم في حداد … لم يغير نلسون مانديلا جنوب إفريقيا فقط بل سرع تحرك العالم”.
عالم الرياضة تنعي مانديلا
فقد بكى عالم كرة القدم الذي اجتمع اليوم في البرازيل لسحب قرعة مونديال 2014 زعيم أول دولة افريقية استضافت كأس العالم عام 2010 ، وقال الأسطورة البرازيلي بيليه في حسابه على موقع التواصل الاجتماعي تويتر “انه بطلي، صديقي ورفيقي في النضال من اجل قضايا الشعب والسلام في العالم”.
Trauer um Nelson Mandela
مونديال 2014: بدء مراسم حفل سحب القرعة بتكريم مانديلا
من جانبه، قال روماريو، احد نجوم المنتخب البرازيلي السابقين، “من خلال نضاله ضد التمييز العنصري، ترك مانديلا خلال عبوره في هذا العالم درسا مذهلا في الإنسانية”. وكتب رونالدو النجم الآخر في المنتخب البرازيلي سابقا “لقد غيرت العالم. شكرا.. ارقد بسلام”، فيما كتب البرتغالي كريستيانو رونالدو “شكرا لك على انجازك ومثالك، وستبقى دائما معنا”.
وعبر رئيس الاتحاد الدولي (فيفا) السويسري جوزيف بلاتر عن “حزنه العميق” بعد وفاة نيلسون مانديلا “احد كبار فلاسفة زمانه”. وقال “بحزن عميق جدا، أقول وداعا لشخصية استثنائية، ربما هو احد كبار فلاسفة عصره. انه صديق صدوق”. وأشار بلاتر إلى أن أعلام الدول الـ209 ستنكس في مقر الفيفا في زيوريخ، وسيتم الوقوف “دقيقة صمت في المباريات الدولية المقبلة”.
ي ب/ م س (ا ف ب، رويترز، د ب أ)

العلاقات الأمريكية- الإيرانية من الصدام إلى الصفقة ( ملف)

كاتب الموضوع الأصلي: ناصر الخريجي 380

مع فوز الرئيس الأمريكي “باراك أوباما” بفترة رئاسية ثانية في عام 2012، وفوز المرشح الإصلاحي “حسن روحاني” برئاسة إيران خلفًا للرئيس المتشدد “أحمدي نجاد”؛ حدثت انفراجة في الملف النووي الإيراني، عبرت عنها كلمات “أوباما” عقب فوز “روحاني” التي تحدث فيها عن إمكانية التواصل مع القيادة الإيرانية الجديدة، والمحادثات المباشرة لأول مرة بين وزير الخارجية الأمريكي “جون كيري” ونظيره الإيراني “محمد جواد ظريف” في 26 سبتمبر 2013 في الأمم المتحدة، وبعدها أول محادثة هاتفية بين الرئيسين الأمريكي والإيراني. وهي كلها مؤشرات يراها البعض بادرة أمل لصفقة بين طهران وواشنطن تضع حدًّا للأزمة النووية الإيرانية التي سيطرت على النقاش الدولي لفترة تقرب من عقد بدون حلها، ما كان له عظيم التأثير على المصالح الأمريكية، وتوازنات القوى في المنطقة.
تأتي مؤشرات عقد الصفقة الأمريكية-الإيرانية في وقت يتصاعد فيه النفوذ الإيراني في منطقة الشرق الأوسط، وخاصة في الأزمة السورية حيث الدعم الإيراني المتنامي لتعزيز قوة بشار الأسد في مواجهة المعارضة المسلحة بما قد يمكنه من حسم الصراع لصالحه. ويأتي تنامي الدور الإيراني في المنطقة مع تزايد مؤشرات تقليل الانخراط الأمريكي خلال حكم “باراك أوباما” في المنطقة، وتراجع النفوذ والتأثير الأمريكي في قضايا المنطقة، والذي كان ظاهرًا في عديد من الملفات.

وترغب الولايات المتحدة من عقد صفقة مع طهران في أن تصبح إيران دولة “غير نووية”، لا تضر بمصالحها بالمنطقة، إضافة إلى إعادة تأهيل قوتها الإقليمية بحيث لا تسعى إلى قلب موازين القوى في المنطقة على نحو يخرج عن السيطرة الأمريكية. ومع إخفاق الرئيس الأمريكي “باراك أوباما” في إحراز تقدم في ملف الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، والذي كان على قمة أولويات الإدارة منذ اليوم الأول لها في البيت الأبيض لتعنت الطرف الإسرائيلي؛ يرغب الرئيس الأمريكي في إحراز تقدم في الملف الإيراني ليدخل به أوباما التاريخ. وفي المقابل تهدف طهران من الصفقة إلى اعتراف الولايات المتحدة بأنها قوة إقليمية مؤثرة في المنطقة، تمتلك نفوذًا بالمنطقة لا يقل عن النفوذ الأمريكي فيها.

ويعتبر الاتفاق النووي بداية للتعاون بين الولايات المتحدة وإيران في القضايا المشتركة بينهما في منطقة الشرق الأوسط، فالصفقة قد تساعد بدورها في تهدئة الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط، وتأتي في مقدمتها الأزمة السورية المحتدمة إلى وقتنا هذا. ففي السابق لعبت طهران دورًا حيويًّا في مساعدة الولايات المتحدة في هزيمة حركة طالبان في أفغانستان عام 2001، وهو ما يمكن أن يتكرر لمساعدة القوات الأمريكية على الانسحاب من أفغانستان دون أن تستعيد طالبان السيطرة مرة أخرى على الأراضي الأفغانية بالكامل.

ويرفض حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة الاتفاق النووي الأمريكي-الإيراني لتأثير مثل هذه الصفقة على مصالحهم، وعلى توازنات القوى في المنطقة، ويأتي في مقدمتهم إسرائيل -الحليف الاستراتيجي للولايات المتحدة في المنطقة- التي تحث على لسان رئيس وزرائها “بنيامين نتنياهو” مؤيدي إسرائيل في الولايات المتحدة على الضغط من أجل فرض مزيد من العقوبات على إيران، ورفض سياسة إدارة “أوباما”. فقد أعرب علانية عن معارضته الشديدة لأي اتفاق، فالمعارضون للاتفاق في إسرائيل، إلى جانب العديد من معارضي الاتفاق في الكونجرس؛ يضعون كثيرًا من العقبات أمام عقد الصفقة الأمريكية-الإيرانية.

ومع تحول استراتيجية التعامل مع إيران من فرض العقوبات إلى عقد صفقة بين الولايات المتحدة وإيران بتوافق مجتمعي، تأتي أهمية هذا الملف الذي يضم مجموعة من التحليلات الصادرة عن “المركز الإقليمي للدراسات الاستراتيجية” التي تركز على التحول في السياسة الخارجية الإيرانية بعد فوز “روحاني” بمنصب الرئيس، والذي فتح الباب على مصراعيه أمام عقد صفقة بين البلدين، ومؤشرات عقد الصفقة، وتأثيراتها على دول الإقليم.

دوافع التحركات الفرنسية من مالي إلى سوريا

كاتب الموضوع الأصلي: ناصر الخريجي 380

سعت القيادة الفرنسية إلى استغلال التطورات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لاستعادة دور فرنسا وتواجدها في مناطق نفوذها التاريخي على الضفة الجنوبية والشرقية للبحر المتوسط، وفي منطقة الساحل الإفريقي، وذلك على الرغم من الأزمة المالية التي تواجهها فرنسا، فجميع وزارات الدولة مطلوب منها أن تخفض نفقاتها، بما فيها وزارة الدفاع. غير أن ذلك لم يَحُلْ دون مشاركة باريس -وبقوة- في عمليات حلف الناتو بليبيا؛ إذ قامت الطائرات الفرنسية بأكثر من 25% من الطلعات الجوية في الأجواء الليبية، وكانت أول من نفذ الضربات الجوية على قوافل القذافي.
ومع وصول اليساري فرانسوا هولاند إلى سدة الرئاسة، فإنه لم يتوانَ عن استكمال ما بدأه سلفه نيكولا ساركوزي، فلم يتردد في دفع الجيش الفرنسي للمشاركة في عمليات القتال في مالي فور صدور قرار مجلس الأمن في 10 يناير 2013، ومطالبة مالي بالتدخل الدولي في مواجهة المقاتلين الإسلاميين، وقد بلغت القوات الفرنسية في مالي في ذروة عملياتها هناك 4500 جندي، وذلك في فبراير 2013.

وإذا كانت فرنسا في عهد ساركوزي، أول من اعتبرت الرئيس السوري بشار الأسد فاقدًا للشرعية، وعليه التنحي، وحرصت منذ بداية الأزمة السورية على دعم ومساندة المعارضة السورية إنسانيًّا ودبلوماسيًّا واقتصاديًّا؛ فإن هولاند كان أول من اعترف بالائتلاف الوطني للمعارضة السورية ممثلا شرعيًّا وحيدًا للشعب السوري، وأول من حثّه على تشكيل حكومة انتقالية تعود إليها صلاحيات الدولة السورية.

الأهداف الفرنسية على الساحة الإقليمية:

في إطار الدور الذي تضطلع به فرنسا على الساحة الإقليمية، فإنها سعت إلى تحقيق عدد من الأهداف، وذلك على النحو التالي:

– ترى فرنسا أنها تمثل عنصرًا فاعلا ومهمًّا على الساحة الدولية في مجال مكافحة الإرهاب، وانتشار أسلحة الدمار الشامل، وبالتالي كان تدخلها في مالي لمواجهة التنظيمات الإسلامية المسلحة التي كانت قد تمكنت من السيطرة على جنوب مالي وحتى بلدة “كونا” الاستراتيجية في وسط البلاد، مهدِّدَةً بالسيطرة على العاصمة “باماكو”، فيما تُشدد فرنسا على أهمية توجيه رسالة قوية إلى سوريا من أجل ردع أي استخدام مستقبلي للأسلحة الكيميائية، وذلك مع القلق من احتمال وقوع الأسلحة غير التقليدية التي يملكها النظام السوري في أيدي الجماعات المتطرفة، الأمر الذي من شأنه تهديد الأمن في المنطقة والعالم.

وقد طالبت مسودة قرار طرحتها فرنسا في مجلس الأمن الدولي في 11 سبتمبر 2013، بأن تصدر سوريا إعلانًا كاملا بشأن برنامجها للأسلحة الكيميائية في غضون 15 يومًا، وأن تفتح على الفور جميع المواقع المرتبطة به أمام مفتشي الأمم المتحدة، وإلا فإنها ستواجه إجراءات عقابية محتملة.

– تسعى فرنسا إلى ترميم مصداقيتها في العمل كقوة عظمى في منطقة نفوذها التقليدي تاريخيًّا، سواء بمقترحات عسكرية أو إنسانية، خاصة في ظل أزمتها الاقتصادية الداخلية، وتراجع مكانتها الأوروبية لصالح غريمتها التاريخية ألمانيا. وفي الإطار الإنساني فقد استقبلت فرنسا أكثر من ثلاثة آلاف سوري منذ عام 2011، وفق أرقام الخارجية الفرنسية، مع تعهد الرئيس هولاند باستقبال 500 لاجئ سوري خلال الأشهر المقبلة استجابة لطلب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشئون اللاجئين.

– لا يمكن اختزال خلفيات الدور الفرنسي في الأبعاد الإنسانية ومواجهة الخطر الإرهابي وخطر أسلحة الدمار الشامل فقط، وإنما يقف وراءها أيضًا مصالح اقتصادية، مما يفسر دور فرنسا المحوري خلال عمليات حلف الناتو في ليبيا، الأمر الذي سمح للشركات الفرنسية بالاستثمار في قطاع النفط الليبي، لا سيما أن البحرية الفرنسية كانت أول من ساعد الموانئ الليبية على إعادة نشاطها الاقتصادي العادي. وأيضًا فإن التدخل العسكري في مالي يحقق منافع اقتصادية جمّة لفرنسا؛ إذ تمثل منطقة شمال غرب إفريقيا على نحو عام موردًا مهمًّا لليورانيوم والنفط والغاز والذهب واللؤلؤ والكوبالت، وتخشى فرنسا من أن تحول الجماعات الأصولية في شمال مالي دون الاستثمار الواسع في تلك المنطقة التي لم تُستغل كاملا بعد.

– في إطار اهتمام فرنسا بتعزيز وجودها في مناطق نفوذها التاريخية، فإن للحفاظ على مصالحها الحيوية في شرق المتوسط أهمية خاصة؛ فباريس قلقة بشكل كبير من تورط حزب الله في الحرب الأهلية السورية واحتمالات امتدادها إلى لبنان التي تُعرف على نحو خاص كمنطقة ذات أولوية عليا للمصالح الفرنسية، ويُشكل كذلك تورط إيران في الأزمة السورية وامتداد نفوذ طهران إلى شرق المتوسط مصدر قلق كبير لفرنسا، لا سيما أن باريس ترى في المشروع النووي الإيراني تهديدًا رئيسيًّا للأمن في العالم.

استراتيجية فرنسا لتحقيق أهدافها:

مع تدخل فرنسا عسكريًّا في مالي، ونجاحها في إطار ذلك في رعاية انتقال السلطة إلى حكومة مدنية، مع انتخاب رئيس جديد لمالي حرص هولاند على حضور حفل تنصيبه في 19 سبتمبر 2013؛ فإن باريس كانت على استعداد لاستخدام الأداة العسكرية مرة أخرى في سوريا، خصوصًا بعد استخدام السلاح الكيميائي في النزاع الدائر هناك، حيث أعلن الرئيس الفرنسي في أغسطس 2013، أن بلاده ستنضم إلى الولايات المتحدة الأمريكية في شنّ عملية عسكرية ضد نظام الأسد.

ولكن يبدو أن الدول الغربية دائمة العضوية في مجلس الأمن قد وصلت إلى قناعة مفادها أن استصدار قرار “قوي” بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة يخول استخدام القوة العسكرية بحق النظام السوري، أصبح هدفًا بعيد المنال بسبب المعارضة الروسية القوية، والصعوبة في حمل موسكو على تغيير مواقفها بشأن استخدام القوة العسكرية بحق نظام الأسد.

ولذلك بعد أن توصلت الولايات المتحدة وروسيا إلى الاتفاق الخاص بتدمير الأسلحة الكيميائية السورية، فإن الاستراتيجيات التي طرحتها فرنسا لدعم المعارضة السورية في مواجهة نظام الأسد تمحورت حول ثلاثة بدائل رئيسية:

الأول: مواصلة الجهد لاستصدار قرار “قوي” من مجلس الأمن بحق سوريا. إذ لا تزال فرنسا تدعم استصدار ذلك القرار، حتى إن لم يتضمن ذكرًا صريحًا لمقررات الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة. وأشارت مصادر رئاسية فرنسية أن الهدف الآن هو التوصل إلى قرار “يتضمن أكبر قدر ممكن من القيود والإجراءات” لحمل النظام السوري على تنفيذ التزاماته إزاء اتفاق جنيف في يونو 2012، أو حول القرار الذي سيصدر عن المنظمة الدولية لمنع استخدام الأسلحة الكيميائية بحيث يكون مرغمًا على تطبيق بنودهما كافة.

ومن المخارج المطروحة إمكانية الإشارة إلى الفصل السابع، ولكن إخراج الفقرة التي تنص على استخدام القوة منه، أو القبول بالفصل السادس مع التهديد باللجوء إلى الفصل السابع في حال التعطيل؛ إذ من المهم بالنسبة للدبلوماسية الفرنسية النظر في محتوى الفصل السابع، والتدابير التي ينص عليها للتأكد من أن النظام السوري سينفذ التزاماته كافة، وأن عملية نزع ترسانته من أسلحة الدمار الشامل ستنفذ على النحو المطلوب.

الثاني: النظر في إمكانية تسليح المعارضة السورية. فمع الصعوبات التي تواجه استصدار قرار من مجلس الأمن يجيز استخدام القوة العسكرية بحق النظام السوري؛ فإن القيادة الفرنسية بدّلت موقفها بشأن إمكانية تسليح المعارضة السورية، وهي قد أعلنت مع بريطانيا عن دعمهما لرفع حظر الأسلحة المفروض على المعارضة السورية المعتدلة، الأمر الذي كانت تعارضه من قبل من دون الحصول على تفويض رسمي من مجلس الأمن، وإن أبدت باريس تحفظها، مطالِبةً بضرورة توخي الحذر نتيجة وجود الجماعات المتطرفة في المعارضة المسلحة، مثل “جبهة النصرة” المؤيدة لتنظيم القاعدة.

كما أعلنت الرئاسة الفرنسية في 13 سبتمبر 2013، عن اتفاق باريس مع ثلاث دول عربية على تعزيز الدعم للمعارضة السورية، حيث عقد الرئيس الفرنسي في قصر الإليزيه جلسة مباحثات مشتركة مع وزراء خارجية كل من المملكة السعودية سعود الفيصل، والإمارات عبد الله بن زايد، والأردن ناصر جودة، تركزت في الأساس حول سوريا، وأعاد هولاند خلال ذلك طرح موضوع تسليح المعارضة في سوريا.

الثالث: محاولة القيام بالجهد الأكبر في جهود حل الأزمة السورية سياسيًّا. وفي كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 24 سبتمبر 2013، قال الرئيس هولاند: “إن الحل في سوريا يجب أن يكون سياسيًّا. ضيعنا الكثير من الوقت. واستخدم النظام السوري هذه الفترة لتصعيد العنف، كما استغلت الجماعات الإرهابية في سوريا جمود المجتمع الدولي في الإضرار بالقوى الديمقراطية في الائتلاف الوطني السوري”، وواصل: “لهذا السبب يجب عقد مؤتمر “جنيف- 2” في أقرب وقت ممكن”، مؤكدًا: “إن “جنيف– 2″ بالنسبة لفرنسا ليس لقاء للحديث فقط، وإنما اجتماعًا لاتخاذ قرارات تتعلق بتشكيل حكومة انتقالية تتمتع بجميع الصلاحيات التنفيذية، وتكون مهمتها إعادة السلم الأهلي، وحماية كل الجماعات السورية، وتنظيم الانتخابات عندما يحين الوقت”.

وكشفت مصادر فرنسية مطلعة عن رغبة الدبلوماسية الفرنسية في توسيع الحلقة المشاركة في مؤتمر “جنيف- 2” للسلام بشأن سوريا المزمع عقدة في يناير 2014. وأوضحت أن باريس تريد دورًا خليجيًّا-عربيًّا في المؤتمر، بالإضافة إلى إشراك مجموعة الـ11 الضيقة من “أصدقاء الشعب السوري”، وأيضًا الصيغة الموسعة لهذه المجموعة، وذلك بجانب دعم فرنسا لفكرة إشراك إيران في مؤتمر جنيف المقبل شريطة قبولها بمقررات جنيف الأول في يونيو 2012، والتي تدعم تشكيل سلطة انتقالية في سوريا لا تشمل الرئيس الأسد.

وتعتبر فرنسا أن الفترة الفاصلة عن الموعد المبدئي لالتئام “جنيف- 2” يجب أن تخصص للتحضير الجيد للمؤتمر، ومعالجة المشكلات التي حالت إلى الآن دون الدعوة إليه، حيث إن المؤتمر كان مقررًا انعقاده في نهاية مايو الماضي.

حدود الدور الفرنسي في المنطقة:

على الرغم من الدور الذي تسعى فرنسا للقيام به عالميًّا، وخصوصًا في منطقة البحر المتوسط والساحل الإفريقي، فالملاحظ أن ذلك الدور لفرنسا يرتبط بحدود الدور الذي تقوم به الولايات المتحدة في المنطقة، حيث سعت فرنسا -وعلى خلاف محاولاتها في السابق الاستقلال بدورها على الساحة الدولية- إلى تعزيز نفوذها العالمي بالتعاون مع واشنطن في الملفات الإقليمية، مستغلة في هذا الصدد خروج بريطانيا مبكرًا من التحالف الدولي ضد سوريا، وذلك بعد رفض مجلس العموم البريطاني خطط توجيه ضربة عسكرية لسوريا في 29 أغسطس 2013، وهو ما سعت فرنسا إلى استغلاله كفرصة تاريخية للعودة بقوة إلى دور الحليف الأول للولايات المتحدة في القارة الأوروبية.

غير أن الموقف الفرنسي بدا معزولا مع تراجع الرئيس الأمريكي باراك أوباما عن قراره بتوجيه ضربة عسكرية لسوريا، وذلك بعد توصل وزيري خارجية موسكو وواشنطن في 14 سبتمبر 2013 إلى اتفاق يقضي بتدمير الترسانة السورية من الأسلحة الكيميائية في موعد لا يتعدى منتصف عام 2014، وبات من شبه المؤكد أن استخدام القوة ضد سوريا وفقًا لقرار دولي يتطلب العودة مرة أخرى إلى مجلس الأمن من أجل إصدار قرار آخر يشير بكل وضوح إلى إخلال دمشق بالتزاماتها الدولية بالنسبة لتدمير أسلحتها الكيميائية، وبضرورة استعمال القوة ضدها.

وذلك في حين راهنت فرنسا كثيرًا على الملف السوري في أفق استعادة نفوذها في الشرق الأوسط، ولعب دور بارز في حل هذه الأزمة، سواء بمقترحات عسكرية أو إنسانية، مما يفسر سعي فرنسا إلى تعزيز دورها في محادثات جنيف المقبلة، حيث ترغب في المحافظة على حضورها في الملف السوري رغم تعرضها لتهميش واضح في ضوء الاتفاق الروسي-الأمريكي، وإصرار الرئيس السوري بشار الأسد على استبعاد أي دور مستقبلي للاتحاد الأوروبي، لا سيما باريس في حل الأزمة السورية.

باحثة بالشئون العربية
نشرت في العلاقات الأقليمية
من أرشيف RCSS

سوريا
مالي
إيران

المزيد في هذه الفئة : « دلالات تزايد اهتمام موسكو بمنطقة الشرق الأوسط احتمالات التقارب بين إيران ودول الخليج بعد اتفاق جنيف »
رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة
نص التعليق * أدخل رسالتك هنا… اسم * البريد الإلكتروني *
عد إلى الأعلى
مقالات

النظام السياسي العربي بين الركود والعشوائية! النظام السياسي العربي بين الركود والعشوائية!
السـيد يسين
مانديلا الذي تمنته منطقتنا مانديلا الذي تمنته منطقتنا
طارق الحميد
توجهات الرأي العام الإيراني توجهات الرأي العام الإيراني
جيمس زغبي

In Depth

دوافع التحركات الفرنسية من مالي إلى سوريا دوافع التحركات الفرنسية من مالي إلى سوريا
إيمان أحمد عبد الحليم

ملفات RCSS

العلاقات الأمريكية- الإيرانية من الصدام إلى الصفقة ( ملف) العلاقات الأمريكية- الإيرانية من الصدام إلى الصفقة ( ملف)
إعداد: عمرو عبد العاطي

Ads4

القضايا
التحولات الداخلية
العلاقات الأقليمية
القضايا الأقتصادية
الأمن الأقليمى
الرأى العام

التحليلات
التقديرات
التقارير
المقالات

الأصدارات
حالة الأقليم
دراسات الشرق الاوسط
حالة العالم

الأنشطة
الندوات العامة
حلقات النقاش
ورش العمل
المحاضرات العامة
اللقاءات الخاصة

المشروعات
مستقبل الثورة المصرية
حالة النظام الأقليمى
الرأى العام العربى

الخبراء

Copyright © 2012 . All Rights Reserved RCSS

Powered by Nile-Tech
Facebook

دستور للدولة .. أم لأعدائها ؟ .. بقلم جلال عارف

كاتب الموضوع الأصلي: صالح العبيسي 333

فى نفس الوقت الذى كان أصدقاء الشهيد «جيكا» من شباب الثورة ينظّمون وقفة سلمية، أول من أمس، أمام نقابة الصحفيين، طلبًا للقصاص من قاتليه، كانت مصر تودّع شهيدين جديدين من ضباط الشرطة سقطا بيد الغدر وسلاح الإرهاب.

فى المساء، كنا أمام المشهد المحزن أمام مجلس الشورى ومنطقة وسط البلد، والصدام المؤسف بين الشباب ورجال الشرطة، لم تكن هناك ضحايا والحمد لله، لكن مقدار الحزن الذى سكن قلوب الخائفين على الوطن كان بلا حدود.

ليس هذا وقت تبادل الاتهامات، ولكنه وقت محاصرة الحريق الذى يريد البعض به إحراق الوطن أو سرقة الثورة مرة أخرى!! ليس هذا وقت التشرذم وتفتيت الصفوف، بل وقت إنقاذ سفينة الوطن التى يريد لها البعض أن تغرق، بينما الركاب يتنازعون على لا شىء!!

مَن قتل «جيكا» هو مَن يقتل اليوم جنودنا فى سيناء من رجال الجيش والشرطة، وهو الذى يقتل الأطفال ويحرق الكنائس ويعد قوائم الاغتيال التى لا تفرق بين يمين ويسار، ولا بين مدنى وعسكرى، فالإرهاب أعمى، والمؤامرة تستهدف مصر لا فريقًا فيها، والتجربة ليست بعيدة يا أولى الألباب، حين وقف مرسى قبل عزله بأيام وسط جنرالات الإرهاب يهددون مصر كلها بالموت، وبأن قتلاهم فى الجنة وقتلانا فى النار!!

ليست صدفة أننى كتبت أمس عن تحالف الثورة الذى لا بد أن يكون الحفاظ عليه هو مهمتنا الأولى فى هذه المرحلة، فأنا -مثل غيرى- نرى الخطر ماثلًا، ونخشى من أن نهدر جميعًا الدروس التى لا بد أن نتعلّمها من الفشل الذى حققناه بعد ثورة يناير، وكيف ارتكبنا كل الأخطاء الممكنة، فجعلنا سرقة الثورة من جانب الإخوان هى النتيجة الحتمية التى كادت تعصف بالوطن وتقوده إلى الكارثة، لولا إرادة شعب مصر التى فرضت على الجميع أن يتوحّدوا ليسقطوا الحكم الفاشى ويستعيدوا الثورة لأصحابها!!

ليس الخطير أن هناك خلافًا -مهما كان حجمه- على قانون التظاهر أو على مواد الدستور، الخطورة الحقيقية أن البعض يريد لنا بعد 30 يونيو أن نعيد إنتاج الفشل الذى حققناه بعد ثورة يناير. وهذا هو المستحيل الذى لا ينبغى أن تكون أمامه أى فرصة للتحقق!!

الأخطاء فى القانون واردة، والحكومة نفسها اعترفت بها حين قررت طرح القضية للنقاش من جديد «ما كان من الأول!!».. والخلافات حول مواد الدستور لن تنتهى حتى بعد إقراره، وعلينا أن لا نتوقف عن القتال من أجل دستور يليق بمصر ويحافظ على وحدة تحالف الثورة، ويكون الأساس لبناء النظام الذى يستطيع تحقيق أهدافنا فى دولة حديثة وديمقراطية.

المهم فى كل ذلك.. أن نختلف ونحن حلفاء، وأن ندرك أن هذا ليس وقت توزيع المكاسب بل تقديم التضحيات، نحن فى حرب حقيقية، وفى الحرب ينسى رفاق السلاح خلافاتهم الصغيرة ليواجهوا العدو، لينتصروا فى المواجهة، عدوّنا الآن هو الإرهاب الذى يقوده الإخوان وحلفاؤهم لتدمير الوطن، وهو التآمر الخارجى الذى يقدّم الدعم لهذا الإرهاب والذى لا يريد لثورة مصر أن تنتصر، والذى سيفعل المستحيل لتعطيل مسار بناء النظام الجديد، بدءًا من الخطوة الأساسية باستكمال الدستور «الذى نرجو أن يكون ترجمة أمينة للثورة»، والاستفتاء عليه الذى سيكون تأكيدًا جديدًا على إرادة الشعب التى أسقطت حكم الإخوان الفاشى، والتى تواجه الآن إرهابهم وتآمرهم.

يعلم الله مقدار الألم الذى أشعر به وأنا أكتب هذه الكلمات، ولو تركت العنان لنفسى لقلت الكثير عما حدث من أخطاء وخطايا فى هذه الأحداث المؤلمة وغيرها، ولكنى أؤمن أن إطفاء الحريق الصغير هو الواجب الأول الآن، وأن محاصرة آثار ما حدث هى ما ينبغى أن نوجّه إليه اهتمامنا، حتى لا يتحقق ما نخشاه وما يتمناه الأعداء!!

على الشرطة أن تدرك أن ممارسات الماضى لا يمكن أن تعود، وأن حمايتها الحقيقية تأتى بأن تكون مع قوى الثورة على خط واحد لبناء الدولة وتحقيق الاستقرار، وعلى قوى الثورة أن تدرك أن الشعب لن يسمح بعد 30 يونيو بتكرار الفشل الذى تحقّق بعد يناير، ولن يترك مصيره للخلافات الصغيرة أو التناقضات الثانوية، وأنه لن يتسامح مع أى خطوة تصب فى مصلحة تحالف الإرهاب بقيادة الإخوان أو مؤامرات الأعداء لسرقة الثورة مرة أخرى، أو لإغلاق الطريق على بناء مصر التى نحلم بها وطنًا للحرية والعدل.

قبل أيام رفض الدكتور الببلاوى اعتبار «الإخوان» جماعة إرهابية!! عنده حق، وإلا فكيف يمكن تبرير إلقاء فتيات فى الصحراء فجرًا كما حدث أمس؟! وكيف يمكن التعامل مع شباب هم -رغم أى خلاف أو اتفاق- جزء من تحالف الثورة، بهذه الكيفية؟ وهل كان يمكن أن يحدث ذلك لو كانت لدينا حكومة لا تعتبر أن تعاطى السياسة رجس من عمل الشيطان؟!

■ الخضيرى.. والعيب

أختلف أو أتفق مع المستشار محمود الخضيرى، لكن ما يحدث معه يدخل فى دائرة العيب، هل هناك عقل رشيد يوقف هذه الخطيئة؟!